← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولماذا يزيل النجاسة؟ لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها؛ لأن إزالة النجاسة معقولة المعنى، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا زالت النجاسة زال حكمها. • الراجح: القول بأن الماء المغصوب يرفع الحدث ويزيل الخبث مع التحريم، فجهة المنع من قبل الغصب، لا من قبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، كما هو مقرر في أصول الفقه، والله أعلم. * * *

стр. 72

الباب الثالث في رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم • سبب الخلاف لدى الفقهاء: يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى أن من منع الطهارة به اعتبر ذلك إما مخالفًا لشرط الواقف، وإما لكونه ماء مباركًا. ومن أجازه اعتبر أن بركته لا تنافي التطهر به، كالطهارة من الماء النابع من أصابعه الشريفة ﷺ ، ووضوء الجيش من مزادة المرأة ببركته ﷺ ، وأن التيمم لا يجوز مع وجود مثل هذا الماء. [م-٤] اختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث، فقيل: يكره استعماله في إزالة الخبث خاصة دون رفع الحدث، وهو مذهب الحنفية، وقال به ابن شعبان من المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واعتبر الشافعية إزالة الخبث بماء زمزم خلاف الأولى (١). وقيل: لا يكره فيهما، وهو مذهب المالكية (٢).

стр. 73

وقيل: يكره فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة (١)، اختاره ابن تيمية (٢). وقيل: يحرم فيهما، حكاه بعض الفقهاء (٣)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: يحرم إزالة النجاسة فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: يستحب الوضوء من زمزم، اختاره ابن الزاغوني من الحنابلة (٦). وقيل: يكره الغسل، دون الوضوء، وهو رواية عن أحمد (٧). • دليل من منع الطهارة من ماء زمزم مطلقًا: بعضهم يُرجع المنع إلى كونه ماءً مباركًا، فيكون النهي من باب التعظيم، فقد قال الرسول ﷺ عن زمزم، كما في صحيح مسلم: إنها مباركة، إنها طعام طعم (٨). • دليل من فرق بين الغسل وبين الوضوء: أما من فرق بين الوضوء والغسل فيرجع المنع إلى مخالفة شرط الواقف. (١٢) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه، أنه سمع ابن عباس يقول وهو قائم عند زمزم، إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي

стр. 74

لشارب - أحسبه قال - ومتوضئ حل وبل. [صحيح] (١). • دليل من فرق بين رفع الحدث وإزالة الخبث: وجه هذا القول: أن الحدث ليس فيه إهانة لماء زمزم، لأنه ماء طهور، لاقى بدنًا طاهرًا، بخلاف الخبث، فإن فيه إهانة، وهو ماء مبارك ليس كسائر المياه. • دليل من جوز رفع الحدث والخبث: الدليل الأول: الأصل الحل، ولا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث. الدليل الثاني: قال الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وماء زمزم ماء طهور، فلا يجوز التيمم ولا الصلاة بالنجاسة مع وجوده.

стр. 75

الدليل الثالث: توضأ الصحابة من الماء الذي نبع من أصابع رسول الله ﷺ ، مع كونه ماءً مباركًا. الدليل الرابع: جنس المال في نفسه مطعوم، وهو من المال، ومع ذلك يزال به الخبث، والله أنزل الماء ليطهرنا ولم يفرق بين ماء وآخر، فلا يوجد ما يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم، ومن منع فعليه الدليل. الدليل الخامس: أن الطهور شطر الإيمان، واستعمال ماء زمزم في هذه القربة؛ لا ينافي التكريم، ومثله الماء إذا قرئ فيه آيات من القرآن الكريم، فاغتسل به المسلم للعلاج لم يكن ذلك إهانة للماء. الدليل السادس: أن الناس كانوا يفعلون ذلك من لدن النبي ﷺ إلى وقتنا هذا من غير نكير. جاء في مواهب الجليل: «ولم يزل المسلمون على الوضوء به بلا إنكار» (١). الدليل السابع: على التسليم بصحة النهي عن التطهر بماء زمزم، فإن النهي خطاب تكليفي يتعلق بالإثم، وأما صحة الطهارة فهو خطاب وضعي، فتصح الطهارة، قال الماوردي في الحاوي: «لو استنجى به مع حرمته أجزأه إجماعًا» (٢). وجاء في مواهب الجليل: «لا أعلم في جواز الغسل به لمن كان طاهر الأعضاء خلافا» (٣).

стр. 76

• الراجح من الأقوال: أرى الجواز له قوة، ولا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث أو إزالة الخبث، لكن إن وجد غيره في إزالة الخبث فتركه أولى، وإن لم يوجد غيره فلا مانع من إزالة الخبث به، وهو وإن كان ماءً كريمًا فبني آدم أكرم، والله أعلم. * * *

стр. 77

الباب الرابع في الماء المتغير الفصل الأول في الماء المتغير بالطاهرات المبحث الأول الماء المتغير بطاهر غير ممازج الفرع الأول التغير بغير ممازج لا يشمل اللون والطعم [م-٥] اختلف الفقهاء ﵏، هل يشمل المتغير بغير ممازج جميع أوصاف الماء من طعم ولون ورائحة أو يشمل التغير بالرائحة فقط؟ على قولين. القول الأول: قالوا: المقصود بالتغير تغير الرائحة فقط. وقد اختار هذا القول أكثر المالكية (١)، والماوردي (٢) وابن الصلاح من الشافعية (٣)،

стр. 78

وظاهر عبارة صاحب المهذب (١)، ومفهوم عبارة الشافعي في الأم (٢). واختاره من الحنابلة المجد في شرحه وتبعه صاحب الحاوي الكبير (٣). • وجه هذا القول: أن تغير اللون أو الطعم لا يتصور إلا بانفصال أجزاء واختلاطها بالماء، وبالتالي يكون التغير تغيرًا عن ممازجة ومخالطة وليس تغيرًا بالمجاورة. وقيل: إن التغير بغير ممازج يشمل الأوصاف الثلاثة، اختاره النووي من الشافعية، وقال: إنه هو الموافق لإطلاق كلام الأصحاب. بل قد صرح به أبو حامد وصاحبه المحاملي بأنه شامل لأوصاف الماء كلها (٤). • الراجح القول الأول: وهو أن التغيير لا يشمل إلا الريح فقط؛ إذ لا يتصور أن يتغير لون الماء ثم يكون تغيره عن مجاورة، وليس عن ممازجة، فالتغير بالمجاورة مقصور على الريح فقط. * * *

стр. 79

الفرع الثاني في حكم الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • تغير الماء بالطاهرات هل ينافي الإطلاق، أولا حتى يغلب على أجزائه؟ • الصحيح أن الماء إذا لم يخرج بالتغير عن اسم الماء المطلق فهو طهور، وإن تغيرت بعض أوصافه بطاهر. • مطلق التغير لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين تغيره بما يشق صون الماء عنه وبين تغيره بغيرها من الطاهرات على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع. [م-٦] اختلف العلماء في الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج كالدهن، وقطع الكافور، هل يبقى على طهوريته أو يتحول إلى طاهر؟ فقيل: طهور بلا كراهة. وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره ابن رشد وابن الحاجب من المالكية (٢)، وهو

стр. 80

مذهب الشافعية (١)، ورجحه ابن حزم (٢)، وابن قدامة (٣). وقيل: الماء طاهر، وليس بطهور، اختاره من المالكية ابن عرفة، وابن مرزوق والأجهوري (٤)، وهو وجه في مذهب الشافعية رجحه البويطي (٥)، واختاره أبو الخطاب في الانتصار (٦)، والمجد، وصاحب الحاوي الكبير من الحنابلة (٧). وقيل: طهور مكروه، وهو المشهور عند الحنابلة (٨). • دليل من قال الماء طهور بلا كراهة: الدليل الأول: الأصل في الماء أنه طهور، ومن أراد أن ينقله عن أصله طلب منه الدليل، وإلا بقي على أصله. الدليل الثاني: قدمت الخلاف في أقسام المياه، وأن وجود ماء طاهر غير مطهر لا يثبت من حيث الأدلة، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما، فكل دليل ذكرته في تلك المسألة يصلح أن يكون دليلًا لهذه المسألة، وإذا ضعف القول بوجود قسم الطاهر، فإن الماء في هذه المسألة يصبح طهورًا؛ لأن أحدًا لم يقل بأنه إذا خالطه طاهر يصبح

стр. 81

نجسًا، وإنما الخلاف هل يصبح طاهرًا أو طهورًا، والله أعلم. دليل من قال الماء طاهر غير مطهر: قالوا: إن هذا الماء قد تغير بطاهر فيكون كما لو تغير بممازج، قال أبو الخطاب: من سلم من أصحابنا أن التغير بالكافور، والعود، والدهن لا يمنع من الطهارة، قال: لأن ذلك تغير مجاورة لا مخالطة، والمانع تغير المخالطة، وهذا غير صحيح، فإن الكافور يوجد طعمه في الماء ومرارته، وكذلك طعم الدهن، وليس ذلك إلا بحصول جزء منه في الماء، ومخالطة له (١). • دليل من قال الماء طهور مكروه: قالوا إن الماء إذا تغير بغير ممازج، فإنه طهور يرفع الحدث ويزيل النجاسة، ومكروه: أي يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله. فلماذا هو طهور، وقد تغير؟ لأن التغير ليس عن ممازجة وإنما هو عن مجاورة. وقلنا: مكروه خروجًا من الخلاف؛ لأن بعض العلماء ذهب إلى أنه طاهر فقلنا إنه مكروه خروجًا من الخلاف. أن التعليل بالكراهة لوجود الخلاف قول ضعيف، وهو قد زاد من الخلاف، ولم يخفف الخلاف، لثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: دفعكم إلى القول به وجود الخلاف، فلا أنتم تمسكتم بالقول بأنه طهور بلا كراهة، ولا أنتم قلتم بأنه طاهر، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولًا ثالثًا لا لدليل دعاكم إلى القول بهذا القول، ولكن الذي دعاكم إلى هذا وجود قولين في المسألة وبدلًا من أن يصبح في المسألة قولان أصبح فيها ثلاثة أقوال: طهور مطلقًا، وطاهر، والقول الذي أحدثتموه (طهور مكروه).

стр. 82

الوجه الثاني: أن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها. الوجه الثالث: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي للزم أن كل مسألة خلافية نقول إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد. فالصحيح أن الخلاف نوعان: نوع يكون الخلاف فيه ضعيفًا جدًّا، ليس له حظ من النظر الشرعي أو العقلي فهذا نطرحه ولا نبالي. وليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر. فإذا كان الخلاف ليس له حظ من النظر الشرعي أو العقلي (الأثر أوالتعليل) فلا يراعى. النوع الثاني من الخلاف: خلاف يكون قويًا فتجد كل قول في المسألة له دليل قوي، فإن أمكن الخروج من الخلاف كان هذا من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، وإنما السبب هو احتمال الأدلة .. فهو من باب دع ما يريبك إلا ما لا يريبك. • الراجح: يتفق الفقهاء على أن الماء المتغير بطاهر لا يكون نجسًا، وإنما الخلاف هل يتحول إلى طاهر، أو يبقى طهورًا؟ وإذا كنا قدمنا أن الماء قسمان: طهور ونجس فلا وجه للقول بأن الماء طاهر، والله أعلم. * * *

стр. 83

المبحث الثاني الماء المتغير بطاهر يشق صون الماء عنه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، ولا ينتقل عن ذلك إلا بناقل صحيح صالح للاحتجاج. • مطلق التغير لا ينافي الإطلاق، كما لو تغير بمكثه أو بما يشق صون الماء عنه. • إذا كان التغير بما يشق صون الماء عنه لا ينافي الإطلاق، لم يناف الإطلاق تغير الماء بسائر الطاهرات على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع. • التغير بالطاهر لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين التغير بما يشق صون الماء وبين غيره على الصحيح، كالتغير بالنجاسة لا فرق فيها بين ما يشق، وما لا يشق. • تغير الماء بسقوط الأوراق فيه كتغيره بإسقاطها فيها، فإذا كان الأول لا يسلب الماء طهوريته، فكذلك الثاني على الصحيح؛ لأن سلب الطهورية من الأحكام الوضعية، لا التكليفية. • إذا اختلط طاهر بماء مطلق، فتغير به، فهل يسلبه الطهورية؟ أو لا حتى يغلب على أجزائه (١).

стр. 84

[م-٧] إذا كان هناك ماء قد نبت بجواره أشجار كثيرة، فإذا حركت الرياح الأشجار تساقطت تلك الأوراق في الماء، فيتغير بها، أو كان هناك ماء نبت فيه طحلب فتغير بسببه، فهنا تغير الماء بشيء طاهر وليس بنجس، وهذا الطاهر يصعب الاحتراز منه، فما حكمه؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: الماء طهور، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية والحنابلة، واختاره العراقيون من أصحاب الإمام مالك، ورجحه ابن رشد، وابن حزم، وابن تيمية، وغيرهم (١). وقيل: يسلبه الطهورية، ولا فرق في ذلك بين ما يشق التحرز منه، وما لا يشق، وهو قول الأبياني واللخمي من المالكية ووصفه ابن رشد بأنه شاذ (٢). • دليل من قال إن الماء طهور: الدليل الأول: الإجماع على طهوريته، نقله النووي (٣)، وفيه نظر؛ لأن الخلاف في المذهب المالكي محفوظ.

стр. 85

الدليل الثاني: أن التحرز منه يشق، فعفي عنه، لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]. قال أبو الخطاب: ما لا يمكن التحرز منه لا يحرج به الشرع، بل يعفو عنه كأثر الاستنجاء، والتراب القليل في الأموال الربوية، وملاقاة الماء للنجاسة قبل الانفصال، والعمل القليل في الصلاة، ويسير الدماء وغير ذلك (١). الدليل الثالث: قدمت الخلاف في أقسام المياه، وأن وجود ماء طاهر غير مطهر لا يثبت من حيث الأدلة، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما، فكل دليل ذكرته في تلك المسألة يصلح أن يكون دليلًا لهذه المسألة، والله أعلم. • دليل من قال إن الماء طاهر غير مطهر: قالوا: إذا تغير الماء بشيء طاهر فإنه يسلبه الطهورية، لا فرق بين ما يشق وما لا يشق؛ لأن العلة هي التغير بشيء طاهر وقد حصل، وذلك أن الحكم بتغير الماء حكم وضعي، فكما أن النجاسة إذا وقعت في الماء فغيرته يكون نجسًا، لا فرق بين نجاسة يشق التحرز عنها وبين غيرها، فكذلك الطاهر إذا وقع في الماء فإنه يسلبه الطهورية لا فرق بين ما يشق، وبين ما لا يشق. وهذا القول صحيح لو سلمنا أن الماء إذا تغير بشيء طاهر لا يشق التحرز منه يصبح طاهرًا، ولكن الصحيح أن الماء طهور، ولو تغير طعمه ولونه ورائحته بشيء طاهر وضع فيه ما لم يخرج عن مسمى الماء؛ لأن الماء كما قدمنا قسمان لا ثالث لهما، وقد ذكرت أحاديث كثيرة تدل على التطهر بالماء الذي تغير بشيء طاهر، مثل حديث:

стр. 86

(اغسلوه بماء وسدر) لمن وقصته ناقته، وسبق تخريجه (١)، وقوله في حديث أم عطية في تغسيل ابنته ﵂: (اغسلوها بماء وسدر) (٢)، وكون الرسول ﷺ اغتسل هو وزوجه من قصعة فيها أثر العجين، وسبق تحرير الخلاف في أن الماء قسمان، فارجع إليه غير مأمور. * * *

стр. 87

المبحث الثالث الماء المتغير بطول مكثه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • تغير الماء بطول المكث لا ينافي الإطلاق باتفاق، فيسمى ماء. • إذا كان تغير رائحة الماء بمجاورة النجاسة لا يؤثر بالماء، فتغيره بنفسه من باب أولى. [م-٨] إذا طال ركود الماء في المكان، تغير إما في لونه، أو طعمه، أو ريحه. ويسمى الماء الآجن، والآسن. فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه ماء مطلق، طهور غير مكروه (١). وقيل: يكره استعماله، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢). • الدليل على طهورية الماء الآجن . الدليل الأول: الإجماع على طهوريته، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم

стр. 88

على أن الوضوء بالماء الآجن الذي قد طال مكثه في الموضع من غير نجاسة حلت فيه جائزة إلا شيئًا يروى عن ابن سيرين (١). وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء (٢). - (١٣) وأما ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين أنه كان يكره الوضوء بالماء الآجن (٣). [وسنده صحيح] (٤). فلعل المقصود أن نفسه تكرهه؛ لأنه منتن الرائحة، لا أنها كراهة شرعية، والله أعلم. الدليل الثاني: أن تغيره جاء من غير مخالطة، فلم يخالطه شيء لا طاهر ولا نجس، والماء طهور في نفسه حتى تخالطه الأخباث العارضة، وهذا ما لم يحصل في الماء الآجن. وأما ما يروى عن النبي ﷺ وأنه توضأ بماء آجن، فهذا الحديث يذكره الفقهاء كصاحب المبدع، والروض، ولا يذكرون من خرجه، ولم أجده في كتب السنة من السنن والمسانيد والمعاجم، وقد ذكر ابن قاسم النجدي في حاشيته بأنه رواه البيهقي، وبالرجوع إلى البيهقي لم أجده بهذا اللفظ، وإليك ألفاظه: (١٤) فقد روى البيهقي، من طريق عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود،

стр. 89

عن عروة في قصة أحد وما أصاب النبي ﷺ في وجهه، قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مجنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فقال رسول الله ﷺ هذا ماء آجن، فمضمض منه، وغسلت فاطمة عن أبيها الدم (١). [ضعيف] (٢). (١٥) وروى البيهقي أيضًا، من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، قال: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه، وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه ﷺ (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 90

(١٦) وقال ابن المنذر: احتج إسحاق بحديث روي عن الزبير بن العوام، قال إسحاق: أنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مصعدين في أحد، قال: ثم أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأتى المهراس، فأتى بماء في درقته، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فغسل به الدماء التي في وجهه، وهو يقول: اشتد

стр. 91

غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ﷺ ، وكان الذي أدمى وجه رسول الله ﷺ يومئذ عتبة بن أبي وقاص. قال إسحاق: ففي ذلك بيان على أنه طاهر، ولولا ذلك لم يغسل النبي ﷺ الدم به (١). [ذكره ابن المنذر معلقًا، وسبق تخريجه في الحديث السابق]. وإذا ثبت أنه ليس بنجس، فإنه طهور؛ لأن الماء إما طهور وإما نجس، ولا ثالث لهما كما تبين من الخلاف السابق عند الكلام على أقسام الماء، والله أعلم. الدليل الثالث: إذا كان تغير الطعام بنفسه لا يمنع ذلك من أكله إلا أن يمنع ذلك من جهة الطب، فتغير الماء من باب أولى لا يمنع من استعماله، لسببين: أحدهما: أن الأكل استعمال داخلي، فلو كان يمنع لمنع من الأكل بخلاف استعمال الماء فإنه استعمال خارجي. الثاني: أن الماء يدفع عن غيره، فكونه يدفع عن نفسه من باب أولى، بخلاف الطعام. * * *

стр. 92

المبحث الرابع في الماء المالح الفرع الأول في تغير الماء بملح موضوع فيه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: هذه المسألة فرع من مسائل كثيرة مر ذكر بعضها، كتغير الماء ببعض الطاهرات، وذكرنا ضوابط هذه المسألة، ونعيد ذكر بعضها. • الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، ولا ينتقل عن ذلك إلا بناقل صحيح صالح للاحتجاج. • الماء إذا تغير بالملح ألحق بماء البحر على الصحيح. • مطلق التغير بالطاهر لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين تغير وآخر على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع كالتغير بالنجاسة. [م-٩] اختلف العلماء في الماء المتغير بالملح: فقيل: طهور مطلقًا، سواء كان الملح مائيًا أو معدنيًا، طرح قصدًا أو من غير قصد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مذهب الشافعية (١)، واختاره

стр. 93

ابن تيمية (١). وقيل: إن تغير بملح مائي فهو طهور، وإن تغير بمعدني فطاهر غير مطهر، وهذا ما عليه أكثر أصحاب الإمام الشافعي (٢).

стр. 94

وقيل: إن تغير بملح مائي فهو طهور مكروه، وإن تغير بمعدني فهو طاهر، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (١). وقيل: إن طرح فيه الملح قصدًا سلبه الطهورية، وإلا فلا، وهو قول في مذهب المالكية اختاره ابن يونس، ووجه في مذهب الإمام أحمد (٢). • دليل من قال الماء طهور: الدليل الأول: (١٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال فأوقصته - قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (٣).

стр. 95

الدليل الثاني: (١٨) ما رواه البخاري، من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (١). وجه الاستدلال من الحديثين: أن السدر إذا أضيف إلى الماء لا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي إذ لا فرق، وإذا كان السدر لم يسلب الماء الطهورية لم يسلبه الملح من باب أولى. الدليل الثالث: (١٩) ما رواه أحمد، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٢). [صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري ومسلم وليس فيه ذكر للعجين] (٣). وجه الاستدلال: أن هذا الماء لا بد أن يتغير من العجين لا سيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي ﷺ وزوجه، فدل هذا على أن الماء إذا تغير

стр. 96

بشيء طاهر يبقى طهورًا، ولا يتحول إلى طاهر غير مطهر (١). • ويجاب: بأن الحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر العجين، ولو كان ذكر العجين محفوظًا، فهو لم يغتسل بإناء فيه عجين، وإنما اغتسل بإناء فيه أثر العجين، وأثر العين غير العين، فهو مقدار يسير جدًّا قد لا يبلغ ما يغير لون الماء، والله أعلم. الدليل الرابع: إثبات قسم من الماء لا طهور ولا نجس، الحاجة إلى بيانه أشد من الحاجة إلى بيان كثير من الآداب والأحكام؛ لأن المسألة: إما أن يتوضأ، وإما أن يتيمم. والأمر تتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلو كان هذا القسم موجودًا لبينه الرسول ﷺ . وهذا القول هو الراجح. • دليل من فرق بين الملح المائي والمعدني: قالوا: تغير الماء بالملح المائي يشبه تغيره بالتراب؛ وذلك لأن الملح منعقد من الماء، فيكون حكمه حكم الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء فما دام ملحًا لا يجوز الوضوء به، فإذا صار ماء عاد عليه اسم الماء، ولا يضره تغير طعمه به؛ لأن الملح منه. وأما الملح المعدني فلم يكن قط ماء، فإذا تغير الماء به يكون حكمه كما لو تغير بالطعام، فلا تصح الطهارة منه. والصحيح أن الملح المعدني إذا وقع في الماء فغير أحد أوصافه فإنه ماء، فالماء المالح يسمى ماء على الإطلاق، وإذا كان الماء المالح كالبحر لم يمنع أن يسمى ماء، وتصح الطهارة منه، فكذلك الماء إذا وضع فيه الملح فغير طعمه لا يمنع أن يسمى ماء، ولا يتحول عنه اسم الماء بمجرد أن طعمه تغير بالملح، وسوف نبحث إن شاء الله تعالى حكم الماء إذا تغير بشيء طاهر في مسألة مستقلة.

стр. 97

• وجه قول من قال طهور مكروه: لماذا هو طهور وقد تغير؟ لأنه تغير بشيء منعقد من الماء. ولماذا هو مكروه؟ قالوا: لأن بعض العلماء يقولون عنه بأنه طاهر فخروجًا من الخلاف، قلنا بالكراهة. وقد سبق أن الكراهة بسبب وجود الخلاف قول ضعيف جدًّا، وهي تختلف عن مراعاة الخلاف، أو الخروج من الخلاف. • وجه من قال إن وضع قصدًا سلبه الطهورية: قالوا: لما فارق الملح الأرض أصبح طعامًا لا يجوز التيمم عليه، فصار حكمه حكم ما لو وضع فيه شيء طاهر (١). والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، ويضاف إليه: أن القصد نية متعلقة بالقلب، وليست متعلقة بالماء، والقلب أجنبي عن الماء، فكما أنه لا تؤثر النية في تغير الماء بالنجاسة، فإذا تغير بالنجاسة نجس، سواء كان عن قصد أو غير قصد، فكذلك وقوع الشيء الطاهر بالماء لا تؤثر فيه النية، فإن كان يسلب الماء الطهورية سلبه مطلقًا عن قصد أو عن غير قصد، وإذا كان لا يسلبه فكذلك. فقيد القصد قيد ضعيف، والله أعلم. • الراجح من الخلاف: كما قدمت أن الماء طهور مطلقًا سواءً تغير بالملح المائي أو المعدني، وسواءً وضع فيه عن قصد أو عن غير قصد، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما. * * *

стр. 98

الفرع الثاني الخلاف في طهورية ماء البحر ضابط المسألة عند الفقهاء: • الماء المطلق هو الماء الباقي على أصل خلقته، ومنه ماء البحر. [م-١٠] في طهورية ماء البحر خلاف شاذ، يلزم ذكره عند الكلام على طهورية ماء البحر؛ ليعلم أن المسألة ليست إجماعًا. فقيل: ماء البحر طهور، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال جمهور الصحابة (١). وقيل: يكره التطهر بماء البحر، وهو مروي عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وبه يقول سعيد بن المسيب فيما حكي عنه (٢).

стр. 99

• دليل الجمهور: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. وجه الاستدلال: كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، إلا ما خصه الدليل، وماء البحر لم يستثن، بل الثابت جواز الوضوء منه. الدليل الثاني: إذا كان طعام البحر، وصيده حلالًا لنا، فيلزم منه أن يكون ماؤه طهورًا، فكيف يكون الطعام حلالًا والماء ليس بطهور، قال : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة: ٩٦]. الدليل الثالث: (٢٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (١). [الحديث صحيح، وسبق تخريجه] (٢). الدليل الرابع: القياس على الماء العذب، فإن كلًا منهما باق على أصل خلقته التي خلقه الله عليها، ولم يتغير لونه أو ريحه أو طعمه.

стр. 100

الدليل الخامس: حكى بعضهم الإجماع على طهوريته، وفي الإجماع نظر: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم يتغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا (١)، أنه بحاله، ويتطهر منه (٢). وقال ابن جزي من المالكية: الماء المطلق، وهو الباقي على أصله، فهو طاهر مطهر إجماعًا، سواء أكان عذبًا أو مالحًا، أو من بحر أو سماء أو أرض (٣). • دليل من قال لا يتطهر بماء البحر: الدليل الأول: (٢١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن هشام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء، ولا جنابة، إن تحت البحر نارًا، ثم ماء، ثم نارًا (٤). [صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا بالنهي عن ركوب البحر، ولا يصح] (٥).

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 102

وجه الاستدلال: قالوا: إن البحر طبق جهنم، وما كان طبق سخط، لا يكون طريقًا للطهارة والرحمة، وقياسًا على نهي النبي ﷺ عن الوضوء بماء ثمود (١). • وأجيب: أولًا: أن هذا الأثر الموقوف مخالف للحديث المرفوع: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته، والمرفوع يقضي على الموقوف. ثانيًا: قال ابن قدامة: قولهم: هو نار، إن أريد به أنه نار في الحال، فهو خلاف الحس، وإن أريد أنه يصير نارًا لم يمنع ذلك من الوضوء به في حال كونه ماء (٢).

стр. 103

الدليل الثاني: (٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة ابن صهبان، قال: سمعت ابن عمر يقول: التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر (١). [إسناده صحيح، ولا حجة في موقوف خالف مرفوعًا] (٢). الدليل الرابع: (٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: ماءان لا يجزيان من غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام (٣). [إسناده ضعيف] (٤). • الراجح: صحة الوضوء بماء البحر، ويعتبر الخلاف شاذًّا ومهجورًا. * * *

стр. 104

المبحث الخامس إذا تغير الماء بشيء طاهر الفرع الأول الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: هذه المسألة فرع من مسائل كثيرة سبق ذكر بعضها وهو تغير الماء ببعض الطاهرات، وسبق أن ذكرنا ضوابط هذه المسألة، ونعيد ذكر بعضها. • حكم الماء المتغير حكم مغيِّره، فإن كان بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير كالتراب لم يسلبه واحدة منها، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير كالتغير بالطاهرات لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير، أولا حتى يغلب على أجزائه؟ • الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، خرج الماء المتغير بالنجاسة بالإجماع وبقي ما عداه. • التغير بالطاهر لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين التغير بما يشق صون الماء وبين غيره من التغيرات على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع، كالتغير بالنجاسة، لا فرق فيها بين ما يشق وما لا يشق. • اختصاص الماء بالطهورية، هل هو تعبد لا يعقل معناه، أو لاختصاصه بنوع من الرقة واللطافة والنفوذ؟

стр. 105

سبق أن بحثنا ثلاث مسائل في تغير الماء الطهور بشيء طاهر. الأولى: تغير الماء بطاهر يشق الاحتراز منه. الثانية: تغير الماء بطاهر لا يمازج الماء. الثالثة: تغير الماء بطاهر أصله منعقد من الماء كالتغير بالملح المائي. وهذه هي المسألة الرابعة: وهو تغير الماء بطاهر ممازج للماء يمكن التحرز منه، ولم يكن ملحًا. [م-١١] فاختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: الماء طاهر غير مطهر، صالح للأكل والشرب، ولا يرفع به حدث، ولا يزال به نجاسة، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وقيل: طهور يرفع الحدث، ويزيل النجاسة، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم، ورجحه ابن تيمية (٢).

стр. 106

• دليل الجمهور على أن الماء طاهر: الدليل الأول: استدلوا من القرآن بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. وجه الاستدلال: الماء ورد في الآية مطلقًا لم يقيد بشيء، والماء المطلق هو الماء الباقي على خلقته. أما الماء المتغير فلا يسمى ماء مطلقًا، إنما يضاف إلى تلك المادة التي يتغير بها كماء ورد أو زعفران أو ماء غريب، أو ماء مستعمل ونحو ذلك. إذًا دلت الآية على أن الطهارة بالماء المطلق، فإن لم يوجد انتقلنا إلى التيمم (١). الدليل الثاني: من النظر، قال ابن العربي: «المخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه جميعًا: الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، لم يسلبه وصفًا منهما، لموافقته له فيهما، وهو التراب. وضرب يوافق الماء في إحدى صفتيه، وهي الطهارة، ولا يوافقه في صفته الأخرى، وهي التطهير، فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه، وهو التطهير، دون ما وافقه، وهي الطهارة، كماء الورد، وسائر الطهارات. والضرب الثالث: مخالفته في الصفتين جميعًا، وهي الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، سلبه الصفتين جميعًا، لمخالفته له فيهما، وهو النجس» (٢). • دليل من قال الماء طهور الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ

стр. 107

أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. وجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكرة فى سياق النفى فتعم كل ماء سواء كان مطلقًا أومقيدًا، متغيرًا أو غير متغير، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقي ما عداه على أنه طهور (١). وقال ابن المنذر: قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (٢). الدليل الثاني: (٢٤) ما رواه أحمد من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٣). [صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري ومسلم وليس فيه ذكر للعجين] (٤). فهذا ماء وقع فيه عجين، ولا بد أن يتغير الماء خاصة إذا قل الماء وانحل العجين، ومع ذلك لم يمنع من التطهر به. • وأجيب: بأن الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر للعجين، ولو كان ذكر العجين محفوظًا، فهو لم يغتسل بإناء فيه عجين، وإنما اغتسل بإناء فيه أثر العجين، وأثر العين غير العين، فهو مقدار يسير جدًّا قد لا يبلغ ما يتغير به لون الماء، والله أعلم.

стр. 108

الدليل الثالث (٢٥) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال فأوقصته- قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (١). الدليل الرابع: (٢٦) ما رواه البخاري، من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن السدر أضيف إلى الماء، ولا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي؛ إذ لا فرق. الدليل الخامس: من الآثار (٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس، قال: يجزئه أن لا يعيد على رأسه الغسل - يعني إذا غسل رأسه بالخطمي.

стр. 109

[إسناده صحيح] (١). الأثر الثاني: (٢٨) روى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع، قال عبد الله: من غسل رأسه بالخطمي، وهو جنب، فقد أبلغ الغسل. [إسناده حسن] (٢).

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →