Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سراج الملوك
الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال. وهو الكبير المتعال. خالق الأعيان والآثار. ومكور النهار على الليل والليل على النهار. العالم بالخفيات. وما تنطوي عليه الأرضون والسماوات. سواء عنده الجهر والأسرار. ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير خلق الخلق بقدرته. وأحكمهم بعلمه وخصهم بمشيئته. ودبرهم بحكمته. لم يكن له في خلقهم معين. ولا في تدبيرهم مشير ولا ظهير. وكيف يستعين من لم يزل بمن لم يكن. ويستظهر من تقدس عن الذل بمن دخل تحت ذيل التكوين. ثم كلفهم معرفته. وجعل علم العالمين بعجزهم عن إدراكه إدراكاً لهم. كما جعل إقرار المقرين بوقوف عقولهم عن الإحاطة بحقيقته إيماناً لهم. لا تلزمه لم. ولا يجاوره أين. ولا تلاصقه حيث. ولا تحله ما. ولا تعده كم. ولا تحصره متى. ولا تحيط به كيف. ولا يناله أين. ولا تظله فوق. ولا تقله تحت. ولا يقابله جزء. ولا تزاحمه عند. ولا يأخذه خلف. ولا يحده أمام. ولا تظهره قبل. ولم تفته بعد. ولم تجمعه كل. ولم توجده كان. ولم تفقده ليس. وصفه لا صفة له. وكونه لا أمد له. ولا تخالطه الأشكال والصور. ولا تغيره الآثار والغير. ولا تجوز عليه الحماسة والمقارنة. وتستحيل عليه المحاذاة والمقابلة. إن قلت لم كان فقد سبق العلل ذاته. ومن كان معلولاً كان له غيره علة تساويه في الوجود. وهو قبل جميع الأعيان. بل لا علة لأفعاله. فقدرة الله في الأشياء بلا مزاج. وصنعه للأشياء بلا علاج. وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه.
وإن قلت، أين هو؟ فقد سبق المكان وجوده. فمن أين الأين. لم يفتقر وجوده إلى أين. هو بعد خلق المكان. غني بنفسه كما كان قبل خلق المكان. وكيف يحل في ما منه بدا. أو يعود إليه ما أنشأ. وإن قلت ما هو؟ فلا ماهية له. ما موضوعة للسؤال عن الجنس، والقديم تعالى لا جنس له. لأن
стр. 2
الجنس مخصوص بمعنى داخل تحت الماهية.
وإن قلت كم هو؟ فهو واحد في ذاته. متفرد بصفاته.
وإن قلت متى كان؟ فقد سبق الوقت كونه.
وإن قلت كيف هو؟ فمن كيف الكيفية لا يقال له كيف. ومن جازت عليه الكيفية جاز عليه التغيير.
وإن قلت هو. فالهاء والواو خلقه. بل ألزم الكل الحدث كما قال بعض الأشياخ لأن القدم له. فالذي بالجسم ظهوره. فالعرض يلزمه. والذي بالأداة اجتماعه. فقواها تمسكه. والذي يؤلفه وقت. يفرقه وقت. والذي يقيمه غيره. فالضرورة تمسه. والذي الوهم يظفر به. فالتصوير يرتقي إليه. ومن آواه محل. أدركه أين. ومن كان له جنس طالبته كيف. وجوده إثباته. ومعرفته توحيده. وتوحيده تمييزه من خلقه. فما تصور في الأوهام فهو بخلافه. ولا تمثله العيون. ولا تخالطه الظنون. ولا تتصوره الأوهام. ولا تحيط به الأفهام. ولا تقدر قدره الأيام. ولا يحويه مكان. ولا يقارنه زمان. ولا يحصره أمد. ولا يشفعه ولد. ولا يجمعه عدد. قربه كرامته. وبعده إهانته علوه من غير توقل. ومجيئه من غير تنقل. وهو الأول والآخر. والظاهر والباطن. القريب البعيد. الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد له بالربوبية والوحدانية. وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى. والصفات العلى. والنعت الأوفى. ألا له الخلق والأمر. تبارك الله رب العالمين. وأومن به وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله ونحن له مسلمون. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى. وأمينه المرتضى. أرسله إلى كافة الورى بشيراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وأصحابه المنتخبين. وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين. وسلم تسليماً.
أما بعد. فإنني لما نظرت في سير الأمم الماضية. والملوك الخالية وما وضعوه من السياسات في تدبير الدول. والتزموه من القوانين في حفظ النحل. وجدت ذلك نوعين: أحكاماً وسياسات.
فأما الأحكام المشتملة على ما اعتقدوه من الحلال والحرام والبيوع والأنكحة والطلاق والأجارات ونحوها والرسوم الموضوعة لها والحدود القائمة على من خالف شيئاً منها. فأمر اصطلحوا عليه بعقولهم ليس على شيء منه برهان ولا أنزل الله به من سلطان. ولا أخذوه عن تدبير. ولا اتبعوا فيه رسولاً. وإنما هي صادرة عن خدمة النيران. وسدنة بيوت الأصنام. وعبدة الأنداد والأوثان. وليس يعجز أحد من خلق الله أن يصنع من تلقاء نفسه أشباهها ومثالها.
وأما السياسات التي وضعوا في التزام تلك الأحكام والذب عنها. والحماية لها. وتعظيم من عظمها. وإهانة من استهان بها وخالفها. فقد ساروا في ذلك بسيرة العدل. وحسن السياسة. وجمع القلوب عليها. والتزام النصفة فيما بينهم على ما توجبه تلك الأحكام.
فكذلك في تدبير الحروب وأمن السبيل، وحفظ الأموال، وصون الأعراض والحرم، كل ذلك قد ساروا فيه بسيرة جميلة لا تنافي العقول شيئاً منها لو كانت الأصول صحيحة والقواعد واجبة، فكانوا في حسن سيرتهم لحفظ تلك الأصول الفلسفية كمن زخرف كنيفاً أو بنى على ميت قصراً منيفاً:
ولو لبس الحمار ثياب خز لقال الناس يا لك من حمار
فجمعت محاسن ما انطوت عليه سيرتهم خاصة من ملوك الطوائف وحكماء الدول، فوجدت ذلك في ست من الأمم وهم: العرب، والفرس، والروم، والهند، والسند، والسند هند.
فأما ملوك الصين وحكماؤها فلم يبلغ إلى أرض العرب من سياساتهم كبير شيء لبعد الشقة وطول المسافة.
وأما من عدا هؤلاء من الأمم فلم يكونوا أهل حكم بارعة، وقرائح نافذة، وأذهان
стр. 3
ثاقبة. وإنما صدر عنهم الشيء اليسير من الحكمة. فنظمت ما ألفيت في كتبهم من الحكمة البالغة، والسير المستحسنة، والكلمة اللطيفة، والطريقة المألوفة، والتوقيع الجميل، والأثر النبيل، إلى ما رويته وجمعته من سير الأنبياء ﵈، وآثار الأولياء، وبراعة العلماء، وحكمة الحكماء، ونوادر الخلفاء، وما انطوى عليه القرآن العزيز الذي هو بحر العلوم، وينبوع الحكم، ومعدن السياسات، ومغاص الجواهر المكنونات.
وقد رأيت أن أختصر لمحة دالة، وإشارة خفيفة. فإن طال فألفاظ بارعة، وآيات معجزة، وهو الهادي من الضلالة والحاوي لمحاسن الدنيا وفضائل الآخرة. ورتبته ترتيباً أنيقاً، وترجمته تراجم بارعة، وحاوية لمقاطع ناطقة بحكمها أو مضمونها، تلج الأذن من غير إذن، وتتولج التامور من غير استثمار. ألفاظها قوالب لمعانيها، ليس ألفاظها إلى السمع بأسرع من معانيها إلى القلب.
فانتظم الكتاب بحمد الله وعونه وأحكمته غاية في بابه، غريباً في فنونه وأسبابه، خفيف المحمل، كثير الفائدة لم تسبق إلى مثله أقلام العلماء، ولا جالت في نظمه أفكار الفضلاء، ولا حوته خزائن الملوك والرؤساء. فلا يسمع به ملك إلا استكتبه ولا وزيراً إلا استصحبه، ولا رئيس إلا استحسنه واستوسده عصمة لمن عمل به من الملوك وأهل الرياسة، وجنة لمن تحصن به من أولى الأمرة والسياسة، وجمال لمن تحلى به من أهل الآداب والمحاضرة، وعنوان لمن فاوض به من أهل المجالسة والمذاكرة. وسميته سراج الملوك، يستغني الحكيم بدراسته عن مصاحبة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء.
واعلموا، وفقكم الله إن أحق من أهديت إليه الحكم، وأوصلت إليه النصائح، وحملت إليه العلوم، من آتاه الله سلطاناً فنفذ في الخلق حكمه وجاز عليهم قوله. ولما رأيت الأجل المأمون تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأيام، نظام الدين، خالصة أمير المؤمنين، أبا عبد الله محمد الآمري أدام الله لإعزاز الدين نصره، وأنفذ في العالمين بالحق أمره، وأوزع كافة الخلق شكره، وكفاهم محذوره وضره. قد تفضل الله تعالى به على المسلمين فبسط فيهم يده، ونشر في مصالح أحوالهم كلمته، وعرف الخاص والعام يمنه وبركته. وتقلد أمور الرعية، وسار فيهم على أحسن قضية، متحرياً للصواب، راغباً في الثواب، طالباً سبل العدل، ومناهج الإنصاف والفضل. رغبت أن أخصه بهذا الكتاب رجاء لطف الله تعالى في يوم تجد كل نفس ما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ولتذكر فضائله ومحاسنه ما بقي الدهر:
الناس يهدون على قدرهم لكنني أهدي على قدري
يهدون ما يفنى فأهدي الذي يبقى على الأيام والدهر
فإن العلم عصمة الملوك والأمراء، ومعقل السلاطين والوزراء لأنه يمنعهم من الظلم، ويردهم إلى الحلم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية. فمن حقهم أن يعرفوا حقه، ويكرموا حملته، ويستنبطوا أهله، وما توفيقنا إلا بالله.
стр. 4
الباب الأول: في مواعظ الملوك
لقد خاب وخسر من كان حظه من الله الدنيا. اعلم أيها الرجل، وكلنا ذلك الرجل، أن عقول الملوك وإن كانت كباراً إلا أنها مستغرقة بكثرة الأشغال فتستدعي من الموعظة ما يتولج على تلك الأفكار، ويتغلغل في مكامن الأسرار، فيرفع تلك الأستار ويفك تلك الأكنة والأقفال، ويصقل ذلك الصدأ والران؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ (النساء: ٧٧) . فوصف الله تعالى جميع متاع الدنيا بأنها متاع قليل. وأنت تعلم أنك ما أوتيت من ذلك القليل إلا قليلاً، ثم ذلك القليل إن تمتعت به ولم تعص الله فيه فهو لهو ولعب وزينة. قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ (الحديد: ٢٠) . ثم قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤) . فلا تبتع أيها العاقل لهواً قليلاً يفنى بحياة الأبد حياة لا تفنى وشباب لا يبلى، كما قال الفضيل رحمه الله تعالى: لو كانت الدنيا ذهب يفنى، وكانت الآخرة خزفاً يبقى، لوجب أن نختار خزفاً يبقى على ذهب يفنى، فكيف وقد اخترنا خزفاً يفنى على ذهب يبقى؟ تأمل بعقلك هل آتاك الله تعالى من الدنيا ما آتى سليمان بن داود ﵉، حيث آتاه ملك جميع الدنيا والإنس والجن والطير والوحش والريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم زاده الله تعالى ما هو خير منها فقال له تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩)
فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل قال عند ذلك: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. وهذا فصل الخطاب لمن تدبره أن يقول له ربه في معرض المنة: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . ثم خاف سليمان ﵇ أن يكون استدراجاً من حيث لا يعلم. هذا وقد قال لك ولسائر أهل الدنيا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر٩٣: ٩٢) .
وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء: ٤٧) .
تأمل بعقلك إلى ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء! وألق سمعك إلى ما نزل به جبريل على محمد ﵇، فقال: يا محمد، إن الله تعالى يقول لك عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الكلمات من صرعة الموت وفراق الأحبة والجزاء على الأعمال، فلو لم ينزل من السماء غيرها لكانت كافية.
انظر بفهمك إلى ما رواه الحسن أن النبي ﷺ مر
стр. 5
بمنزل قوم قد ارتحلوا عنه، وإذا طلى مطروح فقال: أترون هذا هان على أهله؟ فقالوا: من هوانه عليهم ألقوه. قال: فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا على أهله. فجعل الدنيا أهون على الله من الجيفة المطروحة. وقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ : ألا أريك الدنيا جمعاً بما فيها؟ قلت: بلى. قال، فأخذ بيدي وأتى بي إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم، ثم قال: يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط جلداً بلا عظم ثم هي صائرة رماداً رمدداً، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها وقذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية رياشهم ولباسهم ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكياً على الدنيا فليبك! فما برحنا حتى أشتد بكاؤنا.
وقال ابن عمر: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى. أيها الرجل، إن كنت لا تدري متى يفاجئك الأجل فلا تغتر بطول الأمل، فإنه يقسي القلب ويفسد العمل، وقد غير الله أقواماً مد لهم في الأجل فقست منهم القلوب، وطال منهم الأمل، فقال:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
يا أيها الرجل ألق سمعك وأعرني لبك.
فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر
أين آدم أبو الأولين والآخرين؟ أين نوح شيخ المرسلين؟ أين إدريس رفيع رب العالمين؟ أين إبراهيم خليل الرحمن الرحيم؟ أين موسى الكليم من بين سائر النبيين والمرسلين؟ أين عيسى روح الله وكلمته رأس الزاهدين وإمام السائحين؟ أين محمد خاتم النبيين؟ أين أصحابه الأبرار المنتخبون؟ أين الأمم الماضية؟ أين الملوك السالفة؟ أين القرون الخالية؟ أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟ أين الذين اعتزوا بالأجناد والسلطان؟ أين أصحاب السطوة والولايات؟ أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات؟ أين الذين قادوا الجيوش والعساكر؟ أين الذين عمروا القصور والدساكر؟ أين الذين أعطوا النصر في مواطن الحروب والمواقف؟ أين الذين اقتحموا المخاطر والمخاوف؟ أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب؟ أين الذين تمتعوا في اللذات والمآرب؟ أين الذين تاهوا على الخلائق كبراً وعتياً؟ أين الذين استلانوا الملابس أثاثاً ورئياً؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾ (مريم: ٧٤)
أين الذين ملأوا ما بين الخافقين عزاً؟ أين الذين فرشوا القصور خزاً وقزاً؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وهزاً؟ أين الذين استذلوا العباد قهراً ولزاً؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (مريم: ٩٨) . أفناهم والله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم، وأخرجهم من سعة القصور وأسكنهم ضنك القبور، تحت الجنادل والصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فعاث الدود في أجسامهم، واتخذ مقيلاً في أبدانهم، فسالت
стр. 6
العيون على الخدود وامتلأت تلك الأفواه بالدود، وتساقطت الأعضاء وتمزقت الجلود، وتناثرت اللحوم وتقطعت البطون، فلم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما كسبوا، أسلمك الأحبة والأولياء وهجرك الأخوان والأصفياء ونسيك القرباء والبعداء. فأنسيت ولو نطقت لأنشدت قولنا عن سكان الثرى ورهائن الترب والبلى: شعر
مقيم بالحجون رهين رمس وأهلي رائحون بكل واد
كأني لم أكن لهم حبيباً ولا كانوا الأحبة في السواد
فعوجوا بالسلام فإن أبيتم فأوموا بالسلام على بعاد
فإن طال المدى وصفا خليل سوانا فاذكروا صفو الوداد
وذاك أقل ما لك من حبيب وآخره إلى يوم التناد
فلو أنا بموقفكم وقفنا سقينا الترب من مهج الفؤاد
وقال مكرم بن يوسف العابد: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قف على المدائن والحصون وأبلغهم عني حرفين: لا يأكلوا إلا طيباً ولا يتكلموا إلا بالحق. ولما دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز قال: عظني يا يزيد! فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم ما أنت أول خليفة يموت! فبكى عمر وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم إلا أب ميت! فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الموت موعد. فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بين الجنة والنار منزل! فسقط مغشياً عليه.
يا أيها الرجل لا تغفل عن ذكر ما تتيقنه من وجوب الفناء وتقضي المسار وذهاب اللذات، وانقضاء الشهوات وبقاء التبعات وانقلابها حسرات، وإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له؛ من صح فيها سقم ومن سلم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن؛ حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب، من ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته ومن تبصر بها بصرته، لا خيرها يدوم ولا سرورها يبقى ولا فيها المخلوق بقا.
يا أيها الرجل لا تخدعن كما خدع من قبلك، فإن الذي أصبحت فيه من النعم إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج من يدك مثل ما صار إليك، فلو بقيت الدنيا للعالم لم تصر للجاهل، ولو بقيت للأول لم تنتقل للآخر. يا أيها الرجل لو كانت الدنيا كلها ذهباً وفضة، ثم سلمت عليك بالخلافة وألقت إليك مقاليدها وأفلاذ كبدها، ثم كنت طريدة للموت ما كان ينبغي لك أن تهنأ بعيش، ولا فخر فيما يزول ولا غنى فيما يفنى، وهل الدنيا إلا كما قال الأول: قدر يغلي وكنيف يملأ؟ وكما قال الشاعر:
ولقد سألت الدار عن أخبارهم فتمايلت عجباً ولم تبدي
حتى مررت على الكنيف فقال لي أموالهم ونوالهم عندي!
ولقد أصاب ابن السماك لما قال له الرشيد: يا ابن السماك عظني، وبيده شربة من ماء، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! يا أيها الشاب لا تغتر بشبابك فإن أكثر من يموت الشباب. والدليل عليه أن أقل الناس الشيوخ. يا أيها الشاب كم من جمل في التنور وأبوه يرعى؟ وكم من طفل في التراب وجده يحيا؟
стр. 7
وقال علي بن أبي طالب ﵁ لأسقف قد أسلم: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن كان الله عليك فمن ترجو؟ قال: أحسنت فزدني. قال: إن كان الله معك فمن تخاف؟ قال: أحسنت فزدني. قال: أحسب أن الله قد غفر للمذنبين، أليس قد فاتهم ثواب المحسنين؟ قال: حسبي حسبي وبكى علي أربعين صباحاً. وقال الحسن: قدم صعصعة يعني عم الفرزدق على النبي ﷺ فسمعه يقرأ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة٨: ٧)
فقال: حسبي حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها. وقال سليمان بن عبد الملك الحميد الطويل: عظني. فقال: إن كنت قد عصيت الله وظننت أنه يراك فلقد اجترأت على رب عظيم، وإن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت برب كريم.
وكتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى سليمان: إنما مثل الدنيا كمثل الحية لين لمسها ويقتل سمها، فأعرض عنها وعن ما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكره منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه. وقال أبو العتاهية:
هي الدار دار الأذى والقذى ودار الغرور ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطر
أيا من يؤمل طول الحياة وطول الحياة عليه خطر
إذا ما كبرت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر
ولما بلغ مردك من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه ورقت إليه همته، رفضها ونبذها وقال: هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وغنى لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، وغناء لولا أنه مناً، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وعلا لولا أنه بلا، وحسن لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد. يا أيها الرجل لا تكن كالمنخل يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة. واعلم أن من قسا قلبه لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله، قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة٧٤: ٧٣) .
وذلك أن كثرة الذنوب مانعة من قبول الحق للقلوب وولوج المواعظ فيها. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: ١٤) ، أي غطاها وغشيها فلا تقبل خيراً ولا تصلح لموعظة.
جاء في التفسير: إذا أذنب العبد ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم كلما أذنب نكتت نكتة سوداء حتى يسود القلب. وقال حذيفة: القلب كالكف فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعاً، ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعاً أخرى، ثم كذلك في الثالث والرابع حتى ينقبض الكف كله ثم يطبع الله عليه، وذلك هو الران.
وقال بكر بن عبد الله:
إذا أذنب العبد صار في قلبه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة حتى يعود القلب كالمنخل. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيماً لم ينفعه الطعام، وإذا كان القلب مغرماً بحب الدنيا لم تنفعه الموعظة. وقد قيل:
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبحت لم ينفع المطر
стр. 8
ويروي أن أبا العتاهية مر بدكان وراق، فإذا كتاب فيه بيت من الشعر:
لن ترجع الأنفس عن غيها ما لم يكن منها لها زاجر
فقال: لمن هذا؟ فقيل: لأبي نواس. فقال: وددت أنه لي بنصف شعري! وقال الأصمعي: إن النعمان بن امرئ القيس الأكبر الذي بنى الخورنق أشرف على الخورنق يوماً، فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة ونفوذ الأمر وإقبال الوجوه عليه، فقال لأصحابه: هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم من حكماء أصحابه: أهذا الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزول، أم شيء كان لمن قبلك زال عنه وصار إليك؟ قال: بل شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إلي وسيزول عني! قال فسررت بشيء تذهب عنك لذته وتبقى تبعته! قال: فأين المهرب؟ قال: إما إن تقيم وتعمل بطاعة الله، أو تلبس أمساحاً وتلحق بجبل تعبد ربك فيه وتفر من الناس حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى. قال: فأي خير فيما يفنى؟ والله لأطلبن عيشاً لا يزول أبداً! فانخلع من ملكه ولبس الأمساح وساح في الأرض، وتبعه الحكيم وجعلا يسيحان ويعبدان الله تعالى حتى ماتا؛ وفيه يقول عدي بن زيد:
سر رب الخورنق إذ أصـ بح يوماً وللهدى تذكير
غره ماله وكثرة ما يمـ لك والبحر معرضاً والسدير
فارعوى قبله وقال فما غبـ طة حي إلى الممات يصير؟
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر وان أم أين قبله سابور؟
وبنو الأصفر ملوك الـ روم لم يبق منهم مذكور
لم يهبه ريب المنون فباد الـ ملك عنه فبابه مهجور
وفيهم أيضا يقول الأسود بن يعفر:
ولقد علمت سوى الذي نبأتني
أن السبيل سبيل ذي الأعواد ماذا أؤمل أل محرق
تركوا منازلهم وبعد إياد؟ أرض الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذي الشرفات مع سنداد
نزلوا يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد
جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكل ما يلهى به يوماً يصير إلى بلى ونفاد
وقال وهب بن منبه: أصبت على غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن، وكان من الملوك الأجلة مكتوباً بالقلم المسند فترجم العربية، فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا من أعالي معقلهم فأسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا!
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت محجبة من دونها تضرب الأستار والكلل؟
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم: تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
стр. 9
قد طالما أكلوا يوماً وما شربوا فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا!
قال شيخنا ﵀: قرئ على القاضي أبي الوليد الباجي وأنا أسمع لبعض الشعراء:
ويحك يا أسماء ما شاني أضللني والله ما ساني!
الموت حق فاعلمي نازل فبشري لحدي وأكفاني
قد كنت ذا مال فلا والذي أعطاني العيش وأغناني
ما قرت العين به ساعة إلا تذكرت فأشجاني
علمي بأني صائر للبلى وفاقد أهلي وجيراني
وتارك مالي على حاله نهباً لشيطان بن شيطان
لامرأة ابني أو لزوج ابنتي يا لك من غي وخسران!
يسعد في مالي وأشقى به قوم ذوو غل وشنان
إن أحسنوا كان لهم أجره وخف من ذلك ميزاني
وممن استبصر من أبناء الملوك، فرأى عيب الدنيا وفناءها وتقضيها وزوالها، إبراهيم بن أدهم بن منصور من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ، ولما زهد في الدنيا زهد عن ثمانين سريراً. قال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ قال: غير هذا أولى بك! قلت: يرحمك الله لعل الله ينفعني به يوماً ما. ثم سألته ثانية فقال: ويحك اشتغل بالله سبحانه! ثم سألته ثالثة فقلت: إن رأيت يرحمك الله أن تخبرني به لعل الله أن ينفعني به. فقال: كان أبي من ملوك خراسان وكان من المياسير وكان قد حبب إلي الصيد، فبينما أنا راكب فرساً ومعي كلبي، فأثرت أرنباً أو ثعلباً، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحداً فقلت في نفسي: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت نداء أقوى من الأول: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت مقشعراً وجعلت أنظر يمنة ويسرة فلم أر شيئاً فقلت: لعن الله إبليس! ثم حركت فرسي فسمعت نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت وقلت: هيهات قد جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي هذا! فتوجهت إلى أهلي وخلفت فرسي، وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت جبته وكساءه وألقيت إليه ثيابي، فلم تزل أرض تقلني وأرض تضعني، حتى صرت إلى العراق وعملت بها أياماً فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت المشايخ عن الحلال، فقال: عليك بالشام. قال: فانصرفت إلى الشام إلى مدينة يقال لها المنصورية وهي المصيصة، فعملت بها أياماً فلم يصف لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال: إن أردت الحلال فعليك بطرطوس، فإن العمل بها والمباحات كثير. قال: فبينما أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستاناً، فتوجهت معه فمكثت في البستان أياماً كثيرة، فإذا بخادم قد أظلل ومعه أصحاب له، ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته، فقعد في مجلسه ثم قال: يا ناظورنا.
فأجبته، قال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه. فأتيته برمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال: يا ناظورنا أنت منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا لا تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ما أكلت من فاكهتكم شيئاً وما أعرف الحلو من الحامض! قال: فغمز الخادم أصحابه
стр. 10
وقال: ألا تعجبون من هذا؟ ثم قال لي: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا! فلما كان من الغد حدث الناس في المسجد بالصفة، فجاء الناس عنقاً إلى البستان، فلما رأيت كثرة الناس اختبأت والناس داخلون وأنا هارب منهم. وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين والعمل في الطين. وكان يوماً يحفظ كرماً فمر به جندي فقال: أعطنا من هذا العنب. فقال: ما أمرني صاحبه. فأخذ يضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأساً طالما عصى الله. فانحجز الرجل ومضى. وقال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم فمرضت فأنفق علي نفقته، فاشتهيت شهوة فباع حماره وأنفق علي، فلما تماثلت قلت: يا إبراهيم أين الحمار؟ فقال: بعته. قلت: فعلام أركب؟ قال: يا أخي على عنقي! قال: فحملني ثلاث منازل ﵀. وأنشدوا:
أيها المرء إن دنياك بحر طافح موجه فلا تأمننها
وسبيل النجاة فيها منير وهو أخذ الكفاف والقوت منها
وبلغني أن بالهند يوماً يخرج الناس فيه إلى البرية فلا يبقى في البلد بشر من طين: لا شيخ كبير ولا مولود صغير، وهذا اليوم يكون بعد انقراض مائة سنة من يوم مثله، فإذا اجتمع الخلائق في صعيد واحد نادى منادي الملك، لا تصعدون هذا الحجر الحجر هناك منصوب إلا من حضر في المجمع الأول الذي قد خلا من مائة سنة، فربما جاء الشيخ الهرم الذي قد ذهبت قوته وعمي بصره وفني شبابه، وتجيء العجوز تزحف لم يبق منها إلا رسمها وقد أخنى الدهر عليها، فيصعدان على الحجر الذي هناك، وربما لم يجئ أحد وقد يكون قد فنى القرن بأسره. ويقول الشيخ: قد حضرت المجمع الأول منذ مائة سنة وأنا طفل صغير، وكان الملك فلاناً، ويصف الجيوش الماضية والأمم الخالية وكيف طحنهم البلى، وصاروا تحت أطباق الثرى، ويقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم صرعة الموت وحسرة الفوت، فيبكي الناس ويتوبون من المظالم، ويكثرون الصدقات ويخرجون عن التبعات ويصلحون على ذلك مدة.
وقال وهب بن منبه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئاً، فوجده مشغولاً بذكر الله تعالى والفكر لا يفتر، فالتفت إليه في اليوم السابع فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة والزهد رأس كل خير والتوفيق تاج كل خير، فاحذر رأس كل خطيئة وارغب في رأس كل خير، وتضرع إلى ربك أن يهب لك تاج كل خير. قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلاً من الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء: فشبهها بالماء الملح يغر ولا يروي ويضر ولا ينفع، وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يمر ولا ينفع، وبظل الغمام يغر ولا يخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم يصفر فتراه هشيماً، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل.
فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة، ثم زدت حرفاً واحداً فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها، فرأيت جدي في المنام فقال لي: يا بني أشهد أنك مني وأنا منك، وهي والله كالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها! قلت: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين بالبصر، والبصر بالعين، والعين بالفكر. ثم وقف الراهب فقال: خذها منا فلا أراك خلفي إلا متجرداً بفعل دون قول، فكان ذلك آخر العهد به. قلت: قد وصف الله الدنيا وأهلها بصفة أعم من هذه الصفة، فقال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ
стр. 11
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠)
والكفار هاهنا: الزراع، فكما أن الزرع يكون في أول نباته خضراً ناعماً اهتزت به الأرض بعد يبسها، فجاءت في العيون كأملح ما يكون، ثم يهيج فتراه مصفراً أي يكبر ويستوي فيجف ويحترق وينتكس أعلاه ويستغل سنبله، ثم يدرس فيكون حطاماً أي تبناً فيكون متكسراً متقطعاً. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبني آدم إذ كانوا أطفالاً أول الولادة وفي حال الشبوبية كأحسن مرئي، يعجبون الآباء ويفتنون ذوي الأحلام والنهى، ثم يكبرون فيصيرون شيوخاً منكسة رؤوسهم مقوسة ظهورهم، قد ذهب حسنهم ونعومتهم وفني شبابهم وجمالهم، وذوت غضارتهم ونضارتهم، واستولى عليهم الهرم واليبس، ثم يموتون فيصيرون حطاماً في القبور كالتبن في الجرين. هذا بعدما وصفها بخمس صفات مذمومة: لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر.
وكان الصدر الأول يسمي الدنيا خنزيراً، ولو وجدوا لها اسماً أقبح منه لسموها به. وكانوا يسمونها أم دفر، والدفر: النتن. وقال مالك بن أنس ﵁: بلغني أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل ركب يوماً في زي عظيم، فتشرف له الناس ينظرون إليه أفواجاً، حتى مر برجل يعمل شيئاً مكباً عليه لا يلتفت إليه ولا يرفع رأسه، فوقف الملك عليه وقال: كل الناس ينظرون إلي إلا أنت! فقال الرجل: إني رأيت ملكاً مثلك وكان على هذه القرية، فمات هو ومسكين فدفن إلى جانبه في يوم واحد، وكنا نعرفهما في الدنيا بأجسادهما ثم كنا نعرفهما بقبريهما، ثم نسفت الريح قبريهما وكشفت عنهما، فاختلطت عظامهما فلم أعرف الملك من المسكين، فلذلك أقبلت على عملي وتركت النظر إليك. وقد قيل في المعنى:
وحقك لو كشفت الترب عنهم لما عرف الغني من الفقير
ولا من كان يلبس ثوب شعر ولا البدن المنعم بالحرير
وروى أن داود ﵇، بينما هو يسيح في الجبال إذ أوفى على غار، فنظر إليه فإذا فيه رجل عظيم من بني آدم، وإذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب محفور فيه: أنا دوسوم الملك ملكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وافترعت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى فصار التراب فراشي والحجارة وسادي، فمن رآني فلا تغرنه الدنيا كما غرتني. وقال وهب بن منبه ﵁: خرج عيسى ﵇ يوماً مع جماعة من أصحابه، فلما ارتفع النهار، مروا بزرع قد أمكن من الفرك فقالوا: يا رسول الله إنا جياع. فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم، فأذن لهم فتفرقوا في الزرع يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب الزرع وهو يقول: زرعي وأرضي ورثته عن آبائي، بإذن من تأكلون يا هؤلاء؟ قال: فدعا عيسى ربه فبعث الله تعالى جميع من ملك تلك الأرض من لدن آدم إلى ساعته، فإذا عند كل سنبلة أو ما شاء الله رجل أو امرأة كل ينادي زرعي وأرضي ورثته عن آبائي! ففزع الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى وهو لا يعرفه، فلما عرفه قال: معذرة إليك يا رسول الله! إني لم أعرفك، زرعي ومالي لك حلال! فبكى عيسى ﵇ وقال: ويحك هؤلاء كلهم قد ورثوا الأرض وعمروها، ثم ارتحلوا عنها وأنت مرتحل عنها وبهم لاحق، ليس لك أرض ولا مال! وقال أبو العتاهية:
وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن صور سكت
وأرتك قبرك في القبو ر وأنت حي لم تمت
يا شامتاً بمنيتي إن المنية لم تمت
ولربما انقلب الزما ن فحل بالقوم الشمت
стр. 12
وروى أن علي بن أبي طالب ﵁ لما رأى فاطمة ﵂ مسجاة بثوبها، بكى حتى رثي له، ثم قال:
لكل اجتماع من خليلين فرقة وإن الذي دون الفراق قليل
أرى علل الدنيا علي كثيرة وصاحبها حتى الممات عليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل
وقال ﵁:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي أرحني فقد أفنيت كل خليل!
أراك بصيراً بالذين أحبهم كأنك تنحو نحوهم بدليل!
قيل: ولما نفض يديه من ترابها تمثل بقول بعض بني ضبة:
أقول وقد فاضت دموعي حسرة:
أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ما على الموت معتب
وقال العتابي:
قلت للفرقدين والليل ملق سوداء كنافه على الآفاق:
أبقيا ما بقيتما فسيرمى بين شخصيكما بسهم الفراق
غر من الظن أن يفوت المنايا وعراها قلائد الأعناق
كم صفيين متعا باجتماع ثم صارا لغربة وافتراق
لا يدوم البقا للخلق طراً دام طول البقاء للخلاق!
وأنشدني بعض الأدباء:
أسعداني يا نخلتي حلوان وارثيا لي من ريب هذا الزمان
واعلما إن بقيتما أن شخصاً سوف يأتيكما فتفترقان
فلعمري لو ذقتما ألم الفر قة أبكاكما الذي أبكاني
ولما سافر الرشيد إلى طوس وعك في طريقه من حر أصابه فقال له الطبيب: ما يبريك إلا جمار النخل. وكان نزوله قريباً من هاتين النخلتين فأمر بقطع جمار إحدى النخلتين، فلما مثل بين يديه أنشده بعض الجلساء هذه الأبيات لبعض الشعراء في هاتين النخلتين، فقال الرشيد: لو سمعتها ما أمرت بقطعها. ولما مات الإسكندر قال أرسطوطاليس: أيها الملك لقد حركتنا بسكونك. وقال بعض الحكماء من أصحابه: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس؛ نظمه أبو العتاهية فقال:
كفى حزناً بدفنك ثم إني نفضت تراب قبرك من يديا
وكانت في حياتك لي عظات فأنت اليوم أوعظ منك حيا
ووجد مكتوباً على قبر: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة. وقال عبد الله بن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقاً فإنه إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا! فكيف به والشيب في الرأس شاعل؟
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام تعد قلائل
стр. 13
ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام اسمعوا قول أخ لكم ناصح. فاجتمعوا عليه، فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتقولون ما لا تدركون؟ إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً فأصبح أملهم غروراً وجمعهم بوراً ومساكنهم قبوراً. وروى الجاحظ قال: وجد مكتوباً على حجر: ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت عن حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غداً ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت في عملك زائد ولا إلى أهلك عائد.
وقال مالك بن أنس ﵁: بلغني أن امرأتين أتتا عيسى بن مريم ﵇ فقالتا: يا روح الله ادع الله أن يخرج أبانا فإنه هلك ونحن غائبتان عنه. قال: هل تعرفان قبره؟ فقالتا: نعم. فذهب معهما فأتتا قبراً فقالتا: هذا هو. فدعا الله فأخرج لهما الذي به فإذا هو ليس به، فدعا فرد، ثم دلتاه على قبر آخر فدعا أن يخرج فخرج فإذا هو به، فلزمتاه وسلمتا عليه ثم قالتا: يا نبي الله يا معلم الخير ادع الله أن يبقيه لنا. فقال: وكيف أدعو له ولم يبق له رزق يعيش به؟ ثم رده وانصرف. وأنشد بعض الأدباء:
واأسفي من فراق قومٍ هم المصابيح والحصون!
والمزن والمدن والرواسي والخير والأمن والسكون!
لم تتغير بنا الليالي حتى توفتهم المنون!
فكل جمرٍ لنا قلوب وكل ماءٍ لنا عيون
وروي أن النعمان بن المنذر خرج متصيداً ومعه عدي بن زيد، فمرا بشجرة، فقال عدي بن زيد: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه أنه موفٍ على قرب زوال
فصروف الدهر لا تبقى لها ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم وجياد الخيل تجري بالجلال
عمروا الدهر بعيشٍ حسن آمني دهرهم غير عجال
عصف الدهر بهم فانقرضوا وكذاك الدهر حالاً بعد حال!
قال: ثم جاوزوا الشجرة فمروا بمقبرة فقال له عدي: أتدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:
أيها الركب المخبونا على الأرض المجدونا
كما أنتم كذا كنا كما نحن تكونونا
فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان، وقد علمت أنك إنما أردت عظتي فجزاك الله عني خيراً! فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان وتعبد الله وحده. قال: وفي هذا النجاة؟ قال: نعم. قال: فترك عبادة الأوثان وتبصر حينئذ وأخذ في العبادة والاجتهاد.
وقال عبد الله المعلم: خرجنا من المدينة حجاجاً، فلما كنا بالروثية نزلنا فوقف بنا رجل عليه ثياب رثة له منظر وهيئة، فقال: من يبغ حارساً من يبغ ساقياً؟ فقلت: دونك وهذه القربة. فأخذها وانطلق، فلم يلبث إلا يسيراً حتى أقبل وقد امتلأت أثوابه طيناً، فوضعها كالمسرور الضاحك ثم قال: ألكم غير هذا؟ قلنا: لا. فأطعمناه قرصاً بارداً فأخذه وحمد الله تعالى وشكره، ثم اعتزل وقعد فأكله أكل جائع، فأدركتني عليه الرأفة فقمت إليه بطعام كثير طيب فقلت: قد علمت أنه لم يقع منك هذا القرص بموقع،
стр. 14
فدونك وهذا الطعام. فنظر في وجهي وتبسم وقال: يا عبد الله إنما هي ثورة جوع فما أبالي بأي شيء رددتها.
فرجعت عنه فقال لي رجل إلى جنبي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال:
إنه من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب، كان يسكن البصرة فتاب، فخرج منها فتفقد فما عرف له أثر ولا وقف له على خبر. فأعجبني قوله ثم تجمعت معه وآنسته وقلت له: هل لك أن تعادلني فإن معي فضلاً من راحلتي؟ فجزاني خيراً وقال: لو أردت هذا المكان لي معداً. ثم أنس إلي فجعل يحدثني فقال: أنا رجل من ولد العباس بن عبد المطلب كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد وبذخ، وإني أمرت خادمة لي أن تحشو لي فراشاً ومخدة من حرير بورد نثير، ففعلت. وإني لنائم وإذا بقمع وردة قد أغفلته الخادمة، فقمت إليها وأوجعتها ضرباً ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة، فأتاني آت في المنام في صورة فظيعة فهزني وقال: أفق من غشيتك أبصر من حيرتك، ثم أنشأ يقول هذه الأبيات:
يا خد إنك إن توسد ليناً
وسدت بعد الموت صم الجندل
فاعمل لنفسك صالحاً تسعد به
فلتندمن غداً إذا لم تفعل!
فانتبهت فزعاً وخرجت من ساعتي هارباً إلى ربي.
وقال عبد الواحد بن زيد: ذكر لي أن في خرائب الأيلة جارية مجنونة تنطق بالحكمة، فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خربة جالسة على حجر وعليها جبة صوف وهي محلوقة الرأس، فلما نظرت إلي قالت من غير أن أكلمها: مرحباً بك يا عبد الواحد! فقلت لها: رحب الله بك! وعجبت من معرفتها بي ولم ترني قبل ذلك فقالت: ما الذي جاء بك ههنا؟ قلت: جئت لتعظيني. فقالت: واعجباً لواعظ يوعظ! ثم قالت: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الطاعة فيظل حيران والهاً، فإن كان له نصيب عند الله عاتبه وحياً في سره، فقال: عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وأجعلك دليلاً لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني، فأورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس والذل بعد العز والفقر بعد الغنى، عبدي ارجع إلى ما كنت عليه أرجع لك ما كنت تعرفه من نفسك. قال: ثم تركتني وولت عني وانصرفت عنها وفي قلبي حسرة منها. وأنشدوا:
إنك في دار لها مدة
يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطاً بها
يقطع فيها أمل الآمل؟
تعجل الذنب بما تشتهي
وتأمل التوبة من قابل
والموت يأتي بعد ذا غفلةٍ
ماذا يفعل الحازم العاقل؟
ولما نزل سعد بن أبي وقاص الحيرة قيل له: ههنا عجوز من بنات الملوك يقال لها الحرقة بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجل عقائل العرب، وكانت إذا خرجت إلى بيعتها نشرت عليها ألف قطيفة خز وديباج، ومعها ألف وصيف ووصيفة، فأرسل إليها سعد فجاءت كالشن البالي فقالت: يا سعد كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله مدة من المدد، حتى صاح بنا صائح الدهر فشتت ملأنا، والدهر ذو نوائب وصروف، فلو رأيتنا في أيامنا لأرعدت فرائصك فرقاً منا! فقال لها سعد: ما أنعم ما تنعمتم به؟ قالت: سعة الدنيا علينا وكثرة الأصوات إذا دعونا، ثم أنشأت تقول:
стр. 15
وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا
إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
فتباً لدنيا لا يدوم نعيمها
تقلب تارات بنا وتصرف!
ثم قالت: يا سعد إنه لم يكن أهل بيت بخير إلا والدهر يعقبهم حسرة حتى يأتي أمر الله على الفريقين! فأكرمها سعد وأمر بردها، فلما أرادت القيام قالت: يا سعد لا أزال الله عنك نعمة ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا أزال عن كريم نعمة ولا نزع عن عبد صالح كرامة إلا جعلك سبيلاً إلى ردها عليه! ولبعضهم:
من كان يعلم أن الموت مدركه
والقبر مسكنه والبعث مخرجه
وأنه بين جنات ستبهجه
يوم القيامة أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج
وما أقام عليه منه أسمجه
ترى الذي اتخذ الدنيا له سكناً
لم يدر أن المنايا سوف تزعجه
وروي أن عيسى ﵇ كان مع صاحب له يسيحان، فأصابهما الجوع وقد انتهيا إلى قرية، فقال عيسى لصاحبه:
انطلق فاطلب لنا طعاماً من هذه القرية. وقام عيسى ﵇ يصلي، فجاء الرجل بثلاثة أرغفة فأبطأ عليه انصراف عيسى فأكل رغيفاً، فانصرف عيسى فقال: أين الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين! قال: فمرا على وجوههما حتى مرا بظباء فدعا عيسى ﵇ ظبياً منها فذكاه فأكلا منه، ثم قال عيسى ﵇ للظبي: قم بإذن الله، فإذا هو يشتد. فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى ﵇: بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين! قال: فمضيا على وجوههما فمرا بنهر عظيم عجاج، فأخذ عيسى ﵇ بيده فمشيا على الماء حتى جاوزا الماء فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى ﵇: بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين.
فخرجا حتى أتيا قرية عظيمة خربة، وإذا قريب منها ثلاث لبنات من ذهب، فقال الرجل: هذا مال! فقال عيسى ﵇: أجل هذا مال، واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف. فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف! فقال عيسى: هي لك كلها! ففارقه فأقام عندها ليس معه ما يحملها عليه، فمر به ثلاثة نفر فقتلوه وأخذوا الثلاث لبنات، فقال اثنان منهم لواحد: انطلق إلى القرية فأتنا منها بطعام. فذهب فقال أحد الباقيين للآخر: تعال نقتل هذا إذا جاء ونقتسم هذا بيننا! فقال الآخر: نعم. وقال الذي ذهب: أجعل في الطعام سماً فأقتلهما وآخذ اللبن! ففعل، فلما جاء قتلاه وأكلا من الطعام الذي جاء به، فماتا. فمر بهم عيسى وهم حولها مطروحون، فقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها! وقال عبد الملك بن عمير: رأيت في هذا القصر عجباً رأيت رأس الحسين على ثوبين مصبوغين بين يدي ابن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك بن مروان! وقال الأصمعي: لما زخرف الرشيد مجالسه وتحزم فيها وزوقها وصنع فيها صنائع كثيرة، أرسل إلى أبي العتاهية وقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فقال:
عش ما بدا لك آمناً
في ظل شاهقة القصور
يسعى إليك بما اشتهي
ت لدى الرواح وفي البكور
وإذا النفوس تقعقعت
في ضيق حشرجة الصدور
стр. 16
فهناك تعلم موقناً
ما كنت إلا في غرور!
فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته! فقال هارون: دعه فإنه رآنا في ضلالة وعمى فكره أن يزيدنا عمى! وروي أن سليمان بن عبد الملك لبس أفخر ثيابه، ومس أطيب طيبه ونظر في مرآة فأعجبته نفسه وقال: أنا الملك الشاب! وخرج إلى الجمعة وقال لجاريته: كيف ترين؟ فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
غير أن لا بقاء للإنسان!
ليس فيما بدا لنا منك عيب
عابه الناس غير أنك فان!
فأعرض بوجهه ثم خرج وصعد المنبر وصوته يسمع آخر المسجد، ثم ركبته الحمى فلم يزل صوته ينقص حتى ما يسمعه من حوله، فصلى ورجع بين اثنين يسحب رجليه، فلما صار على فراشه قال للجارية: ما الذي قلت لي في صحن الدار وأنا خارج؟ قالت: ما رأيتك ولا قلت لك شيئاً وأنى لي بالخروج إلى صحن الدار؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون نعيت إلى نفسي. ثم عهد عهده وأوصى وصيته، فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره رحمه الله تعالى. ووجد مكتوباً على قصر سيف بن ذي يزن:
من كان لا يطأ التراب برجله
وطئ التراب بصفحة الخد
من كان بينك في التراب وبينه
شبران كان كفاية البعد
لو بعثرت للناس أطباق الثرى
لم يعرف المولى من العبد!
وقال الهيثم بن عدي:
وجدوا غاراً في جبل لبنان في زمن الوليد بن عبد الملك، وفيه رجل مسجى على سرير من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالرومية: أنا سبا بن أنوس بن سبأ، خدمت عيصو بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرب الديان الأكبر، وعشت بعده عمراً طويلاً ورأيت عجباً كثيراً، ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه، ويقف على قبور أحبابه ويعلم أنه صائر إليهم ثم لا يتوب، وقد علمت أن الأجلاف الحفاة سينزلونني عن سريري ويتولونه، وذلك حين يتغير الزمان ويتأمر الصبيان ويكثر الحدثان، فمن أدرك هذا الزمان عاش قليلاً ومات ذليلاً! وروي أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها سبعة ملوك وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الملوك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: رجل يكون في المقابر. فدعا به وقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك عن عظام عبيدهم فوجدت ذلك سواء! قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همة. قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها وشباب لا هرم معه، وغنى لا يتبعه فقر وسرور لا يغيره مكروه. قال: ما أقدر على هذا. قال: فانفذ لشأنك وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده. قال الإسكندر: وهذا أحكم من رأيت.
وروي في الإسرائيليات أن عيسى بن مريم ﵇، بينا هو في بعض سياحته إذ مر بجمجمة نخرة، فأمرها أن تتكلم فقالت: يا روح الله أنا بلوام بن حفص ملك اليمن عشت ألف سنة، وولد لي ألف ذكر وافتضضت ألف بكر، وهزمت ألف عسكر وقتلت ألف جبار، وافتتحت ألف مدينة، فمن رآني فلا يغتر بالدنيا فما كانت إلا كحلم نائم! فبكى عيسى ﵇. ووجد مكتوباً على قصر بعض الملوك، وقد باد أهله وأقفرت ساحته،
стр. 17
هذه الأبيات:
هذي منازل أقوام عهدتهم
يوفون بالعهد مذ كانوا بالذمم
تبكي عليهم ديار كان يطربها
ترنم المجد بين الحلم والكرم
وقال عبد الله بن أبي سرح: نزل حي من أحياء العرب شعباً من شعاب اليمن، فتشاحوا فيه واختلفوا واستعدوا للقتال، فإذا صائح يصيح: يا هؤلاء على رسلكم علام القتال في؟ فوالله لقد ملكني سبعون أعور كلهم اسمه عمرو!
فصل:
يا أيها الرجل، اعتبر بمن مضى من الملوك والأقيال وخلا من الأمم والأجيال، وكيف بسطت لهم الدنيا وأنسئت لهم الآجال وأفسح لهم في المنى والآمال، وأمدوا بالآلات والعدد والأموال، كيف طحنهم بكلكله المنون واختدعهم بزخرفه الدهر الخؤون، وأسكنوا بعد سعة القصور بين الجنادل والصخور، وعاد العين أثراً والملك خبراً؟ فأما اليوم فقد ذهب صفو الزمان وبقي كدره، فالموت تحفة لكل مسلم، كأن الخير أصبح خاملاً والشر أصبح ناضراً، وكأن الغي أصبح ضاحكاً وأدبر الرشد باكياً، وكأن العدل أصبح غائراً وأصبح الجور عالياً، وكأن العلم أصبح مدفوناً والجهل منشوراً، وكأن اللؤم أصبح باسقاً والكرم ذاوياً، وكأن الود أصبح مقطوعاً والبغض موصولاً، وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين ونوجي بها الأشرار، وكأن الخبث أصبح مستيقظاً والوفاء نائماً، وكأن الكذب أصبح مثمراً والصدق قاحلاً، وكأن الأشرار أصبحوا يسامون السماء وأصبح الأخيار يردون بطن الأرض! أما ترى الدنيا تقبل إقبال الطالب وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير وعيشها قصير، وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك وتزود من يومك لغدك، ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم ولين رياشهم، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم! قال الشاعر:
رب مغروس يعاش به
عدمته عين مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه
أقرب الأشياء من عرسه
وقال التهامي:
تنافس في الدنيا غروراً وإنما
قصارى غناها أن يؤول إلى الفقر
وإنا لفي الدنيا كركب سفينةٍ
نظن وقوفاً والزمان بنا يجري
ولبعض الشعراء:
تروح لك الدنيا بغير الذي غدت
ويحدث من بعد الأمور أمور
وتجري الليالي باجتماع وفرقةٍ
وتطلع فيها أنجم وثغور
فمن ظن أن الدهر باق سروره
فذاك محال لا يدوم سرور!
عفا الله عمن صير الهم واحداً
وأيقن أن الدائرات تدور
وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الأنبياء ﵈ أن المسيح ﵇ اجتاز بجمجمة هائلة عظيمة نخرة، فقال له أصحابه: يا روح الله لو سألت الله تعالى أن ينطق هذه الجمجمة، فعسى أن تخبرنا بما رأته من العجائب، ففعل فأنطقها الله تعالى، فقالت: يا روح الله إني عشت ألف سنة
стр. 18
واستولدت ألف ذكر، وافتتحت ألف مدينة وهزمت ألف جيش، وقتلت ألف جبار وصبحت الدهر واختبرته، وامتحنت تقلبه وانقلابه فلم أر شيئاً أشد من طالح يلي أمر صالح، ولم أجد لهذا الدهر شيئاً أنفع من الصبر ومسالمة أهله إلا في الحرص والطمع، ووجدت العز في الرضا بالقسم، وقال محمد بن أبي العتاهية آخر شعر قاله في مرض موته:
إلهي لا تعذبني فإني
مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلة إلا رجائي
وعفوك إن عفوت وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا
وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في قدمي عليها
عضضت أناملي وقرعت سني
أجن لزهرة الدنيا جنوناً
وأقطع طول دهري بالتمني
وبين يدي ميقات عظيم
كأني قد دعيت له كأني
ولو أني صدقت الزهد فيها
قلبت لأهلها ظهر المجن
وقال ابن عباس ﵄، لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ ، قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة! قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله. قال: لست أنساه بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يعظ الناس ويقول: أيها الناس اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً. مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحر لا يغور. أقسم قس قسماً بالله قسم حق لا كذب فيه ولا إثم، لئن كان في الأرض رضى ليكونن سخطاً. إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا على حالهم فناموا! أيكم يروي شعره! فأنشدوه:
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي
ولا من الباقين غابر
سكنوا البيوت فوطنوا
إن البيوت هي المقابر
أيقنت أني لا محال
ة حيث صار القوم صائر
ثم قال رجل: لقد رأيت من أمره عجباً، اقتحمت وادياً فإذا أنا بعين خرارة وروضة مدهامة وشجرة عادية، وإذا قس بن ساعدة قاعد في أصل الشجرة وبيده قضيب، وقد ورد على العين سباع كثيرة. فكلما ورد سبع على صاحبه ضربه بالعصا وقال: تنح حتى يشرب الذي ورد قبلك. فلما رأيت ذلك ذعرت ذعراً شديداً، فالتفت إلي وقال: لا تخف. فالتفت فإذا أنا بقبرين بينهما مسجد فقلت: ما هذان القبران؟ فقال: هما قبرا أخوي كانا يعبدان الله تعالى معي في هذا الموضع، وأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون في جيرتهم؟ فقال: ثكلتك أمك! أوما علمت أن ولد إسماعيل تركت دين أبيها واتبعت الأضداد وعظمت الأنداد؟ ثم تركني
стр. 19
وأقبل على القبرين، وقال:
خليلي هبا طالما قد رقدتما
أجدكما ما تقضيان كراكما
أرى النوم بين العظم والجلد منكما
كأن الذي يسقي العقار سقاكما
ألم تعلما أني بسمعان مفرد
وما لي فيه من خليل سواكما
مقيم على قبريكما لست بارحاً
طوال الليالي أو يجيب صداكما
لأبكيكما طول الحياة وما الذي
يرد على ذي غصة إن بكاكما
كأنكما والموت أقرب غائب
بروحي في قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقايةً
لجدت بنفسي أن تكون فداكما
سلام وتسليم وروح ورحمة
ومغفرة المولى على ساكنيكما
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: إن قس بن ساعدة يبعث أمة وحده. يعني أن كل أمة آمنت برسولها تبعث أمة وحدها لا يخالطها غيرها، ويبعث قس أيضاً وحده أمة لا يخالطه أحد.
وروي أن المهدي نام يوماً فأنشد في منامه هذه الأبيات:
كأني بهذا القصر قد باد أهله
وأوحش منه ركنه ومنازله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه
تنادي بليل معولات ثواكله
فما أتت عليه عاشرة عشرة حتى مات.
وأنشدنا القاضي أبو العباس الجرجاني ﵀ بالبصرة هذه الأبيات:
بالله ربك كم قصر مررت به
قد كان يعمر باللذات والطرب
طارت عقاب المنايا في جوانبه
فصاح من بعده بالويل والحرب
اعمل وكن طالباً للرزق في دعة
فلا وربك ما الأرزاق بالطلب
وأنشدني أيضاً:
أيها الرافع البناء رويداً
لن تذود المنون عنك المباني!
إن هذا البناء يبقى وتفنى
كل شيء أبقى من الإنسان!
وقال الحكيم بن عمرو: قال أبو جعفر المنصور عند موته: اللهم إن كنت تعلم أني ارتكبت الأمور العظام جراءة مني عليك، فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك: " شهادة أن لا إله إلا الله"، منا منك لا منا عليك. وكان سبب إحرامه من الخضراء أنه كان ذات يوم نائماً فأتاه آتٍ في منامه فقال:
كأني بهذا القصر قد باد أهله
وأوحش منه أهله ومنازله
وصار عميد القصر من بعد بهجةٍ
إلى تربة تسقي عليه جنادله
فاستيقظ مرعوباً من نومه، ثم نام، فأنشد أيضاً هذه الأبيات:
أبا جعفرٍ حانت وفاتك وانقضت
سنوك وأمر الله لا بد واقع
فهل كاهنٌ أعددته أو منجم
أبا جعفرٍ عنك المنية دافعٌ
فقال: يا ربيع ائتني بطهوري. فقام واغتسل ولبى وتجهز للحج ثم قال: يا ربيع ألقني في حرم الله تعالى.
وأنشدني القاضي أبو العباس الجرجاني بالبصرة:
إن كنت تسموا إلى الدنيا وزينتها
فانظر إلى ملك الأملاك قارون
стр. 20
زم الأمور فأعطته مقاودها
وسخر الناس بالتشديد واللين
حتى إذا ظن أن لا شيء غالبه
ومكنت قدماه أي تمكين
راحت عليه المنايا روحة تركت
ذا الملك والعز تحت الماء والطين
وأنشدني أبو محمد التميمي ببغداد:
لمن أبني لمن أسم المطايا
لمن استأنف الشيء الجديد؟
إذا ما صار إخواني رفاتاً
وصرت لفقدهم فرداً وحيداً
أعانق معشراً لهم شكول
وأشكالي قد اعتنقوا اللحود!
وممن زهد في الدنيا وأبصر عيوبها من أبناء الملوك أبو عقال علوان بن الحسن، من بني الأغلب وهم ملوك المغرب، وكان ذا نعمة وملك وله فتوة ظاهرة، فتاب إلى ربه ورجع عن ذلك رجوعاً فاق نظراءه، فرفض المال والأهل وهجر النساء والوطن، وبلغ من العبادة مبلغاً أربى فيه على المجتهدين، وعرف بإجابة الدعوة، وكان عالماً أديباً قد صحب عدة من أصحاب سحنون وسمع منهم، ثم انقطع إلى بعض السواحل فصحب رجلاً يكنى أبا هارون الأندلسي منقطعاً متبتلاً إلى الله. فلم ير منه كبير اجتهاد في العمل.
فبينا أبو عقال يتهجد في بعض الليالي وأبو هارون نائم إذ غالبه النوم فقال لنفسه: يا نفس هذا عابد جليل القدر ينام الليل كله وأنا أسهر الليل كله، فلو أرحت نفسي! فوضع جنبه فرأى في منامه شخصاً فتلا عليه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً﴾ (الجاثية: ٢١) إلى آخر الآية. فاستيقظ فزعاً وعلم أنه المراد فأيقظ أبا هارون وقال له: سألتك بالله هل أتيت كبيرة قط؟ قال: لا يا ابن أخي ولا صغيرة عن تعمد والحمد لله. فقال أبو عقال: لهذا تنام ولا يصلح لمثلي إلا الكد والاجتهاد. ثم رحل إلى مكة ولزم بيت الله الحرام وحج مراراً وأربى على عباد المشرق.
وكان يعمل بالقربة على ظهره لقوته ومات بمكة وهو ساجد في صلاة الفريضة بالمسجد الحرام سنة ست وتسعين ومائتين. وقال له رجل كان يصحبه يوماً: لي إليك حاجة. فقال بعد الجهد به: حاجتك مقضية. قال: إن كانت لك شهوة أخبرني بها. قال: نعم أشتهي أن آكل رأساً. فاشتريت له رأسين ولففتهما في رقاق وجئته بهما، ثم سألته بعد ذلك بأيام: هل طاب لك الرأسان؟ قال: لا، ما هو إلا أن فتحتهما فإذا هما محشوان دوداً ليس فيهما لحم البتة إلا الدود! فأتيت الرواس فأخبرته فأطرق متعجباً ثم قال: ما كنت أظن أن في زماننا أحداً يحتمي من الحرام هذه الحماية، تلك الرؤوس كانت من غنم انتهبها بعض العمال. ثم أعطاني رأسين من غير تلك الغنم فأتيت بهما أبا عقال فأكلهما، وأخبرته بما قاله الرواس فبكى ثم قال: يا رب ما كان يستحق عبدك أبو عقال مثل هذه الحماية، ولكنه يا رب فضلك وكرمك فلك علي يا رب أن لا آكل طعاماً بشهوة أشتهيها حتى ألقاك إن شاء الله! وكانت له أخت متعبدة، فلما مات لحقت قبره بمكة وكتبت عليه هذه الأبيات:
ليت شعري ما الذي عاينته
بعد دوم الصوم مع نفي الوسن؟
مع عزوب النفس عن أوطارها
والتخلي عن حبيب وسكن
يا شقيقاً ليس في وجدي به
علة تمنعني من أن أجن
وكما تبلى وجوه في الثرى
فكذا يبلى عليهن الحزن
стр. 21
وروي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله لبنة من جدار تلك الأرض فقالت: إني كنت ملكاً من ملوك ملكت الدنيا ألف سنة ثم مت وصرت رميماً ألف سنة، فأخذني خزاف واتخذني خزفاً، ثم أخذني وضربني لبناً وأنا في هذا الجدار منذ كذا وكذا سنة، فلم تتنازعا في هذه الأرض؟ ولبعضهم:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا
لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
حنتك الليالي بعدما كنت مدة
سوي العصا لو كن يبقين باقيا
ومن أعجب ما روي في الإسرائيليات أن ابنة من بنات الملوك تزهدت في الدنيا، وتابت وخرجت من ملكها فتفقدت فلم يسمع لها خبر ولا علم لها أثر، وكان هناك دير للمتعبدين فلحق بهم شاب يتعبد، فأبصروا منه الاجتهاد والجد في العمل وملازمة الأوراد ومواصلة الأعمال، مما فاق به جميع من في الدير، وأقام على ذلك ما شاء الله إلى أن انقضت أيامه ووافاه حمامه، وقضى الفتى نحبه فحزن عليه أهل الدير من الزهاد والعباد والمنقطعين وأذروا عليه الدموع، ثم أخذوا في غسله فإذا هو امرأة ففحصوا عن أمره فإذا هي بنت الملك، فزادهم ذلك إعجاباً به وتعظيماً، وتشاوروا في أمره ماذا يحدثون له من الكرامة، ثم أجمع رأيهم على أن لا يدفنوه تحت الثرى، وأن يحملوه فوق أكفهم فغسلوه وكفنوه وجهزوه وصلوا عليه، ثم أقبلوا يحملونه على الأكف والسواعد كلما ضجر واحد جاء واحد يحمل مع من يحمل، وكل من انقطع في الدير لعبادة ربه جعل يحمل معهم إلى أن بلي وتقطعت أوصاله مع طول الزمان، فدفن حينئذ ﵀.
وكان في بلاد الروم مما يلي أرض الأندلس رجل نصراني قد بلغ من التخلي عن الدنيا مبلغاً عظيماً، واعتزل الخلق ولزم قلل الجبال والسياحة في الأرض إلى الغاية القصوى، فورد على المستعين بن هود في بعض الأمر فأكرمه ابن هود ثم أخذ بيده وجعل يعرض عليه ذخائر ملكه وخزائن أمواله، وما حوته من البيضاء والصفراء وأحجار الياقوت والجواهر وأمثالها، ونفائس الأعلاق والجواري والحشم والأجناد والكراع والسلاح، فأقام على ذلك أياماً، فلما انقضى قال له: كيف رأيت ملكي؟ قال: رأيت ملكك ولكنه تعوزك فيه خصلة إن أنت قدرت عليها تم انتظام ملكك، وإن لم تقدر عليها فهذا الملك شبه لا شيء. قال: وما هي الخصلة؟ قال: تعمد فتصنع غطاءاً عظيماً حصيناً قوياً، وتكون مساحته قدر البلد ثم تركبه على البلد حتى لا يجد ملك الموت مدخلاً إليك. فقال المستعين: سبحان الله، أويقدر البشر على مثل هذا؟ فقال العلج: يا هذا أفتفتخر بأمر تتركه غداً؟ ومثال من يفتخر بما يفنى كمن يفتخر بما يراه في النوم.
وروي أن ملكاً من الملوك بنى قصراً وقال: انظروا من عاب منه شيئاً فأصلحوه وأعطوه درهمين، فأتاه رجل فقال:
إن في هذا القصر عيبين. قال: وما هما؟ قال: يموت الملك ويخرب القصر! قال: صدقت! ثم أقبل على نفسه وترك الدنيا.
ومن عجائب أخبار الخضر ﵇، قال: سئل الخضر ﵇ عن أعجب شيء رأيته في الدنيا في طول سياحتك وكثرة خلواتك وقطعك القفار والفلوات؟ فقال: أعجب ما رأيت أني مررت على مدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها، فسألت بعضهم: متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا وأجدادنا متى بنيت وما زالت كذلك من عهد الطوفان. ثم غبت عنها نحواً من خمسمائة عام وعبرت عليها بعد ذلك فإذا هي خاوية على عروشها، لم أر أحداً أسأله عنها، وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت: أين المدينة التي كانت ههنا؟ فقالوا: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أن ههنا قط كانت مدينة.
فغبت عنها نحواً من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا موضع تلك المدينة بحر وإذا غواصون
стр. 22
يخرجون منه شبه الحلية، فقلت لبعض الغواصين: منذ كم كان هذا البحر ههنا؟ فقالوا: سبحان الله ما يذكر آباؤنا وأجدادنا إلا أن هذا البحر منذ بعث الله الطوفان.
ثم غبت عنها نحواً من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا ذلك البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه غيضة ملتفة بالقصب والبردى والسباع حولها، وإذا صيادون يصيدون السمك في زوارق صغار فقلت لبعضهم: أين البحر الذي كان ههنا؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا قط بحر.
فغبت عنها نحواً من خمسمائة عام ثم أتيت إلى ذلك الموضع، فإذا هو مدينة على حالته الأولى، والحصون والقصور والأسواق قائمة. فقلت لبعضهم: أين الغيضة التي كانت ههنا ومتى بنيت هذه المدينة؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها منذ بعث الله الطوفان. فغبت عنها نحواً من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا عاليها سافلها، وهي تدخن بدخان شديد، فلم أر أحداً أسأله، ثم رأيت راعياً فسألته: أين المدينة التي كانت ههنا ومتى حدث هذا الدخان؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا الموضع كان هكذا منذ كان! فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي في الدنيا، فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد، ووارث الأرض ومن عليها إلى يوم التناد! شعر:
قف بالديار فهذه آثارهم
تبكي الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبراً
عن أهلها أو ناطقاً أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها:
فارقت من تهوى فعز الملتقى!
وسمعت بالعراق منشداً ينشد هذه الأبيات:
أيها الربع الذي قد دثرا
كان عيناً ثم أضحى أثرا
أين سكانك ماذا فعلوا
خبرن عنهم سقيت المطرا!
ولقد نادى مناديهم بنا:
رحلوا واستودعوني عبرا
ومما استحسن في هذا الباب قول القائل:
رب ورقاء هتوف في الضحى
ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت إلفاً ودهراً صالحاً
فبكت حزناً فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها
وبكاها ربما أرقني
فإذا تسعدني أسعدها
وإذا أسعدها تسعدني
ولقد تشكو فما أفهمها
ولقد أشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها
وهي أيضاً بالجوى تعرفني
ونظر رجل من العباد إلى باب ملك الملوك وقد شيده وأتقنه وزوقه، فقال: باب جديد وموت عتيد ونزع شديد وسفر بعيد! ولما ثقل عبد الملك بن مروان رأى غسالاً يلوي بيده ثوباً فقال: وددت أني كنت غسالاً لا أعيش إلا بما أكتسبه يوماً فيوماً! فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عنده ما هم فيه. وقال الرسول ﵊: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع وعين لا تدمع، هل يتوقع أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟ وقال عيسى بن مريم ﵇:
أوحى الله تعالى إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه، يا دنيا مري على أوليائي ولا تحلي لهم فتفتنيهم. وهذا الحرف يروى بكسر الميم من المرارة.
وقال مورق العجلي: ابن آدم، في كل يوم تؤتى رزقك وأنت تحزن وينقضي عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك، فلا بقليل تقنع
стр. 23
ولا بكثير تشبع. وقال النبي ﷺ في بعض خطبه: أيها الناس إن الأيام تطوى والأعمار تفنى والأبدان في الثرى تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد يقربان كل بعيد ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات.
وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح، كلما ازداد صاحبه شرباً ازداد عطشاً، وكالكأس من العسل في أسفله السم، فللذائق منه حلاوة عاجلة، وفي أسفله الموت الزعاف، وكأحلام النائم التي تفرحه في منامه، فإذا استيقظ انقطع الفرح، وكالبرق الذي يضيء قليلاً ويذهب وشيكاً ويبقى راجيه في الظلام مقيماً، وكدودة الإبريسم التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفاً إلا ازدادت من الخروج بعداً؛ وفيه قيل:
كدود كدود القز ينسج دائماً
ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه
ومثال من يستعجل زهرة الدنيا ويعرض عن الدار الأخرى مثال رجلين لقطا من الأرض حبتي عنب، فأما أحدهما فجعل يمص الحبة التذاذاً بها ثم بلعها، وأما الآخر فزرع الحبة فلما كان بعد زمان التقيا، فإذا الذي زرع الحبة قد صارت له كرما وكثرت ثمرته، وفكر الآخر في صنعه بالحبة فوجدها قد صارت عذرة ليس عنده منها إلا الحسرة على تفريطه والغبطة لصاحبه. وقال وهب بن منبه ﵁: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: إن أردت أن تسكن معي في حضيرة القدس، فكن في الدنيا وحيداً فريداً مهموماً وحشياً، بمنزلة الطير الوحداني الذي يظل في الأرض الفلاة، ويأكل من رؤوس الشجر ويشرب من ماء العيون، فإذا كان الليل آوى وحده ولم يأو مع الطير استئناساً بربه. ولبعضهم:
كم للحوادث من صروف عجائبٍ
ونوائب موصولة بنوائب
ولقد تقطع من شبابك وانقضى
ما لست أحسبه إليك بآيب
تبغي من الدنيا الكثير وإنما
يكفيك منها مثل زاد الراكب
قال مالك بن أنس ﵁: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ انتهى إلى قرية قد خربت حصونها وجفت أنهارها وتشعث شجرها فنادى: يا خرب أين أهلك؟ فلم يجبه أحد. ثم نادى: يا خرب أين أهلك؟ فنودي: عيسى بن مريم، بادوا وتضمنتهم الأرض وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة، عيسى بن مريم فجد. قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها هريمة: أي عذاب الله رأيت أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلام الله أو رحمته على ليلة لا ريح فيها، ولقد رأيت العير تحملها الرياح بين السماء والأرض. وقال مجاهد: كان طعام يحيى بن زكريا ﵉ العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لخرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خده.
ومر بعض الملوك ببقراط الحكيم وهو نائم فركضه برجله وقال: قم! فقام غير مرتاع منه ولا ملتفت إليه، فقال له الملك: أوما تعرفني؟ فقال: لا، ولكن أرى فيك طبع الدواب فإنها تركض برجلها! فغضب وقال: أتقول لي مثل هذا وأنت عبدي؟ فقال له بقراط: بل أنت عبد عبدي. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن شهواتك قد ملكتك وأنا ملكت الشهوات! قال: فأنا الملك بن الأملاك السادة، أملك من البلاد كذا ومن الأموال كذا، ومن الرجال كذا! فقال: أراك تفتخر علي بما ليس من نفسك، وإنما سبيلك أن تفتخر بنفسك،
стр. 24
ولكن تعال نخلع ثيابنا ونلبس جميعاً ثوباً مما في هذا النهر ونتكلم فحينئذ يتبين الفاضل من المفضول! فانصرف الملك خجلاً.
وها أنا أحكي لك أمراً أصابني طيش عقلي وبلبل حزمي وقطع نياط قلبي، فلا يزال مرآة لي حتى يواريني التراب. وذلك أني كنت يوماً بالعراق وأنا أشرب ماء، فقال لي صاحب لي وكان له عقل:
يا فلان لعل هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء قد كان إنساناً يوماً من الدهر، فمات فصار تراباً فاتفق للفخاري أن أخذ تراب القبر فصيره خزفاً وشواه بالنار، فانتظم كوزاً كما ترى وصار آنية يمتهن ويستخدم بعدما كان بشراً سوياً يأكل ويشرب وينعم ويلذ ويطرب. فإذا الذي قاله من الجائزات، فإن الإنسان إذا مات عاد تراباً كما كان في النشأة الأولى، ثم قد يتفق أن يحفر لحده ويعجن بالماء ترابه فيتخذ منه آنية تمتهن في البيوت أو لبنة تبنى في الجدار، أو يطين به سطح البيت أو يفرش في الدار فيوطأ بالأقدام، أو يجعل طيناً على الجدار.
وقد يجوز أن تغرس عند قبره شجرة فيستحيل تراب الإنسان شجرة وورقاً وثمرة، فترعى البهائم أوراقها ويأكل الإنسان ثمرتها، فينبت منها لحمه وينتشر منها عظمه، أو تأكل تلك الثمرات الحشرات والبهائم، فبينما كان يقتات صار قوتاً، وبينما كان يأكل صار مأكولاً ثم يعود في بطن الأرض رجيعاً يقذف به في بيت الرحاضة أو بعراً ينبذ بالعراء، ويجوز إذا حفر قبره أن تسفي الريح ترابه فتفرق أجزاءه في بطون الأودية والتلول والوهاد، أليس في هذا ما أذهب العقول وطيش الحلوم، ومنع اللذات وهان عنده مفارقة الأهلين والأموال واللحوق بقلل الجبال، والأنس بالوحوش حتى يأتي أمر الله على الفريقين؟ أليس في هذا ما صغر الدنيا وما فيها؟ أليس في هذا ما حقر الملك عند من عظمه والمال عند من جمعه؟ أليس في هذا ما زهد في اللذات وسلى عن الشهوات؟ وقال مسعر: كم من مستقبل يوماً لا يستكمله ومنتظر غداً وليس من أجله، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. ولما بنى المأمون بن ذي النون، وكان من ملوك الأندلس، قصره وأنفق فيه بيوت أمواله، فجاء على أكمل بنيان في الأرض، وكان من عجائبه أنه صنع فيه بركة ماء كأنها بحيرة، وبنى في وسطها قبة وسيق الماء من تحت الأرض حتى علا إلى رأس القبة على تدبير قد أحكمه المهندسون، وكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكباً لا يفتر والمأمون قاعد فيها، فروي عنه أنه بينما هو نائم إذ سمع منشداً ينشد هذه الأبيات:
أتبني بناء الخالدين وإنما
مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية
لمن كل يوم يقتضيه رحيل
فلم يلبث بعدها إلا يسيراً حتى قضى نحبه.
ووجد مكتوباً على قصر قد باد أهله وأقفرت منازله:
هذي منازل أقوام عهدتهم
في خفض عيش نفيس ما له خطر
صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا
إلى القبور فلا عين ولا أثر
وللشريف الرضي:
ولقد مررت على ديارهم
وطلولها بيد البلى نهب
فوقفت حتى عج من تعب
نضوي وضج بعدني الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت
عنها الطلول تلفت القلب
ولو قيل للدنيا صفي نفسك ما تعدت هذا البيت وهو:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض
على الماء خانته فروج الأصابع
وروي أن الحجاج قال في خطبته: أيها الناس إن ما بقي من الدنيا أشبه بما بض من الماء،
стр. 25
ولو أعطيت ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ما قبلته، فكيف آسى على ما بقي منها! وروي أن النبي ﷺ ضرب مثلاً للدنيا ولابن آدم عند الموت، كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: قد كنت لي خلاً مكرماً مؤثراً وقد حضرني من أمر الله تعالى ما ترى، فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله غلبني عليك ولا أستطيع أن أنفس كربك، ولكن ها أنا بين يديك فخذ مني زاداً ينفعك. ثم قال للثاني: قد كنت عندي آثر الثلاثة، وقد نزل بي أمر الله تعالى ما ترى، فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله تعالى غلبني عليك ولا أستطيع أن أنفس كربك، ولكن ها سأقوم عليك في مرضك، فإذا مت أنقيت غسلك وجودت كسوتك وسترت جسدك وعورتك. ويقول للثالث: قد نزل بي أمر الله تعالى ما ترى، وأنت أهون الثلاثة علي فماذا عندك؟ فيقول: إني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج ولا أفارقك أبداً. قال النبي ﷺ : الأول ماله والثاني أهله والثالث عمله.
ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: قد كنت أحب لقاءك فعظني. فقرأ الحسن: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (الشعراء٢٠٧: ٢٠٥) . فقال: عليك السلام أبا سعيد لقد وعظت أحسن موعظة، واعجباً كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى وهو يرى الأولى! واعجباً كل العجب للمكذب بالنشور وهو يموت كل ليلة ويحيا! واعجباً كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور! واعجباً كل العجب للمختال الفخور وإنما هو خلق من نطفة ثم يعود جيفة، وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به! وروي أن الله تعالى أوحى إلى آدم ﵇ قال: جماع الخير كله في أربع: واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس. فأما التي لي فأن تعبدني ولا تشرك بي شيئاً. وأما التي لك فاعمل ما شئت فإني أجزيك به. وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة. وأما التي بينك وبين الناس فكن لهم كما تحب أن يكونوا لك. وقال سليمان بن داود ﵉: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا، ولم نجد شيئاً أفضل من خشية الله تعالى في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر.
وكتب معاوية إلى عائشة ﵂ أن اكتبي إلي بكتاب توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت عائشة: سلام عليك. أما بعد. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام. ولما ضرب ابن ملجم علياً ﵁ أدخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، ودعا الحسن والحسين فقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا. ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، اعملا الخير وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، ثم دعا محمداً وقال له: أما سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: بلى. قال: فإني أوصيك به وعليك ببر أخويك وتوقيرهما ومعرفة فضلهما ولا تقطع أمراً دونهما. ثم أقبل عليهما وقال: أوصيكما به خيراً فإنه سيفكما وابن أبيكما، وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه فأحباه.
ثم قال له: يا بني أوصيك بتقوى الله في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضى، والغضب والقصد في الغنى والفقر، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. يا بني ما شر بعده الجنة بشر ولا خير بعده
стр. 26
النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية. يا بني من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل السيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها، ومن كشف حجاب أخيه انكشفت عورات بيته، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطأه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار.
يا بني الأدب خير ميراث وحسن الخلق خير قرين. يا بني العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء. يا بني زينة الفقر الصبر وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. الحرص مفتاح التعب ومطية النصب، والتدبير قبل العمل يؤمنك الندم، بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد! طوبى لمن أخلص لله علمه وعمله وحبه وبغضه. وأخذه وتركه وكلامه وصمته وقوله وفعله! وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، لما طعن دعا بلبن فشرب منه فخرج من طعنته فقال: الله أكبر. فجعل جلساؤه يثنون عليه فقال: وددت أني أخرج منها كفافاً كما دخلت فيها، لو أن لي اليوم ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع! قال ابن عمر: ولما احتضر عمر غشي عليه فأخذت رأسه فوضعته في حجري فقال: ضع رأسي بالأرض لعل الله يرحمني. فمسح خديه من التراب وقال: ويل لعمر وويل لأمه إن لم يغفر له! فقلت:
وهل حجري والأرض إلا سواء يا أبتاه؟ فقال: ضع رأسي بالأرض لا أم لك كما آمرك! فإذا قضيت فأسرعوا بي إلى حفرتي فإنما هو خير تقدمون إليه أو شر تضعونه عن رقابكم! ثم بكى فقيل له: وما يبكيك؟ قال: خبر السماء لا أدري إلى جنة ينطلق بي أو إلى نار.
ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت وأنعمت علي فأفضلت، فإن عفوت فقد مننت وإن عاقبت فما ظلمت، ألا إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، ثم قضى نحبه. ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له! ودخل على المأمون في مرضه الذي مات فيه، فإذا هو قد أمر أن يفرش له جل الدابة ويبسط عليه الرماد، وهو راقد عليه يتضرع ويقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من يزول ملكه. وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ مر على طائر واقع على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تطير وتقع على الشجر وتأكل من الثمر وليس عليك حساب ولا عقاب! يا ليتني كنت مثلك والله لوددت أني شجرة إلى جنب الطريق فمر علي بعير، فأخذني فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعراً ولم أك بشراً! وقال عاصم بن عبيد الله: أخذ عمر بن الخطاب ﵁ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني مثل هذه التبنة! يا ليتني لم تلدني أمي! يا ليتني كنت نسياً منسيا! وقال ابن مسعود: وددت أني طائر في منكبي ريش!
стр. 27
وسمع رجلاً يقول: يا ليتني كنت من أصحاب اليمن، فقال ابن مسعود: يا ليتني إذا مت لم أبعث. وقال عمران بن الحصين: وددت أني رماد تسفيني الرياح في يوم عاصف. وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تعضد ويؤكل ثمري ولم أك بشراً.
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما رجع من صفين ودخل أوائل الكوفة فإذا هو بقبر قال: قبر من هذا؟ قالوا: قبر خباب بن الأرت. فوقف عليه وقال: رحم الله خباباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتلي في جسمه آخراً، ألا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً. ثم مضى فإذا قبور فجاء حتى وقف عليها فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن تبع وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم. طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب، وقنع بالكفاف ورضي عن الله تعالى. ثم قال: يا أهل القبور، أما الأزواج فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى.
الباب الثاني: في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والوزراء والسلاطين
دخل الأحنف بن قيس على معاوية وعليه شملة ومدرعة صوف. فلما مثل بين يديه اقتحمته عينه فأقبل عليه فقال: مه! فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين، أهل البصرة عدد يسير وعظم كسير، مع تتابع من المحول واتصال من الدخول، فالمكثر منها قد أطرق والمقل منها قد أملق. وبلغ به المخنق؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير ويجبر الكسير ويسهل العسير، ويصفح عن الدخول ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء ويزيل اللأواء. ألا وإن السيد من يعم ولا يخص، ويدعو الجفلى ولا يدعو النقرى، إن أحسن إليه شكر وإن أسيء إليه غفر، ثم يكون من وراء الرعية عماداً يدفع عنهم الملمات ويكشف عنهم المعضلات. فقال معاوية: ها هنا يا أبا بحر، ثم قرأ: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (محمد: ٣٠) .
وقال سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان. فوضعوا لي المرصد حول البيت فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه أدناني ثم قال: لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمورنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه؟ فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب ﵁ لما حج قال لغلامه: كم أنفقنا في سفرتنا هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر ديناراً. فقال: ويحك، أجحفنا بيت مال المسلمين!
وقال الزهري: ما سمعت بأحسن من كلام تكلم به رجل عند سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين اسمع مني أربع كلمات، فيهن صلاح دينك وملكك وآخرتك ودنياك. قال: ما هن؟ قال: لا تعد أحداً عدة وأنت لا تريد إنجازها، ولا يغرنك مرتقى سهلاً إذا كان المنحدر وعراً، واعلم أن للأعمال جزاء فاحذر العواقب، وللدهر ثورات فكن على حذر.
ولما دخل ابن السماك على هارون قال له: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرض لخلافته في عباده غيرك، فلا ترض من نفسك إلا ما رضي به عنك، فإنك ابن عم رسول الله ﷺ وأولى الناس بذلك. يا أمير المؤمنين من طلب فكاك رقبته في مهلة من أجله كان خليقاً أن يعتق نفسه. يا أمير المؤمنين من أذاقته الدنيا حلاوتها بركون منه إليها، أذاقته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.
стр. 28
يا أمير المؤمنين ناشدتك الله أن تقدم على جنة عرضها السماوات والأرض، وقد دعيت إليها وليس لك فيها نصيب. يا أمير المؤمنين إنك تموت وحدك وتحاسب وحدك، وإنك لا تقدم إلا على حالة نادم مشغول، ولا تخلف إلا مفتوناً مغروراً، وإنك وإيانا لفي دار سفر وجيران ظعن.
ولما حج سليمان بن عبد الملك استحضر أبا حازم فقال له: تكلم يا أبا حازم. فقال: بم أتكلم؟ فقال: في الخروج من هذا الأمر. قال: يسيران أنت فعلته. قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلها ولا تضعها إلا في أهلها. قال: ومن يقوى على ذاك؟ قال: من قلده الله من الأمر ما قلدك. قال: عظني يا أبا حازم. قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك. ثم قال: يا أمير المؤمنين نزه ربك في عظمته عن أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. يا أمير المؤمنين إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر لنفسك أيهما شئت.
قال: فما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندي ما أخافك عليه ولا عندك ما أرجوك له. قال: فارفع إلي حوائجك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت، يقول الله : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: ٣٢) . فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من كثير ما قسم الله، أو يزيد في قليل ما قسم الله؟ قال: فبكى سليمان بكاء شديداً فقال رجل من جلسائه: أسأت إلى أمير المؤمنين! فقال له أبو حازم: اسكت! فإن الله تعالى أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. ثم خرج من عنده فلما وصل إلى منزله بعث إليه بمال فرده وقال للرسول: قل له يا أمير المؤمنين، والله ما أرضاه لك فكيف أرضاه لنفسي؟ وقال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد، فبينما أنا نائم ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين! فخرجت مسرعاً فإذا هو أمير المؤمنين فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا عالم، انظر لي رجلاً أسأله. فقلت له: ههنا سفيان بن عيينة. قال امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فخرج مسرعاً فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: خذ لما جئنا له. فحادثه ساعة ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم. فقال: يا عباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، فانظر لي رجلاً أسأله.
ههنا عبد الرزاق بن همام. فقال امض بنا إليه نسأله. فأتيناه فقرعنا عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فخرج يصلي في غرفته يتلو آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أوما عليك طاعته؟ أوليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله! فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فقال:
خذ لما جئنا له يرحمك
стр. 29
الله. فقال: وفيم جئت؟ حطبت على نفسك وجميع من معك حطبوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم أن يتحملوا عنك شقصاً من ذنب ما فعلوا، ولكان أشدهم حباً لك أشدهم هرباً منك.
ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي؛ فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال هل سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك فيها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أباً، وأوسطهم عندك أخاً، وأصغرهم عندك ولداً، فبر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت. وإني لأقول لك هذا وأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاءً شديداً حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين! فقال: يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟ ثم أفاق فقال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين! بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبد، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائماً أو يقظاناً، وإياك أن تزل قدمك عن هذه السبيل فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم إليه، فقال عمر: ما أقدمك؟ فقال له: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبداً حتى ألقى الله تعالى! فبكى هارون بكاء شديداً ثم قال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي ﷺ جاءه فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة. فقال له ﷺ : يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل. فبكى هارون بكاء شديداً.
ثم قال: زدني يرحمك الله! فقال: يا حسن الوجه! أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي ﷺ يقول: من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة. فبكى هارون بكاء شديداً، ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي! قال: إنما أعني دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذريات٥٨: ٥٦) . فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك. فقال: سبحان الله! أنا أدلك على سبيل النجاة، وتكافئني بمثل هذا، سلمك الله ووفقك. ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده، فقال لي هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين اليوم! وروي أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا هذا، أما ترى ما نحن فيه من ضيق الحال؟ فلو قبلت هذا المال لفرجت به عنا. فقال: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، موتوا يا أهلي جوعاً ولا تذبحوا فضيلاً. فلما سمع الرشيد ذلك قال: أدخل فعسى أن يقبل المال. قال: فدخلنا عليه،
стр. 30
فلما علم بنا الفضيل خرج وجلس على التراب على السطح، فجلس هارون إلى جانبه فجعل يكلمه وهو لا يجيبه، فبينما نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد أذيت الشيخ هذه الليلة، فانصرف يرحمك الله! فانصرفنا.
ووعظ شبيب بن شيبة المنصور فقال:
يا أمير المؤمنين إن الله لم يجعل فوقك أحداً، فلا تجعل فوق شكرك شكراً. ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقرأ: ﴿وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (الفجر٢: ١) حتى بلغ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: ١٤) ، لمن فعل مثل فعالهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن بأبوابك ناراً تأجج، لا يعمل فيها بكتاب الله ولا بسنة رسول الله، وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك! أما والله لو علم عمالك أنه لا يرضيك منهم إلا العدل لتقرب به إليك من لا يريده. فقال له سليمان بن مجالد: اسكت! فقد غممت أمير المؤمنين. فقال عمرو: ويحك يا ابن مجالد! أما كفاك أنك خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين حتى أردت أن تحول بينه وبين من ينصحه؟ اتق الله يا أمير المؤمنين فإن هؤلاء قد اتخذوك سلماً إلى شهواتهم، فأنت كالماسك بالقرون وغيرك يحلب، وإن هؤلاء لن يغنوا عنك من الله شيئاً! وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين، أما علمت أنه كان بيد رسول الله ﷺ جريدة يابسة يستاك بها ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك اقذفها لا تملأ قلوبهم رعباً؟ فكيف من سفك دماء المسلمين وشق أبشارهم ونهب أموالهم؟ إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، دعا إلى القصاص من نفسه بخدشة خدشها أعرابياً عن غير عمد، فقال له جبريل ﵇: إن الله لم يبعثك جباراً تكسر قلوب رعيتك! يا أمير المؤمنين لو أن ثوباً من النار صب على ما في الأرض لأحرقه، فكيف بمن يتقمصه؟ ولو أن ذنوباً من النار صب على ما في الأرض لأحرقه، فكيف بمن يتجرعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف بمن يسلك فيها ويرد فضلها على عاتقه؟ ودخل بعض العقلاء على سلطان فقال له: إن أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بسطت يداه بالقدرة، فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما
عليك من الحق. وروي أن أعرابياً قام بين يدي هشام بن عبد الملك فقال له: أيها الأمير أتت على الناس سنون ثلاثة: أما الأولى فأكلت اللحم، وأما الثانية فأذابت الشحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندك فضول أموال فإن كانت لله فأقسمها بين عباد الله، وإن كانت لهم فلم تحظر عليهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. فأمر هشام بمال فقسم بين الناس وأمر للأعرابي بمال، فقال: أكل المسلمين له مثل هذا المال؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: لا حاجة لي فيما يبعث لأئمة الناس على أمير المؤمنين.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أذكر بمقامي هذا مقاماً لا يشغل الله عنك كثرة من تخاصم من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنب. فبكى عمر بكاء شديداً ثم استرده الكلام، فجعل يردده وعمر يبكي وينتحب، ثم قال: حاجتك؟ فقال: عاملك بأذربيجان أخذ مني اثني عشر ألف درهم. فقال: اكتبوها له حتى ترد عليه. ولما دخل زياد على عمر بن عبد العزيز قال: يا زياد ألا ترى إلى ما ابتليت به من أمر أمة محمد ﷺ ؟ فقال زياد: يا أمير المؤمنين والله لو أن كل شعرة منك قطعت ما بلغت كنه ما أنت فيه، فاعمل لنفسك في الخروج
стр. 31
مما أنت فيه يا أمير المؤمنين كيف حال رجل له خصم ألد؟ قال: سيئ الحالة. قال: فإن كان له خصمان ألدان؟ قال: أسوأ الحالة. قال: فإن كانوا ثلاثة؟ قال: لا يهنيه عيش. قال: فو الله ما من أحد من أمة محمد إلا وهو خصمك! فبكى حتى تمنيت أن لا أكون قلت له ذلك.
وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق، فمنها خرج الناس بما ربحوا فيها لآخرتهم وخرجوا بما يضرهم، فكم من قوم غرهم مثل الذي أصبحت فيه حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا مرملين، لم يأخذوا من الدنيا للآخرة، فأخذ مالهم من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم؟ فانظر إلى الذي تحب أن يكون معك فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه، وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت فابتغ به البدل حيث يجوز البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك ترجو رواجها عندك، يا أمير المؤمنين افتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم. وحضر رجل بين يدي بعض الملوك فأغلظ له السلطان، فقال له الرجل:
إنما أنت كالسماء إذا أرعدت وأبرقت فقد قرب خيرها? فسكن غضبه وأحسن إليه.
ولما احتاج المنصور بن أبي عامر ملك الأندلس أن يأخذ أرضاً محبسة ويعاوض عنها خيراً منها، استحضر بعض الفقهاء إلى قصره فأفتوا بأنه لا يجوز، فغضب السلطان وأرسل إليهم رجلاً من الوزراء مشهوراً بالحدة والعجلة فقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا آكلي أموال اليتامى ظلماً، يا شهود الزور وآخذي الرشا وملقني الخصوم، وملقحي الشرور وملبسي الأمور، وملتمسي الروايات لدى اتباع الشهوات، تباً لكم ولآرائكم! فهو أعزه الله واقف على فسوقكم قديماً وخونكم لأماناتكم مغضٍ عنه صابرٍ عليه، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجة مرة واحدة في دهره، فلم تشفعوا إرادته، ما كان هذا ظنه بكم، والله ليعارضنكم وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم! وأفحش عليهم بهذا ونحوه فأجابه شيخ منهم ضعيف الهمة فقال: نتوب إلى الله مما قاله أمير المؤمنين ونسأله الإقالة.
فرد عليه زعيم القوم محمد بن إبراهيم بن حيويه وكان جلداً صارماً فقال للمتكلم: مم نتوب يا شيخ السوء؟ نحن براء من متابك! ثم أقبل على الوزير فقال: يا وزير بئس المبلغ أنت! وكل ما نسبته إلينا عن أمير المؤمنين فهو صفتكم معاشر خدمته، فأنتم الذين تأكلون أموال اليتامى بالباطل وتستحلون ظلمهم بالإخافة، وتنتجون معايشكم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق، وأما نحن فليست هذه صفاتنا ولا كرامة، ولا يقولها لنا إلا متهم بالديانة، فنحن أعلام الهدى وسرج الظلمة، بنا يتحصن الإسلام ويفرق بين الحلال والحرام وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض وتثبت الحقوق وتحقن الدماء وتستحل الفروج، فهلا إذ عتب علينا أمير المؤمنين بشيء لا ذنب فيه لنا، وقال بالغيظ ما قاله، تأنيت بإبلاغنا رسالته بأهون من إفحاشك، وعرضت لنا بإنكاره، ففهمناه منك وأجبناك عنه بما يصلح الجواب له، وكنت تزين على السلطان ولا تفشي سره، ولا تحيينا بما استقبلتنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين لا يتمادى على هذا الرأي فينا، ولا يعتقد هذا المعتقد في صفاتنا، وإنه سيراجع بصيرته في إيثارنا وتعزيزنا، ولو كان عنده على هذه الحالة التي وصفتها عنا، والعياذ بالله تعالى من ذلك، لبطل عليه كل ما صنعه وعقده من أول خلافته إلى هذا الوقت، فلا يثبت له كتاب من حرب ولا سلم ولا شراء ولا بيع، ولا صدقة ولا حبس
стр. 32
ولا هبة ولا عتق، ولا غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام.
ثم قاموا منصرفين فلم يكادوا يبلغوا باب القصر إلا والرسل تناديهم، فدخلوا القصر فتلقاهم الوزراء بالإعظام ورفعوا منازلهم واعتذروا إليهم مما كان من صاحبهم، وقالوا لهم: إن أمير المؤمنين يعتذر إليكم من فرط موجدته، ويستجير بالله من الشيطان الرجيم ونزعته التي حملته على الجفاء عليكم، ويعلمكم أنه نادم على ما كان منه إليكم، وهو مستبصر في تعظيمكم وقضاء حقوقكم، وقد أمر لكل واحد منكم بما ترون من صلته وكسوته علامة لرضاه عنكم، فدعوا له وقبضوا ما أمر لهم به وانصرفوا غالبين لم يمسسهم سوء.
ولما نظر مالك بن دينار إلى المهلب بن أبي صفرة يجر أذياله ويتبختر في أثواب خيلائه، ناداه أن ارفع من ثيابك. فقال له المهلب: أوما تعرفني؟ قال له مالك: بلى إني أعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. ويروى أن رجلاً قال لعبيد الله العمري: هذا هارون الرشيد في الطواف قد أخلي له المسعى، فقال له: لا جزاك الله عني خيراً كلفتني أمراً كنت عنه غنياً! ثم جاء إليه فقال: يا هارون! فلما نظر إليه قال: لبيك يا عم! قال: كم ترى ههنا من خلق الله تعالى؟ قال: لا يحصيهم إلا الله. قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون وجلس فجعلوا يعطونه منديلاً منديلاً للدموع، ثم قال له: والله إن الرجل ليسرف في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين؟ فيقال إن هارون كان يقول بعد ذلك: إني أحب أن أحج في كل عام، وما يمنعني من ذلك إلا عبيد الله العمري.
ويروى أن الحسن بن محمد بن الحسين دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له:
يا عمر، ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان. فقال عمر: إيه أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة! وجثى على ركبتيه، فقال الحسن: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له. ولما ولي عمر بن عبد العزيز وفد عليه الوفود من كل بلد، فوفد عليه الحجازيون فتقدم منهم غلام للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر: لينطق من هو أسن منك. فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق منك بمجلسك هذا. فقال عمر: صدقت! قل ما بدا لك.
غلام: أصلح الله أمير المؤمنين! نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة، وقد أتيناك لمن الله الذي من علينا بك، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتتنا منك في بلادنا، وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك. فقال له عمر: عظني يا غلام! فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إن ناساً غرهم حلم الله عليهم وطول أملهم، وكثرة ثناء الناس عليهم، فزلت بهم أقدامهم فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عليك وطول أملك، وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل بك قدمك فتلتحق بالقوم، فلا جعلك الله منهم وألحقك بصالحي هذه الأمة! ثم سكت، فسأل الإمام عمر الغلام عن سنه، فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عن نسبه فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فتمثل عمر عند ذلك بقول الشاعر:
تعلم فليس المرء يولد عالماً
وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه المحافل
стр. 33
وفي مثل هذا قيل للعتابي، وكان لا يبالي بما لبس: ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما يرفع المرء أدبه وعقله لا حليته وحلته، لحى الله أمرأً يرضى أن ترفعه هيئته وجماله! لا والله حتى يشرفه أصغراه: لسانه وقلبه، ويعلو به أكبراه: همته ولبه. ولما دخل ضمرة بن ضمرة على المنذر بن المنذر وهو ملك، وكان ضمرة ذا رأي وعقل، احتقرته عينه لدمامته، فقال: لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! ثم قال ضمرة: أبيت اللعن! إن القوم ليسوا بجزرٍ تجزرن، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل قاتل بجنان، والرجال لا تكال بالقفزان ولا توزن بالقبان. فأعجب المنذر بكلامه.
وروي أن روح بن زنباع كان في طريق مكة في يوم شديد الحر مع أصحابه، فنزلوا وضربت لهم الخيام والظلال، وقدم إليهم الطعام والشراب المبرد. فبينما هم كذلك وإذا هم براع، فدعاه إلى الطعام فأبى وقال: إني صائم! فقال له روح: في مثل هذا اليوم الحار؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلاً؟ فقال له روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع. وروي أن أعرابياً قام بين يدي سليمان بن عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلمك كلاماً فاحتمله إن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته. فقال: هات يا أعرابي. فقال: إني سأطلق لساني بما خرست به الألسن لحق الله ولحق أمانتك! إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فأعظم الناس غبناً يوم القيامة من باع آخرته بدنيا غيره! فقال له سليمان: أما أنت فقد نصحت، وأرجو أن الله يعين على ما قلدنا وقد جردت لسانك وهو سيفك. فقال: أجل يا أمير المؤمنين، وهو لك لا عليك! وقال بن أبي العروبة: حج الحجاج فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ودعى بالغداء، وقال لحاجبه: انظر من يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر. فنظر نحو الجبل فإذا هو براع بين شملتين نائم فضربه برجله وقال له: ائت الأمير! فأتاه، فقال له الحجاج: اغسل يديك وتغد معي. فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته. فقال: من هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حراً منه! قال: فافطر وصم غداً. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه؟ قال: لأنه طعام طيب. قال:
لم تطيبه أنت ولا الطباخ ولكن طيبته العافية! ولما حج هارون الرشيد بعث إلى مالك بن أنس بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه وانصرف ودخل المدينة بعث إلى مالك بن أنس أن أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى مدينة السلام. فقال للرسول: قل له إن الكيس بخاتمه. وقال الرسول ﵇: والمدينة خير لهم ولو كانوا يعلمون.
وقال وهب بن منبه ﵁: إن ملكاً كان يفتن الناس ويحملهم على أكل لحم الخنزير، فأتى برجل أفضل أهل زمانه فأعظم الناس مكانه وهالهم أمره، فراوده على أكل لحم الخنزير فرق له صاحب شرطة الملك وقال له: أنا آتيك بجدي تذبحه مما يحل لك أكله، وإذا دعا الملك بلحم الخنزير أتيتك به ففعل، ثم أتى به الملك فدعا بلحم الخنزير فأتى صاحب الشرطة بلحم ذلك الجدي، فأمر به الملك أن يأكله، فأبى أن يأكله، فجعل صاحب الشرطة يغمزه أن يأكله فأبى أن يأكله، فأمر صاحب الشرطة أن يقتله. فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكله وهو اللحم الذي أنت ذبحته؟ أظننت أني جئتك بغيره؟ قال: لا قد علمت أنه هو، ولكنني خفت أن يفتتن الناس بي، فإن أكرهوا على أكل لحم الخنزير قالوا قد أكله فلان، فيستن
стр. 34
بي فأكون فتنة لهم. فقتل ﵀.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا! قال: أوليس فيكم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى يا كعب ولكن خوفنا! قال: يا أمير المؤمنين، اعمل عملاً وجل لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبياً لازدريت عملهم مما ترى. فأطرق عمر ملياً ثم أفاق فقال: يا كعب خوفنا! فقال: يا أمير المؤمنين، لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها! فبكى عمر ثم أفاق فقال: يا كعب زدنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، فما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر على ركبتيه حتى يخر إبراهيم خليل الرحمن على ركبتيه يقول: يا رب إني لا أسألك اليوم إلا نفسي إلا محمد ﷺ يقول: يا رب أمتي أمتي لا أسألك غيرها! واستأذن ابن دهمان على بعض الأمراء فحجبه ثم أذن له، فلما دخل قال: إن هذا الأمر الذي صار إليك قد كان في يدي غيرك، فأمسوا والله حديثاً فإن خيراً فخير وإن شراً فشر، فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الجانب وتسهيل الحجاب، فإن حب عباد الله موصول بحب الله وبغضهم موصول ببغضه، لأنهم شهداء الله على خلقه.
ولما دخل محمد بن واسع سيد العباد في زمانه على بلال بن أبي بردة أمير البصرة، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، قال له بلال: ما هذه الشهرة يا ابن واسع؟ فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس من مضى وإنما أنتم طولتم ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة.
وأما أنا، فلما دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش وهو ملك مصر فقلت: سلام عليكم ورحمة الله، فرد السلام على نحو ما سلمت رداً جميلاً، وأكرم إكراماً جزيلاً وأمرني بدخول مجلسه وأمرني بالجلوس فيه. فقلت: أيها الملك، إن الله قد أحلك محلاً عالياً شامخاً وأنزلك منزلاً شريفاً باذخاً، وملكك طائفة من ملكه وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أن يكون أحداً أولى بالشكر منك. وإن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك فلا يكون أحد أطوع لك منك، وليس الشكر باللسان ولكنه بالفعال والإحسان. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ (سبأ: ١٣) . واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يديك بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإن الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل.
قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر٩٣: ٩٢) . وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء: ٤٧) . واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها لسليمان بن داود ﵉، فسخر له الإنس والجن والطير والشياطين والوحوش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩) . فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجاً من الله تعالى ومكراً به، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: ٤٠) . فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم، أعانك الله على نصر المظلوم وجعلك كهفاً للملهوف وأماناً للخائف. ثم أتممت المجلس بأن قلت: قد دورت البلاد شرقاً وغرباً، فما اخترت مملكة تزوجت فيها وولد لي فيها غير هذه المملكة، ثم أنشدت:
والناس أكيس من أن يحمدوا رجلاً
حتى يروا عنده آثار إحسان
وكتب حكيم إلى حكيم: إني سائلك عن ثلاثة أشياء إن أجبت عنها صرت لك تلميذاً: أي الناس
стр. 35
أولى بالرحمة، ومتى تضيع أمور الناس، وبم تتلقى النعمة من الله تعالى؟ فكتب إليه: إن أولى الناس بالرحمة ثلاثة: البر يكون في السلطان الفاجر، فهو الدهر حزين لما يرى ويسمع. والعاقل يكون في تدبير الجاهل، فهو الدهر متعوب مهموم. والكريم يحتاج إلى اللئيم فهو الدهر خاضع له. وتضيع أمور الناس إذا كان الرأي عند من لا يصله، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه. وتتلقى النعمة من الله تعالى بكثرة شكره ولزوم طاعته واجتناب معصيته. فصار تلميذاً له إلى أن مات.
وقال يحيى بن سعيد: حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرفا على عقبة عسفان نظر سليمان إلى السرادقات قد ضربت له، فقال له: يا عمر كيف ترى؟ قال: أرى دنيا عريضة يأكل بعضها بعضاً، وأنت المسؤول عنها المأخوذ بها. فبينما هو كذلك إذ طار غراب من سرادق سليمان في منقاره كسرة فصاح، فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب؟ فقال عمر: ما أدري ما يقول، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال: أخبرني. قال: هذا غراب طار من سرادقك في منقاره كسرة، أنت بها مأخوذ مسؤول عنها من أين دخلت ومن أين خرجت؟ قال: إنك لتجيء بالعجب! قال: أفلا أخبرك بأعجب من هذا؟ قال: بلى. قال: من عرف الله كيف عصاه، ومن عرف الشيطان كيف أطاعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش؟ قال: لقد غشيت علينا ما نحن فيه. ثم ضرب فرسه وسار.
ويروى أن بلال بن أبي بردة خرج في جنازة وهو أمير على البصرة، فنظر إلى جماعة وقوفاً فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار يذكر الناس. فقال الوصيف معه: اذهب إلى مالك بن دينار فقل له يرتفع إلينا إلى القبر. فجاء الوصيف فأدى الرسالة إلى مالك فصاح به مالك: لا، ما لي إليه حاجة فأجيبه فيها، فإن تكن له حاجة فليجئ إلى حاجة نفسه. فلما دفنوا ميتهم قام بلال بمن معه إلى حلقة مالك، فلما دنا منها نزل ونزل من معه، ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى جلس، فلما رآه مالك بن دينار سكت فأطال السكوت، فقال له بلال: يا أبا يحيى ذكرنا. قال: نسيت شيئاً فأذكركه. قال له: فحدثنا. قال: أما هذا فنعم. قدم علينا أمير من قبلك على البصرة، فمات فدفناه في هذه الجبانة، ثم أتينا بزنجي فدفناه إلى جنبه، فوالله ما أدري أيهما كان أكرم على الله . فقال بلال: يا أبا يحيى أتدري ما الذي جرأك علينا وما الذي سكتني عنك؟ قال: لا. قال: لأنك لم تأخذ من دراهمنا شيئاً، أما والله لو أخذت من دراهمنا شيئاً ما اجترأت علي هذه الجرأة! فأفادني هذا الحديث علماً ألا فاتقوا دراهمهم.
ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله ﵎ إذا استرعى عبداً رعية كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات! قال: كذبوا يا أمير المؤمنين! أنبي خليفة أقرب إلى الله أم خليفة ليس بنبي؟ قال: بل نبي خليفة. قال: أنا أحدثك يا أمير المؤمنين بما لا شك فيه، قال الله تعالى لنبيه داود: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (صّ: ٢٦) . يا أمير المؤمنين، هذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليفرونا عن ديننا.
وروى زياد بن مالك بن أنس، قال: لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وابن طاوس فدخلا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وبين يديه جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق عنا طويلاً ثم رفع رأسه إلى ابن طاوس
стр. 36
فقال: حدثني عن أبيك. قال: نعم سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه! فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه؛ قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينتضح علي من دمه، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. ثم قال: ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت رجلاً يحدث عن ابن السماك. قال: بعث إلي هارون، فلما انتهيت إلى باب القصر أخذ حرسيان بضبعي فأعجلا بي في دهليز القصر، فلما انتهيت إلى باب القاعة لقيني خصيان ضخمان فأخذاني من الحرسيين فأعجلا بي في قاعة القصر، فانتهيت إلى البهو الذي هو فيه، فتلقاني خصيان دونهما فأخذاني فأعجلا بي في البهو، فقال لهما هارون: رفقاً بالشيخ. فلما وقفت بين يديه قلت له: يا أمير المؤمنين، ما مر بي يوم منذ ولدتني أمي أتعب من يومي هذا! فاتق الله في خلقه واحفظ محمداً في أمته، وانصح لنفس في رعيتك، فإن لك مقاماً بين يدي الله تعالى أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك، فاتق الله واعلم أن من أخذ الله وسطواته على أهل المعصية كيت وكيت. قال: فاضطرب على فراشه حتى نزل إلى مصلى بين يدي فراشه. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا ذل الصفة فكيف لو رأيت ذل المعاينة؟ قال: فكادت نفسه تخرج فقال يحيى للخصيين: أخرجاه فقد أبكى أمير المؤمنين.
ثم دخل مرة أخرى فقال له: يا أمير المؤمنين إن الذي أكرمك بما أكرمك به لحقيق عليك أن تحب ما أحبه وتبغض ما أبغضه، فوالله لقد أحب الله داراً وأبغضتها وأبغض داراً وأحببتها، فكأنما أردت خلاف ربك أو أردت سواه. واعلم يا أمير المؤمنين أن الذي في يديك لو بقي على من كان قبلك لم يصل إليك، فكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، فاتق الله في خلافته واحفظ وصية محمد ﷺ في أمته. ودخل هارون على بعض النساك فسلم عليه فقال: وعليك السلام أيها الملك! ثم قال له: أيها الملك تحب الله؟ قال: نعم. قال: فتعصيه؟ قال: نعم. قال: كذبت والله في حبك إياه! إنك لو أحببته إذا ما عصيته، ثم أنشد يقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذاك مضيع
وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قلت لجعفر بن سليمان بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، والي المدينة: أحذر أن يأتي رجل غداً ليس له في الإسلام نسب ولا أب ولا جد، فيكون أولى برسول الله ﷺ منك، كما كانت امرأة فرعون أولى بنوح ولوط من زوجتيهما، وكما كانت زوجة لوط أولى بفرعون من زوجته، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ومن أسرع به عمله لم يبطئ به نسبه.
وقال بشر بن السري: بينما الحجاج جالساً في الحجر إذ دخل رجل من أهل اليمن، فجعل يطوف فوكل به بعض من معه قال: إذا خرج من طوافه فائتني به، فلما فرغ أتاه به فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل اليمن. قال: لقد تركته أبيض بضاً سميناً طويلاً عريضاً! قال: ويلك، ليس عن هذا أسألك! قال:
стр. 37
فعمه؟ قال: عن سيرته وطعمته. قال: فأجور السيرة وأخبث الطعم، وأعدى العداة على الله وأحكامه. قال: فغضب الحجاج وقال: ويلك أوما علمت أنه أخي؟ قال: بلى. قال: إذن أفتك بك. قال: أما علمت أن الله ربي والله لهو أمنع لي منك أكثر منك لأخيك. قال: أجل أرسله يا غلام.
وقال الأصمعي: حدثني رجل من أهل المدينة قال: سمعت محمد بن إبراهيم يحدث قال:
شهدت أبا جعفر بالمدينة وهو ينظر فيما بين رجل من قريش وأهل بيت من المهاجرين ليسوا بقريش، فقالوا لأبي جعفر: اجعل بيننا وبينهم ابن أبي ذئب. قال أبو جعفر لابن أبي ذئب: ما تقول في بني فلان؟ قال: أشرار من أهل بيت أشرار. فقالوا: سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد، وكان عامله على المدينة، فقال: ما تقول في الحسن؟ قال: يأخذ بالأحب ويقضي بالهوى. فقال الحسن: والله يا أمير المؤمنين لو سألته عن نفسك لرماك بداهية ونعتك بشر.
قال: فما تقول في؟ قال: اعفني! قال: لا بد أن تقول. قال: إن كان لا بد فإنك لا تعدل بين الرعية ولا تقسم بالسوية! قال: فتغير وجه أبي جعفر فقام إبراهيم بن محمد بن علي صاحب الموصل فقال: طهرني بدمه يا أمير المؤمنين. فقال له ابن أبي ذئب: اقعد يا بني فليس في دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور. ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام فقال: دعنا يا أمير المؤمنين مما نحن فيه، بلغني أنك رزقت ابناً صالحاً في العراق، يعني المهدي. قال: أما إن قلت ذلك إنه لصوام لليوم البعيد ما بين الطرفين. قال: ثم قام ابن أبي ذئب فخرج. فقال أبو جعفر: أما والله ما هو بمستوثق العقل ولقد قال برأي نفسه. ودخل أبو النظر سالم مولى عمر بن عبيد الله على عامل للخليفة فقال له: يا أبا النظر إنه تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها لا نجد بداً من إنفاذها، فماذا ترى؟ قال أبو النظر: لقد أتاك كتاب الله قبل كتاب الخليفة، فأيهما اتبعت كنت من أهله.
الباب الثالث: فيما جاء في الولاة والقضاة وما في ذلك من الغرر والخطر
قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صّ: ٢٦) . جاء في التفسير: من اتباع الهوى أن تحضر الخصمين بين يديك، فتود أن يكون الحق للذي لك منه خاصة، وبهذه الخصلة سلب سليمان بن داود ملكه؛ قال ابن عباس: كان الذي أصاب سليمان بن داود ﵉ أن ناساً من أهل جرادة امرأته، وكانت من أعز نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً. ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها الله تعالى في السلاطين لما اقتضته من السياسة العامة التي فيها بقاء الملك وثبوت الدول. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠) . ثم سمى المنصور وأوضح شرائط النصر فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا﴾ (الحج: ٤١) . فضمن الله تعالى النصر للمملوك وشرط عليهم أربع شرائط كما ترى، فمتى تضعضعت قواعدهم أو انتقض عليهم شيء من أطراف ممالكهم، أو ظهر عليهم عدو أو باغي فتنة أو حاسد نعمة، أو اضطربت عليهم الأمور أو رأوا أسباب الغير فليلجئوا إلى الله تعالى، ويستجيروا من سوء أقداره بإصلاح ما بينهم وبينه ، بإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدين ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم، وكف يد القوي عن الضعيف ومراعاة الفقراء والمساكين، وملاحظة ذوي الخاصة
стр. 38
والفقراء المستضعفين، وليعلموا أنهم قد أخلوا بشيء من الشروط الأربع التي شرطت في النصر.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع مكلكم مسؤول عن رعيته، فجعل النبي ﷺ كل ناظر في حق غيره راعياً له. واللفظ مأخوذ من الرعاية والمراعاة، فماذا تقدم لرعاية غيره من يأكله فهو الهلاك كما قال الشاعر:
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها
فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟
وروى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ما من امرئ يلي أمر المسلمين، ثم لم يجتهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة. وقال معقل بن يسار: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من عبد استرعاه الله تعالى رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة. وروى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة! وقال أبو ذر: قلت أمرني رسول الله. قال: إنها أمانة وإنها حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: تجدون من خير الناس أشد الناس كراهة لهذا الأمر حتى يقع فيه. وفي الحديث: من ولي من أمر المسلمين شيئاً ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته، فليتبؤ مقعده من النار. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى عاصم أن يستعمله على الصدقة، فأبى وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقذف على جسر جهنم، فيأمر الله الجسر فينتفض به انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثم يسائله، فإن كان لله تعالى مطيعاً أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان لله تعالى عاصياً خرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار سبعين خريفاً. فقال عمر: سمعت من النبي ﷺ ما لم أسمع؟ قال: نعم. وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: إي والله يا عمر! ومع السبعين سبعون خريفاً في واد يلتهب التهاباً. فقال عمر بيده على جبهته: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن يأخذ بما فيها؟ فقال سلمان: من سلب الله أنفه وألصق خده بالأرض.
وروي أن العباس قال: أمرني يا رسول الله فأصيب وأستريش. فقال له: يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، ألا أحدثكم عن الإمارة؟ أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها حسرة يوم القيامة. وروى أبو داود في السنن قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة من بعده. فقال النبي ﷺ : العرفاء في النار! وروى الساجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي النبي ﷺ : أشد الناس عذاباً يوم القيامة الإمام الجائر.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: سمعت رسول الله النبي ﷺ يقول: ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله تعالى على الصراط، ثم تنشر الملائكة سيرته فيقرؤنها على رؤوس الخلائق، فإن كان عدلاً نجاه الله تعالى
стр. 39
بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة سنة، ثم ينخرق به الصراط فما يلقى قعر جهنم إلا بحر وجهه. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: إن القاضي لينزل في جهنم في مزلقة أبعد من عدن. وقالت عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة.
وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله خر لي. قال: اقعد في بيتك! وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ليودن أقوام يوم القيامة لو وقعوا من الثريا ولم يكونوا أمراء على شيء، فكم من متخوض في مال الله ومال رسوله له النار غداً يوم القيامة. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: إمام ظالم غشوم وغالٍ في الدين مارق منه، وقال أبو هريرة ﵁: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولاً نجاه عمله أو أهلكه. وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال سليمان: لا أدري. قال طاوس: أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في ملكه، فجار في حكمه. فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه.
وقال حذيفة بن اليمان: من اقتراب لساعة أن تكون أمراء فجرة وقراء كذبة وأمناء خونة، وعلماء فسقة وعرفاء ظلمة. وقال عبيد بن عمير: ما ازداد رجل من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً، ولا كثرت أتباعه إلا كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه. وفي الحديث عن النبي ﷺ : القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بغير علم فهو في النار، ورجل قضى بعلم فجار فهو في النار، ورجل قضى بالحق فهو في الجنة؛ رواه يزيد عن النبي ﷺ وقال ابن سيرين: جاء صبيان إلى عبيدة السليماني يتخايرون إليه في ألواحهم فلم ينظر فيها، وقال: هذا حكم ولا أتولى حكماً أبداً، وتخاير غلمان إلى ابن عمر فجعل ينظر في كتابتهم فقال: هذا حكم ولا بد من النظر فيه.
والمصنفون يرسلون كتبهم حديثاً مرفوعاً رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين. وفي أخبار القضاة أن قاضياً قدم إلى بلد، فجاء رجل له عقل ودين فقال له: أيها القاضي أبلغك قول النبي ﷺ : من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين؟ قال: نعم. قال: فبلغك أن أمور المسلمين ضائعة في بلدنا فجئت تحيزها؟ قال: لا. قال: أفأكرهك السلطان على ذلك؟ قال: لا. قال: فاشهد أني لا أطأ لك مجلساً ولا أؤدي عندك شهادة أبداً. وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال في بعض خطبه: إن الملك إذا ملك زهده الله في ملكه ورغبه فيما في أيدي الناس، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويسخط على الكثير، جدل الظاهر حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظله، حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه.
وذكر السلطان أعرابي فقال: والله لئن عزوا في الدنيا بالجور لقد ذلوا في الآخرة بالعدل، وبقليل فإن رضوا من كثير باق، وإنما يكون الندم حيث لا ينفع الندم. وقال أبو بكر بن أبي مريم: حج قوم فمات صاحب لهم بأرض فلاة فلم يجدوا ماء. فأتاهم رجل فقالوا: دلنا على الماء، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يميناً أنه لم يكن صرافاً ولا مكاساً ولا عريفاً ولا بريداً، ويروى ولا عرافاً، وأنا أدلكم على الماء. فحلفوا له ثلاثة وثلاثين يميناً، فدلهم على الماء. ثم قالوا: عاونا على غسله، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يميناً
стр. 40
كما تقدم ذكره، فحلفوا له فأعانهم على غسله، ثم قالوا: تقدم فصل عليه. قال: لا حتى تحلفوا لي أربعاً وثلاثين يميناً كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه. ثم التفتوا فلم يروا أحداً، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇.
قال ابن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ : أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبياً أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين. وقال أبو ذر: قال لي النبي ﷺ : ستة أيام أعقل يا أبا ذر ما أقول لك. قال: فلما كان في اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في أمر سرك وعلانيتك، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحداً وإن سقط سقوطك، ولا تأوين أمانة ولا تأوين يتيماً ولا تقضين بين اثنين. وقال أبو ذر أيضاً: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر أحب لك ما أحب لنفسي وإني أراك ضعيفاً فلا تتأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم.
وروى أبو ذر أيضاً قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي وقال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن، فقلت: يا رسول الله إنك تبعثني إلى قوم شيوخ ذوي أسنان ولا علم لي بالقضاء. فقال: إن الله هاد قلبك ولسانك، فإذا جلس الخصمان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك إذا سمعت ذلك عرفت كيف تقضي.
فإن قال قائل: كيف نهى أبا ذر عن القضاء وأمر علياً به مع ما فيه من التغرير، وما روي أن من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين، وفيه البعد من حضرته وترك التيمن بمشاهدته وتعلم سننه وشرائع دينه والتخلق بأخلاقه وشيمه، وأيهما أفضل: المثول بين يديه والكون بحضرته ومشاهدته والصلاة خلفه أو القضاء في غيبته والبعد عنه؟ قلنا: إنما نهى أبا ذر عن القضاء لمعنى فيه يقصر به عن رتبة القضاء، مما كان ضده في علي ﵁ من استجماع شرائط القضاء وقوته عليه. ألا تراه قال لأبي ذر: إني أراك ضعيفاً، ثم قال في آخره: إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، فاستدللنا بهذا على أن من استجمعت فيه شرائط القضاء وكان قوياً على إنفاذه لم يدخل تحت النهي. ومما يعد ضعفاً عن القضاء طلبه إياه إذا لم يدر عواقبه.
وقد وصف الله سبحانه المتسرعين إلى الأمانة بالجهل، فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب: ٧٢) . أي ظلوماً لنفسه جهولاً بعاقبة أمره، والدليل على صحة هذا التأويل قول النبي ﷺ : القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار. قلت: فهذان الرجلان ضعيفان عن مرتبة القضاء، أحدهما بفسقه وظلمه، والآخر بجهله.
وقد عابت جهلى بني إسرائيل طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ فعابوه بخصلتين: الفقر وأنه ليس من سبط المملكة، فقال لهم النبي ﷺ : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء. فبين شروط الولاية والممالك وأنها تفتقر إلى العلم الذي به يحكم، وإلى القوة التي بها تنفذ الأحكام دون ما ظنه بنو إسرائيل. وأما قولك أيهما أفضل: القضاء في غيبته أو الحضور بين يديه والكون في حضرته؟ فالجواب: إن أوامره فرض لا يعصى بتركه، والكون في حضرته مستحب بعد الهجرة ولا يعصى بتركه، فعلمنا بهذا أنه إنما بعث علياً للقضاء لأنه
следующие страницы →