← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 1581

التلخيص الحبير - ط العلمية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (2 464 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السنة في القرن الرابع الهجري كان للتدهور السياسي في مبدأ هذا القرن عامل كبير في جعل الخلافة الإسلامية دويلات متناثرة فعبد الرحمن الناصر يلقب نفسه أمير المؤمنين بالأندلس "٣٢٥هـ" والفاطميون يستقلون بشمال إفريقية، والدولة الإخشيدية بمصر، ودولة بني حمدان في الموصل وحلب والشام، والشيعة الزيدية باليمن والدولة السامانية تسيطر على المشرق وعلى بلاد ما وراء النهر والدولة البويهية تسيطر على بغداد، ولم يكن لبني العباس نصيب من هؤلاء إلا مجرد الاسم. كانت الحياة السياسية مضطربة مائجة لكن هذه الأحداث التي غيرت خريطة الدولة الإسلامية كانت خيراً وبركة على الحركة العلمية التي انتشرت في كل مكان على يد العلماء الذين أخذوا يرحلون من قطر إلى قطر ومن مصر إلى مصر ويتلقى بعضهم عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ، وكان لهم نشاط علمي في نقد الرجال وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة، وبلغ التدوين في هذا الحصر أشده فظهر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب "المستدرك"، والدارقطني إمام عصره في "الجرح والتعديل" وحسن التأليف واتساع الرواية، وابن حبان "وصحيح" ابن خزيمة الذي قرظه العلماء بقولهم: "صحيح ابن خزيمة يكتب بماء الذهب" فإنه أصح ما صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين: البخاري ومسلم.

стр. 37

علم الجرح والتعديل هذا هو ميزان الرجال، وهو ميزان توزن به معادنهم فيتميز الذهب من النحاس والفضة من الرصاص، وهذا الفن هو عماد السنة إذ به يتميز الصحيح من السقيم وبه ينكشف حال الضعفاء والكذابين من الرواة وإقامة النكير عليهم صيانة للدين وهو أمر واجب على المسلمين، والحفاظ على الشريعة فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢] وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد دخل على النبي ثلاثة أحدهم أقبل عليه والآخر استحيا منه، والثالث أعرض عنه ﷺ فقال لمن حوله: "ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما الأول فقد أقبل فأقبل اللَّه عليه، أما الثاني فاستحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" ومن هنا يتبين لنا من أين أتى وجوب الجرح والتعديل، ولقد تكلم في هذا الفن خلائق لا يحصون منهم صاحبنا في كتابه "الكامل"

стр. 38

ابن عدي الجرجاني المتوفى سنّة "٣٦٥". وقل من جرح في القرن الأول لأن الصحابة كلهم عدول، ولا يكاد يوجد في هذا القرن من الضعفاء إلا القليل. أما القرن الثاني ففي أوساط التابعين وخيارهم وضعف جماعة منهم من قبل تحملهم وضبطهم للحديث وكانوا يرسلون كثيراً ويرفعون الموقوف مما أوقعهم في أغلاط، وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال الحافظان: يحيى بن سعيد القطان "١٨٩ هـ" وعبد الرحمن بن مهدي، وكانا محل ثقة من الناس فمن وثقاه صار موثوقاً عندهم ومن جرحاه صار مجروحاً. ومن اختلفا فيه- وهو قليل- رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم ثم ظهرت طبقة أخرى يرجع إليهم من هذا الفن منهم يزيد بن هارون "٢٠٦ هـ" وأبو داود الطيالسي "٢٠٤ هـ" وعبد الرزاق بن همام "٢١١ هـ" وأبو عاصم النبيل بن مخلد "٢١٢هـ". ثم صنفت الكتب في "الجرح والتعديل" و"العلل"، وبينت فيها أحوال الرجال وكان أقطاب الجرح والتعديل آنئذ جماعة منهم: يحيى بن معين "٢٣٣ هـ" من طبقة أحمد بن حنبل "٢٤١ هـ"، وكاتب الواقدي محمد بن سعد وأبو خيثمة زهير بن حرب "٢٣٤ هـ" وأبو جعفر النبيل وعلي بن المديني "٢٣٤ هـ" وابن نمير "٢٣٤ هـ" وأبو بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف والمعروف "٢٣٥ هـ" وكل هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل وقد وضعوا في ذلك المؤلفات، فمنهم من تكلم عن الضعفاء من الرواة وآخرون اقتصروا على الثقات وبعضهم جمع بين النوعين. وممن تفرد بالكتابة عن الثقات أبو حاتم بن حبان الذي قال في صفة العدل من الرجال: "العدل من لم يعرف منه الجرح إذ الجرح ضد العدالة فمن لم يعرف بجرح فهو عدل" اهـ. أما عن كتب الضعفاء فقد صنف فيها كثير من الحفاظ ككتاب الضعفاء لإمام المحدثين أبي عبد اللَّه البخاري، وكتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، وكتاب الضعفاء لصاحب كتاب الثقات أبي حاتم البستي، وكتاب الضعفاء للدار قطني. ومن الكتب المهمة في ذلك الكتاب المسمى بـ"الكامل" لأبي أحمد عبد الله بن محمد ابن عدي بن عبد الله بن محمد بن المبارك الجرجاني الحافظ الكبير أحد الجهابذة المرجوع إليهم في العلل والرجال ومعرفة الضعفاء المتوفي سنّة "٣٦٥ هـ" وهو كتاب جامع، وسفر وافٍ حيث ذكر فيه المصنف كل من تكلم فيه وإن كان من رجال "الصحيحين"، وتفرد عن كتب الضعفاء بذكر حديث أو أكثر من الغرائب والمناكير عند ترجمة كل راوٍ مسته يد الجرح أو أشهر في وجهه سيف الذب عن عرض رسول الله ﷺ بكذب أو افتراء أو وضع أو نسيان من

стр. 39

أحد المغفلين أو ممن اختلط بآخره. ومن عجيب أنك ترى هذا السفر الجليل قد ألف في مقدار ستين جزءاً في اثني عشر مجلداً، ويعتبر هذا الكتاب أكمل كتب الجرح وعليه اعتماد العلماء فرحمه الله تعالى وجزاه عن رسول الله ﷺ خيراً ما جازى عالماً من خواص علماء أمته.

стр. 40

جرح الضعفاء من النصيحة قال ﷺ : "الدين النصيحة". قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "للَّه ولكتابه ولعامة المؤمنين وخاصتهم" ١. قلت: ومن الخاصة رواة الحديث، فجرحهم جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه صيانة للشريعة المكرمة وليس هو من الغيبة المحرمة كما ثبت ذلك في حديث الثلاثة الذين دخلوا على رسول الله ﷺ فقد تحدث رسول الله ﷺ عن المعرض الذي لم يكن حاضراً بين القديم ولم يكن ذلك غيبة منه ﷺ بل هو تحذير من فعله للسامعين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من الإعراض عن رسول الله ﷺ الذي قد يؤدي إلى الكفر والعياذ باللَّه، بل إن النبي ﷺ هو أول من جرح وعدل على الإطلاق، ألا ترى إليه وهو يقول في رجل استأذن عليه يوماً: "ائذنوا له بئس أخو العشيرة". وتسأله فاطمة بنت قيس عن رأيه في خطبها معاوية وأبي جهم، فيقول لها: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأبو جهم لا يضع عصاه عن عاتقه" ٢. وأما تعديله ﷺ فكقوله في عبد الله بن عمر: "نعم الرجل لو كان يقيم الليل". وقوله: "نعم الرجل خريم الأسدي" … الحديث٣. ثم هب أنك إمام بئر مغطى، ومن مشى على غطائه وقع فيه فأرديَ قتيلاً، ثم أراد مسلم أن يمشي على غطاء هذا البئر فهل تسكت فتكون آثماً أم تجذب فتكون ناصحاً أميناً؟ وقد تركت لك الإجابة لتختر أيهما شئت أيها الناصح للَّه ورسوله.

стр. 41

وجمهور الأئمة على أن الجرح المفسر مقدم على التعديل ولو كان عدد الجارح أقل من المعدل. وهذا النوع من السلوك يأخذ به مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية حين يقدم لأعضائه كتاباً من الكتب لطبعه ونشره فتكتب عنه اللجنة تقريراً كل على حدة فإذا عدله الجميع وجرحه واحد رفض الكتاب وما أجمل أن تعيش سنّة نبينا هكذا. وقال البعض: إذا زاد عدد المعدلين على المجروحين قدم التعديل، وهذا القول وإن ضعف لكنه المتجه حتى الآن. وقال السبكي في قاعدته في الجرح والتعديل: لا يفهم هذه القاعدة على إطلاقها فإننا لو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون، اهـ١. قلت: والأصل العدالة والجرح طارىء والعصمة محالة إلا في نبي أو أمة مجتمعة لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٢ وحتى لا يذهب غالب أحاديث الشريعة، وإحسانك الظن بالراوي المستور أولى من تجريحه، والحكمة من تضعيف بعض الأحاديث نوع من الرحمة بالأمة إذ لو صحت كلها لوجب العمل بها وهو تكليف بما لا يطاق، واللَّه لم يكلفنا ذلك، ثم إن الحديث الضعيف قد ورد عن النبي ﷺ لكن بسند ضعيف، فالحديث يقوى نوره بصحة سنده، ويضعف نوره بضعف سنده، والله أعلم.

стр. 42

قواعد في الجرح والتعديل كثير من عامة العلماء، والذين لا يستنبطون الأمور منهم إذا رأوا الجرح والتعديل ظنوا أن العمل على جرحه، والصواب أن من ثبتت عدالته وإمامته، وكثر مادحوه، وقل قادحوه، وكان هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لا يلتفت إلى تجريحه وعمل فيه بالعدالة، ولو فتح هذا الباب على مصراعيه لما سلم أحد من الأئمة؛ فكم من إمام طعن عليه طاعنون، وهلك فيه هالكون١ من إفك الحديث عنه. وانظرا إلى ابن عبد البر في كتاب العلم تراه يعقد باباً في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وذكر فيه أحاديث مسندة مرفوعة وموقوفة ثم ينقل من أقوال العلماء ما يفيد أنه لا تجوز

стр. 43

شهادة القارىء على القارىء- يعني العلماء- لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغضاً. ومن القائلين بذلك سفيان الثوري ومالك بن دينار وعبد الله بن وهب في "مبسوطته". واستدل ابن عبد البر بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد، وانتهى إلى كلام أبو معين في الشافعي حتى قال الإمام أحمد: من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقوله الشافعي ومن جهل شيئاً عاداه. كما ذكر ابن عبد السلام بن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد بن مالك بن أنس، كما تكلم فيه عبد العزيز أبي سلمة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومحمد بن إسحاق، وابن أبى يحيى وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً. ولا ابن معين في الشافعي، ولا النسائي في أحمد بن صالح "٢٤٨ هـ" لأن هؤلاء أئمة مشهورون فصار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله. ولكي يصح تطبيق القاعدة لا بد من تفقد حال الجارح والمجروح من اختلاف عقدي أو تعصب مذهبي حتى لا يحيل الجارح ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق. وكم من أئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب. يقول ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام١. وما يتفقد عند الجرح أيضاً: حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف أعراف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحاً وفي بعضها ذماً. كما ينبغي أن يتفقد حاله في العلم بالأحكام الشرعية، فرب جاهل ظن الحلال حراماً فجرح به. كما يجب أن يتفقد الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأهل الحديث. والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعاً، وكذا إن تساوياً أما إن كان الجارح أقل يطلب الترجيح٢. إذا ما عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدماً. ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين: إحداهما: أن قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسراً إنما هو أيضاً في جرح من ثبتت عدالته

стр. 44

واستقرت، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له: ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله، ولكن ابتدره جارحان ومزكيان؛ فيقال إذ ذاك للجارحين: فسرا ما رميتماه به، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا، ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه. والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكاً إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق، بل يكون بين بين، أما إذا انتفت الظنون، واندفعت التهم، وكان الجارح حبراً من أحبار الأمة مبرءاً عن مظان التهمة، أو كان المجروح مشهوراً بالضعف، متروكاً بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه، ولا نحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه- والحالة هذه- طلب لغيبة لا حاجة إليها. وعلى سبيل المثال لا الحصر نحن نقبل قول ابن معين في إبراهيم بن شعيب المدني: إنه ليس بشيء، وفي إبراهيم بن يزيد المدني: إنه ضعيف، وفى الحسين بن الفرج الخياط: إنه كذاب يسرق الحديث، وعلى هذا- وإن لم يبين الجرح- لأنه إمام مقدم في هذه الصناعة١ جرح طائفة غير ثابتي العدالة والثبت، ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنه غير محق بالنسبة إليه. ولا يفوتني قبل إنهاء هذه القاعدة أن أنبهك أيها القارىء الواعي والخبير بهذه الصناعة أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلامهم بعضهم في بعض فإن قدرت على التأويل القائم على حسن الظن فدونك وإلا فغض الطرف، واضرب صفحاً عما شجر بينهم، فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل وليس لي ولك إلا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 45

نبذة عن المؤرخين المؤرخون لهم كبير سلطان في تطويع أقلامهم حيثما شاؤوا وكيفما أرادوا يضعون بها أناساً ويرفعون آخرين؛ إما لتعصب أو جهل أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به أو لغير ذلك من الأسباب. والجهل والتعصب في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل، ولذلك وضع للمؤرخ شروط حتى يقبل مدحه وذمه.

стр. 46

أولها: الصدق. ثانيها: النقل الذي يعتمد على اللفظ دون المعنى؛ لأن الناقل إذا اعتمد اللفظ فقد بريء من العهدة، وأدى الأمانة كما تلقاها ورآها، أما إذا اعتمد المعنى وأداه بلفظ من عنده؛ فقد يبعد تعبيره عن الواقع الذي عبر عنه القائل الأول فيختلف الحكم بين عبارة القائل وعبارة الناقل. ثالثها: ألا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك. رابعها: أن يسمى المنقول عنه. خامسها: التحري منه فيما يراه من الكلام الذي يتضمن غمزاً أو لمزاً أو جرحاً أو حطّاً على أحد المعتبرين من السلف الصالح لما أمرنا من الإمساك عما كان بينهم، والتأويل بما لا يحط من أقدارهم. كما يشترط فيه أيضاً عند ترجمته للأعلام ما يلي: أولاً: معرفته بحال صاحب الترجمة علماً وديناً وغيرهما من الصفات. ثانياً: أن يكون حسن العبارة عارفاً بمدلولات الألفاظ. ثالثاً: أن يكون حسن التصور حتى يتصور جميع حال ذلك الشخص ثم يعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه. رابعاً: ألا يغلبه الهوى. خامساً: حضور التصور زائداً على حسن التصور والعلم؛ فهذه عشرة شروط في المؤرخ، وأصعبها الإطلاع على حال الشخص في العلم فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، والقرب منه حتى تعرف مرتبته اهـ. وبالجملة فلا بد أن يكون المؤرخ عالماً عادلاً عارفاً بحال من يترجم له ليس بينه وبين الصداقة ما قد يحمله على التعصب له، ولا من العداوة ما قد يحمله على الغض منه. والله أعلم.

стр. 47

المتكلمون في الرجال ومن يعتبر بقوله منهم قال الحافظ السخاوي: وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى ومصابيح الظلم، المستضاء بهم في دفع الرديء لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة ﵃ وهلم جراً١.

стр. 48

سرد ابن عدي في مقدمة "كامله" منهم خلقاً إلى زمنه١ وفي عنوان هذا الفصل قال: "ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى يومنا هذا رجلاً عن رجل". قال العلامة الشيخ أبو غدة: وقول ابن عدي من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين متعلق بمن استجاز لا بمن تبين كذبه؛ إذ الصحابة كلهم عدول والتابعون أكثرهم ثقات. وذكر ابن عدي رهطاً من الصحابة، وسرد من التابعين عدداً لم يظهر ضعف فيهم إلا الواحد بعد الواحد كالحارث الأعور والمختار الثقفي الكذاب. فلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضعفوا غالباً من قبلهم وضبطهم للحديث، فتراهم يرفعون الموقوف ويرسلون كثيراً، ولهم غلط كأبي هارون العبدي٢. فلما كان عند آخر عصر التابعين تكلم في التوثيق والتجريح طائفة من الأئمة هم: أبو حنيفة الأعمش، وشعبة وغيرهم تكلم بعضهم في تكذيب البعض، وتحدث بعضهم في التضعيف والتوثيق، ونظر بعضهم في الرجال، وكان هؤلاء متثبتين لا يكادون يروون إلا عن ثقات. وقد قسم الحافظ الذهبي من تكلم في الرجال أقساماً: قسم تكلم في الرواة جميعهم كابن معين وأبي حاتم. وآخر تكلم في كثير من الرواة كمالك وشعبة. وثالث تكلم في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي. وهذا الكل على ثلاثة أقسام أيضاً: متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث. فهذا الصنف إذا وثق شخصاً فعض عليه بنواجذك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر ها هناك من شاركه في تضعيفه، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فارجع إلى قولهم: لا يقال فيه الجرح إلا مفسراً "يعني مبيناً سبب تضعيفه" حيث لا يكفي قول ابن معين مثلاً هو ضعيف من غير بيان السبب ثم يجيء البخاري وغيره فيوثقونه. قال الحافظ الذهبي: لم يجتمع اثنان "أي من طبقة واحدة" من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، اهـ٣.

стр. 49

وقسم ثان متسمع كالترمذي والحاكم. وثالث معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي. فجزى اللَّه، الكل عن الإسلام والمسلمين خيراً فهم مأجورون إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 50

جهود الصحابة والتابعين في مقاومة الوضاعين سئل عبد اللَّه بن المبارك ﵁ عن الأحاديث الموضوعة فقال: تعيش لها الجهابذة ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وإليك ما بذله هؤلاء الجهابذة في سبيل حفظ الحديث الشريف أوجزها لك على النحو التالي: أولاً:- التزام الإسناد: لم يكن المسلمون في صدر الإسلام إلى خلافة عثمان يكذب بعضهم بعضاً، فالثقة تملأ صدورهم، والإيمان يعمر قلوبهم حتى إذا ما وقعت الفتنة العمياء التي تبناها عبد الله بن سبأ اليهودي، وتكونت على أثرها الفرق والأحزاب وبدأ الكذب على رسول الله من ذوي الأغراض والأهواء وقف الصحابة والتابعون لها وقفة قوية للحفاظ على الحديث الذي كان محفوظاً في الصدور، ومكتوباً من بعض الصحابة في السطور وأصبحوا يشددون في طلب الإسناد من الرواة، والتزموه في الحديث لأن السند للخبر كالنسب للمرء. يقول محمد بن سيرين: "لم يكونوا ﵃ يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم"١. كان الصدق والإخلاص والأمانة رائد هؤلاء فكان السند عندهم قائماً يرويه صحابي عن آخر إذا لم يسمعه من رسول الله ﷺ مباشرة، فكان البراء بن عازب يحدث عن علي عن رسول الله ﷺ ، وكذلك أبو أيوب الأنصاري عن أبي هريرة، وقد حدث الصحابة بعضهم عن بعض. ولقد عرفوا الإسناد قبل الإسلام ولعل خير دليل ما كانوا يسندونه من القصص والأشعار في الجاهلية، وإنما التزموا التثبت من الإسناد بعد وقوع الفتنة، وهكذا كان ابن عباس لا يأذن للبعض أثناء الحديث أي لا يعطي المحدث أذنه ولا يصغي إليه حتى إذا ما سئل في ذلك أجاب: كنا إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول اللَّه ﷺ ابتدرناه بأبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف٢.

стр. 51

والتزم الإسناد من بعدهم التابعون فكان الشعبي يتنقل من راوٍ إلى راو حتى قال يحيى بن سعيد: "وهذا أول من فتش في الإسناد". وقال أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فما رضينا حتى رحلنا إليهم فسمعناها من أفواههم١. ويقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء٢. وقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره فها هو أبو داود الطيالسي يقول: وجدنا الحديث عن أربعة: الزهري وقتادة وأبي إسحاق والأعمش فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف والزهري أعلمهم بالإسناد وأبو إسحاق أعلمهم بحديث علي وابن مسعود، وكان عند الأعمش من كل هذا٣. ولا يطعن في التزام التابعين بالإسناد المتصل ما روي عن بعض التابعين من المراسيل؛ لأن هناك روايات تؤكد أن هذا المرسل كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن الإسناد. وهذا يؤكد أنهم كانوا على جانب كبير من العلم ومعرفة السند وإنما كانوا يتركونه اختصاراً، وكان الجالسون يثقون فيهم، وكيف لا وهم أنفسهم سند؟. ثانياً:- مضاعفة النشاط العلمي والتثبت من الحديث: من نعم الله على المسلمين أن الصحابة قد تفرقت في الأمصار والأقطار، وزاد الله لهم في الأعمار ليسهموا في حفظ السنّة عقب الفتنة وظهور البدعة. وكان التابعون وأتباع التابعين على نطاق واسع من التنقل والترحال في سبيل تحمل الحديث عن الثقات ومذاكرة الأحاديث، يقول سعيد بن المسيب: "إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد" وعن الزهري عن ابن المسيب مثله٤. وكان أئمة الحديث في هذا العصر على جانب عظيم من الوعي والإطلاع، فقد كانوا يحفظون الحديث الصحيح والضعيف والموضوع حتى لا يختلط عليهم الحديث وليميزوا الخبيث من الطيب. ثالثاً- تتبع الكذبة: وذلك بمحاربتهم على رؤوس الأشهاد ومنعهم من التحديث ويستعدون عليهم الحكام فكان من نتيجة ذلك أن توارى كثير من الكذابين وكفوا عن

стр. 52

كذبهم بعد افتضاح أمرهم وكشف عوارهم. رابعاً- بيان أحوال الرواة: كان لا بد للصحابة والتابعين ومن بعدهم من معرفة الرواة معرفة تمكنهم من الحكم بصدقهم أو كذبهم فدرسوا حياتهم وتواريخهم وأحوالهم. يقول ابن عدي في "كامله": قال الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ. كانوا يبينون أحوالهم وينقدونهم حسبة للَّه، لا تأخذهم خشية، ولا توجههم عاطفة فلا يحابون أباً ولا أخاً، ولا ولداً فهذا ابن أنيسة يقول: لا تأخذوا عن أخي، وهذا علي بن المديني يقول عن أبيه: سلوا عنه غيري. بل إنهم كانوا يعينون أياماً للناس يحدثونهم فيها عن الكذابين. قال أبو زيد الأنصاري النحوي: "أتينا شعبة يوم مطر فطلب الحديث فقال: ليس هذا يوم الحديث، واليوم يوم غيبة، تعالوا نغتاب الكذابين"١. قلت: وحاشاه- ﵁ أن يكون مغتاباً إذ لا غيبة لفاسق٢ وأفسق الفساق الكذابون. سئل ﷺ : أيكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . وهكذا تكون علم الجرح والتعديل الذي وضع أصوله كبار الصحابة والتابعين على ضوء الشريعة الغراء وسنّة خير الأنبياء فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا … ﴾ [الحجرات: ٦] الآية. وقوله ﷺ في الجرح: "بئس أخو العشيرة" وفي التعديل: "نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم الليل". وقد بين هؤلاء من تقبل روايته ومن لا تقبل، وتكلموا في العدالة وموجباتها، وفي الجرح وأسبابه، وقد نص الخليفة عمر على العدالة ووضع أول الأسس لذلك في كتاب له إلى أبي موسى الأشعري فقال: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرياً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد". وقال الإمام مالك: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤمن من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث.

стр. 53

خامساً- وضع قواعد لمعرفة الموضوع من الحديث: ومن هذه القواعد ما يدل على الوضع في السند، وما يدل عليه في المتن، وذلك بعلامات هي: ١ - علامات الوضع في السند: أ- أن يعترف الراوي بأنه كذاب والاعتراف سيد الأدلة وأن يقر باختلافه فيما روى وفي مثل هذا يقول أبو جزي للجالسين حوله وهو مريض: "أشهدكم أني وضعت من الحديث كذا وكذا وإني أستغفر الله منها وأتوب إليه" وهذا أقوى دليل على كون الحديث موضوعاً. ب- وجود قرينة تقوم مقام الاعتراف بالوضع كالرواية عن شيخ لم يلقه أو يروي عن شيخ في بلد لم يرحل إليه، أو يروي عن شيخ ولد الراوي بعد وفاته أو توفي هذا الشيخ والراوي صغير لا يدرك. ب- أن ينفرد راوٍ معروف بالكذب برواية حديث ولا يرويه ثقة غيره فيحكم على روايته بالوضع. د- حال الراوي نفسه. ٢- علامات الوضع في المتن: أ- ركاكة اللفظ في المروي، ويعرف ذلك أهل اللغة والفصاحة من المحدثين. ب.- فساد المعنى: كقولهم: ربيع أمتي العنب والبطيخ أو قولهم: الباذنجان لما أكل له، أو الباذنجان شفاء من كل داء، أو كل حديث يشتمل على سخافات لا تصدر عن العقلاء فضلاً عن سيد العلماء وخير الأنبياء الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً. جـ- ومنها ما يناقض نص الكتاب أو السنّة المتواترة أو الإجماع القطعي. د- ومنها ما يدعيه البعض من أن الصحابة عرفوا بعض الأحاديث ولكنهم تواطئوا على كتمانها وللشيعة باع طويل في مثل هذه الدعاوى الكاذبة. هـ- وكل حديث يخالف الحقائق التاريخية كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر وهو كاذب من عدة وجوه ذكرها ابن القيم في عشرة أدلة قوية منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد توفي في غزوة الخندق فكيف شهد في خيبر؟. ومنها أن الجزية لم تكن نزلت حتى ذلك الحين ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما فرضت بعد عام تبوك فأين خيبر منها؟ و موافقة الحديث لمذهب الراوي المتعصب المغالي في تعصبه كالروافض والمرجئة هؤلاء في أهل البيت، وهؤلاء في الإرجاء.

стр. 54

ز- ومنها اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير.

стр. 55

ألفاظ تدل على الصحة أو الحسن من هذه الألفاظ: جيد- قوي- صالح- محفوظ- معروف- مجود- ثابت- مشبه. الجيد: جاء في عبارة المحدثين: جيد وأجود، وجوّده، فمثلاً: أخرج الترمذي في باب "ما جاء في الصدق والكذب" قال: حدثنا يحيى بن موسى قال: قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني: حدثكم عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً من نتن ما جاء به" قال يحيى: وأقر به عبد الرحيم بن هارون، فقال: نعم. قال أبو عيسى: هذا حديث.- حسن جيد غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، تفرد به عبد الرحيم بن هارون. ولما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أن أصح الأسانيد الزهري، عن سالم، عن أبيه. قال شيخ الإسلام: عبارة أحمد أجود الأسانيد، وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح. وعن علي- ﵁ قال: "جعت مرة جوعاً شديداً، فخرجت لطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدراً، فظننتها تريد بله، فقاطعتها: كل ذنوب على تمرة، فعددت ستة عشر ذنوباً، حتى مجلت يداي، ثم أتيتها، فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأكل معي منها" رواه أحمد. قال الشوكاني: حديث علي ﵇ جود الحافظ إسناده اهـ. قال البلقيني: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة. وقال بعضهم: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح. القوي: وهو عندهم مثل الجيد. الصالح: قال أبو داود في شأن كتابه: "ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه من حديث وَهَنٌ شديد، فقد بينته. ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض".

стр. 56

فقد فهم من قوله: "وهن شديد بينته" أن الحديث الذي فيه وهن لكنه ليس بشديد لا يبينه، ويكون عنده صالحاً للاحتجاج به بقوله بعد ذلك: "ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح". قال النووي: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مطلقاً، ولم يصححه غيره من المعتمدين ولا ضعفه فهو حسن عن أبي داود، وعلله السيوطي بأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح. وإذا كان أبو داود يخرِّج عن كل من لم يُجْمَع على تركه، ويخرِّج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره- إلا أنه أقوى عنده من رأي الرجال- ولا ينبه على الضعيف إلا إذا اشتد وهنه، فيحتمل أن يريد بقوله: "صالح" الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضاً. وقال ابن كثير: إنه روى عنه: "وما سكت عليه فهو حسن" فإن صح ذلك فلا إشكال. وبناء على ما تقدم يمكن أن نقول: إن التعبير بكلمة "صالح" صالحة لأن تكون بمعنى صالح للاحتجاج، فتشمل الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما، وأن يكون بمعنى صالح للاعتبار، فتستعمل في الضعيف الذي يصلح أن تكون تابعاً أو شاهداً. وقال الشوكاني في مقدمة "نيل الأوطار": وقد اعتنى المنذري- ﵀ في نقد الأحاديث المذكورة في "سنن أبي داود"، وبين ضعيف كثير مما سكت عنه، فيكون ذلك خارجاً عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح – يريد "نيل الأوطار"- ولذلك كثيراً ما يقول فيه: سكت عنه أبو داود والمنذري. المحفوظ: قال ابن حجر: إن خولف راوي الصحيح والحسن بأرجح منه لمزيد ضبطه أو كثرة عدده أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالرجح يقال له: المحفوظ، ومقابله، وهو المرجوح يقال له: الشاذ. فالمحفوظ: هو حديث الثقة الذي رجحت روايته على حديث الثقة الذي كانت روايته مرجوحة بأحد وجوه الترجيحات المعتبرة في الترجيح، ويقال لمقابله: الشاذ. المعروف: قال ابن حجر. فان وقعت المخالفة مع الضعف، فإن كان الراوي المخالف ضعيفاً لسوء الحفظ أو الجهالة فالراجح من الحديثين يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر. فالمعروف: هو حديث الثقة المخالف لحديث غير الثقة. وهذا باعتبار الأغلب، وإلا فقد يطلق كل من المحفوظ والمعروف أحدهما على الآخر. والمجود والثابت: وهما يشملان عند المحدثين الصحيح والحسن.

стр. 57

المشبه: قال السيوطي: من ألفاظهم المشبه، وهو يطلق على الحسن، وما يقاربه، فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح. قال أبو حاتم: أخرج عمرو بن حصين أول شيء أحاديث مشبهة حساناً، ثم أخرج بعد أحاديث موضوعة، فأفسد علينا ما كتبنا، اهـ.

стр. 58

مبحث في ألفاظ خاصة عند أهل الجرح والتعديل لقد اعتنى علماء الحديث عناية خاصة بمصادر الأخبار التي تتوارد عليهم وفتشوا في إسنادها، فالإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء. ومن لوازم معرفة الإسناد السؤال عن رجاله من حيث أمانتهم ومعتقداتهم وعباداتهم وسلوكهم يقول شعبة بن الحجاج: ما كانوا يأخذون عن الرجل حتى ينظروا إلى صلاته وهيئته وسمته. قال الشعبي في الربيع بن خيثم: كان من معادن الصدق، وقال: حدثني الأعور وكان كذاباً. وفي ثوير بن أبي فاختة قال الثوري: كان من أركان الكذب وكان الأعمش يروي عنه. قلت: وكان الأعمش سليمان بن مهران من أمراء المؤمنين في الحديث وقال في حجاج بن أرطأة: عليكم به فإنه ما لقي أحد أعرف بما خرج من رأسه منه. وقال الأوزاعي في إسماعيل بن مهاجر الدمشقي: كان مأموناً على ما حدث. تلك ألفاظ قد عرضناها لك أيها القارىء أطلقت في تجريح لعض الرواة وتوثيقهم، ولكنها لم تكن منظمة ولا محددة حتى جاء القرن الثالث والرابع الهجريين حيث التدوين لسائر المعارف والعلوم التي تخدم الكتاب والسنة، ومنها وضع قواعد علم الجرح والتعديل حتى توثقت عراه واستقامت دعائمه، ورسخت قواعده فبين المحدثون مرادهم في كثير من الألفاظ، وألفوا العديد من المصنفات الخاصة بالثقات وأخرى خاصة كالضعفاء والمتروكين والكذابين وثالثة جمعت بين الثقات والضعفاء إلى غير ذلك من كتب التواريخ المعنية برجال الحديث بصفة رئيسية، وكذلك كتب الطبقات والأنساب، ورغم هذه الجهود الطيبة الواعية والدقيقة إلا أنه ما من كمال إلا وهناك ما هو أكمل منه، وما من قانون بشري إلا وتتفاوت فيه العقليات وتعتريه المعضلات والمشكلات هي أشبه بالثغرات تخترق هذا الصرح الشامخ التليد. ومن هذه المعضلات:

стр. 59

اختلاف مراد بعض الأئمة في اللفظة الواحدة كقولهم:"فلان ليس بشيء" فأكثر النقاد يستعملونها ويقصدون بها غالباً الجرح الشديد الذي نزل عن درجة الاعتبار إلى درجة الترك، بينما يذكر لنا ابن القطان أن مراد يحيى بن معين من هذه اللفظة أن أحاديث هذا الراوي قليلة، أو اختلافهم في الراوي الواحد كقول أبي زرعة في خطاب ابن القاسم الحراني: ثقة بينما نقل سعيد اليرذعي عنه أنه قال عنه: منكر الحديث يقال: إنه اختلط قبل موته. كذلك تتجسم المشكلة حين تسمع بعض الألفاظ النادرة الاستعمال، وقد وردت على لسان أحد النقاد وهو يستعملها في تجريح أحد الضعفاء أو تعديل أحد الثقات فيصعب عليه معرفة مراده في بعض الأحيان هل أراد التوثيق أو قصد التجريح؟ حتى إن الحافظ العراقي وهو إمام هذا الفن في وقته التبس عليه مراد أبي حاتم في قوله: "هو على يدي عدل" حيث عدها في ألفاظ التوثيق وهي في الحقيقة من ألفاظ التجريح. قال ابن حجر العسقلاني: كنت أظن أنها من ألفاظ التوثيق حتى ظهر لي أنها عند ابن أبي حاتم من ألفاظ التجريح، ومن وقف على عبارات القوم ومصطلحاتهم فيها فهم مقاصدهم ومراميهم، ولكي أسهل لك مهمة التعرف على بعض هذه العبارات التي استعملت في تجريح الرجال وتوثيقهم سأقوم بشرح بعض ألفاظها مبسطاً لعلك بها تهتدي وبسلوك أهلها تقتدي١. سِدَاد من عيسى استعمل هذه العبارة أبو بكر الأعين في وصف حال سويد بن سعيد الهروي حيث قال: "هو سداد من عيسى هو شيخ". معنى اللفظ [بكسر السين] كل شيء سددت به خللاً هذا قول أبي عبيدة في معناها. وقال النضر بن شميل: أي ما يكفي حاجته. كان فسلاً هذا التعبير استعمله شعبة بن الحجاج في اثنين من الرواة ميمون البصري الكندي، وسيف بن وهب التيمي. قال أهل اللغة: الفسل: الرّذل النّذْل لا مروءة له ولا جلد. وأخذوا من المعنى اللغوي المعنى الاصطلاحي الذي أراده، وهو أنه ضعيف وأحاديثه ضعيفة ومعلة.

стр. 60

جمال المحامل استعملها المحدثون على معناها المجازي في تجريح الرواة وتعديلهم، فقالوا: جمال المحامل أو جمازات المحامل، أو ليس من أهل القباب يعنون به كمال الرجل في عقله وتجربته فتستعمل بالمعنى الاصطلاحي في التوثيق كما تستعمل في التجريح إذا سبقت بـ "ليس" أي ليس هو من جمال المحامل، وكذلك من أهل القباب أو ليس من أهل القباب. وأول من استعمل هذا التعبير هو الإمام مالك حيث جرح به عطاف بن خالد بن عبد الله بن العاص أبا صفوان المدني فقال عنه: ليس هو من جمال المحامل. ونقل المزني عنه أنه قال: ليس من أهل القباب ومعنى القباب الهوادج وهي مركب من مراكب النساء. قال صاحب المحكم: هو من العصي يجعل فوقه الخشب ثم يقبب، وقال ابن الأثير: القبة من الخباء وبيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب. وخلاصة القول فيه: أنه لا يقوى على تحمل الحديث. ما أشبه حديثه بثياب نيسابور هذا التشبيه استعمله الحافظ إبراهيم الجوزجاني لتضعيف رواية إسماعيل بن عياش، وتجريحه مأخوذ من طريقة أهل نيسابور في بيعهم الثياب حيث يضعون عليها الأثمان العالية في يغروا بها المشتري، ولعلهم اشتروها بأبخس الأثمان. قال الجوزجاني: قلت لأبي اليمان "ما أشبه إسماعيل بثياب نيسابور يرقم بائعه على الثوب مائة، ولعله اشتراه بعشرة أو بدونها"، وكان إسماعيل من أروى الناس عن الكذابين، وهو في حديث الثقات من الشاميين أحمدُ منه في حديث غيرهم. قال ابن عدي: إذا روى إسماعيل عن قوم من أهل الحجاز فلا يخلو من غلط فيغلط؛ إما أن يكون حديثاً برأسه أو مرسلاً يوصله أو موقوفاً يرفعه. في دار فلان شجر يحمل الحديث هذا التعبير من مفردات علي بن المديني، وقد استعمله في تجريح اثنين من الرواة: عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة الذي روى عن سلام بن مطيع الخزاعي، وخليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العصفري أبو عمرو البصري. أما الأول فقد اتفق الأئمة على تضعيفه، بل اتهمه بعضهم بالوضع. وأما الآخر فقد غمزه ابن المديني ووثقه الكثير. قال ابن عدي: "وهو مستقيم الحديث صدوق".

стр. 61

هو على يدي عدل هذه العبارة من ألفاظ التجريح وأول من استعملها أبو حاتم الرازي، وكان البعض يظنها من ألفاظ التعديل منهم الحافظ العراقي وقد نقل ذلك عنه تلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني، والعبارة كما فرعها تلاميذ الحافظ العراقي أنها كناية عن الهالك وهو تضعيف شديد. وذكرها أبو حاتم الرازي في جبارة بن المغلس وشبهه بالقاسم بن أبي شيبة وكلاهما ضعيف متروك الحديث. وكانت طريقة أبي حاتم في تجريحه لبعض الرواة ينعتهم بأكثر من لفظ أو يجمع ألفاظاً مترادفة، ويعقبها بلفظة شديدة قاسية. فيذكر أحدهم مجرحاً له بقوله: ضعيف الحديث ليس بقوي هو على يدي عدل. فقوله: ضعيف الحديث يعني من المنزلة الثالثة: أي لا يطرح حديثه بل يعتبر به. وقوله: ليس بقوي أي دون من قال فيه "لين الحديث" وهو الذي يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً، وقد يراد بها الذي لم ي! لغ درجة القوي الثبت. وقوله: هو على يدي عدل أي أنه متروك الحديث أراد بهذا المنهج في عباراته التدرج في وصفه وبيان حاله حتى انتهى به إلى ترك حديثه والله أعلم. لا يكتب عنه إلا زحفاً من مفردات أبي حاتم الرازي أيضاً، ولم يشاركه واحد من رجال الجرح والتعديل فيه. وقد استعملها أبو حاتم في خمسة من الرواة: خالد بن إلياس أو إياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة لم يوثقه أحد من النقاد. عبد الحكيم بن عبد الله القسملي، لم يوثقه أحد واتهمه البعض بالوضع. قال البخاري: منكر الحديث. عبد الخالق بن زيد بن واقد الدمشقي، ضعفه النقاد، ولم يعدله أحد منهم. داود بن عطاء المزني: لم يوثقه أحد. حمزة بن نجيح أبو عمارة: يكتب حديثاً زحفاً كسابقيه. كان ممن أخرجت له الأرض أفلاذ أكبادها تعبير استعمله ابن حبان البستي في تجريح الرواة، حيث قاله في محمد بن عبد الرحمن البيلماني الذي كان ضعيفاً منكر الحديث مضطربه.

стр. 62

قال ابن عدي: وكل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه وإذا روى عنه محمد بن الحارث فهما ضعيفان. قد عرفته هذه اللفظة تفرد بها الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك وإذا قال في الراوي: قد عرفته فقد أهلكه. وقد سئل عن عبد السلام بن حرب فقال: قد عرفته وقد عد الحافظ الذهبي هذه العبارة في المرتبة الثالثة من مراتب التجريح، وعدها الحافظ العراقي في المنزلة الثانية، ولعل ابن المبارك لا يقصد هلاكه لدرجة تركه فإن من النقاد من وثقه، وأنه قصد بها مجرد التضعيف والله أعلم. اتق حيات سلم لا تلسعك لفظ تجريح استعمله ابن المبارك أيضاً في سلم بن سالم البلخي. سئل عنه ابن المبارك فقال: اتق حيات سلم لا تلسعك. وقال في موضع آخر: هذا من عقارب سلم، وكان ابن المبارك يكذبه. قال الخطب البغدادي: كان رأساً من رءوس الإرجاء ومن دعاة هذا المذهب، والذي أوقف ابن المبارك منه هذا الموقف أنه كان يروي الأحاديث الموضوعة ويسندها له. قال ابن الجوزي: اتفق المحدثون على تضعيف رواياته. دجال من الدجاجلة هذا التعبير استعمله اثنان من النقاد: الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة. وأبو حاتم محمد بن حبان البستي. قال الأزهري في "تهذيب اللغة": كل كذاب فهو دجال. وقد أطلق مالك هذه العبارة على محمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير. واحتاط الأئمة والحفاظ من المحدثين في قبول هذا التجريح من مالك لمحمد بن إسحاق لأنهما من الأقران واستعمله ابن حبان "دجال من الدجاجلة" في محمد بن أبي الزعيزعة وكان يروي الموضوعات.

стр. 63

يفتعل الحديث هذا التعبير من استعمال أبي حاتم وأبي زرعة في تجريح: محمد بن أبان بن عائشة القصراني. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هو كذاب كان يفتعل الحديث وكان لا يحسن أن يفتعل، قال أبو زرعة: أول ما قدم ابن أبان مدينة "الرّيّ" قال للناس: أي شيء يشتهي أهل "الري" من الحديث؟ فقيل له: أحاديث في الإرجاء، فافتعل لهم جزءاً في الإرجاء. كما استعمل هذه العبارة أبو حاتم في تجريح سهل بن عامر البجلي قال عنه البخاري: منكر الحديث وكل ما قلت فيه: إنه منكر الحدث فلا تحل الرواية عنه. ولعلك ترى من خلق ابن أبان لأحاديث الإرجاء أنه كان كذاباً وضاعاً يختلق الأسانيد والمتون كترويج بدعة الإرجاء وذلك من أقوى الأدلة على أن عبارة "يفتعل الحديث" تعد من الألفاظ الصريحة الدالة على الوضع. فلان يزرف الحديث هذا التعبير نقله قرة بن خالد السدوسي البصري الثقة في تجريح محمد بن السائب بن بشر الكلبي وكان يقول: كانوا يرون أن الكلبي يزرف أي كذب. وفي قوله: يزرف أي أنه كان يزيد في الحديث مثل في يزلف. قال عنه ابن حبان: كان شيئاً من أولئك الذين يقولون: إن علياً لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها. كان يثبج الحديث هذا القول استعمله معمر بن راشد الأزدي في تجريح إسماعيل بن شروس. والثبج اضطراب الكلام وتفننه، يعني لم يؤت به على الوجه الصحيح، لكن استعمال معمر بن راشد لهذا التعبير في إسماعيل بن شروس يفيد أنه كان يضع الحديث لأن هذا التعبير كناية عن الوضع. كان مجالدٌ يجلد في الحديث هذا من قول الشافعي في تجريح الرواة وهو نوع من تخفيف الجرح وتجنب الألفاظ الشديدة التي يستعملها بعض الأئمة النقاد. قال إبراهيم المزني: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول فلان كذا، فقال: يا إبراهيم اكسُ

стр. 64

ألفاظك أحسنها فلا تقل فلان كاذب ولكن قل: حديثه ليس بشيء. وقال عن حرام: الرواية عنه حرام ولم يقل: كذاب وكان ﵁ يدعو على بعض الرواة ولم يصرح بتكذيبهم. ذكر له أبو جابر البياضي فقال: بيض الله عيني من يروي عنه. هو عصا موسى تلقف ما يأفكون انفرد بهذا القول "مطين" حيث جرح به الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وقد أوضح "مطين" هذا التعبير فقال عن ابن أبي شيبة المذكور: "كذاب ما زلنا نعرفه بالكذب مذ هو صبي". وهذا القول من مطين من المنافسة التي تقع بين الأقران. قال أبو: نعيم: وقع بين ابن أبي شيبة ومطين كلام حتى خرج كل واحد منهما إلى الخشونة والوقيعة في صاحبه. حمالة الحطب، حاطب ليل هذا من استعمالات الناقد يحيى بن معين في تجريح النضر بن منصور الباهلي ويقال: العنزي، ويقال: الغنوي. قال عنه ابن معين: ليس بثقة، كذاب. وحمالة الحطب أم جميل زوجة أبي لهب في سورة "المسد"يضرب بها المثل في الخسران، فيقال: أخسر من حمالة الحطب. كما استعمل تعبير "حاطب ليل" سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى الدمشقي الثقة الثبت في سعيد بن بشير الأزدي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري، حيث قال عنه: كان حاطب ليل، وإنما شبهه بحاطب الليل؛ لأنه ربما نهشته الحية أو العقرب أثناء احتطابه ليلاً؛ فكذلك المكثر من الكلام ربما يتكلم بما فيه هلاكه. قال ابن عدي: له عند أهل دمشق تصانيف ولا أرى بما يرويه بأساً، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق. قد فرغ منه منذ دهر هذا التعبير استعمله الجوزجاني في تجريح حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر البزار الكوفي القارىء "ت ١٨٠ هـ" وهذا الحديث كناية عن تجريحه وترك حديثه، ولم ينفرد الجوزجاني في تضعيفه لحفص بن ضعفه أيضاً معظم النقاد. هذه بعض ألفاظ الجرح والتعديل وطولت في بعضها تطويلاً غير ممل، واختصرت البعض الآخر اختصاراً غير مخل، لعلها تكون مناراً هادياً للمشتغلين بعلوم الحديث راجياً الله أن يتقبلها بقبول حسن إنه على ما يشاء قدير.

стр. 65

ألفاظ الأداء لقد تَعَرّضَتْ نسخ مخطوطات الكتاب لتبديل لفظ: "أخبرنا" للفظ "حدثنا"، وبالعكس، وكذا لبعض ألفاظ الأداء عند المحدثين من أجل ذلك آثرنا ذكر هذا الباب تعميماً للفائدة فللأداء ألفاظ يؤدي بها مثل: سمعت، وسمعنا، حدثنا وحدثني، أخبرنا وخبرنا، وأخبرني، أنبأنا وأنبأني، قال لنا فلان، وذكر لنا، عن وإن وقال، قرأت على فلان أو قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به، حدثنا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، حدثنا فلان إجازة، أو أخبرنا مناولة، أو حدثنا مناولة أو أخبرنا إذناً أو في إذنه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو أنبأنا إجازة، أجاز لي فلان أو أجازني كذا وكذا، أو ناولني، وما أشبه ذلك من العبارات، أخبرنا مشافهة، أو أخبرنا مكاتبة، أو أخبرنا فيما كتب إليّ أو في كتابه، أو كتب إليّ، أخبرنا فلان بأن فلاناً حدثه، أو أخبره، أخبرني مكاتبة أو كتابة، وجدت بخط، فلان أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه، أخبرنا فلان بن فلان، ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد والمتن، أو وجدت أو قرأت بخط فلان، بلغني عن فلان أو وجدت عن فلان أو نحو ذلك من العبارات، أو قرأت في كتاب فلان بخطه، أو أخبرني فلان أنه بخطه، أو وجدت في كتاب ظننته أنه بخط فلان، أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلان ابن فلان، أو في كتاب قيل: إنه بخط فلان. أما "سمعت وسمعنا": فمقتضى ما تفيده السماع من لفظ الشيخ، فلم يختلف أحد في جوازها في أدائه، ولكن اختلف هل هي خاصة به أو تجوز في غيره؟ فجوزها بعضهم في القراءة على الشيخ، والصحيح: لا يجوز. ووقع في عبارة السلفي في كتاب "التسميع": سمعت بقراءتي، وهو تسامح خاص بالكتابة أو رأي يفصل بين التقييد والإطلاق. وأما "حدثني وحدثنا": فلا خلاف أيضاً في جوازه في السماع من لفظ الشيخ، وهل يستعمل في غيره؟. مذهب يمنع، ومذهب يجيز، وهؤلاء هم الذين جعلوا القراءة على الشيخ كالسماع من لفظه، ومنهم من أجازها في الرواية بالمناولة، وحكي عن قوم جوازها في الرواية بالإجازة، كما ذهب غير واحد إلى جواز إطلاقها في الرواية بالمكاتبة، بل أجازها بعضهم، فأطلق "حدثنا" في الوجادة، بل أطلق بعضهم "حدثنا" في غير ما تحمله عن الشيخ. والذي صححه ابن الصلاح، وحكى الاختيار عليه، وهو الذي عليه عمل الجمهور، المنع من إطلاق استعمال "حدثنا" في الرواية بالمناولة فما بعدها. والفرق بين "سمعت" و"سمعنا"، و"حدثنا" أن السماع لا يقتضي قصد الشيخ له

стр. 66

بالتحديث، والتحديث يقتضيه، و"سمعت" و"حدثني" تقتضي أنه لم يكن معه غيره، و"سمعنا" و"حدثنا" تقتضي أن يكون معه غيره. وأما "أخبرنا" و"خبرنا" و"أخبرني" فكانت في الاستعمال الأول مثل: "حدثنا" قبل أن يشيع تخصيص "أخبرنا" بما قرئ على الشيخ. ومنع منها ومن "حدثنا" في القراءة على الشيخ- ابن المبارك في آخرين، ومنهم من أجاز "أخبرنا"، ومنع "حدثنا" وفرق بينهما في ذلك. وقال صاحب كتاب الإنصاف: إن ذلك مذهب الأكثرين من أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد، وإنهم جعلوا "أخبرنا" علماً يقوم مقام قائله: "أنا قرأته عليه" إلا إنه لفظ به لي. قال ابن الصلاح: والفرق بينهما صار هو الغالب على أهل الحديث. أما إطلاق "أخبرنا" والمناولة والمكاتبة والوجادة- فمن أجاز إطلاق "حدثنا" أجازها، ومن منع منعها، غير أن بعضهم كان يخصص "حدثنا" في السماع، و"أخبرنا" في الإجازة، وممن فعل ذلك أبو نعيم. قال ابن الصلاح: والصحيح المختار الذي عليه عمل الجمهور، وإياه اختار أهل التحري والورع، المنع في ذلك من إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" ونحوهما من العبارات، وتخصيص ذلك بعبارة تشعر به، بأن يقيد هذه العبارات فيقول: "أخبرنا" أو "حدثنا" فلان مناولة، أو إجازة، أو "أخبرنا" إجازة، أو "أخبرنا" مناولة أو "أخبرنا" إذناً، أو في إذنه، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو يقول: أجاز لي فلان، أو أجازني فلان، كذا وكذا، أو ناولني فلان، وما أشبه ذلك من العبارات. وأما الفرق بين "أخبرنا" و "أخبرني"، فما قرىء على المحدث وهو حاضر، فإنه يقول: "أخبرنا" وأما ما قرأ على المحدث بنفسه، فيقول: "أخبرني" فلان. وخصص الأوزاعي الإجازة بقوله: "خبّرنا" بالتشديد، والقراءة عليه بقول: "أخبرنا". وأما "أنبأني" و"أنبأنا" فقد كان استعمالها مثل "أخبرني"، و"أخبرنا" غير أن المتأخرين أطلقوا "أنبأنا" في الإجازة، وسار عليه عمل الناس. وقال الحاكم: الذي أختاره وعَهِدْتُ عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري أن يقول فيما عرض على المحدث، فأجاز له روايته شفاها: "أنبأني" فلان، وفيما كتب إليه المحدث ولم يشافهه بالإجازة: كتب إليّ فلان. وأما "قال لنا" و"ذكر لنا" فلان، فهو من قبيل "حدثنا" فلان؛ غير أنه لائق بما سمعه في المذاكرة، وهو به أشبه من "حدثنا".

стр. 67

وقال بعضهم: متى قال البخاري: "قال لي" و"قال لنا"، فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به، وإن ذكر للاستشهاد به، وقال أبو جعفر النيسابوري: كل ما قال البخاري: "قال لي" فلان فهو عرض ومناولة. وقال ابن الصلاح: وكثيراً ما يعبر المحدثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات، وأحاديث المذاكرة قَلَّمَا يحتجون بها. وأما "عدا" و"أن"، و"قال" و"ذكر"، فإنها محمولة على السماع إذا عرف اللقاء، وبرىء الراوي من وصمة التدليس عند البخاري. فإذا ورد عمن عرف من حاله أنه لا يقول: "قال فلان"، إلا فيما سمعه منه حمل عليه. أما عند مسلم: فهي محمولة على السماع متى ثبتت المعاصرة، وأمكن اللقاء، ولم يكن مدلساً. واشترط أبو مظفر السمعاني طول الصحبة بينهما. واشترط أبو عمرو الداني معرفته بالرواية عنه. واشترط أبو الحسن القابسي أن يدركه إدراكاً بيناً. قال شيخ الإسلام: "من حكم بالانقطاع مطلقاً شدد، ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري، ومن وافقه". وكثر في الأعصار المتأخرة استعمال "عن" في الإجازة، فإذا قال أحدهم: "قرأت على فلان" عن فلان فمراده أنه رواه عنه بالإجازة، وكذلك "أن"، فيقولون في الإجازة: "أخبرنا فلان أن فلاناً"، و"أنَّ" مثل "عن" عند الجمهور، وقال بعضهم: إنها محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع. وحقق الخطيب أن "قال" ليست مثل "عن" فإن الاصْطِلَاحَ فيها مختلفٌ، فبعضهم يستعملها في السماع دائماً؛ كحجاج بن موسى المصيصي الأعور، وبعضهم بالعكس، لا يستعملها إلا فيما لم يسمعه دائماً، وبعضهم تارة كذا وتارة كذا كالبخاري، فلا يحكم عليها بحكم مطرد، ومثل "قال" "ذكر"، واستعملها أبو قرة في "سننه" في السماع. قال ابن الصَّلاح: وربما دلس بعضهم، فذكر الذي وجد خطه، وقال فيه: عن فلان أو قال فلان، وذلك تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه. وإذا وجدنا حديثاً في تأليف شيخ، فله أن يقول: "ذكر" فلان أو "قال" فلان: "أخبرنا" فلان، أو "ذكر" فلان "عن" فلان، وهذا منقطع لم يأخذ شطراً من الاتصال، وهذا إذا وثق بأنه كتابه.

стр. 68

وأما "قرأت" على فلان، أو "قرىء"على فلان، وأنا أسمع، فأقرّ به فهما الأصل في أداء ما تحمله المحدث بالقراءة على الشيخ، الأولى فيما قرأه بنفسه، والثانية فيما قرأ غيره وهو يسمع، ويليهما "أخبرنا" قراءة، و"حدثنا" قراءة. وأما "حدثنا" فلان إجازة، و"أخبرنا" إجازة، أو "أخبرنا" إذناً، أو في إذنه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو "أنبأنا" إجازة، فكل هذا خاص بالإجازة؛ كأجازني، وأجاز لي. وأما "حدثنا" مناولة، أو "أخبرنا" أو "ناولني" فهو خاص بالمناولة. وأما "أخبرنا" مشافهة أو "أخبرنا" مكاتبة، أو فيما كتب إليّ، أو في كتابته، فقد خصه قوم بالإجازة إذا كان قد أجاز بخطه، فهذا وإن تعارفه في ذلك طائفة من المحدثين المتأخرين، فلا يخلو عن طرف من التدليس؛ لما فيه من الاشتراك والاشتباه بما إذا كتب إليه ذلك الحديث بعينه، ومنع منه -لذلك- أبو المظفر الهمداني. ولكن بعد أن صار اصطلاحاً عرى من ذلك، فلا منع. وأما "كتب إليّ فلان" فهذا خاص بالمكاتبة، وعليه "أخبرني" به مكاتبة، أو في كتابه، أو نحو ذلك من العبارات. وأما "وجدت" بخط فلان، أو "قرأت" بخط فلان، أو في كتاب فلان -فهذا وما أشبهه هو الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً فيما تحمل بطريق الوجادة فيما إذا وثق بأنه خطه. وأما "بلغني عن فلان" أو "وجدت عن فلان" وما أشبهه -فهو فيما إذا يثق بأنه خطه أو كتابه. هذه هي ألفاظ الأداء، ويمكنك أن تعلم مما تقدم أنها على مراتب في كل نوع من أنواع التحمل الذي يجوز استعمالها فيه. ما ينبغي أن يفعله الراوي عند الأداء: جرت العادة أن يحذف كتاب الحديث لفظة "قال" أو "قيل له: أخبرك فلان"، ولفظة "أنه" أو "أنه قال"، ينبغي في كل هذا أن يأتي بها المؤدي لفظاً، وإن حذفت خطأ. واختلفوا فيما إذا لم يأت بها، هل يبطل السماع؟ قال النووي: تركها خطأ، والظاهر صحة السماع. وتأتي "قال" تفسيراً لكلمة "حدثنا" و"أخبرنا"، فإذا قال: "حدثنا فلان حدثنا فلان" تقول أنت بعد حدثنا الأولى: "قال: حدثنا"، وكذلك "خبرنا"، وكذلك "أنبأنا". وتأتي "قيل له: أخبرك فلان" فيما إذا كان في أثناء الإسناد: "قرىء على فلان: أخبرك فلان" فالمؤدي يقول: قرىء على فلان: قيل له: أخبرك فلان".

стр. 69

إما إذا كان "قرىء على فلان: حدثنا فلان"، فيقول المؤدي: قرىء على فلان: قال: "حدثنا فلان". وإذا تكررت "قال" حذفوا إحداهما في الكتابة، فينبغي للمؤدي الإتيان بها مثل: "حدثنا صالح بن حيان قال الشعبي، فتقول: حدثنا فلان قال: قال". وتحذف لفظة "أنه" بعد "عن" مثل: "عن عطاء بن ميمون سمع أنساً" فيقول المؤدي: أنه سمع، أو أنه قال، مثل: حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ فيقول المؤدي: حدثني مالك قال: عن ابن شهاب أنه قال: عن حميد بن عبد الرحمن أنه قال عن أبي هريرة. وتارة يقتصر على الرمز، فيؤديه المؤدي كاملاً، فحدثنا يرمز إليها "ثنا" فيقرؤها "حدثنا"، ومنهم من يحذف الثاء، ويكتبها "نا" فيقرؤها المؤدي: "حدثنا" وبعضهم يزيد أول الرمز "دثنا" فيقرؤها: "حدثنا"، ومثلها "ثني"، و"دثني". و"أخبرنا" يكتبها "أنا" فيقرؤها "أخبرنا"، وقد يزيدون راء بعد الألف: "أرنا"، فتقرأ:"أخبرنا". أما "أخبرني" و "أنبأنا" و"أنبأني" فلم يرمزوا إليها بشيء.

стр. 70

تعريف التخريج معنى مادة "خ رج" في اللغة تدور حول معنى الظهور والبروز وإليك نقل أهل اللغة في هذه المادة: قال ابن منظور في "اللسان": خرجت خوارج فلان إذا ظَهَرَتْ نجابته. وفيه أيضاً: خرجت السماء خروجاً إذا أصحت بعد إغامتها. ومنه: خروج الأديب ونحوه: يقال: خرج فلان في العلم والصناعة. خروجاً: نبغ، وخرّجه في الأدب تخريجاً: أي أدَّبه، كما يخرج المعَلِّم تلميذَه كذا في "تاج العروس". في "المعجم الوسيط": خَرَجَ يخرُجُ خروجاً: برز من مقره أو حاله وانفصل. وقال المناوي في "فيض القدير"١: التخريج من خرج العمل تخريجاً، واخترعه بمعنى استخرجه.

стр. 71

قال الزمخشري: ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجاً إذا نبغ وخرجه واخترعه بمعنى استخرجه. واصطلاحاً: تطلق الكلمة على معنيين هما: الأول: ذكر مؤلف الكتاب الحديث بإسناده إلى النبي ﷺ فيقولون في هذا: "هذا الحديث خرّجه- أو: أخرجه- فلان". قال القاسمي: كثيراً ما يقولون بعد سوق الحديث: خرّجه فلان، أو أخرجه بمعنى ذكره. فيقولون: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وهذا المعنى هو المنطبق على الكتب الستة وأصحاب المعاجم والمسانيد ونحوهم، وهي الكتب الأصلية المعتمدة في الحديث. الثاني: يطلق على عزو الحديث إلى مصادره الأصلية مع الحكم عليه، وهو ما عَرَّف به المناوي التخريج فقال: عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد. وهذا المعنى الأخير لم يعرف بين أهل العلم في هذا الفن إلا في مرحلة متأخرة ولعل ذلك يرجع إلى أن السنّة أولاً قد دفنت واستقرت في بطون الكتب ثم أصبح الناس بعد ذلك في حاجة إلى عزو الحديث إلى هذه الكتب والمصادر الأساسية لعزو الحديث. وأمر آخر وهو أن الكتب الشرعية كثرت وتنوعت وأصبح المؤلف يذكر الحديث بدون عزوٍ ولا حكم على الحديث فتطلع الناس إلى معرفة المصدر الأساسي للحديث والحكم عليه.

стр. 72

علم التخريج لقد تنوعت وتعددت فوائد علم التخريج، ولقد أحسن جمعها الأستاذ الدكتور الشيخ عبد المهدي في كتابه طرق تخريج حديث رسول اللَّه ﷺ فقال: فوائد التخريج كثيرة وكيف لا وبه يمكن الوصول إلى كنوز السنة، وبدونه يحرم المرء من ذلك؟. وسأذكر هنا- بمشيئة الله تعالى- أشهرها. وهي: ١- معرفة مصدر أو مصادر الحديث: فبالتخريج يستطيع الباحث أن يعرف مَنْ أخرج الحديث من الأئمة، ومكان هذا الحديث في كتب السنّة الأصلية. ٢- جمع أكبر عدد من أسانيد الحديث: فبالتخريج يتوصل الباحث إلى موضع أو مواضع الحديث من الكتاب الواحد أو الكتب المتعددة، فيعرف مثلاً أماكن وروده في "صحيح

стр. 73

البخاري"، وقد تكون متعددة، ويعرف أيضاً أماكن وروده عند غير البخاري، وفي كل موضع يعرف الإسناد فيكون قد حصل على أسانيد متعددة للحديث. ٣- معرفة حال الإسناد بتتبع الطرق: فبالوصول إلى طرف الحديث يمكن مقابلتها ببعضها فيظهر ما فيها من انقطاع أو إعضال … إلخ. ٤- معرفة حال الحديث بناء على كثير من الطرق: فقد نقف على الحديث من طريق ما ضعيفاً، وبالتخريج نجد له طرقاً أخرى صحيحة. وقد نقف له على إسناد منقطع فيأتي -بالتخريج- ما يزيل هذا الانقطاع. ٥- ارتقاء الحديث بكثرة طرقه: فقد يكون معنا حديث ضعيف، وبالتخريج نجد له متابعات وشواهد تقويه، فتحكم له بالحسن بدل الضعف. ٦- معرفة حكم أو أحكام الأئمة على الحديث: وأقوالهم فيه، من حيث الصحة وغير ها. ٧- تمييز المهمل من رواة الإسناد: فإذا كان في أحد الأسانيد راوٍ مهمل، مثل "عن محمد" أو "حدثنا خالد" فبتخريج الحديث والوقوف على عدد من طرقه، قد يتميز هذا المهمل، وذلك بأن يذكر في بعضها مميزاً. ٨- تعيين المبهم في الحديث: فقد يكون معنا راوٍ مبهم أو رجل في المتن مبهم مثل "عن رجل" أو "عن فلان" أو "جاء رجل إلى النبي ﷺ " فبتخريج الحديث نقف على عدد من طرقه، وقد يكون في بعضها تعيين هذا المبهم. ٩- زوال عنعنة المدلس: وذلك بأن يكون عندنا حديث بإسناد فيه مدلس يروي عن شيخه بالعنعنة -مما يجعل الإسناد منقطعاً- وبالتخريج يمكن أن نقف عن طريق آخر، يروي فيه هذا المدلس عن شيخه بما يفيد الاتصال، كـ "سمعت" و"حدثنا" و"أخبرنا". مما يزيل سمة الانقطاع عن الإسناد. ١٠- زوال ما نخشاه من الرواية عمن اختلط: فإذا كان معنا حديث في إسناده من اختلط، ولا ندري هل الراوي عنه في إسنادنا هذا روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، فبالتخريج قد يتضح ذلك كأن يصرح في بعض الطرق بأن هذا الراوي روى عنه قبل الاختلاط، أو أن يرويه عنه راوٍ لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط، مما يؤيد الحديث الذي معنا، ويفيد أنه ليس مما اختلط فيه. ١١- تحديد من لم يحدد من الرواة: فقد يذكر الراوي في إسناد معنا بكنيته أو لقبه أو نسبته، ويشاركه في هذه- الكنية أو اللقب أو النسبة- كثيرون مما يجعل تحديده متعذراً، فبالتخريج قد نعرف اسمه، بأن يذكر في إسناد أو أكثر باسمه صريحاً.

стр. 74

١٢- معرفة زيادة الروايات: فقد تكون الرواية التي معنا غير مشتملة على ما يفيد الحكم صراحة، فبالتخريج نقف على بقية الروايات، وفي زياداتها ما يفيد في الحكم أو يفيد الحكم صراحة، أو به يتضح المعنى. ١٣- بيان معنى الغريب: فقد يكون في حديث لفظة غريبة، وبتخريجه من الروايات الأخرى تتضح هذه، بأن يأتي مكانها لفظة ليست غريبة، أو يشتمل على بيانها. ١٤- زوال الحكم بالشذوذ: فقد يحكم على حديث أو لفظة بالشذوذ، وبالتخريج- الذي يوقفنا على كثير من الروايات -يتضح لنا ورود هذا من غير هذا الطريق الذي يظن تفرد راوٍ به، مما يدفع القول بالشذوذ. ١٥- بيان المدرج: فقد يدرج الراوي كلاماً في المتن، وبالتخريج يمكن مقارنة الروايات، بما يبين الإدراج. ١٦- بيان النقص: فقد ينسى الراوي جزءاً من الحديث، أو يختصره، وبالتخريج يمكننا الوقوف على ما نسيه، أو اختصره. ١٧- كشف أوهام وأخطاء الرواة: فقد يخطىء الراوي أو يهم، وبالتخريج -الذي يوقفنا على عدد من الروايات- يتضح هذا. ١٨- معرفة الرواية باللفظ: فقد يروي راو الحديث بالمعنى، وبالتخريج نقف على رواية من رواه باللفظ. ١٩- بيان أزمنة وأمكنة الأحداث: فبجمع روايات الحديث قد يمكننا معرفة زمانه ومكانه إذ قد يذكر في بعضها ذلك. ٢٠- بيان أعلام الحديث: فقد يردُ الحديث بسبب شخص أو أشخاص، وبالتخريج يمكننا جمع روايات هذا الحديث، والتي قد يتضح منها الشخص- أو الأشخاص- الذين ورد الحديث بسببهم. ٢١- معرفة أخطاء النساخ: فقد يخطىء الناسخ في الإسناد، أو في المتن، وبالتخريج يمكننا الوقوف على الروايات، وبها يتضح هذا الخطأ. وهذه الفائدة عظم شأنها في هذه الأيام لكثرة أخطاء النشر. وبالجملة: فبالتخريج يمكن: أ- جمع الطرق التي جاء الحديث منها. ب- جمع ألفاظ متن الحديث. وفي هذين من الفوائد الكثير والكثير. ولعله بعد ذكر هذا العدد من الفوائد يكون قد

стр. 75

أتضح لك قدر التخريج وظهرت عظمة منزلته، وكبير فائدته، مما يجعلك تحرص عليه فهو مفتاح كنوز السنّة بلا ريب، ودليل بحارها بلا شك. نسأل الله الكريم من فضله أن يفتح لنا كنوز الكتاب والسنة، وأن يهدينا في بحارهما. انتهى كامله بنصه.
следующие страницы →