Полный текст (194 стр.). Показаны 176–194 · переход к 181.
стр. 176
إذ هو برجُلٍ قائم، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيلَ، نذَرَ أن يقوم ولا يقعُدَ، ولا يستظل، ولا يتكلَّم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مُرُوهُ فليتكلَّمْ، وليستظِلَّ، وليقعُدْ، وليُتِمَّ صومَه».
القسم السابع: النذر المكروه، مثاله: كما لو نذر طلاقَ زوجته، أو السفر وحده، أو أكل الثُّومِ، ونحو ذلك، فهذا يكره الوفاء به، ولا كفارة عليه.
القسم الثامن: النذر المبهَم، وهو النذر الذي لم يُسَمِّ ما أوجب فيه المكلَّفُ على نفسه ما نذره، قال البهوتي في كشاف القناع: (المطلَق: كعلَيَّ نذرٌ، أو لله عليَّ نذر، سواءٌ أطلق أو قال: إن فعلتُ كذا، وفعَله ولم ينوِ بنذره شيئًا معينًا).
والنذر المبهَم منعقِد، وتجب فيه كفارةُ يمين؛ لحديث عقبةَ بن عامر ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «كفارةُ النذرِ: كفارةُ اليمين»؛ رواه مسلم.
مسألةٌ: مشروعية الاستثناء في النَّذْر، إذا نذَر المسلِم فإنَّه يُشرَع له أن يستثني في نذره بالمشيئة، فيقول مثلاً: إنْ شفى اللهُ مريضي، فللَّه عليَّ إن شاء الله أن أصوم يومًا، وبهذا يستفيد فائدتينِ:
الفائدة الأولى: الاستجابةُ لأمر الله، والاقتداء بالنبي ﷺ ؛ كما تقدم في أحكامِ اليمين.
الفائدة الثانية: أنه إذا تحقَّق ما علَّق عليه مِنْ النذر، فإنَّه لا يَلزَمه شيء.
وقد تقدم دليلُ ذلك في الاستثناء بالمشيئة في اليمين.
ضابط: الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وعلى هذا إذا نذر صلاة أو صومًا ونحو ذلك اشترط فيه ما يشترط في الواجب بالشرع.
стр. 177
مسألة: إذا نذر صوم شهر لزمه التتابع إن كان معينًا أو شرط التتابع أو نواه وكذا أن نذر صوم سنة أو أيام.
مسألة: إن نذر اعتكاف يوم دخل مُعتَكفه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإن نذر اعتكاف ليلة دخل مُعتكفه من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
مسألة: من نذر عبادة وعَجَزَ عنها فله أحوال:
الحال الأولى: أن يكون لعذر لا يرجى زواله، فينتقل إلى بدلها، كما لو نذر صيامًا وعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله، فيُطعِم عن كل يوم مسكينًا كالواجب بالشرع.
الحال الثانية: إذا نذر عبادة وعجز عنها لعذر ولم يكن لها بدل فتسقط كما لو نذر اعتكافًا وعَجَز عنه؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع.
الحال الثالثة: إذا نذر عبادة وعَجَزَ عنها وأمكن النيابة فيها، أناب غيره فيها، كالحج والعمرة.
الحال الرابعة: إذا نذر عبادة وعَجَزَ عنها لعذر يرجى زواله، قضاها بعد زوال العذر، كما لو نذر صلاة أو قراءة في وقت معين ثم نام عنها.
الحال الخامسة: إذا عَجَزَ عن بعض العبادة وقدر على بعضها فعل ما قدر عليه، كما لو نذر أن يقرأ القرآن مصليًا وعَجَزَ عن قراءته حال الصلاة، فيقرؤه خارجه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغَابُن: ١٦].
فرع: إذا نذر عبادة وغير عبادة وجب الوفاء بالعبادة؛ لحديث ابن عباس، قال: «بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال
стр. 178
النبي ﷺ : مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» رواه البخاري، فأمره النبي ﷺ أن يتم صيامه؛ لأنه عبادة، ونذر القيام وعدم القعود وعدم الاستظلال فأمره النبي ﷺ ألا يتمه؛ لأنه ليس عبادة، فيأخذ حكم النذر المباح أو المحرم.
مسألة: من نذر عبادة ثم مات قبل فعلها، فإن لم يتمكن من فعلها حتى مات فلا شيء، عليه كما لو نذر أن يصوم في شعبان فمات قبله، وإن تمكن من فعلها استحب قضاؤها عنه إن كانت بدنية.
وإن كانت مالية، أو لها بدل مالي، كما لو نذر الصيام، أو تصح النيابة فيها كالحج؛ وجب قضاؤها عنه إن خَلَّفَ تركةً، فيطعم عن الصيام، ويحج عنه، وإلا استحب كما لو نذر حجًّا وتمكن منه ولم يفعله حتى مات، فإن خَلَّفَ تركةً وجب فعله وإلا فلا؛ وكما لو نذر صدقة وتمكن منها فمات ولم يفعلها وخَلَّفَ تركةً وجب إخراجها من تركته، وإلا استحب؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع.
стр. 179
كتاب الأطعمةِ
الطعامُ في اللغة: يقعُ على كلِّ ما يُطعَمُ، حتى الماء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩].
وقوله ﷺ في ماء زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْمٍ»؛ رواه مسلِم.
مسألة: الأصل في الأطعمة: الحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا﴾، [البَقَرَة: ١٦٨] وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المَائدة: ٤]، فكلُّ مأكولٍ ومشروب الأصلُ فيه الحِلُّ.
مسألة: يحرُمُ مِنْ الطعام ما يلي:
الضابط الأول: كل مضرٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩].
فرعٌ: حكمُ تناوُلِ السمِّ، إن كانت نسبتُهُ يسيرةً، وفيه مصلحة: جاز ولا مضرة، كاستعماله في الأدوية، والحكمُ يدور مع علَّتِه؛ وجودًا وعدَمًا.
الضابط الثاني: كل نجسٍ محرَّم، والنجاسة تنقسم إلى قسمين:
أ-نجاسة عينيَّة؛ أي: ذاتها نجس كالميتة والدم المسفوح.
ب-نجاسة حُكْمية؛ وهي: التي أصلها طاهرٌ، ثم طرأت عليها النجاسةُ؛ كما لو وقَعَ بول على طعام؛ فيحرُمُ، إلا إن طُهِّر.
стр. 180
والدليل على أن كلَّ نجس محرَّم: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المَائدة: ٣]، وقوله ﷺ في الخمر: «أكفِئُوها؛ فإنَّها رِجْسٌ».
الضابط الثالث: الحُمُر الأهلية محرَّمة؛ وهذا هو قولُ الجمهور رحمهم الله تعالى؛ خلافًا للإمام مالك رحمه الله تعالى.
والدليل: حديثُ جابرٍ ﵁: «أن النبيَّ ﷺ نهى يوم خَيْبَرَ عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأَذِنَ في لحوم الخيل»؛ متفق عليه، قال ابن عبد البَرِّ رحمه الله تعالى: (لا خلاف اليوم في تحريمِها).
الضابط الرابع: كل ذي نابٍ مِنْ السباع محرَّمٌ؛ مثل: الأسَد، والنَّمِر، والذئب، والفهد، والهر، ونحو ذلك.
والدليل على ذلك: حديثُ أبي ثَعْلبة الخُشَني ﵁: «نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السِّباع»؛ متفق عليه، قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافًا في أن القِرْدَ لا يؤكَلُ، ولا يجوز بيعُه)، وذكَرَ ابن القيِّمِ أنَّ ذا النابِ لا يحرُمُ إلا إذا كان يعدو بنابه.
الضابط الخامس: كلُّ ذي مِخلَبٍ من الطير يَصِيد بمِخلَبه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مِخلَبٍ من الطير»؛ رواه مسلم، مثل: العُقَاب، والباز، والصَّقر، والشاهين، والحِدَأة، والبُومة، ونحو ذلك.
الضابط السادس: ما أمَر الشارعُ بقَتْلِه، فإنَّه محرَّم؛ مثل: الوَزَغ، والغُرَاب الأبقع، والفأرة، والحيَّة، والعَقْرب، والكلب العقور؛ لأن الله تعالى أمر بقتلها، ولو كانت مباحة لأمر بتذكيتها.
стр. 181
الضابط السابع: ما نهى الشارعُ عن قتلِه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «نهى رسولُ الله ﷺ عن قتلِ أربعٍ من الدوابِّ: النملة، والنَّحْلة، والهُدْهد، والصُّرَد»؛ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجَه.
الضابط الثامن: ما كان مستخبَثًا، ويمثِّلُ له العلماءُ -رحمهم الله تعالى- بالحشراتِ، كالصراصير والذباب ونحوها؛ وهذا رأيُ الجمهور رحمهم الله تعالى؛ لأن الله تعالى أحَلَّ لنا الطيِّبات، وحرَّم علينا الخبائث.
قال شيخُ الإسلام رحمه الله تعالى: (الطِّيب والخُبْث: وصفٌ قائمٌ بالأعيان، وليس المراد مجردَ التلذُّذ؛ فإن الإنسان قد يتلذَّذُ بما يضُرُّ من السُّموم؛ فالطيِّبات: المطاعمُ النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث: الضارةُ للعقول والأخلاق).
وعلى هذا، لا عِبْرةَ لاستقباح الناس واستطابتهم؛ لأنَّ منهم مَنْ يستطيب القبيحَ؛ فالحشرات تحرُمُ إذا كانت مُضرَّةً، وتدخل في القسم الأول.
الضابط التاسع: ما تولَّد مِنْ مباحِ الأكل ومحرَّم الأكل، مثل: البغل: متولد بين الفرس والحمار، والسِّمْع: متولِّد بين الذئبِ والضَّبُع، لأنه إذا اجتمع مبيح وحاظر؛ غلب جانب الحظر.
الضابط العاشر: الجلاَّلة: وهي التي علَفُها النجاسةُ؛ ودلَّ على ذلك حديثُ ابن عمرَ ﵄: «نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ الجلاَّلة، وألبانها»؛ رواه أحمد وأبو داود.
وقيل في تطهيرها: تُحبَسُ ثلاثًا وتطعم الطاهر؛ كما ورد عن ابن عمرَ ﵄ في مصنَّفِ ابن أبي شَيْبة رحمه الله تعالى، فإذا ظهر أثر النجاسةُ في دَمِها، أو رائحتها، أو كان يسبِّبُ أكلُها ضررًا حرمت وإلا كانت مباحة؛ لأن الأصل أن النجاسةَ تُطهَّرُ بالاستحالة.
стр. 182
فرع: يباحُ أكلُ لحمِ الخيل؛ قالت أسماءُ ﵂: «نحَرْنا فرَسًا على عهد رسول الله ﷺ ، فأكَلْناه ونحن بالمدينةِ»؛ متفق عليه.
فرع: يباحُ أكلُ الضَّبُعِ؛ وهو رأيُ الجمهور رحمهم الله تعالى، ويدل عليه: أنه ﷺ جعل فيها جزاءً لمن قتَلَها وهو مُحرِمٌ؛ مما يدلُّ على أنها صيد يؤكل.
فرع: يباحُ كل ما في البحرِ؛ وهو كلُّ ما لا يعيشُ إلا في الماء؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المَائدة: ٩٦]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتتُه»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه التِّرمِذي.
فرع: البَرمائي: وهو ما يعيش في البَرِّ والبحر، يأخذ حكمَ حيوان البَرِّ؛ تغليبًا لجانب البر احتياطًا، وعليه فالأصلُ فيه: الحِلُّ، إلا ما دخل في ضوابطِ التحريم السابقة.
مسألة: له أن يأكلَ في حال الضرورة ما يحرُمُ، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (يجب على المضطرِّ أن يأكل ويَشرَبَ ما يُقِيمُ نفسه، ومن اضطُرَّ ولم يأكُلْ أو يَشرَبْ، دخل النارَ).
فرع: الأكلُ من المحرَّمِ له شروط:
١ - أن يأكل ما يسُدُّ رمَقَه؛ أي: ما يُمسِك حياتَه، والضرورة قسمانِ:
أ-أن تكون مستمرةً؛ كما في حال المجاعةِ؛ فله أن يَشبَع.
ب-أن لا تكون مستمرةً، بل طارئة؛ فيأكل ما يسُدُّ رمَقَه.
٢ - وجود حقيقة الضرورة.
стр. 183
٣ - أن لا يكون في سفَرٍ محرَّم؛ وهذا رأيُ الجمهور؛ ودليلُهم: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٣].
والرأي الآخَرُ لأبي حنيفةَ، واختيار شيخ الإسلام رحمهم الله تعالى: أنَّ له ذلك؛ وهو الأقربُ؛ لأن الشارع أطلق الإباحة حال الضرورة، وهذا يشمل حال الطاعة وغيرها، وأما الآية: فالمراد بالباغي: من يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، وبالعادي: الذي يأكل أكثر من حاجته.
٤ - أن لا تندفع حاجتُهُ إلا بهذا المحرَّمِ.
مسألةٌ: إذا اضطُرَّ إلى مال الغير، فهذا ينقسمُ إلى قسمين:
القسم الأول: أن يُضطَرَّ إلى عينِ مال الغير؛ مثل: أن يضطرَّ إلى أكلِ خبزِ زيد؛ وهذا القسمُ لا يخلو:
أ-أن يكون صاحبُهُ مضطرًّا إليه، فقيل: لا يجوز للمالك بَذْلُهُ لغيره وهو مضطرٌّ، واختار ابن القيِّمِ: جوازَ ذلك، وأنه غايةُ الجُود والسَّخاء؛ والدليل: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحَشر: ٩].
ب-أن يكون صاحبُهُ غيرَ مضطر؛ فيجب عليه أن يبذُلَه له.
فرع: إذا اضطر إلى أكل مال غيره جاز له الأكل منه ولو بلا إذن؛ دفعًا للضرورة، وهل عليه ضمانٌ إذا أكل؟
ذهب الجمهورُ: إلى أن عليه الضمان.
وعند المالكية: إذا أكل ما يسُدُّ رمَقَهُ، لا ضمانَ عليه.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه يُفرَّقُ بين الغني فيضمن، والفقير فلا يضمن؛ وهذا هو الأقرب.
стр. 184
القسم الثاني: أن يُضطَرَّ إلى نفعِ مال الغير؛ مثل: أن يحتاج أخذَ الثوب لشِدَّة البَرْد، أو السيارة للركوب، ونحو ذلك: فيجب بَذْلُهُ؛ لأنَّه تعالى ذَمَّ مَنْعَهُ بقولِهِ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾ [المَاعون: ٧].
فإن احتاج ربُّه إليه، فهو أحقُّ به من غيره؛ لتميُّزه بالمِلك.
مسألة: يجوز أن يأكل من ثمار وزروع المزارع ؛ لورودِ ذلك عن الصحابة ﵃، لكن بشرطِ: ألا يَحمِلَ معه شيئًا، ولا يرمي الشجر، وألا يكون هناك ناظرٌ أو حائط، وألا يأكل مِنْ المجموع.
مسألة: تجب ضيافةُ المسلِم على المسلِم، والدليل على ذلك: حديثُ عُقْبةَ بن عامر ﵁: قلت للنبيِّ ﷺ : «إنك تَبعَثُنا، فننزل بقومٍ لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال: إن نزَلتُم بقوم، فأُمِرَ لكم بما ينبغي للضيف: فاقبَلوا، وإن لم يفعلوا، فخُذوا منهم حقَّ الضَّيف الذي ينبغي له»؛ متفق عليه، ولو لم تَجِبِ الضيافةُ، لم يأمُرْهم بالأخذ.
فرع: يلزم إيواءُ الضيف، سواءٌ في بيته، أو يستأجر له.
فرع: مدة الضيافة الواجبة: يومٌ وليلة، والأفضل: ثلاثة أيام؛ لحديث أبي شُريح الكعبي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» رواه البخاري.
стр. 185
كتاب اللباس.
الأصل في اللباس الطهارة ولو لكافر ؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَة: ٢٩].
مسألة: ويستحب البياض، لحديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «البسوا ثياب البياض، فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وصححه الحافظ ابن حجر.
مسألة: ويكره الأحمر ونحوه، روى علي ﵁: «نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب - إلى أن قال - وعن لباس المعصفر» رواه مسلم.
ويباح ما عداه؛ لحديث أبي رِمْثَة قال: «رأيت النبي ﷺ وعليه بردان أخضران» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، ولحديث عائشة قالت: «خرج النبي ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود» رواه مسلم.
مسألة: وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره ؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» رواه البخاري ومسلم.
مسألة: ويحرم لبس ما فيه صورة حيوان أو صليب، ونحو ذلك؛ لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» رواه البخاري ومسلم، ولحديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليبُ إلا نقضه»؛ رواه البخاري.
стр. 186
مسألة: ويحرم على ذكر: لُبْسُ ذهبٍ خالص دون يسير تابع؛ لحديث البراء بن عازب ﵂ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع -إلى أن قال-: ونهانا عن خواتيم -أو عن تختم- بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القَسِّيِّ، وعن لُبْسِ الحرير والإستبرق والديباج» رواه البخاري ومسلم.
ولُبس حريرٍ إلا لحاجة، أو علمًا أربعة أصابع فما دون في الموضع الواحد، فإذا كان علم حرير قدره ثلاثة أصابع يكون علم القطن أو الصوف ونحو ذلك أربعة أصابع ونحو ذلك؛ لقوله ﷺ في حديث عمر ﵁: «لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» متفق عليه، ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «نهى نبي الله عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع» أخرجه مسلم.
فرع: يباح للذكر من الحلي: الخاتم من غير الذهب؛ لما روى عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ «اتخذ خاتمًا من ذهب، وجعل فَصَّه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به واتخذ خاتمًا من ورق أو فضة» رواه البخاري ومسلم.
وجعله بخنصر يسار أفضل، ويكره في الوسطى والسبابة، ويباح فيما عداهما؛ لما روى علي ﵁: «نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في إصبعي هذه أو هذه. قال: فأومأ إلى الوسطى والتي تليها» رواه مسلم.
مسألة: ويباح للنساء ما جرت عادتهن بلبسه ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *﴾ [الزّخرُف: ١٨].
стр. 187
فرع: يكره أن يمشي في نعل واحدة ولو يسيرًا، ولو لإصلاح الأخرى، مالم يكن هناك حاجة، للنهي عن ذلك في الصحيحين، ويحرم إسبال الثوب وغيره أو لبس الذكر ما يختص بالأنثى، أو بالعكس، أو لبس ثوب شهرة؛ لما روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» رواه البخاري.
وقال أبو هريرة ﵁: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبَس لبسةَ المرأة، والمرأة تلبس لِبسةَ الرجل»؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى، وإسناده حسن.
مسألة: ومن هديه ﷺ أنه كان يحتفي أحياناً، فعن ابن عمر في عيادته ﷺ لسعد بن عبادة قال: «فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص نمشي في السباخ»؛ رواه مسلم.
стр. 188
كتاب الذَّكاة
الذكاة لغةً: تمامُ الشيء؛ ومنه: الذكاء في الفَهْم، إذا كان تامَّ العقل.
واصطلاحًا: ذبحُ أو نحرُ الحيوان المأكول، البرِّي، المقدور عليه.
والأصل فيها: القرآن، والسُّنة، والإجماع.
فمِن القرآن: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المَائدة: ٣].
ومن السنة ما يأتي.
والإجماع منعقِدٌ على ذلك.
والحكمة من الذكاة: أن الحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب؛ لأنه يسارع إليه التجفيف، فإن الميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات، وإلا فالموت لا يقتضي التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصل بغيرها، وإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلات تزيلها الذكاة لم يحرم بالموت ولم يشترط لحله كالجراد.
وحرمت الميتة أيضًا؛ لافتقادها ذكر اسم الله عليها الذي يؤثر ذكره على المذكاة طيبًا، ويطرد الشيطان عنها، فالذكاة تطيب الحيوان حِسًّا بإخراج الدم منه، ومعنوياً بذكر اسم الله يطرد الشيطان عنها.
مسألة: ما لا يعيش إلا في الماء يباحُ بدون تذكيةٍ ؛ وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحيتان، والكبد، والطحال»؛ رواه البيهقي، وإسناده صحيح.
стр. 189
مسألةٌ: شروط الذَّكاة:
أولاً: كونُ المُذكِّي ممن يمكِنُ منه قصدُ التذكية؛ وهو العاقل المميِّز؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المَائدة: ٣]، فدل على قصد التذكية.
ثانيًا: أن يكون المذكي مسلمًا أو كتابيًّا؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَة: ٢٩]، وأما المسلم فبالإجماع، قال ابن هبيرة في الإفصاح: (وأجمعوا على أن ذبائح الكفار من غير أهل الكتاب غير مباحة).
فرعٌ: يشترط لحِلِّ ذبيحة الكتابي ما يشترط لحِلِّ ذبيحة المسلِم؛ وهو رأي الجمهور.
مسألة: شروط التذكية:
أولاً: الآلة: فيَحِلُّ الذَّبْحُ بكل محدد يَنهَرُ الدمَ، غيرَ السِّنِّ والظُّفُر؛ لحديثِ رافع بن خَدِيجٍ ﵁، مرفوعًا: «ما أنهَرَ الدَّمَ فكُلْ؛ ليس السِّنَّ والظُّفُرَ»؛ متفق عليه.
ثانيًا: قطعُ الحُلْقوم، والمَرِيء، والوَدَجينِ، وعند شيح الإسلام رحمه الله تعالى: يكفي قطعُ ثلاثةٍ من أربعة؛ وهو مذهب الحنفية.
والحُلْقوم: مجرى التنفُّس، والمَرِيء: مَجرَى الطعام، والوَدَجانِ: عِرْقان مُحيطانِ بالحُلْقوم؛ لما تقدم من حديث رافع بن خديج ﵁.
ثالثًا: أن يكونَ في الحيوان حياةٌ مستقرة؛ وهو الذي إذا ذُكِّيَ سال منه الدمُ الحارُّ.
стр. 190
رابعًا: قول: باسمِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعَام: ١٢١]، وقوله ﷺ في حديث رافع بن خَدِيجٍ ﵁: «ما أنهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسمُ الله عليه: فكُلْ»، ولا تسقُطُ سهوًا، وتكون التسمية عند حركة اليد بالذبح، ويجزئ إن تقدمت بيسير.
فرع: تجزئُ التسميةُ بلفظ الجلالة (الله) وبغيره من الأسماء المختصة بالله ﷻ ، وتكون عند حركة الذابح بالذَّبْح، ولا بد مِنْ النُّطْق بها، إلا العاجزَ، وتُجزِئ عنه الإشارة.
والحكمةُ من التسمية: أنها تطيِّبُ الذبيحةَ، وتطرُدُ الشيطان.
خامسًا: أن يَقصِدَ الأكل، فإن ذبَحَها ليُبرِئَ يمينَه، أو ليتعلَّمَ، أو ليُرِيحَها من مرض ونحو ذلك، فلا تَحِلُّ؛ وهذا اختيارُ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؛ ودلَّ عليه: حديثُ عبدِ الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «ما مِنْ إنسانٍ يقتُلُ عصفورًا فما فوق بغيرِ حقِّها، إلا سأله اللهُ عنها، قيل: فما حَقُّها؟ قال: أن تَذبَحَها فتأكلَها، ولا تَقطَعَ رأسها فتَرمِيَها»؛ أخرجه النَّسَائي.
سادسًا: ألا يُهِلَّ به إلا لله تعالى؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٣]
فرع: ذكاة ما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشة الشاردة، جَرْحُه في أي موضع كان من بدنه، لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: «ند بعير، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه، فقال ﷺ : ما ند عليكم فاصنعوا به هكذا»؛ متفق عليه.
فرع: المنخنقة: بحبل ونحوه، والموقوذة: المضروبة بحجر ونحوه، والمتردية: الساقطة من علو، وأكيلة سبع: إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة -إذا
стр. 191
ذكيت خرج منها الدم الأحمر الحار- حلت؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المَائدة: ٣].
فرع: ذكاةُ الجنينِ: ذكاةُ أمِّه، ما لم يخرُجْ حيًّا وهو حي حياة مستقرة؛ فلا بد مِنْ ذَبْحه؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في الجنين: «ذكاته ذكاة أمه» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححة ابن حبان وابن دقيق العيد، وحسنه الترمذي، قال ابن المنذر: (لم يرد عن أحد من الصحابة وسائر العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة).
مسألة: آداب الذَّكاة:
١ - يُسَنُّ توجيهُها إلى القِبلة؛ لحديث جابر ﵁ رواه أحمد، وأبوداود، وفيه ضعف، ولأن الكعبة قبلة المسلمين.
٢ - يسن أن يُسرِعَ في ذبحها.
٣ - يحرم أن يذبح بآلةٍ كالَّةٍ، أو أن يكسر عنق ما ذبح، أو يسلخه قبل زهوق نفسه.
٤ - يكره أن يذبح وأختُها تنظُرُ إليها؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحته»؛ رواه مسلم.
٥ - أن يواريَ المُدْيةَ عنها.
стр. 192
كتاب الصيدِ
الصيد: اقتناصُ حيوانٍ حلال متوحِّش طبعًا غير مقدورٍ عليه.
والأصل فيه: الكتاب: قالُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المَائدة: ٢].
ومن السُّنَّة: حديثُ عديٍّ، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والإجماع منعقِدٌ عليه، إذا توفَّرتْ شروطه.
مسألة: الأصل في الصيدُ أنه مباحٌ، ويُكرَه إذا شغَلَ عن مهم، أو من أجلِ اللَّهْوِ، ويحرُمُ إذا آذى الناسَ في حُرُوثهم وماشيتهم.
مسألة: مَنْ صادَ صيدًا وأدركه ميتًا، حَلَّ بشروط:
الأول: أن يكون الصائدُ أهلاً للذَّكاة، وقد تقدم.
الثاني: الآلة؛ وهي نوعانِ:
١ - ما له حدٌّ يُجرَح به؛ كسيفٍ، وسِكِّين، وسهم؛ فلا بد أن يَجرَحَه، ولا يقتُلَه بثِقله؛ لحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد المِعراض قال: «إذا أصبت بحده فكُلْ، وإذا أصبت بعَرْضه فلا تأكل، فإنه وقيذ»؛ متفق عليه، والمعراض: عصًا رأسها محدد.
٢ - جارحة معلَّمة؛ سواءٌ يَصِيدُ بِنابه كالكلب والفهد، أو بمِخلَبِهِ كالصقر والبازي؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المَائدة: ٤]، ولها شروط:
الأول: أن يسترسِلَ إذا أُرسِل؛ لحديث عدي ﵁ أن النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبَك المُعلَّم، وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ، وإن وجدت معه غيره
стр. 193
فلا تأكل، فإنك إن سميت على كلبك ولم تسم على غيره»؛ متفق عليه.
الثاني: أن ينزجِرَ إذا زُجِرَ؛ أي: إذا طُلِبَ منه زيادةُ العَدْوِ، زاد في عَدْوِه.
الثالث: ألا يأكلَ إذا أمسَك؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المَائدة: ٤]، وإذا أكل أمسك لنفسه، ولحديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» متفق عليه.
الرابع: قصدُ الفعل؛ بأن يُرسِلَ الآلةَ لقصدِ الصيد؛ لحديث عدي ﵁ السابق.
الخامس: التسميةُ عند إرسال الجارحة، أو رميِ سلاحه؛ لحديث عدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل»؛ متفق عليه، ولا يضر إن تقدمت التسمية يسيرًا، ولو سمى على صيد فأصاب غيره حل، ويسن أن يقول مع باسم الله: الله أكبر.
السادس: قصدُ الأكل، وقد تقدَّم.
السابع: ألا يكونَ في الحرَمِ، أو حال الإحرام؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المَائدة: ٩٥]
مسألةٌ: إذا رمى صيدًا فوجَده بعد يومٍ أو يومينِ وقد مات، فإن لم يَجِدْ فيه إلا أثَرَ سهمِه، حَلَّ ؛ لحديث عديٍّ ﵁، قال ﷺ : «إذا رمَيتَ الصيدَ فوجَدتَهُ بعد يومٍ أو يومينِ، وليس به إلا أثَرُ سهمِك: فكُلْ، وإن وقع في الماءِ، فلا تأكُلْ»؛ رواه البخاري.
стр. 194
فرع: إذا رمى الصيد فوقع في ماء يقتله ونحو ذلك، فلا يخلو من حالين:
الأول: إن كان جرحه قاتلاً فيحل ولو وقع في ماء، أو تردى من جبل.
الثاني: وإن كان جرحه غير قاتل فلا يحل؛ لعموم حديث عدي، وفيه «وإن وقع في الماء فلا تأكل».
مسألةٌ: إذا أرسل كلبَهُ إلى صيدٍ، فوجده ميتًا، ومعه كلبٌ آخَر، فإن كان الكلبُ الآخَر معلَّمًا: حَلَّ، وإن كان مجهولاً، لم يَحِلَّ؛ لحديث عديٍّ ﵁: «إذا أرسَلتَ كلبَك، ووجَدتَ معه كلبًا آخَرَ، لا تدري أيُّهما أخَذه: لا تأكُلْ؛ فإنما سمَّيتَ على كلبِك، ولم تُسَمِّ على غيرِه»؛ رواه البخاري.
فرع: الصيدُ بالبُنْدُق: إن كانت بالرَّصاصِ: فهي حلالٌ، وإن كانت البُنْدُق عبارةً عن طِينٍ يُحجَّرُ ويدور: فلا يَحِلُّ؛ لأنه يقتُلُ بثِقله.
مسألةٌ: ذبائحُ أهل الكتاب ثلاثةُ أقسام:
الأول: الذبائح التي توفَّرتْ فيها الشروطُ الشرعية: هذه حلال.
الثانية: الذبائح التي لم تتوفَّرْ فيها الشروطُ الشرعية: هذه محرَّمة.
الثالثة: ما شُكَّ فيه، الأصل فيها: أنها حلالٌ؛ لأنَّ الفعلَ الصادر مِنْ أهله يُحمَلُ على الصحة، إلا إذا قامت القرائنُ التي تقوِّي الظاهر على الأصل أنَّ هؤلاء لا يُعنَوْنَ بشروطِ الذَّكاة: فهنا يُغلَّبُ الظاهرُ على الأصل.
والحمد لله رب العالمين