ولكن معناه: أي غير سالم من العيوب: الخَلْقِية وغير الخلقية.
وممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك (١).
القول الخامس: في معنى مخلقة وغير مخلقة.
معنى ذلك المضغة مصورة إنسانًا، وغير مصورة، فإذا صورت فهي مخلقة، وإذا لم تصور فهي غير مخلقة: وهو السقط.
ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره من ثلاثة طرق، عن مجاهد، وحكاه عن عامر الشعبي، وعن أبي العالية (٢).
والفرق بينه وبين القول الأول: يتفقان أن كلا منهما كان سقطًا، إلا أن القول الأول حده بالنطفة إذا سقطت، وهذا لم يقيده، فهذا القول أعم منه. والله أعلم.
رجح ابن جرير هذا القول، فقال: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: المخلقة: المصورة خلقًا تامًا، وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقًا سويًا إلا التصوير، وذلك هو المراد من قوله: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥]، خلقًا سويًا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة، ولا تصوير، ولا ينفخ فيها الروح (٣).
ورد هذا الشنقيطي ﵀، فقال: «هذا القول الذي اختاره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك، وهي قوله جل وعلا في أول الآية: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) ولأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم
стр. 4657
من مضغة غير مخلقة، وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى فافهم.
فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الحج: ٥] يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط، فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف يشاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم) الآية لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتًا ولو بعد التشكيل والتخطيط لم يخلق الله منه إنسانًا واحدًا من المخاطبين بقوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كلًا من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين، بقوله: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ) الآية [الحج: ٥]، وبذلك تعلم أن أولى الأقوال بالآية هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره، وهو أن المخلقة هي التامة وغير المخلقة هي غير التامة» (١).
ولا يترجح لي ما رجحه الشيخ ﵀، فالذي يظهر لي أن المخلقة هي المصورة، التي ظهر فيها التخطيط، وغير المخلقة التي لا تخطيط فيها، وهي مرحلة يمر بها الجنين، ولا يلزم منه أن يكون سقطًا حتى نعترض على هذا التفسير بما ذكره الشنقيطي. فقد لا يسقط ويكون الله خلقنا من المضغة قبل تخليقها، كما خلقنا من النطفة والعلقة التي لا تخليق فيها. والله أعلم.
стр. 4658
• رأي الطب في معنى مخلقة وغير مخلقة:
مر معنا مرحلة النطفة الأمشاج، ثم العلقة: والتي فسرناها طبيًا: بما يعلق في جدار الرحم فيما بين اليوم السادس والسابع منذ التلقيح. وفي اليوم العشرين أو الحادي والعشرين تبدأ بالظهور كتلة بدنية على جانبي المحور، ثم يتولى ظهورها تباعًا فيما يعرف بالكتل البدنية وتتولى هذه الكتل بالظهور حتى ليبلغ عددها عند اكتمالها ٤٢ إلى ٤٥ كتلة على كل جانب من القمة إلى المؤخرة، ولا يكاد ظهورها يكتمل حتى تبدأ الكتل التي في القمة تتمايز بحيث لا تكون جميع الكتل في مستوى واحد.
ويتضح أمامنا أن المضغة somites أو الجنين ذا الكتل البدنية من اليوم العشرين أو الحادي والعشرين، وتستمر في الظهور إلى اليوم الثلاثين حيث يكون هناك ٢٨ كتلة بدنية على كل جانب، ولا تكاد تظهر كتل جديدة حتى تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاع عظمي، وقطاع عضلي، وقطاع جلدي.
وهكذا نرى الأسبوع الرابع (٢١ - ٣٠) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتل البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسي العظام بالعضلات.
فتكون مرحلة التخلق قد ظهرت عند تمام أربعين أو اثنين وأربعين يومًا، وهذا التقدير يتفق مع حديث حذيفة بن اليمان ﵁ في مسلم، وسوف نذكره إن شاء الله تعالى.
يقول الدكتور البار: وقد كان المفسرون القدامى يصفون المضغة بأنها مقدار ما يمضغ من اللحم، وقد ذهبت إلى ذلك في الطبعة الأولى .. ولكني بعد إعادة النظر والمناقشة أرى الآن أن وصف المضغة ينطبق تمام الانطباق على مرحلة الكتل البدنية، إذ يبدو الجنين فيها وكأن أسنانًا انغرزت فيه ولاكته، ثم قذفته (١).
هذا فيما يتعلق بالآيات، بقي أن نستعرض الأحاديث التي ذكرناها.
(٢٠٣١ - ٤٩١) منها حديث ابن مسعود رواه البخاري من طريق الأعمش عن زيد بن وهب،
قال عبد الله: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق- قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة (١).
قال الحافظ في الفتح: «حديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كل طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح» (٢).
стр. 4661
بينما حديث حذيفة في مسلم ظاهره يعارض حديث ابن مسعود. فبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة،
(٢٠٣٢ - ٤٩٢) فقد روى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه،
أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ : يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (١).
ومر معنا رأي الأطباء بما يوافق حديث حذيفة. فقد ذكرنا عن الأطباء أن النطفة الأمشاج تبقى إلى اليوم السادس، ففي اليوم السادس أو السابع تتحول إلى علقة، بحيث تعلق في جدار الرحم.
وفي الاسبوع الرابع (٢١ - ٣٠) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتل البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسى العظام بالعضلات. وهكذا يبقى في الرحم جنينًا مخلقًا في الأسبوع السابع (٢).
стр. 4662
يقول الدكتور محمد البار: في نهاية الأسبوع السادس (٤٢) يومًا تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، فيكون دخول الملك في هذه الفترة تنويهًا بأهميتها، وإلا فللملك ملازمة ومراعاة بالنطفة الإنسانية في كافة مراحلها ... نطفة وعلقة ومضغة، ودخوله هنا لتصويرها، وشق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم بعد ذلك يحدد جنس الجنين ذكرًا أم أنثى بحسب ما يؤمر به، فيحول الغدة إلى خصية أو إلى مبيض ... والدليل على ذلك ما يشاهد في السقط حيث لا يمكن تمييز الغدة التناسلية قبل انتهاء الأسبوع السابع، وبداية الثامن: أي أنه لا يمكن تمييزها قبل دخول الملك لتحديد جنس الجنين ذكرًا أم أنثى كما يؤمر به من خالقها (١).
стр. 4663
• موقف العلماء من حديث حذيفة وحديث ابن مسعود:
إما الترجيح وإما الجمع:
قال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، يعني حديث حذيفة، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها ... إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة. اهـ (١).
قال ابن الصلاح: «أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد، إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئمًا مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معًا، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما بأن يحمل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين
стр. 4664
الثانية، فصورها، فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مضغة، فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظًا وكتابة، لا فعلًا، أي يذكر كيفية تصويرها، ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكرًا أو أنثى إنما يكون عند المضغة.
وقال ابن حجر متعقبًا: «وقد نوزع في أن التصوير حقيقة إنما يقع في الأربعين الثالثة بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر من الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدئ به الملك تصوير ذلك لفظًا وكتبًا، ثم يشرع فيه فعلًا عند استكمال العلقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ويكون بقي في حديث حذيفة أنه ذكر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة (١)، فيقوي ما قاله عياض ومن تبعه» (٢).
قال ابن القيم في التبيان: فإن قيل: قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة، وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما أخبر به الوحي من ذلك. فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ ، قال:
يدخل الملك في النطفة بعد أن تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، أي رب، ذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم يطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص.
قيل: نتلقاه بالقبول والتصديق، وترك التحريف، ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حق، قاله الصادق ﷺ ، وهذا تقدير بعد تقدير.
стр. 4665
فالأول: تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق، التي هي أول مراتب الإنسان. وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق.
والتقدير الثاني: تقدير عند كمال خلقه ونفخ الروح، فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره، وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره، وهذا أحسن من جواب من قال: إن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة، وهذا بعيد جدًّا من لفظ الحديث، ولفظه يأباه كل الإباء، فتأمله.
فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم،
(٢٠٣٣ - ٤٩٣) فقد روى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي، أن عامر بن واثلة حدثه،
أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيرهـ فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ : يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (١).
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين، يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ أسوي أم غير سوي؟ ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ وما أجله؟ وما خلقه؟
стр. 4666
ثم يجعله الله شقيًا أم سعيدًا.
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا: «أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه.
قيل: نتلقاه أيضًا بالتصديق والقبول، وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء من أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين (١).
فإن قيل: فكيف توفقون بين هذا، وبين حديث ابن مسعود، وهو صريح في أن النطفة: أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة .. ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيها، ولا جلد، ولا لحم، ولا عظم ... وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء؛ فإن قول النبي ﷺ معصوم، وقولهم عرضة للخطأ، ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم ..
قيل: لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة، وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة. وخطأ هذا ابن القيم، ثم قال: وظنت طائفة أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي. والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية، ولكن هناك تصويران:
أحدهما: تصوير خفي، لا يظهر، وهو تصوير تقديري، كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب: مواضع القطع، والفصل، فيعلم عليها، ويضع مواضع الفصل والوصل، وكذلك كل من يضع صورة في مادة لاسيما مثل هذه الصورة .. ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئًا بعد شيء، لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة.
стр. 4667
أحدهما تصوير وتخليق علمي، لم يخرج إلى الخارج.
الثانية: مبدأ تصوير خفي، يعجز الحس عن إدراكه.
الثالثة: تصوير يناله الحس، ولكنه لم يتم بعد.
الرابعة: تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح.
فالمرتبة الأولى علمية .. والثلاث الأخر عينية.
وهذا التصوير بعد التصوير، نظير التقدير بعد التقدير .. فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرًا عامًا قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. وهنا كتب الشقاوة والسعادة والأعمال والأرزاق والآجال.
والثاني تقدير بعد هذا، وهو أخص منه. وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض ﵎ أهل السعادة بيمينه، وقال: هؤلاء إلى الجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى، وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون.
والثالث: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه عندما يمنى به، كما في حديث حذيفة ابن أسيد المذكور.
والرابع: تقدير آخر بعد هذا .. وهو عندما يتم خلقه وينفخ فيه الروح، كما صرح به الحديث الذي قبله يعني: حديث ابن مسعود (١).
وفي الفتح: «وقال بعضهم يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يقسم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدر ذلك كله قبل وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة.
стр. 4668
وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره» (١).
وذهب بعضهم إلى أن قوله: مخلقة وغير مخلقة صفة للنطفة، وليست للمضغة، روي ذلك عن ابن مسعود بسند صحيح.
(٢٠٣٤ - ٤٩٤) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكًا، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دمًا، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفتها ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ ، قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها (٢).
هذا ما تيسر لي جمعه من أقوال أهل العلم في الجمع بين حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة. والله أعلم.
* * *
стр. 4669
الفصل الثالث
في حكم الدم النازل مع الولادة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل دم خرج بسبب الولادة، معها، أو قبلها بيسير، متصل بها، فهو نفاس.
[م-٨٠١] اختلف العلماء في الدم الخارج مع الولادة.
فقيل: لا يعتبر نفاسًا مطلقًا. وهو قول محمد وزفر من الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يعتبر نفاسًا مطلقًا. وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥).
стр. 4670
وقيل: إن خرج أكثر الولد اعتبر نفاسًا، وإلا فلا، وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنفية (١).
• دليل من لم يعتبره نفاسًا:
الدليل الأول:
قالوا: لم نجعله نفاسًا؛ لأنه ما لم ينفصل جميع الولد فهي في حكم الحامل، ولهذا يجوز للزوج رجعتها، فصار كالدم الذي تراه في حال الحمل (٢).
الدليل الثاني:
أن دم النفاس دم رحم، ودم الرحم لا يوجد من الحامل؛ لأن الحبل يسد فم الرحم؛ لأن الله تعالى أجرى عادته بذلك لئلا ينزل ما فيه، لكون الثقب من أسفل (٣).
• تعليل من قال بأنه دم نفاس:
التعليل الأول:
قالوا: بأنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا كالخارج بعده، وإنما يعلم خروجه إذا كان قريبًا منها، ويعلم ذلك برؤية أماراتها من المخاض ونحوه في وقته (٤).
التعليل الثاني:
قالوا: إن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم بخروج النفس الذي هو الدم، وفي المصباح المنير، قال عن النفاس: «مأخوذ من النَّفس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نفس له سائلة: أي: لا دم له يجري، وسمي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة
стр. 4671
الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا» (١).
ومنه قول الرسول ﷺ أنفست؟ لدم الحيض. وسبق الكلام على ذلك.
واعترض على ذلك بأن النفاس مأخوذ من خروج النَّفْس، الذي هو الولد
(٢٠٣٥ - ٤٩٥) فقد روى البخاري من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتب شقية أو سعيدة. فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة ثم قرأ: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى) الآية. وأخرجه مسلم (٢).
وعندي لا مانع أن يكون النفاس مأخوذًا من الاثنين معًا.
• تعليل من اشترط خروج أكثر الولد:
التعليل الأول: أن الأكثر له حكم الكل، فكان خروج أكثر الولد في حكم خروجه كله.
التعليل الثاني: أن بقاء الأقل لا يمنع خروج الدم من الرحم (٣).
• القول الراجح:
الذي يظهر لي والله أعلم أن الدم يعتبر نفاسًا إذا خرج مع الولد بسبب الولادة،
стр. 4672
فإذا نزل المخاض بالمرأة فإن الرحم ينفتح شيئًا فشيئًا، فيخرج الدم من المرأة ويستمر، ويتصل بالدم الخارج بعد الولادة، فهما دم واحد، وكلاهما خرج من الرحم، إلا أن الذي يعكر على هذا الترجيح ما قرره الطب، فإن كان ما قرره الطب حقيقة مسلمة بينهم سلمنا لهم، وإن كان بينهم خلاف في هذا فإني على ما ترجح لدي والله أعلم
جاء في وقائع الندوة الثالثة للفقه الطبي، المنعقدة في الكويت وقد عرف الأطباء النفاس: «بأنه الفترة التي تعقب الولادة، وتحدث أثناءها بعض التغييرات لعودة الجهاز التناسلي إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل.
وسائل النفاس: هو عبارة عن الإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، ويكون عبارة عن دم في أول أربعة أيام، ثم يفتح لونه، وتقل كمية الدم حتى يصبح عبارة عن مخاط، لا لون له بعد عشرة أيام» (١).
والأصل في النفاس تمزق جدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه بعد أن تحول أثناء فترة الحمل إلى ما يسمى Decidua، وهو مماثل تمامًا لجدار الرحم في النصف الثاني من الحمل، ولكن بكثافة أكثر، وكذلك خروج أنسجة أخرى خصوصًا من مكان المشيمة ـ التي تقع أعلى الرحم أثناء التئام ذلك المكان.
وفي نفس الوقت يتكون جدار وظيفي جديد من جدار الرحم الأساسي ليحل مكان جداره السابق ذكره.
ومكونات دم النفاس هي خلايا جدار الرحم، وكرويات دم بيضاء، ومكونات الدم الأخرى، ويكون أحمر في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجيًا حتى يصبح سائلًا أبيض مائلًا للاصفرار في الأسبوع الثالث أو الرابع، ومكوناته كرويات الدم البيضاء على الأكثر.
стр. 4673
بعد هذا التمزق لجدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه يستبدل جدار جديد به بعد أربعة أسابيع من الولادة غير أنه لا يكتمل رجوع جميع الأعضاء التناسلية إلى حجمها الطبيعي، ونزول العادة الشهرية -لدى المرأة غير المرضعة ورجوع الجسم إلى حالته- إلا بعد ستة أسابيع من نزول الولد في الغالب (١).
ويقول بعض الأطباء: «يعرف دم النفاس وما يتبعه من إفرازات في الطب: بأنه الدم والإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، وتستمر لمدة ثلاثة أو أربعة أسابيع. وقد تطول إلى ستة أسابيع (أربعين يومًا).
وفي الأيام الثلاثة أو الأربعة يكون الدم قانيًا، وغليظًا ومحتويًا على جلطات (دم متجمد) ثم يخف تدريجيًا بعد ذلك، ثم يصير بني اللون، مختلطًا بمادة مخاطية .. وأخيرًا تظهر القصة البيضاء» (٢).
فبناء على هذا التقرير الطبي يكون النفاس هو الدم النازل بعد فراغ الرحم من الولد، فعند فراغ الرحم ينهدم الجدار الوظيفي للرحم، فينزل على شكل دم في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجيًا حتى ينقطع. والله أعلم.
* * *
стр. 4674
الفصل الرابع
في الدم الذي تراه الحامل قبل الولادة
[م-٨٠٢] اختلف العلماء في الدم الخارج قبل الولادة:
فقيل: لا يعتبر نفاسًا، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: إن خرج الدم قبل الولادة بيوم أو يومين ومعه طلق (٤)، كان نفاسًا، وإلا فلا.
стр. 4675
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
• أدلة الجمهور على أن الدم قبل الولادة لا يعتبر نفاسًا:
أدلتهم في هذه المسألة هي أدلتهم في استدلالهم في أن الدم الذي يخرج مع الولادة لا يعتبر نفاسًا، وقد سقت أدلتهم في المسألة التي قبل هذه. فإذا كان الدم الذي مع الولادة لا يعتبر نفاسًا، فما بالك بالدم الذي قبل الولادة.
• دليل الحنابلة على أن الدم قبل الولادة بيوم أو يومين نفاس:
استدلوا بقولهم: إنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا كالخارج بعده، وإنما يعلم خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبًا منها، ويعلم ذلك برؤية أماراتها من المخاض ونحوه في وقته، وأما إن رأت الدم من غير علامة على قرب الوضع لم تترك له العبادة؛ لأن الظاهر أنه دم فساد. فإن تبين كونه قريبًا من الوضع كوضعها بعده بيوم أو يومين أعادت الصوم المفروض إن صامته فيه (٢).
* * *
стр. 4676
الفصل الخامس
في النقاء المتخلل بين الدمين
[م-٨٠٣] اختلف العلماء في النفساء تطهر، ثم يعود الدم قبل انتهاء مدة النفاس.
القول الأول: في مذهب الحنفية قولان:
أحدهما: أن الطهر والدم نفاس (١).
وجهه: أن الطهر المتخلل في الأربعين لا يعتبر فاصلًا، فلو رأت ساعة دمًا، وأربعين إلا ساعتين طهرًا، ثم ساعة دمًا كان الأربعون كله نفاسًا.
الثاني: إن كان الطهر أقل من خمسة عشر يومًا كان الجميع نفاسًا وإن كان الطهر خمسة عشر يومًا فصاعدًا، يكون الأول نفاسًا، والثاني حيضًا إن أمكن وإلا كان استحاضة، وهو رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة (٢)، واختيار أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٣).
стр. 4677
القول الثاني:
مذهب المالكية في النفاس المتقطع ، نحو مذهبهم في الحيضة المتقطعة (١).
قالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يومًا فالدم الثاني حيض مستأنف، والأول نفاس.
وإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يومًا ثم تطهر يومين ثم يأتيها يومًا آخر وهكذا، فإنها تلفق من أيام الدم ستين يومًا، وتلغي أيام الانقطاع، وتغتسل كلما انقطع، وتصوم وتصلي وتوطأ (٢).
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أن المرأة إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء فلها حالان:
الأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز ستين يومًا:
الثاني: أن يجاوز التقطع ستين يومًا.
الحال الأولى: إذا لم يجاوز ستين يومًا (٣)، نظر: فإن لم يبلغ مدة النقاء بين الدمين أقل الطهر: وهو خمسة عشر يومًا: ففيه قولان مشهوران.
أحدها: أن أيام الدم نفاس، وأيام النقاء طهر.
التعليل: لأن الدم إذا دل على النفاس، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق.
الثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها نفاس. ويسمى قول السحب واختلف
стр. 4678
الشافعية في الأصح منهما.
قال النووي: «صحح الأكثرون قول السحب» (١).
وقال الماوردي: «الذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء» (٢).
قلت: وحكم النفاس عندهم حكم الحيض في هذه المسألة.
ووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه نفاسًا، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء نفاسًا لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون المدة كلها نفاسًا، يحرم عليها في أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الدم.
أما إذا بلغت مدة النقاء أقل الطهر خمسة عشر يومًا فصاعدًا، ثم عاد الدم.
فالأصح أن العائد دم حيض، والأول نفاس، وما بينهما طهر؛ لأنهما دمان تخللهما طهر كامل، فلا يضم أحدهما إلى الآخر كدمي الحيض.
والوجه الثاني: أنه نفاس، لوقوعه في زمن الإمكان، كما لو تخللهما دون خمسة عشر يومًا، وأما النقاء المتخلل ففيه قولان: أحدهما أنه طهر. والثاني: أنه نفاس.
الحال الثاني: أن ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء ويتجاوز ستين يومًا، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: «هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين» (٣). وقد تكلمنا عن أحكام المستحاضة في باب مستقل، فارجع إليه إن شئت (٤).
стр. 4679
القول الرابع:
في المذهب الحنبلي روايتان:
الأولى: وهي المشهورة من المذهب الحنبلي أنه مشكوك فيه، تصوم وتصلي، وتقضي الواجب (١).
• وجه كونه مشكوكًا فيه:
أنه تعارض فيه أمارتان، دم نفاس ودم فساد.
الرواية الثانية: أنه دم نفاس (٢).
القول الخامس:
قال أبو ثور: إذا رأت النفساء الطهر والنقاء، فهو طهرها، فإن عاودها الدم بعد أيام، فهو دم فساد، ليس بحيض ولا نفاس، فإن رأت بعد خمسة عشر يومًا دمًا يومًا وليلة، فهو حيض (٣).
• الراجح من هذه الأقوال:
ما رجحناه في باب الحيض نرجحه هنا، وأن الانقطاع اليسير لا يلتفت إليه؛ لأن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، أما إذا كان انقطاع الدم طويلًا كاليوم واليومين والثلاثة فإننا نحكم بطهارتها، فإذا عاد الدم في زمن الأربعين فإن وافق زمن عادتها فهو حيض، وإن لم يوافق فإنه نفاس. والله أعلم.
* * *
стр. 4680
الفصل السادس
في المرأة تلد ولم تر دمًا
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• موجب الغسل في النفاس نزول الدم لا خروج الولد، فلو ولدت بلا دم لم يجب عليها الغسل.
[م-٨٠٤] اختلف العلماء فيما يجب على المرأة إذا ولدت ولم تر دمًا.
فقيل: يجب عليها الغسل، ويبطل صومها إن كانت صائمة.
وهو قول أبي حنفية، وزفر (١)، والراجح في مذهب مالك (٢)،
وأصح الوجهين في
стр. 4681
مذهب الشافعية (١)، ووجه في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يجب عليها غسل. وهو اختيار أبي يوسف ﵀ (٣)، وقول للمالكية (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: يستحب لها الغسل. اختاره اللخمي من المالكية (٧).
• تعليل من قال بجوب الغسل أو استحبابه:
التعليل الأول:
قالوا: إن الولادة بلا دم مظنة خروج الدم الموجب، فتعلق الحكم بها، كما جعل النوم ناقضًا للوضوء لأنه مظنة خروج الحدث، وكالتقاء الختانين.
التعليل الثاني:
إذا وجب الغسل بخروج المني، الذي هو أصل الولد، فوجوبه بنفس الولد أولى (٨).
стр. 4682
التعليل الثالث:
يجب الغسل بناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها (١).
التعليل الرابع:
أن النفاس، هو تنفس الرحم، وقد وجد (٢).
التعليل الخامس:
لا تخلو الولادة من رطوبة، ودم قليل، وإن خفي (٣).
التعليل السادس:
قال ابن قدامة: ولأن الولادة يستبرأ بها الرحم، أشبهت الحيض، يعني فيجب الغسل (٤).
• دليل من قال: لا يجب الغسل:
الدليل الأول:
أن الوجوب بالشرع، ولم يرد الغسل هنا، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فإنه ليس بدم، ولا مني، وإنما ورد الشرع بالإيجاب بهذين الشيئين (٥).
الدليل الثاني:
أن الغسل في النفاس إنما هو للدم لا لخروج الولد (٦)، ولا يحكم بطهارتها ما زال الدم باقيًا، فإذا انقطع وجب الغسل، وهنا لم يوجد دم، فلم يوجد الموجب.
стр. 4683
قال ابن قدامة: وقولهم: إنه مظنة. قلنا: المظان إنما يعلم جعلها مظنة بنص أو إجماع، ولا نص في هذا ولا إجماع (١).
الراجح القول الثاني، لأن الأصل في العبادات الحضر، حتى يرد دليل صريح على المشروعية. والله أعلم.
* * *
стр. 4684
الفصل السابع
في جماع النفساء إذا طهرت قبل الأربعين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إيجاب الصلاة على المرأة إذا طهرت قبل الأربعين دليل على طهارتها، وطهارتها دليل على حل جماعها.
[م-٨٠٥] إذا طهرت المرأة قبل تمام الأربعين:
فقيل: يباح وطؤها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
стр. 4685
وقيل: يكره وطؤها. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: يحرم، وهي رواية عن أحمد (٢).
• دليل الجمهور على إباحة الوطء:
الدليل الأول:
حرم الوطء؛ لوجود الأذى، فإذا ارتفع الأذى ارتفع حكمه.
الدليل الثاني:
إذا أوجبنا عليها الصلاة والصوم جاز الجماع، لأن إيجاب الصلاة دليل على الطهارة؛ إذ لو كانت نفساء لم تجب عليها الصلاة، فإذا حكم بطهارتها جاز وطؤها.
الدليل الثالث:
لا يجوز تحريم الجماع إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل على التحريم، واحتمال عود الدم وحده لا يكفي للتحريم، وإذا عاد الدم رجع تحريم الجماع، كما أن المرأة الطاهرة لا يحرم نكاحها، ولو كانت تنتظر نزول عادتها حتى تنزل.
الدليل الرابع:
إذا انقطع عنها الأذى، فقد رأت النقاء الخالص، فأشبه ما إذا رأته بعد الأربعين.
• دليل الحنابلة على كراهة الوطء:
الدليل الأول:
(٢٠٣٦ - ٤٩٦) ما رواه الدارمي من طريق جلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة،
عن امرأة لعائذ بن عمرو نفست، فجاءت بعدما مضت عشرون ليلة، فدخلت في لحافه، فقال: من هذه؟ قالت: أنا فلانة، إني قد طهرت. فركضها برجله، فقال:
стр. 4686
لا تغريني عن ديني حتى تمضي أربعون ليلة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل الثاني:
(٢٠٣٧ - ٤٩٧) ما رواه ابن عدي من طريق محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال:
سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.
[موضوع] (٣).
الدليل الثالث:
قالوا: لأن زمان النفاس باق، فلا تأمن من معاودة الدم في حال وطئها، فيكون قد صادف وطؤها نفاسًا، فكره له ذلك (٤).
الدليل الرابع:
قالوا: لأن هذا الطهر مشكوك فيه؛ لأنها إن رأت الدم فقد يكون نفاسًا، وقد يكون دم فساد، وإذا كان معرضًا لذلك كره الوطء فيه (٥).
стр. 4687
وهذه التعليلات واهية، فلا تكفي لتحريم الوطء. والله أعلم
• دليل من قال: يحرم الوطء:
لا أعلم لهم دليلًا إلا إن كانوا يرون أنه برجوع الدم أثناء الأربعين يكون الجفاف له حكم النفاس، فتكون أيام الدم وأيام النقاء كلها نفاسًا. ويسمى عند الفقهاء حكم السحب، وإذا كان يمكن أن يكون جفافها لا يدل على طهارتها حرم جماعها فيه. إذا كان هذا وجه القول بالتحريم فهو قول ضعيف؛ لأنها تجب عليها الصلاة حال جفافها، فجاز نكاحها.
* * *
стр. 4688
الفصل الثامن
في أقل النفاس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• دم النفاس دم أذى كالحيض، فإذا وجد الأذى وجد النفاس، وإذا ارتفع ارتفع حكمه.
• تحديد أقل النفاس لا يصح إلا بتوقيف.
• إذا لم يرد دليل على تحديد أقل النفاس من الشرع فالمرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا.
[م-٨٠٦] اختلف العلماء في أقل النفاس، والخلاف فيه كالخلاف في أقل الحيض، ويرجع الخلاف هل اطلاق الاسم معلق على ظهور الدم، ولو كان مجة أو لا يحكم له بأنه حيض ونفاس حتى يتمادى إلى الحد الذي حدوه مما اعتاده النساء، إذا علم ذلك، نقول:
стр. 4689
قال بعضهم: لا حد لأقله، وهو مذهب الحنفية (١)،
والمالكية (٢)، والشافعية (٣)،
стр. 4690
والمشهور من مذهب الحنابلة (١)، واختاره ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣).
وقيل: أقله يوم، وهو رواية عن أحمد (٤).
وقيل: أقله ثلاثة أيام، وهو قول منسوب للثوري (٥)، ورواية عن أحمد (٦).
وقيل: أقله أربعة أيام. وهو قول المزني (٧).
• أدلة الجمهور على أن النفاس لا حد لأقله:
الدليل الأول:
دم النفاس دم أذى كالحيض، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد حكمه. وإذا ارتفع الأذى ارتفع حكمه.
الدليل الثاني:
تحديد أقل النفاس لا يصح إلا بتوقيف. ولم يأت دليل على التحديد. وإذا لم يرد دليل تحديده من الشرع فالمرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا (٨).
الدليل الثالث:
وجود دم النفاس هو الموجب لترك الصلاة، فإذا انقطع الدم عاد الفرض بحاله
стр. 4691
كما كان قبل وجود دم النفاس. وهذا يشبه الدليل الأول (١).
الدليل الرابع:
(٢٠٣٨ - ٤٩٨) روى البخاري في التاريخ الكبير (٢)، قال لنا موسى بن إسماعيل،
عن سهم مولى بني سليم، أن مولاته أم يوسف ولدت بمكة فلم تر دما فلقيت عائشة فقالت أنت امرأة طهرك الله فلما نفرت رأت.
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل الخامس:
(٢٠٣٩ - ٤٩٩) ما رواه الدارقطني من طريق عمر بن يعلى الثقفي، عن عرفجة السلمي، عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي.
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 4692
الدليل الخامس:
ما يحكى من دعوى الإجماع من أن النفساء إذا رأت الطهر وجب عليها أن تغتسل وتصلي.
قال الترمذي في سننه: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي ... .» إلخ كلامه ﵀ (١).
• أدلة القائلين بأن أقل النفاس ثلاثة أيام:
لا أعلم للثوري ﵀ دليلًا على كون النفاس ثلاثة أيام إلا أن يكون قاسه على الحيض، فإنه يرى أن الحيض أقله ثلاثة أيام كمذهب الحنفية، ويستدلون بأدلة كثيرة مرفوعة وموقوفة، سقتها في الخلاف في أقل الحيض فارجع إليها إن شئت.
وهذا القياس باطل.
أولًا: لأننا لانسلم الحكم في الأصل حتى نسلم الحكم في الفرع. فلا يثبت أن الحيض أقله ثلاثة أيام.
وثانيًا: وعلى فرض ثبوت أن الحيض أقله ثلاثة أيام، لا يصح القياس، فإن النفاس أكثره عند الجمهور أربعون يومًا، وقيل: أكثر من ذلك كما سيأتي. فإذا اختلف أكثر النفاس عن أكثر الحيض اختلف أقل النفاس عن أقل الحيض.
• أدلة القائلين بأن أقله يوم:
هذا القول مروي عن أحمد كما سبق، ولا أعلم له دليلًا إلا أن يكون قاسه على أقل الحيض؛ لأن الجمهور على أن أقل الحيض يوم وليلة ـ وما قيل في الجواب عن القائلين بأن أقل النفاس ثلاثة أيام يقال هنا. فالقياس ضعيف من وجهين بينتهما في القول السابق.
стр. 4693
• أدلة القائلين بأن أقله أربعة أيام:
ذكر الغزالي في الوسيط تعليلًا لحكم المزني بأن أقله أربعة أيام، فقال: «لأن أكثره مثل أكثر الحيض أربع مرات» (١).
ويقصد ﵀ أن أكثر النفاس عنده ستون يومًا، وأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يومًا، فكان أكثر النفاس حاصل ضرب أكثر الحيض في أربعة، فجعل الأربعة هي أقل النفاس.
وهذا القول ضعيف جدًّا، والاستدلال له أضعف منه. وقد نقل صاحب المهذب عن المزني أنه قال: أكثر النفاس أربعون يومًا، وإذا ثبت هذا عنه لم يصح تخريج قوله على ما ذكرنا. والله أعلم.
والقول الراجح أنه لا حد لأقل النفاس. لقوة أدلتهم، وضعف أدلة القائلين بالتحديد. والله أعلم.
* * *
стр. 4694
الفصل التاسع
في أكثر مدة النفاس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لابد من تحديد أكثر النفاس للتفريق بين دم النفاس والاستحاضة.
• إذا كان لابد من القول بتحديد أكثر النفاس فالاتباع يكون لقول الصحابة دون غيرهم، وقد أجمعوا على أن أكثر النفاس أربعون يومًا.
[م-٨٠٧] اختلف العلماء في أكثر النفاس إلى أقوال.
فقيل: أكثر النفاس أربعون يومًا.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 4695
وقيل: أكثره ستون يومًا، وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣).
وقيل: أكثره سبعون يومًا (٤).
وقيل: أكثره خمسون يومًا، وهو قول الحسن البصري (٥).
وقيل: تسأل النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد ذلك. وقيل إن مالكًا رجع إليه (٦).