← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 1581

التلخيص الحبير - ط العلمية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (2 464 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال الزمخشري: ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجاً إذا نبغ وخرجه واخترعه بمعنى استخرجه. واصطلاحاً: تطلق الكلمة على معنيين هما: الأول: ذكر مؤلف الكتاب الحديث بإسناده إلى النبي ﷺ فيقولون في هذا: "هذا الحديث خرّجه- أو: أخرجه- فلان". قال القاسمي: كثيراً ما يقولون بعد سوق الحديث: خرّجه فلان، أو أخرجه بمعنى ذكره. فيقولون: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وهذا المعنى هو المنطبق على الكتب الستة وأصحاب المعاجم والمسانيد ونحوهم، وهي الكتب الأصلية المعتمدة في الحديث. الثاني: يطلق على عزو الحديث إلى مصادره الأصلية مع الحكم عليه، وهو ما عَرَّف به المناوي التخريج فقال: عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد. وهذا المعنى الأخير لم يعرف بين أهل العلم في هذا الفن إلا في مرحلة متأخرة ولعل ذلك يرجع إلى أن السنّة أولاً قد دفنت واستقرت في بطون الكتب ثم أصبح الناس بعد ذلك في حاجة إلى عزو الحديث إلى هذه الكتب والمصادر الأساسية لعزو الحديث. وأمر آخر وهو أن الكتب الشرعية كثرت وتنوعت وأصبح المؤلف يذكر الحديث بدون عزوٍ ولا حكم على الحديث فتطلع الناس إلى معرفة المصدر الأساسي للحديث والحكم عليه.

стр. 72

علم التخريج لقد تنوعت وتعددت فوائد علم التخريج، ولقد أحسن جمعها الأستاذ الدكتور الشيخ عبد المهدي في كتابه طرق تخريج حديث رسول اللَّه ﷺ فقال: فوائد التخريج كثيرة وكيف لا وبه يمكن الوصول إلى كنوز السنة، وبدونه يحرم المرء من ذلك؟. وسأذكر هنا- بمشيئة الله تعالى- أشهرها. وهي: ١- معرفة مصدر أو مصادر الحديث: فبالتخريج يستطيع الباحث أن يعرف مَنْ أخرج الحديث من الأئمة، ومكان هذا الحديث في كتب السنّة الأصلية. ٢- جمع أكبر عدد من أسانيد الحديث: فبالتخريج يتوصل الباحث إلى موضع أو مواضع الحديث من الكتاب الواحد أو الكتب المتعددة، فيعرف مثلاً أماكن وروده في "صحيح

стр. 73

البخاري"، وقد تكون متعددة، ويعرف أيضاً أماكن وروده عند غير البخاري، وفي كل موضع يعرف الإسناد فيكون قد حصل على أسانيد متعددة للحديث. ٣- معرفة حال الإسناد بتتبع الطرق: فبالوصول إلى طرف الحديث يمكن مقابلتها ببعضها فيظهر ما فيها من انقطاع أو إعضال … إلخ. ٤- معرفة حال الحديث بناء على كثير من الطرق: فقد نقف على الحديث من طريق ما ضعيفاً، وبالتخريج نجد له طرقاً أخرى صحيحة. وقد نقف له على إسناد منقطع فيأتي -بالتخريج- ما يزيل هذا الانقطاع. ٥- ارتقاء الحديث بكثرة طرقه: فقد يكون معنا حديث ضعيف، وبالتخريج نجد له متابعات وشواهد تقويه، فتحكم له بالحسن بدل الضعف. ٦- معرفة حكم أو أحكام الأئمة على الحديث: وأقوالهم فيه، من حيث الصحة وغير ها. ٧- تمييز المهمل من رواة الإسناد: فإذا كان في أحد الأسانيد راوٍ مهمل، مثل "عن محمد" أو "حدثنا خالد" فبتخريج الحديث والوقوف على عدد من طرقه، قد يتميز هذا المهمل، وذلك بأن يذكر في بعضها مميزاً. ٨- تعيين المبهم في الحديث: فقد يكون معنا راوٍ مبهم أو رجل في المتن مبهم مثل "عن رجل" أو "عن فلان" أو "جاء رجل إلى النبي ﷺ " فبتخريج الحديث نقف على عدد من طرقه، وقد يكون في بعضها تعيين هذا المبهم. ٩- زوال عنعنة المدلس: وذلك بأن يكون عندنا حديث بإسناد فيه مدلس يروي عن شيخه بالعنعنة -مما يجعل الإسناد منقطعاً- وبالتخريج يمكن أن نقف عن طريق آخر، يروي فيه هذا المدلس عن شيخه بما يفيد الاتصال، كـ "سمعت" و"حدثنا" و"أخبرنا". مما يزيل سمة الانقطاع عن الإسناد. ١٠- زوال ما نخشاه من الرواية عمن اختلط: فإذا كان معنا حديث في إسناده من اختلط، ولا ندري هل الراوي عنه في إسنادنا هذا روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، فبالتخريج قد يتضح ذلك كأن يصرح في بعض الطرق بأن هذا الراوي روى عنه قبل الاختلاط، أو أن يرويه عنه راوٍ لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط، مما يؤيد الحديث الذي معنا، ويفيد أنه ليس مما اختلط فيه. ١١- تحديد من لم يحدد من الرواة: فقد يذكر الراوي في إسناد معنا بكنيته أو لقبه أو نسبته، ويشاركه في هذه- الكنية أو اللقب أو النسبة- كثيرون مما يجعل تحديده متعذراً، فبالتخريج قد نعرف اسمه، بأن يذكر في إسناد أو أكثر باسمه صريحاً.

стр. 74

١٢- معرفة زيادة الروايات: فقد تكون الرواية التي معنا غير مشتملة على ما يفيد الحكم صراحة، فبالتخريج نقف على بقية الروايات، وفي زياداتها ما يفيد في الحكم أو يفيد الحكم صراحة، أو به يتضح المعنى. ١٣- بيان معنى الغريب: فقد يكون في حديث لفظة غريبة، وبتخريجه من الروايات الأخرى تتضح هذه، بأن يأتي مكانها لفظة ليست غريبة، أو يشتمل على بيانها. ١٤- زوال الحكم بالشذوذ: فقد يحكم على حديث أو لفظة بالشذوذ، وبالتخريج- الذي يوقفنا على كثير من الروايات -يتضح لنا ورود هذا من غير هذا الطريق الذي يظن تفرد راوٍ به، مما يدفع القول بالشذوذ. ١٥- بيان المدرج: فقد يدرج الراوي كلاماً في المتن، وبالتخريج يمكن مقارنة الروايات، بما يبين الإدراج. ١٦- بيان النقص: فقد ينسى الراوي جزءاً من الحديث، أو يختصره، وبالتخريج يمكننا الوقوف على ما نسيه، أو اختصره. ١٧- كشف أوهام وأخطاء الرواة: فقد يخطىء الراوي أو يهم، وبالتخريج -الذي يوقفنا على عدد من الروايات- يتضح هذا. ١٨- معرفة الرواية باللفظ: فقد يروي راو الحديث بالمعنى، وبالتخريج نقف على رواية من رواه باللفظ. ١٩- بيان أزمنة وأمكنة الأحداث: فبجمع روايات الحديث قد يمكننا معرفة زمانه ومكانه إذ قد يذكر في بعضها ذلك. ٢٠- بيان أعلام الحديث: فقد يردُ الحديث بسبب شخص أو أشخاص، وبالتخريج يمكننا جمع روايات هذا الحديث، والتي قد يتضح منها الشخص- أو الأشخاص- الذين ورد الحديث بسببهم. ٢١- معرفة أخطاء النساخ: فقد يخطىء الناسخ في الإسناد، أو في المتن، وبالتخريج يمكننا الوقوف على الروايات، وبها يتضح هذا الخطأ. وهذه الفائدة عظم شأنها في هذه الأيام لكثرة أخطاء النشر. وبالجملة: فبالتخريج يمكن: أ- جمع الطرق التي جاء الحديث منها. ب- جمع ألفاظ متن الحديث. وفي هذين من الفوائد الكثير والكثير. ولعله بعد ذكر هذا العدد من الفوائد يكون قد

стр. 75

أتضح لك قدر التخريج وظهرت عظمة منزلته، وكبير فائدته، مما يجعلك تحرص عليه فهو مفتاح كنوز السنّة بلا ريب، ودليل بحارها بلا شك. نسأل الله الكريم من فضله أن يفتح لنا كنوز الكتاب والسنة، وأن يهدينا في بحارهما. انتهى كامله بنصه.

стр. 76

الكتب المصنفة في تخريج الحديث: خلّف لنا علماًء الإسلام تراثاً علميّاً ضخماً تزدان به المحافل العلمية ودور الكتب في شتى أنحاء العالم، ويتنوع هذا التراث ليشمل شتى الدراسات الإسلامية والعربية، من دراسات فقهية، وأحكام أصولية، وتفسيرات متعددة للقرآن الكريم، ومؤلفات تهتم بالسيرة النبوية، إلى غير ذلك من مجالات العلوم المختلفة، ومن هذه الدراسات تلك الكتب التي خطها قدماؤنا، والتي تدور حول تخريج الأحاديث النبوية، وتتنوع كتب تخريج الحديث لتشمل المؤلفات الفقهية، ومؤلفات أصول الفقه، والسيرة النبوية، وتفسير كتاب الله ، وكتب الحديث النبوي نفسه وعلومه، وفي السطور التالية نقدم عرضاً موجزاً للكتب التي قامت بتخريج الأحاديث: ١- تخريج أحاديث "الأم" للبيهقي المتوفى سنّة "٤٥٨" وهو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر البيهقي سمع الكثير ورحل وجمع وصنف، مولده سنة "٣٨٤"، تفقه على ناصر العمري، وأخذ علم الحديث عن أبي عبد اللَّه الحاكم، وكان كثير التحقيق والإنصاف، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه، ومن تصانيفه أيضاً "السنن الكبير"، و"السنن الصغير"، و"دلائل النبوة" وغيرها. ٢- التحقيق في أحاديث التعليق لابن الجوزي المتوفى سنّة "٧٤٤" هو: عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزي القرشي، البغدادي أبو الفرج: علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف مولده ووفاته ببغداد. قال عنه الذهبي: "وكان ذا حظ عظيم وصيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك والوزراء وبعض الخلفاء والأئمة والكبراء، لا يكاد المجلس ينقص عن ألوف كثيرة". ومن تصانيفه الكتاب المذكور. ٣- "نصب الراية" في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي المتوفى سنّة ٧٦٢ هـ. هو الإمام- الفاضل البارع، المحدث المفيد، الحافظ المتقن، جمال الدين أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف بن محمد بن أيوب بن موسى الحنفي الزيلعي ﵀. قال تقي الدين بن فهد المكي في ذيل "تذكرة الحفاظ"- للذهبي: تفقه، وبرع، وأدام النظر والاشتغال، وطلب الحديث، واعتنى به، فانتقى، وخرّج، وألف، وجمع.

стр. 77

قال في "الدرر" يعني به الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة": ذكر لي- شيخنا العراقي- أنه كان يرافقه في مطالعة الكتب الحديثية، لتخريج الكتب التي كنا قد اعتنيا بتخريجها، فالعراقي لتخريج أحاديث الإحياء، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، والزيلعي لتخريج أحاديث الهداية. والكشاف، فكان كل منهما يعين الآخر؛ ومن كتاب الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية استمد "الزركشي" في كثير مما كتبه من تخريج أحاديث الرافعي. وهو مطوع متداول بين أهل العلم. ٤- تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في "الكشاف" للزيلعي المتوفى سنّة "٧٦٢هـ" وقد تقدم. ٥- تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي لتاج الدين السبكي المتوفى سنّة "٧٧١هـ". وهو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، العلاَّمة قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي الحسن الأنصاري الخزرجي السبكي. مولده بالقاهرة "٧٢٧" واشتغل على والده وعلى غيره وقرأ على الحافظ المزي ولازم الذهبي. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله. من تصانيفه أيضاً "رفع الحاجب عن مختصر أبي الحاجب" "شرح المنهاج البيضاوي" و"الطبقات الصغرى" و"الترشيح". ٦- إرشاد الفقيه إلى أدلة "التنبيه" لابن كثير المتوفى سنّة "٧٧٤". وهو: إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن ذرع، القرشي، البصري، الدمشقي. مولده سنة "٧٠١" وتفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة، ثم صاهر الحافظ أبي الحجاج المزي ولازمه وأخذ عنه وقرأ الأصول على الأصفهاني وصنف في صغره كتاب "الأحكام على أبواب التنبيه" ومن تصانيفه أيضاً التأريخ المسمى بالبداية والنهاية والتفسير. ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية. ٧- تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب لابن كثير المتوفى سنّة "٧٧٤" وقد تقدم، وهو كتاب مطوع متداول بين أهل العلم. ٨- الذهب الإبريز في تخريج أحاديث "فتح العزيز" للزركشي المتوفى سنة "٧٩٤ هـ". وهو: محمد بن بهادر بن عبد الله، العالم العلاّمة، المصنف المحرر، بدر الدين أبو عبد الله المصري، الزركشي. مولده سنّة "٤٥"، أخذ عنه، لشيخين جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني ورحل إلى حلب إلى شهاب الدين الأذرعي وتخرج بمغلطاي في الحديث. كان فقيهاً أصولياً، أديباً، فاضلاً في جميع ذلك.

стр. 78

ومن تصانيفه أيضاً تكملة "شرح المنهاج" للإسنوي. ٩- المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشي المتوفى سنّة "٧٩٤ هـ". وقد تقدم، وهو كتاب مطبوع. ١٠- "كشف المناهيج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح" للمناوي المتوفى سنة "٨٠٣هـ". وهو: محمد بن إبراهيم بن إسحاق السلمي المناوي ثم القاهري، الشافعي، صدر الدين، أبو المعالي: قاض، عالم بالحديث. من أهل القاهرة، ناب في الحكم، وولي إفتاء دار العدل، ثم قضاء الديار المصرية استقلالاً سنّة "٧٩١" وحمدت سيرته. وصرف بعد شهرين، وأعيد. ومن تصانيفه الكتاب المذكور. ١١- "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير" للرافعي لابن الملقن وهو أصل "تلخيص الحبير" وقد طبع من هذا الكتاب عدة أجزاء ولم يكمل بعد. وهو: عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، عمدة المصنفين، سراج الدين أبو حفص الأنصاري، المعروف بابن الملقن، كان أبوه نحوياً معروفاً، ولد سنّة "٧٢٣"، أخذ عن الإسنوي ولازمه، وعن غيره من شيوخ العصر، وسمع الحديث الكثير، ومهر في الفنون. من تصانيفه أيضاً "شرح زوائد مسلم" و"زوائد أبي داود" وغيرها، و"شرح منهاج البيضاوي"، وعمل "الأشباه والنظائر". ١٢- "خلاصة البدر المنير" لابن الملقن المتوفى سنّة "٨٥٤ هـ". وقد تقدم ترجمته، وهو كتاب مطبوع متناول بين أهل العلم. ١٣- "تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج" لابن الملقن المتوفى سنّة "٨٠٤ هـ" وهو كتاب مطبوع متداول بين أهل العلم. ١٤- تذكرة الأخيار بما في "الوسيط من الأخبار" لابن الملقن المتوفى سنّة "٨٠٤ هـ" وقد تقدم ترجمته. ١٥- "المحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب" لابن الملقن سنّة "٨٠٤ هـ" وقد تقدم ترجمته. ١٦- "تخريج تقريب الأسانيد" للعراقي المتوفى سنّة "٨٢٦". وهو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، ولي الدين أبو زرعة بن الحافظ زين الدين العراقي، ولد سنّة "٧٦٢"، سمع من القلانسي، واستجاز من أبي الحسن الفرضي وأسمعه أبوه من كثير من المسندين، ثم طلب بنفسه وهو شاب، وقرأ

стр. 79

الكثير، وصاهر نور الدين الهيثمي، وهو مع ذلك ملازم للاشتغال بالفقه، والعربية، والفنون، حتى مهر واشتهر، وصنف أيضاً: تحرير الفتاوى، وشرح "جمع الجوامع" للسبكي، وله ذيل مطبوع على الكاشف للذهبي. ١٧- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار للعراقي المتوفي سنة "٨٢٦هـ" وقد تقدم. ١٨- الكاف الشاف في تخريج أحاديث "الكشاف" لابن حجر المتوفي سنة "٨٥٢هـ"، وقد أفردنا له ترجمة خاصة. ١٩- الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر المتوفى سنة "٨٥٢هـ" وقد أفردنا له ترجمة خاصة. ٢٠- "هداية الرواة في تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة" لابن حجر المتوفى سنة "٨٥٢هـ" وقد أفردنا له ترجمة خاصة. ٢١- "تخريج أحاديث الأذكار" لابن حجر المتوفى سنة "٨٥٢هـ" وقد أفردنا له ترجمة خاصة. ٢٢- "التعريف والأخبار بتخريج أحاديث الاختيار" لابن قطلوبغا المتوفى سنة "٨٧٩". هو: قاسم بن قطلوبغا، زين الدين أبو العدل السودوني الجمالي عالم بفقه الحنفية، مؤرخ، باحث، مولده ووفاته بالقاهرة. قال السخاوي في وصفه: "إمام علاّمة، طلق اللسان، قادر على المناظرة مغرم بالانتقاد". ومن تصانيفه الكتاب المذكور. ٢٣- "تخريج أحاديث أصول البزدوي" لابن قطلوبغا المتوفى "٨٧٩هـ". ٢٤- "تخريج أحاديث الشفا" لابن قطلوبغا المتوفى سنة "٨٧٩" وقد تقدم. ٢٥- "تخريج أحاديث تفسير السمر قندي" لابن قطلوبغا المتوفى سنة "٨٧٩" ذكره في الرسالة المستطرقة، وقد تقدم. ٢٦- "نشر لاعبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" للسيوطي المتوفى سنة "٩١١". وهو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. له نحو "٦٠٠" مصنف. منها: "الكتاب الكبير" و "الرسالة الصغيرة" ومن مؤلفاته "نشر العبير" وهو الكتاب المشار إليه.

стр. 80

٢٩- "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا" للسيوطي المتوفى سنة "٩١١" وهو كتاب مطبوع في مصر. ٣٠- "فلق الإصباح في تخريج أحاديث الصحاح" للسيوطي المتوفى سنة "٩١١" وقد تقدم. ٣١- "تخريج شرح العقائد النسفية" للسيوطي المتوفى سنة "٩١١ هـ" وقد تقدم. ٣٢- "تخريج أحاديث شرح المواقف" للسيوطي المتوفى سنة "٩١١ هـ" وقد تقدم. ٣٣- "تخريج أحاديث الكفاية" في فقه الشافعية للسيوطي المتوفى سنة "٩١١هـ" وقد تقدم. ٣٤- "فرائد القلائد في تخريج أحاديث شرح العقائد" لملا علي القاري المتوفى سنة "١٠١٤هـ". هو: علي بن سلطان محمد، نور الدين الملاّ الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها. قيل: كان يكتب في كل عام مصحفاً وعليه طرر من القراآت والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام. وصنف كتباً كثيرة منها الكتاب المذكور. ٣٥- "تخريج الأحاديث والآثار" التي وردت في "شرح الكافية" لعبد القادر البغدادي المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ. وهو: عبد القادر بن عمر البغدادي: علامة بالأدب والتاريخ والأخبار. ولد وتأدب ببغداد. وأولع بالأسفار، فرحل إلى دمشق ومصر وأدرنة. وجمع مكتبة نفيسة. وتوفى في القاهرة. كان يتقن آداب التركية والفارسية. ٣٦- "تخريج الأحاديث الواقعة في التحفة الوردية" لعبد القادر البغدادي المتوفى سنة "١٠٩٣ هـ" وقد تقدم. ٣٧- "تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي" لابن همات المتوفى "١١٧٥". وهو: محمد بن حسن المعروف بابن همات أو محمد همات زادة، الدمشقي: من علماء الحديث، تركماني الأصل، قسطنطيني، ولد في دمشق، ورحل إلى مكة، فجاور بها، ثم سافر إلى القسطنطينية. ٣٨- "إدراك الحقيقة في تخريج أحاديث الطريقة" "للبركوي" لعلي بن حسن المصري.

стр. 81

ترجمة الإمام الرافعي ١ صاحب "الشرح الكبير " اسمه ونسبه ومولده: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن الإمام العلامة إمام الدين وشيخ الشافعية عالم العجم والعرب أبو القاسم القزويني الرافعي. القزويني٢: نسبة إلى قزوين، وهي إحدى المدائن بأصبهان يقال: بها باب الجنة. والرافعي: هذه النسبة لرافعان: بلدة من بلاد قزوين، قال النووي. قال الإسنوي: سمعت قاضي القضاة جلال الدين القزويني يقول: إن "رافعان" بالعجمي مثل "الرافعي" بالعربي، فإن الألف والنون في آخر الاسم عند العجم كياء النسبة في آخره عند العرب، فرافعان نسبة إلى رافع قال: ثم إنه ليس بنواحي قزوين بلدة يقال لها: رافعان، ولا رافع، بل هو منسوب إلى جد له يقال له: رافع. قال الإسنوى: حكى بعض الفضلاء عن شيخه، قال سألت القاضي مظفر الدين قاضي قزوين، إلى ماذا نسبه الرافعي؟ فقال: كتب بخطه، وهو عندي في كتاب "التدوين في أخبار قزوين" إنه منسوب إلى رافع بن خديج ﵁. وحكى ابن كثير قولاً إنه منسوب إلى أبي رافع مولى النبي ﷺ . هذا، رقد ولد الإمام الرافعي ﵀ سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وللإمام الرافعي- ﵀ من الأولاًد ولد ذكر، اسمه: محمد. ولقبه: عزيز الدين وبنت، ذكر أبو سعد المنسي، النسوي في "تاريخ خوارزم شاه": أن الإمام أبا القاسم الرافعي كانت له بنت، تزوجها رجل من مشايخ "قزوين" وأولدوها أولاداً كثيرة. وقرأت على الشيخ صلاح الدين- أبقاه الله- قال: رأيت بدمشق سنة أربعين وسبعمائة امرأة حضرت عند قاضي القضاة، تقي الدين السبكي، عجمية، فصيحة اللسان، ذكرت أنها من نسل الإمام الرافعي، وكانت تحفظ "عقيدته" التي صنفها، فقرأت منها قطعة، وهي عقيدة بديعة على

стр. 82

طريقة أهل السنة، بعبارة فصيحة على عادته- رحمة الله عليه-. أما والده فهو١: أبو الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل، الرافعي، القزويني، يقال له: "بابويه". سمع ببلده من: أبي علي، الحسن بن أحمد الهمذاني، قدم عليهم. ومن ملكداذ بن علي بن أبي عمرو، وببغداد من: أبي منصور بن خيرون، وأبى الفضل الأوموي، وأبي عبد الله بن الطرائفي، وسعد الخير الأنصاري. وبنيسابور من: أبي الأسعد القشيري، وعبد الخالق بن زاهر الشحامي في آخرين. وقال ولده: الإمام الرافعي في "أماليه": "والدي أبو الفضل، ممن خُصّ بعفة الذيل، وحُسن السيرة، والجدِّ في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، وقوة الجنان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلوم: حفظاً، وضبطاً. ثم: إتقاناً، وبياناً، وفهماً ودراية. ثم: أداء ورواية. سمع الحديث، وتفقه بـ "قزوين" في صِباه، ثم سافر إلى الري، فسمع وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد، فسمع، وتففه، وحج منها، ثم انتقل إلى نيسابور، فضل على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الحديث الكثير. وكان مشايخه يوقرونه، لحسن سيره، وشمائله، ووفور فضله، وفضائله. ولما عاد إلى "قزوين" أقبلت عليه المتفقهة، فدرّس، وأفاد، وذاكر وذكر، وقسر، وروى، وصنف: في التفسير، والحديث، والفقه، وانتفع به الخواص والعوام. ثم استأثر الله- تعالى- به في شهر رمضان، سنّة ثمانين وخمسمائة. ولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصر في مناقبه، أسميه بـ "القول الفصل في فضل ابن الفضل" اهـ. وقال في المجلس الخامس من هذه "الأمالي": "والذي- ﵀ كان جيد الحفظ، سمعته صبيحة بعض الأيام يقول: سهرت البارحة فأجلت الفكر فيما أحفظه من الأبيات المفردة، والمقطعات فبلغت آلافاً". وقال في المجلس العاشر منها: "سمعت عبد الرحيم بن الحسين المؤذن- وكان رجلاً صالحاً يؤذن في مسجده- يحكي: أن والدي- ﵀ خرج في ليلة مظلمة لصلاة العشاء، قال: وأنا على باب المسجد أنتظره، فحسبت أن في يده سراجاً، وتعجبت منه، لأنه لم يكن من عادته استصحابُ السراج، فلما بلغ المسجد لم أجد السراج، ودهشت وذكرت له ذلك من الغد فلم يعجبه وقوفي على الحال، وقال: أقبل على شأنك". وقال في المجلس العاشر منها: "كتب سعد بن الحسن الكرماني لوالدي، رحمهما الله-

стр. 83

وكان سعد من أهل العلم، والفضل، والبيوتات الشريفة-: يا أبا الفضل قد تأخرت عنا … قأسأنا بحسن عهدك ظنا كم تمنت تفسي صديقاً صدوقاً … فإذا أنت ذلك المتمني قبغصن الشباب لما تثنى … وبعهد الصبا وإن بان عنا كن جوابي إذا قرأت كتابي … ولا تفل للرسول: كان وكنا فبلغت أنه كان جوابه". وقال في المجلس الخامس عشر: "كتب إلى والدي أبو سليمان الزبيري- حين عزم على السفر للتفقه-: أبا الفضل هجرك لا يحمل … ولست ملوماً بما تفعل وإنك من حسنات الزمان … وقدماً علينا بها يبخل وقال الرافعي عن والدته في "أماليه"١: "والدتي صفية بنت الإمام أسعد الركابي- رحمهما الله- كانت تروي الحديث عن إجازة جماعة من مشايخ "أصبهان"، و"بغداد" و"نيسابور" عني بتحصيل أكثرها: خالها أحمد بن إسماعيل". قال: "لا أعرف امرأة في البلد كريمة الأطرافِ في العلم مثلها، فأبوها كان حافظاً للمذهب، والأقوال، والوجوه فيه، المستقرب منها، والمستبعد، ماهراً في الفتوى، مرجوعاً إليه. وأما: زليخا بنت القاضي إسماعيل بن يوسف، كانت فقيهة يراجعها النساء، فتفتي لهن لفظاً وخطاً، سيّما فيما ينوبهن، ويستحين منه، كالعدة والحيض. وأخواها: من معتبري الأئمة المشهورين في البلد: درج أكبرهما وأنساً في أجل الآخر. وزوجها: الإمام، والدي: قد أشرت إلى جمل من أحواله فيما تقدم. وجدّها: القاضي إسماعيل بن يوسف: من أهل العلم، والحديث، والجدّ في العبادة، وكان قد تفقه على القاضي، الشهيد: أبي المحاسن الروياني، وسمع منه الحديث. خالها: الإمام أحمد بن إسماعيل: مشهور في الآفاق. قال في أثناء "أماليه"- بعد أن روى عنه حديثاً-: "هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس، الطالقاني، ثم القزويني، أبو الخير، إمام كثير الخير، موقر الحظ من علوم الشرع: حفظاً، وجمعاً، ونشراً بالتعليم، والتذكير، والتصنيف. وكان لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله تعالى، ومن تلاوة القرآن، وربما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى القارىء، وينبهه

стр. 84

إذا زل، واجتمع له من ذلك القبول التام، عند الخواص والعوام، والصيت المنتشر، والجاه والرفعة. وتولّى تدريس النظامية ببغداد مدة، محترماً في حريم الخلافة، مرجوعاً إليه ثم آثر العودة إلى الوطن، واغتنم الناس رجوعه إليهم، واستفادتهم من علمه، وتبركوا بأيامه. وسمع الكثير من الفراوي، وفهرست مسموعاته متداول، وكان يعقد المجلس للعامة في الأسبوع ثلاث مرات، إحداها: صبيحة يوم الجمعة، فتكلم على عادته يوم الجمعة، الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:١٢٩] . وذكر أنها من أواخر ما نزل من القرآن، وعدد الآيات المنزلة آخراً منها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ … ﴾ [المائدة:٣] . ومنها: سورة النصر. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] . وذكر أن رسول الله ﷺ ما عاش بعد نزول هذه الآية إلا سبعة أيام، ولما نزل من المنبر حُم، وانتقل إلى رحمة اللَّه تعالى في الجمعة الأخرى، ولم يعش بعد ذلك المجلس إلاَّ سبعة أيام، وهذا من عجيب الاتفاقات. وكأنه أُعْلِمَ بالحال، وبأنه حان وقت الارتحال، ودُفن يوم السبت ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم، وأنا في شأنه متفكر، ومما أصابه منكسر، إذ وقع في خلدي من غير نية، وفكر وروية: بكت العلوم بويلها وعويلها … لوفاة أحمدها بن إسماعيلها كأن احداً يكلمني بذلك. وكانت ولادته سنة: ائنتي عشرة وخمسمائة، وهو مع كونه خال والدتى، أبوها من الرضاع أيضاً". قال: "وابنها" المملي لهذه "الأمالي"- يعني الرافعي نفسه-: لا يخرج عن زمرة أهل العلم، ويحشر فيهم إن شاء الله تعالى، وكذا سائر بنيها". قال: "ثم هي- يعني والدته- في نفسها متدينة خائفة، وبما لا بد منه من الفروض عارفة، قارئة لكتاب الله، كثيرة الخير، رقيقة القلب، سليمة الجانب، تحمل الكل، وترغب في المعروف، وتحسن إلى اليتامى، تلي خيراً، وتولي جميلاً ما استطاعت إليهما سبيلاً. وكانت قد ابتليت بعدة بنات، أنفقت واسطة العمر عليهن، حتى استكملن من أدبهن، مضين لسبيلهن فتركنها ثكلى بهن، وللَّه ما أخذ، وله ما أعطى، ولا راد لما حكم وقضى".

стр. 85

ثم ذكر أحاديث وشعراً تسلية لوالدته- ﵂. وللإمام الرافعي أخ، اسمه: محمد، تفقه على أبي القاسم بن فضلان. وسمع الحديث من أبيه. وأجاز له: ابن البَطي. ورحل إلى "أصبهان" و"الري" و"أذربيجان" و"العراق". وسمع الحديث من: نصر الله القزاز، وابن الجوزي. واستوطن بغداد، وولي مشارفة أوقاف "النظامية". وكان فيه ديانة، وأمانة، وتوضع، وتودد وحسن خلق. كتب الكثير- مع ضعف خطه-من التفسير، والحديث، والفقه. ومعرفته في الحديث تامة. قال ابن النجار: "وكان يذاكرني بأشياء، وله فهم حسن، ومعرفة. مات في ثامن عشرين جمادى الأولى، من سنة ثمان وعشرين وستمائة، وقد قارب السبعين"١. الكلام في صفاته وشيمه وأخلاقه وثناء العلماء عليه لقد كان لهذا العالم الجليل الحظ الأكبر من ثناء العلماء عليه بذكر صفاته وشيمه وأخلاقه، فلقد كان ﵀ إماماً جامعاً بين العلم والعمل، فحسنت من أجل ذلك سيرته. ودونك بعض ما يقوله عنه بعض المترجمين له والمؤرخين لحياته. قال الإمام الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"٢ هو شيخ الشافعية عالم العجم والعرب إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم.... الخ ثم قال: وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبد ونسك وأحوال وتواضع، انتهت إليه معرفة المذهب. قال النووي في "تهذيبه"٣: الرافعي من الطالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة. قال أبو عمرو بن الصلاح: أظن أني لم أرَ في بلاد العجم مثله كان ذا فنون حسن السيرة، جميل الأمر. قال ابن السبكي في "طبقاته"٤: كان الإمام الرافعي متضلعاً من علوم الشريعة، تفسيراً، وحديثاً وأصولاً، مترفعاً على أبناء جنسه في زمانه، نقلاً وبحثاً وإرشاداً وتحصيلاً، وأمَّا الفقه فهو

стр. 86

فيه عُمدة المحققين وأُستاذ المصنفين، كأنما كان الفقه ميتاً فأحياه وأنشره، وأقام عماده بعد ما أماته الجهل فأقبره، كان فيه بدراً يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضمها أوجها، وجواداً لا يلحقه الجواد إذا سلك طرقاً ينقل فيها أقوالاً ويخرخ أوجها فكأنما عناه البحتري بقوله: وإذا دجت أقلامه ثم انتحت … برقت مصابيح الدجا في كتبه باللفظ يقرب فهمه في بعده … منا ويبعد نيله في قربه حكم سحابتها خلال بيانه … هطالة وقلبها في قلبه كالروض مؤتلقا بحمرة نوره … وبياض زهرته وخضرة عشبه وكأنها والشمع معقود بها … شخص الحبيب بدا لعين محبه وكان ﵀ ورعاً زاهداً تقياً نقياً طاهر الذيل مراقباً لله، له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية، والكرامات الباهرة. قال أبو عبد الله محمد بن محمد الاشفرايني: هو شيخنا، إمام الدين، وناصر السنة. كان أوحد عصره في العلوم الدينية، أصولاً وفروعاً، مجتهد زمانه في المذهب، فريد وقته في التفسير، كان له مجلس بقزوين للتفسير ولتسميع الحديث. قال الإسنوي في "طبقاته"١: صاحب شرح "الوجيز" الذي لم يصنف في المذهب مثله، تفقه على والده وعلى غيره، وكان إماماً في الفقه والتفسير، والحديث والأصول، وغيرها. طاهر اللسان في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات، ولا يطلق نقلاً عن أحد غالباً إلا إذا رآه في كلامه، فإن لم يقف عليه فيه عبر بقوله: وعن فلان كذا، شديد الاحتراز أيضاً في مراتب الترجيح. قال الذهبي: يظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في شرح "المسند". قال ابن قاضي شهبة٢: صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار، ولقد برز فيه على كثير ممن تقدمه، وحاز قصب السبق، فلا يدرك شأوه الا من وضع يديه حيث وضع قدمه. قال ابن العماد … الإمام العلاّمة إمام الدين الشافعي صاحب الشرح المشهور الكبير على المحرر..، انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه، وكان مع براعته في العلم صالحاً زاهداً ذا أحوال وكرامات ونسك وتواضع.

стр. 87

وبعد هذا يظهر ما كان عليه هذا العالم الجليل من علم وتبحر في شتى العلوم وما كان عليه من زهد وتقى وصلاح وكرامات يحكى منها ما نقل السبكي فقال: سمعت شيخنا شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب، يحكي أن الرافعي فقد في بعض الليالي ما يسرجه عليه وقت التصنيف فأضاءت له شجرة في بيته، فجلس يطالع ويكتب. مصنفاته فهي مصنفات شريفة عرف فضلها الأكابر، وكفر نورها المكابر، ورغم أنفه فميسم العلاء يطوقها، ويد الأكابر تقرظها، وثناؤهم يلهج بفضلها وعلمها. فقد بذل فيها مؤلفها جهده، ونمقها بعقله قبل يده فاقتصد ولم يسرف، وأبدع فيها وأطرف، وأبان المبهم وعرف وهي: ١- "العزيز في شرح الوجيز" وقد قمنا بتحقيقه وإخراجه كاملاً لأول مرة. ٢- "الشرح الصغير" وهي في الفقه دون "الشرح الكبير". ٣- "شرح المسند" للشافعي: قال في أوله: ابتدأت في إملائه في رجب سنة ثنتي عشرة وستمائة، وهو عقب فراغ "الشرح الكبير". قال عنه الذهبي: يظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في شرح "المسند" ونحن بصدد تحقيقه. ٤- "المحمود في الفقه". لم يتمه، قال السبكي: ذُكر لي أنه في غاية البسط، وأنه وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثمان مجلدات. وقال: وقد أشار إليه الرافعي في "الشرح الكبير" في باب الحيض أظنه عند الكلام في المتحيرة. ٥- "الإيجاز في أخطار الحجاز": ذكر أنه أوراق يسيرة، ذكر فيها مباحث وفوائد خطرت له في سفره إلى الحج. قال السبكي: وكان الصواب أن يقول: خطرات، أو خواطر الحجاز. ولعله قال ذلك، والخطأ من الناقل. ٦- التذنيب: وهو مجلد يتعلق بالتعليق على "الوجيز" للغزالي. ٧- "الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة": وهو ثلاثون مجلساً، أملاها أحاديث بأسانيدها عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلّم عليها، ذكره صاحب "كشف الظنون" وغيره.

стр. 88

٨- "المحرر في فروع الشافعية": قال حاجي خليفة١: وهو كتاب معتبر مشهور بينهم. ٩- "التدوين في أخبار قزوين": وهو كتاب مطبوع متداول بين أهل العلم في أربع مجلدات. ١٠- سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين: أعني الرافعي٢. فوائد من "أمالي" الرافعي نقل السبكي في "طبقاته" بعض ما تضمنه "أمالي" الرافعي من الفوائد، فوجدنا من تمام الفائدة ذكرها فقال: قال في قوله ﷺ :" إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائةً إلا واحداً. من أحصاها دخل الجنة" إنما قال: "مائة إلا واحداً" لئلا يتوهم أنه على التقريب، وفيه فائدة رفع الاشتباه، فقد يشتبه في الخط تسعة وتسعون بسبعة وسبعين. روى بسنده إلى أبي عبد الله المغربي: "من ادعى العبودية وله مراد باق فهو كاذب في دعواه" إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته وقام بمراد سيده، ليكون اسمه ما سمي به إذا دعي باسم أجاب عن العبودية، ولا يجيب إلا من يدعوه بالعبودية، ثم أنشأ يقول: يا عمرو ثاري عند أسماء … يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها … لأنه أشرف أسمائي ثم أنشد الرافعي لنفسه: سمني بما شئت وسم جبهتي … باسمك ثم أسم بأسمائي فسمني عبدك أفخر به … ويستوي عرشي على الماء وأنشد لنفسه أيضاً: إن كنت في اليسر فاحمد من حباك به … فليس حقا قضى لكنه الجود أو كنت في العسر فاحمده كذلك إذ … ما فوق ذلك مصروف ومردود وكيفما دارت الأيام مقبلة … وغير مقبلة فالحمد محمود وقال: اعلم أن الناس في الرضا ثلاثة أقسام: يحسون بالبلاء، ويكرهونه، ولكن يصبرون على حكمه، ويتركون تدبيرهم ونظرهم حبا لله تعالى؛ لأن تدبير العقل لا ينطبق على رسوم المحبة والهوى، قال قائلهم:

стр. 89

لن يضبط العقل إلا ما يدبره … ولا ترى في الهوى للعقل تدبيرا كن محسناً أو مسيئاً وابق لي أبداً … وكن لديّ على الحالين مشكوراً وقوم يضمون إلى سكون الظاهر سكون القلب، بالاجتهاد والرياضة، وإن أتى البلاء على أنفسهم، بل: يستعذبون بلاياهم كلهم … لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا ولذلك قال ذو النون الصمري: الرجاء سرور القلب بمرور القضاء، وقالت رابعةُ: إنما يكون العبدُ راضياً إذا سرته البلية كما سرته النعمة. وقوم يتركون الاختيار، ويوافقون الأقدار، فلا يبقى لهم تلذذ ولا استعذاب، ولا راحة ولا عذاب، قال أبو الشيص، وأحسن: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة … حبا لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم … إذ كان حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي عامداً … ما من يهون عليك ممن يكرم قال في "الإملاء"، على حديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين: حمل الشافعي ذلك فيما نقله أبو عيسى الترمذي وغيره، على التعبير على السورة، يذكر أولها بعد آية التسمية المشتركة، كما يقال قرأت طه ويس، قال: ثم هذا استدلال الخصوم، على أنها ليست من القرآن بهذا الحديث، لا يتضح على قول من يذهب إلى أن التسمية في أوائل السور ليست من القرآن؛ لأن المراد من قوله: "يستفتح القراءة" قراءة القرآن، لا مطلق القراءة، وحينئذ فالافتتاح بالحمد للَّه رب العالمين لا ينافي قراءة البسملة أولاً، كما لا ينافي قراءة التعوذ ودعاء الاستفتاح. قال الرافعي: سبيل من أشرف قلبه ونور بصيرته على الضياع أن يستغيث بالرحمن، رجاء أن يتدارك أمره بالرحمة والاصطناع، ويتضرّع بما أنشد عبد الله بن الحسن الفقير: لو شئت داويت قلبا أنت مسقمه … وفي يديك من البلوى سلامته إن كان يجهل ما في القلب من حرق … فدمع عيني على خدي علامته ثم روى بسنده أن سمنون كان جالساً على الشط، وبيده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه، وهو يقول: كان لي قلب أعيش به … ضاع مني في تقلبه رب فاردده علي فقد … ضاق صدري في تطلبه وأغث ما دام بي رمق … يا غياث المستغيث به

стр. 90

وروى عن مسرور الخادم، قال: لما احتضر هارون أمير المؤمنين، أمرني أن آتيه بأكفانه، فأتيته بها، ثم أمرني فحفرت له قبره، ثم أمر فحمل إليه، وجعل يتأمله ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨-٢٩] . ثم أنشد الرافعي لنفسه: الملك لله الذي عنت الوجو … هـ له وذلت عنده الأرباب متفرد بالملك والسلطان قد … خسر الذين تجاذبوه وخابوا دعهم وزعم الملك يوم غرورهم … فسيعلمون غداً من الكذاب وقال في قوله ﷺ : "إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في كل يوم مائة مرة": مم كان يتوب النبي ﷺ ؟ وعلى مَ يحمل الغين في قلبه؟ افترق الناس فيه فرقتين: فرقة أنكرت الحديث، واستعظمت أن يغان قلب رسول الله ﷺ حتى يستغفر مما أصابه، وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج، صاحب كتاب "اللمع" في التصوف، فروى الحديث، وقال عقيبه: هذا حديث منكر. وأنكر علماء الحديث استنكار السراج، وقالوا: الحديث صحيح، وكان من حقه أن لا يتكلم فيما لا يتعلم. والمصححون له تحزبوا، فتحرج من تفسيره متحرجون. عن شعبة: سأل الأصمعي: ما معنى "ليغان على قلبي"؟ فقال: عمن يروى ذلك؟ قلت: عن النبي ﷺ قال: لو كان من غير قلب النبي ﷺ فسرته لك، وأما قلب النبي ﷺ فلا أدري، فكان شعبة يتعجب منه. وعن الجنيد: لولا أنه حال النبي ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حال إلا من كان مشرفاً عليها، وجلت حاله أن يشرف على نهايتها أحد من الخلق وتمنى الصديق ﵁، مع علو مرتبته أن يشرف عليها، فعنه: ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله ﷺ . فهذه طريقة المصححين، وتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهاجان: حمل الغين على حالة جميلة ومرتبة عالية، اختص بها النبي ﷺ ، والمراد من استغفاره خضوعه وإظهار حاجته إلى ربه، أو ملازمته للعبودية، ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان. وعن أبي سعيد الخزاز: الغين: شيء لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء، لصفاء الأسرار، وهو كالغين الرقيق الذي لا يدوم. والثاني: حمل الغين على عارض يطرأ، غيره أكمل منه، فيبادر إلى الاستغفار إعراضاً، وعلى هذا كثُرت التنزيلات والتأويلات، فقد كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم. وقيل: سببه ما يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله. وقيل: ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم. وقيل: ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب. وقيل: لم يزل رسول الله ﷺ مترقياً من رتبة إلى رتبة، فكلما رقي درجة والتفت إلى ما خلفها وجد منها

стр. 91

وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين فيستغفر اللَّه منها، وهذا ما كان يستحسنه والدي ﵀ ويقرره. انتهى كلام الرافعي، ثم أنشد لغيره هذا [البسيط] : والله، ما سهري إلا لبعدهم … ولو أقاموا لما عذبت بالسهر عهدي بهم ورداء الوصل يشملنا … والليل أطوله كاللمح بالبصر والآن ليلي إذ ضنوا بزورتهم … ليل الضرير فنومي غير منتظر فوائد من شرح المسند للرافعي ذكر فيه أن الأفضل لمن يشيع الجنازة أن يكون خلفها بالاتفاق، والذي أوقعه في ذلك الخطابي، فإنه كذلك قال، وقد ذكر الرافعي نفسُه في شرحيه أنه يكون أمامها، وحكى ما سبق ورواية عن أحمد. ومن شعر الرافعي مما ليس في "الأمالي"، أنشدنا قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني، في كتابه عن والده، عن أبي القاسم الرافعي، ﵀، أنه أنشده لنفسه [الطويل] : تنبه فحق أن يطول بحسرة … تلهف من يستغرق العمر نومه وقد نمت في عصر الشبيبة غافلا … فهب نصيح الشيب قد جاء يومه ومن شعر الرافعي أيضاً [الطويل] : أقيما على باب الرحيم أقيما … ولا تنيا في ذكره فتهيما هو الرب من يقرع على الصدق بابه … يجده رؤوفاً بالعباد رحيما وذكر صاحب البدر المنير من شعره: إلى رضى الربّ نسوق الرضا … بالله ربا فارض فيما قضى ولا تكن عن شأنه غافلاً … فالوقت سيف صارم منتضى ومنه أيضاً: العالمون ضعيفهم وقويهم … لجلال عزته سجود ركع لو كلفوا أن يعبدوه عمرهم … حق العبادة لحظة لتكعكعوا ومنه: سواد الشباب كليل مضى … وقد نمت فيه لقى غافلاً وصبح المشيب بدا فانتبه … فعما قليل ترى آفلا ومنه: من يستعن بالله سبحانه … ويطلب العوذة مما يعين

стр. 92

يعنه بالفضل على ما به … يقر عينا ويفر اللعين فحسبنا الله لما نابنا … إياه ترجو وبه نستعين ومنه: ليس للدنيا استقامه … ولمن فيها أقامه هي إلمامة طيف … وانتشاء من مدامه هي مثل البرق يبدو … من تجاويف غمامه نائل ما أنت فيه … من هوان وكرامه حاصل المأمول منها … تبعات وغرامه تعب في الحال صعب … ثم في العقبى ندامه جاف عنها الجنب صفحا … تنج منها بسلامه ومنه: أفدي الذين سقوني كأس حبهم … وإن جفوني وإن جاروا وإن غدروا أليس قد جعلوني أهل ودهم … ففي فؤادي منه الورد والصدر أليس لم يسلبوني ما ألذ به … ذكرا وحبا، وإضمارا وقد قدروا ومنه: صافيتك لا تشب بمطل، وبلي … ميعادك، واحتكم بما شئت علي أتمم نعما أنت تطولت بها … منك اليد، والقصور مني وإلي ومنه: تيممت بابك لا غيره … فما الخير عندي سوى خيركم لئن لم أصب منكم وابلا … فما أرتجي الطل من غيركم ومنه: نفسي فدا لهم خيبوا أم تولوا … تحولوا عن حالهم أو ثبتوا فخولوا إن حرموا فطالما بفضلهم تطولوا … فتحت عيني بهم، فما عنهم محول إعراضهم إن أعرضوا وشددوا وهولوا … وعرضوني للنوى بما علي طولوا ليس بشان عنهم، إن الحبيب الأول … عليهم في كل ما أقصده المعول ومنه: قولوا لهم ثم قولوا … ما عنهم لي عدول أحملوني أموراً … تنهد منها العقول أو تولوني بخير … يطول فيه الفضول

стр. 93

لا أجعل القلب رهنا … فالرهن مما يزول وقف عليهم فؤادي … والوقف ما لا يحول ومنه: قد ذل من منه ملا … وبعد ذلك ضلا وفاز من فيه يسعى … وخاب من عنه ولى من استقل سواه … ففي هداه استقلا والمعرض المتواني … نوله ما تولى وإن خضعت تراه … بفضله يتجلى يا رب عبدك يرجو … من ظل فضلك ظلا وأنت رب رحيم … تسدي الجميل فهلا ومنه: عبد الكريم المرتجي رحمة … تكنفه من كل أرجائه أملى ثلاثين حديثا على … ما وفق الله بنعمائه ليس يزكيها ولكنه يقول … قول الحائر التائه: فاز أبو القاسم يا رب لو … قبلت حرفين من إملائه شيوخ الإمام الرافعي أما شيوخه فإنهم خير سلف للخلف، فهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، ومنجاة من الروى، فبهم اشتهر الدين، وبه اشتهروا، وأقاموا بفضل الله السنة، وهدموا البدعة، فسعت بذكرهم الركبان، وغشت مناقبهم البلدان، فتهافت الناس عليهم، من كل صقع شاسع ومكان.. ولا غرو فالعالم الغزير، والألمعي الكبير تمين أن تقوم له الدنيا فلا تقعد، ويرحم الله الألبيري لما ذكر العلماء فقال: إن أولي العلم بهذه الفتن … تهيبوها من قديم الزمن فاستعصموا الله وكان التقى … أوفى لهم فيها من أوفى الخبن فهم رعاة الله في أرضه … حقا بهم تدفع عنا الفتن فهنيئاً لعالمنا أن ينتسب إلى هالة النور من كوكبة العلماء هذه، وهي الزاخرة الفاخرة ذات الشهرة السائرة. أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامع ودونك سرداً لبعض من كوكبة العلماء الأخيار.

стр. 94

١- والد الرافعي ١ أبو الفضل، محمد بن عبد الكريم بن الفضل، والد الإمام الرافعي، تفقه ببلده قزوين على ملكداد بن علي وغيره، ثم قدم بغداد فتفقه بالنظامية إلى أبي منصور بن الرزاز، ثم رحل إلى نيسابور فتفقه بنظاميتها على: والدي رحمه الله تعالى ممن خصّ بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، وقوّة الجنان والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلم حفظاً وضبطاً. توفي في شهر رمضان سنّة ثمانين وخمسمائة، وهو في عشر السبعين، انتهى كلامه. ٢- أبو الفتح بن البطي ٢ أبو الفتح بن البطي الحاجب محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان البغدادي مسند العراق وله سبع وثمانون سنّة أجاز له أبو نصر الزينبي وتفرد بذلك وبالرواية عن البانياسي وعاصم بن الحسن وعلي بن محمد بن محمد الأنباري والحميدي وخلق وكان ديناً عفيفاً محباً للرواية صحيح الأصول. قال ابن النجار: كان حريصاً على نشر العلم، صدوقاً حصل أكثر مسموعاته شراء ونسخاً، ووقفها. توفي يوم الخميس سابع وعشرين جمادى الأولى سنّة أربع وستين وخمسمائة. ٣- أبو سليمان الزبيري ٣ أحمد بن حسنوية بن حاجي أبو سليمان الزبيري، وهو على ما رأيت بخطه أحمد بن حسنوية بن حاجي بن الحسن، ويقال له: حسنوية بن القاسم بن عبد الرحمن بن سهل بن السري بن سليمان بن عباد بن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁، إمام نسيب متفنن، فقيه مناظر عارف بالعربية شاعر، سمع القاضي أبا الفتح إسماعيل بن عبد الجبار، وإسماعيل بن محمد المخلدي والأستاذ الشافعي بن داؤد

стр. 95

وغيرهم. روى سنن أبى عبد اللَّه بن ماجة عن أبي منصور المقومي بالإجازة، وقد أجاز له رواية جميع مسموعاته، سنة ثلاث وثمانين، وأربعمائة، وعن جده لأمه الواقد بن الخليل، وقد أجاز له إجازة مطلقة وهو يروي السنن عن أبى الحسن علي بن الحسن بن إدريس عن أبي الحسن القطان، وروى كتاب يوم وليلة لأبي بكر السني عن أبيه عن الأستاذ الشافعي بن داؤد المقرىء وعن إسماعيل بن محمد المخلدي بروايتهم عن أبى حفص هبة الله بن زاذان، عن عمه عنه. توفي الإمام أبو سليمان الزبيري سنة أربع وستين وخمسمائة، وهو ابن ست وثمانين، وكانت ولادته على ما حكى الحافظ علي بن عبيد الله بن بابويه عنه في المحرم، سنة ثمانين وأربعمائة. ٤- أبو العلاء الهمذاني ١ الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن سهل العطار: شيخ همذان، وإمام العراقيين في القراآت، وله باع في التفسير والحديث والأنساب والتواريخ، كان لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئاً. ولا مدرسة ولا رباطاً، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مع التقشف في الملبس. له تصانيف، منها: "زاد المسير" في التفسير، خمسون جزءاً، و "الوقف والابتداء" في القراآت، و"معرفة القراءة"، و"الهادي في معرفة المقاطع والمبادي". وقد ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وتوفي سنة تسمع وستين وخمسمائة. ٥- عبد الله بن أبي الفتوح ٢ عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران أبو حامد من الأئمة المذكورين من أقرانه، وكان من شركاء والدي ﵀ ببغداد وبنيسابور، تفقه عليه جماعة، في أول عوده من خراسان، وفي آخر أمره وعمره حين تولى التدريس في مدرسة القاضي عمر بن عبد الحميد الماكي، وسمع الكثير، بقزوين وبغداد ونيسابور، وغيرهما. قال الرافعي: وقرأتُ عليه جامع أبي عيسى الترمذي بتمامه، بروايته عن أبي القاسم الكرخي

стр. 96

بإسناده، وسمع سنن عبد الرحمن النسائي من سعد الخير بن محمد الأنصاري، وأبي الحسين علي بن أحمد بن محمويه اليزدي، بروايتهما عن الدوري وتوفي سنّة خمس وثمانين وخمسمائة، في ذي القعدة. تلاميذ الإمام الرافعي أحمد بن الخليل أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى المهلبي، قاضي القضاة شمس الدين، أبو العباس، الخوبي، ولد بخوي في شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ودخل خراسان وقرأ بها الأصول على القطب المصري صاحب الإمام فخر الدين، وقيل: بل على الإمام نفسه. قال السبكي في "الطبقات الكبرى": وقرأ الفقه على الرافعي، وقرأ علم الجدل على علاء الدين الطوسي، وسمع الحديث من جماعة. وولي قضاء القضاة بالشام. وله كتاب في الأصول، وكتاب فيه رموز حكمية، وكتاب في النحو، وكتاب في العروض. وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة: أحمد بن الخليل أرشده اللَّـ … ـه كما أرشد الخليل بن أحمد ذاك مستخرج العروض وهذا … مظهر السر منه والعود أحمد قال الذهبي: كان فقيهاً، وإماماً، مناظراً، خبيراً بعلم الكلام، أستاذاً في الطلب والحكمة، ديناً، كثير الصلاة والصيام. توفي في شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة. المنذري عبد العظيم بن عبد القويّ بن عبد الله، أبو محمد، زكيّ الدين المنذري: عالم بالحديث والعربية، من الحفاظ المؤرخين له "الترغيب والترهيب" و"التكملة لوفيات النقلة" أجزاء منه، و"أربعون حديثاً رسالة، و"شرح التنبيه" و"مختصر صحيح مسلم" في الهند مع شرحه لصديق حسن خان، و"مختصر سنن أبي داود" أصله من الشام، تولى مشيخة دار الحديث الكاملية "بالقاهرة" وانقطع بها نحو عشرين سنة، عاكفاً على التصنيف والتخريج والإفادة والتحديث. مولده سنة ٥٨١ هـ، وتوفي سنة ٦٥٦ هـ بمصر.

стр. 97

العزيز في شرح الوجيز المسمى بـ "الشرح الكبير" وثناء العلماء عليه لقد اشتهر الرافعي بأنه صاحب الشرح، والمقصود منه الشرح الكبير، ولقد سماه "العزيز" وتوزع بعضهم عن إطلاق لفظ "العزيز" مجرداً على غير كتاب الله، فقال: "الفتح العزيز في شرح الوجيز" قاله الإمام السبكي في "طبقاته" ولعله أشار بذلك لتسمية الذهبي له في "سير أعلام النبلاء" الفتح العزيز في شرح الوجيز، وقد رأينا أن الأفضل تسمية الكتاب بما سماه المصنف بـ "العزيز في شرح الوجيز". قال النووي في كتابه "روضة الطالبين". وكانت مصنفات أصحابنا ﵏ في نهاية من الكثرة فصارت منتشرات، مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختبارات، فصار لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين المطلعين أصحاب الهمم العاليات، فوفق الله وله الحمد- من متأخري أصحابنا من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقّح المذهبَ أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرّز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي ذو التحقيقات، فأتى في كتابه "شرح الوجيز" بما لا كبير مزيد عليه من الاستيعاب مع الإيجاز والإتقان وإيضاح العبارات، فشكر الله الكريم له سعيه، وأعظم له المثوبات، وجمع بيننا وبينه مع أحبابنا في دار كرامته مع أولي الدرجات. قال ابن قاضي شهبة: من تصانيفه: "العزيز في شرح الوجيز" الذي يقول فيه النووي بعد وصفه: واعلم أنه لم يصنف في مذهب الشافعي ﵁ ما يحصل لك مجموع ما ذكرته أكمل من كتاب الرافعي ذي التحقيقات، بل اعتقادي واعتقاد كل مصنف أنه لم يوجد مثله في الكتب السابقات ولا المتأخرات فيما ذكرته من المقاصد المهمات. قال ابن هداية الله: صاحب "العزيز" الذي لم يصنف مثله في المذهب. هذا، وهو الكتاب الذي قام الحافظ بن حجر بتخريج أحاديثه في كتابه الذي بين أيدينا "تلخيص الحبير". وفاته قال ابن خلكان: توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وكان عمره حينئذ ست وستين سنة.

стр. 98

حياة ابن حجر العسقلاني ﵀ … حياة ابن حجر ١ نسبه ومولده: هو شهاب الدين، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي

стр. 99

ابن محمود بن أحمد بن حجر الكناني، العسقلاني، الشافعي، المصري المولد والمنشأ والدار، والوفاة، القاهري. اختلفت المصادر في اسم جدّه الرابع، فتارة ذكر محمود، وتارة أحمد، والراجح أحمد كما في الترجمة التي كتبها هو لنفسه، كما أن السخاوي أثبت النسب المذكور وقال: هذا هو المعتمد في نسبه، ثم إن السّخاوي أشار إلى الاختلاف في نسبه فقال: "لا أذكر أدناه … إلا ما قرأته بخط أصحابنا بل وبخط المقريزي، وكان عمدته بعد أحمد أحمديل فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في أجزاء من نسخة من صفة النبي ﷺ كما وجد نسبه بخط قريبه الزين شعبان بإثبات أحمديل وإسقاط محمود. وينسب إليه القول: "إن نسبه يقرأ طرداً وعكساً ولا يتهيأ إلا بتأخير محمود عن أحمد وبإسقاطه". فإن كان قال ذلك فهو على سبيل التندر لما هو معلوم بأن مفهوم النسب لا يعني سبعة أسماء أو ثمانية لكي يقال: إنه يقرأ طرداً وعكساً. وفي "الدررِ الكامنة" ذكر عم والده، فقال: عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود، وكذلك في كتابه "رفع الإصر" وفى أول كتابه "إنباء الغمر" بزيادة أحمد بعد محمود بحيث صار محمود بين أحمدين، لكنه خالف ذلك في كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" وكذلك في ترجمة والده في القسم الثاني من معجم شيوخه، فإنه قال: علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني. كما ورد اسم أبيه عبيد الله في موضع واحد وهذا وهم وأوضح البقاعي وابن خليل أن الحافظ بن حجر ذكر طرفاً من نسبه في استدعاء فقال [من الكامل] : من أحمد بن عليٍّ١ بن محمد بـ … ـن محمد بن علي الكناني المحتد ولجد جد أبيه أحمد لقبوا … حجرا وقيل: بل اسم والد أحمد٢ وبمصر مولده وأصل جدوده … من عسقلان المقدسية قد بدي

стр. 100

وكان يلقب "شهاب الدين" ويكنى "أبا الفضل" وكناه شيخه العراقي والعلاء بن المحلّى "أبا العباس"، كما كني أبا جعفر، غير أن كنيته الأولى "أبو الفضل"- وهي التي كناه بها والده- هي التي ثبتت وصار معروفاً بها. نسبتاه: ١- الكناني: نقل السخاوي عن خط ابن حجر أنه كناني الأصل، نسبه إلى قبيلة "كِنَانة". وقال الحافظ ابن حجر عن والده: "رأيت بخطه أنه كِنَاني النسب وكان أصلهم من عسقلان". ٢- العسقلاني: نسبة إلى "عسقلان" وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، والظاهر أن القبيلة التي ينتمي إليها الحافظ ابن حجر كانت قد استقرت في عسقلان، وما جاورها إلى أن نقلهم "صلاح الدين الأيوبي" عندما خربها ما بين "٥٨٠- ٥٨٣ هـ" على أثر الحروب الصّليبية. وقال ابن حجر [من الكامل] : وبمصر مولده وأصل جدوده … من عسقلان المقدسية قد بدي اشتهاره بابن حجر: لقد اشتهر بـ "ابن حجر" واختلفت المصادر في اعتباره اسماً أو لقباً، وإذا كان لقباً هل هو لقب أحد أجداده فطغى على الحائلة كلها؟ أم أنه لقب أو مهنة أو صناعة؟. قال السخاوي: هو لقب لبعض آبائه، وفي موضع آخر قال: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه. إن هذا الرأي يستند إلى الاستدعاء الذي كتبه الحافظ ابن حجر بهيئة شعره السابق، وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنفه فهو الراجح. وذهب بعضهم إلى القول بأنه نسبة إلى آل حجر وهم قوم يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس وفي شرح ابن سلطان القاري على "توضيح النّخبة" أن ابن حجر هو لقب وإن كان بصيغة الكنية١. مولده: كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطىء النيل بمصر القديمة وقال [من الكامل] : شعبان عام ثلاثة من بعد سبع … مائة وسبعين اتفاق المولد

стр. 101

وكان المنزل الذي ولد فيه يقع بالقرب من دار النحاس ولبث فيه إلى أن تزوج بأم أولاده، فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته "المنكوتمرية" داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين واستمر بها حتى مات. وبينا نجده لا يشير إلى تاريخ يوم ولادته، نلاحظ اختلافاً بين مترجميه في تحديدهم لتاريخ ذلك اليوم فذكره البقاعي والسيوطي في الثاني عشر من شعبان، وذكر ابن فهد وابن طولون: في الثالث عشر من شعبان كما ذكره ابن تغري بردي والسخاوي في الثاني والعشرين من شعبان على أن الشوكاني اعتبر مولده في الثاني من شعبان وهذا بعيد الاحتمال بسبب كونه متأخراً أخذ عن الذين سبقوه وفي هذه الحالة لا يؤمن التحريف. ويظهر مما فات أن يوم مولد ابن حجر ينحصر ما بين الثاني عشر والثاني والعشرين من شعبان سنّة ٧٧٣هـ أي بين الثامن عشر من شباطو الثامن والعشرين منه من سنّة ١٣٧٢م. نشأته وأسرته: نشأ الحافظ ابن حجر يتيماً- كما عبر هو عن نفسه- إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل. وقال: "تركني ولم أكمل أربع سنين، وأنا الآن أعقله كالذي يتخيل الشيء ولا يتحققه، وأحفظ عنه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل"، ولم يكن من يكفله، وكان والده قد أوصى قبل وفاته بولده اثنين من الّذين كانت بينه وبينهم مودّة ويبدو أن علياً كان حفيّاً بولده أحمد، فهو الذي كناه واصطحبه عندما حج وزار بيت المقدس وجاور، ويظن الحافظ ابن حجر أن أباه أحضره في مجاورته مجالس الحديث وسمع شيئاً ما، غير أن المنية اخترمته ولم يسعد بولده الذي صار له فيما بعد شأن عظيم. وأصبح اليتيم في وصاية زكي الدين أبي بكر بن نور الدين علي الخروبي، ّ وكان تاجراً كبيراً بمصر، وورث مالاً كثيراً وأصبح رئيساً للتجار، كما أوصى به والده العلامة شمس الدين بن القطان الذي كان له بوالده اختصاصاً لكنه لم ينصح له في تحفيظه الكتب وإرشاده إلى المشايخ والاشتغال حتى أنه كان يرسل بعض أولاده إلى كبار الشيوخ … ولا يعلمه بشيء من ذلك. وقال عن ابن حجر: وكان له اختصاص بأبي فأسند إليه وصيته فلم يحمد تصرفه. وتشير المصادر إلى أن نشأة الحافظ ابن حجر كانت برغم ذلك- في غاية العفة والصيانة والرياسة، وأن الخروبيّ المذكور لم يأل جهداً في رعايته والعناية بتعليمه فكان يستصحبه معه عند مجاورته في مكة، وظل يرعاه إلى أن مات سنّة ٧٨٧هـ وكان الحافظ ابن حجر قد راهق ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلّة.

стр. 102

ولم يدخل الكُتّاب حتى أكمل خمس سنين فأكمل حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين ومن الذين قرأ عليهم في المكتب شمس الدين بن العلاف الذي ولي حسبة مصر وقتاً وغيره. وأكمل حفظه للقرآن على صدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرزاق السفطي، وكان الاتجاه الثقافي السائد آنذاك يقتضي من الذي يستظهر القرآن أن يصلي بالناس إماماً في صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان، غير أن هذه الفرصة لم تتهيأ لابن حجر الصّبي النّابه الذي حفظ القرآن ولم يزل في التاسعة من عمره، وهذه في الحقيقة مسألة شرعية حيث لا تجزىء صلاة المؤتمين إن لم يكن إمامهم بالغاً، ومع الاختلاف النسبي في تحديد سن البلوغ، فإن السنّة الثانية عشرة من عمر الصبي كانت تتيح له على ما يظهر أن يصلي إماماً بالمسلمين إن هو حفظ القرآن الكريم، فكان عليه أن ينتظر بلوغ هذه السن. وفي أوّل سنة ٧٨٣ اشتغل بالإعادة، وفي سنّة ٧٨٥ أكمل الحافظ ابن حجر اثنتي عشرة سنة من عمره، ومن حسن حظه أن يكون متواجداً حينئذ مع وصية الزكي الخرّوبي في مكة في تلك السنة فصلى التراويح هناك. ويمكن تصور بوادر نبوغه وشجاعته، فبقدر ما كانت مفخرة له كصبي يتقدّم إماماً بالمسلمين في بيت الله الحرام فإنها كانت لحظة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وحسن أداء، فكانت الخيرة له في ذلك كما قال، وكان الحج يومئذ يوم الجمعة فحج وجاور في الحرم الشريف ثم صلّى بعد ذلك بالقدس. ويظهر من استقراء تراجم الذين عاشوا في عصر الحافظ ابن حجر أن تقليداً ثقافياً كان يسود بين أوساط التلاميذ الذين يدخلون بالكتّاب وذلك بإلزام التلاميذ بالتدرج في حفظ بعض مختصرات العلوم والكتب وسماع بعضها الآخر، وهي التي اتفق العلماء آنذاك اعتبارها أساساً في بناء ثقافة طلاب العلم، وكان حفظها أو سماعها يتم بإشراف أساتذة كفاة بارزين في حقول اختصاصهم أو ما يقرب منها. وإذا كانت ثقافة الحافظ ابن حجر تقليدية في أسلوبها فهي ليست كذلك في مكوّناتها، نظراً لقائمة الكتب المهمة التي كوّنت ثقافته بادىء ذي بدء. وبعد أن حفظ القرآن الكريم ظهرت مخايل الذكاء الفطري جلية عليه ما لبث أن استكملها بالتتبع والتحصيل حتى صار حافظ عصره وشيخ الإسلام. وحفظ بعد رجوعه مع الخروبي إلى مصر سنّة ٧٨٦ "عمدة الأحكام" للمقدسي، و"الحاوي الصّغير" للقزويني و"مختصر ابن الحاجب" الأصلي في الأصول، و"ملحة الإعراب" للهروي، و"منهج الأصول" للبيضاوي وألفيّة العراقي وألفيّة ابن مالك، والتنبيه في فروع الشافعية للشيرازي وتميز بين أقرانه بسرعة الحفظ فأشار مترجموه إلى أنه حفظ سورة

стр. 103

مريم في يوم واحد، وكان يحفظ الصحيفة من الحاوي الصغير في ثلاث مرات يصححها ويقرؤها على نفسه ثم يقرؤها أخرى ثم يعرضها حفظاً، وكانت له طريقته الخاصة في الحفظ، حدث عنها تلامذته فهو لم يكن يحفظ بالدرس، وإنما بالتأمّل، وصرف همته نحو ما يروم حفظه، وقد وصف السّخاوي هذه الطريقة بأنها طريقة الأذكياء. وسمع "صحيح البخاري" سنة ٧٨٥ على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري، وكأنه نسي تفاصيل سماعه منه، لكنه كان يتذكر أنه لم يسمع جميع الصحيح، وإنما له فيه إجازة شاملة وقد بين ذلك ابن حجر بقوله: "والاعتماد في ذلك على الشيخ نجم الدين المرجاني فإنه أعلمني بعد دهرٍ طويل بصورة الحال فاعتمدت عليه وثوقاً به". وقرأ بحثاً في عمدة الأحكام على الحافظ الجمال بين ظهيرة عالم الحجاز سنة ٧٨٥هـ، وكان عمره اثنتي عشرة سنة. واجتهد في طلب العلم فاهتم بالأدب والتاريخ وهو ما يزال في المكتب فنظر في التواريخ وأيام الناس، واستقر في ذهنه شيء من أحوال الرواة، وكان ذلك بتوجيه رجل من أهل الخير سماه ابن حجر للسخاوي إلا أن السخاوي نسيه. وسمع في فتوته من المُسنِد نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن رزين بن غالب "صحيح البخاري" بقراءة الجمال بن ظهيرة سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر، وفاته شيء يسير، كما سمع الصحيح أيضاً من أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغزي وغيرهما. وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مبلغاً جعله يستأجر أحياناً بعض الكتب، ويطلب إعارتها له، يبرز في هذا المجال من بين شيوخه بدر الدين البشتكي الشاعر المشهور الذي أعاره جملة من الكتب منها كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني وغيره. ويبدو من خلال الاستقراء أن فتوراً حصل في نشاطه الثقافي استمر إلى أول سنة تسعين وسبعمائة، اشتغل في هذه المدة بالتجارة فنشأ في وسط تجاري لأن جده وأعمامه كانوا تجاراً، وكان وصيه الخروبيّ رئيساً للتجار في مصر. ولعل لموت الخرّوبي سنة ٧٨٧هـ أثراً في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى ذلك، كما ترتب عليه أن يكفل نفسه وينهض بأعباء الحياة، وقد يتضح ذلك من قول السخاوي، ولو وجد من يعتني به في صغره لأدرك خلقاً ممن أخذ عن أصحابهم. في سنة ٧٩٠ هـ أكمل السّابعة عشرة من عمره، وحفظ فيها القرآن الكريم وكتباً من مختصرات العلوم، وقرأ القراءات تجويداً على الشهاب أحمد الخيوطي، وسمع صحيح

стр. 104

البخاري على بعض المشايخ كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ. وقد لازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن القطان المصري، وحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئاً من الحاوي الصغير فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف على شيوخ الدراية. ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعراً إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وطارح الأدباء. وقال الشعر الرّائق والنثر الفائق، ونظم المدائح النبوية والمقاطيع. وتمثل سنة ٧٩٣ منعطفاً ثقافياً في حياة ابن حجر، فمن هذه الثقافة العامة والسعة، واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب الله إليه علم الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته. وأوضحت المصادر أن بداية طلبه الحديث كان في سنة ٧٩٣ هـ وغير أنه لم يكثر إلا في سنة ٧٩٦هـ وكتب بخطه: ".... رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل" فكان أن تتلمذ على خيرة علماء عصره. وكان شيخه في الحديث زين الدين العراقي الذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سنداً ومتناً وعللاً واصطلاحاً، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون الحديث وانتهى منهما في رمضان سنة ٧٩٨هـ بمنزل شيخه المذكور بجزيرة الفيل على شاطىء النيل، كما قرأ عليه نكته على ابن الصلاح في مجالس آخرها سنة ٧٩٩هـ، وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من "أماليه" واستملى عليه بعضها وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام ٧٩٧هـ. وقرأ على مُسْنِدي القاهرة ومصر الكثير في مدة قصيرة فوقع له سماع متصل عال لبعض الأحاديث. أسرته: كانت أسرة الحافظ ابن حجر تجمع بين الاشتغال بالتجارة والاهتمام بالعلم، فكان عم والده فخر الدين عثمان بن محمد بن علي الذي عرف بابن البزاز وبـ "ابن حجر" قد سكن ثغر الإسكندرية وانتهت إليه رئاسة الإفتاء هناك على مذهب الإمام الشافعي وتفقه به جماعة منهم الدّمنهوري، وابن الكويك، وكان له ولدان هما ناصر الدين أحمد، وزين الدين محمد، وكانا من الفقهاء. أما جده قطب الدين محمد بن محمد بن علي فلقد كان بارعاً رئيساً تاجراً، حصل على إجازات من العلماء، وأنجب أولاداً منهم كمال الدين، ومجد الدين، وتقيّ الدين وأصغرهم

стр. 105

وليّ الدين ثم نور الدين علي، وهو والد ابن حجر الذي انصرف من بينهم لطلب العلم أما إخوته فكانوا تُجاراً. ويبدو من خلال سيرة نور الدين على أنه مع اشتغاله بالتجارة عكف على الدرس وتحصيل العلوم فتفقه على مذهب الإمام الشافعيّ وحفظ الحاوي الصغير، وأخذ الفقه عن محمد بن عقيل وأجازه، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وطبقته وله استدراك على الأذكار للنووي فيه مباحث حسنة، وعدّة دواوين شعر منها ديوان الحرم فيها مدائح نبوية، وكان معنياً بالنظم ذا حظ جيّد في الأدب. وقال ابن حجر عن أبيه: "لم يكن له بالحديث إلمام ونظمه كثير سائر" ووصفته المصادر بالعقل والدّيانة والأمانة ومكارم الأخلاق، وصحبة الصّالحين، ونوّهت بثناء ابن القطان وابن عقيل والوليّ العراقي عليه، وناب في القضاء، وأكثر من الحج والمجاورة وصنف، وأجيز بالإفتاء والتدريس والقراءات السبع وتطارح مع ابن نباتة المصري والقيراطي، وتبادل معهما المدائح. كان مولده في حدود سنة ٨٢٠ هـ في رجب سنة ٧٧٧ هـ. أما والدته فهي تجار ابنة الفخر أبى بكر بن شمس محمد بن إبراهيم الزفتاوي، أخت صلاح الدّين أحمد الزفتاوي الكارمي صاحب القاعة الكائنة بمصر تجاه المقياس. وكانت له أخت، ترجم لها في "إنباء الغمر" و"المجمع المؤسس" وهي ست الركب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، أثنى عليها وقال: "كانت أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنّة" أي سنة ٧٩٨هـ. وذكر السّخاوي تحصيلها الثقافي وإجازتها، وزواجها، وأولادها كما ذكر الحافظ ابن حجر شيوخها وإجازتها من مكة ودمشق وبعلبك ومصر وقال: "وتعلّمت الخط وحفظت الكثير من القرآن، وأكثرت من مطالعة الكتب فمهرت في ذلك جدّاً … وكانت بي برة رفيقة محسنة، وقد رثاها أخوها الحافظ ابن حجر في قصيدة، وكان له أخ من أمه اسمه عبد الرحمن بن الشهاب أحمد بن محمد البكري، ترجم له في إنبائه وقال: إنه مهر وحصّل مالاً أصله من قبل أمه- وهي والدتي- فقدر اللَّه موته فورثه أبوه. تزوّج الحافظ ابن حجر عند ما بلغ عمره خمساً وعشرين سنة، وذلك في سنّة ٧٩٨ من أنس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن عبد العزيز ناظر الجيش، وتنتمي أنس إلى أسرة معروفة بالرئاسة والحشمة والعلم. وكان ابن حجر حريصاً على نشر الثقافة والعلم بين أهل بيته وأقاربه كحرصه على نشر العلم بين الناس، وسيتضح ذلك في دراسة جهوده في التدريس وعقده لمجالس الإملاء.

стр. 106

فأسمع زوجته من شيخه حافظ العصر عبد الرحيم العراقي الحديث المسلسل بالأولية، وكذا أسمعها إياه من لفظ العلامة الشرف ابن الكويك، وأجاز لها باستدعاء عدد من الحفاظ فيهم أبو الخير بن الحافظ العلائي، وأبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ الذهبي، ولم تكن الاستدعاءات بالإجازة لها لتقتصر على المصريين بل من الشاميين والمكيين واليمنيين، وكان الحافظ ابن حجر في حالة الاستدعاء لها بدون أسماء من ولدن من بناتها اللاتي ولدن تباعاً. وحجت صحبة زوجها في سنة ٨١٥ هـ كما حجت وجاورت بعد ذلك وحدثت بحضور زوجها، وقرأ عليها الفضلاء، وكانت تحتفل بذلك وتكرم الحاضرين، وقد خرج لها السخاوي أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً، وقرأها عليها بحضور زوجها، وكان الحافظ ابن حجر قد أسلف لها بالإعلام بذلك على سبيل المداعبة بقوله: قد صرت شيخة إلى غير ذلك، وكانت كثيرة الإمداد للعلامة إبراهيم بن خضر بن أحمد العثماني العلامة المنفس الذي كان يقرأ لها "صحيح البخاري" في رجب وشعبان من كل سنة، وتحتفل يوم الختم بأنواع من الحلوى والفاكهة، ويهرع الكبار والصغار لحضور ذلك اليوم قبيل رمضان بين يدي زوجها الحافظ، ولما مات الحافظ ابن خضر قرأ لها سبطها يوسف بن شاهين، ولم تضبط لها هفوة ولا زلّة.. وكان زوجها يكن لها الاحترام الكبير كما كانت هي عظيمة الرعاية له. فولدت له عدة بنات زين خاتون وفرحة، وعالية، ورابعة، وفاطمة، ولم تأت منه بذكر، وكانت كلّما حملت ذكراً ولد قبل أوانه ميتاً. وتمر السنوات ثقيلة متباطئة، وتتدافع في نفسه أمور متنافرة يحترم أم أولاده ويرعاها، غير أنه شاء الله لها أن لا تلد إلا إناثاً، أما الذكور فيموتون، بيد أنه أحب أن يكون له ولد، فاختار التسري، وكانت لزوجته جارية يقال إن اسمها خاص نزل، فأظهر غيظاً بسبب تقصيرها، وأقسم بأن لا تقيم بمنزله فبادرت أنس لبيعها، فأرسل شمس الدين بن الضياء الحنبلي فاشتراها له بطريق الوكالة وتزوّجها في مكان بعيد عن منزله، فحملت بولده الوحيد بدر الدين بن المعالي محمد المولود في الثامن عشر من صفر سنة ٨١٥ هـ وكانت العقيقة في منزل أنس، ولم تشعر بذلك إلى قبل انفصال الولد عن الرضاع، فلما علمت أنس ذهبت هي وأمها إلى مكان وجود الولد وأمه وأحضرتها معها إلى منزلها وأخفت أمرهما. ولما حضر الحافظ ابن حجر استجوبته زوجته أنس فما اعترف ولا أنكر بل روى بما يفهم منه الإنكار، ثم قامت فأخرجت الولد وأمه فأسقط في يده. وعاتبته عتاباً مرّاً، فاعتذر بميله للأولاد الذكور، ودعت عليه أن لا يرزق ولداً عالماً، فتألم لذلك وخشي من دعائها، وقال لها: أحرقت قلبي أو شيئاً من هذا القبيل؛ لأنها كانت مجابة الدّعاء. وبعد وفاة الحافظ ابن حجر أرسل لها علم الدين البلقيني على يد ولده أبي البقاء يطلب

стр. 107

الزواج منها، وقيل: إنها لم تكن تأبى ذلك لكن عصم الله- كما قال السخاوي: ببركة شيخنا- فلم تتزوّجه. كما تزوج الحافظ ابن حجر أرملة الزين أبي بكر الأمثساطي بعد وفاته، وذلك عند مجاورة أم أولاده سنة ٨٣٤هـ ورزق منها في رجب سنة ٨٣٥ ابنة سماها آمنة، لم تعش طويلاً حيث ماتت في شوال ٨٣٦هـ، وبموتها طلقت أمها لأنه علّق طلاقها عند سفره إلى آمد على موتها. ك ما تزوج الحافظ ابن حجر من ليلى ابنة محمود بن طوعان الحلبية عندما سافر مع الأشرف سنة ٨٣٦هـ إلى آمد. وكان زواجه منها في حلب، واستمرت معه إلى أن سافر من حلب ففارقها دون أن يعلمها بالطلاق، لكن أسرّه إلى بعض خواصه، والتمس منه ألا يعلمها بذلك، وكان يريد أن يختبر ولاءها، ولأنها قد لا تطيق أن تترك حلب وتسافر معه إلى مصر، ثم راسل بعض أصدقائه الحلبيين في تجهيزها إن اختارت ويعلمها بأن الذي يحمله على الطلاق هو الرفق بها لئلا تختار الإقامة بحلب أو يحصل لها نصيبها فلا تتضرّر، وجاء في الكتاب الذي قرأه السخاوي بخطه وصفه لها بأنها نعم المرأة عقلاً وحسن خلق وخُلق ويعدها بكل جميل وأنها إن قدمت ينزلها أحسن المنازل … فامتثلت إشارته وتجهزت حتى قدمت عليه إلى مصر … واستمرت معه حتى مات، وكان قد أسكنها في بيت خاص.. ويأتي إليها في يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، ولم يرزق منها أولاداً، وكان شديد الميل إليها حتى قال فيها شعراً. أما أولاده فهم خمس بنات وولد واحد، وهم: زين خاتون، وفرحة، وعالية، ورابعة وفاطمة وبدر الدين محمد. فكانت "زين خاتون" هي البكر، ومولدها في ربيع الآخر سنة ٨٠٢، فاعتنى بها واستجاز لها في سنة ولادتها وما بعدها خلقاً وأسمعها على شيوخه كالعراقي والهيثمي وأحضرها على ابن خطيب داريا، ثم تزوّجها الأمير شاهي العلائي الكركي الذي صار داوداراً عند المؤيد مدة، فولدت له عدة أولاد ماتوا كلهم في حياة أمهم، ولم يتأخر من أولادها إلاَّ أبو المحاسن يوسف بن شاهين المعروف كسبط ابن حجر، وكانت قد تعلمت القراءة والكتابة وماتت- وهي حامل- بالطاعون سنة ٨٣٣ هـ. وأما "فرحة" فكان مولدها في رجب سنة ٨٠٤، واستجيز لها مع أمها، وتزوجها شيخ الشيوخ محب الدين بن الأشقر الذي ولي نظر الجيش وكتابة السّر، وكان أحد الأعيان في الديار المصرية فولدت له ولداً مات صغيراً في حياة أمه التي كانت وفاتها سنّة ٨٢٨ هـ بعد أن رجعت من الحج مع زوجها موعوكة. وأما "عالية" فكان مولدها سنة ٨٠٧هـ واستجيز لها جماعة وماتت هي وأختها فاطمة في الطّاعون سنة ٨١٩ مع من مات من أفراد أسرة أبويهما.

стр. 108

وأما "رابعة" فكان مولدها سنة ٨١١ وأسمعها والدها علي المراغي بمكة سنة ٨١٥هـ وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين وتزوجها الشهاب أحمد بن محمد بن مكنون، واستولدها بنتاً سماها "عالية" ماتت في حياتيهما، ومات عنها زوجها سنّة ٨٣٠ هـ فتزوجها المحب بن الأشقر حتى ماتت عنه في سنة ٨٣٢هـ، وعمل صداقها في أرجوزة. أما ولده الوحيد بدر الدين أبو المعالي محمد فكان والده حريصاً على تعليمه وتهذيبه، فحفظ القرآن وصلّى بالناس كما كانت العادة جارية في سنة ٨٢٦، وأسمعه الحديث على الواسطي وجماعة وأجاز له باستدعاء والده منذ مولده سنة ٨١٥هـ فما بعد عدد من كبار المسندين ذكرهم والده في معجم شيوخه. وبلغ من حرصه واهتمامه به بعد أن صنف كتابه: "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" لأجله، لكنه لم يحفظ إلا اليسير منه وكتب عن والده كثيراً من مجالس الإملاء وسمع عليه شيئاً كثيراً واشتغل بأمر القضاء والأوقاف مساعداً لوالده، حتى صارت له خبرة بالمباشرة والحساب … واشتدت محبة والده له. وولي في حياة أبيه عدة وظائف أجلها مشيخة البيبرسية وتدريس الحديث بالحسنية ناب عنه فيهما والده، والإمامة بجامع طولون وغير ذلك. وفد وصفه ابن تغري بردي بالجهل، وسوء السيرة، ولم يرض ذلك السخاوي فرد عليه مُفيداً بأنه كان حسن الشكالة متكرّماً على عياله قل أن يكون في معناه، لكن السخاوي أشار في موضوع آخر إلى محنة الحافظ ابن حجر بسبب ولده وما نسب إليه من التصرف في أموال الجامع الطولوني بالاشتراك مع آخرين، واحتجز رهن التحقيق، وكان والده في ضيق صدر زائد وألم شديد بسببه وتأوّه كثيراً وكل يوم يسمع من الأخبار ما لم يسمعه بالأمس، وكان يتوجه إليه في يوم الجمعة يوماً أو أكثر إلى المكان الذي يكون فيه فيرجع.. وهو مسرور لما يرى من ثبات ولده وقوة قلبه وشجاعته وانتظام كلامه ومهارته، إلى أن تبين أن ما أشيع عنه مجرد اتهام، ولذلك عمل الحافظ ابن حجر جزءاً سماه "ردع المجرم عن سب المسلم" ويبدو أن القاضي ولي الدين السفطي كان له دور مهم في محنة الحافظ ابن حجر بسبب ما كان بينهما من المنافسة على القضاء فكانت هذه الحادثة سبباً في زهد الحافظ ابن حجر في القضاء١. ابن حجر المحدث وخطيب الأزهر تولى ابن حجر الخطابة في عدة مساجد من أكبر المساجد بالقاهرة مثل الجامع الأزهر وجامع عمرو وغيرهما من المساجد الكبرى بالقاهرة فقد كان متبحراً في العديد من العلوم،

стр. 109

وكان يفد إليه طلاب العلم وأهل الفضل من سائر الأنحاء، وكان يتسم بالحلم والتواضع والصبر كثير الصيام والقيام. وكان مرجعاً في الحديث النبوي، حتى لقب بلقب "أمير المؤمنين" في الحديث وهذا اللقب لا يظفر به إلا أكبر المحدثين الأفذاذ وقد حبب إلى ابن حجر الحديث وأقبل عليه بكليته وطلبه من سنة ثلاث وتسعين ولكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين فعكف على الزين العراقي وتخرج به وانتفع بملازمته، وتحول إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية وأخذ عن الشيوخ والأقران وأذن له جل هؤلاء في الإفتاء والتدريس. وتصدر لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفاً وإفتاء وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه -على مائة وخمسين تصنيفاً وقد عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن وقد سبق أنه ولي تدريس الفقه بالمدرسة الشيخونية وتدريس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة ثم تدريس الشافعية بالمؤيدة الجديدة ومشيخة البيبرسية في دولة المؤيد وتدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعي، كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر وبين التدريس والإفتاء ولي منصب القضاء، وكانت أول ولايته القضاء في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد أن امتنع أولاً لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصنيف شيئاً غير أن ابن حجر كما يقول السخاوي قد ندم على قبوله وظيفة القضاء ويقول ابن حجر: إن من آفة التلبس بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائي وأنه بلغه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع، وعزل عن القضاء وأعيد إليه مرات وكان آخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. شيوخه: بلغ عدد شيوخه بالسّماع وبالإجازة وبالإفادة على ما بين بخطه نحو أربعمائة وخمسين نفساً، وإذا استثنينا الشيوخ الذين أجازوا عموماً فقد ترجم في "المجمع المؤسس" لأكثر من ستمائة شيخ، وذكر بعضهم أن عدد شيوخه بلغ ستمائة نفس سوى من سمع منه من الأقران. واجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم ويعول في حل المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره؛ لأن كل واحد منهم كان متبحراً ورأساً في فنه الذي اشتهر به "فالبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع وابن الملقن في كثرة التصانيف والعراقي في معرفة علوم الحديث، ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون، واستحضارها والمجد الشيرازي في حفظ

стр. 110

اللغة وإطلاعه عليها، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام كان حسن التصرف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقاً في حفظها، والإيناس في حسن تعليمه وجودة تفهيمه، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصري أسماءها والتنوخي في معرفة القراءات وعلو سنده فيها١. شيوخ القراءات: ١- إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن التنوخي الشيخ برهان الدين الشامي "٧٠٩هـ- ٨٠٠هـ" بلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ بالسماع وبالإجازة يجمعهم معجمه الذي خرّجه له الحافظ ابن حجر ونزل أهل مصر بموته درجة، قرأ عليه الحافظ ابن حجر من أول القرآن "الفاتحة" إلى قوله "المفلحون" من سورة البقرة جامعاً للقراءات السبع ثم قرأ عليه الشاطبية تامة بسماعه لها على القاضي بدر الدين بن جماعة كما قرأ عليه الخلاصة للألفية من العربية نظم ابن عبد الله، فضلاً عن قراءته عليه "صحيح البخاري"، وبعض المسانيد، والكتب والأجزاء، وخرج له المائة العشرية، ثم الأربعين التالية لها، وأذن له بالإقراء سنة ٧٩٦هـ. ٢- محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الجزري "٧٥١- ٨٣٣" شيخ القراءات وأجاز له ولوالده محمد وحثه على الرّحلة إلى دمشق، حدث بكتابه "الحصن الحصين" في البلاد اليمنية، ومهر الجزري في الفقه إلا أن فنّه القراءات. شيوخ الحديث: ١- عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابوري المعروف بالنشاوري "٧٠٥- ٧٩٠هـ" وهو أول شيخ سمع عليه الحديث المسند فيما اتصل بعلمه، سمع عليه "صحيح البخاري" مع فوت بقراءة شمس الدين السلاّوي سنّة ٧٨٥هـ بالمسجد الحرام بسماعه على الرضي الطبري على أنه شك في إجازته منه، وترك التخريج والرواية بتلك الإجازة وقال: "وفي المصرح به غني عن المظنون والله المستعان". ٢- محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزوميّ المكيّ جمال الدين "٧٥١- ٨١٧ هـ" وهو أول من بحث عليه في فقه الحديث وذلك في مجاورته مع الخرّوبي بمكة سنة ٧٨٥ وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حيث قرأ عليه بحثاً في عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم كان أول من سمع بقراءته الحديث بمصر سنة ٧٨٦، وسمع عليه كتباً أخرى.
следующие страницы →