Полный текст (194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أَشْهُرٍ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ومثل ذلك: مَنْ أَيِستْ من الحيض؛ لاستئصال رحمها.
الخامسة: من ارتفع حيضُها، فعِدَّتها سنة، تسعةُ أشهر للحمل، وثلاثة أشهر للعِدَّة؛ لقضاء عمرَ ﵁.
السادسة: المستحاضة التي نسيت موضعَ حيضها، والتي أصابها الدمُ لأولِ مرة: فعِدَّتها ثلاثة أشهر.
مسألة: من فارقت زوجها بفسخ؛ لوجود عيب أو فوات شرط، والمخالعة، والمسبية، والمهاجرة، والأمة التي انتقل فيها الملك؛ فعليها الاستبراء، وهو وضع الحمل إن كانت حاملاً، فإن لم تكن فحيضة، فإن كانت آيسة أو صغيرة فشهر.
ودليل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة»؛ رواه أحمد وأبو داود والحاكم، قال الحافظ في التلخيص: (وإسناده حسن).
فصل: في الإحداد.
الإحداد في اللغة: المنع.
وفي الاصطلاح: منع المتوفى عنها زوجها مدة العدة ما يدعو إلى نكاحها والنظر إليها.
مسألة: حكم الإحداد على الزوجة لوفاة الزوج واجب، ودليله: حديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحَدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا»؛ رواه البخاري، فقوله ﷺ : «تُحَدُّ» خبر بمعنى الأمر أي: لتَحُدَّ، ولأن الحادة منعت
стр. 142
من أشياء خاصة، وهذا يدل على وجوب الإحداد لتحريم هذه الأشياء عليها، والمحرم يجب تركه.
مسألة: وقت الإحداد: هو وقت العدة بالاتفاق؛ لما تقدم من حديث سُبيعة الأسلمية، وحديث أم عطية.
مسألة: ما تمنع منه الحادة:
١ - الكحل وكل ما يتعلق بتجميل البدن من التحمير والتصفير، لما يأتي من حديث أم عطية.
٢ - الطيب، فلا يجوز لها أن تتطيب في بدنها ولباسها وفراشها وطعامها، كما لو شربت زعفرانًا؛ لما يأتي من حديث أم عطية، إلا إذا طهرت من حيضتها فإنها تطيب مكان الحيض؛ لحديث أم عطية ﵂: «وقد رُخِّص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبْذةٍ من كُستِ أظفار، وكنا نُنهى عن اتباع الجنائز»؛ رواه البخاري ومسلم، قوله: (نُبذة) قطعة صغيرة، وقوله: (كُسْتِ أظفار) نوع من العطر والطيب القطعة منه على شكل الظفر، وقيل الصواب (كست أظفار) نسبة إلى مدينة على ساحل اليمن.
٣ - لباس الزينة، فلا يجوز لها أن تلبس ما أعد للزينة عرفًا من ثياب التجمل، ولها أن تلبسَ ما شاءت من الثياب دون أن يخص بلون معين؛ عن أم عطية قالت: «كنا ننهى أن نُحدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحلَ ولا نتطيبَ ولا نلبَسَ ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوبَ عصبٍ، وقد رُخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبْذَةٍ من كُسْتِ أظفار، وكنا نُنهى عن اتباع الجنائز»؛ رواه البخاري ومسلم، قوله: (ثوبَ عصبٍ) نوع من الثياب اليمنية يعصب غزلها - أي يجمع - ويصبغ قبل أن ينسج.
стр. 143
٤ - الحلي: فيحرم عليها أن تلبَس أي نوع من أنواع الحلي في أي موضع من بدنها، ولو كان معتادًا يجب عليها نزعه، لحديث أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل»؛ رواه أبو داود والنسائي في المجتبى وابن حبان والبيهقي؛ قال ابن الملقن في البدر المنير: (حسن).
٥ - الخروج من المنزل الذي توفي زوجها وهي ساكنة فيه، فلا تخرج إلا لحاجة أو ضرورة؛ لما روت فريعة بنت مالك أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي; فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه ولا نفقة، فقال: «نعم»، فلما كنت في الحجرة ناداني، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان؛ أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الترمذي والذهلي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
فرع: يجوز للحادة أن تغتسل، وأن تمشط شعرها، وأن تغسل بدنها بمواد التنظيف؛ لأن الأصل الحل، وأن تأخذ سنن الفطرة من تقليم الأظفار، ونتف الإبْط، ونحو ذلك؛ لأدلة سنن الفطرة.
مسألة: يجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت صغيرة أو غير مسلمة؛ لعموم الآية، فيمنع الولي الحادة الصغيرة والمجنونة مما تمنع منه الكبيرة العاقلة، كما يمنعها من سائر المحرمات.
فرع: إن تركت الحادة الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي الزمان؛ لوجوب الإحداد مدة العدة وقد مضى.
стр. 144
باب الرَّضاعِ
الرضاع لغة: مَصُّ اللبَنِ من الثَّدْي.
وشرعًا: مَصُّ مَنْ دونَ الحولينِ لبَنَ امرأةٍ آدمية.
والأصل في الرَّضاع: القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. والسُّنة: كما في حديث عائشةَ ﵂ مرفوعاً: «يحرُمُ مِنْ الرَّضاع ما يحرُمُ مِنْ الولادة»؛ رواه البخاري ومسلِم.
والإجماع: حكاه ابن المنذِر والنوَويُّ رحمهما الله تعالى.
مسألةٌ: يُشترط للرَّضاع المحرِّم شروط:
١ - أن يكون خَمْسَ رضَعاتٍ؛ لحديث عائشة ﵂: «كان فيما أُنْزِلَ من القرآن: عَشْرُ رضَعاتٍ معلومات يُحرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بخَمْسِ رضَعاتٍ معلومات»؛ رواه مسلِم.
ضابط الرضعة: الرضعة فَعْلة من الرضاع، فهي مرة منه، كضَرْبة وجَلْسة وأَكْلة، فمتى التقم الثدي، فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض، كان ذلك رضعة؛ لأن الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب، لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة.
стр. 145
٢ - أن يكون في الحَولينِ عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣].
وعند شيخ الإسلام: المعتبَرُ انتشارُ التحريم إلى انفطام الطفل؛ لحديث أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»؛ أخرجه الترمذي وصححه.
٣ - أن يكونَ مِنْ مَنفَذٍ معتاد؛ كالفم والأنف، وسواء شربه مباشرة من الثدي، أو من أنبوب أو إناء.
٤ - أن يكون لبن آدمية.
مسألةٌ: أكلُ ما جبِّنَ أو خُلِط بالماء وصفاتُهُ باقيةٌ: ينشُرُ التحريمَ، وكذا لبنُ الميِّتة.
وكذا لبن الموطوءة بعقدٍ باطل، أو زنًا؛ لكن ينشر التحريم من جهة الأم فقط.
مسألةٌ: الأحكام المترتبة على الرَّضاع:
الأولى: تحريم النِّكاح، وضابطُ انتشار التحريم: ينتشر إلى أصول المرضِعة؛ أمَّهاتها وإن علَوْن، وفروعها: بنتها، وبنات أولادها، وحواشيها؛ عمتها وخالتها، وإن علَوْن، دون فروع الحواشي؛ كبنت العمة والخالة.
وأمَّا صاحب اللبَن: فينتشر التحريم إلى أصوله؛ أمهاته وإن علون، وفروعه: بنته وبنات أولاده، وحواشيه؛ عمته وخالته وإن علون، دون فروع الحواشي؛ كبنتِ العمة والخالة.
стр. 146
وينتشر إلى فروع المرتضِع؛ أولاده، وأولاد أولاده، دون أصولِه وحواشيه.
الثانية: إباحة النظر والخلوة، فيجوز للمرتضع أن ينظر ويخلو إلى المرضعة وأمهاتها وبناتها وأخواتها وعماتها دون بنات الأخوات والعمات، وأن ينظر ويخلو بأمهات أبيه من الرضاع، وإن علون، وبنات أبيه من الرضاع وإن نزلن، وأخوات وعمات أبيه من الرضاع دون بناتهن.
الثالثة: المحرمية في السفر، فيكون المرتضع مَحرَمًا للمرضعة وأمهاتها وبناتها وأخواتها وعماتها دون بنات الأخوات والعمات، ومَحرَمًا لأمهات أبيه من الرضاع وإن علون، وبنات أبيه من الرضاع وإن نزلن، وأخوات وعمات أبيه من الرضاع دون بناتهن.
فرعٌ: مَنْ شك في الرَّضاع أو عدَدِه، بنى على اليقينِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التحريم.
مسألةٌ: يجب على الأبِ أن يستأجر لولَدِه من يُرضِعه، إلا إذا كانت أمُّه في حبال الزَّوج؛ فيجب عليها، فإن لم تكن في حباله، فلها طلبُ أجرة رَضاعه، ويَلزَمها عند الضرورة.
مسألةٌ: يثبُتُ الرَّضاعُ بشهادة امرأةٍ مَرْضيَّة في دِينها؛ لما روى عقبة بن الحارث، أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أَمَةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: «وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما! فنهاه عنها»؛ رواه البخاري ومسلم.
стр. 147
مسألة: رضاع الكبير، عن عائشة ﵂ أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت - تعني ابنة سهيل - النبي ﷺ فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعَقَل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة»، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة؛ رواه البخاري ومسلم.
فرضاع الكبير رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه، فلا يؤثر إلا رضاع الصغير.
стр. 148
باب النَّفَقات
النفقات في اللغة: جمع نفقة، والنفقة مشتقةٌ في الأصل من النُّفوق؛ وهو الهلاك، وكذلك تُطلَق على الدراهم.
وأما في الاصطلاح: فهي كفايةُ مَنْ يمُونُه؛ طعامًا وشرابًا وسكَنًا، وكسوةً ونكاحًا.
والأصل في النفقة القرآن: قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣].
والسُّنة: حديث عائشةَ ﵂ في الصحيحين؛ أن النبيَّ ﷺ قال لهندٍ: «خُذِي ما يكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف».
والإجماع منعقِدٌ على ذلك.
مسألة: النفقة واجبة؛ لأن الله تعالى أمر بها؛ قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطّلَاق: ٧]، كما أنها سببٌ لحفظِ النفس، وما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.
مسألة: النفقةُ لها ثلاثة أسباب ثلاثة: النِّكاح، والقَرابة، والمِلْك.
وأقوى هذه الأسباب: هو النِّكاح؛ ولهذا يرى بعض العلماء أن النفقةَ في النِّكاح من قَبيل المعاوَضة، والعلماء يتفقون على وجوبِ نفقة الزَّوجة؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطّلَاق: ٧]، ولما تقدم من حديث عائشة ﵂، ولأنَّ الزَّوجةَ محبوسةٌ لمصلحة الزَّوج؛ فيجبُ عليه أن يُنفِقَ عليها.
стр. 149
والطعام والكسوة: داخلةٌ في النفقة، وكذلك السُّكْنى.
مسألةٌ: الزَّوجان لا يخلوانِ من أمرين:
الأمر الأول: أن يتفقا على شيءٍ من النفقة؛ سواءٌ اتفقا على دراهمَ، أو اتفقا على أن يأتيها بالطعام كما هو عُرْفُ الناس، فجائز؛ لأن الأمر راجعٌ إليهما.
الأمر الثاني: ألا يتفقا؛ بأن يحصُلَ بينهما نزاعٌ وشِقاق:
فالمعتبَرُ هو حال الزَّوج؛ وبه قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى، وعلى هذا إذا كان الزَّوج غنيًّا، فإنَّه تجب عليه نفقةُ أغنياء، وإن كان فقيرًا تجب عليه نفقة فقراء؛ ودليله: قول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطّلَاق: ٧].
فيُفرَض للزوجة تحت الموسر قدرُ كفايتها مِنْ أرفع أكل أهل البلد وكسوتهم وسكنهم، ولمن زوجها فقير أدنى نفقة أهل البلد.
مسألةٌ: نفقة علاج الزَّوجة:
القاعدة في باب النفقة: قول الله ﷻ : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وليس من المعاشَرة بالمعروف أن لا يشتري لها علاجًا، وهذا يختلف باختلاف حال الزَّوج، إذا كانت نفقةُ العلاج من الأمور الميسَّرة للزوج، فيجب على الزَّوج أن يقوم بها، أما إذا كانت نفقةُ العلاج تحتاج إلى تكاليفَ مالية كبيرة، ونحو ذلك: فالذي يظهر أن الزَّوج لا يُلزَم بها، لكن إن التزم بها للزوجة: فهذا من حُسْنِ العِشرة للزوجة.
مسألةٌ: أدوات التجميل مِنْ الأمور التي تحتاجها النساء؛ من التحمير والتصفير؛ القاعدة كما تقدم: أنه يُرجَع إلى النفقةِ بالمعروف، وليس من
стр. 150
المعروف أن يَحرِمَها مثل هذه الأشياء إن كانت لا تشق عليه؛ لأنها أمور ميسورة في يد الزَّوج، ولأنَّ المرأة جُبِلتْ على حب مثل هذه الأشياء؛ من التجمُّل، ونحو ذلك، والله ﷻ قال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *﴾ [الزّخرُف: ١٨].
مسألةٌ: نفقة المفارَقة بطلاق أو غيره لا تخلو من ثلاثِ حالات:
الحال الأولى: أن تكون رجعيةً؛ يعني طلقها زوجُها دون ما يَملِك من العَدَد بلا عِوض، فحكمُها حكم الزَّوجة؛ تجب لها النفقةُ؛ من طعام وشراب، وكساء وسُكْنى، حتى تنتهي العِدَّة.
ويدلُّ على ذلك قولُ الله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، والله ﷻ قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطّلَاق: ١].
الحال الثانية: أن تكون بائنًا؛ إما بينونةً صغرى، أو بينونة كبرى، البينونة الكبرى: هي التي طلَّقها زوجُها آخِرَ ما يَملِك من العَدَد، والبينونة الصغرى: مثل المختلِعة أو المفسوخة، إن كانت حاملاً فلها نفقة، وإن لم تكن حاملاً فلا نفقةَ لها.
ويدل على ذلك: حديثُ فاطمةَ بنت قيس ﵂: أن زوجَها أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتةَ وهو غائب، فأرسل لها وَكِيلُه بشعيرٍ، فسَخِطتْهُ، فذهَبتْ إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «ليس لكِ عليه نفقةٌ»؛ رواه البخاري ومسلم، وفي صحيح مسلِم: أن النبيَّ ﷺ قال: «لا نفقةَ لكِ ولا سُكْنى»، وفي سنن أبي داود: «لا نفقةَ لكِ إلا أن تكوني حاملاً»، وفي سنن النَّسَائي: «إنما النفقةُ والسُّكْنى للمرأة إذا كان لزوجِها عليها رَجْعةٌ».
стр. 151
الحال الثالثة: المتوفَّى عنها زوجها: لا نفقةَ لها ولا سكنى؛ ويدلُّ على ذلك قولُ الله ﷻ : ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّسَاء: ١٢]، ولو قُلْنا: إن النفقةَ تجبُ لها، لكان لها أكثرُ من الرُّبع، وأكثر من الثُّمن.
مسألةٌ: إذا نشَزتِ المرأة فإن نفقتَها تسقط؛ والنشوز: هو أن تمتنع الزَّوجة من بذلِ حقِّ الزَّوج؛ إذ لا تستحق النفقة لعدم بذلها المعوض.
مسألةٌ: إذا شرعت الزَّوجة بحجٍّ أو صومٍ واجبين بلا إذن الزَّوج، فإن النفقةَ لا تسقط في هذه الحال؛ لأن الشرع أذن لها في أداء ما عليها من واجب، وأما غير الواجب لا بد من إذن الزوج.
مسألةٌ: إذا لم ينفق الزوج مدة، ثم طالبته الزوجة، فالنفقةَ تسقط بمضيِّ الزمان؛ لحديث عائشةَ ﵂ في قصة هند؛ فإن هندًا أتت النبيَّ ﷺ ، وذكَرتْ له أن أبا سفيان رجُلٌ شحيح، وأنه لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وبَنِيها، فقال النبي ﷺ : «خُذِي ما يكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف»، ولم يَفرِضْ لها النبيُّ ﷺ نفقةَ ما مضى؛ وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
لكن إن قَدَرَت على شيء من ماله، فلها أن تأخذ قدر النفقة بالمعروف، وإن استدانت للنفقة رجعت عليه في قضاء الدين.
مسألةٌ: إذا غاب الزَّوج ولم يدَعْ لزوجته نفقةً، فهل يحقُّ للزوجة الفسخ؟
إذا غاب الزَّوج، فله أربعُ أحوال:
الأولى: أن يدَعَ لها نفقة؛ فليس لها حقُّ الفسخ.
الثانية: أن تتمكن من أخذِ النفقة من ماله؛ فليس لها حق الفسخ.
стр. 152
الثالثة: أن تتمكن من الاستدانة في ذمَّة الزَّوج؛ فليس لها حق الفسخ.
الرابعة: إذا لم تتمكن من شيءٍ مما سبق، يعني لم يترك لها نفقةً، ولم تتمكن من أخذِ شيءٍ من ماله، ولم تتمكن من الاستدانة: ففي هذه الحال يحق لها الفسخُ؛ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، المالكية.
أما الشافعية والحنفية فلا يرون حقَّ الفسخ للزوجة في هذه المسألة؛ وهذا القول هو الصوابُ، والله أعلم.
مسألةٌ: هل يجب على الزَّوج أن يوفِّرَ خادمًا لزوجته؟
الأمر في ذلك راجع إلى العرف؛ فإذا كان مثلُها يُخدَم، فيجب أن يأتيَ بمن يخدُمُها، وإذا كان مثلُها لا يُخدَم فلا يجب.
السبب الثاني من أسباب النفقة القرابة، فتجب:
١ - للأصول: الآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علوا من قبل الأب أو الأم مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليه، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» رواه مسلم.
٢ - الأولاد: الأبناء والبنات وأولادهم وإن نزلوا مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣].
٣ - الحواشي، وهم الإخوة وأولادهم، والأعمام وأولادهم، وإن نزلوا؛ لما تقدم من حديث جابر ﵁؛ بشرط أن يكون المنفِق وارثًا للمنفق عليه لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، ومع غنى المنفق وفقر المنفق عليه.
стр. 153
السبب الثالث: الملك، فتجب النفقة:
١ - للرقيق بالمعروف، بأن يُطعمه مما يَطْعَم الرقيقُ في زمانه عرفًا، والأفضل أن يُطعمه مما يَطعَمُ السيد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يُطيق»؛ رواه مسلم.
وعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليُطعمه مما يأكل، ولْيُلبِسُه مما يَلْبَس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه»؛ رواه البخاري ومسلم.
٢ - البهائم: فتجب لبهائمه طعامٌ، ووقاية عن الحر والبرد بالمعروف، فعن أبي هريرة مرفوعًا: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»؛ رواه البخاري ومسلم.
فإن عَجَزَ مالك البهيمة عن نفقتها أُجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن أُكِلَت؛ لأن بقاءها في يده مع ترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.
٣ - بقية ماله، كشجره وزرعه وعَقاره وآلاته مما يحتاج إلى نفقة وصيانة إذا كان فيه مصلحة ولم يلحقه مضرة؛ للنهي عن إضاعة المال؛ روى المغيرة بن شعبة، قال: قال النبي ﷺ : «إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»؛ رواه البخاري ومسلم.
стр. 154
باب في أحكام الحضانة
الحضانة لغة: مصدرُ حضَن، ومنه: حضَن الطائرُ بيضَه: إذا ضمَّه إلى نفسه تحت جَناحَيه.
وشرعًا: هي حفظُ مَنْ لا يستقل بأموره، وتربيتُه بما يُصلِحه.
والأصل فيها من القرآن: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥] وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩]، وتركها يؤدي إلى هلاك المحظون.
ومن السنة: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحِي»؛ رواه أبو داود وأحمد، وإسناده حسن.
ومن الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيتها في الجملة، قال في ابن هبيرة في الإفصاح: (واتفقوا أن الحضانة للأم مالم تتزوج).
مسألة: الحضانة واجبةٌ شرعًا؛ لأنَّ المحضون قد يَهلِكُ أو يتضرَّرُ بتركِ الحفظ.
ضابط: مدار الحضانة على مصلحة المحضون فلا يقر بيد من لا يصونه ولا يصلحه، قال ابن القيم: (الولاية على الطفل نوعان: نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها، وهي ولاية المال والنكاح، ونوع تقدم فيه الأم على الأب، وهي ولاية الحضانة والرضاع، وقدم كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته، ولما كان النساء أعرف بالتربية، وأقدر عليها، وأصبر
стр. 155
وأرأف وأفرغ لها؛ لذلك قدمت الأم فيها على الأب، ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قدم الأب فيها على الأم، فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال، والنظر لهم، وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك).
مسألة: يشترط للحاضن شروطًا:
الأول: أن يكون بالغًا عاقلاً؛ لأن غير البالغ العاقل يحتاج من ينظر له، فلا ينظر لغيره.
الثاني: الإسلام، فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١].
الثالث: القوة والأمانة، فيشترط قدرة الحاضن على حفظ المحضون، وأمانته في رعايته وتربيته حسب الشرع؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
الرابع: عدم تضرر المحضون، والعمل على مصلحته، فلو كان في الحاضن مرضٌ مُعْدٍ يتعدى ضرره إلى المحضون، أو كان الحاضن في مكان غير آمن، فلا حضانة له، إذ مدار الحضانة على حفظ المحضون.
مسألة: الأحق بالحضانة: الحضانة حق للشخص وحق عليه، فإذا تشاح أهلها في القيام بها فترتيبهم على درجات:
الأولى: الأب والأم، فالأحق بها الأم؛ لحديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أحمد وأبو داود إسناده حسن.
стр. 156
الثانية: أن يتساويا في الجهة والدرجة، أي في جهة الأبوة أو الأمومة، فالمقدم الأنثى منهما، مثل: لو اجتمع أخ وأخت، أو عم وعمة، أو خال وخالة.
الثالثة: أن يتساويا في الجهة ويختلفا في الدرجة، مثل: أخت وبنت أخت، أو عمة وبنت عمة، أو أخ وابن أخ، فالمقدم الأقرب درجة.
الرابعة: أن يختلفا في الجهة، فالمقدم جهة الأبوة على جهة الأمومة، فتقدم العمة على الخالة، والجدة من قبل الأب على الجدة من قبل الأم، والعم على الخال، ونحو ذلك.
قال شيخ الإسلام: " أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة، كان أحقُّ الناس بها أقومَهم بهذه الصفات، وهم أقاربه، يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة، فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر، فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ، فإن كانا ذكرين أو أنثيين، قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما.
وإن اختلفت درجتهما من الطفل، فإن كانوا من جهة واحدة قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد، والجدة والجد أبو الأم على الأخ للأم".
مسألة: تسقُطُ الحضانة بوجودِ مانع منها، أو زوالِ شرطٍ من شروطِ استحقاقِها؛ كأن تتزوج الحاضنةُ بأجنبي عن المحضون، أو يصاب الحاضن بآفةٍ؛ كالجنون والعَتَهِ، أو مرَضٍ مُعْدٍ يضرُّ بالمحضون.
стр. 157
مسألة: إذا تزوجت الأم بشخص ليس من عصبات المحضون سقطت الحضانة؛ لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ولقول أبي بكر ﵁: «هي أحق بولدها ما لم تتزوج» رواه عبد الرزاق.
أما إن تزوَّجتِ الأمُّ بقريبٍ للمحضون، فإن حقَّها باقٍ؛ كأن تتزوجَ بعمِّ البنت.
ولو تزوجت بأجنبي، ورضي الأجنبي أن يبقيَ الطفل عنده: فلا تسقُطُ حضانةُ الأم.
مسألة: إذا بلغ الغلام التمييز فإنه يخير بين أبويه؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه»؛ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.
وإذا اختار أحد الأبوين لم يمنع من زيارة الآخر بالمعروف.
وأما الأنثى فإنها تكون عند أمها حتى يتسلمها زوجها، قال ابن القيم: "فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت، وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال، فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة، وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة، وإسلامها إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك، وترديدها بين الأم وبينه، وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج، فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها، وهذا القول هو الذي لا نختار سواه".
مسألة: إذا أراد أحد الأبوين سفرًا للسكنى أو غيرها روعي مصلحة الطفل.
стр. 158
كتاب الأَيْمان
اليمين لغة: جمعها أيمان، وتُجمَع أيضًا على: أيمُن ويمائن، تذكَّر وتؤنَّث، وتصغَّر على: (يُمَيِّن) بالتَّشديد.
واصطلاحًا: تأكيد حكمٍ بذِكر اسم الله تعالى، أو صِفته، وما يلحق بذلك، على وجهٍ مخصوص.
والآيات في اليمين كثيرة؛ منها:
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المَائدة: ٨٩].
ومن السُّنة: حديثُ أبي موسارضي الله عنه؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «إنِّي واللهِ إن شاء الله لا أَحلِفُ على يمينٍ، فأرى غيرَها خيرًا منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ منها، وكفَّرتُ عن يميني»؛ رواه البخاري ومسلِم.
وأمَّا الإجماع: فحكاه ابن المنذِر رحمه الله تعالى؛ قال: (وأجمعوا على أنه مَنْ قال: واللهِ، أو بالله، أو تالله، فحَنِثَ: أن عليه الكفارةَ).
مسألة: المشروع حفظُ اليمين، وعدمُ الإكثار منها، ما لم تكُنْ مصلحة شرعية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]، وحفظ اليمين يتضمنُ ثلاثةَ معانٍ:
الأول: حِفظها ابتداءً؛ وذلك بعدم كثرة الحَلِف.
стр. 159
الثاني: حِفظها وسَطًا؛ وذلك بعدم الحِنْثِ فيها، إلا إذا كان الحِنْثُ مشروعًا.
الثالث: حفظها انتهاءً؛ في إخراج الكفارة بعد الحِنْثِ.
وقد نص الحنابلةُ ﵏ على أنه يُكرَه الإكثارُ من اليمين، بحيث يصل إلى حدِّ الإفراط؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ *﴾ [القَلَم: ١٠].
مسألةٌ: بيان حروف القَسَم، نص كثيرٌ من الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن حروفَ القسَمِ ثلاثةٌ فقط؛ وهي: الباء، والواو، والتاء، وألحَقَ بعض الحنفية: اللامَ بهذه الثلاثة.
مثال الباء: قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ *﴾ [المعَارج: ٤٠].
ومثال الواو: قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *﴾ [النّجْم: ١].
ومثال التاء: قوله تعالى: ﴿وَتاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ *﴾ [الأنبيَاء: ٥٧].
ومثال اللام: (للهِ، لا يؤخَّرُ الأجَلُ).
مسألةٌ: الحَلِفُ بأسماء الله تعالى، أسماء الله ﷻ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القِسم الأول: ما كان مختصًّا به سبحانه، لا يُسمَّى به غيرُه؛ مثل: الله، والإله، والرحمن، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، ونحو ذلك؛ فالحَلِفُ بهذا الاسم يمينٌ بكل حال، قال ابن المنذِر: (وأجمعوا على أنه من قال: واللهِ، أو بالله، أو تالله، فحَنِثَ: أن عليه الكفارةَ، وأجمعوا على أن مَنْ
стр. 160
حلف باسمٍ من أسماء الله تعالى ثم حَنِثَ: أن عليه الكفارة).
القسم الثاني: ما يُسمَّى به اللهُ ﷻ وغيرُه، لكن يَغلِب إطلاقه على الله ﷻ ؛ مثل: الجبَّار، والرزَّاق، والمَلِك، ونحو ذلك.
فهذا إن نوى اسمَ الله تعالى، أو أطلق: فهو يمينٌ؛ لأنَّ هذا الاسمَ بإطلاقه ينصرف إلى الله ﷻ ، وإن نوى به غيرَ الله تعالى: لم يكن يمينًا؛ لأنه يُطلَق على غيره، وهذا قولُ جمهور أهل العلم.
القسم الثالث: ما يُسمَّى به اللهُ وغيره، ولا يَغلِب إطلاقه على الله؛ مثل: الحي، والعزيز، والكريم، والمؤمن، ونحو ذلك: فهذا القسم اختلف العلماءُ في حكمِ الحَلِفِ به على قولين، والأقرب: أنه يمين، وتجب الكفارةُ بالحِنْثِ فيها إذا قصد الحلفَ بالله ﷻ ، فإن أطلق أو قصَدَ غيرَ الله تعالى: لم تكن يمينًا.
مسألة: يجوز الإقسامُ بصفات الله تعالى، سواءٌ كانت ذاتيةً أو فعلية؛ فعن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ وهو آخِذٌ بيدِ عمرَ بن الخطاب، فقال له عمرُ: يا رسول الله، لأنت أحَبُّ إليَّ من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحَبَّ إليك من نفسك»، فقال له عمرُ: الآن، والله، لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : «الآن يا عمرُ»؛ أخرجه البخاري، ومن الحلف بصفات الله: الحلف بعهد الله وأمانته.
مسألة: يجوز الحلف بالقرآن، أو بالمصحف، أو بسورة، أو آية منه، أو بالتوراة، أو الإنجيل، أو الزبور، أو صحف إبراهيم أو موسى؛ لأنه حلف بصفة من صفات الله.
стр. 161
مسألة: الحلف بآيات الله ﷻ ، آيات الله ﷻ تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الآيات الكونية: ويراد بها ما خلَقَهُ اللهُ وقدَّره في هذا الكون؛ كالليل والنهار، والشمس والقمر، والجبال والأشجار، والمصائب والحوادث، ونحو ذلك.
فهذه لا يجوزُ الحَلِفُ بها؛ لأنَّها حَلِفٌ بمخلوق.
القسم الثاني: الآيات الشرعية؛ وهذه على نوعينِ:
الأول: أن يراد بها وحيُ الله، المنزَّلُ على عباده: فهذه يجوز الحلفُ بها.
الثاني: أن يراد بها ما أمر اللهُ به عباده، أو نهاهم عنه، مما هو صفةٌ لهم؛ كالصلاة والصيام، والزكاة والحج، وتركِ الرِّبا والزِّنا، ونحو ذلك؛ فهذا محرَّمٌ؛ لأنَّه قسَمٌ بمخلوق.
مسألة: الحلف بغير الله ﷻ : محرَّم، ولا يجوز؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ أن رسولَ الله ﷺ ، قال: «ألا إنَّ اللهَ ينهاكم أن تَحلِفوا بآبائكم؛ مَنْ كان حالفًا، فليحلِفْ بالله، أو ليصمُتْ»؛ رواه البخاري ومسلم.
والحلفُ بغير الله: شِرْكٌ؛ لِما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢] قال: (الأنداد: هو الشِّركُ أخفى مِنْ دَبيب النمل على صَفاةٍ سوداءَ، في ظُلْمة الليل، وهو أن يقولَ: والله، وحياتِكِ يا فلانةُ، وحياتي، ويقول: لولا كلبةُ هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطُّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجُلِ لصاحبه: ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا؛ فإن هذا كلَّه به شِرْكٌ)؛ إسناده حسَن.
стр. 162
وهذا الشِّرك لا يخلو من أمرينِ:
الأول: شِرْكٌ أكبرُ؛ وذلك إذا اعتقد أن المحلوفَ به مساوٍ لله تعالى في التعظيم؛ وذلك لصرفِهِ خَصِيصةً مِنْ خصائص الخالق للمخلوق.
الثاني: شرك أصغرُ؛ وهو مجردُ الحلفِ بغير الله؛ وذلك أن العِبرة في الألفاظ الشِّرْكية بمجردِ اللفظ، وليس المقصد، والنبيُّ ﷺ سمَّى الحلفَ بغير الله شِرْكًا، وعليه فهو شِرك دون حاجةٍ إلى البحث في القصد.
ثم يُغلَّظُ الحكمُ بحسَب المقصد حتى يصل إلى مرتبة الشِّرك الأكبر؛ وذلك إذا قصَدَ بحَلِفه تعظيمَ المحلوف به؛ كتعظيم الله ﷻ .
فرع: كفَّارة الحلف بغير الله تعالى: التوبةُ، وأن يقول: لا إله إلا الله؛ فعن أبي هُرَيرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حلَفَ منكم، فقال في حَلِفِهِ: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللهُ، ومَن قال لصاحبه: تعالَ أقامِرْك، فليتصدَّقْ»؛ رواه البخاري.
ولما رواه أحمد؛ عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: حلَفتُ باللات والعزى، فقال أصحابي: قد قُلتَ هُجْرًا، فأتيتُ النبي ﷺ ، فقلت: إن العهدَ كان قريبًا، وإنِّي حلَفتُ باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : «قل: لا إلهَ إلا اللهُ وحده ثلاثًا، ثم انفُثْ عن يسارك ثلاثًا، وتعوَّذْ، ولا تعُدْ».
مسألةٌ: الحَلِف بالذِّمة: إذا قال: بذِمَّتي، لأفعلنَّ كذا: فإن أراد به القسمَ بغير الله تعالى، فهذا لا يجوز؛ لأنه حَلِفٌ بغير الله تعالى؛ إذ ذمَّةُ المخلوق مخلوقة، وإن أراد بالذِّمة العهدَ والمسؤولية؛ أي: إن هذا على عهدي ومسؤوليتي: فهذا ليس قسَمًا؛ فجائزٌ.
ومثلُهُ قول: (لعَمْري)، يقال: إنْ قصَدَ اليمين؛ حرُمَ؛ لأنه حلفٌ
стр. 163
بمخلوق، وتقدم حكمُ الحلف بالمخلوق، وإلا جاز؛ لأنه مما يجري على اللسان بغير قصد؛ ويدل عليه: ما رواه مسلِم عن عروة قال: قلتُ لعائشة: ما أرى عليَّ جُناحًا أن لا أتطوَّفَ بين الصفا والمروة، قالت: «فلَعَمْري، ما أتمَّ اللهُ حجَّ مَنْ لم يطُفْ بين الصفا والمروة».
ومن ذلك الحلف بالأمانة لا يجوز؛ لأنه حلف بمخلوق.
مسألةٌ: الحلفُ بالكفر بالله ﷻ ، مثال ذلك: أن يقول: إن فعَلَ كذا، أو: إن لم يفعل كذا، فهو يهوديٌّ أو نصراني، أو بَرِئَ من القرآن، أو يستحل الخمر، أو الزنا، ونحو ذلك، فهذا محرَّمٌ، ومعصية لله ﷻ ، وتجب الكفارةُ بالحِنْثِ به.
ودليل ذلك: ما رواه البخاري ومسلِم، عن ثابت بن الضحَّاك ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «مَنْ حلَفَ بملةٍ غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا، فهو كما قال، ومَن قتل نفسَهُ بحديدةٍ، عُذِّبَ به في نار جهنَّمَ»، فسماه النبيُّ ﷺ حَلِفًا.
مسألة: حكمُ الحلف بالطلاق والعَتاق والنَّذْرِ:
أمر النبيُّ ﷺ بالحلفِ بالله أو الصمت، وهذا يقتضي النهيَ عن الحلف بغير الله، والنهيُ يقتضي التحريمَ، فإذا حلف الإنسانُ بالعَتاق والطلاق والنَّذْر والظِّهار، مما يَقصِد به الحث أو المنع، أو التصديق أو التكذيب، ولم يَقصِدِ التعليقَ المحض؛ كأن يقول: إن لم أسافِرِ اليوم إلى مكةَ، فزوجتي طالق، أو عبدي حرٌّ، أو عليَّ صيام شهر، أو زوجتي كظَهْرِ أمي، يَقصِد بذلك الحثَّ، ونحو ذلك، فهذا في حكمِ اليمين؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المَائدة: ٨٩]، قال ابن القيِّمِ: (فهذا صريح في أن كلَّ يمينٍ منعقدةٍ، فهذه كفَّارتُها).
стр. 164
وصحَّ عن ابن عمرَ، وعائشة، وأم سلَمةَ ﵃: (أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء - كلُّ مملوكٍ لها حرٌّ، وكل مال هَدْيٌ، وهي يهودية ونصرانية، إن لم تطلِّقِ امرأتك -: كفارةَ يمينٍ واحدة).
مسألةٌ: أقسام اليمين:
الأول: اليمين اللَّغو: وهي أنواع:
١ - ما يجري على لسان المتكلِّم بلا قصد؛ لما رواه البخاري عن عائشة ﵂: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]، قالت: «أُنزِلتْ في قوله: لا والله، بلى والله».
٢ - اليمين التي يَحلِفُها يظن صِدق نفسه؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁ في قصة المُجامِع في نهارِ رمضان، وفيه قول المُجامِع للنبي ﷺ : «واللهِ، ما بين لابتَيْها أهلُ بيتٍ أفقَرُ مني»؛ متفق عليه، فيمينُ المجامع هنا على غلَبة الظن، وأقَرَّه النبيُّ ﷺ على ذلك.
٣ - عند شيخ الإسلام: إذا حلف على شخصٍ، فخالَفه: فلا يَحنَثُ إذا قصد الحالفُ إكرامَه، لا إلزامَه، ويدل عليه: أن النبيَّ ﷺ : «أمر أبا بكرٍ بالوقوف في الصفِّ، ولم يقف»؛ أخرجه البخاري ومسلِم، واليمين كالأمر؛ لأنَّ المقصودَ منها الحضُّ والمنع، والأمر إذا فُهِمَ منه الإكرام لم يجب.
الثاني: اليمين الغَموس: وهي مِنْ كبائر الذُّنوب، وسميت بذلك؛ لأنَّها تَغمِسُ صاحبَها في الإثم، ثم النار؛ لما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما الكبائرُ؟ قال: «الإشراك بالله»، قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم عقوقُ الوالدينِ»، قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغَمُوس»، قلتُ: وما اليمين الغموس؟ قال: «الذي
стр. 165
يقتطع مالَ امرئٍ مسلِم، هو فيها كاذبٌ».
وقد نصَّ فقهاءُ الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم، وشيخ الإسلام ﵏: على أن المرادَ باليمين الغموس: اليمينُ التي يَحلِفُها على أمر ماضٍ كاذبًا عالِمًا.
ويدخُلُ في ذلك من بابِ أَوْلى: اليمينُ التي يحلفها كاذبًا ليقتطع بها مالَ امرئ مسلِم، أو يظلم غيره، ولا تنعقدُ ولا تجب فيها كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المَائدة: ٨٩]، وعقدُ اليمين: ما التزم فعلاً مستقبَلاً، يتردد بين حِنْثٍ وبِرّ، فخرجت اليمينُ الغموس من الأيمان المعقودة؛ فلم تَجِبْ فيها كفارة.
الثالث: اليمين المكفَّرة: هي اليمين المنعقِدة التي تجب فيها الكفارة، وهي التي يَحلِفُها على أمرٍ من المستقبل؛ أن يفعله، أو أن لا يفعله، قال ابن هُبَيرة: (وأجمعوا على أن اليمينَ المنعقِدة: هو أن يَحلِفَ على أمرٍ من المستقبل؛ أن يفعله أو لا يفعله، فإذا حَنِثَ، وجَبتْ عليه الكفارةُ).
مسألةٌ: شروط كفارة اليمين:
الشرط الأول: العقلُ ؛ فلا تنعقد يمينُ المجنون.
الشرط الثاني: البلوغ ؛ فلا تنعقد يمينُ الصغير؛ لحديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ: عن النائم حتى يستيقظَ، وعن الصغير حتى يَكبَرَ، وعن المجنون حتى يَعقِلَ أو يُفِيق»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي إسناده حسن.
الشرط الثالث: الاختيار ؛ فلا تنعقد يمين المكره.
وكذا لو أُكرِهَ على الحِنْثِ لم يَحنَثْ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ
стр. 166
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦]، فإذا كان المُكرَه على الكفر لا يترتَّبُ على إكراهه أثَرٌ، فكذا المُكرَه على الحِنْثِ.
الشرط الرابع: الذِّكْرُ؛ فلو حلف ناسيًا، لم تنعقد يمينُه، وكذلك لو حنث ناسيًا؛ لم يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].
الشرط الخامس: أن يكون المحلوف عليه ممكِنًا؛ فلو حلف على مستحيل، لا تنعقد يمينُه.
مسألةٌ: يمين الغضبان، الغضبُ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يُزِيل العقل؛ فلا يشعُرُ صاحبه بما قال؛ فهذا لا تنعقد يمينه؛ لِما تقدم من الأدلة.
الثاني: أن يكون في مبادئه؛ بحيث لا يَمنَع صاحبَهُ مِنْ تصوُّر ما يقول وقصدِه؛ فهذا تنعقدُ يمينه.
الثالث: أن يستحكمَ الغضب ويشتد به، فلا يُزِيل عقله بالكلية، ولكن يحُولُ بينه وبين نيته؛ بحيث يندم على ما فرَطَ منه إذا زال غضَبُه؛ فلا تنعقد يمينه؛ لأنه مغلق عليه.
مسألة: يسن الحنث في اليمين إذا كان الحنث خيرًا، كمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب.
مسألةٌ: صرَّح الحنفية باستحباب الاستثناء في اليمين؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا *﴾ [الكهف: ٢٣]، وحديث أبي موسى ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «إنِّي واللهِ إن شاء الله لا أَحلِفُ على يمينٍ، فأرى غيرَها خيرًا منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ منها، وكفَّرتُ عن
стр. 167
يميني»؛ رواه البخاري ومسلِم، والاستجابة لأمر الله، والاقتداء برسوله ﷺ ، وأيضًا تيسيرُ أمر الإنسان.
وإذا استثنى في يمينه ثم حنث؛ لم تلزمه الكفارة.
مسألة: تَكْرار اليمين له صُوَر:
الأولى: تكرار اليمين على شيء واحد: فتلزمُهُ كفارة واحدة؛ وصورة ذلك: والله، لا آكُلُ هذا الخبز، والله، لا آكُلُ هذا الخبز.
الثانية: تكرار اليمين على أشياءَ مختلفة؛ وصورة ذلك أن يقول: واللهِ لا آكل اليوم، والله لا أشرب اليوم، والله لا أسافر اليوم؛ فعن كل يمينٍ كفارةٌ، قال ابن قُدَامة: (لا أعلم فيه خلافًا).
الثالثة: حلف يميناً واحدة على أشياء مختلفة؛ فكفارة واحدة، كما لو قال: والله لا أشرب ولا آكل ولا أسافر.
مسألةٌ: التَّوْرية في اليمين تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون الحالف ظالمًا؛ مثل: أن يحلف على حقٍّ للغير، فهنا لا تنفعُهُ التورية، وتكون يمينه على نيةِ المستحلِف، وقد حُكِيَ الإجماعُ على هذا؛ قال النوويُّ رحمه الله تعالى: ((فإذا ادعى رجُلٌ على رجل حقًّا، فحلَّفه القاضي، وورَّى، فنوَى غيرَ ما نوى القاضي: انعقَدتْ يمينُهُ على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية؛ وهذا مُجمَعٌ عليه))؛ ودليله: ما رواه أبو هُرَيرة ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «يمينُك على ما يصدِّقُك به صاحبُك»؛ رواه مسلم.
القسم الثاني: أن يكون الحالف مظلومًا؛ مثل: أن يَحلِفَ أمام ظالم يريد أن يَظلِمَه في بدَنه، أو عِرضه، أو ماله، أو يظلم غيره؛ فيورِّي في يمينه؛
стр. 168
فتَنفَعه التورية.
أو يترتب على التورية ضرورةٌ أو مصلحة متعدية: كالتوريةِ لإنجاء معصومٍ، أو لإصلاحٍ بين متخاصمينِ، أو زوجينِ، أو في حال الحرب، ونحو ذلك؛ فيورِّي؛ فتنفعه التورية.
والدليل على ذلك: قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ *فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ *فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ *﴾ [الصَّافات: ٨٨ - ٩٠]، وهذا توريةٌ من إبراهيم ﵇؛ إذ لم يكُنْ مريضًا حقيقةً؛ بدليل أنه كسَّر الأصنام بعد خروج قومه إلى عيدهم.
وقال أنسٌ ﵁: «أقبل النبيُّ ﷺ إلى المدينة وهو مُردِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخٌ يُعرَفُ، ونبي الله شابٌّ لا يُعرَف، قال: ويتلقى الرجُلُ أبا بكر، فيقول: يا أبا بكرٍ، مَنْ هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجُلُ يَهدِيني السبيلَ، فيَحسَب الحاسبُ أنه إنما يعني الطريقَ؛ وإنما يعني سبيلَ الخير»؛ أخرجه البخاري، قال الشوكاني: (وفي هذا التعريض الواقعِ من أبي بكر غايةُ اللطافة).
القسم الثالث: إذا لم يكُنِ الحالف ظالمًا، ولا مظلومًا، ولم تترتب على التوريةِ ضرورةٌ أو مصلحة متعدِّية: فلا تجوز التوريةُ في اليمين؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «يمينُك على ما يصدِّقُك به صاحبُك».
مسألةٌ: إبرارُ القسم واجبٌ إذا لم يكُنْ ضرَرٌ؛ لِما رواه البخاري ومسلِم عن البراءِ بن عازب ﵁، قال: «أمَرَنا رسولُ الله ﷺ بسَبْعٍ: بعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسَم أو المقسِم، ونصرِ المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام».
стр. 169
مسألةٌ: كفارة اليمين، الكفارة لغةً: مشتقَّة من الكَفْر بالفتح؛ وهو: السَّتْر والتغطية، وفي الشرع: ما يُخرِجه الحانثُ في يمينه؛ من إطعام، أو كسوة، أو عتقٍ؛ تكفيرًا لحِنْثِهِ في يمينه.
مسألةٌ: حكم كفارة اليمين: الوجوب حين الحِنْثِ على الفور، وقد دل على ذلك الكتابُ، والسُّنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]، ومِن حفظِ اليمين: التكفيرُ بعد الحِنْثِ.
قال ابن المنذِر: (وأجمعوا على أن مَنْ حلف باسمٍ من أسماء الله تعالى، ثم حَنِثَ: أن عليه الكفارةَ).
مسألة: يجوز أن يكفِّر الحالف قبل أن يَحنَثَ ؛ لحديث أبي موسى الأشعري؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «وإنِّي إن شاء الله لا أَحلِفُ على يمين، ثم أرى خيرًا منها، إلا كفَّرتُ عن يميني، وأتيتُ الذي هو خيرٌ».
مسألة: كفارة اليمين على التخيير بين الإعتاق، والإطعام، والكساء، فإن لم يَجِدْ، ينتقِل إلى الصيام، ففي العتق والإطعام، والكسوة تخيير، وما بين هذه الأصناف الثلاثة والصيام ترتيب، فلا ينتقل للصيام حتى يَعْجِزَ عن الأصناف الثلاثة الأول، وقد بيَّن اللهُ تعالى ذلك بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المَائدة: ٨٩].
وقد تقدم في باب الظهار بيان ما يتعلق في الكفارة من أحكام العتق والصيام والإطعام، كشروط صحة الإعتاق، والانتقال إلى الصيام، وغير ذلك، وما يتعلق بشروط التكفير بالمال، وشروط المطعم، وجنس الطعام
стр. 170
وقدره تقدم في كفارة الظهار.
مسألة: الكسوة: تقدم أن من خصال كفارة اليمين الكسوة، وأنها على التخيير بين الإعتاق، والإطعام، والكساء، فإن لم يَجِدْ، ينتقِل إلى الصيام.
وأقل ما يجزئ من الكسوة ما يستر في الصلاة للرجل والمرأة؛ لأن الكفارة عبادة تعتبر فيها الكسوة، فلم يجز أقل مما يستر في الصلاة كالصلاة.
فرع: اشترط العلماء في الواجب من الكسوة ما يلي:
١ - أن يكون مما ينتفع به عرفاً، سواء كان جديداً أو لَبيساً.
٢ - أن لا يكون مَعيباً إلا اليسير من العيب فيعفى عنه.
٣ - أن يكون مما يلبسه هو وأهله.
٤ - أن يكون مباحاً، فلا يجزئ ما فيه تصاوير.
٥ - أن يكون طاهر العين، فلا يجزئ ما صنع من جلد ميتة لم يدبغ، فإن كان طاهر العين وطرأت عليه نجاسة أجزأ، لكن يخبر المسكين بالنجاسة.
٦ - يعتبر التمليك في الكسوة بخلاف الإطعام.
ولا يشترط أن يكون مَخِيطاً، كما لا يشترط في الطعام أن يكون مطبوخاً.
مسألة: مرجع اليمين:
أولاً: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتمل لفظ الحالف نيته، فتتعلق يمينه بما نواه، دون ما لفظ به؛ لقوله ﵊ في حديث عمر ﵁: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فإذا قال: والله لأنامَنَّ تحت السقف، فنام تحت السماء، وقال: أردت السقف السماء، قُبل قوله، وقدمت نيته على عموم لفظه؛ لاحتمال اللفظ للنية.
стр. 171
مثال آخر: قال: لأنامن على الفراش، فنام على الرمل، وقال: أردت بالفراش الأرض قُبل قوله، فإن لم يحتمل اللفظ النية لا يرجع إليها، كما لو قال: والله لآكلن تفاحة فأكل خبزًا، وقال: أردت بالتفاحة الخبزة لا يرجع للنية.
ثانيًا: إن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها؛ لدلالة ذلك على النية، فمن حلف ليقضين زيدًا حقه غدًا، فقضاه قبله، لم يحنث إذا اقتضى السبب أنه لا يتجاوز غدًا، ومثله لو حلف لا يدخل بيت زيد لوجود منكر فيها، فإذا زال المنكر ودخلها لم يحنث.
ثالثًا: إن عدم ذلك رجع إلى التعيين، فإذا حلف لا لبست هذا القميص، فجعله سراويل ولبسه، أو لا كَلَّمت هذا الصبي، فصار شيخًا، أو زوجةَ فلان هذه، فزالت الزوجية، ثم كلمهم، حنث؛ لأنه قصد عين المحلوف عليه، إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة فلا يحنث لتغير الصفة.
رابعًا: إن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم، وهو ثلاثة: شرعي، وحقيقي، وعرفي.
أما الشرعي من الأسماء ما له موضوع في الشرع وموضوع في اللغة؛ كالصلاة، فهي في اللغة: الدعاء وفي الاصطلاح: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والصوم، والزكاة، والحج، والبيع، والإجارة، فإذا حلف لا يبيع، أو لا ينكح، فعقد عقدًا فاسدًا من بيع أو نكاح لم يحنث؛ لأن البيع والنكاح لا يتناول الفاسد.
وإذا حلف لا يصلين، لم تبرأ ذمته إلا بصلاة صحيحة مكتملة الشروط والأركان.
стр. 172
وأما الحقيقي: فهو الاسم الباقي على حقيقته كاللحم، فإذا حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحمًا أو مخًّا أو كبدًا أو نحوه، لم يحنث؛ لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك إلا بنية اجتناب الدسم، وإن حلف لا يلبَس شيئًا، فلبس ثوبًا أو درعًا أو نعلاً حنث؛ لأنه ملبوس حقيقةً وعرفًا.
وإن حلف لا يكلم إنسانًا، حنث بكلام كل إنسان، ولا يفعل شيئًا، فوكل من فعله، حنث إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.
وأما العرفي: فما غلب فيه العرف على الأصل، كالراوية في العرف: للمزادة، وفي الحقيقة: الجمل الذي يستقى عليه، والغائط في العرف: للخارج المستقذر، وفي الحقيقة: لفناء الدار وما اطمأن من الأرض، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة؛ لأن الحقيقة في نحو ما ذكر صارت كالمهجورة، ولا يعرفها أكثر الناس.
والأقرب أن يقال بالتفصيل الآتي:
١ - إن كانت اليمين على عبادة أو عقد، قدمت الحقيقة الشرعية، ما لم تكن نية أو سبب، فمثلاً: لو حلف على فعل عبادة أو عقد، لم تبرأ ذمته إلا بفعل عبادة وعقد صحيحين.
٢ - وإن كانت على عمل أو زمن أو عين، قدمت الحقيقة اللغوية، ما لم تكن نية أو سبب أو عرف يقتضي خلاف ذلك، فمثلاً: لو حلف أن يأكل فاكهة رجع إلى تفسير الفاكهة عند أهل اللغة، ولا تبرأ ذمته إلا بهذا مالم يكن عرف.
стр. 173
كتاب النَّذْرِ
النَّذْرُ لغة: يطلق على معانٍ؛ منها: الإيجابُ، والتخويف.
واصطلاحًا: إيجاب المكلَّفِ على نفسه عبادةً غير واجبة عليه بأصل الشرع.
وقد دل عليه الكتابُ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحَجّ: ٢٩].
ومن السُّنة: عن عائشة ﵂؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ نذَرَ أن يُطِيعَ الله، فليُطِعْهُ، ومَن نذر أن يعصيَهُ، فلا يَعصِهِ»؛ رواه البخاري.
وقال ابن قُدَامة: (أجمع المسلِمون على صحة النَّذْر في الجملة، ولزومِ الوفاء به).
مسألة: النَّذْر: نوعٌ من أنواع العبادة، لا يجوز صرفُهُ لغير الله تعالى، فمَن نذَرَ لغير الله تعالى مِنْ قبرٍ، أو مَلَك، أو نبي، أو وليٍّ: فقد أشرك بالله الشركَ الأكبر المُخرِجَ من الملة؛ لأنه بذلك قد عبَدَ غيرَ الله.
فالذين يَنذِرون لقبور الأولياء والصالحين اليوم قد أشرَكُوا باللهِ الشركَ الأكبر والعِياذ بالله! فعليهم أن يتوبوا إلى الله، ويَحذَروا من ذلك، وليُنذِروا قومَهم لعلهم يحذرون من ذلك.
مسألة: حكمُ النذرِ ابتداءً: إذا كان النذر معلقًا على حصول نعمة، أو اندفاع نقمة، كره النذر، وقد حرَّمه طائفةٌ من العلماء؛ لِما روى ابن عمر
стр. 174
﵄؛ أن النبيَّ ﷺ نهى عن النَّذْرِ، وقال: «إنَّه لا يرُدُّ شيئًا، وإنما يُستخرَجُ به من البخيلِ»؛ رواه البخاري ومسلِم، وإن كان نذر العبادة مطلقًا كما لو نذر صلاة أو صيامًا فيستحب؛ لأن الله مدح الموفين بالنذر، إلا إن كان شاقًا فيكره؛ لأنَّ الناذر يُلزِم نفسه بشيءٍ لا يَلزَمه في أصل الشرع، فيُحرِجُ نفسَهُ ويُثقِلها بهذا النذر.
مسألةٌ: أقسام النذر:
القسم الأول: النذرُ لغير الله ﷻ ؛ كأن يقول: للوليِّ الفلاني، أو للقبر الفلاني نذر أن أتصدَّقَ، أو أذبح، ونحو ذلك؛ فهذا شركٌ أكبرُ؛ فإن النذر عبادةٌ مدح اللهُ الموفِينَ به.
القسم الثاني: نذر المستحيل؛ نذرُ ما يُحِيلُ العقلُ أو الشرع تحقُّقَه، مثاله: نذر صيام أمس، ونذر صيام أيام الحيض، أو صيام الليل، فلا ينعقدُ هذا النذر؛ لِما روى عِمران بن حُصين، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا وفاءَ لنَذْرٍ في معصية، ولا فيما لا يَملِكُ العبدُ»؛ رواه مسلِم، ونذرُ المستحيل لا يَملِكه ابنُ آدم.
القسم الثالث: نذر اليمين، أو نذر اللَّجَاج والغضَبِ، وهو تعليق النذر بشرطٍ يَقصِدُ الناذرُ المنعَ من المعلَّق عليه، أو الحث عليه، أو التصديق به إذا كان خبرًا؛ كقوله: إنْ كلَّمتك، أو إن لم أضربك: فعليَّ الحج، أو صومُ سنة، أو عتقُ عبدي، أو مالي صدقة، أو إن لم أكن صادقًا: فعليَّ صومُ كذا؛ فهذا يتخيَّرُ بين الوفاء بما نذَر، أو يكفِّرُ عنه كفارةَ يمين إذا وُجِدَ الشرط؛ لأن هذا هو الواردُ عن الصحابة ﵃ في قصة ليلى بنت العجماء.
القسم الرابع: نذرُ عبادةٍ من العبادات، وهو نذرُ ما جاء في كتاب الله،
стр. 175
أو سُنَّة رسوله ﷺ التعبُّدُ به من الأعمال، والعبادة - كما عرَّفها شيخُ الإسلام رحمه الله تعالى -: اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأعمال والأقوال، الظاهرة والباطنة؛ كالصلاة، والصدَقة، والصيام، والاعتكاف، والذَّبْحِ، وغير ذلك، وهو على قسمينِ:
الأول: نذر العبادة ابتداءً؛ كأن يقولَ: لله عليَّ نذرٌ أن أصلِّيَ ركعتين، أو أن أحُجَّ، أو أن أعتمر، ونحو ذلك.
الثاني: نذر العبادة المعلَّق على وجود نعمة، أو اندفاع نِقْمة، مثال ذلك: أن يقول: إن شفى اللهُ مريضي، فللَّه عليَّ أن أصوم شهرًا، وكأن يقول: إن رَبِحتُ في هذه التجارة، فللَّه عليَّ أن أتصدَّقَ بكذا وكذا.
فهذان القسمان منعقِدان، ويجب الوفاءُ بهما؛ لعموم الآيات الدالة على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحَجّ: ٢٩]، الدالة على الوفاء بالنَّذْر مطلقًا.
القسم الخامس: نذرُ المعصية:
مثاله: نذر شُرْبِ الخمر، أو الدُّخَان، أو الصيام حال الحيض، ونحو ذلك، قال ابن قُدَامة: (فلا يَحِلُّ الوفاء به إجماعًا)، لما رواه مسلِم عن عِمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا وفاءَ لنَذْرٍ في معصيةٍ، ولا فيما لا يَملِكُ العبدُ»؛ رواه مسلِم.
القسم السادس: نذر المباح: وهو نذرُ ما لم يَرِدْ فيه أمرٌ ولا نهيٌ مِنْ قِبَل الشارع لذاته؛ كالأكل، والشُّرب، وركوب الدابَّة، والقيام، والقعود، والنوم، ونحو ذلك، فنذرُهُ صحيح، إلا أنه لا يَلزَمه الوفاء به، بل يُخيَّر فيه بين الفعل والتَّرْك، ولا كفارةَ عليه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: بَيْنا النبيُّ ﷺ يخطب
стр. 176
إذ هو برجُلٍ قائم، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيلَ، نذَرَ أن يقوم ولا يقعُدَ، ولا يستظل، ولا يتكلَّم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مُرُوهُ فليتكلَّمْ، وليستظِلَّ، وليقعُدْ، وليُتِمَّ صومَه».
القسم السابع: النذر المكروه، مثاله: كما لو نذر طلاقَ زوجته، أو السفر وحده، أو أكل الثُّومِ، ونحو ذلك، فهذا يكره الوفاء به، ولا كفارة عليه.
القسم الثامن: النذر المبهَم، وهو النذر الذي لم يُسَمِّ ما أوجب فيه المكلَّفُ على نفسه ما نذره، قال البهوتي في كشاف القناع: (المطلَق: كعلَيَّ نذرٌ، أو لله عليَّ نذر، سواءٌ أطلق أو قال: إن فعلتُ كذا، وفعَله ولم ينوِ بنذره شيئًا معينًا).
والنذر المبهَم منعقِد، وتجب فيه كفارةُ يمين؛ لحديث عقبةَ بن عامر ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: «كفارةُ النذرِ: كفارةُ اليمين»؛ رواه مسلم.
مسألةٌ: مشروعية الاستثناء في النَّذْر، إذا نذَر المسلِم فإنَّه يُشرَع له أن يستثني في نذره بالمشيئة، فيقول مثلاً: إنْ شفى اللهُ مريضي، فللَّه عليَّ إن شاء الله أن أصوم يومًا، وبهذا يستفيد فائدتينِ:
الفائدة الأولى: الاستجابةُ لأمر الله، والاقتداء بالنبي ﷺ ؛ كما تقدم في أحكامِ اليمين.
الفائدة الثانية: أنه إذا تحقَّق ما علَّق عليه مِنْ النذر، فإنَّه لا يَلزَمه شيء.
وقد تقدم دليلُ ذلك في الاستثناء بالمشيئة في اليمين.
ضابط: الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وعلى هذا إذا نذر صلاة أو صومًا ونحو ذلك اشترط فيه ما يشترط في الواجب بالشرع.
стр. 177
مسألة: إذا نذر صوم شهر لزمه التتابع إن كان معينًا أو شرط التتابع أو نواه وكذا أن نذر صوم سنة أو أيام.
مسألة: إن نذر اعتكاف يوم دخل مُعتَكفه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإن نذر اعتكاف ليلة دخل مُعتكفه من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
مسألة: من نذر عبادة وعَجَزَ عنها فله أحوال:
الحال الأولى: أن يكون لعذر لا يرجى زواله، فينتقل إلى بدلها، كما لو نذر صيامًا وعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله، فيُطعِم عن كل يوم مسكينًا كالواجب بالشرع.
الحال الثانية: إذا نذر عبادة وعجز عنها لعذر ولم يكن لها بدل فتسقط كما لو نذر اعتكافًا وعَجَز عنه؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع.
الحال الثالثة: إذا نذر عبادة وعَجَزَ عنها وأمكن النيابة فيها، أناب غيره فيها، كالحج والعمرة.
الحال الرابعة: إذا نذر عبادة وعَجَزَ عنها لعذر يرجى زواله، قضاها بعد زوال العذر، كما لو نذر صلاة أو قراءة في وقت معين ثم نام عنها.
الحال الخامسة: إذا عَجَزَ عن بعض العبادة وقدر على بعضها فعل ما قدر عليه، كما لو نذر أن يقرأ القرآن مصليًا وعَجَزَ عن قراءته حال الصلاة، فيقرؤه خارجه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغَابُن: ١٦].
فرع: إذا نذر عبادة وغير عبادة وجب الوفاء بالعبادة؛ لحديث ابن عباس، قال: «بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال
стр. 178
النبي ﷺ : مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» رواه البخاري، فأمره النبي ﷺ أن يتم صيامه؛ لأنه عبادة، ونذر القيام وعدم القعود وعدم الاستظلال فأمره النبي ﷺ ألا يتمه؛ لأنه ليس عبادة، فيأخذ حكم النذر المباح أو المحرم.
مسألة: من نذر عبادة ثم مات قبل فعلها، فإن لم يتمكن من فعلها حتى مات فلا شيء، عليه كما لو نذر أن يصوم في شعبان فمات قبله، وإن تمكن من فعلها استحب قضاؤها عنه إن كانت بدنية.
وإن كانت مالية، أو لها بدل مالي، كما لو نذر الصيام، أو تصح النيابة فيها كالحج؛ وجب قضاؤها عنه إن خَلَّفَ تركةً، فيطعم عن الصيام، ويحج عنه، وإلا استحب كما لو نذر حجًّا وتمكن منه ولم يفعله حتى مات، فإن خَلَّفَ تركةً وجب فعله وإلا فلا؛ وكما لو نذر صدقة وتمكن منها فمات ولم يفعلها وخَلَّفَ تركةً وجب إخراجها من تركته، وإلا استحب؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع.
стр. 179
كتاب الأطعمةِ
الطعامُ في اللغة: يقعُ على كلِّ ما يُطعَمُ، حتى الماء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩].
وقوله ﷺ في ماء زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْمٍ»؛ رواه مسلِم.
مسألة: الأصل في الأطعمة: الحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا﴾، [البَقَرَة: ١٦٨] وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المَائدة: ٤]، فكلُّ مأكولٍ ومشروب الأصلُ فيه الحِلُّ.
مسألة: يحرُمُ مِنْ الطعام ما يلي:
الضابط الأول: كل مضرٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩].
فرعٌ: حكمُ تناوُلِ السمِّ، إن كانت نسبتُهُ يسيرةً، وفيه مصلحة: جاز ولا مضرة، كاستعماله في الأدوية، والحكمُ يدور مع علَّتِه؛ وجودًا وعدَمًا.
الضابط الثاني: كل نجسٍ محرَّم، والنجاسة تنقسم إلى قسمين:
أ-نجاسة عينيَّة؛ أي: ذاتها نجس كالميتة والدم المسفوح.
ب-نجاسة حُكْمية؛ وهي: التي أصلها طاهرٌ، ثم طرأت عليها النجاسةُ؛ كما لو وقَعَ بول على طعام؛ فيحرُمُ، إلا إن طُهِّر.
стр. 180
والدليل على أن كلَّ نجس محرَّم: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المَائدة: ٣]، وقوله ﷺ في الخمر: «أكفِئُوها؛ فإنَّها رِجْسٌ».
الضابط الثالث: الحُمُر الأهلية محرَّمة؛ وهذا هو قولُ الجمهور رحمهم الله تعالى؛ خلافًا للإمام مالك رحمه الله تعالى.
والدليل: حديثُ جابرٍ ﵁: «أن النبيَّ ﷺ نهى يوم خَيْبَرَ عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأَذِنَ في لحوم الخيل»؛ متفق عليه، قال ابن عبد البَرِّ رحمه الله تعالى: (لا خلاف اليوم في تحريمِها).
الضابط الرابع: كل ذي نابٍ مِنْ السباع محرَّمٌ؛ مثل: الأسَد، والنَّمِر، والذئب، والفهد، والهر، ونحو ذلك.
والدليل على ذلك: حديثُ أبي ثَعْلبة الخُشَني ﵁: «نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السِّباع»؛ متفق عليه، قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافًا في أن القِرْدَ لا يؤكَلُ، ولا يجوز بيعُه)، وذكَرَ ابن القيِّمِ أنَّ ذا النابِ لا يحرُمُ إلا إذا كان يعدو بنابه.
الضابط الخامس: كلُّ ذي مِخلَبٍ من الطير يَصِيد بمِخلَبه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مِخلَبٍ من الطير»؛ رواه مسلم، مثل: العُقَاب، والباز، والصَّقر، والشاهين، والحِدَأة، والبُومة، ونحو ذلك.
الضابط السادس: ما أمَر الشارعُ بقَتْلِه، فإنَّه محرَّم؛ مثل: الوَزَغ، والغُرَاب الأبقع، والفأرة، والحيَّة، والعَقْرب، والكلب العقور؛ لأن الله تعالى أمر بقتلها، ولو كانت مباحة لأمر بتذكيتها.
следующие страницы →