كما كان قبل وجود دم النفاس. وهذا يشبه الدليل الأول (١).
الدليل الرابع:
(٢٠٣٨ - ٤٩٨) روى البخاري في التاريخ الكبير (٢)، قال لنا موسى بن إسماعيل،
عن سهم مولى بني سليم، أن مولاته أم يوسف ولدت بمكة فلم تر دما فلقيت عائشة فقالت أنت امرأة طهرك الله فلما نفرت رأت.
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل الخامس:
(٢٠٣٩ - ٤٩٩) ما رواه الدارقطني من طريق عمر بن يعلى الثقفي، عن عرفجة السلمي، عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي.
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 4692
الدليل الخامس:
ما يحكى من دعوى الإجماع من أن النفساء إذا رأت الطهر وجب عليها أن تغتسل وتصلي.
قال الترمذي في سننه: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي ... .» إلخ كلامه ﵀ (١).
• أدلة القائلين بأن أقل النفاس ثلاثة أيام:
لا أعلم للثوري ﵀ دليلًا على كون النفاس ثلاثة أيام إلا أن يكون قاسه على الحيض، فإنه يرى أن الحيض أقله ثلاثة أيام كمذهب الحنفية، ويستدلون بأدلة كثيرة مرفوعة وموقوفة، سقتها في الخلاف في أقل الحيض فارجع إليها إن شئت.
وهذا القياس باطل.
أولًا: لأننا لانسلم الحكم في الأصل حتى نسلم الحكم في الفرع. فلا يثبت أن الحيض أقله ثلاثة أيام.
وثانيًا: وعلى فرض ثبوت أن الحيض أقله ثلاثة أيام، لا يصح القياس، فإن النفاس أكثره عند الجمهور أربعون يومًا، وقيل: أكثر من ذلك كما سيأتي. فإذا اختلف أكثر النفاس عن أكثر الحيض اختلف أقل النفاس عن أقل الحيض.
• أدلة القائلين بأن أقله يوم:
هذا القول مروي عن أحمد كما سبق، ولا أعلم له دليلًا إلا أن يكون قاسه على أقل الحيض؛ لأن الجمهور على أن أقل الحيض يوم وليلة ـ وما قيل في الجواب عن القائلين بأن أقل النفاس ثلاثة أيام يقال هنا. فالقياس ضعيف من وجهين بينتهما في القول السابق.
стр. 4693
• أدلة القائلين بأن أقله أربعة أيام:
ذكر الغزالي في الوسيط تعليلًا لحكم المزني بأن أقله أربعة أيام، فقال: «لأن أكثره مثل أكثر الحيض أربع مرات» (١).
ويقصد ﵀ أن أكثر النفاس عنده ستون يومًا، وأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يومًا، فكان أكثر النفاس حاصل ضرب أكثر الحيض في أربعة، فجعل الأربعة هي أقل النفاس.
وهذا القول ضعيف جدًّا، والاستدلال له أضعف منه. وقد نقل صاحب المهذب عن المزني أنه قال: أكثر النفاس أربعون يومًا، وإذا ثبت هذا عنه لم يصح تخريج قوله على ما ذكرنا. والله أعلم.
والقول الراجح أنه لا حد لأقل النفاس. لقوة أدلتهم، وضعف أدلة القائلين بالتحديد. والله أعلم.
* * *
стр. 4694
الفصل التاسع
في أكثر مدة النفاس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لابد من تحديد أكثر النفاس للتفريق بين دم النفاس والاستحاضة.
• إذا كان لابد من القول بتحديد أكثر النفاس فالاتباع يكون لقول الصحابة دون غيرهم، وقد أجمعوا على أن أكثر النفاس أربعون يومًا.
[م-٨٠٧] اختلف العلماء في أكثر النفاس إلى أقوال.
فقيل: أكثر النفاس أربعون يومًا.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 4695
وقيل: أكثره ستون يومًا، وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣).
وقيل: أكثره سبعون يومًا (٤).
وقيل: أكثره خمسون يومًا، وهو قول الحسن البصري (٥).
وقيل: تسأل النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد ذلك. وقيل إن مالكًا رجع إليه (٦).
стр. 4696
وقيل: أكثره في الغلام خمسة وثلاثون، وفي الجارية أربعون. وهو قول الأوزاعي (١).
• أدلة من قال: أكثر النفاس أربعون:
الدليل الأول:
(٢٠٤٠ - ٥٠٠) ما رواه أحمد، حدثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو خثيمة ـ يعنى زهير ابن معاوية ـ عن على بن عبد الأعلى، عن أبى سهل من أهل البصرة، عن مسة،
عن أم سلمة، قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، أو أربعين ليلة -شك أبو خثيمة- وكنا نطلي على وجوهنا الورس من الكلف (٢).
[إسناده ضعيف، وهو صالح في الشواهد] (٣).
الدليل الثاني:
(٢٠٤١ - ٥٠١) ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك،
عن ابن عباس قال: النفساء تنتظر نحوًا من أربعين يومًا.
[صحيح والموقوف شاهد للمرفوع، ولو لم يوجد إلا هذا الأثر لكفى] (١).
الدليل الثالث:
(٢٠٤٢ - ٥٠٢) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن يونس، عن الحسن،
عن عثمان بن أبي العاص، أنه كان لا يقرب نساءه إذا تنفست إحداهن أربعين ليلة.
[رجاله ثقات، إلا أن الحسن لم يسمع من ابن أبي العاص، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٢).
стр. 4700
الدليل الرابع:
(٢٠٣٤ - ٥٠٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسماعيل، ثنا وكيع نا
стр. 4701
إسرائيل، عن جابر، عن عبد الله بن يسار، عن سعيد بن المسيب، عن عمر قال: تجلس النفساء أربعين يومًا.
[ضعيف جدًّا فيه جابر الجعفي وهو متروك] (١).
الدليل الخامس:
(٢٠٤٤ - ٥٠٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق إسماعيل بن عمرو، حدثنا الحسن بن صالح، عن عاصم الأحول،
عن أنس بن مالك، قال: وقت للنفساء أربعون يومًا.
[إسناده ضعيف، وهذا أمثل طريق روي به الحديث عن أنس] (٢).
стр. 4702
الدليل السادس:
(٢٠٤٥ - ٥٠٥) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا محمد بن منير، قال: حدثنا إبراهيم الجشاش، قال: حدثنا غسان بن مالك، قال: حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا العلاء بن كثير الدمشقي، عن مكحول،
عن أبي الدرداء وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : تنتظر النفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت أربعين يومًا ولم تر الطهر فلتغتسل وهي بمنزلة المستحاضة.
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل السابع:
(٢٠٤٦ - ٥٠٦) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا عمر بن سنان، ثنا موسى ابن
стр. 4703
سليمان، ثنا بقية عن إسماعيل بن عياش، عن عطاء، عن ابن أبي مليكة،
عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل عن النفساء فوقت لها أربعين يومًا.
[ضعيف جدًّا] (١).
стр. 4704
الدليل الثامن:
(٢٠٤٧ - ٥٠٧) ما رواه الحاكم من طريق عمرو بن الحصين، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه،
عن عبد الله بن عمرو، قال قال رسول الله ﷺ : تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة.
قال الحاكم: عمرو بن الحصين ومحمد بن علاثة ليسا من شرط الشيخين وإنما ذكرت هذا الحديث شاهدًا متعجبًا.
[ضعيف جدًّا] (١).
стр. 4705
الدليل التاسع:
(٢٠٤٨ - ٥٠٨) ما رواه ابن عدي من طريق محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال:
سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام إقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.
[موضوع] (١).
هذه الأحاديث التي وقفت عليها مما جاء فيها التحديد، والصالح للاستدلال منها حديث أم سلمة، وأثر ابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، فأثر ابن عباس صحيح الإسناد، ووحده كاف في الاحتجاج، لأن قول الصحابي أراه حجة فيما لم يخالف فيه، وأثر أم سلمة قد حسنه بعضهم كالخطابي، وابن الملقن، والنووي، ويبقى حتى على القول بضعفه يتقوى بأثر ابن عباس، وحديث عثمان بن أبي العاص، فيه انقطاع لا يخرجه عن الاعتبار. والله أعلم.
ولقد أحسن ابن عبد البر ﵀ حين قال: «وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للإتباع والتقليد إلا من قال: بالأربعين؛ فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم، ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم، والنفس تسكن إليهم. فأين
стр. 4706
المهرب عنهم دون سنة ولا أصل؟ وبالله التوفيق» (١).
وقال الترمذي في السنن: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي (٢)، وأحمد، وإسحاق».اهـ
الدليل الثاني:
أن القول بالتحديد لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن يقال إنه دم نفاس، ولو مكث ما مكث، فلا بد من القول إذا أطبق الدم صارت مستحاضة، فمتى تحكمون له بأنه دم استحاضة؟
فإن قيل: بعد السبعين أو الثمانين قيل: هذا رجوع إلى القول بالتحديد، وإذا كان لا بد من القول بالتحديد فالأخذ بقول ابن عباس أولى من الأخذ بقول غيره.
وقد ذكر ابن المنذر في الأوسط بأنه مذهب لعمر، وابن عباس، وعثمان بن
أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وأم سلمة (٣).
ونقلت عن الترمذي قرييًا أنه قال: إنه مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
• أدلة القائلين بأن أكثر النفاس ستون .
قال النووي: «الاعتماد في هذا الباب على الوجود في الستين بما ذكره المصنف ـ
стр. 4707
يعني صاحب المهذب ـ حيث قال: والدليل على ما قلناه ما روى عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين.
وعن عطاء والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطاة: أن النفاس ستون يومًا» (١).
وقال المرداوي: «حد الحيض والنفاس مأخوذ من وجود العادة المستمرة فيه، وقد وجد الشافعي الستين في عادة مستمرة، وتحرر هذا قياسًا، فيقال: لأنه دم أرخاه الرحم جرت به عادة مستقرة، فجاز أن يكون نفاسًا كالأربعين، ولأن أكثر الدم يزيد على عادته في الغالب كالحيض غالبه السبع، وأكثره يزيد على السبع، فلما كان غالب النفاس أربعين، وجب أن يزيد أكثره على الأربعين ولأن النفاس هو ما كان محتبسًا من الحيض في مدة الحمل، فلما كان غالب الحمل تسعة أشهر، وغالب الحيض ست أو سبع، فإن اعتبرنا السبع كان النفاس ثلاثة وستين يومًا، وإن اعتبرنا الست كان النفاس أربعة وخمسين يومًا، وإن اعتبرناهما معًا كان النفاس ستين يومًا (٢)، وهو أن يجعل حيضها في ستة أشهر سبعًا، وفي ثلاثة أشهر ستًا. فصح أن ما ذهبنا إليه أصح» (٣).
• والنقاش من وجهين:
الأول: أين الدليل على أنه لا يوجد نفاس أكثر من ستين، ما دمتم تحكمون لكل دم جاوز الستين بأنه ليس دم نفاس، وإنما هو استحاضة. فقد يلزمكم خصمكم بأنه وجد أكثر من الستين، ما دام أن التعويل على الوجود. ويعسر دعوى الاستقراء والأمر يتعلق بالنساء، وكما أن الحامل قد ترى الدم، وقد أثبت الطب أن الحامل لا يمكن أن تحيض، ومع ذلك فإن وجود الدم مع الحامل لا يكفي للحكم له بأنه حيض.
стр. 4708
الثاني: نحن لا نناقش وجود دم أكثر من أربعين، بل قد يوجد أكثر من ستين، وسبعين، وربما أكثر من ذلك. ولكن النقاش هل هذا يعتبر دم نفاس أو استحاضة.
فالحيض عندنا لا يمكن أن يستمر شهرًا كاملًا؛ لأن الشهر يتخلله حيض وطهر كما دللنا على ذلك في باب الحيض وكما هو مقرر طبيًا. وأما النفاس فإن لم نأخذ بقول ابن عباس، فلا بد أن نحدد أجلًا إذا جاوزه الدم أصبح دم فساد واستحاضة. فيرجع القول إلى التحديد، وقول ابن عباس أحب إلى، خاصة أنه مذهب جملة من الصحابة. وأكثر التابعين. كما حكاه الترمذي، الله أعلم
الدليل الثالث:
قالوا: كيف نحكم للدم في الساعة الأخيرة قبل تمام لأربعين بأنه نفاس، وبعده بلحظة نحكم له بأنه استحاضة، والدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، فكيف يفرق الشارع بين متماثلين.
والجواب على هذا أن يقال: هذا يرد أيضًا على الستين، فكيف يكون قبل تمام الستين بساعة واحدة نفاسًا، وبعد تمام الستين دم استحاضة، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة.
فإن قالوا: هذا أكثر ما قيل في المسألة.
فالجواب، قد وجدنا من يقول بأكثر من الستين. قال ابن تيمية: «ولا حد لأقل النفاس، ولا لأكثره، ولو زاد على الأربعين، أو الستين أو السبعين وانقطع، فهو نفاس» (١).
ولا أعلم أن القول بأكثر ما قيل يكون من أدلة الشرع المتفق عليها أو المختلف فيها، فهذه كتب الأصول تذكر الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، والقياس
стр. 4709
وغيرها من الأدلة المتفق عليها أو المختلف فيها، ولم نجد من بين أدلتهم: القول بأكثر ما قيل. والله المستعان.
• دليل من قال لا حد لأكثر النفاس:
الدليل الأول:
القول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما ورد فيه لا يصح.
قال ابن رشد: «ليس هناك سنة يعمل عليها، كالحال في اختلافهم في أيام الحيض، والطهر» (١).
والجواب قد بينت في الأدلة السابقة أنه قد صح عن ابن عباس ﵁، وعن أم سلمة وله حكم الرفع وقد حسنه الخطابي، والنووي وابن الملقن. وعن عثمان ابن أبي العاص بسند منقطع، وعن عمر بسند ضعيف.
الدليل الثاني:
(٢٠٤٩ - ٥٠٩) سمى رسول الله ﷺ الحيض نفاسًا، بما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن زينب بنت أم سلمة حدثته،
أن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، قال أنفست؟ قلت: نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (٢).
وإذا كان الحيض نفاسًا فقد أمر الله باعتزال الحيض، وأخبر أنه أذى، فما دام الأذى موجودًا، فحكمه موجود من وجوب اعتزال الصلاة والوطء ونحوهما، ولذلك تجد أحكام الحيض والنفاس متشابهة.
стр. 4710
وهذا من أقوى أدلة القائلين بعدم التحديد. إلا أننا نسألهم، إذا استمر الدم واتصل مع المرأة هل تقولون بأنه دم نفاس.
الجواب: لا يمكن أن يقولوا بأنه دم نفاس حتى ولو مكث ما مكث. فإذا لا بد أن يقولوا في يوم من الأيام إن الدم دم فساد، وحينئذ نسألهم. متى تقطعون بأنه دم فساد، فإن قالوا بعد السبعين أو الثمانين. قلنا: هذا هو القول بالتحديد. وإن قالوا: ممكن أن نحكم بأنه دم فساد مع امرأة بعد السبعين، وأخرى بعد الثمانين، متى ما تيقنا أن الدم يعتبر متصلًا، فالجواب أن هذا تناقض واضطراب، إذ كيف تجعلونه مع امرأة إلى السبعين ومع أخرى إلى الثمانين. والله أعلم.
رأي الطب في أكثر النفاس.
يقول بعض الأطباء: «يعرف الفقهاء النفاس تعريفًا يختلف إلى حد ما عن تعريف الأطباء .. فالأطباء يركزون على حالة الرحم وعودته إلى حالته الطبيعية بينما يحرص الفقهاء على ربط النفاس بدم النفاس وإفرازاته .. وكلاهما مرتبط بالآخر إلى حد ما، ولكنهما ليسا شيئًا واحدًا.
وسبب الخلاف أن الطب ينظر إلى الناحية الصحية والفسيولوجية لجهاز المرأة التناسلي، وللرحم على وجه الخصوص؛ إذ إن ذلك متعلق بصحة المرأة وجهازها التناسلي بصورة خاصة .. وعودة الرحم إلى حالته الطبيعية هي العلامة الهامة والمؤشر الوحيد على عودة النفساء إلى حالتها المعتادة .. وأنها قد تجاوزت تمامًا مرحلة الخطر، ومرحلة إصابتها بحمى النفاس أو النزيف الذي يعقب الولادة أحيانًا .. أو سقوط الرحم، أو غيرها من الأمراض التي تعتري النفساء .. بينما اهتمام الفقيه بالدم والإفرازات التي تمنع الصلاة والصيام ومس المصحف، والمباشرة، فلا بد إذن من نوع اختلاف بين الطب والفقه في هذه النقطة.
стр. 4711
ويقول أيضًا: ويتفق قول القائلين بأن أكثر الدم أربعون يومًا مع رأي الأطباء .. ويتفق قول القائلين بأن أكثر النفاس ستون يومًا مع التعريف الطبي للنفاس، وهو عودة الرحم إلى حالته الطبيعية. إذ إن أكثر ذلك في رأي الأطباء هو ثمانية أسابيع أو ستون يومًا.
ولكن الاختلاف بينهم في التعريف، فالأطباء حين يتحدثون عن النفاس يريدون به حالة الرحم حتى يعود إلى وضعه الطبيعي، ويسمى PEURPURIM أما الدم والإفرازات التي تصحبه فتسمى LOCHIA أي دم النفاس، ومدته عند الأطباء لا تزيد على ستة أسابيع» (١).
فإذا كان دم النفاس لا يزيد عند الأطباء على ستة أسابيع (٤٢)، فهو النفاس الذي يتعلق به حكم شرعي، أما عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي فلا يتعلق به حكم أرأيت لو أنها ولدت بدون أن ترى دمًا أليس يحكم لها بالطهارة، ولو كانت أرحامها تشكو من آلام ونحوها، فالأمر يتعلق بالدم، وهو لا يزيد عند الأطباء على ستة أسابيع، واليومان الزائدان إنما هو منهم لجبر الكسر، وإلا فهو لا يزيد على أربعين يومًا. والله أعلم.
«وانتهت المقولات الطبية في الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت إلى الاتفاق مع بعض الآراء الفقهية القائلة بأن النفاس: هو ما ينزل من المرأة بعد الولادة أو الإسقاط ريثما يندمل موقع المشيمة المنفصلة من تجويف الرحم، ويبدأ دمًا، ثم سائلًا مصفرًا حتى يتوقف، ولا حد لأقله. وأقصاه السوي ستة أسابيع (٤٠ يومًا) فإن زاد عليها اعتبر غير سوى، ويلحق بالاستحاضة، وقد يكون من جراء بقايا المشيمة داخل الرحم، أو نتيجة وهن الرحم عن الانقباض الكافي لحبس الدم أو غير ذلك مما يلتمس له التشخيص والعلاج. والنفاس إذا انتهى قد يفضي إلى حيض، وقد
الفصل العاشر
في ابتداء مدة النفاس إذا وضعت توأمين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• التوأمان كالولد الواحد، والنفاس يبدأ من نزول الدم بسبب المخاض.
[م-٨٠٨] اختلف العلماء في المرأة تلد توأمين بينهما فاصل، من أين تحسب مدة النفاس على القول بأن النفاس لأكثره حد.
فقيل: ابتداء النفاس من الأول.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار أبي يوسف (١)، والمعتمد عند المالكية (٢)،
стр. 4714
ووجه في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: ابتداء النفاس من الثاني.
وهو المشهور من مذهب الشافعية (٣)، وقول زفر ومحمد من الحنفية (٤).
وقيل: ابتداؤه من الأول، ثم تستأنف المدة من الثاني. وهو وجه في مذهب الشافعية (٥)، ورواية عن أحمد (٦).
وعلى القول بأن الدم بين التوأمين ليس بنفاس:
فقيل: إنه دم حيض، بناء على أن الحامل تحيض.
وقيل: يعتبر دم فساد. وهما وجهان في مذهب الشافعية (٧).
• دليل من قال: ابتداء النفاس من الأول:
قالوا: لأنه دم خرج عقيب الولادة، فكان نفاسًا، كالخارج عقيب الولد الواحد (٨).
تعليل آخر:
قالوا: إن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله (٩).
стр. 4715
• دليل من قال: ابتداء النفاس من الولد الثاني:
قالوا: لأن الدم قبل وضع الثاني لو اعتبرناه نفاسًا يلزم منه أن تكون المرأة نفساء، وهي ما زالت حاملًا.
وتعليل آخر:
قالوا: إن النفاس يتعلق بوضع ما في البطن، كانقضاء العدة، فإذا كان انقضاء العدة بالولد الثاني بالإجماع، كان النفاس من وضع الولد الثاني، فكما لا يتصور انقضاء عدة الحامل بدون وضع الولد الثاني، لا يتصور وجود النفاس من الحبلى (١).
تعليل آخر:
قالوا: إن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم، ولا يتحقق ذلك على الكمال إلا بوضع الولد الثاني.
تعليل آخر:
إذا ولدت ولدًا واحدًا، وخرج بعضه دون البعض، لا يعتبر نفاسًا، حتى تضعه، فكذلك إذا خرج ولد، وبقي آخر، فكان الدم الموجود قبل وضع الولد الثاني نفاسًا من وجه دون وجه، فلا تسقط الصلاة عنها بالشك (٢).
تعليل آخر:
قالوا: إن النفاس بمنزلة الحيض، فكما أن الحامل لا تحيض، فكذلك لا يتصور وجود النفاس من الحامل (٣).
• وتعقب هذا:
بأن النفاس إن كان دمًا يخرج عقب النفس، فقد وجد بولادة الأول، وإن كان
стр. 4716
دمًا يخرج بعد تنفس الرحم، فقد وجد أيضًا، بخلاف انقضاء العدة؛ لأن ذلك يتعلق بفراغ الرحم، ولم يوجد، والنفاس يتعلق بتنفس الرحم أو بخروج النفس، وقد وجد (١).
• دليل من قال: ابتداؤه من الأول وتستأنف المدة من الثاني:
قالوا: قلنا تجلس ما تراه من الأول، ما لم تجاوز أكثر النفاس، فإذا وضعت الثاني استأنفت له مدة أخرى، ودخلت بقية مدة الأولى في مدته إن كانت باقية؛ لأنه ولد فاعتبرت له المدة كالأول، وكالمنفرد؛ ولأن الرحم تنفس به كما تنفس بالأول، فكثر الدم بسبب ذلك، فيجب اعتبار المدة له (٢).
• الراجح من هذه الأقوال:
سبق أن عرضنا رأي الطب في مدة النفاس، وهل تعتبر من الطلق، أو حين خروج الولد، أو بعد الوضع، وذكرنا أن الأطباء يرون أن دم النفاس يبدأ من وضع الولد، فإن كان المقصود من وضع الولد فراغ الرحم من الولد، فالمعتبر من وضع الولد الثاني، وإن كان المقصود من وضع الولد، ولو كان الرحم مشغولا، فاعتبار المدة من الأول. فإن كان للطب رأي فذاك، وإلا اعتبرنا نفاسها من الأول، لأنها بوضعها الولد أصبحت والدًا لغة.
* * *
стр. 4717
الفصل الحادي عشر
في الأحكام المترتبة على النفاس
[م-٨٠٩] قال ابن قدامة: وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها، وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها، والخلاف في الكفارة بوطئها (١).
وقال في المهذب: «ودم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض، ويسقط ما يسقطه الحيض؛ لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل، فكان حكمه حكم الحيض» (٢).
وقال في المعونة: وجميع ما ذكرناه من الظواهر ـ يعني من أحكام الحيض ـ وإن كان النص فيها متناولًا للحيض وحده، فإن النفاس ملحق به بالإجماع؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما في هذه الأحكام، أو بالقياس، وهو أنه دم خارج من الفرج، لا يكون إلا مع البلوغ (٣).
وقال ابن رجب: ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض، فيما يحرمه ويسقطه، وقد
стр. 4718
حكى الإجماع غير واحد من العلماء، منهم ابن جرير وغيره (١).
وقال صاحب المجموع، وصاحب نيل المآرب يزيد بعضهم على بعض، قالا: والنفاس كحيض، فيما يحرم: كصلاة وصوم ووطء في فرج، وطلاق.
وفيما يجب: كغسل،، وقضاء صوم، وكفارة بوطء فيه.
وفيما يسقط: كقضاء الصلاة، وطواف الوداع.
وفيما يحل: كاستمتاع بما دون فرج.
وفيما يمنع: صحة الصلاة، والصوم، والطواف، والاعتكاف، والغسل (٢).
وقال ابن حزم: «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد، حاشا الطواف بالبيت، فإن النفساء تطوف به؛ لأن النهي ورد في الحائض، ولم يرد في النفساء، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤]، ثم استدركنا فرأينا أن النفاس حيض صحيح، وحكمه حكم الحيض في كل شيء لقول الرسول ﷺ لعائشة: أنفست؟ قالت: نعم. فسمى الحيض نفاسًا، وكذلك الغسل منه واجب بإجماع» (٣).
• فيجب على النفساء الاغتسال إذا طهرت.
قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفاس الاغتسال عند خروجها من النفاس» (٤).
• ومنها سقوط الصلاة عن النفساء.
لا تجب الصلاة على النفساء، ولا قضاء عليها، قال ابن حزم: «وأما الحائض والنفساء وإسقاط القضاء عنهما، فإجماع متيقن» (٥).
стр. 4719
وقال النووي: «حكى البغوي والمتولي وجهًا أنها لو شربت دواء ليسقط الجنين ميتًا، فأسقطته ميتًا وجب عليها قضاء صلوات أيام النفاس؛ لأنها عاصية. والأصح الأشهر أنه لا يجب» (١).
• ومنه سقوط الصيام عن النفساء، ووجوب القضاء عليها.
• ومنها صحة إحرام النفساء:
(٢٠٤٩ - ٥٠٩) فقد روى مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر بن عبد الله ﵄ في قصة أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر ﵁ فأمرها أن تغتسل، وتهل (٢).
قال ابن رجب: فيه دليل أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج.
ويرى ابن حزم: وجوب الغسل للإحرام على النفساء.
قال ﵀: «والنفساء والحائض شيء واحد، فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل، ثم تهل» (٣).
وقال أيضًا: «الغسل عند الإحرام نستحبه للرجال والنساء، وليس فرضًا إلا على النفساء» (٤).
والصحيح أنه مستحب منها كغيرها.
• ومنها صحة دخول النفساء المسجد:
قال ابن حزم: جائز للحائض والنفساء أن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال الرسول ﷺ : المؤمن لا ينجس. وقد كان أهل
стр. 4720
الصفة يبيتون في المسجد بحضرة الرسول ﷺ ، وهم جماعة كثيرة، ولا شك في أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك (١).
قلت: حكم النفساء حكم الحائض، وقد فصلت الخلاف في الحائض في باب عبادات الحائض، فارجع إليه إن شئت.
• ومنه طهارة بدن النفساء
قال النووي بعد أن دلل على طهارة الآدمي، قال: «فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهران، سواء كان محدثا، أو جنبا، أو حائضا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين» (٢).
• صحة عقد النكاح على النفساء كالحائض.
قال ابن حزم: جائز للحائض والنفساء أن يتزوجا (٣).
• القول في كفارة وطء النفساء، كالحائض
قال ابن قدامة: النفساء كالحائض في كفارة الوطء في الحيض؛ لأنها تساويها في سائر أحكامها (٤).
• ومنها تحريم طلاق النفساء،
قال النووي في المجموع: يحرم على الزوج طلاقها - يعني النفساء (٥).
وقال ابن حزم: «الطلاق في النفساء كالطلاق في الحيض» (٦).
وخالف في ذلك الحنفية.
стр. 4721
قال ابن عابدين في حاشيته في الفروق بين الحيض والاستحاضة، فذكر منها: «وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاق السنة والبدعة» (١).
والراجح أن الطلاق حال النفاس لا يجوز، لأنه لا فرق بينهما وقد سمى الرسول ﷺ الحيض نفاسًا كما مر معنا.
• ومنها حكم الصفرة والكدرة في النفاس حكمه في الحيض
قال النووي: والصفرة والكدرة في النفاس كهي في الحيض، وفاقًا وخلافًا، ثم قال: وقطع الماوردي: بأنها نفاس قطعًا؛ لأن الولادة شاهد للنفاس، بخلاف الحيض (٢).
• وتفترق النفساء عن الحائض في الأحكام الآتية:
الأول: الحيض دليل على بلوغ المرأة، والنفاس لا يكون دليلًا عليه؛ لأن المرأة لا تحمل إلا وقد حاضت.
الثاني: الاعتداد، وذلك أن انقضاء العدة بالقروء، والنفاس ليس بقرء. فإن كان الطلاق قبل وضع الحمل انقضت العدة بوضعه، لا بالنفاس، وإن كان الطلاق بعد الوضع فإنها تحتاج إلى ثلاث حيض ما خلا النفاس (٣).
الثالث: لا يحتسب النفاس في مدة الإيلاء. وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤)، والمشهور عند الحنابلة (٥).
والإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع امرأته مدة تزيد على أربعة أشهر، فإذا
стр. 4722
حلف وطالبت الزوجة بحقها في الجماع ضرب له مدة أربعة أشهر، فإذا انتهت خير بين الجماع أو الفراق بطلب الزوجة، فإذا مر بالمرأة نفاس لم يحسب على الزوج من الأربعة أشهر. وعللوا ذلك بأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض فإنه يحسب من المدة باعتباره معتادًا؛ ولأن الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر، فيؤدي عدم احتسابه إلى إسقاط حكم الإيلاء (١).
وقيل: يحتسب النفاس في مدة الإيلاء كالحيض، وعللوا ذلك بأن النفاس مثل الحيض في سائر الأحكام فكذلك في هذه المسألة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الرابع: قيل: النفاس يقطع التتابع في صوم الكفارة، بخلاف الحيض فإنه لا يقطعها. وهو مذهب الحنفية (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
ووجهه: قالوا: إنه فطرٌ أمكن التحرز منه، ولا يتكرر في العام، أشبه الفطر لغير عذر، ولا يصح قياسه على الحيض؛ لأنه أندر منه.
وقيل: النفاس كالحيض لا يقطع التتابع. وهو أصح الوجهين عند الشافعية (٧)، والحنابلة (٨).
قال ابن مفلح الصغير: «أجمع أهل العلم، ونص عليه أحمد على أن الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه، تقضي إذا طهرت وتبني؛ لأن الحيض لا يمكن التحرز
стр. 4723
منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس، والنفاس كالحيض لأن أحكامهما واحدة» (١).
الخامس: أن أقل الحيض محدود عند الجمهور. ولا حد لأقل النفاس عندهم. والراجح أنه لا فرق بين الحيض والنفاس في هذه المسألة، كما بيناها في ثنايا البحث.
السادس: في المشهور عند الحنابلة إذا طهرت قبل تمام عادتها جاز لزوجها جماعها من غير كراهة، وأما في النفاس إذا طهرت قبل أربعين يومًا فإنه يكره لزوجها جماعها، وهو من مفردات مذهب أحمد، والجمهور على جوازه بلا كراهة، وهو الراجح، وقد فصلت القول في أدلة هذه المسألة فيما سبق.
وذكر ابن عابدين في حاشيته سبعة فروق بعضها قد ذكرناه، وبعضها مرجوح.
فقال: وحكمه ـ يعني النفاس ـ كحيض إلا في سبعة: البلوغ، والاستبراء والعدة، وأنه لا حد لأقله، وأن أكثره أربعون يومًا، وأنه يقطع التتابع في صوم الكفارة، وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاق السنة والبدعة. اهـ
ويقصد في الاستبراء ما قاله ابن عابدين: وصورته في الاستبراء إذا اشترى جارية حاملًا، فقبضها، ووضعت عنده ولدًا، وبقي ولد آخر في بطنها، فالدم الذي بين الولدين نفاس، ولا يحصل الاستبراء إلا بوضع الولد الثاني. اهـ.
* * *
стр. 4724
موسوعة
أحكام الطهارة
أدلة ومسائل وقواعد وضوابط
القسم الثالث
طهارة التفث
المجلد العاشر
سنن الفطرة
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
стр. 4725
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد فرغت في البحوث السابقة من قسمين من أقسام الطهارة:
أحدهما: الطهارة التعبدية، وهي الطهارة من الحدث.
والثانية: الطهارة من الخبث.
وبقي القسم الثالث من الطهارة، وهي الطهارة من التفث، وهو ما أطلق عليه الشارع: سنن الفطرة، والقسمان الآخيران يدخلان في الطهارة الحسية، في مقابل الطهارة التعبدية.
وسوف أعرض إن شاء الله تعالى أحكام سنن الفطرة بحسب ما ورد في حديث عائشة عند مسلم، وهو أكثر حديث اشتمل على سنن الفطرة.
(٢٠٥٠ - ١) فقد روى مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،
عن عائشة قالت: قال ﷺ : عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
стр. 4726
زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء (١).
وألحقت بها ما كان شبهًا بها، وإن كان لم ينص عليه أنه من سنن الفطرة، لكن جريًا على عادة الفقهاء في ذكر هذه المسائل.
فكان ما اشتمل عليه حديث عائشة:
١ - السواك.
٢ - قص الشارب.
٣ - وإعفاء اللحية.
٤ - وقص الأظفار.
٥ - وحلق العانة.
٦ - ونتف الإبط.
٧ - وغسل البراجم.
٨، ٩ - المضمضة والاستنشاق.
١٠ - انتقاص الماء (الاستنجاء).
وسنأتي على شرح أحكامها مسألة مسألة وقد جعلت الطهارة من الاستنجاء في كتاب مستقل؛ نظرًا لكثرة أحكامه، وجريًا على عادة الفقهاء بذكره مفردًا عن سنن الفطرة. وتكلمت على المضمضة والاستنشاق من خلال طهارة الحدث عند الكلام على سنن الوضوء، وما بقي منها سوف أتكلم عليه إن شاء الله تعالى وفق الخطة التالية:
خطة البحث.
قد انتظم سنن الفطرة في ثمانية أبواب، مقسمة إلى فصول، ويتفرع منها مباحث،
стр. 4727
وبعض المباحث تشتمل على فروع، على النحو التالي:
التمهيد: تعريف الفطرة وذكر خصالها.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في تعريف الفطرة.
المبحث الثاني: في ذكر خصال الفطرة.
الباب الأول: في الختان.
وفيه فصول ومباحث.
الفصل الأول: في تعريف الختان.
الفصل الثاني: كيفية الختان.
الفصل الثالث: في ذكر أول من اختتن.
الفصل الرابع: في وقت الختان.
الفصل الخامس: في حكم الختان.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في حكم الختان للذكر.
المبحث الثاني: في حكم الختان للأنثى.
فرع: في أنواع الخفاض.
المبحث الثالث: في حكم الختان للخنثى.
فرع: حكم ما لو كان للرجل ذكران.
المبحث الرابع: في حكم ختان الميت.
الفصل السادس: في من يولد، وهو مختون.
الفصل السابع: في موانع الختان.
стр. 4728
الفصل الثامن: في عبادات الأقلف.
المبحث الأول: في طهارة الأقلف.
المبحث الثاني: في إمامة الأقلف.
المبحث الثالث: في ذبيحة الأقلف.
المبحث الرابع: في حج الأقلف.
المبحث الخامس: في شهادة الأقلف.
الفصل التاسع: في إجابة الدعوة في وليمة الختان.
الفصل العاشر: في ضمان ما أتلف بالختان.
فرع: في أجرة الخاتن.
الفصل الحادي عشر: في فوائد الختان.
الباب الثاني: في الاستحداد.
ويشتمل على تمهيد وفصول.
التمهيد: في تعريفه.
الفصل الأول: حكم الاستحداد.
فرع: إجبار الزوج زوجه على الاستحداد.
الفصل الثاني: وقت الاستحداد.
الفصل الثالث: في كيفية الاستحداد.
الفصل الرابع: في حلق شعر الدبر.
الفصل الخامس: في حلق شعر عانة الميت.
الفرع الأول: صفة حلق عانة الميت على القول بالجواز.
الفرع الثاني: في دفن ما أخذ من البشرة.
стр. 4729
الفرع الثالث: لا يلي حلق العانة أجنبي.
الفرع الرابع: في استخدام النورة.
الباب الثالث: في تقليم الأظفار.
تمهيد: وفيه مبحثان.
الأول: تعريف التقليم لغة.
الثاني: الأدلة على أن تقليم الأظفار من السنة.
الفصل الأول: في حكم تقليم الأظفار.
المبحث الأول: في إجبار أحد الزوجين الآخر على تقليم أظفاره.
المبحث الثاني: توفير الأظفار في الحرب.
الفصل الثاني: في استحباب تقليم الأظفار في يوم معين.
الفصل الثالث: في كيفية تقليم الأظفار.
الفصل الرابع: في إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.
الفصل الخامس: في دفن الظفر والشعر.
الفصل السادس: في إعادة الوضوء بعد تقليم الأظفار.
مبحث: غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار.
الباب الرابع: في نتف الإبط.
تعريف الإبط.
الفصل الأول: حكم نتف الإبط والتوقيت فيه.
الفصل الثاني: في كيفية نتف الإبط.
الفصل الثالث: الوضوء من نتف الإبط.
стр. 4730
الباب الخامس: في الشارب.
تمهيد:
الفصل الأول: حكم قص الشارب.
الفصل الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟
مبحث: كلام أهل العلم في السبالين.
الفصل الثالث: التوقيت في قص الشارب.
الباب السادس: في اللحية.
تعريف اللحية.
الفصل الأول: ما جاء في أن إعفاء اللحية من الفطرة.
الفصل الثاني: في حكم إعفاء اللحية.
الفصل الثالث: حلق ما تحت الذقن.
الفصل الرابع: في نتف الشيب.
الفصل الخامس: في تغيير الشيب.
المبحث الأول: تغيير الشيب بغير السواد.
المبحث الثاني: تغيير الشيب بالسواد.
الباب السابع: في شعر الرأس.
الفصل الأول: في حلق شعر الرأس.
الفصل الثاني: في النهي عن القزع.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في تعريف القزع.