بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه دروس ألقيتها في جامع الزهراء بمحافظة البكيرية في القصيم ١٤٣١ هـ، وقد قام الشيخُ محمد بن السيد الغنام بنسخِها ومراجعتِها، وقد اطلعتُ عليها بعد ذلك.
أسأل الله أن يجعلَ هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، إنه جواد كريم.
كتبه
أ. د. خالد بن علي بن محمد المشيقح
كلية الشريعة بالقصيم
٢٦/ ١/ ١٤٣٣ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وأشهد أنَّ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، إلهًا أحدًا، فردًا صمدًا، لا شريك له في إلهيته، كما لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في صفاته.
وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ما أكرمَه عبدًا وسيدًا، القائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠ - ٢٢]، صلَّى اللهُ وسلَّم عليه أبدًا أبدًا، وعلى آله وأصحابه وأتباعه سرمدًا، صلاةً وسلامًا دائمين إلى أنْ يُبعث الناس غدًا، أما بعد:
لقد أنعم اللهُ على عبادِه نعمًا كثيرة، وأسبغ عليهم تلك النعم ظاهرةً وباطنةً، فالحمدُ لله على سابغِ نِعمه، وجزيلِ عطائه، وكريم فضلِه، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. وسبيلُ دوامِ هذه النعم هو شكرُها، وصرفُها في مرضات الله جلَّ وعلا ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
ومِنْ أعظمِ ما يشكرُ العبدُ به ربَّه جلَّ وعلا على تلك النعم، توحيدُه ، وإفرادُه بالعبودية، والإيمانُ به، وبما جاءت به رسلُه؛ فإنَّ القيام بهذا موجبٌ لزيادة النِّعم، وتواتُرِ المِنَنِ، وانْدفاعِ النقم والمِحن، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
стр. 3
إنَّ توحيدَ الله وإفرادَه بالعبادة هو الغايةُ التي مِنْ أجلِها خُلِق الجنُ والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وهو حقُّ الله على عبادِه، «حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (١).
وما أجمل ما قال العلامةُ ابنُ القيم ﵀ في بيان أهمية التوحيد وكلمتِه: «وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»: كلمةٌ قامت بها الأرضُ والسماواتُ، وخُلِقتْ لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أرسلَ اللهُ تعالى رسلَه، وأنزلَ كتبَه، وشرعَ شرائِعَه، ولأجلها نُصِبَت الموازينُ، ووُضِعَت الدَّواوينُ، وقام سوقُ الجنَّةِ والنارِ، وبها انقسمت الخليقةُ إلى المؤمنينَ والكفار، والأبرارِ والفجارِ، فهي منشأُ الخلْقِ والأمرِ، والثوابِ والعقابِ، وهي الحقُ الذي خُلِقت له الخليقةُ، وعنها وعن حقوقها السؤالُ والحسابُ، وعليها يقعُ الثوابُ والعِقابُ، وعليها نُصِبت القبلةُ، وعليها أُسِّسَت الملةُ، ولأجلها جُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي حقُّ الله على جميعِ العِباد، فهي كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دار السلام، وعنها يُسأَلُ الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ا. هـ. (٢)
ولأهمية التوحيد، وضرورة بيانه للناس، وقيامًا بواجب النُّصح للأمة؛ ألَّفَ أهلُ العلم الكتبَ، وكتبوا الرسائل، وصنَّفوا المصنفات، في بيان التوحيد والعقيدة الصحيحة، وكذا في بيان نقيضِه الشِّرك والتحذيرِ منه، ومِن وسائلِه ومظاهره.
ومِن تلك الكتابات المنتشرة، والرسائل المشتهرة في هذا الباب رسالةٌ موجزةٌ لطيفة، قليلةُ المبنى، غزيرةُ المعنى، حوَت علمًا كثيرًا على الرغم مِنْ قلة عباراتها، وسهولةِ ألفاظها. كاتبُها عالمٌ جليل، وشيخُ كبير، وإمامٌ عَلمٌ في الدعوة إلى
_________
(١) رواه البخاري في كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، رقم (٥٩٦٧)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، رقم (٣٠)، من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٢) زاد المعاد (١/ ٣٦).
стр. 4
توحيد الله وإفرادِه بالعبادة، والتخلُّص من الشرك ومظاهره … إنها رسالة: نواقضُ الإسلام؛ لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهَّاب ﵀ وتأتي أهمية مثل هذه الرسالةِ مِنْ أهمية موضوعهِا الذي تتناوله، إذ إنها تتعلقُ بأفضل العلوم وأشرفِها، ألا وهو «توحيد الله جلَّ وعلا»، وإفرادِه بالعباده، وتنزيهه تعالى وتقدَّس عن كلِّ عيبٍ ونقص.
نعم .. إنَّ هذه الرسالة جاءت في بيان أهمية التوحيد ببيان نقيضِه، والتحذيرِ منه، ومِن مظاهره، ووسائلِه، والتأكيدِ على ضرورة صيانته مِنْ أيِّ شائبة مِنْ شوائب الشِّرك؛ حتى يأتي العبدُ ربَّه جلَّ وعلا بقلب سليم مِنْ شوائب الشِّرك وأدران البدعة.
ومما يؤكدُ أهمية هذه الرسالة النافعة: «ضرورةُ معرفةِ الشِّرك، ومظاهرِه»، حتى يتسنى للعبد تجنبُّها، والحذرُ منها. وهذا الأمر معرفةُ الشَّر لاجتنابه هو منهجُ العقلاء في كل زمان وآن، فهُم يسعون في معرفة ما ينفعُهم في دينهم ودنياهم لإتيانه والتزامِه، ومعرفةِ ما يضرُّهم ويؤذيهم لاجتنابه والابتعاد عنه. ويدل لهذا المعنى قولُ حذيفةَ بن اليمان ﵁: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي (١). قال الشاعرُ:
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ … ولكنْ لتوقِّيه
ومَنْ لا يَعرفِ الشَّرَّ … مِنْ النَّاسِ يقعْ فيه (٢)
وثمة أمرٍ آخرٍ يجعلُ الحاجةَ لدراسة التوحيد، وبيانِ فضله، والتحذيرِ من الشرك ووسائلِه: ألا وهو ظهورُ وانتشارُ تلك الدعوى الباطلة، والمقولةِ الداحضة،
_________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة، رقم (٣٦٠٦)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، رقم (١٨٤٧)، وللبخاري عنه ﵁: تعلَّمَ أصحابي الخيرَ، وتعلمتُ الشَّرَ، رقم (٣٦٠٧).
(٢) البيتان لأبي فراس الحمداني، في ديوانه (٣٦٩).
стр. 5
بأنَّه لا حاجة للحديث في التوحيد، وبيانِه، وعن الشركِ ووسائله؛ لأننا في مجتمعات إسلامية، نشأت على التوحيد، والعقيدة الصحيحة، فما الحاجة لإثقال كاهل المسلمين بالحديث عن أمرٍ تقرَّر عندهم، واستقر في قلوبِهم، والتحذيرِ مِنْ أمرٍ هم بمنأى عنه؟! زعموا.
ويتلخصُ الجواب على هذه الشبهة في جملةِ أمور، منها:
١ - تتأكد دعوةُ الناس إلى التوحيد، وتصفية العقيدة، وإخلاص العبادة لله جلَّ وعلا؛ لتعريف النَّاس بمقصدهم الأسمى في الدنيا، والهدفِ الذي مِنْ أجله أتوا لهذه الحياة، إنَّه «عبادةُ الله وحده، وإخلاصُ الدِّين له»، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١).
٢ - تفشيِّ مظاهر الشِّرك في أرجاء مختلفة من ديار المسلمين وبلادِهم، فضلًا عن غيرها من بلاد المشركين، بصورٍ عديدةٍ، وأساليب شتى. ومن ذلك:
أ- انتشارُ القباب والمشاهد على قبور الأولياء والصالحين وغيرهم، وهذا منتشرٌ شائع في كثيرٍ مِنْ بلاد الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ب- شدُّ الرِّحال إلى تلك المشاهدِ، ومساجدِ الأولياء والصالحين، وقبورِهم، والطوافُ حولها، والصَّلاةُ عندها.
ج- دعاءُ هؤلاء الصالحين مِنْ دون الله ، والتوسلُ بهم، وصرْفُ ما لا يجوزُ صرْفُه لهم مِنْ العبادةِ، كالذبحِ والنَّذرِ لهم، والخوفِ والوجلِ مِنهم، واعتقادِ نفعِهم وضرِّهم، … إلى غير ذلك من العبادات القلبية والبدنية والمالية التي لا يجوز صرْفها بحالٍ لغير الله جلَّ وعلا.
د- تعظيمُ بعض الجهال لهؤلاء المقبوريين، سواء أولياء أو صالحين، أو غير
_________
(١) قال العلامةُ السعدي ﵀: «هذه الغاية التي خلق اللهُ الجنَّ والإنسَ لها، وبعث جميعَ الرسل يدْعُون إليها، وهي عبادتُه، المتضمنةُ لمعرفته ومحبته، والإنابةِ إليه والإقبالِ عليه، والإعراضِ عما سواه» ا. هـ. [تيسير الكريم الرحمن (٤/ ١٧١٧)].
стр. 6
ذلك، فيلتزمون أقوالَهم، ويصدرون عن آرائِهم وكلامِهم وفِعالِهم، بل ويُقدِّمونها على الكتابِ والسُّنة، فإذا قيل لأحدهم قال اللهُ، أو قال رسولُه، تراه متلكئا مُجادلا، أما إذا قيل له: قال الولي، أو صاحبُ القبر، لم يتردد في اتِّباع قوله، وتنفيذ كلامه، والله المستعان.
هـ- اتخاذُ الصُّور لهؤلاء المقبوريين، سواء أولياء أو صالحين، وتعليقُها، والتماسُ البركة منها. وهذا مِنْ أخطر وسائل الشرك، وأعظمها ضررًا، إذ لا يلبث أن يتحول هذا التعظيم لهؤلاء المقبورين بعد اتخاذ التصاوير لهم إلى عبادتهم، أو صرف شيء من العبادة لهم من دون الله . ولنعتبر بحال قومِ نوح ﵇، وما حدث منهم، فما بدأ الشركُ يظهر فيهم، ويدخلُ عليهم إلا من هذا الباب.
ويدل لهذا ما رواه البخاريُّ عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ قال: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَأ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ: أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ؛ عُبِدَتْ» (١).
٣ - ومما يؤكدُ أهمية دراسة التوحيد وتعليمِه، والتحذير مِنْ الشِّرك ووسائلِه ومظاهرِه: إخبارُ النبيِّ ﷺ عن وقوعِه في هذه الأمة، وخاصةً في أخر الزمان، ولاسيما زمن غُربة الدِّين، ومِنْ ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ (٢) نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ،
_________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]، رقم (٤٩٢٠).
(٢) الأليات: الأعجاز، جمع أليَة، والمراد: يضطربن من الطواف حول ذي الخلصة، أي يكفرون ويعودون لعبادة الأصنام وتعظيمها دوس: قبيلة باليمن. [شرح مسلم للنووي (١٨/ ٣٣)].
стр. 7
وَذُو الْخَلَصَةَ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» (١).
وعن ثوبان ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِى بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِى الأَوْثَانَ» (٢).
وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى» (٣).
٤ - القيامُ بتعليم الناس التوحيدَ، وتحذيرُهم مِنْ الشِّرك ووسائلِه، فيه سيرٌ على سبيلِ القرآنِ والسُّنة، والتزامٌ لصراطهما في الدَّعوةِ إلى الله جلَّ وعلا، فنصوصُ الكتابِ والسُّنة واضحةٌ في الدَّعوة إلى التوحيد، وبيانِ أهميته، وبيان الجزاءِ الذي أعدَّه اللهُ لأهله، وحُسنِ عاقبتهم، وكذا في التحذيرِ مِنْ الشَّرك، وبيان الوعيدِ عليه، وسوءِ عاقبةِ أهله، فيكاد يكون القرآن كلُّه وكذا السُّنة في بيان هذا كلِّه.
٥ - في الدَّعوة إلى التوحيد، والتحذير مِنْ الشِّرك، اتِّباعُ سبيل الأنبياءِ والمرسلين، واقتفاءُ أثر الدُّعاةِ والمُصلِحين.
وإنك يرحمك الله حين تتأمل قصصَ الأنبياء والمرسلين في القرآن تجدْ أنَّ أولَ ما يدعونَ أقوامَهم إليه هو توحيدُ الله ، وإفرادُه بالعبادة، كما ذكر الله في كتابه على لسان أنبيائه ورسله؛ فهذا نوح ﵇ يدعو قومَه لتوحيد الله ربِّ العالمين، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وهذا هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وهذا صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا
_________
(١) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان، رقم (٧١١٦)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة، رقم (٢٩٠٦).
(٢) رواه أبو داود في كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها، رقم (٤٢٥٢)، والترمذي في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون، برقم (٢٢١٩)، قال الشيخ الألباني: «صحيح».
(٣) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوسٌ ذا الخلصة، برقم (٢٩٠٧).
стр. 8
قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وهذا شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وهذا عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وهذا نبيُّنا ﷺ يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]، وهكذا جميعُ الأنبياء والمرسلين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
مما سبق بيانُه، نخلُص إلى أهمية الدعوة إلى التوحيد، وتصحيح العقيدة، وأنَّه سبيل الأنبياء والمرسلين، وهو غاية خلقِ الجن والإنس أجمعين.
ومن هنا تأت الحاجةُ لدراسة مثل هذه الرسائل، وتتأكد الحاجة إلى التعرُّضِ إليها بالشرح والبيان مِنْ قِبَلِ أهل العلم لتبسيطها للناس، وتقريب معانيها، وإيضاح مُبهماتها، وتوضيحِ مسائلها.
فدونك أيها القارئُ الكريمُ شرحٌ مُيسَّر لهذه الرسالة المباركة نواقضُ الإسلام لفضيلة الشيخ الدكتور: خالد بن علي المشيقح وفقه الله، ألقاه ضمن الدورة العلمية (بناء) المقامة بجامع الزهراء، بمحافظة البكيرية، بمنطقة القصيم.
وهو شرحٌ نفيسٌ حقًا، جاء بعباراتٍ سهلة، وأسلوبٍ ماتع، وعرْضٍ رائع، وأسلوبٍ علمي رصين، قد حوى فوائدَ جمةً، وتعليقاتٍ نفيسةً.
عملي في هذه الرسالة:
يتلخصُ عملي المتواضع في هذه الرسالة المباركة في الأمور التالية:
١ - تفريغُ النَّص مِنْ الأشرطة، ومراجعتُه مرتين، ومقابلةُ المكتوبِ على الورقِ بالتسجيل الصوتي.
٢ - عزو الآيات القرآنية، وإدراجُها بخط المصحف، وجعلتُ العزو بين معقوفين [] في ثنايا الشرح بذكر السُّورة ثم رقم الآية/ الآيات.
стр. 9
٣ - تخريج الأحاديث، فإن كانت في الصحيحين أو أحدهما؛ اكتفيتُ بذلك وعزوتُه إليهما دون غيرهما، وإن كان الحديثُ في غير الصحيحين ذكرتُه، ونقلتُ حُكمَ أهل العلم عليه، لاسيما أحكام العلامة المُحدِّث الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني ﵀، وقد اعتنيت بضبط متن الأحاديث ضبطًا تامًا وفقَ المثبت في الأصول المطبوعة، ويأتي التخريج بذكر الكتاب والباب، ثم رقم الحديث، وذكرتُ اسمَ الصحابي راوي الحديث في حالِ لم يذكره الشَّارح.
٤ - ضبط المتن، ومقابلته على مخطوطين ومطبوعين، وإثبات الفروق بينها، ومنهجي في هذا: إثبات المتفق عليه بين الأصول أو أغلبها (١)، وأما ما انفردت به نسخةٌ، فإني أشير إلى ذلك الفرق في الحاشية.
وإليك وصفٌ موجزٌ للمصادر التي قمت بضبط نصِّ المتن وِفْقها:
أ- مصورة مخطوط جامعة الملك سعود: وهي نسخةٌ حسنة، جاءت في صفحة واحدة، خطها معتاد واضح، ضمن مجموع مِنْ كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب عُنْوِنَ له ب «ستة مواضع من السيرة» مكوَّن مِنْ سبع صفحات، نسخها محمد بن عبد الرحمن الشويعر ﵀، سنة ١٣٢٢ هـ. وقد أشرت إليها بالرمز (س) (٢).
ب- مصورة مخطوط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية: وهي نسخةٌ جيدة، جاءت في صفحتين، خطها معتاد، برقم: ٢٩٣٨/ ١٠/ ف، عليها تاريخ نَسْخِها سنة ١٣٢٥ هـ، ولم يُذكر اسمُ النَّاسخ. وقد أشرت إليها
_________
(١) تلْحظ وفقك الله لطاعته أنَّ المطبوعين متوافقان غالبًا، وإنما الفرق بينهما وبين المخطوطين في ألفاظ يسيرة على نحو ما هو مذكور فى المتن، (ص: ٢٥).
(٢) تنويه: هذا المخطوط متوفر على الشبكة العنكبوتية، ضمن خدمة مقدمة من جامعة الملك سعود ﵀ تهدف لخدمة الباحثين، وتوفير آلية للحصول على المخطوطات النادرة بطريقة سهلة وميسرة. وإليك رابطها على الشبكة: [makhtota.ksu.edu.sa/makhtota/2594/6].
стр. 10
بالرمز (ف) (١).
ج- مطبوع: [الدرر السنية في الكتب النجدية]: وهو كتابٌ يجمع رسائل وكتابات علماء نجد الأعلام مِنْ عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصر جامعِه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀، وهو من الكُتب الموثوقة التي جمعت تآليفَ علماء الدعوة، لاسيما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقد أشرت إليه بالرمز (د) (٢).
د- مطبوع: [مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب]: وهو بمثابة موسوعة علمية، حوَت جُلَّ مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتشتمل على ثلاثة عشر مجلدًا، شاملة لكل تراث الشيخ، وقد اعتنت بإخراج هذا السِّفرُ المبارك جامعةُ الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وقد أشرت إليه بالرمز (م) (٣).
تنويه: لقد اعتمدت المطبوعين الأخيرين في مقابلة النَّص؛ لكونهما احتويا الرسالةَ موضوع الدراسة في ثناياهما، كما أنهما مِنْ أهم المصادر الحالية لمؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، علاوة على ذلك فإنَّه من خلال التتبع والنظر في المطبوعات المُتداولة للرسالة، تبيَّن لي أنَّ كلها أو أكثرها جاء موافقا لهذين المطبوعين، ولم أجد فيما وقفتُ عليه مِنْ مطبوعٍ مَنْ أشارَ لمخطوطٍ للرسالة، أو أثبتَ فروقًا تراها بإذن الله عند مطالعتك للمتن، وإني لأرجو أن يكون لهذا العمل المتواضع قصَبَ السَّبق في بيان ذلك، وإثباتِ تلك الفروق بين المخطوط والمطبوع.
_________
(١) يجدُر بي في هذا المقام الإشادة ب (مركز الملك فيصل ﵀ للبحوث والدراسات الإسلامية) على تعاونِه الكريم بتوفير هذا المخطوط، ومِن ثمَّ إرسالها إليَّ، فجزاهم الله خيرًا على ما يُقدِّمون مِنْ جهدٍ مشكور في خدمة العلم والدِّين.
(٢) تجد متن رسالة (نواقض الإسلام) في الجزء الثاني من هذا الكتاب، (صفحتي ٣٦١، ٣٦٢).
(٣) تجد متن هذه الرسالة في الجزء الأول، (صفحات: ٣٨٥ - ٣٨٧).
стр. 11
٥ - ضبطُ ما قد يُشكِل على القارئ الكريم مِنْ الشرح، وإيضاحُ وتعريفُ ما غمض وأبهم مِنْ كلمات غريبة أو عبارات غامضة، بالرجوع لكتب اللغة، وغيرها، وقد اعتنيتُ بعلامات الترقيم وفق المنهج المتَّبع قدْر وُسْعي.
٦ - عزو الآثار إلى قائليها، وتوثيقُ النقول التي ذكرها الشارحُ وفقه الله مِنْ مصادرها مِنْ كتب أهل العلم، ولم أدخر جهدًا في ذلك قدر السَّعة، وعند ذِكر المصادر أكتفي بالإشارة إلى واحدٍ، أو اثنين على الأكثر؛ خشية الإطالة.
٧ - قدَّمتُ للرسالةِ بمقدمةٍ تعريفيةٍ بموضوعها، وأهميتها، وبيانِ منهج العناية بها.
٨ - قمتُ بعمل ترجمة موجزة للمؤلف ﵀، وهي مُثبتةٌ في أول الرسالةِ، وقبل المتن. أما ما ورد في ثنايا الشرح مِنْ أعلام، فلم أترجم لهم خشية الإطالة، وللراغب مراجعةُ المعاجم وكتب التراجم، فسيجدُها ثمَّ.
٩ - عرضُ العمل بعد إتمامه على الشَّارح، فضيلةِ الشيخ: خالد بن علي المشيقح وفقه الله لمراجعته، وتصويبه، وقد تفضَّلَ الشيخُ مشكورًا بمراجعتِه، والتقديمِ له.
١٠ - ذكرتُ في مواضعَ عديدة فوائدَ ونكتًا بديعة مِنْ كلام أهل العلم، وذلك فيما يتصل بالشرح.
١١ - وضعتُ عناوينَ جانبية لتساعدَ القارئ على فهم المرادِ مِنْ هذا الكلام، وهي بمثابة خلاصة للفقرة التي أمامها.
١٢ - إذا كان لي مِنْ تعليقٍ على قِلَّةٍ، أثبتُّه في الحاشية، مُصدِّرًا إياه بكلمة «قلت».
١٣ - ذَيَّلْتُ الرسالةَ بقائمةِ المراجع التي اعتمدتها في عملي، وقائمةِ فهارس للموضوعات فحسب.
стр. 12
وختامًا، إني لأشكرُ الله العليَّ الكبيرَ على ما منَّ به عليَّ، وشرفني به مِنْ خدمة لهذه الرسالة المباركة، وهذا الشرح الماتع، وإني لأسألُه جلَّ وعلا أن يرزقني الإخلاصَ في القولِ والعمل، وأنْ يجعلَ هذا العملَ في ميزان حسنات مؤلفِه وشارحِه ومَن اعتنى به، وأن ينفعَ به قارئَه والنَّاظرَ فيه وعمومَ المسلمين، وأنْ يُجازي مَنْ ينشرُه ويساهم في توزيعِه خيًرا.
فيا قارئًا لهذه الرسالةِ، لِتَذكُرْ مؤلفهَا وشارحَها ومَن اعتنى بها بدعوةٍ صالحةٍ بظهرِ غَيب، وانشر جزاك الله خيرًا ما وقفتَ عليه في هذا العمل مِنْ خير، وغُضَّ الطرفَ عن غير ذلك، وجُدْ بالصفح، وابذل النصح، وإني لك لممتنٌ شاكر.
إنْ تجِد عَيبًا فسُدَّ الخلَلا … واظفَرْ بنفعٍ، ثم خَلِّ الزَّللا
وَحسبي أنِّي قد بذلتُ طاقتي … جَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فيه وعَلا
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وكلِّ مَنْ له حقٌّ علينا، وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ربنا توفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. اللهم نسألك إيمانًا خالِصًا، وعملا صالِحا، ونعوذُ بك مِنْ الشركِ، ووسائله، ومِن مفسدات الإسلام ونواقضه.
وصلى اللهُ وسلَّم وبارك على عبدِه ورسولِه، نبينا محمدٍ ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعنَّا معهم، بفضلِه ورحمته، إنَّه جوادٌ كريم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
وكتبه: أبو عبد الله
محمد بن السَّيد بن سليمان الغنَّام
صبيحة الأحد الخامس مِنْ جمادى الثانية ١٤٣٢ هـ
البكيرية القصيم
стр. 13
ترجمة موجزة (١) لشيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب ﵀ (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ)
عاش الشيخُ محمدُ بن عبد الوهاب ﵀ في القرن الثاني عشر، وأوائل القرن الثالث عشر الهجري، وقد لمع نجمُه، وسما قدْرُه، ونالَ شهرةً واسعةً، ومكانةً عالية.
وهذه جوانبُ يسيرةٌ مختصرة مِنْ حياة هذا الإمامِ الشهير، والمصلحِ الديني الكبير،، ﵀، وطيَّب ثراه، وجعل الجنة مثواه.
أولاً: اسمه ونسبه ومولده:
هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي. ولد ﵀ في بلدة (العيينة) من بلاد نجد سنة خمس عشرة ومائةٍ وألفٍ مِنْ الهجرة.
ثانيًا: نشأته وطلبُه للعلم:
نشأ الشيخُ ﵀ ببلدة (العيينة) في بيئةٍ متدينةٍ مُحافظةٍ، وفي بيت علمٍ كبير، فقرأ القرآنَ حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر، ثم اشتغل بطلب العلم، ورحل ﵀ إلى مكة، ثم رحل إلى المدينة النبوية، وتردد على علمائهما، وأخذ
стр. 14
عنهم، ثم رحل بعد ذلك إلى البصرة؛ للاستزادة مِنْ العلم، وقرأ على علمائها في التفسير، والحديث وشروحه، وعلوم العربية، وغير ذلك، وبعد عودته إلى نجد أخذ يُطالع كتبَ التفسير، والحديث، والأصول، وكتبِ شيخ الإسلام ابنِ تيمية، وتلميذِه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما؛ مما أهَّله أنْ يكون عالما متبحِرا، وإمامًا مُتبصِّرًا.
ثالثًا: شيوخه وتلامذته:
طلب الشيخ ﵀ العلمَ على ثلةٍ مِنْ اهل العلم، منهم والده الشيخ عبد الوهاب بن سليمان، والشيخ المُحدِّث محمد حياة السندي المدني، والشيخ محمد المجموعي البصري، وغيرهم كثير.
وقد أخذ عنه العلمَ عددٌ كثيرٌ مِنْ طلبة العلم، منهم: أبناؤه الأربعة (عبدُ الله، وحسن، وعلي، وإبراهيم)، وحفيدُه الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، وغيرهم خلقٌ كثير، ممن تولَّوا مناصبَ القضاء والإفتاء والتدريس، وقاموا بواجبِ العلم، ونشْرِ دعوة الإسلام والتوحيد في زمانهم ﵏ جميعًا.
رابعًا: دعوته:
دعا الشيخُ إلى توحيدِ الله بالعمل والعبادة، وإفرادِه بالقصد والإرادة، فجدَّد ما انْدرس مِنْ أصول الملة، وقواعدِ الدين، ودعا إلى مذهبِ السَّلف الصالح، والأئمة السابقين، وما كانوا عليه في باب معرفة الله وصفاته؛ مِنْ الإثبات ونفي التشبيه، وعدم التكييف والتعطيل.
خامسًا: مؤلفاته:
لقد خلَّف الشيخُ ﵀ آثارًا وتصانيفَ ومؤلفاتٍ كثيرةً في التوحيد والفقه والسيرة وغيرها، تدل على غزارة علمه وفقهه، ومن تلك المؤلفات: (كتاب
стр. 15
التوحيد (١)، وكتاب كشف الشبهات، وكتاب الكبائر، وكتاب فضل الإسلام، ومسائل الجاهلية، وكتاب آداب المشي إلى الصلاة، … ) وغيرها كثير، بالإضافة لجملةٍ مِنْ المختصرات لكتب أهل العلم، منها: (مختصر السيرة النبوية، ومختصر زاد المعاد، ومختصر الإنصاف والشرح الكبير، … ).
سادسًا: عقيدة الشيخ:
عقيدةُ الشيخِ ﵀ هي عقيدةُ النبيِّ ﷺ ، وأصحابه السابقين، والتابعين لهم بإحسان، وعقيدة أئمة الهدى: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسائر أهل السنن وأهل الفقه ﵏ جميعًا.
سابعًا: وفاته:
توفى ﵀ في (الدِّرعية) في ذي القعدة سنة ألف ومائتين وست من الهجرة [١٢٠٦] عن واحد وتسعين عامًا، بعد حياة حافلةٍ، قضاها في تحصيل العلم ونشْرِه، والقيام بدعوة الإسلام الصحيح والتوحيد، فرحمَه اللهُ رحمةً واسعةً، وجعل ما قدَّم في ميزان حسناته.
стр. 16
مخطوط الرسالة
مخطوط جامعة الملك سعود (س)
стр. 17
مخطوط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية (ف)
الصفحة الأولى
стр. 18
مخطوط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية (ف)
الصفحة الثانية
العاشر: الإِعرَاضُ عن دِينِ اللهِ (١)، لا يتعلمُه ولا يعملُ به، والدَّليلُ قولُه تعَالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
ولا (٢) فرقَ في جميعِ (٣) هذه النَّواقضِ بينَ الهازِلِ والجَادِّ، والخائِفِ، إلا المُكْرَه، وكلُّها مِنْ أعظمِ ما يكونُ خطرًا، ومِنْ (٤) أكثرِ ما يَكونُ وقوعًا.
فينْبغي للمسلمِ أنْ يحذرَها، ويخافَ مِنهَا على نفسِه، نعوذُ باللهِ مِنْ مُوجِبَاتِ (٥) غضَبِه وأليمِ عقَابِه، (٦) وصلَّى اللهُ على محمدٍ، وعَلى آلهِ وصحْبِه وسلَّم ٦). (٧)
* * *
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطبة الحاجة
إنَّ الحمدَ لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله مِنْ شرور أنفسنا، ومِن سيِّئات أعمالنا. مَنْ يهدِه الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضللْ فلا هادي له. وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه؛ صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَنْ تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
أما بعد:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
الرسالة التي بين أيدينا رسالةٌ عظيمة، اشتملت على عشرةِ نواقضَ مِنْ نواقض الإسلام، وهذه النواقض التي خصَّها شيخُ الإسلام محمدُ بن عبد الوهاب ﵀ دون غيرها، خصَّها بمزِّية، وسنُبين ذلك بإذن الله تعالى.
تعريف بالرسالة وأهميتها
فهذه الرسالة مهمة جدًا، ودراستُها ومُدراستُها، ومعرفةُ هذه النواقض وخصوصًا في وقتنا هذا مهمٌ جدًا. ولا شك أنَّ أغلى ما يملكه الإنسانُ في هذه
стр. 23
الحياة هو دينُه دينُ الإسلام، فهو أعظمُ نعمة أنعمها الله على المسلمين، وكونُ المسلم يعرف ما يُخِلُّ بهذا الدين العظيم مِنْ أصله، أو ما يُخِلُّ بكمالِه، هذا مهمٌ جدًا، ولذلك فإنَّ حذيفة ﵁ كان يسأل النبيَّ ﷺ عن الشَّر؛ مخافةَ أن يقع فيه (١).
وكونُ المسلمِ يتعلم هذه النواقض، ويدرُسُها، حتى يكون على بينةٍ من أمره، ويكون ملمًا بما يخدشُ التوحيد، وينقصُ دينَه وإسلامَه، ولهذا إبراهيم ﵊، وهو إمام الحنفاء سأل ربه أن يقيه عبادة الأصنام، قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] (٢)، ولم يقل ﵊: ربِّ لا تجعلني أعبدُ الأصنامَ، بل قال: يا ربِّ، اجعلني في جانبٍ، وعبادةَ الأصنام في جانبٍ آخر، فهو سأل اللهَ جل وعلا أنْ يقيَه الشركَ، ووسائلَه (٣).
خوف الأنبياء والصالحين من الوقوع في الشرك أو وسائله
فهو ﵊ لم يسأل اللهَ الوقايةَ من الشرك وحده فقط، بل سأل اللهَ أن يقِيَه الشركَ ووسائله، وذرائعه، ومِن دعاء النبيِّ ﷺ الاستعاذةُ من الشرك (٤).
والشيخُ رحمه الله تعالى في كتابه العظيم (كتاب التوحيد) بوَّب بابًا مستقلًا؛ قال: «بابُ الخوفِ مِنْ الشِّرك»، وذكرَ ما يتعلق بذلك من أدلةٍ من كتاب الله، وسُنة رسوله ﷺ .
стр. 24
وسنتناول هذه الرسالة (نواقض الإسلام) (١) بالشرح في هذه الدروس بإذن الله تعالى.
* * *
стр. 25
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [١]
[١] افتتح المؤلف رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة؛ اقتداءً بكتاب الله ، فإنه مُفتتحٌ بالبسملة، واقتداءً بالنبي ﷺ ، فإنه ﷺ كان يفتتح كتبَه (١) بالبسملة.
سبب الافتتاح بالبسملة، وبيان معناها
* «بِسْمِ»: الباء: حرف جر، و «اسم» اسم مجرور، والجار والمجرور لهما متعلق، متعلقهما فعلٌ محذوف، وهذا الفعل المحذوف يُقدَّرُ بما يُناسب المقام، وقُدِّر المتعلق فعلا؛ لأن الأصلَ في العملِ الأفعالُ، وقُدِّر مناسبًا؛ لأنه أدلُّ على المراد. (٢)
فإذا قلت: «بِسْمِ اللَّهِ» عند القراءة، فيكون التقدير: «بسم الله أقرأ»، وإذا أردت أنْ تذبح، قلت: «بِسْمِ اللَّهِ»، فالتقدير: «بسم الله أذبح»، وهكذا.
فنقول: متعلق الجار والمجرور فعلٌ محذوف، وهذا الفعل يُقدَّر بما يناسب المقام (٣).
* و (الله): أصلها الإله، وحذفت الهمزة، وأُضغِمت اللام في اللام، فقيل: «الله». ومعنى هذا الاسم العظيم: «ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين».
стр. 26
قال المؤلف [٢] رحمه الله تعالى: «اعْلَمْ أنَّ نَواقِضَ الإِسْلامِ [٣]،»:
وهذا اسم خاصٌ بالله ، وهو أعرف المعارف، ولهذا بقية أسماء الله ترجع إلى هذا الاسم، فنقول: «الرَّحمن مِنْ أسماء الله»، ولا نقول: «اللهُ مِنْ أسماء الرَّحمن».
«الرَّحمن»: معناه: «ذو الرَّحمة الواسعة»، وهو أيضًا مِنْ أسماء الله الخاصة به.
«الرَّحيم»: معناه: «ذو الرَّحمة الواصلة»، فالله المُوصِلُ رحمتَه مَنْ يشاء مِنْ عباده.
[٢] لم يكتب المؤلف ﵀ مقدمةً لرسالته، ومثله أيضًا كتاب التوحيد، وقد ذكر العلماء ﵏ العذرَ في ذلك أنَّ مثلَ هذه الرسائل مبناها على الاختصار، وأنَّ عنوانها يُترجم عما يريده الشيخ رحمه الله تعالى في ثنايا هذه الرسالة.
فلم يكتب شيئًا من المقدمات لأمرين:
أسباب عدم وضع مقدمة لهذه الرسالة
الأمر الأول: أنَّ هذه الرسالة مبنية على الاختصار.
والأمر الثاني: أنَّ عنوانَها يُترجم عمَّا في ثناياها من وسائل وبحوث.
[٣] قوله: «اعْلَمْ»: فعلُ أمر، مبني على السكون، مِنْ العِلم، والعِلمُ: هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع؛ وقيل: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.
المراد ب (نواقض الإسلام)
قوله: «نَواقِض»: جمع ناقض، والنقض: هو حل المبرم وإفساده (١)، من نقضت الشيء إذا أفسدته، فنواقض الإسلام: الاعتقادات والأقوال والأفعال التي تزيل الإسلام وتفسده.
стр. 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعريف الإسلام
قوله: «الإِسْلامِ»: هو كما عرَّفه شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بأنه: «الاستسلامُ لله بالتوحيدِ، والانقيادُ له بالطاعةِ، والبراءةُ مِنْ الشرك وأهلِه» (١).
الفرق بين الإسلام والإيمان
والفرق بين الإسلام والإيمان:
أنهما لفظان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا أُطلِقَ الإسلامُ، فيُرادُ به الدِّينَ كلَّه، فيشمل الأعمالَ الظاهرة والباطنةَ.
وإذا قيل الإسلام والإيمان: فالمرادُ بالإسلامِ (الأعمالُ الظاهرةُ)، والإيمانُ (الأعمالُ الباطنةُ)، وذلك كما في حديث جبريل الطويل (٢).
ومعرفة نواقض الإسلام مهم لأمور:
ضرورة معرفة (نواقض الإسلام)
١ - ما ورد عن حذيفة ﵁ أنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي (٣).
٢ - عِظمُ شأنِ التوحيد، وأنَّه أعظمُ الواجباتِ، وخَطرُ الشركِ، وعظيمُ وِزْرِه.
٣ - انتشارُ كثيرٍ مِنْ البدعِ والشركيات التي تُخِل بالإسلام مِنْ أصلِه، أو بكمالِه، أو تقدحُ فيه.
٤ - وجودُ بعض الدَّعواتِ الضالةِ التي تُخِلُّ بالإسلامِ مِنْ أصلِه، أو بكمالِه.
стр. 28
عَشَرةُ نَواقِضَ [٤]
[٤] قولُ المؤلف رحمه الله تعالى: «عَشَرةُ نَواقِضَ»:
أسباب الاقتصار على هذه النواقض العشرة دون غيرها
هناك نواقضُ كثيرة، غيرَ هذه العشرةِ التي خصَّها الشيخُ رحِمه اللهُ تعالى، ولكنَّه خصَّ هذه العشرةَ لأمرين:
١ - الأمر الأول: أنَّ هذه العشرة يُجمِعُ العلماءُ رحمهم الله تعالى على أنها مِنْ نواقض الإسلام.
٢ - الأمر الثاني: أن نواقضَ الإسلام في الجملة كثيرٌ منها يرجِع إلى هذه الأمورِ العشرةِ، فهي تعتبر كالأصول.
* * *
стр. 29
الناقض الأول
الأوَّلُ: «الشِّركُ في عبادةِ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]».
* قوله: الأوَّلُ: «الشِّركُ في عبادةِ اللهِ … »:
أهمية البدء بهذا الناقض
بدأ المؤلف ﵀ بالشرك؛ لأن الشركَ أعظمُ الذنوب على الإطلاق، حيث إنه الذنبُ الوحيدُ الذي نفى اللهُ مغفرتَه، كما أنه يُحبط الأعمالَ الصالحة جميعًا، ويُوجِب لصاحبِه الخلودَ في النار عياذًا بالله؛ لِمَا ذكرَ المؤلفُ مِنْ الأدلةِ على ذلك؛ ولقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعتُ رسولَ الله ﷺ : «مَنْ لَقِىَ الله لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارِ» رواه مسلم (١).
* والشِّرك لغة: يطلق على معانٍ منها: النصيب، والشريك (٢).
قسما [الشِّرك]
والشِّرك ينقسم إلى قسمين:
• الأول: الشرك الأكبر.
• الثاني: الشرك الأصغر.
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعريف [الشِّرك الأكبر]
* الأول: الشِّرك الأكبر: وعُرِّف بتعاريف، أحسنُها: أنه: «تسويةُ غيرِ اللهِ بالله فيما هو من خصائص الله» (١).
قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] (٢)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، بمعنى: أنهم يسوُّون به غيره (٣)، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، قال ابن عباس ﵄: «الأندادُ الشِّركُ»، رواه ابن أبي حاتم بسند حسن (٤).
تعريف [الشِّرك الأصغر]
* الثاني: الشِّركُ الأصغر: وعُرِّف بتعاريفَ، أحسنُها: «ما كان وسيلةً وذريعةً للشِّركِ الأكبر مِنْ الأفعال والأقوال والاعتقادات، وجاء تسميتُه في النَّصِ شركًا، ولم
стр. 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يصل إلى حدِّ الشِّرك الأكبر» (١).
والدليلُ ما ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «الرِّيَاءُ» (٢).
الأحكام المترتبة على [الشِّرك الأكبر]
* مسألة: حكم الشرك الأكبر:
في الدنيا: تثبت له أحكامُ الكفار في الدنيا من: «امتناعِ المناكحة، وحرمةِ الذبائح عدا أهل الكتاب، وانقطاعِ التوارثِ، وحِلِّ الاسترقاقِ بالنسبة للحربي، وعدمِ الصلاةِ عليه وقبْرِه (٣) في مقابرِ المسلمين، … »، وغير ذلك مِنْ أحكامِ الدُّنيا الكثيرة.
والأحكام الأخروية: فإنَّ اللهَ حرَّم الجنة على كلِّ كافر، ومأواه النار خالدًا فيها أبدًا، ولا تنالهم شفاعةُ الشافعين، ولا يدخلون تحتَ حكمِ المشيئةِ الإلهية المتعلقةِ بالمغفرة، إلى غير ذلك.
وأما الشرك الأصغر فيفارق الأكبَر في جميع ما مضى، عدا المسألة الأخيرة، وهي:
هل [الشِّرك الأصغر] داخلٌ تحت المشيئة؟
* مسألة: هل يدخل الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة؟
على قولين:
стр. 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الأول: [الشركُ الأصغر] غير داخل تحت المشيئة
• القول الأول: إن الشرك الأصغر ليس داخلًا تحت المشيئة، فإن الإنسان إذا مات عليه لابد أن يُعذب، وليس ككبائر الذنوب.
قال بهذا القول: الشيخ عبد الرحمن بن حسن (١)، والشيخ عبد الله أبابطين، وصدِّيق حسن خان، ومال إليه الشيخُ عبد الرحمن بن قاسم (٢)، وهو قول شيخِ الإسلام ابنِ تيمية (٣)، ﵏ أجمعين.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فقالوا: بأنَّ ﴿إِنَّ﴾، وما دخلت عليه في تأويل مصدر، فيكون التقدير: «إنَّ لا يغفرُ إِشْراكًا به»، وإشراكٌ هذه نكرةٌ في سياق النَّفي فتُفيد العموم، فتعم الشِّركين، الشِّركَ الأكبرَ والشِّركَ الأصغرَ، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
القول الثاني: [الشركُ الأصغر] داخل تحت المشيئة
• القول الثاني: إنَّ الشركَ الأصغرَ داخل تحت المشيئة، ككبائر الذنوب، وهو ظاهر قول ابن القيم (٤)، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٥) رحمهما الله تعالى.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، والذي لا يغفره اللهُ الشِّركُ الأكبرُ، وما دون ذلك يدخل فيه الشركُ الأصغرُ، والمراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، المراد به الشِّركُ الأكبرُ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
стр. 33
«ومِنْه: الذَّبحُ لغيرِ اللهِ، [١] … »
الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وبالإجماع أن العمل لا يحبط مع الشرك الأصغر، وإنما يحبط مع الشرك الأكبر، فكذلك تحريم الجنة إنما يكون خاصا بالشرك الأكبر، وهذا هو القول الأقرب، لكن يجب على المسلم أن يخافَ على نفسه الشرك، فإبراهيم؛ خاف على نفسِه الشركَ، وهو إمامُ الحنفاء، ففي دعائه قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، أي: اجعلني في جانبٍ، وعبادةَ الأصنامِ في جانب، فسألَ اللَه البُعدَ عن الشركِ ووسائلِه.
والنبي ﷺ قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» (١)، فمن تمامِ التوحيدِ أنْ يخافَ المسلمُ على نفسِه الشركَ، وأن يكون دائمًا وأبدًا معلِّقًا قلبَه باللهِ .
[١] قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومِنْه: الذَّبحُ لغيرِ اللهِ، … »
* قوله: «ومِنْه: الذَّبحُ لغيرِ اللهِ … »:
علة التنصيص على الذَّبح
أي: مِنْ الشرك الأكبر، الذي هو ناقض من نواقض الإسلام: «الذبح لغير الله »، وإنما نصَّ المؤلف ﵀ على هذه العبادة «الذبح»؛ لكثرة الذبح لغير الله، وما يحصلُ حولَ الأضرحة والقبور، ونحو ذلك.
أقسام الذَّبح
والذبح ينقسم إلى أقسام:
١ - الذَّبح التعبدي، وأنواعه
القسم الأول: الذبح التعبدي: الذي هو عبادة، وهو الذبحُ لله ، وهو: «إراقةُ الدَّم تقربًا لله »، ويدخل في ذلك: [ذبحُ الأضاحي، ذبحُ الهدَايا (٢)، ذبحُ النُّذور، ذبحُ العقِيقة]، وهذا النَّوع مِنْ الذبح يُؤجرُ عليه العبد.
стр. 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - الذَّبح الشركي
القسم الثاني:
الذَّبح الشِّركي: الذبح لغير الله تقربًا، وهذا «شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام»، كالذبح لميتٍ، أو قبرٍ، أو وليٍ، أو الجنِ، ونحو ذلك.
٣ - الذَّبح البدعي
القسم الثالث:
الذبح البدعي: وهو أن يتقربَ لله بالذبح في غير المواضع التي ورد أن الذبحَ فيها قربة، أو يتقربَ لله بغير الجنس الذي ورد به الشرع، كأن يُضحّي بدجاجة، تقربًا لله ، أو يُضحّي في غير وقت الأضحية، أو يتعبد لله بالذبح عند قبر، أو عند مكان يعتقد فيه البركة، فهذا من الذبح المحرم، وهو «ذبح بدعي».
٤ - الذَّبح الذي يكون عادة
القسم الرابع:
الذبح لغير الله ليس على سبيل التقرب، وإنما للكرم والضيافة، فهذا مأمور به في الشرع، أو يذبح لأجل أنْ يبيعَ، أو أنْ يذبحَ لأجل أنْ يأكل، ونحو ذلك.
وهنا مسألة تكلم عليها العلماء ﵏، وهي:
مسألة: الذبحُ لغير الله عند قدوم كبيرٍ أو سلطانٍ أو حاكمٍ، ونحوه، فما حكم ذلك؟
هذا ينقسم إلى أقسام:
١ - إذا ذبح لهذا القادم تقربًا له: فهذا من «الشرك الأكبر».
٢ - أن يذبح لله عند قدومه: فهذا «ذبح بدعي».
٣ - أن يكون مِنْ عادةِ القومِ إظهارُ الإكرام بالذبحِ عند استقبال الضيف: «فلا بأس».
стр. 35
«كَمَنْ يذْبحُ للجِنِّ أوْ للقِبَاب» [٢]
[٢] قال المؤلف ﵀: «كَمَنْ يذْبحُ للجِنِّ أوْ للقِبَاب»:
أمثلة للذَّبح الشِّركي
«يذْبحُ للجِنِّ»: كما سيأتي إن شاء الله في السَّحرة، والكهنة (١)؛ الذين يذبحون للجن.
«يذْبحُ للقِبَاب»: كأهلِ الخرافةِ، وأهل التصوف؛ الذين يذبحون للأضرحة والقبور، … الخ.
* * *
стр. 36
الناقض الثاني
الثاني: «مَنْ جَعلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائطَ؛ يدعُوهُم، ويسألهُم الشَّفاعةَ، ويتَوكَّلُ عليهِم؛ كَفرَ إجمَاعًا» (١).
هذا الناقض داخلٌ في الناقضِ الأولِ، وإنما أفردَه المؤلفُ ﵀ لأهميتِه وكثرةِ وقوعِه.
معنى هذا الناقض
* قوله: «مَنْ جَعلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائطَ»: يعني: شفعاء، والوسائط جمع «واسِطة» (٢)، وهو ما يُصار إليه للتَّوسُط في جَلبِ نفعٍ، أو دفعِ ضُرٍ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ﵀: «فمن جعل الملائكةَ والأنبياءَ وسائطَ، يدعوهم ويتوكلُ عليهم، ويسألُهم جلبَ المنافعِ ودفعَ المضار، مثل أنْ يسألَهم غفرانَ الذنوبِ، وهدايةَ القلوبِ، وتفريجَ الكروبِ، وسدَّ الفاقاتِ، فهو كافر بإجماع المسلمين» (٣).
وقال أيضًا: «مَنْ أثبتَ وسائطَ بين اللهِ وبين خلقِه، كالوسائطِ التي تكون بين الملوكِ والرَّعيةِ، فهو مشركٌ، بل هذا دِينُ المشركين عُبَّادِ الأوثان، … » (٤).
* قوله: «يدعُوهم، ويسألهُم الشَّفاعةَ»
أي: يدعو هؤلاء الوسائط دعاءَ عبادةٍ، كأصحابِ القبور، وأصحابِ الأضرحة، الذين يذهبون إلى هذه القبور، وهذه الأضرحة، … الخ.
قال اللهُ : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧].
الدعاء هو العبادة
والدعاءُ عبادةٌ مِنْ أجلِّ العبادات، ويدل لذلك قولُ الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وفي السُّننِ يقول النبي ﷺ : «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (١)، فالدعاءُ عبادةٌ، وصرْفُ هذه العبادة لغير الله شركٌ، ودعاءُ المخلوق قد يكون شركًا، وقد لا يكون شركًا، وعلى هذا لكي يتضح الدعاءُ الذي يكون شركًا، والدعاءُ الذي لا يكون شركًا.
ودعاء المسألة قد يكون «عبادة» كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقد يكون «غير عبادة» كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١].
أقسام الدعاء
* دعاء غير الله ينقسم إلى أقسام:
١ - دعاء الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله
الأول: دعاء المخلوق في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله، مثل: أن يطلبَ مِنْ أحدٍ إنزالَ الغيث، أو إجراءَ السحاب، أو رزقَ الولد، ونحو ذلك، فهذا «شرك أكبر»؛ لأنه جعله مساويًا لله في شيء من خصائص الربوبية.
الثاني: دعاء المخلوق الحي في أمرٍ يقدِر عليه، فهذا ليس شركًا، قال رسول الله
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - دعاء المخلوق الحي فيما يقدر عليه
﵊: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (١)، «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (٢)، إلخ، كأن تقولَ للمخلوق الحي: «أعطني هذا الماء»، «أعطني هذا الكأس»، … الخ، فهذا «ليس شركًا».
٣ - دعاء المخلوق بذلٍ ورغبة
الثالث: أن يسأل غيرَ الله بكمالِ الذُّلِ والحبِّ والرَّغبةِ والرَّهبةِ، فهذا «شركٌ أكبر»؛ إذ كمالُ الذُّلِ والحبِّ والرَّغبةِ والرَّهبةِ عباداتٌ، يجب أن تكون خالصةً لله ، فلا تكون إلا له جلَّ وعلا.
٤ - دعاء الغائبين
الرابع: أن يكون المدعو بعيدًا عن الداعي، كأن يقول: «يا بدوي فرِّج كربتي، اشفِ مريضي»، «يا جيلاني»، «يا علي»، «يا حسين»، … الخ، فهذا «شركٌ أكبر»؛ لأنَّ اتساعَ السَّمع لسماع البعيد خاصٌ بالله سبحانه، وهو جلَّ وعلا الذي يسمعُ السرَّ والنَّجوى، ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]؛ ولأنه يعتقد في مثل هذا المدعو أنه يعلم الغيب، وأن له تصرفًا في الكون، وعليه فدعاءُ الأولياء الغائبين لتفريج الكروب، وقضاء الحاجات، هذا «شركٌ أكبر».
٥ - دعاء غير الله، واعتقاد استقلالهم بالأمور
الخامس: أن يدعو غير الله، مع اعتقاد أنه يستقلُّ في إيجادِ المطلوب مِنْ دون الله فهذا «شركٌ أكبر».
٦ - دعاء الأموات وسؤالهم
السادس: دعاءُ الأموات بتفريج كربة أو قضاءِ حاجةٍ، ونحو ذلك، فهذا «شركٌ أكبر»؛ لأنَّه صَرْفُ خصيصةٍ مِنْ خصائصِ الخالق للمخلوق، ولأنَّ الميتَ لا يمكن أن يقوم بمثل هذا، فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون.
السابع: الدعاءُ بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره، فهذا مِنْ الدعاء البدعي، الذي
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٧ - الدعاء البدعي
يتضمن شيئًا من التوسلات التي لم ترِد في الكتابِ ولا في السُّنة، وهذا «دعاءٌ بدعيٌّ».
أما إذا أراد الإنسانُ أن يتوسلَ، فعليه بالتوسلات الشرعية، بأن يتوسلَ بأسماءِ الله الحسنى، وصفاتِه العلا (١)، وأنْ يتوسلَ بأعمالِه الصالحة (٢)، ونحو ذلك مِنْ التوسلات الشرعية.
* مسألة: طلب الحي من الميت أن يدعو له عند الله:
حكم طلب الحي الدعاء من الميت
ذهب بعض أهل العلم إلى كونه «شركًا أكبر»، كالشيخ عبد الرحمن ابن حسن في كتاب «كشف ما ألقاه إبليس»، وابنه عبد اللطيف في كتاب «مصباح الظلام»، وذهب آخرون إلى بدعيته، وعدم كونه شركًا أكبر (٣).
* مسألة في: الاستغاثة والنذر.
الفرق بين الاستغاثة والدعاء
الاستغاثة: هي «طلب الغوث، وهو إزالة الشِّدة» (٤)، والدعاءُ أعمَّ من الاستغاثة؛ لأن الدعاءَ لما فيه مكروب، وما ليس فيه مكروب، أما الاستغاثةُ فتختص بما كان فيه مكروب.
والاستغاثة عبادة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، والاستغاثة بالمخلوق الحي فيما يقدر عليه من الأمور جائزة بغير خلاف.
стр. 40
«ويسْألُهم الشَّفاعةَ» [١]
ومن الاستغاثة ما هو شرك، ومنها ما ليس بشرك، فالأقسام السابقة في الدعاء تأتي هنا.
تعريف النذر لغة واصطلاحا
النذر: في اللغة «الإيجاب» (١).
وفي الاصطلاح: «إيجابُ مُكَلَّفٍ على نفسِه عبادةً غيرِ واجبةٍ».
والنذر لغير الله مِنْ أنواع الشرك؛ لأنَّ النذرَ عبادةٌ لا تكون إلا لله، بدليل قوله تعالى (٢): ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، فاللهُ أثنى على الموفين بالنذر، وجعله مِنْ أسبابِ دخول الجنة، ولا يكون سببًا لدخول الجنة إلا وهو عبادةٌ، وصرْفُ العبادة لغير الله «شركٌ»، مثل أن يقول: لفلانٍ عليَّ نذرٌ، أو لهذا القبر عليَّ نذرٌ … الخ.
[١] قوله ﵀: «ويسْألُهم الشَّفاعةَ»:
تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا
الشفاعة لغةً: شفعت الشيء إذا ضممته إلى الفرد.
وفي الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
أنواع الشفاعة
وللشفاعة أنواع (٣):
١ - شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف
* النوع الأول: الشفاعةُ لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ الطويل في الصحيحين (٤)، وكذا حديث أنس ﵁ المتفق