Полный текст (194 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
عبَّاسٍ: «إنِّي لأحبُّ أن أتزيَّنَ للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]».
قال ابن الجوزي: (معاشَرة المرأة بالتلطف لئلا تقعَ النُّفْرةُ بينهما، مع إقامة هيبته؛ لئلا تسقُطَ حُرْمته عندها، ولا ينبغي أن يُعلِمَها قدرَ ماله، ولا يفشي إليها سرًّا يخاف إذاعته، وليكُنْ غيورًا من غير إفراط؛ لئلا تُرمَى بالشرِّ من أجله).
وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العِشرة، دائم البِشر؛ فيُشرَع لكل واحدٍ من الزَّوجين أن يحسِّنَ خُلقه لصاحبه، وأن يرفُقَ به، وأن يتحمل أذاه؛ لما تقدم.
وينبغي إمساكُها مع كراهته لها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١٩]؛ أي: فعسى أن يكون صبرُكم مع إمساككم لهنَّ مع الكراهة: فيه خيرٌ كثير لكم في الدنيا والآخرة، فندب اللهُ تعالى إلى إمساك المرأة مع الكراهة؛ لأنَّ الإنسان لا يَعلَم وجوهَ الإصلاح؛ فرُبَّ مكروهٍ عاد محمودًا، أو محمود عاد مذمومًا، ولا تكاد تجد محبوبًا ليس فيه ما تكره، فليَصبِرْ على ما يَكرَه لِما يحب.
قال ابن عبَّاسٍ: «ربما رُزِقَ منها ولدًا، فجعل اللهُ فيه خيرًا كثيرًا»؛ أخرجه ابن جَرير في تفسيره، وعزاه السُّيوطي لابن أبي حاتم.
وعن أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لا يَفرَكْ مؤمنٌ مؤمنة، إن سَخِطَ منها خُلُقًا، رضيَ منها آخَر»؛ رواه مسلِم.
ولما روى أبو هُرَيرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرًا»؛ متفق عليه.
стр. 72
ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحد، لأمَرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها»؛ رواه التِّرمِذي وحسنه، وابن حِبَّان والبَيْهَقي والحاكم.
فرع: يحرم مطلُ كلِّ واحد من الزَّوجين بما يلزمه للزوج الآخَر، والتكرُّه لبذل الواجب من الحقوق الواجبة، والمعاشرة بالمعروف؛ كأن يؤخِّر الزَّوجُ ما يجب عليه لزوجته من كسوة أو طعام وغير ذلك من الحقوق يومًا بعد آخرَ بلا عذر، أو يأتي به بنفسٍ متبرِّمة متثاقلة.
وكذلك الزَّوجة؛ لا يجوز لها أن تمطُلَ زوجها ما يجبُ له من حق الاستمتاع، والطاعة، وغير ذلك، يومًا بعد آخرَ بلا عذر، أو تأتيه متبرِّمة متثاقلة؛ لِما تقدم من الأدلة.
مسألةٌ: إذا تم عقدُ النِّكاح بشروطه وأركانه، وجب تسليمُ المرأة إلى الزَّوج، وتمكينه من الاستمتاع، كما تستحق المرأةُ العِوض؛ وهو المَهْر.
ويشترط لتسليم الزَّوجة أن تكون ممن يمكِن وطؤُها، فإن كانت لا يمكِن وطؤُها، فلا يجب تسليمها؛ لما قد يحمله فرطُ الشهوة على الجماع، فتتضرَّرُ به.
ولا يلزم بعد العقد تسليمُ مُحرِمة، ومريضة، وصغيرة، ولو قال: لا أطأ، لم يُقبَل قوله؛ لأنَّ هذه الأعذار تمنعُهُ الاستمتاع بها، ويُرجَى زوالها.
قال شيخ الإسلام: (لو شرَطَ الزَّوجُ أن يستلم الزَّوجة وهي صغيرة؛ ليُحصِنَها: فقياسُ المذهب - على إحدى الروايتينِ -: أنه يصحُّ هذا الشرط، كما لو اشترط في الأمَة التسليمَ ليلاً ونهارًا).
стр. 73
مسألةٌ: إذا طلب أحدُهما المُهْلة ليصلح أمره من الاغتسال، والتنظُّف، والخضاب: أُمهِلَ العادة وجوبًا؛ لأنَّه لا تقديرَ فيه، فيُرجَع للعادة.
مسألةٌ: الأصل في الاستمتاع بين الزَّوجين الحِلُّ، إلا ما جاء الشرعُ بمنعه؛ كالوطء في الدُّبُر، أو الحيض، وللزوج الاستمتاع بزوجته، ولو من جهة الدُّبُر في القُبُل؛ لما روى جابر ﵁ قال: «قالت اليهودُ: إنما يكون الولَدُ أحولَ إذا أتى الرجُلُ امرأتَهُ من خلفها؛ فأنزل اللهُ ﷻ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٣] مِنْ بين يديها وخلفها، ولا يأتيها إلا في المأتى»؛ متفق عليه.
وله الجِماع بالمعروف دون تقدير بمدة أو عدد، ما لم يضُرَّ بها، أو يَشغَلْها عن فرض، ولو كانت على التنُّور، أو على ظَهْرِ قَتَبٍ؛ كما رواه الإمام أحمد وغيره.
قال العلماء: إذا زاد الرجُلُ على المرأة في الجماع، صولِحَ على شيءٍ منه.
وقال شيخُ الإسلام: (ويجب عليه وطءُ امرأته بقدر كفايتِها، مالم يُنهِكْ بدنَه، أو تَشغَله عن معيشته، غير مقدَّر بأربعة أشهر، كالأمَة، فإن تنازعا، فينبغي أن يَفرِضَه الحاكمُ؛ كالنفقة، وكوطئِه إذا زاد).
فرعٌ: لا يُكرَه الجماع في ليلة من الليالي، ولا يوم من الأيام، ولا يجوز للمرأة أن تطَّوَّعَ بصلاة ولا صوم وهو شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «لا يَحِلُّ لامرأة أن تصومَ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه، ولا تأذَنَ في بيته إلا بإذنه»؛ رواه البخاري.
стр. 74
مسألةٌ: للزوج السفرُ بالحُرَّة بلا إذنها، إذا كان الطريق والبلد الذي يريده غيرَ مَخُوف؛ لأنه ﵊ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم.
مسألةٌ: يحرم وطؤُها في الحيض بالإجماع، وكذا النِّفاس؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، وكذا بعده قبل الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: اغتسَلن، أو تيممن؛ لعدمِ الماء، أو عَجْزٍ عن استعماله.
مسألة: يحرم في الدُّبُرِ بلا نزاع بين الأئمة، ولو تطاوعا على فعل ذلك، فُرِّقَ بينهما.
قال شيخ الإسلام: (الوطءُ في الدُّبُر حرامٌ في كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ ، وعلى ذلك عامةُ أئمة المسلِمين من الصحابة والتابعين وغيرهم؛ فإن اللهَ قال في كتابه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٣]، والحرثُ: موضعُ الزرع، والولد إنما يُزرَع في الفَرْجِ، لا في الدُّبُر، وأيضًا فهذا من جنس اللواط).
ولقوله ﷺ في حديث خزيمة بن ثابت ﵁: «إن اللهَ لا يَستحي من الحقِّ؛ لا تأتوا النساءَ في أدبارهن»؛ رواه أحمد، والنَّسَائي في الكبرى، وهو صحيح بشواهده.
مسألةٌ: يحرُمُ عزلٌ بلا إذن الزَّوجة؛ لأنه يمنع كمال الاستمتاع، وحقَّها في الولد.
مسألةٌ: للزوج أن يُجبِرَ زوجتَه على غسل الحيض والنفاس والنجاسة؛ لأنَّ ذلك يمنع الاستمتاعَ، أو كمالَهُ الذي هو حقٌّ له؛ فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقَّه.
стр. 75
وله إجبارها على اجتناب محرَّمات؛ مِنْ تبرُّجٍ، واستماع لغناء، وغِيبة، ونميمة، وغير ذلك، وإزالة وسَخٍ، وأخذ ما تعافه النفسُ؛ مِنْ شعَر وغيره؛ كظُفُر، ومنعها مِنْ أكل ما له رائحةٌ كريهة؛ كبصل، وكرَّاث، وثُوم؛ لأنه يمنع كمالَ الاستمتاع، وسواءٌ كانت مسلِمةً أو كتابية.
مسألة: قال شيخ الإسلام: (ويجب على المرأة خدمةُ زوجِها بالمعروف، من مثلِها لمثله، ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال؛ فخِدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة، وقاله الجُوزجاني مِنْ أصحابنا، وأبو بكر بن أبي شيبة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ولأنَّ نساء النبي ﷺ وصحابته كنَّ يخدُمْنَ أزواجهنَّ، وقد كان النبي ﷺ يأمر نساءَه بخدمته، فقال: «يا عائشة أسقِينا، يا عائشة أطعِمينا»؛ رواه أحمد وأبو داود، وقال: «يا عائشةُ، هلُمِّي الشَّفرة، واشحذَيها بحجَرٍ»؛ رواه البخاري، وورد: «أن فاطمةَ أتت رسولَ الله ﷺ تشكو إليه الرَّحَى»؛ رواه البخاري، وعن أسماء بنت أبي بكر: «أنها تقومُ على فرَسِ الزُّبَير، وتلتقط له النَّوى، وتحملُهُ على رأسها»؛ متفق عليه.
وله منعُ زوجةٍ كتابية من دخول بِيعة أو كنيسة، فلا تخرج إلا بإذن الزَّوج، وله منعُها من تناول محرَّم، ولا تُكرَه على إفساد صومِها أو صلاتها أو سَبْتِها بوطءٍ، أو غير ذلك؛ لأنَّه يضُرُّ بها.
стр. 76
فصلٌ
في أحكام المبيت والجِماع ولزوم المنزل وغير ذلك
يجب على الزَّوج أن يَبِيتَ عند زوجته بالمعروف؛ وذلك بأن يبيتَ كل ليلة في فراشها، إلا لعُذْرٍ، أو لحاجته أحيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ولحديث عبد الله بن عمرٍو ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «وإنَّ لزوجِك عليك حقًّا» متفق عليه، ولأنَّ هذا هو هديُ النبي ﷺ ، فيكون بحسَبِ ما يطيِّبُ نفسَها، ويحصُلُ به الأُنس وزوالُ الوحشة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وليس من المعروف أن يهجُرَها في الفراش.
وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النِّسَاء: ٣٤] مع قوله ﷺ : «ولا يهجُرْ إلا في المَضجَع»؛ رواه الإمام أحمد والتِّرمِذي-: دليلٌ على وجوب المبيت في المَضجَع، ودليل على أنه لا يهجُرُ المنزل إذا وجد سببه من المرأة وكان هذا أصلح.
مسألة: إن سافَرَ الزوج فوق نصف سنة في غير حجٍّ أو غزوٍ واجبينِ، أو طلبِ رزق يحتاجه، وطلبت قدومَه، وقدَرَ: لَزِمَهُ القدومُ.
وقال شيخ الإسلام: (وحصول الضرَرِ للزوجة بترك الوطءِ مقتضٍ للفسخ بكل حال، سواءٌ كان بقصد من الزَّوج أو بغير قصد، ولو مع قدرتِهِ وعجزه كالنفقة، والقولُ في امرأة الأسير والمحبوس ونحوها ممن تعذَّر انتفاعُ امرأته به إذا طلَبتْ فُرْقته: كالقول في امرأة المفقود بالإجماع؛ كما قاله أبو محمد المقدسي).
стр. 77
مسألةٌ: آداب الوطءِ:
أولاً: تسنُّ التسميةُ عند الوطء، وليست مختصةً بالرجل، وقولُ الواردِ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لو أن أحدَكم حين يأتي أهله، قال: بسم الله، اللهمَّ جنِّبْنا الشيطانَ، وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتَنا، فوُلِدَ بينهما ولدٌ: لم يضُرُّهُ الشيطانُ أبدًا»؛ متفق عليه.
ثانيًا: يُكرَه النزعُ قبل فراغها، ولأنه خلافُ المعاشَرة بالمعروف، والله ﷻ يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ويقول ﷺ في حديث عائشة ﵂: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»؛ رواه الإمام أحمد والتِّرمِذي وصححه، والنَّسَائي وابن ماجَهْ.
ثالثًا: يحرُمُ الوطءُ بمرأَى أحدٍ أو مَسمَعِه؛ أي: بحيث يراه أحدٌ أو يسمعه، أو التحدُّث بما جرى بينهما؛ لحديث بَهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، مرفوعًا: «احفَظْ عورتَك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي وحسَّنه، والنَّسَائي في الكبرى، وابن ماجَهْ، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إن مِنْ أشرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: الرجُلَ يُفضي إلى امرأته، وتُفضي إليه، ثم ينشُرُ سِرَّها»؛ أخرجه مسلِم.
قال الشوكاني: (قيل: وهذا في التحريم إنما هو في نشرِ أمور الاستمتاع، ووصفِ التفاصيل الراجعة إلى الجماع، وإفشاء ما يجري بين المرأة من قولٍ أو فعل حال الوِقاع، وأما مجردُ ذِكر نفس الجماع، فإن لم يكُنْ فيه فائدة، ولا حاجة إليه: فمكروهٌ؛ لأنه خلاف المروءة، ومن التكلم بما لا يَعني، ومِن حُسْنِ إسلام المرء تركُهُ ما لا يَعنِيه، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ : «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليقل خيرًا، أو ليصمُتْ»، فإن كان إليه حاجة، أو
стр. 78
ترتَّب عليه فائدة: فلا كراهةَ في ذلك؛ وذلك نحو أن تُنكِرَ المرأة نكاحَ الزَّوج لها، وتدَّعيَ عليه العجزَ عن الجماع؛ كما رُوِيَ: «أن الرجُلَ الذي ادَّعتِ امرأته عليه العُنَّة، قال: يا رسول الله، إنِّي لأنفُضُها نَفْضَ الأديم»، ولم ينكر عليه).
رابعًا: له الجمعُ بين وطء نسائه بغُسْلٍ واحد؛ لقول أنسٍ: «سكَبتُ لرسول ﷺ مِنْ نسائه غُسْلاً واحدًا في ليلة واحدة»؛ أخرجه البخاري ومسلِم.
مسألةٌ: يستحبُّ للزوج أن يُفرِد كل واحدة من نسائه بدار مستقلة؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ؛ حيث أفرد كلَّ امرأة من نسائه بحجرة مستقلة؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزَاب: ٥٣].
لكن اختلَف العلماء ﵏ فيما إذا جمع زوجتيهِ وأكثر في دار واحدة، والصحيح: أنه يجوزُ أن يجمع زوجتيهِ فأكثرَ، كل بمنزلٍ، إذا استقل بمنافعِهِ؛ من مطبخ، ومرحاض، ونحو ذلك، ولا يجوز في منزل واحد إلا برضاهنَّ؛ لأنه إذا استقل كلٌّ بمنزله بمنافعه، انتفى الضررُ عن الزَّوجات؛ لبُعْدِ بعضهنَّ عن بعض.
مسألةٌ: له منعُ زوجته من الخروج من منزله؛ إذ مِنْ حق الزَّوج على زوجته ألا تخرجَ من بيته إلا بإذنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يُوسُف: ٢٥]، فسمَّى الزَّوج سيدًا، والمرأةَ مسُودةً، وإذا كان كذلك، فلا بد من إذن السيدِ؛ لقول النبي ﷺ في حديث عمرِو بن الأحوص ﵁: «وهنَّ عوانٍ عندكم»؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه، وابن ماجَهْ؛ أي: أسيرات.
واستثنى العلماءُ مسائلَ لها الخروج:
стр. 79
منها: الخروج للمسجد للصلاة؛ لورود النهيِ عن منع الزَّوجة من المسجد.
ومنها: الخروج لحجِّ الفرض إذا وجدت مَحرَمًا تخرج معه.
ومنها: إذا احتاجت للخروج لأمرٍ لم يقُمِ الزَّوج به.
وأما زيارة أبويها أو رحمها، أو عيادتهما: فالله ﷻ أمر بالمعاشَرة بالمعروف، وليس من المعروف أن يمنعَها من زيارة أبويها، وصلةِ رحمها.
فرع: تأجيرُ المرأةِ نفسَها له حالتانِ:
الأولى: أن تكون إجارة خاصة؛ وهي ما قُدِّر نفعها بالزمن؛ كأن تُؤْجِرَ نفسها من وقت كذا إلى كذا، فله منعُها؛ لما في ذلك من تفويت حقِّه من الاستمتاع ونحوه، إلا بالشرط لفظًا في العقد، أو عُرْفًا.
الثانية: أن تكون إجارةً مشتركة؛ وهي ما قُدِّر نفعها بالعمل؛ كأن تَقبَل أعمالاً من أناس؛ كخياطة وغيرها؛ فليس له منعُها إلا إن تضرَّر.
وله منعُها من إرضاع ولدها من غيره؛ لأنَّ الرَّضاع يفوِّت عليه الاستمتاعَ بها، إلا لضرورة الولد؛ بأن لم يَقبَلْ ثديَ غيرها؛ فليس له منعُها إذًا؛ لِما فيه من إهلاك نفسٍ معصومة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩].
стр. 80
فصلٌ في القَسْمِ بين الزَّوجات
القَسْمُ لغة بفتح القاف: تفرقة الشيء وتجزئته، وبالكسر: النصيب والحظ.
واصطلاحًا: توزيعُ الزمان على زوجاته إن كنَّ ثِنْتينِ فأكثرَ.
يجب على الزَّوج أن يَقسِمَ لزوجاته أو زوجته؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩].
ولقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، قال ابن حزمٍ: (فلم يُبِحِ اللهُ ﷻ هجرانها في المضجع إلا إذا خاف نشوزها).
ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: «أُخبِرَ رسولُ الله ﷺ أنِّي أقول: لأقومَنَّ الليلَ، ولأصومَنَّ النهار ما عشتُ .. »، وفيه قوله ﷺ : «فإن لزوجِكَ عليك حقًّا، ولعينَيْكَ عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا»؛ متفق عليه.
فإن النبي ﷺ أوجب للزوجة القسم لمَّا ذكَرَ عبدُ الله أنه يقوم الليل، ولأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقسِمُ بين نسائه.
مسألة: يجب على الزَّوجِ أن يَعدِلَ بين زوجاته في القَسْمِ باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣].
ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»؛ متفق عليه، والزَّوجاتُ رعيةُ الرجل، ومن الواجب: العدلُ بين الرعية.
стр. 81
ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كان له امرأتانِ، فمالَ إلى إحداهما: جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل»؛ رواه أحمد وأبو داود والنَّسَائي والتِّرمِذي وابن ماجَهْ، لكن لم يثبت مرفوعًا.
مسألةٌ: يجب القَسْمُ على كل زوج مميِّز مطلقًا، فيدخل في ذلك: الحر والعبد، وغير القادر على الوطء؛ كالخصيِّ ونحوه، والمجنون الذي يؤمن ضررُه، والمراهِق، والمميِّز؛ لعموم أدلة القَسْم، ولأنَّ القسم للصُّحبة والمؤانَسة.
وأقل القَسْمِ ليلة، ولا يَقسِم بعضَ الليلة، ولا ليلة وبعض الأخرى؛ لأنه خلافُ هديِ النبي ﷺ ؛ فإن النبيَّ ﷺ كان يَقسِم ليلةً ليلة، ولأنَّ الزيادة على الليلة تطويلٌ عليهنَّ إذا كنَّ أكثر من واحدة.
فرع: لا تفضيلَ بسبب اختلاف الدِّين باتفاق الأئمة، فيَقسِم للكتابية كما يَقسِم للمسلِمة؛ للعمومات.
مسألةٌ: مَنْ معاشُهُ النهار، فعِماد القسم له الليل باتفاق الأئمة؛ لأنَّ التسوية الواجبة في القسم تكون في البيتوتة، ولأنَّ الليل للسَّكَن والإيواء، والنهار وقت العمل والكسب؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا *وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا *﴾ [النّبَإِ: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القَصَص: ٧٣]، والنهار يدخل في القسم تبَعًا لليل، ولما ورد عن عائشةَ ﵂، قالت: «توفِّيَ رسولُ الله ﷺ في بيتي، وفي يومي»؛ رواه البخاري.
ومَن معيشتُهُ في الليل كحارسٍ يَقسِمُ بين نسائه بالنهار، ويكون النهار في حقِّهِ كالليل في حق غيره.
стр. 82
وله أن يأتِيَهُنَّ أو أن يدعوَهنَّ إلى محَلِّه.
مسألةٌ: يَقسِمُ لكل زوجة تُطِيقُ الوطءَ، وإن امتنع وطؤُها شرعًا أو حسًّا أو طبعًا؛ فدخل في ذلك الحرائر والإماء، والحائض والنفساء، والمُحرِمة، والمريضة، والمَعِيبة، والكتابية، والمجنونة المأمونة، والمُولَى والمُظاهَر منها؛ لعموم أدلة وجوبِ العدل، ولأنَّ الغرضَ من القَسْم الصحبةُ والمؤانَسة، والسكَن والإيواء، والتحرُّز عن التخصيص الموحِش، وحاجتُهنَّ جميعًا داعيةٌ إلى ذلك.
مسألةٌ: لا يجوز للزوج السفرُ ببعض زوجاته واحدةً أو أكثرَ، إلا برضا سائرِهنَّ، أو بالقُرْعة، وإن سافر بإحداهنَّ بغير قُرْعة، أَثِمَ، وقضى للمتخلفات، سواءٌ كان السفر طويلاً أو قصيرًا؛ لحديث عائشةَ ﵂: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا أراد سفَرًا، أقرعَ بين نسائه، وأيَّتُهنَّ خرج سهمُها، خرج بها»؛ متفق عليه.
ولحديث عائشة ﵂: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا خرَجَ، أقرَعَ بين نسائه، فطارت القرعةُ لعائشة وحفصة»؛ متفق عليه.
فرعٌ: إذا خرجت القرعةُ على إحداهنَّ، لم يجب عليه السفرُ بها، وله تركُها والسفرُ وحده؛ لأن القرعةَ لا توجب، وإنما تعيِّنُ مَنْ تستحق التقديم.
فإذا أراد السفر بغيرها، لم يجُزْ؛ لأنَّها تعيَّنتْ بالقرعة، فلم يجُزِ العدولُ عنها إلى غيرها، وإن وهبت حقَّها لغيرها جازَ، إذا رضيَ الزَّوج؛ لأنَّ الحق لها، فصحَّتْ هِبتُها لها، كما لو وهبتْ ليلتها في الحضر، ولا يجوز بغير رضاه، كما لو وهبتْ ليلتها في الحضر، وإن وهبته للزوجِ أو للجميع، جاز.
وإن امتنعت مِنْ السفر معه، سقَط حقُّها إذا رضيَ الزَّوج، وإن أبى فله
стр. 83
إكراهُها على السفر معه؛ لأنه حقٌّ له، فأُجبِرتْ عليه كسائر حقوقه، وإن رضيَ الزَّوج بامتناع من خرجت لها القرعةُ في السفر، استأنف القرعةَ بين البواقي.
فرع: تَكرار السفر: إذا أراد الزَّوج سفَرًا، فتقدم أنه يُقرِعُ بين نسائه، فيبدأ بمن خرجت قرعتُها.
وقد نصَّ الشافعية: على أنه إذا مضَتْ نوبةُ مَنْ خرجت قرعتها، أقرع بين الباقيات؛ أي: في السفر الثاني، ثم بين الأخيرتينِ.
فإذا تمَّتِ النوبةُ، راعى الترتيبَ، ولا حاجة إلى إعادة القرعة؛ ففي الدور الثاني يبدأ بمن خرجت قرعتُها أولاً، ثم من خرجت قرعتُها ثانيًا، وهكذا.
أما إذا خرج بإحداهنَّ بلا قرعة، فأراد سفرًا ثانيًا، فإنَّه يُقرِع بين الباقيات، فإذا تم الدورُ الأول، ابتدأ الدورَ الثاني بالقرعة بينهنَّ، فإذا تم الدور الثاني، راعى الترتيبَ في الدور الثالث؛ كما تقدم، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.
مسألةٌ: الخروج في أثناء مدة القَسْم في نوبة إحدى الزَّوجات تحته أقسام:
القِسم الأول: أن يكون مما جرت به العادةُ؛ كالعمل بالتجارة - ونحو ذلك - إلى بعدِ غروب الشمس بزمن، ونحو ذلك: فلا بأسَ به؛ لجرَيان العُرْفِ بذلك من عهده ﷺ .
القسم الثاني: أن يكون الخروج مما لم تجرِ به العادة؛ كما لو خرج في أثناء الليل مما لم تجرِ العادةُ بالخروج في أثنائه، فإن لم يَلبَثْ وعاد لم يقضِ لمن خرج من عندها هذا الوقت؛ للمسامَحة به، ولأنه لا فائدةَ في قضائه؛ لقِصَره.
стр. 84
وإن طال زمنُ خروجه، فاختلف العلماء ﵏ في وجوب القضاء عليه، والأقرب أنه يقال: خروجُ الزَّوج ما لم تجرِ به العادة مع طولِه لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: أن يكون خروجُهُ لغير عذر، وإنما لتفويت حق صاحبةِ النوبة؛ فيجب عليه القضاء؛ ليحصُلَ التعديل، واستدراك الظلم.
ويحتمل أنه لا قضاءَ، وإنما يأثَمُ الزَّوج؛ لِما ذكره المالكية: من أننا إذا قلنا بالقضاء، نَظلِم صاحبة الليلة المستقبلة لسببٍ لا من جهتها.
الحال الثانية: أن يكون لعذرٍ؛ فلا يجب عليه القضاء، طال خروجه أو قصُر؛ لأنه ظاهر فعلِ النبي ﷺ ، لكن إن خرج قبل نصف الليل ولم يرجع حتى استهلك نوبتَها من الليل والنهار، قضى، وإن رجعَ قبل ذلك، فلا قضاءَ؛ لأن الأكثرَ له حكمُ الكل.
الحال الثالثة: أن يكون خروجه نهارًا؛ فلا قضاءَ مطلقًا، طال أم قصُر؛ لأنَّ النهار ليس أصلاً في القَسْم، وإنما عِماد القسم الليلُ؛ لأنَّ العادة جرت في الانتشار في النهار أكثرَ من الليل.
القسم الثالث: الخروج للسفَر:
إذا سافر الزَّوج في نوبةِ إحدى الزَّوجات، فلا يخلو أمرُهُ من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سفرُهُ في أول النوبة؛ كما لو سافر في أول الليل مَنْ عِمادُ قسمِهِ الليلُ: فهذه يوفي نوبتها إذا قدم؛ لأنها لم تستوفِ حقها.
الثانية: أن يكون سفرُهُ آخرَ النوبة؛ كما لو سافر آخرَ الليل مَنْ عِمادُ قسمِهِ الليلُ: فلا شيء لها؛ لاستكمال حقِّها من القسم، والنهار تابع لليل، فيُتسامَح
стр. 85
فيه، ولأنَّ العادة جرت في الانتشار فيه أكثرَ من الليل.
الثالثة: أن يكون سفَرُهُ وسَطَ النوبة؛ كما لو سافر في منتصف الليل مَنْ عِمادُ قَسمِهِ الليلُ: فالأقرب أن يقال كما تقدم في المسألة السابقة؛ إن خرَجَ قبل منتصف الليل قضى لها، وإلا لم يقضِ، وعلى هذا، فإذا قَدِمَ من سفره، فإن قلنا: يقضي للتي سافَرَ في نوبتها، بدأ بها، وإلا بدأ بجارتها.
مسألةٌ: سفَرُ المرأة:
١ - إن سافرت بلا إذنه، فلا قَسْمَ لها؛ لأنَّ سفرها بغير إذن الزَّوج نوعٌ من النشوز.
٢ - أن يكون بإذنه في حاجتها أو حاجته، أو حاجة غيره: فلا قَسْمَ لها أيضًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يقضي القَسم؛ لأنَّ القسم فات، وقد امتنع بسببٍ من جهتها فقط.
مسألةٌ: الدخول على غيرِ صاحبة النوبة: لا يجوز الدخولُ على غير ذات النوبة ليلاً أو نهارًا إلا لضرورة، أو لقصدِ العدل؛ بأن يدخُلَ على غير صاحبة النوبة إذا دخل على ضَرَّتها في ليلتها أو يومها، فإذا دخل على هذه في غير نوبتها، دخل على الأخرى في غير نوبتها؛ للعدل؛ لحديث عائشة ﵂: «وكان إذا انصرَفَ من صلاة العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهنَّ»؛ متفق عليه.
ولِما رواه أنس ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنَّ إحدى عَشْرة، قال: قلتُ لأنس بن مالك: أوَكان يُطِيقه؟ قال: كنا نتحدَّثُ أنه أعطي قوةَ ثلاثين»؛ رواه البخاري.
فالظاهر: أنه إذا دخل على غيرِ صاحبة النوبة لا يجب عليه القضاء، وإنما
стр. 86
يكافئ الأخرى بدخوله عليها، وعلى هذا يُحمَل فعلُهُ ﷺ .
مسألةٌ: إذا دخل الزَّوجُ على غير صاحبة النوبة، واستمتع بما دون الفَرْجِ: جاز له عند جمهور أهل العلم، ولا يلزمه قضاءُ الاستمتاع؛ لحديث عائشةَ ﵂ وفيه: «ويدنو من إحداهنَّ»؛ متفق عليه.
مسألةٌ: سقوط القَسم: باتفاق الأئمة أن الزَّوجةَ الحرة لها أن تُسقِط قَسْمَها بلا عِوض؛ لِما روت عائشة ﵂: «أن سَوْدةَ بنت زمعة ﵂ وهَبتْ يومها لعائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ يَقسِم لعائشة يومها ويومَ سَوْدة».
وإذا أسقطت الواهبةُ حقَّها من القسم، فلا يخلو من أمور:
١ - أن تُسقِطه لزوجة معيَّنة: فيصحُّ؛ لِما تقدم من فِعل سَوْدة ﵂؛ بشرط رضا الزَّوج والواهبة، وسواءٌ كان بعِوض أو بغير عوض.
٢ - أن تُسقِطه لجميع الزَّوجات: فالقسم لجميع الزَّوجات؛ كما لو طلَّق الواهبة.
٣ - أن تُسقِطه للزوج فقط: فالزَّوج ليس له أن يخصَّ بهذه الليلة زوجة دون أخرى، بل تكون كالمعدومة؛ لعمومِ أدلة وجوب العدل بين الزَّوجات.
مسألةٌ: رجوع الواهبة في قَسمها لا يخلو من مسائل:
الأولى: أن يكون إسقاطُها بلا عوض: فيجوز رجوعها، ولها حقُّها في المستقبل دون الماضي باتفاق الأئمة؛ لأنَّها هبة تتجدد شيئًا فشيئًا، فما لم يتجدَّدْ لم يستوفَ؛ فجاز الرجوع فيه، فإن رجَعتِ الواهبةُ في بعض الليلة الموهوبة، كان على الزَّوج أن ينتقل إليها، فإن لم يَعلَمْ حتى أتم الليلَ، لم يقضِ لها شيئًا.
стр. 87
الثانية: أن يكون بعِوض ماليٍّ: يصحُّ إسقاط القسم بعِوض، ولا تَملِك الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: ١٢٨]، وهذا يشمل الصلحَ بإسقاط القسم بعِوض، ولا يجوز لها الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١]، ومقتضى الإيفاء بالعقد: عدمُ رجوع الزَّوجة في قَسمها إذا كان تنازُلُها بعِوض.
الثالثة: أن يكون العِوض غير مالي: يجوز للزوجة أن تُسقِط حقها من القسم، كله أو بعضه، مقابل عِوض غير مالي؛ كأن تُسقِطه لأجل أن يمسكها فلا يطلِّقها، ونحو ذلك؛ لِما روت عائشة ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النِّسَاء: ١٢٨]: أُنزِلتْ في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتُها، فيريد طلاقها، فتقول: لا تطلِّقْني، وأمسِكْني، وأنت في حِلٍّ من النفقة عليَّ، والقسمِ لي؛ فذلك قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: ١٢٨]؛ متفق عليه، ولما تقدم من إسقاط سَوْدة لعائشة ﵂، ولا تملك الرجوع؛ لما تقدم.
مسألةٌ: العدل في الاستمتاع: لا يجب على الزَّوج أن يَعدِلَ بين نسائه في الوطءِ باتفاق الأئمة، ودواعيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٢٩]؛ أي: في الحبِّ والجماع.
ولما روى عمرُو بن العاص ﵁، قال: «قلتُ: يا رسول الله، أيُّ النساء أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: يا رسول الله، مِنْ الرجال؟ قال: أبوها»؛ رواه البخاري.
стр. 88
لكن نصَّ العلماء: أنه لا يجوز أن يَجمَع نفسه لإحدى الزَّوجات؛ كأن يرغب في الجِماع، ثم يؤخِّره للأخرى.
مسألةٌ: العدل في الهبة بين الزَّوجات: يجب التعديل بين الزَّوجات في الهبة؛ لأنَّ هذا من العِشرة بالمعروف، والله ﷻ يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وكالأولاد.
مسألةٌ: إن تزوَّجَ بِكْرًا ومعه غيرها أقام عندها سَبْعًا، ثم دار على نسائه، وإن تزوَّج ثيِّبًا أقام عندها ثلاثًا، ثم دار؛ لحديث أبي قِلابة، عن أنس: (مِنْ السُّنة إذا تزوَّج البِكْرَ على الثيب أقام عندها سبعًا وقسَم، وإذا تزوج الثيِّب أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم، قال أبو قِلابة: لو شئتُ لقلتُ: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ »؛ رواه البخاري ومسلِم.
والحكمةُ في التفريق بين البِكر والثيِّب: أن الحياء في البِكر أكثرُ؛ لعدم تجرِبتها للرجال، بخلاف الثيِّب؛ فقد جرَّبت الرجال، وزالت الحشمة بينهما، والثلاث مدة معتبَرة في الشرع، والسبع؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر، وحينئذ يقطع الدور.
وإن أقام عند الثيِّب سبعًا باختيارها، قضى للباقي سبعًا، وإن كان بغير اختيارها، قضى للباقي أربعًا؛ لحديث أم سلَمة ﵂: أن النبيَّ ﷺ لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: «إنَّه ليس بكِ على أهلِك هوانٌ، فإن شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنسائي»؛ رواه مسلِم.
وتجب الموالاة في السبع والثلاث.
стр. 89
فصلٌ في النُّشوز
النشوز في اللغة: مِنْ النَّشْزِ؛ وهو: المكان المرتفع من الأرض، وجمعه: نشوز، ونشَزتِ المرأة: استعصت على بعلها وأبغَضته؛ فأصل النشوز: الارتفاع والامتناع.
وفي الاصطلاح: معصيةُ المرأة لزوجها فيما فرَض اللهُ عليها من طاعته.
وحكمُ النشوز: محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٣٤]؛ فالله جعل الهَجْر والضرب عقوبةً للناشز، ولا تكون هذه العقوبة إلا بفعلِ محرَّم، أو تركِ واجب.
مسألة: مراحلُ علاج نشوز المرأة:
إذا ظهر منها أماراتُهُ؛ أي: علامات النشوز؛ بألا تجيبَهُ إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرِّمة، متثاقلة، أو متكرِّهة فعلاجها بالآتي:
المرحلة الأولى: الوعظُ باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]؛ أي: خوَّفَها من الله تعالى، وذَكر ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة؛ كقوله ﷺ في حديث أبي هُرَيرة ﵁: «إذا باتت المرأةُ هاجرةً فراشَ زوجها، لعَنتْها الملائكةُ حتى تُصبِح»؛ متفق عليه، وغير ذلك من الأحاديث الآمرةِ بطاعة الزَّوج، والقيام بحقه.
وذكَّرَها ما يسقُطُ من حقها من النفقة والكسوة، وما يباح له مِنْ هَجْرِها وضربها.
стр. 90
فإذا رجعت إلى الطاعةِ والأدب: حرُمَ الهَجْر والضرب؛ لزوال مُبِيحه.
المرحلة الثانية: فإن أصرَّتْ على النشوز بعد وعظِها، هجَرها في المضجع، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، والهجر نوعان:
الأول: هجرٌ في المضجع، واختلف العلماء في كيفيتِهِ على أقوال، فقيل: لا يجامعُها، ولا يضاجعُها على فراشه، وقيل: لا يكلِّمها حال مضاجعته إياها، لا أن يترك جماعَها ومضاجعتها؛ لأنَّ ذلك مشترَكٌ بينهما، فيكون عليه من الضرر ما عليها، فلا يؤدِّبها بما يضرُّ نفسه، ويُبطِل حقه، وقيل: يفارقها بالمضجع، ويضاجع أخرى، إن كانت له أخرى، في قَسمها؛ لسقوط حقِّها بالنشوز.
وللزوج أن يهجُرَ ما شاء - لإطلاق الآيةِ - إلى أن ترجع.
الثاني: الهجرُ بالكلام: وقد اتفق الأئمة على جواز هجرِ الزَّوج لزوجته الناشزة؛ بترك الكلام، ومدة هجر الاصلاح لا تتقيَّد بمدة، بل بقدرِ الاصلاح؛ لفعله ﷺ عندما هجر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا أكثرَ من ثلاثة أيام.
المرحلة الثالثة: إن أصرَّتْ بعد الهجر المذكور، ضرَبها؛ وهذا باتفاق الأئمة؛ للآية: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، لكن عند الشافعية: الأفضل تركُ الضرب مع جوازه؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: «ما ضربَ رسولُ الله ﷺ امرأةً، ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن تُنتهَكَ محارمُ الله؛ فينتقِمَ لله»؛ رواه مسلِم.
واشترط العلماء للضرب شروطًا:
الأول: أن يضربها ضربًا غير مبرِّح، والمبرِّح: ما تحصُلُ معه المشقة
стр. 91
والحرج، وغير المبرِّح؛ كنحو: لكزة بالسواك، أو ما يكون باليد؛ كالصفع على الظَّهْر.
وقال الإمام أحمد: غير مبرِّح: أي غير شديد.
وعلى هذا، فيقال: يضربها ضربًا يؤلم، لكن لا يضرُّ، ولا يَجرَح، ولا يشق؛ لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن زمعة ﵁: «لا يَجلِدْ أحدُكم امرأته جَلْدَ العبد، ثم يضاجعها في آخرِ اليوم»؛ أخرجه البخاري ومسلِم.
الثاني: ألا يزيدَ على عشَرة أسواط؛ لقوله ﷺ في حديث أبي بردة ﵁: «لا يجلد أحدُكم فوق عشَرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله»؛ متفق عليه.
الثالث: ألا يضربَ الوجه والمهالك؛ لأنَّ الغرض من الضرب التأديبُ، لا الإتلاف والتشويه، ولا يجوز ضربُ الوجه؛ لنهيِ النبي ﷺ عن ذلك.
الرابع: أن يَقصِدَ التأديبَ، واتباع أمر الله ﷻ وأمرِ رسوله ﷺ ، لا الانتقام.
مسألة: وله تأديب زوجته على ترك الفرائض، سأل إسماعيلُ بن سعيد أحمدَ عما تُضرَب المرأة عليه، قال: على فرائضِ الله، وقال علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التّحْريم: ٦]، قال: «علِّموهم وأدِّبوهم»؛ رواه ابن جَرير في تفسيره.
فإن لم تصلِّ، فقد قال أحمد: أخشى ألا يَحِلَّ للرجُلِ أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن.
وقال أحمدُ في الرجل يضرب امرأته: لا ينبغي لأحدٍ أن يسأله، ولا أبوها: لمَ ضربتَها؟ لأنَّه قد يَضرِبُها لأجل الفراش، فإن أُخبِر بذلك استحى، وإن أَخبَر بغيره كذَب.
стр. 92
المرحلة الرابعة: بعثُ الحكَمينِ؛ وهما حكَمان؛ أي: قاضيانِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥]؛ فإطلاق اسم الحكَمين: يدل على أن لهما الحُكْمَ على الزَّوجين، ولو كَرِهَا ذلك، كالحاكم، ولوروده عن عليٍّ ﵁؛ رواه عبد الرزاق.
وعلى القول بأنهما حكمانِ: إن رأيا الأصلح الطلاقَ بعِوض أو بغير عِوض، جاز، فيعملانِ ما هو الأصلح.
ويُشترط للحكَمينِ شروط:
الأول والثاني والثالث: الإسلام، والعقل، والبلوغ؛ وهذا باتفاق الأئمة.
الرابع: الذُّكورة، عند أكثر العلماء؛ لحديث أبي بكرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «ما أفلَحَ قومٌ ولَّوْا أمرهم امرأةً»؛ رواه البخاري، ولنقصِ عِلمها في الجملة عن الرجل.
وعند الحنفية: يجوز كونُ الحكَمينِ أُنثيينِ؛ لإطلاقٍ الآية.
الخامس: الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
السادس: علمُ الحكَمينِ بالجمع والتفريق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦]، والعلم: هو القوة.
السابع: كون الحكَمينِ من أهل الزَّوجين؛ للآية، ولأنَّ الأهل أعلمُ بحال الزَّوجينِ، وأشفقُ عليهما من الأجانب.
стр. 93
باب الخُلْعِ
الخلع في اللغة: النزع والإزالة.
وفي الاصطلاح: فِراق الزَّوجة بعِوض.
والأصل فيه: القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
ومن السُّنة: عن ابن عبَّاسٍ ﵄؛ أن امرأةَ ثابت بن قيس أتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ثابتُ بن قيس، ما أَعتِبُ عليه في خُلُق ولا دِين، ولكني أكره الكفرَ في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «أترُدِّين عليه حديقتَه؟»، قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : «اقبَلِ الحديقة، وطلِّقْها تطليقة»؛ رواه البخاري.
وقال ابن حجَرٍ في الفتح: (أجمع العلماءُ على مشروعيته، إلا بكرَ بن عبد الله المُزَني التابعي المشهور).
مسألة: يُشترط لصحة الخلع شروط:
الأول: أن يكون ممن يصحُّ تبرُّعه؛ وهو: الحرُّ، الرشيد، غير المحجور عليه، فلا يصحُّ من رقيق؛ إذ لا يَملِك إلا بإذن سيده، ولا مِنْ سفيهٍ- لا يحسن التصرف في ماله -؛ لأنه محجور عليه، ولا من محجور عليه لفَلَسٍ؛ لتعلُّق حق الغرماء بأعيانِ ماله.
الثاني: وجود الحاجة إلى الخلع؛ وذلك بأن يخافَ عدمَ إقامة حدود الله بين الزَّوجين، فإذا كَرِهت المرأةُ خُلُقَ زوجها، أو خَلْقه - أي: صورته
стр. 94
الظاهرة - أو نقص دِينه: أبيح الخلع، فإن لم يكن حاجةٌ إلى الخلع: لم يصحَّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
الثالث: وجود العِوض عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
وذهب مالكٌ في رواية ابن القاسم، ورواية عن الإمام أحمد، وشيخ الإسلام: إلى جواز الخلعِ بلا عِوض تبذله الزَّوجة للزوج؛ لأنَّ الزَّوجَ يستفيد أمرينِ:
١ - سقوط النفقة والسُّكنى عنه زمن العِدَّة.
٢ - عدم احتساب الطلقات عليه.
ولأنَّ الرجعةَ حقٌّ للزوجينِ، فإذا تراضيا على إسقاطها، سقَطتْ.
فرعٌ: عضلُ الزوج الزَّوجة للافتداء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون بحقٍّ؛ كما لو أخلَّتْ بعِرضها أو دِينها، أو ترَكتْ حقًّا من الحقوق الواجبة عليها للزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ١٩].
القسم الثاني: أن يكون العَضْلُ بغير حق؛ فيحرُمُ، ولا يصحُّ الخلع؛ للآية السابقة.
فرعٌ: إذا كرهت المرأة زوجَها؛ لنقصِ دِينه، أو لخُلُقه، أو خَلْقه: أبيح لها الخلعُ، ومع محبته لها يسنُّ أن تصبر ولا تفتديَ نفسها؛ قال الإمام أحمد: (إن كانت المرأةُ تُبغِض زوجَها وهو يحبها، لا آمُرُها بالخلع، وينبغي
стр. 95
لها أن تصبر)؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١٩].
فرع: إن أرادت الخلعَ أو الطلاق مع تضرُّرها بالبقاء مع الزَّوج، وجَبتْ إجابتُها، والأفضل طلاقها؛ لحديث ابن عبَّاسٍ: «اقبَلِ الحديقةَ»؛ وهذا أمرٌ، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٣١]؛ وهذا من الضرر.
فرعٌ: خلعُ الأجنبي: المراد به غيرُ الزَّوجة، أو وليُّ غيرِ المرأة الرشيدة، جائز باتفاق الأئمة من حيث الجملة، وينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون المقصودُ مصلحةَ الزَّوجين أو أحدِهما: فهذا جائز، بل هو من الإحسان، فإذا تضرَّرتِ المرأةُ أو الزوج بالبقاء مع الزوج الآخر، ولم تَجِدْ المرأة عِوضًا، فبذَله الأجنبيُّ: صح.
القسم الثاني: أن يكون المقصودُ مصلحةَ غير الزوجين: فهذا يحرُمُ، ولا يصحُّ؛ فإذا بذل الأجنبي العِوض للزوج ليطلِّق زوجتَه ويتزوجها: حرُمَ، ولم يصحَّ؛ لِما فيه من الإضرار، وهو شبيهٌ بفِعل السحرة، الذين يفرِّقون بين المرء وزوجه.
القسم الثالث: أن يكون لغير مصلحة: فيحرُمُ ولا يصحُّ؛ لِما تقدم.
مسألةٌ: ليس للخلع سنَّة ولا بدعة؛ فيصحُّ حالَ الحيض، وفي الطُّهْرِ الذي جامعها فيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يستفصِلْ عن حال زوجة ثابت بن قيس ﵄، ولأنَّ المقصودَ تخليصُ الزَّوجة من حِبال الزَّوج، وهذا على ضد طلاق البِدعة؛ لِما فيه من تطويل العِدَّة على الزَّوجة.
مسألةٌ: تصحُّ الجهالةُ في عِوض الخلع؛ إذ إن المقصودَ منه تخليصُ الزَّوجة من حبال الزَّوج دون المال.
стр. 96
مسألةٌ: الخلع بأيِّ لفظ كان - سواءٌ كان بلفظ الطلاق أو غيره - لا ينقُصُ به عددُ الطلقَات؛ ويدل على ذلك: أن اللهَ ﷻ قال: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، فذكَر اللهُ ﷻ طلقتينِ والخلعَ، وتطليقةً، فلو كان الخلع طلاقًا، لكان رابعًا؛ كما ورد عن ابن عباس ﵄.
مسألةٌ: تَبينُ المرأة بالخلع بينونة صغرى باتفاق الأئمة الأربعة، فلا يَملِكُ معه الزَّوجُ الرجعةَ إلا بعقد جديد، تتوفر فيه شروطه؛ مِنْ الرضا، والوليِّ، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولا يكون فداءً إلا إذا خرَجتْ به عن عصمتِه وسلطانه، ولأنَّ المقصود من الخلع إزالةُ الضرر عن المرأة ببقائها مع الزَّوج، فلو جاز للزوجِ مراجعتُها، لعاد إليها الضرر.
وعليه: فليس عليها عدةٌ، وإنما يكفي الاستبراءُ، ولا يقع عليها طلاقٌ زمنَ الاستبراء.
مسألة: يباح الخلعُ بمثل الصداق، وبأكثرَ منه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
ويُكرَه الخلعُ بأكثرَ مما أعطاها؛ لقول النبي ﷺ لثابت بن قيس: «اقبَلِ الحديقةَ»، ولما ورد عن عليٍّ ﵁؛ أنه قال: «لا يأخُذْ منها فوق ما أعطاها»؛ رواه عبد الرزَّاق، وورد أيضًا: «أن الرُّبيِّعَ بنتَ معوِّذ بن عفراء اختلَعتْ من زوجِها بكل شيء تَملِكُه، فخوصِمَ في ذلك إلى عثمانَ، فأجازه، وأمَره أن يأخُذَ عِقاصَ رأسِها فما دونه».
стр. 97
فرعٌ: كل ما صحَّ مهرًا، صحَّ عِوضًا في الخلعِ من الأعيان والمنافع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
فرعٌ: للأب خلعُ زوجةِ ابنه غير الرشيد، وخلع بنتِهِ من مالها لمصلحة.
مسألةٌ: إذا علَّق طلاقَ زوجته على صفةٍ، ثم أبانها بفسخٍ أو غيره، فوُجِدت الصفةُ حال البينونة، ثم عقَدَ عليها مرة أخرى فوُجِدت الصفةُ بعد العقد الثاني: طَلَقتْ.
مثاله: إذا قال لزوجته: إن دخلتِ الدارَ فأنت طالق، ثم فسخها، فدخلت الدارَ حال البينونة، ثم عقد عليها، فدخلتِ الدارَ بعد العقد الثاني: طَلَقَتْ.
стр. 98
كتاب الطلاق
لغة: التخلية والإرسال، يقال: طلَقت الناقةُ: إذا سرَحتْ حيث شاءت.
وفي الاصطلاح: حلُّ قيدِ النِّكاح، أو بعضه.
والأصل فيه: الكتاب: قال تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
ومن السُّنة: حديثُ ابن عمرَ ﵄ في تطليق زوجته المتفق عليه، وسيأتي.
والإجماع: حكاه ابن المنذِر رحمه الله تعالى، وغيرُه.
والأصل فيه: الكراهةُ؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، وجه الدَّلالة: أنَّ الله تعالى ذيَّل الفَيْئة - وهي الرجوع إلى العِشرة الحسَنة - بالمغفرةِ والرحمة، وذيَّل الطلاق بالسمعِ والعِلم؛ ممَّا فيه تهديد، ويُشعِر بكراهيَة الطلاق، ولما يترتب عليه من تفويتِ مصالح النِّكاح العظيمة، التي تقدَّم بيانُ شيء منها في أول الكتاب.
ويباح للحاجةِ؛ كسُوء خُلُقِ المرأة، ويجب في صُوَر:
الأُولى: عند تضرُّر المرأة ببقاءِ حبل الزَّوجية.
الثانية: إذا ترَكتْ عفَّةً، أو فرَّطتْ في الصلاة؛ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ويجب على الزَّوجِ أمرُ زوجته بالصلاة، فإن لم تصلِّ، وجَبَ عليه فِراقُها).
الثالثة: في الإيلاء؛ كما سيأتي.
الرابعة: عند شيخ الإسلام: إذا أمره أبوه بالطلاقِ، وكان عَدْلاً.
стр. 99
ويستحبُّ: إذا احتاجت المرأةُ إلى الطلاق، ولم تتضرَّرْ ببقاء حبل الزَّوجية؛ لئلا يُحوِجَها ذلك إلى المخالَعة.
ويحرُمُ للبدعة، سواءٌ كانت في الزمن؛ كما لو طلَّقها حال الحيض، أو للعَدَد؛ كما لو أوقع عليها أكثرَ من طلقة، ويأتي بيانُهُ إن شاء الله تعالى.
مسألةٌ: يصحُّ الطلاق إذا توفَّرتْ فيه شروط صحته الآتية:
الشرط الأول: أن يكونَ من زوجٍ، أو مَنْ يقوم مقامه؛ مِنْ وليِّ صغيرٍ ومجنون.
وعلى هذا: يخرُجُ صورتان:
الصورة الأولى: إذا طلَّق قبل الزواج؛ فإنَّه لا يصحُّ طلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزَاب: ٤٩].
الصورة الثانية: إذا طلَّق زوجة غيره؛ فيصحُّ بالإجازة على الصحيح.
الشرط الثاني: أن يكون مكلَّفًا؛ فلا يصحُّ من صغيرٍ غير بالغ، ولا من مجنون ولا معتوهٍ، ولا من نائمٍ ولا مُغمًى عليه؛ لحديث عليٍّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبي حتى يحتلِمَ، وعن المجنون حتى يَعقِل»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي بإسناد حسن، ولأنَّ الطلاق ضرَرٌ؛ فلا يَملِكه هؤلاء.
مسألةٌ: طلاق السَّكْران لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون معذورًا بسُكْره: فلا يقع طلاقُهُ بالاتفاق.
الحالة الثانية: أن يكون غيرَ معذور بسُكْره؛ كأن يَشرَب المسكِر مختارًا
стр. 100
عالِمًا متعمِّدًا: فموضع خلاف، والصحيح أنه لا يقع؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، والسكران لا يَعلَمُ ما يقول، ولحديث بُرَيدة في قصة ماعزٍ، قال رسول الله ﷺ : «أشَرِبَ خمرًا؟»، فقام رجُلٌ فاستنكَهَهُ، فلم يجد منه ريحَ خمر؛ رواه مسلِم، فقوله: «أشرب خمرًا؟»: دليلٌ على عدم اعتبار قول السكران.
مسألةٌ: طلاق الغضبان: لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: ألا يغطِّيَ الغضب على عقله، ويَملِكَ نفسه: فهذا يقع طلاقُهُ بالاتفاق.
الحالة الثانية: أن يغطِّي الغضب على عقله، فلا يشعُرَ بما قال: فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق.
الحالة الثالثة: أن يكون بين ذلك؛ بألا يغطِّيَ على عقله، لكنه لا يستطيع أن يَملِكَ نفسه: فموضع خلاف، والأقرب: أنه لا يقع طلاقُه؛ لأنه مغلَقٌ عليه.
الشرط الثالث: أن يكون مختارًا، فإن كان مكرَهًا فلا يخلو:
١ - أن يكون الإكراهُ بحق؛ كما لو أكرَهَ القاضي المُولِيَ بعد نهاية مدةِ التربُّص - مَنْ حلف على ترك وطءِ زوجته - على الطلاق، فيقع الطلاق بالإجماع.
٢ - أن يكون الإكراه بغير حق: فلا يقع طلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦]، ولحديث عمرَ ﵁: «إنما الأعمالُ بالنيات» متفق عليه، وهو لم يَنوِ.
стр. 101
فرعٌ: يشترطُ لصحة الإكراه الذي لا يقع معه الطلاق شروطٌ:
الأول: أن يكون المُكرِه قادرًا على إيقاع ما هدَّد به، فإن شكَّ الزوج في قدرته أو غلَب على ظنِّه عدمُ قدرته: وقَع الطلاق، وإن غلَب على ظنه أنه قادر: لم يقَعْ.
الثاني: حصول الإيلام للمكرَه؛ بضربٍ، أو خنقٍ، أو عصرٍ، ونحو ذلك، قال عمرُ ﵁: «ليس الرجُلُ أمينًا على نفسه إذا أَجَعْتَه، أو ضربتَه، أو أوثَقتَه»؛ رواه عبد الرزاق والبَيْهَقي، صحَّحه ابن القيم في زاد المعاد.
فرعٌ: يكون الإكراهُ بالوعيد والتهديد، فلا يقعُ به الطلاق؛ كما يكون بالعقوبة.
ومِن الإكراه: السبُّ والشتم في حقِّ ذوي المروءات.
ويكون الإكراهُ بضرب ونحوه لكل من يشقُّ على المكره تعذيبه مشقة عظيمة من أصل؛ كوالدٍ، أو فرعٍ؛ كولد، أو قريب، ونحو ذلك.
وذكر شيخ الإسلام أنه لو سُحِرَ ليطلِّقَ، كان إكراهًا.
الثالث: أن يَغلِبَ على ظن المكرَه نزولُ الوعيد به إن لم يُجِبْهُ إلى طلبه، أو يستويَ عنده الأمران.
الرابع: أن يطلِّقَ دفعًا للإكراه؛ وهذا لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يَقصِدَ بطلاقه دفعَ الإكراه فقط: فلا يقع.
الحالة الثانية: أن يقصد بطلاقه إيقاعَ الطلاق دون رفع الإكراه: فيقع.
الحالة الثالثة: أن يقصد بطلاقه إيقاعَ الطلاق من أجلِ رفع الإكراه: فلا يقع.
стр. 102
مسألةٌ: طلاق الموسوس لا يقع؛ إذ هي من أثَرِ فعل الشيطان في القلب، ولأنَّ الموسوس مغلَقٌ عليه.
ومثله المريض مرضًا نفسيًّا، إذا أُغلِقَ عليه بسبب المرض، ودفَعه إلى الطلاق: فلا يقع.
الشرط الرابع: أن يكون قاصدًا ظاهرًا وباطنًا، فلا يقع طلاقُ المخطئ؛ وهو الذي لم يَقصِدِ اللفظ، وإنما سبق لسانُه إليه، كما لو أراد أن يقول: أنتِ طاهر، فقال: أنتِ طالق.
ولا يقع طلاقُ الهازل على الصحيح، وهو الذي قصَد اللفظ ظاهرًا، ولم يَقصِده باطنًا؛ لعدم وجود الرضا بالطلاق باطنًا.
الشرط الخامس: أن يكون النِّكاح صحيحًا، وعلى هذا فلا يخلو الأمرُ من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون النِّكاح صحيحًا - وهو ما توفَّرتْ فيه شروطه، وانتفَتْ موانعُه -: فيقع فيه الطلاق.
القسم الثاني: أن يكون النِّكاح باطلاً - وهو ما أجمع العلماءُ على بطلانه؛ كنكاح المعتدَّة، أو ما زاد على أربعِ نِسْوة -: فلا يقع فيه الطلاق.
القسم الثالث: أن يكون النِّكاح فاسدًا - وهو ما اختلف العلماءُ في صحته؛ كالنِّكاح بلا وليٍّ: فيقع فيه الطلاق.
الشرط السادس: أن يتلفَّظَ بالطلاق، وتحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يطلِّقَ بقلبه: فلا يقع طلاقه.
الصورة الثانية: أن يطلِّق بالكتابة: فإن نوى الطلاقَ وقع، وإن لم ينوِ أو
стр. 103
نوى غيرَ الطلاق، لم يقَعْ؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن الله تجاوَزَ لي عن أمَّتي ما وسوَستْ به صدورُها، ما لم تَعمَلْ أو تكلَّمْ»؛ متفق عليه.
الشرط السابع: أن يكونَ طلاقَ سنَّة، وسيأتي بيانه.
فصلٌ في طلاق السُّنة والبِدعة
طلاق السُّنة: ما توفَّرتْ فيه شروط:
الشرط الأول: أن يطلِّقَها في طُهْرٍ، فإن طلقها حائضًا، فبِدعة لا يقع؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]؛ قال ابن مسعودٍ: أي طاهراتٍ مِنْ غير جماع.
ولحديث ابن عمرَ ﵄: أنه طلَّق امرأتَهُ وهي حائضٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمرُ بن الخطاب ﵁ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «مُرْهُ فليراجِعْها، ثم ليُمسِكْها حتى تطهُرَ، ثم تحيضَ ثم تطهُرَ، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمَسَّ؛ فتلك العِدَّةُ التي أمر اللهُ أن تُطلَّقَ لها النساءُ»؛ متفق عليه.
الشرط الثاني: أن يكون في طُهْرٍ لم يجامِعْ فيه، ولو طال؛ لِما تقدم من الآية والحديث.
الشرط الثالث: أن يطلِّقها طلقةً واحدة، فإن طلقها أكثرَ من ذلك، لم يقع أكثرُ من واحدة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: «كان الطلاقُ على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتينِ من خلافة عمر، طلاقُ الثلاثِ واحدةً، فقال عمرُ بن الخطاب: إن الناس قد استعجَلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو
стр. 104
أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم»؛ رواه مسلِم، ولأنه لما تلفَّظ بالطلاق وقع عليه طلقةٌ، فإذا زاد في العدد، كان طلاقًا لم يصادِفْ عِدَّة؛ إذ أن الزَّوجة شرَعتْ في العِدَّة بمجرد تلفُّظه بالطلاق، والطلاق في العِدَّة طلاقُ بِدعة؛ كما سيأتي.
الشرط الرابع: ألا يُتبِعَها طلقةً في العِدَّة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]؛ أي: في قُبُلِ عِدتهنَّ؛ وذلك بأن يكون لكل طلقةٍ عدةٌ مستقلة.
فرعٌ: طلاق الحامل طلاقُ سنَّة؛ لحديث ابن عمرَ ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : «فليطلِّقْها طاهرًا، أو حاملاً»؛ رواه مسلِم.
فرعٌ: الصغيرة والآيِسة التي لا تحيض لصغر أو كبر، وغيرُ المدخول بها: يجوز طلاقُها في كل وقت، ولو حائضًا بالنسبة لغير المدخول بها، لكن لا يجوز أن يطلِّقَها أكثرَ من طلقة.
فصلٌ
صريحُ الطلاق: لفظ الطلاق وما تصرَّفَ منه؛ كقوله: أنت طالق، وطلَّقتُكِ، وأنت مطلَّقة.
وكناياته: ما احتمل الطلاقَ وغيره؛ مثل: أنت خَلِيَّة، وبَرِيَّة، وبائن، ونحو ذلك؛ فتُشترط له نيةُ الطلاق.
والمعتبَر في صريح الطلاق وكنايتِه: العُرْفُ.
стр. 105
مسألة: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ محرَّمة، أو كالمَيْتة، أو الخِنزير، ونحوه، فلا يخلو من حالتين:
الأولى: فإن نوى الطلاق، فطلقةٌ؛ لورود ذلك عن الصحابة ﵃، ولأنه داخلٌ في كنايات الطلاق.
الثانية: وإن نوى التحريم دون الطلاق، أو لم ينو شيئاً، أو نوى الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، كما لو قال: إن لم أسافر فزوجتي علي حرام، أو إن لم يكن الخبر صدقًا فزوجتي عليَّ حرام، فكفَّارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التّحْريم: ١ - ٢]، وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: «الحرامُ يمينٌ»؛ رواه البخاري ومسلِم.
مسألةٌ: من طلَّق عضوًا من أعضاء زوجته؛ كما لو قال: يدُكِ طالق، أو مشاعًا، كما لو قال: نصفُكِ طالق، أو طلَّق بعض طَلْقة، كما لو قال: أنت طالقٌ نصفَ طلقة: لم يقع به شيء.
مسألةٌ: يصحُّ التوكيل في الطلاق، للزوجة وغيرها؛ بدليل: أن النبيَّ ﷺ فوَّض أمرَ نسائه إلى أنفسِهن، والوكيل فيه لا يَملِكُ إلا طلاق السُّنة؛ إذ ما عداه لا يَملِكه الزَّوج؛ فوكيلُه كذلك.
ويَملِك الوكيل تطليقَ الزَّوجة، ما لم يوجد دليل الرجوع من الزَّوج، بالقول أو بالفعل.
مسألةٌ: يصحُّ الاستثناءُ من عَدد الطلاق والمطلَّقات بشروط:
الأول: أن يكون الاستثناء من الزَّوج.
стр. 106
الثاني: الموالاة بين المستثنى والمستثنى منه، ويستثنى من ذلك الفصلُ اليسير عُرْفًا.
الثالث: التلفُّظ بالاستثناء، ويصحُّ بالقلب من عَدد المطلَّقات، ما لم يصرِّحْ بالعدد؛ لأنَّ العام يأتي في اللغة ويراد به الخاص، فإذا قال: زَوْجاتي طوالقُ، ونوى إلا هندًا، صحَّ الاستثناء، وإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدةً، صحَّ الاستثناء، وإن قال: أنت طالق ثلاثًا، ونوى إلا واحدةً: لم يصحَّ، وإن قال: زَوْجاتي الأربع طوالقُ، ونوى إلا هندًا: لم يصحَّ؛ لأنَّ اللفظَ هنا أقوى من النية.
فرعٌ: إن استثنى بمشيئة الله؛ كما لو قال: أنتِ طالق إن شاء الله، لم يقعِ الطلاق، إلا إن أراد التحقيق.
مسألة: إذا قال لزوجته: أنت طالقٌ أمسِ، أو قبل أن أتزوَّجك: لم يقَعْ، إلا إن نوى وقوعَهُ في الحال.
وإن قال: أنت طالقٌ قبل موتي، طَلَقَتْ في الحال.
وإن قال: أنت طالق مع موتي أو بعده، لم تطلق؛ لحصول البينونة بالموت.
وإن قال: أنت طالقٌ هذا اليوم، طَلَقَتْ في الحال، وإن قال: أنت طالق في غدٍ، طَلَقَتْ في أوله، ما لم يكن عُرْفٌ أو نِيَّة.
стр. 107
فصلٌ في تعليق الطلاق
يصحُّ تعليقُ الطلاق بالاتفاق، ولا يصحُّ التعليق إلا من زوجٍ.
وإذا علَّق طلاقَ زوجته، فلا يخلو من أمرينِ:
الأول: أن يعلِّقَهُ على شرطٍ محض: كما لو قال: أنت طالقٌ إذا طلعت الشمسُ، فتطلقُ إذا وُجِدَ المعلَّق عليه.
الثاني: أن يعلِّقه على شرطٍ غير محض: كما لو قال: أنت طالق إن خرَجت، أو إن لم أسافِرْ، فإن قصَد الطلاق: فطلْقةٌ إن وقع الشرطُ، وإن قصد الحثَّ أو المنع، أو التصديق أو التكذيب: فكفَّارةُ يمين؛ لورود ذلك عن الصحابة في النذر، وهو أشد نفوذًا من الطلاق.
فرعٌ: لا يتكرَّرُ الطلاق بتكرُّر المعلَّق عليه، إلا بنيَّةٍ أو قرينة، إلا مع (كلما) فيتكرر الطلاق، فإذا قال: كلما دخلت الدار فأنت طالق، يَتَكرَّر الطلاق بِتَكَرُّرِ الدخول.
فرعٌ: إذا قال: إن حِضْتِ فأنت طالق، طَلَقَتْ من أول طُهْرٍ من حيضٍ كامل، وإن قال: إن كنتِ حاملاً فأنت طالق، طَلَقَتْ إن ولدت لأقلَّ مِنْ ستة أشهر.
فرعٌ: إن علَّق الطلاق على فعلٍ أو تركٍ، ففعَله ناسيًا أو جاهلاً أو مكرَهًا: لم تُطلقْ، وكذا لو علَّقه على فعلِ الزَّوجة، ففعلت المعلَّق عليه ناسيةً، أو جاهلة، أو مكرَهة.
стр. 108
مسألة: مَنْ شك في أصل الطلاق: لم يَلزَمْهُ؛ لأنَّ النِّكاح متيقَّن، فلا يزول بالشكِّ، وإن شك في عددِه، أخَذ بالأقل.
مسألة: ومن قال لزوجتيه: إحداكما طالق، طَلَقَت المَنْويَّة، فإن لم ينوِ؛ أُقرِعَ بينهما، فإن تَبَيَّن أن المطلَّقةَ غيرُ التي قُرِعتْ، رُدَّتْ إليه، ما لم تتزوَّجْ، أو تكُنِ القرعة بحكمِ القاضي.
وإن قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، طَلَقَتْ زوجته؛ لأنها محَلُّ الطلاق.
стр. 109
باب الرجعة
الرجعةُ في اللغة: الإعادة.
وفي الاصطلاح: إعادةُ مطلَّقةٍ غيرِ بائن إلى ما كانت عليه، بغيرِ عقد.
وهي ثابتة في الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠].
وأما السُّنة: فحديث عِمران بن حصين، وفيه قوله لمن راجَعَ دون إشهاد: «راجعتَ لغير السُّنة»؛ رواه أبو داود وابن ماجَهْ، وصححه ابن حجر.
والإجماع: حكاه ابن المنذِر.
مسألةٌ: يشترط لصحة الرجعة شروط:
الأول: أن يكون طلاقًا دون العَدَد، وعلى هذا:
- إن كان فسخًا، أو خلعًا، فلا يَملِك الرجعة؛ لأن الرجعة إنما وردت في الطلاق.
- وإن استكمل العَدَد، فلا تَحِلُّ له إلا بعد أن تتزوجَ إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠].
الثاني: أن يكون الطلاق بلا عِوض، فإن كان بعِوَض فلا يَملِك رَجْعتَها إلا بعقد؛ لما تقدم في باب الخلع.
الثالث: أن يكون الطلاق بعد الدخول أو الخَلْوة، فإن كان قبلهما، فقد
стр. 110
بانت منه، فلا تَحِلُّ له إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزَاب: ٤٩].
الرابع: أن تكون في نكاحٍ صحيح، فإن كان النِّكاح باطلاً؛ وهو ما أجمع العلماء على بطلانِه، أو فاسدًا؛ وهو ما اختلف العلماءُ في صحته؛ كالنِّكاح بلا وليٍّ: لم تصحَّ فيه الرجعة؛ إذ الأحكام تترتب على العقودِ الصحيحة.
الخامس: أن تكون الرجعةُ في زمن العِدَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨].
ويجوز مراجعتُها بعد طُهْرِها من الحيضة الثالثة قبل الاغتسال؛ لورودِ ذلك عن الصحابة؛ كعمرَ، وعليٍّ، وابن مسعود ﵃، ولوجود أثَرِ الحيضِ المانع للزوج من الوطء.
السادس: أن يريدَ الإصلاح بالمراجَعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، وعلى هذا إن أراد مراجعتَها لمضارَّتِها، لم تصحَّ المراجَعة.
فرعٌ: لا يشترط رضَا المرأة بالمراجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، ولأنها حقٌّ للزوج.
مسألةٌ: تحصُلُ الرجعة بأحد أمرينِ:
الأول: اللفظ؛ كقوله: راجعتُ زوجتي، أو ردَدتُها، أو أمسكتها، ونحو ذلك.
الثاني: الفعل؛ وذلك بالوطءِ مع النية دون مجرد الاستمتاع.
следующие страницы →