Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فقال: حدثني عن أبيك. قال: نعم سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه! فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه؛ قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينتضح علي من دمه، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. ثم قال: ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت رجلاً يحدث عن ابن السماك. قال: بعث إلي هارون، فلما انتهيت إلى باب القصر أخذ حرسيان بضبعي فأعجلا بي في دهليز القصر، فلما انتهيت إلى باب القاعة لقيني خصيان ضخمان فأخذاني من الحرسيين فأعجلا بي في قاعة القصر، فانتهيت إلى البهو الذي هو فيه، فتلقاني خصيان دونهما فأخذاني فأعجلا بي في البهو، فقال لهما هارون: رفقاً بالشيخ. فلما وقفت بين يديه قلت له: يا أمير المؤمنين، ما مر بي يوم منذ ولدتني أمي أتعب من يومي هذا! فاتق الله في خلقه واحفظ محمداً في أمته، وانصح لنفس في رعيتك، فإن لك مقاماً بين يدي الله تعالى أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك، فاتق الله واعلم أن من أخذ الله وسطواته على أهل المعصية كيت وكيت. قال: فاضطرب على فراشه حتى نزل إلى مصلى بين يدي فراشه. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا ذل الصفة فكيف لو رأيت ذل المعاينة؟ قال: فكادت نفسه تخرج فقال يحيى للخصيين: أخرجاه فقد أبكى أمير المؤمنين.
ثم دخل مرة أخرى فقال له: يا أمير المؤمنين إن الذي أكرمك بما أكرمك به لحقيق عليك أن تحب ما أحبه وتبغض ما أبغضه، فوالله لقد أحب الله داراً وأبغضتها وأبغض داراً وأحببتها، فكأنما أردت خلاف ربك أو أردت سواه. واعلم يا أمير المؤمنين أن الذي في يديك لو بقي على من كان قبلك لم يصل إليك، فكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، فاتق الله في خلافته واحفظ وصية محمد ﷺ في أمته. ودخل هارون على بعض النساك فسلم عليه فقال: وعليك السلام أيها الملك! ثم قال له: أيها الملك تحب الله؟ قال: نعم. قال: فتعصيه؟ قال: نعم. قال: كذبت والله في حبك إياه! إنك لو أحببته إذا ما عصيته، ثم أنشد يقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذاك مضيع
وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قلت لجعفر بن سليمان بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، والي المدينة: أحذر أن يأتي رجل غداً ليس له في الإسلام نسب ولا أب ولا جد، فيكون أولى برسول الله ﷺ منك، كما كانت امرأة فرعون أولى بنوح ولوط من زوجتيهما، وكما كانت زوجة لوط أولى بفرعون من زوجته، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ومن أسرع به عمله لم يبطئ به نسبه.
وقال بشر بن السري: بينما الحجاج جالساً في الحجر إذ دخل رجل من أهل اليمن، فجعل يطوف فوكل به بعض من معه قال: إذا خرج من طوافه فائتني به، فلما فرغ أتاه به فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل اليمن. قال: لقد تركته أبيض بضاً سميناً طويلاً عريضاً! قال: ويلك، ليس عن هذا أسألك! قال:
стр. 37
فعمه؟ قال: عن سيرته وطعمته. قال: فأجور السيرة وأخبث الطعم، وأعدى العداة على الله وأحكامه. قال: فغضب الحجاج وقال: ويلك أوما علمت أنه أخي؟ قال: بلى. قال: إذن أفتك بك. قال: أما علمت أن الله ربي والله لهو أمنع لي منك أكثر منك لأخيك. قال: أجل أرسله يا غلام.
وقال الأصمعي: حدثني رجل من أهل المدينة قال: سمعت محمد بن إبراهيم يحدث قال:
شهدت أبا جعفر بالمدينة وهو ينظر فيما بين رجل من قريش وأهل بيت من المهاجرين ليسوا بقريش، فقالوا لأبي جعفر: اجعل بيننا وبينهم ابن أبي ذئب. قال أبو جعفر لابن أبي ذئب: ما تقول في بني فلان؟ قال: أشرار من أهل بيت أشرار. فقالوا: سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد، وكان عامله على المدينة، فقال: ما تقول في الحسن؟ قال: يأخذ بالأحب ويقضي بالهوى. فقال الحسن: والله يا أمير المؤمنين لو سألته عن نفسك لرماك بداهية ونعتك بشر.
قال: فما تقول في؟ قال: اعفني! قال: لا بد أن تقول. قال: إن كان لا بد فإنك لا تعدل بين الرعية ولا تقسم بالسوية! قال: فتغير وجه أبي جعفر فقام إبراهيم بن محمد بن علي صاحب الموصل فقال: طهرني بدمه يا أمير المؤمنين. فقال له ابن أبي ذئب: اقعد يا بني فليس في دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور. ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام فقال: دعنا يا أمير المؤمنين مما نحن فيه، بلغني أنك رزقت ابناً صالحاً في العراق، يعني المهدي. قال: أما إن قلت ذلك إنه لصوام لليوم البعيد ما بين الطرفين. قال: ثم قام ابن أبي ذئب فخرج. فقال أبو جعفر: أما والله ما هو بمستوثق العقل ولقد قال برأي نفسه. ودخل أبو النظر سالم مولى عمر بن عبيد الله على عامل للخليفة فقال له: يا أبا النظر إنه تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها لا نجد بداً من إنفاذها، فماذا ترى؟ قال أبو النظر: لقد أتاك كتاب الله قبل كتاب الخليفة، فأيهما اتبعت كنت من أهله.
الباب الثالث: فيما جاء في الولاة والقضاة وما في ذلك من الغرر والخطر
قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صّ: ٢٦) . جاء في التفسير: من اتباع الهوى أن تحضر الخصمين بين يديك، فتود أن يكون الحق للذي لك منه خاصة، وبهذه الخصلة سلب سليمان بن داود ملكه؛ قال ابن عباس: كان الذي أصاب سليمان بن داود ﵉ أن ناساً من أهل جرادة امرأته، وكانت من أعز نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً. ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها الله تعالى في السلاطين لما اقتضته من السياسة العامة التي فيها بقاء الملك وثبوت الدول. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠) . ثم سمى المنصور وأوضح شرائط النصر فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا﴾ (الحج: ٤١) . فضمن الله تعالى النصر للمملوك وشرط عليهم أربع شرائط كما ترى، فمتى تضعضعت قواعدهم أو انتقض عليهم شيء من أطراف ممالكهم، أو ظهر عليهم عدو أو باغي فتنة أو حاسد نعمة، أو اضطربت عليهم الأمور أو رأوا أسباب الغير فليلجئوا إلى الله تعالى، ويستجيروا من سوء أقداره بإصلاح ما بينهم وبينه ، بإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدين ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم، وكف يد القوي عن الضعيف ومراعاة الفقراء والمساكين، وملاحظة ذوي الخاصة
стр. 38
والفقراء المستضعفين، وليعلموا أنهم قد أخلوا بشيء من الشروط الأربع التي شرطت في النصر.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع مكلكم مسؤول عن رعيته، فجعل النبي ﷺ كل ناظر في حق غيره راعياً له. واللفظ مأخوذ من الرعاية والمراعاة، فماذا تقدم لرعاية غيره من يأكله فهو الهلاك كما قال الشاعر:
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها
فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟
وروى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ما من امرئ يلي أمر المسلمين، ثم لم يجتهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة. وقال معقل بن يسار: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من عبد استرعاه الله تعالى رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة. وروى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة! وقال أبو ذر: قلت أمرني رسول الله. قال: إنها أمانة وإنها حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: تجدون من خير الناس أشد الناس كراهة لهذا الأمر حتى يقع فيه. وفي الحديث: من ولي من أمر المسلمين شيئاً ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته، فليتبؤ مقعده من النار. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى عاصم أن يستعمله على الصدقة، فأبى وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقذف على جسر جهنم، فيأمر الله الجسر فينتفض به انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثم يسائله، فإن كان لله تعالى مطيعاً أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان لله تعالى عاصياً خرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار سبعين خريفاً. فقال عمر: سمعت من النبي ﷺ ما لم أسمع؟ قال: نعم. وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: إي والله يا عمر! ومع السبعين سبعون خريفاً في واد يلتهب التهاباً. فقال عمر بيده على جبهته: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن يأخذ بما فيها؟ فقال سلمان: من سلب الله أنفه وألصق خده بالأرض.
وروي أن العباس قال: أمرني يا رسول الله فأصيب وأستريش. فقال له: يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، ألا أحدثكم عن الإمارة؟ أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها حسرة يوم القيامة. وروى أبو داود في السنن قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة من بعده. فقال النبي ﷺ : العرفاء في النار! وروى الساجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي النبي ﷺ : أشد الناس عذاباً يوم القيامة الإمام الجائر.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: سمعت رسول الله النبي ﷺ يقول: ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله تعالى على الصراط، ثم تنشر الملائكة سيرته فيقرؤنها على رؤوس الخلائق، فإن كان عدلاً نجاه الله تعالى
стр. 39
بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة سنة، ثم ينخرق به الصراط فما يلقى قعر جهنم إلا بحر وجهه. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: إن القاضي لينزل في جهنم في مزلقة أبعد من عدن. وقالت عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة.
وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله خر لي. قال: اقعد في بيتك! وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ليودن أقوام يوم القيامة لو وقعوا من الثريا ولم يكونوا أمراء على شيء، فكم من متخوض في مال الله ومال رسوله له النار غداً يوم القيامة. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: إمام ظالم غشوم وغالٍ في الدين مارق منه، وقال أبو هريرة ﵁: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولاً نجاه عمله أو أهلكه. وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال سليمان: لا أدري. قال طاوس: أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في ملكه، فجار في حكمه. فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه.
وقال حذيفة بن اليمان: من اقتراب لساعة أن تكون أمراء فجرة وقراء كذبة وأمناء خونة، وعلماء فسقة وعرفاء ظلمة. وقال عبيد بن عمير: ما ازداد رجل من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً، ولا كثرت أتباعه إلا كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه. وفي الحديث عن النبي ﷺ : القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بغير علم فهو في النار، ورجل قضى بعلم فجار فهو في النار، ورجل قضى بالحق فهو في الجنة؛ رواه يزيد عن النبي ﷺ وقال ابن سيرين: جاء صبيان إلى عبيدة السليماني يتخايرون إليه في ألواحهم فلم ينظر فيها، وقال: هذا حكم ولا أتولى حكماً أبداً، وتخاير غلمان إلى ابن عمر فجعل ينظر في كتابتهم فقال: هذا حكم ولا بد من النظر فيه.
والمصنفون يرسلون كتبهم حديثاً مرفوعاً رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين. وفي أخبار القضاة أن قاضياً قدم إلى بلد، فجاء رجل له عقل ودين فقال له: أيها القاضي أبلغك قول النبي ﷺ : من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين؟ قال: نعم. قال: فبلغك أن أمور المسلمين ضائعة في بلدنا فجئت تحيزها؟ قال: لا. قال: أفأكرهك السلطان على ذلك؟ قال: لا. قال: فاشهد أني لا أطأ لك مجلساً ولا أؤدي عندك شهادة أبداً. وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال في بعض خطبه: إن الملك إذا ملك زهده الله في ملكه ورغبه فيما في أيدي الناس، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويسخط على الكثير، جدل الظاهر حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظله، حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه.
وذكر السلطان أعرابي فقال: والله لئن عزوا في الدنيا بالجور لقد ذلوا في الآخرة بالعدل، وبقليل فإن رضوا من كثير باق، وإنما يكون الندم حيث لا ينفع الندم. وقال أبو بكر بن أبي مريم: حج قوم فمات صاحب لهم بأرض فلاة فلم يجدوا ماء. فأتاهم رجل فقالوا: دلنا على الماء، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يميناً أنه لم يكن صرافاً ولا مكاساً ولا عريفاً ولا بريداً، ويروى ولا عرافاً، وأنا أدلكم على الماء. فحلفوا له ثلاثة وثلاثين يميناً، فدلهم على الماء. ثم قالوا: عاونا على غسله، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يميناً
стр. 40
كما تقدم ذكره، فحلفوا له فأعانهم على غسله، ثم قالوا: تقدم فصل عليه. قال: لا حتى تحلفوا لي أربعاً وثلاثين يميناً كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه. ثم التفتوا فلم يروا أحداً، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇.
قال ابن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ : أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبياً أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين. وقال أبو ذر: قال لي النبي ﷺ : ستة أيام أعقل يا أبا ذر ما أقول لك. قال: فلما كان في اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في أمر سرك وعلانيتك، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحداً وإن سقط سقوطك، ولا تأوين أمانة ولا تأوين يتيماً ولا تقضين بين اثنين. وقال أبو ذر أيضاً: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر أحب لك ما أحب لنفسي وإني أراك ضعيفاً فلا تتأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم.
وروى أبو ذر أيضاً قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي وقال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن، فقلت: يا رسول الله إنك تبعثني إلى قوم شيوخ ذوي أسنان ولا علم لي بالقضاء. فقال: إن الله هاد قلبك ولسانك، فإذا جلس الخصمان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك إذا سمعت ذلك عرفت كيف تقضي.
فإن قال قائل: كيف نهى أبا ذر عن القضاء وأمر علياً به مع ما فيه من التغرير، وما روي أن من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين، وفيه البعد من حضرته وترك التيمن بمشاهدته وتعلم سننه وشرائع دينه والتخلق بأخلاقه وشيمه، وأيهما أفضل: المثول بين يديه والكون بحضرته ومشاهدته والصلاة خلفه أو القضاء في غيبته والبعد عنه؟ قلنا: إنما نهى أبا ذر عن القضاء لمعنى فيه يقصر به عن رتبة القضاء، مما كان ضده في علي ﵁ من استجماع شرائط القضاء وقوته عليه. ألا تراه قال لأبي ذر: إني أراك ضعيفاً، ثم قال في آخره: إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، فاستدللنا بهذا على أن من استجمعت فيه شرائط القضاء وكان قوياً على إنفاذه لم يدخل تحت النهي. ومما يعد ضعفاً عن القضاء طلبه إياه إذا لم يدر عواقبه.
وقد وصف الله سبحانه المتسرعين إلى الأمانة بالجهل، فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب: ٧٢) . أي ظلوماً لنفسه جهولاً بعاقبة أمره، والدليل على صحة هذا التأويل قول النبي ﷺ : القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار. قلت: فهذان الرجلان ضعيفان عن مرتبة القضاء، أحدهما بفسقه وظلمه، والآخر بجهله.
وقد عابت جهلى بني إسرائيل طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ فعابوه بخصلتين: الفقر وأنه ليس من سبط المملكة، فقال لهم النبي ﷺ : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء. فبين شروط الولاية والممالك وأنها تفتقر إلى العلم الذي به يحكم، وإلى القوة التي بها تنفذ الأحكام دون ما ظنه بنو إسرائيل. وأما قولك أيهما أفضل: القضاء في غيبته أو الحضور بين يديه والكون في حضرته؟ فالجواب: إن أوامره فرض لا يعصى بتركه، والكون في حضرته مستحب بعد الهجرة ولا يعصى بتركه، فعلمنا بهذا أنه إنما بعث علياً للقضاء لأنه
стр. 41
أفضل من سكناه بحضرته، لأنه مبلغ عنه للخلائق شريعته التي بعثه الله بها، فهو خليفته في ذلك، يدل على هذا أنه أوجب الجنة لمن قضى بالحق.
الباب الرابع: في بيان معرفة ملك سليمان بن داود ﵉ ووجه طلبه الملك وسؤاله أن لا يؤتاه أحد من بعده ونفي البخل عنه
فإن قال لنا قائل: ليس سليمان بن داود ﵉، قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (صّ: ٣٥) . ثم زاد على ذلك بأن لا يؤتى مثله أحد بعده وكان ظاهره يؤذن بالبخل. والكلام على هذه الآية من وجوه: أحدهما أنه إنما سأل هذا بعد أن سلبه الله تعالى ملكه ثم أعاده إليه، فحين طلب الملك كان ملكاً، فكأنه قال: هذا الملك الذي جددته هبه لي على صفات لا أعصيك فيه، فتسلبني إياه وتعاقبني؛ يدل عليه أنه بدأ بالمغفرة فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً﴾ (صّ: ٣٥) ، أي ملكاً لا أعصيك فيه فتؤاخذني، والدليل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩) . فكأنه أجاب دعاءه فقال: تصرف كيف شئت فلا حساب عليك فيه. وقيل: إن أعطيت أجرت، وإن أمسكت فلا تبعة عليك. وهذا تخصيص لسليمان بن داود ﵉ لم يخص به أحد من ولد آدم سواه، لأن الله تعالى قال للخلائق: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*َمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر٩٣: ٩٢) .
وأما قوله تعالى: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٣٥) فقال عطاء: معناه لا أسلبه في باقي عمري فيصير لغيري كما سلبته فيما مضى من عمري. وقيل: لا تسلط علي فيه شيطاناً كالذي سلطته علي. وقيل: إنما سأل ذلك ليكون علماً على المغفرة وقبول التوبة، فأجيب إلى ذلك فعلم أنه قد غفر له. وقيل: إنما سأل ذلك ليكون آية على نبوته وعلماً على معجزته. وقال مقاتل: كان سليمان بن داود ملكاً ولكنه أراد بقوله: لا ينبغي لأحد من بعدي تسخير الرياح والطير، يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ (صّ: ٣٦) . وقيل: إن سليمان كان ملكه في خاتمه، ولهذا ذهب ملكه بذهاب خاتمه، فقال لا ينبغي لأحد من بعدي، يعني اجعل ملكي في نفسي لا في خاتمي حتى لا يملكه أحد غيري، فإن إبليس لعنه الله لما أخذ خاتم سليمان تحول ملك سليمان إلى إبليس لعنه الله، وقعد على كرسيه يحكم فيه حتى أنكرت بنو إسرائيل أحكامه، وكان قد ألقى عليه شبهه. وقال عمرو بن عثمان المكي: إنما أراد فيه ملك النفس وقهر الهوى، يدل عليه ما روى سليمان الشعباني قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: أرأيتم سليمان وما آتاه الله من ملكه، فإنه لم يرفع طرفه إلى السماء تخشعاً لله تعالى حتى قبضه ؟ وزاد غيره: إنما أراد ملك النفس وقهرها لئلا يفتتن بالمملكة، ولهذا قدم سؤال المغفرة على طلب المملكة. وقال بعض الوعاظ: إنما أراد حتى أنتقم لآدم من إبليس وذريته حيث كان سبباً لإخراجه وذريته من الجنة.
وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، فرده الله خاسئاً.
فإن قيل: فما معنى قول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥) . قلت: يستفاد من الآية أن من حصل بين يدي ملك لا يعرف قدره أو أمة لا يعرفون فضله فخاف على نفسه، لو أراد إبراز فضله جاز له أن ينبه على مكانته وما يحسنه، دفعاً للشر عن نفسه وإظهاراً لفضله فيجعل في مكانه. وفيه فائدة أخرى وهو أنه إذا رأى الأمر في يد الخونة واللصوص ومن لا يؤدي
стр. 42
الأمانة، ويعلم من نفسه أداء الأمانة مع الكفاية جاز له أن ينبه السلطان على أمانته وكفايته، ولهذا قال بعض العلماء من أصحاب الشافعي ﵁: من كملت فيه آلات الاجتهاد وشروط القضاء، جاز له أن ينبه السلطان على مكانه ويخطب خطبة للقضاء، وقال بعضهم: بل يجب ذلك عليه إذا كان الأمر في يد من لا يقوم به.
الباب الخامس: في فضل الولاة والقضاة إذا عدلوا
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١) ، يعني لولا أن الله تعالى أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف وينصف المظلوم من الظالم، لأهلك القوي الضعيف وتواثب الخلق بعضهم إلى بعض، فلا ينتظم لهم حال ولا يستقر لهم قرار فتفقد الأرض ومن عليها، ثم امتن الله تعالى على الخلق بإقامة السلطان، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١) ، يعني في إقامة السلطان في الأرض فيأمن الناس به، فيكون فضله على الظالم كف يده وفضله على المظلوم أمانة وكف يد الظالم عنه. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم.
وروي أن النبي ﷺ قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وروى كثير بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ : السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر.
وروى أبو هريرة ﵁ يرفعه قال: لعمل الإمام العادل في رعيته يوماً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة. وقال قيس بن سعد: ليوم من إمام عادل خير من عبادة رجل في بيته ستين سنة. وقال مسروق: لأن أقضي بالحق يوماً أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله. وروي أن سعد بن إبراهيم وأبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن مصعب بن شرحبيل ومحمد بن صفوان، قالوا لسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت: لقضاء يوم بالحق أفضل عند الله من صلواتك عمرك. وسيتضح لك صحة هذه الأقوال إذا وقفت على ما نالته الرعية من الصلاح بصلاح السلطان.
واعلم أرشدك الله أن الإنسان أعز جواهر الدنيا وأعلاها قدراً وأشرفها منزلة، وبالسلطان صلاح الدنيا، فهو إذا أعز أعلاق الدنيا وأعمها نفعاً وبركة. ولذلك خلق الله تعالى دارين: دار الدنيا ودار الآخرة، ثم كان السلطان صلاح الدارين، فأخلق بشخص يعم نفعه العباد والبلاد ويصلح بصلاحه الدنيا والآخرة، وأن يكون شرفه عند الله عظيماً كما كان قدره في العقول جسيماً، ومقامه عند الله كريماً كما كان نفعه في البلاد عميماً، وعلى قدر عموم المنفعة تشرف الأعمال، وعلى قدر النعمة تكون المنة. ألا ترى أن الأنبياء ﵈ أعم خلق الله تعالى نفعاً، فهم أجل خلق الله قدراً لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكذلك سلطان الله في الأرض هو خليفة النبوة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى فناء الرحمن وإقامة دينهم وتقويم أودهم، وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب.
فاتخذ عظم قدر السلطان عندك حجة لله تعالى على نفسك وناصحه على قدر ما نفعك، وليس نفعه مقصوراً على عجالة من حطام الدنيا يحبوك بها، ولكن صيانة جمجمتك
стр. 43
وحفظ حريمك وحراسة مالك عن البغاة أعم نفعاً لك إن عقلت. وليس لله في الأرض سلطان إلا وقد أخذ عليه شرائط العدل، ومواثيق الإنصاف وشرائع الإحسان، وكما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة كما أن خيره يعم، كذلك ليس دون رتبة السلطان الشرير الجائر رتبة لشرير لأن شره يعم. وكما أن بالسلطان العادل تصلح البلاد والعباد، وتنال الزلفى إلى الله تعالى والفوز بجنة المأوى.
كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد والعباد وتقترف المعاصي والآثام وتورث دار البوار، وذلك أن السلطان إذا عدل انتشر العدل في رعيته وأقاموا الوزن بالقسط، وتعاطوا الحق فيما بينهم، ولزموا قوانين العدل فمات الباطل وذهبت رسوم الجور، وانتعشت قوانين الحق فأرسلت السماء غياثها، وأخرجت الأرض بركاتها، ونمت تجارتهم وزكت زروعهم وتناسلت أنعامهم، ودرت أرزاقهم ورخصت أسعارهم وامتلأت أوعيتهم، فواسى البخيل وأفضل الكريم، وقضيت الحقوق وأعيرت المواعين، وتهادوا فضول الأطعمة والتحف فهان الحطام لكثرته وذل بعد عزته، وتماسكت على الناس مروآتهم وانحفظت عليهم أديانهم. وبهذا تبين لك أن الوالي مأجور على ما يتعاطاه من إقامة العدل، ومأجور على ما يتعاطاه الناس بسببه.
وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد وعم العباد، فرقت أديانهم واضمحلت مروآتهم وفشت فيهم المعاصي وذهبت أماناتهم، وتضعضعت النفوس وقنطت القلوب، فمنعوا الحقوق وتعاطوا الباطل، وبخسوا المكيال والميزان وجوزوا البهرج، فرفعت منهم البركة وأمسكت السماء غياثها، ولم تخرج الأرض زرعها أو نباتها، وقل في أيديهم الحطام وقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود، وتناجزوا على المفقود، فمنعوا الزكوات المفروضة وبخلوا بالمواساة المسنونة، وقبضوا أيديهم عن المكارم وتنازعوا المقدار اللطيف وتجاحدوا القدر الخسيس، ففشت فيهم الأيمان الكاذبة والحيل والبيع والخداع في المعاملة، والمكر والحيلة في القضاء والاقتضاء، ولا يمنعهم من السرقة إلا العار ومن الزنا إلا الحياء، فيظل أحدهم عارياً عن محاسن دينه متجرداً عن جلباب مروءته، وأكثر همته قوت دنياه وأعظم مسراته أكله من هذا الحطام، ومن عاش كذلك فبطن الأرض خير له من ظهرها.
قال وهب بن منبه ﵁: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزرع والضرع وكل شيء، وإذا هم بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك. وقال عمر بن عبد العزيز: تهلك العامة بعمل الخاصة، ولا تهلك الخاصة بعمل العامة، والخاصة هم الولاة. وفي هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) .
قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتفسد بفساد الوالي وتصلح بصلاحه. وقال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: إني لأعلم رجلاً إن صلح صلحت الأمة وإن فسد فسدت الأمة، قال: ومن هو؟ قال: أنت! وقال ابن عباس: إن ملكاً من الملوك خرج يسير في مملكته مستخفياً بمكانه، فنزل على رجل له بقرة فراحت البقرة فحلبت له قدر حلاب ثلاثين بقرة، فتعجب الملك لذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما راحت عليه من الغد حلبت على النصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلابها نقص، أرعت في غير مرعاها بالأمس؟ قال: لا، ولكني أظن أن ملكنا هم بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة. فعاهد الملك الله في نفسه أن لا يأخذها، فراحت من الغد فحلبت حلاب ثلاثين بقرة، فتاب الملك وعاهد ربه: لأعدلن
стр. 44
ما بقيت! ومن المشهور في أرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو، وأن قصبة منها تعصر قدحاً، فعزم على أخذها منها، ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت: نعم! ثم إنها عصرت قصبة فلم تبلغ نصف قدح، فقال لها: أين الذي كان يقال؟ فقالت: هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني فارتفعت بركتها. فتاب السلطان وأخلص نيته لله أن لا يأخذها أبداً، ثم أمرها فعصرت ملء القدح.
وحدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال: كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرداب تمراً لم يكن في الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان فلم تحمل في ذلك العام شيئاً ولا ثمرة واحدة. قال شيخنا ﵀: قال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الناحية الغربية يجنى منها عشرة أرداب ستين ويبة، وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وقال الشيخ ﵁: وشهدت أنا بالإسكندرية والصيد في الخليج مطلق للرعية والسمك فيه يغلي كثرة يصيده الأطفال بالخرق، ثم حجره الوالي ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يرى فيه إلا الواحدة إلى يومنا هذا. وهكذا بتعدي سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم في الرعية، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا: كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج وتلاقوا يتساءلون: من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع؟ وأمثال ذلك. وكان الوليد صاحب ضياع واتخاذ مصانع، فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار. ولما ولي سليمان بن عبد الملك، وكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يتحدثون ي الأطعمة الرفيعة ويتوسعون في الأنكحة والسراري، ويغمرون مجالسهم بذكر ذلك. ولما ولي عمر بن عبد العزيز كان الناس يتساءلون: كم تحفظ من القرآن وكم وردك في كل ليلة، وكم يحفظ فلان ومتى يختم وكم يصوم من الشهر؟ وأمثال ذلك.
الباب السادس: في أن السلطان مع رعيته مغبون غير غابن وخاسر غير رابح
اعلموا أرشدكم الله أن السلطان خطره عظيم وبليته عامة، وقد يطرقه من الآفات ويحتوشه من الأمور المهلكات، ما يجب على كل ذي لب أن يستعيذ بالله مما حمله ويشكره على ما عصمه، لا يهدأ فكره ولا تسكن خواطره، ولا يصفو قلبه ولا يستقر لبه، الخلق في شغل عنه وهو مشغول بهم، والرجل يخاف عدواً واحداً وهو يخاف ألف عدو، والرجل يضيق بتدبير أهل بيته وإيالة ضيعته وتدبير معيشته، وهو مدفوع لسياسة جميع أهل مملكته، وكلما رتق فتقاً من حواشي مملكته انفتق آخر، وكلما رم منها شعثاً رث آخر، وكلما قمع عدواً أرصد له أعداء إلى سائر ما يعانيه من أخلاق الناس، ويقاسيه من خصوماتهم، ونصب الولاة والقضاة وبعث الجيوش وسد الثغور، واستجباء الأموال ودفع المظالم؛ ثم من العجب العجاب أن له نفساً واحدة وإنما يرزأ من الدنيا قوته مثل ما يرزأ آحاد الرعايا، ثم يسأل غداة غد عن جميعهم ولا يسألون عنه.
فيا، لله ويا للعجب من رجل يرضى أن ينال رغيفاً ويحاسب منها على آلاف آلاف، ويأكل في معاء واحد ويحاسب على آلاف آلاف معاء، ويستمتع بنفس واحدة ويحاسب على آلاف آلاف من الأنفس! وعلى هذا النمط في جميع أحواله يحمل أثقالهم ويريح أسرارهم، ويجاهد عدوهم ويسد ثغورهم، ويدفع مناويهم ومناصيهم، ويعصي ربه فيهم ويخالف
стр. 45
أمره ويرتكب نهيه من أجلهم، ويقتحم جراثيم جهنم على بصيرة منهم ثم يجدهم له قالين وعنه غير راضين، ولولا أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه لم يرض عاقل بهذه المنزلة، ولا اختارها لبيب مرتبة، وكل ما ذكرته في هذا الباب أحكمه النبي ﷺ في كلمة فقال: ما لكم ولأمرائي لكم صفو أمرهم وعليهم كدره. ومثال السلطان مع الرعية كالطباخ مع الأكلة له العنا ولهم الهنا، وله الحار ولهم القار، طلب القوم الراحة فحصلوا على التعب، طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الصراط المستقيم؛ وعن هذا قالوا: سيد القوم أشقاهم. وفي الحديث: ساقي القوم آخرهم شرباً.
وكان بعض سلاطين المغرب يسير يوماً وبين يديه الوزراء إذ نظر إلى جماعة من التجار فقال لوزيره: أتريد أن أريك ثلاث طوائف: طائفة لهم الدنيا والآخرة، وطائفة لا دنيا ولا آخرة، وطائفة دنيا بلا آخرة؟ فقال: أما الذين لهم الدنيا والآخرة فهؤلاء التجار، يكسبون أقواتهم ويصلون صلاتهم ولا يؤذون أحداً، وأما الذين لا دنيا ولا آخرة فهؤلاء الشرط والخدمة الذين بين أيدينا، وأما الذين لهم الدنيا بلا آخرة فأنا وأنت وسائر السلاطين. فحق على جميع الورى أن يمدوا السلطان بالمنا والمناصحات، ويخصوه بالدعوات ويعينوه في سائر المحاولات، ويكونوا له أعيناً ناظرة وأيد باطشة وجنناً واقية وألسنة ناطقة، وقوادم تنهضه وقوائم تقله، وهيهات منه السلامة وأنى له بالسلامة؟ وعن هذا قال بعض السلاطين يوماً لأصحابه: اعلموا أن الجنة والسلطان لا يجتمعان.
قال شيخنا ﵀: حدثني رجل له قدر قال: أرسل إلي السلطان أن طلق زوجتك، وكان قد أرادها لبعض أصحابه، فأبيت ذلك وراجعت الرسل غير مرة، فقال لي ناصح منهم: خذ الأمر مقبلاً فإنه لا حيلة لك، فإن السلطان لا يخشى في الدنيا عاراً ولا في الآخرة ناراً! ففارقتها. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه لما ولي الخلافة أخذ المصحف ووضعه في حجره ثم قال: هذا فراق بيني وبينك.
ولما حج هارون الرشيد لقيه عبيد الله العمري في طوافه فقال له: يا هارون! قال: لبيك يا عم! قال: كم ترى ههنا من الخلق؟ قال: لا يحصيهم إلا الله. قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عن جميعهم، فانظر كيف تكون. فبكى هارون وجلس، فجعلوا يعطونه منديلاً منديلاً للدموع، ثم قال له: والله إن الرجل ليسرف في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين؟ ويقال: إن هارون كان يقول: والله إني لأحب أن أحج في كل سنة وما يمنعني إلا رجل من ولد عمر يسمعني ما أكره.
وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب القديمة يقول الله تعالى: من أحمق من السلطان ومن أجهل ممن عصاني ومن أغر ممن اغتر بي؟ يا راعي السوء دفعت لك غنماً سماماً صحاحاً، فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت بالسمن ولبست الصوف، وتركتها عظاماً تقعقع ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير، اليوم أنتقم لها منك!
الباب السابع: في بيان الحكمة في كون السلطان في الأرض
اعلموا أرشدكم الله أن في وجود السلطان في الأرض حكمة لله تعالى عظيمة ونعمة على العباد جزيلة، لأن الله جبل الخلائق على حب الانتصاف وعدم الإنصاف، ومثلهم بلا سلطان كمثل الحوت في البحر يزدرد الكبير الصغير، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر ولم يستقر لهم معاش ولم يتهنوا بالحياة. ولهذا قال بعض القدماء: لو رفع السلطان من الأرض ما كان لله في أهل الأرض من حاجة. ومن الحكم التي في إقامة السلطان: إنه من حجج الله تعالى على وجوده
стр. 46
سبحانه وتعالى، ومن علاماته على توحيده، لأنه كما لا يمكن استقامة أمر العالم واعتداله بغير مدبر ينفرد بتدبيره، كذلك لا يتوهم وجوده وتدبيره وما فيه من الحكمة ودقائق الصنعة بغير خالق خلقه وعالم أتقنه وحكيم دبره، وكما لا يستقيم سلطانان في بلد واحد لا يستقيم إلهان للعالم، والعالم بأسره في سلطان الله تعالى كالبلد الواحد في يد سلطان الأرض.
ولهذا قال علي بن أبي طالب: أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا بالتفرد، ولا يصلح الآخر إلا بالمشاركة وهما الملك والرأي، فكما لا يستقيم الملك بالشركة لا يستقيم الرأي بالانفراد به. ومثال السلطان القاهر لرعيته ورعية بلا سلطان مثال بيت فيه سراج منير، وحوله قيام من الناس يعالجون صنائعهم، فبينما هم كذلك إذ طفئ السراج فقبضوا أيديهم في الوقت وتعطل جميع ما كانوا فيه، فتحرك الحيوان الشرير وتخشخش الهوام الخسيس، فذبت العقرب من مكمنها وفسقت الفأرة من حجرها وخرجت الحية من معدنها، وجاء اللص بحيلته وهاج البرغوث مع حقارته، فتعطلت المنافع واستطالت فيهم المضار. كذلك السلطان إذا كان قاهراً لرعيته وكانت المنفعة به عامة، وكانت الدماء به في أهبها محقونة والحرم في خدورهن مصونة، والأسواق عامرة والأموال محروسة، والحيوان الفاضل ظاهر والمرافق حاصلة، والحيوان الشرير من أهل الفسوق والدعارة خامل، فإذا اختل أمر السلطان دخل الفساد على الجميع، ولو جعل ظلم السلطان حولاً في كفة كان هرج الناس ساعة أرجح وأعظم من ظلم السلطان حولاً، وكيف لا وفي زوال السلطان أو ضعف شوكته سوق أهل الشر ومكسب الأجناد، ونفاق أهل العيارة والسوقة واللصوص والمنابهة؟ قال الفضيل: جور ستين سنة خير من هرج ساعة، فلا يتمنى زوال السلطان إلا جاهل مغرور أو فاسق يتمنى كل محذور، فحقيق على كل رعية أن ترغب إلى الله تعالى في إصلاح السلطان، وأن تبذل له نصحها وتخصه بصالح دعائها، فإن في صلاحه صلاح العباد والبلاد، وفي فساده فساد العباد والبلاد. وكان العلماء يقولون: إن استقامت لكم أمور السلطان فأكثر واحمد الله تعالى واشكره، وإن جاءكم منه ما تكرهون وجهوه إلى ما تستوجبونه منه بذنوبكم وتستحقونه بآثامكم، فأقيموا عذر السلطان بانتشار الأمور عليه، وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة واستئلاف الأعداء ورضاء الأولياء، وقلة الناصح وكثرة المدلس والفاضح.
وفي كتاب التاج: هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار، وألباب الملوك مشغولة بكل شيء وألباب السوقة مشغولة بما ليس بشيء، والجاهل منهم يعذر نفسه عندما هو عليه من الوشل، ولا يعذر سلطانه مع شدة ما هو عليه من المؤنة، ومن هناك يعز الله سلطانه ويرشده وينصره. وعن هذا قالت الحكماء من العجم: لا توطنن إلا ببلد فيه سلطان قاهر قاض عادل، وسوق قائمة وطبيب عالم ونهر جار.
الباب الثامن: في منافع السلطان ومضاره
قالت حكماء العرب والعجم: مثل مضار السلطان في جنب منافعه مثل الغيث الذي هو سقياً لله تعالى، وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذى به المسافر ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق، وتدر سيوله فيهلك الناس والدواب والذخائر، ويموج له البحر فتشتد بليته على أهله، ولا يمنع ذلك الخلق إذا نظروا إلى آثار رحمة الله تعالى في الأرض التي أحيى والنبات الذي أخرج، والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر أن يعظموا نعمة ربهم
стр. 47
ويشكروها، وبلغوا ذكر خواص الأذية التي دخلت على خواص الخالق.
ومثاله أيضاً مثال الرياح التي يرسلها الله تعالى نشراً بين يدي رحمته، فيسوق بها السحاب ويجعلها إلقاحاً للثمرات وأرواحاً للعباد، يتنسمون منها ويتقلبون فيها، فتجري بها مياههم وتقد بها نيرانهم وتسير بها في البحر أفلاكهم، وقد تضر بكثير من الناس في برهم وبحرهم وتخلص إلى أنفسهم فيشكر بها الشاكرون، وقد يتأذى بها كثير من الناس فلا يخرجها ذلك عن منزلتها من أقوام عماده وتمام نعمته.
ومثاله أيضاً مثال الشتاء والصيف اللذين جعل الله تعالى حرهما وبردهما صلاحاً للحرث والنسل، ونتاجاً للأنعام والثمر يجمعها البرد بإذن الله تعالى ويخرجها الحر بإذن الله تعالى، فتصبح على اعتدال إلى غير ذلك من منافعهما، وقد يكون الأذى في حرهما وبردهما وشمسهما وزمهريرهما، وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الصلاح والخير وقد غمر صلاحهما أذيتهما.
ومثاله أيضاً مثل الليل الذي جعله الله تعالى سكناً ولباساً ونوماً وراحة وسباتاً، وقد يستوحش له أخو الفقر ويسارع فيه أهل الدعارة والفساد واللصوص، وتعدو فيه السباع وتنشر فيه المهام والحية وذوات السموم القاتلة، ثم لا ينسى العباد نعمة الله عليهم به ولا يزري صغير ضره بكبير نفعه. ومثاله أيضاً مثال النهار الذي جعله الله ضياءً ونوراً ونشوراً واكتساباً، وقد تكون فيه الحروب والغارات والتعب والنصب والشخوص والخصومات، فيستريح الخلق منه إلى الليل ثم يتبين للعباد نعمة الله عليهم وهكذا كل جسيم من أمور الدنيا يكون ضرره خاصاً ونفعه عاماً فهو نعمة عامة، وكل شيء يكن نفعه خاصاً فهو بلاء عام، ولو كانت نعم الدنيا صفواً من غير كدر وميسورها من غير عسير، لكانت هي الجنة التي لا تعب فيها ولا نصب. قال الشاعر:
لا ترج شيئاً خالصاً نفعه
فالغيث لا يخلو من العيب
الباب التاسع: في بيان معرفة السلطان من الرعية
اعلموا أرشدكم الله أن منزلة الشيطان من الرعية بمنزلة الروح من الجسد، فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة، فقرت في جميع أجزاء الجسد فأمن الجسد من التغيير، فاستقامت الجوارح والحواس وانتظم أمر الجسد. وإن تكدرت الروح وفسد مزاجها فيا ويح الجسد! فيسري إلى الحواس والجوارح فتصير الحواس والجوارح كدرة منحرفة عن الاعتدال، فأخذ كل عضو وحاسة بقسطه من الفساد، فمرضت الجوارح وتعطلت فتعطل نظام الجسد وجر إلى الفساد والهلاك.
ومثال السلطان أيضاً مثل النار، ومثال الخلق مثل الخشب، فما كان منها معتدلاً لم يحتج إلى النار، وما كان منها متأوداً احتاج إلى النار ليقام أوده ويعدل عوجه، فإن أفرط النار احترق الخشب قبل أن يستقيم أوده، وإن قصر النار لم يكن الخشب قابلاً للاعتدال فيبقى متأوداً، وإذا كانت النار معتدلة اعتدل الخشب، كذلك السلطان في أطواره إن أفرط أهلك الخلق، وإن فرط لم يستقيموا وإن اعتدل اعتدلوا.
ومثاله أيضاً مثال عين خرارة في أرض خوارة، فإن حلا مشربه وعذب طعمه وسلمت من الكدر والفساد أوصافه، تخلج في الأرض فابتلعته صافياً صرفاً ثم شربته عروق الأشجار فاغتذت به كذلك، فغلظ سوقها وفرعت أغصانها وامتدت أفنانها، ثم أخرجت أوراقها وأبرزت أزهارها ثم قذفت
стр. 48
ثمارها، فجاءت على أتم طباعها كبراً وطعماً ولوناً ورائحة، فتقوت بها العباد وأكلت حطامها البهائم والحشرات، وسقط عليها الطير فأحرز كل منها قوته، واستقام النظام. وإن كان في حواشي الأرض ما يدق عن الإنبات والنفع ويكدي عن الزكاة والريع، أو كان فيه من الشجر ما يندر حمله ويقل ريعه، أعطى كل ذلك الغاية من نفسه وأطلع ما في قواه ولم يغادر ممكناً إلا وافاه، وإن كان في العين كدر أو فساد أو ملح شربتها الأشجار كذلك، ففسد مزاجها وأضر الجزء الفاسد بالطيب، فرقت سوقها وضعفت أغصانها وتغيرت أوراقها، وقلت أزهارها وثمارها ودخل الفساد على جميع ذلك، فجاءت الثمرة وهي نزر قدرها ردىء طعمها كاسف لونها، فدخل بذلك من النقص على جميع الحيوان مثل ما دخل عليهم من المنافع في الأولى، ولهذا قال الرسول ﵇: إن الضب ليموت في حجره هزالاً من ظلم بني آدم، يعني إذا كثرت المعاصي في الأرض حبست في السماء غياثها ومنعت الأرض نباتها، فهلك الهوام والدواب والحشرات.
الباب العاشر: في معرفة خصال ورد الشرع بها فيها نظام الملك والدول
وهي ثلاثة: اللين وترك الفظاظة والمشاورة، وأن لا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها ولا طالب لها. ولما علم الله تعالى ما فيها من انتظام الملة واستقامة الأمر نص عليها الله سبحانه ورسوله. اعلم أن هذه الخصال من اساس الممالك وقل من يعمل بها من الملوك، اثنتان نزلتا من السماء وواحدة قالها الرسول ﷺ : أما الإلهية فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)
وفي الآية إشارتان: إحداهما أن الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء وتفرق الجموع والحشم، وإنما الملك ملك بجلسائه وأصحابه وأتباعه وحشمه. وأخلق بخصلة تنفر الأولياء وتطمع الأعداء، فقمن بكل سلطان رفضها والاحتراز من سوء مغبتها، ولتكن كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥) . وروي أن النبي ﷺ كان جالساً مع أصحابه، فجاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : قد أجبتك! دل الأثر على أنه ما استأثر بشرف المجلس ولا باينهم بزي ولا مقعد.
وقد يبلغ باللين ما يبلغ بالغلظة. ألا ترى أن الرياح تهول أصواتها فيتداخل لها الشجر وتنعطف الأفنان والأغصان، وفي الفرط تنكسر الأغصان، والماء بلينه في أصول الشجر يقلعها من أصلها. وإذا كانت الحية مع صعوبتها وسمها وتغيبها في حجرها ترقى بالكلام حتى تستعطف فتخرج، فالإنسان أحرى أن يستمال بلين القول وحسن المنطق، فإذا أردت أن تنتقم ممن يسيء إليك فكافئه بكل كلمة سوء قالها كلمة جميلة وحسن ثناء عليه.
والإشارة الثانية أنه قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: الآية١٥٩) . فإذا قيل لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا أمراً دونه؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه ﵇، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين. لما علم الله تعالى ما في المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ومساهمته في الأمور، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه، شرعه لنبيه ﷺ ولذي الإمرة من أهل ملته.
стр. 49
ألا ترى أن النبي ﷺ كان في غزوة، فأمرهم بالنزول فقال له سعد: يا رسول الله إن كان هذا بأمرك فسمعاً وطاعة، وإن يكن غير ذلك فليس بمنزل. فسمع منه النبي ﷺ وقال: ارتحلوا! ومن أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكاً كانوا أو سوقة، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة، وسنعقد للمشاورة باباً إن شاء الله تعالى. والخصلة الثالثة ما روى البخاري ومسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله استعملني. فقال النبي ﷺ : إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. والسر فيه أن الولايات أمانات وتصريف في أرواح الخلائق وأموالهم، والتسرع إلى الأمانة دليل على الخيانة، وإنما يخطبها من يريد أكلها، فإذا أؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها، لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت نياتهم، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر الذي أنشدناه أولاً.
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟
وإذا خان أهل الأمانات وفسد أهل الولايات، كان الأمر كما قال الأول:
بالملح يصلح ما يخشى تغيره فكيف بالملح أن حلت به الغير؟
ولغيره في مثل ذلك:
ذئب تراه مصلياً فإذا مررت به ركع!
يدعو وجل دعائه: ما للفريسة لا تقع؟
عجل بها يا ذا العلا إن الفؤاد قد انقطع!
ومن أشراط الساعة التصدي للأمانة وخطبة الولاية. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: من أشراط الساعة أن تكون الزكاة مغرماً والأمانة مغنماً، فحينئذ يدعو عليه الضعيف وأهل الصلاح ويقعد له الشرير بالمراصد ويخامر عليه القوي، ويقبح ثناؤه عند الجماعة ويتمنوا الراحة منه، وينتظرون من يصلح لها سواه.
الباب الحادي عشر: في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها
فأول الخصال وأحقها بالرعاية العدل الذي هو قوام الملك، ودوام الدول ورأس كل مملكة سواء كانت نبوية أو إصطلاحية. اعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم أن كل الناس ليست تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: ٩٠) . فلو وسع الخلق العدل ما قرن به الإحسان، فمن لا يصلح حتى يزاد على العدل كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل والعدل ميزان الله في الأرض، الذي به يؤخذ للضعيف من القوي وللمحق من المبطل؟ وليس موضع ميزان الله الذي وضعه من القيام بالقسط فقد تعرض لسخط الله.
واعلم أيها الوالي أن الملك بمنزلة رجل: فرأسه أنت وقلبه وزيرك ويداه أعوانك، ورجلاه رعيتك وروحه عدلك، وما بقي جسد بلا روح. وإذا أردت ذروة العدل فاعلم أن الرعية ثلاثة أنفس: كبير وصغير ووسط، فاجعل كبيرهم أباً ووسطهم أخاً وصغيرهم ولداً. فبر أباك وأكرم أخاك وارحم ولدك، فإنك واصل بذلك إلى بر الله وكرامته ورحمته. واعلم أن عدل الملك
стр. 50
يوجب الاجتماع عليه، وجوره يوجب الافتراق عنه، عدل الملك حياة رعيته. وفي منثور الحكم: سلطان جائر أربعين سنة خير من رعية مهملة ساعة واحدة من النهار، إذا عدل الملك فيما قرب منه صلح له ما بعد عنه. ففضل الملوك في الإعطاء وشرفها في العفو وعزها في العدل. عدة السلطان ثلاثة: مشاورة النصحاء وثبات نبات الأعوان وإقامة سوق العدل. أفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل. ثم: العدل ينقسم قسمين: قسم إلهي جاءت به الأنبياء والرسل ﵈ عن الله تعالى، والثاني ما يشبه العدل والسياسة الإصلاحية التي هرم عليها الكبير ونشأ عليها الصغير، وبعيد أن يبقى سلطان أو تستقيم رعيته في حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم ولا ترتيب للأمور ثابت، فذلك مما لا يمكن ولا يجوز. وقد ذكرنا في أول الكتاب أن سليمان بن داود سلب ملكه حين جلي الخصمان بين يديه، وكان لأحدهما خاصة بسليمان فقال في نفسه: وددت أن يكون الحق لخاصتي فأقضي له، فسلبه الله تعالى ملكه وقعد الشيطان على كرسيه.
فاجعل العدل سياستك تسقط عنك جميع الآفات المفسدة للسياسة، وتقوم لك جميع الشرائط التي تقوم بها للمملكة. قال علي بن أبي طالب ﵁: إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم. وقال ابن مسعود: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر. وقال سليمان بن داود ﵉: الرحمة والعدل يحرزان الملك. واتفق حكماء العرب والعجم على هذه الكلمات فقالوا: الملك بناء والجند أساسه، فإذا قوي الأساس قام البناء، وإن ضعف الأساس انهار البناء، فلا سلطان إلا بجند ولا جند إلا بمال، ولا مال إلا بجباية ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل فصار العدل أساساً لكل الولايات.
وأما العدل النبوي فأن يجمع السلطان إلى نفسه حملة العلم الذين هم حفاظه ورعاته وفقهاؤه، وهم الأدلاء على الله والقائمون بأمر الله، والحافظون لحدود الله والناصحون لعباد الله. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الدين النصيحة! إن الدين النصيحة! إن الدين النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فاتخذ أيها الملك العلماء شعاراً والصالحين دثاراً، فتدور المملكة بين نصائح العلماء ودعوات الصلحاء، وأخلق بملك يدور بين هاتين الخصلتين أن يقوم عموده ويطول أمده! وكيف لا وقد قربهم الله في سلطانه واصطفاهم بخالص معرفته، فقال جل من قائل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) . فبدأ بنفسه وثنى بملائكته، وثلث بأولي العلم وهم ورثة الأنبياء ﵈ والموقفون عن الله تعالى.
إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا در هماً وإنما ورثوا العلم، ففي تعظيمهم وتقريبهم امتثال لأمر الله وتعظيم لمن أثنى عليه، ويجب ترفيع مجالسهم وتتمييز مواضعهم عن من سواهم، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١) . وفيه استمالة قلوب الرعية وخلوص نياتهم لسلطانهم واجتماعهم على محبته وتوقيره، فواجب على السلطان أن لا يقع أمراً دونهم ولا يفضل حكماً إلا بمشاورتهم، لأنه في ملك الله يحكم وفي شريعته يتصرف، وأقل الواجبات على السلطان أن ينزل نفسه مع الله منزلة ولاته معه، أليس إذا خالف واليه أمره وما رسمه له من الأحكام عزله وعاقبه ولم يأمن سطوته؛ وإذا امتثل أوامره
стр. 51
وازدجر عن زواجره حل منه محل الرضى؟ فواعجباً لمن يغضب على واليه إذا خالفه، ثم لا يخاف سطوة ربه عليه إذا خالفه! فهذا طريق إقامة العدل الشرعي، والسياسة الاصطلاحية الجامعة لوجوه المصلحة الآخذة لأزمة التدبير، السالمة من العيوب الممهدة لاستقامة الدنيا والدين. وكما أن الملك الحازم لا يتم حزمه إلا بمشاورة الوزراء الأخيار كذلك لا يتم عدله إلا باستفتاء العلماء الأبرار.
وقد وقع المأمون في قضية متظلم من عمرو بن مسعدة: يا عمر، واعمر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها، وفي إشاعة العدل قوة القلوب وطيب النفس ولزوم اليقين وأمان من العدو. ولما استأذن الهرمزان على عمر بن الخطاب ﵁ لم يجد عنده حاجباً ولا بواباً فقيل له: هو في المسجد، فأتى المسجد فوجده مستلقياً متوسداً كوماً من الحصى ودرته بين يديه، فقال له الهرمزان: يا عمر عدلت فأمنت فنمت! وقال الحسن بن علي: رأيت عثمان ﵁ وقد جمع الحصى في مسجد رسول الله ﷺ عند رأسه، وقد وضع إحدى جانبي ردائه عليه وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودرته بين يديه.
وكتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز ﵁: إن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى الإصلاح فكتب إليه عمر: حصنها بالعدل ونق طرقها من الجور، والسلام. وقالت الحكماء: من حرم العدل فلا خير له ولا للناس في سلطانه. وقال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستان والشمس على يساري والمأمون في الظل، فلما رجعنا وقعت الشمس أيضاً علي، فقال لي المأمون: تحول مكاني وأنا أتحول مكانك حتى تكون في الظل كما كنت، وأقيك الشمس كما وقيتني، فإن أول العدل أن يعدل الرجل على بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ العدل الطبقة السفلى. فعزم علي فتحولت.
وكان يقال: ليس شيء أبعد من بقاء ملك الغاصب. وقيل للإسكندر: لو أكثرت من النساء حتى يكثر نسلك ويحيا ذكرك. فقال: إنما يحيي الذكر الأفعال الجميلة والسيرة الحميدة، ولا يحسن بمن يغلب الرجال أن تغلبه النساء. وقال الحكيم: من اتخذ العدل سنة كان له أحصن جنة، ومن استشعر حلة العدل فقد استكمل رتبة الفضل. وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: إن الإمام العادل ليسكنن الأصوات عن الله تعالى. وقال الحكيم: لا يزال السلطان ممهلاً حتى يتخطى إلى أركان العمارة ومباني الشريعة، فحينئذ يريح الله منه. وقالوا: لا تظلم الضعفاء فتكون من لثام الأقوياء، وقال بعض الحكماء: أمير بلا عدل كغيم بلا مطر، وعالم بلا ورع كأرض بلا نبات، وشاب بلا توبة كشجر بلا ثمر، وغنى بلا سخاء كقفل بلا مفتاح، وفقر بلا صبر كسراج بلا ضوء، وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح.
وقال كسرى: اتفقت ملوك العجم على أربع خصال: أن الطعام لا يؤكل إلا شهوة، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل. وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل الملوك الذين بعدلهم يعدل من دونهم، والذين إذا قالوا أو فعلوا كان نافذاً غير مردود. وقالت الحكماء: رم ما شئت بالإنصاف وأنا زعيم لك بالظفر به. والظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة أو تعجيل نقمة. وقال الحكيم: شر الزاد إلى المعاد الذنب بعد الذنب، وشر من هذا العدوان على العباد، ومتى أراد السلطان حسن الصيت وجميل الذكر فليقم سوق العدل، وإن أحب الزلفى عند الله وشرف المنزلة عنده فليقم سوق العدل، والذي يخلد به ذكر الملوك على غابر الدهور عدل
стр. 52
واضح أو جور فاضح، هذا يوجب له الرحمة وهذا يوجب له اللعنة.
فصل:
وأما القسم الثاني من العدل وهو السياسة الاصطلاحية، وإن كان أصلها على الجور فيقوم بها أمر الدنيا، وكأنها تشاكل مراتب الإنصاف على نحو ما كانت عليه ملوك الطوائف في أيام الفرس، وكانوا كفاراً بالله تعالى يعبدون النيران ويتبعون هواجس الشيطان، فتواضعوا بينهم سنناً وأسسوا لهم أحكاماً، وأقاموا لهم مراتب في النصفة بين الرعايا واستجباء الخراجات، وتوظيف المكوس على التجار، كل ذلك بعقولهم على وجوه ما أنزل الله بها من سلطان ولا نصب عليها من برهان، بيد أنه لما جاءت الشريعة من عند الله تعالى على لسان نبيه صاحب المعجزة محمد ﷺ ، فمنها ما أقرته في نصابه ومنها نسخته وأبطلت حكمه، فعادت الحكمة البالغة أمر الله تعالى والحكم بما أنزل الله وبطل ما سواه، وكان ملكهم محفوظاً برعايتهم للقوانين المألوفة بينهم، فانقطع بذلك حبل الهمل فكانوا يقيمون بها واجب الحقوق، ويتعاطون بها ما لهم وعليهم.
وعن هذا كان يقال: إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الاصطلاحية، أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العدل في نفسه المضيع للسياسة النبوية العدلية، والجور المرتب أبقى من العدل المهمل، إذ لا شيء أصلح للسلطان من ترتيب الأمور ولا شيء أفسد له من إهمالها. واعلم أن درهماً يؤخذ من الرعية على وجه الإهمال والخرق، وإن كان عدلاً أفسد لقلوبها من عشرة تؤخذ منها بسياسة على زمام معروف ورسم مألوف، وإن كان جوراً، فلا يقوم السلطان لأهل الإيمان ولا لأهل الكفر إلا بإقامة العدل النبوي، أو ما يشبهه من الترتيب الاصطلاحي. وقال ابن المقفع: الملوك ثلاثة: ملك دين وملك حزم وملك هوى، فأما ملك الدين فإنه إذا أقام لأهل المملكة دينهم كانوا راضين وكان الساخط فيهم بمنزلة الراضي، وأما ملك الحزم فيقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والسخط ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي، وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر.
ولقد بلغنا أن ملكاً من ملوك الهند نزل به صمم، فأصبح مسترجعاً مهتماً بأمور المظلومين وأنه لا يسمع استغاثتهم، فأمر مناديه أن لا يلبس أحد في مملكته ثوباً أحمر إلا مظلوم، وقال: لئن منعت سمعي لم أمنع بصري، فكان كل من ظلم لبس ثوباً أحمر ووقف تحت قصره، فيكشف عن ظلامته. قال شيخنا: وأخبرني أبو العباس الحجازي، وكان ممن دخل الصين بسيرة عجيبة غريبة لملوكها في سياستهم، وذلك أنللبيت الذي يكون فيه الملك ناقوساً موصولاً بسلسلة وطرف سلسلة في خارج الطريق، وعليها أمناء للسلطان وحفظة، فيأتي المظلوم فيحرك السلسلة فيسمع الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، فكل من حرك تلك السلسلة تمسكه تلك الحفظة حتى يدخل على السلطان.
الباب الثاني عشر: في التنصيص على الخصال التي زعم الملوك أنها هدمت دولتهم وأزالت سلطانهم
أيها الملك احرص كل الحرص أن تكون خبيراً بأمور عمالك، فإن المسيء يفرق من خبرتك به قبل أن تصيبه عقوبتك، والمحسن يستبشر بعلمك به قبل أن يأتيه ثوابك. وقال أبو جعفر المنصور: ما زال أمر بني أمية مستقيماً حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين، فكانت همتهم من عظيم شأن
стр. 53
الملك وجلالة قدره قصداً للشهوات وإيثار اللذات، والدخول في معاصي الله تعالى وأمناً لمكره، فسلبهم الله تعالى العز ونقل عنهم النعمة.
قال عبيد الله بن مروان، ومروان هذا هو المعروف بمروان الحمّار، وهو آخر ملوك بني أمية قتل في أرض مصر في كورة بوصير: لما زال ملكنا وهربت إلى أرض النوبة فيمن تبغي من أصحابي، فسمع ملك النوبة بخبري فقعد على الأرض ولم يقعد على فراش افترشته، فقلت له: ألا تقعد على ثيابنا؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: لأني ملك وحق على كل ملك أن يتواضع لله سبحانه إذ رفعه، ثم قال لي: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم، ولم تطئون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم، ولم تستعملون الذهب والفضة وتلبسون الديباج والحرير وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك فقل أنصارنا وانتصرنا بقوم من الأعاجم دخلوا ديننا، ولنا عبيد وأتباع فعلوا ذلك على كره منا، فأطرق ملياً يقلب كفيه وينكث في الأرض، ثم قال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم، وظلمتم في ما ملكتم فسلبكم الله تعالى العز بذنوبكم، ولله فيكم نعمة لم تدرك غايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام، فتزودوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي.
وسئل بزرجمهر: ما بال ملك بني ساسان صار إلى ما صار إليه، بعدما كان فيه من قوة السلطان وشدة الأركان؟ فقال: ذلك لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار الرجال. وعن هذا قالت الحكماء: موت ألف من العلية أقل ضرراً من ارتفاع واحد من السفلة. وفي الأمثال: زوال الدول باصطناع السفل. وقال الشافعي ﵀: أظلم الناس لنفسه اللئيم، إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل. وسئل بعض الملوك بعد زوال ملكه: ما الذي سلبك ملكك؟ قال: بإعطائنا من بطر وضعف ورفع عمل اليوم إلى الغد.
وسئل بعض الملوك بعد أن سلبوا المملكة: ما الذي سلب عزكم وهدم ملككم؟ فقال: شغلتنا لذاتنا عن التفرغ لمهماتنا ووثقنا بكفاتنا، فآثروا مرافقهم علينا، وظلم عمالنا رعيتنا فانفسدت نياتهم لنا وتمنوا الراحة منا، وحمل على أهل خراجنا فقل دخلنا فقل دخلنا وبطل إعطاؤنا عبيدنا، فزالت الطاعة منهم لنا، وقصدنا عدونا فقل ناصرنا، وكان أعظم ما زال به ملكنا استتار الأخبار عنا. وقالت الحكماء: أسرع الخصال في هدم السلطان وأعظمها في إفساده وتفريق الجمع عنه إظهار المحاباة لقوم دون قوم، والميل إلى قبيلة دون قبيلة، فمتى أعلن بحب قبيلة فقد برئ من قبائل. وقديماً قيل: المحاباة مفسدة. وقال مهبوز الموبذان: من زوال السلطان تقريب من ينبغي أن يباعد، ومباعدة من ينبغي أن يقرب وحينئذ حان أوان الغدر.
وقيل لملك بعد زوال ملكه: ما الذي أذهب ملككم؟ قال: ثقتي بدولتي واستبدادي بمعرفتي، وإغفالي استشارتي وإعجابي بشدتي وإضاعتي الحيلة في وقت حاجتي والتأني عند عجلتي. ولما أحيط بمروان الجعدي وهو آخر ملوك بني أمية. قال: والهفاه على دولة ما نصرت وكف ما ظفرت ونعمة ما شكرت! فقال له خادمه بسيل وكان من أشراف أولاد الروم: من أغفل الصغير حتى يكبر والقليل حتى يكثر، والخفي حتى يظهر أصابه مثل هذا. وسئل بعض العلماء: ما الذي ذهب بملك بني مروان؟ قال: تحاسد الأكفاء وانقطاع الأخبار. وذلك أن يزيد بن عمر كان يحب أن يضع من نصر بن سيار وكان لا يمده بالرجال، ولا يرفع إلى السلطان ما يورد عليه من أخيار خراسان، فلما رأى ذلك نصر
стр. 54
بن سيار قال:
أرى خلل الرماد رميض نارٍ فيوشك أن يكون لها ضرام
وإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها الكلام
فقلت تجاهلاً: يا ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام؟
وكان العباسيون يؤسسون لدولتهم ولا تصل أخبارهم إلى بني أمية، حتى استفحل أمرهم وضعف أمر بني أمية. وسئل مروان بن محمد الجعدي وهو آخر ملوك بني أمية: ما الذي أضعف ملكك بعد قوة السلطان وثبات الأركان؟ فقال: الاستبداد برأيي، لما كثرت علي كتب نصر بن سيار أن أمده بالأموال والرجال، قلت في نفسي: هذا رجل يريد الاستكثار من الأموال بما يظهر من فساد الدولة قبله، وهيهات أن ينتقض على خراسان فانتفضت دولته من خراسان.
الباب الثالث عشر: في الصفات الذاتية التي زعم الحكماء أنه لا يدوم معها مملكة
ومن أعجب العجاب دوام الملك مع الكبر والإعجاب! اعلموا أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل، لأن الكبير يكون بالمنزلة والعجب يكون بالفضيلة، والمتكبر يجل نفسه عن رتبة المتعلمين، والمعجب يستكثر فضله عن استزادة المتأدبين، وحسبك من رذيلة تمنع من استماع النصح وقبول التأديب، فالكبر يكسب المقت ويمنع من التألف، وكل كبر ذكره الله تعالى في القرآن فمقرون بالشرك، ولذلك قال النبي ﷺ للعباس: أنهاك عن الشرك بالله والكبر كأنه يحتجب في تعصب منهما. وقال أزدشير بن بابك: ما الكبر إلا فضل حمق لم يدر صاحبه أين يذهب به فصرفه إلى الكبر. وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه، ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه. قال الشاعر:
فتى كان عذب الروح لا من خصاصة ولكن كبراً أن يقال به كبر!
ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال: وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. وقالت الحكماء: وقد يدوم الملك مع معظم النقائص، فرب فقير ساد قومه ورب أحمق ساد قبيلته. منهم الأقرع بن حابس الذي قال فيه النبي ﷺ : ذلك الأحمق المطاع وقالوا: لا يدوم الملك مع الكبر، وحسبك من رذيلة تسلب السيادة. وأعظم من ذلك أن الله تعالى حرم الجنة على المتكبرين، فقال : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ (القصص: ٨٣) ، فقرن الكبر بالفساد فمنعنا من دخول الجنة. وقال : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: ١٤٦) .
وقال بعض الحكماء: ما رأيت متكبراً إلا تحول داؤه في عيني أني أتكبر عليه. واعلم أن الكبر يوجب المقت، ومن مقته رجاله لم يستقم حاله، ومن أبغضته بطانته كان كمن غص بالماء، ومن كرهته الحماة تطاولت إليه الأعداء. وأما الإعجاب فيحمله على الاستبداد بالرأي وترك مشاورات الرجال. ومن الصفات التي لا تقوم معها المملكة: الكذب والغدر والخبث والجور والسخف. وقال حكماء العرب والعجم: ست خصال لا تغتفر من السلطان: الكذب والخلف والحسد والجراءة والبخل والجبن، فإنه إذا كان كذاباً لم يوثق بوعده ولا بوعيده، فلم يرج خيره ولم يخف شره، ولا بهاء لسلطان لا يرهب. وقالت الحكماء: خراب البلاد وفساد العباد مقرونان بإبطال الوعد والوعيد من الملوك.
والكذب أسقط
стр. 55
الأخلاق وأغلب شيء على صاحبه، وأحرى أن لا ينزع عنه لضراوته. وقيل لأعرابي: لم لا تكذب؟ قال: لو تعززت به ما تركته وهو نوع من الفحش وضرب من الدناءة، وأصله استعذاب المنا وهو أضغاث فكر الحمقى. ومن بليته أنه يحمل على صاحبه ذنب غيره، وإذا سمعت كذبة طائحة نسبت إليه. وقال الشاعر:
حسب الكذوب من المها نة بعض ما يحكى عليه
فإذا سمعت بكذبة من غيره نسبت إليه
وقال غيره:
لا يكذب المرء إلا من مهانته أو عادة السوء أو من قلة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة من كذبة المرء في جد وفي لعب
ولآخر:
لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة
ومما روي أن قيصر ملك الروم كتب إلى كسرى أنوشروان في آخر كتاب: أخبرني بم دام لك الملك؟ فأجابه: دام الملك بست خصال: ما هزلنا في أمر ولا نهي، وما كذبنا في وعد ولا وعيد، وما قابلنا إلا على قدر الذنب لا على قدر غضبنا، واستخدمنا ذوي العقول، وولينا ذوي الأصول، وفضلنا على الشباب الكهول. فلما قرأها قيصر قام وقعد ثلاث مرات وقال: يحق لمن كانت هذه سياسته أن تدوم له رياسته. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ (النحل: ١٠٥) .
وأما الحسد فإنه إذا كان حسوداً لم يشرف أحداً، وإذا ضاعت الأشراف هلكت الأتباع ولا تصلح الناس إلا على أشرافهم. وقال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وأما البخل فإذا كان بخيلاً لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة، وليس للملك أن يبخل لأن بيوت الأموال في يديه. وأما الجبن فإنه إذا كان جباناً اجترأ عليه عدوه وضاعت ثغوره، وإذا كان جريئاً غضوباً والقدرة من ورائه هلكت الرعية. وليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته. ولما دخل أسقف نجران على مصعب بن الزبير فكلمه بشيء أغضبه، ضرب وجهه بالقضيب فأدماه، فقال الأسقف: إن شاء الأمير أخبرته بما أنزل الله تعالى على عيسى ﵇ فلا يغضب بعدها. قال: هات! قال: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيهاً ومنه يلتمس الحلم، ولا جائراً ومنه يلتمس العدل.
وقال الأوزاعي: يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. فأما الإعجاب فقد ذكرناه، وأما الاحتجاب فهو أدخل الخلال في هدم السلطان وأسرعها خراباً للدول، فإنه إذا احتجب السلطان فكأنه قد مات، لأن الحجب موت حكمي فتعبث بطانته بأرواح الخلائق وحريمهم وأموالهم، لأن الظالم قد أمن أن لا يصل المظلوم إلى السلطان. ومعظم ما رأينا في أعمارنا وسمعنا من دخول المفاسد على الملوك في حجبهم عن مباشرة الأمور، ولا تزال الرعية ذا سلطان واحد ما وصلوا إلى سلطانهم، فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة.
يا أيها المغرور المحتجب، احتجبت عن الرعية بالحجاب والأبواب، وجعلت دونهم جبالاً مشيدة وحظائر بالحجارة والماء والطين مانعة، وباب الله مفتوح للسائلين ليس هناك حاجب ولا بواب. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (الفرقان: ٥٧) . وقال معاوية: ليس بين أن يملك السلطان رعيته أو تملكه إلا الحزم أو التواني، وكماله أمران: شدة في ير إفراط ولين في غير امتهان. وسئل بزرجمهر: أي الملوك أحزم؟ فقال: من ملك جده هزله وقهر لبه هواه، وأعرب عن ضمير فعله، ولم يخدعه رضاه عن سخطه ولا غضبه عن كيده. وقال بعض الحكماء: زوال الدول في اصطناع بعض السفل، ومن طال عدوانه زال سلطانه. وقالوا: من لم يستظهر باليقظة لم تنفعه الحفظة. وقال يحيى بن خالد: أحسن ما وجدت في طراز الحكم من البلاغة: البخل والجهل مع التواضع خير من السخاء والعلم مع الكبر. فيا لها حسنة غطت على سيئتين، ويا لها
стр. 56
سيئة غطت على حسنتين!
الباب الرابع عشر: في الخصال المحمودة في السلطان
وقد اتفقت العلماء والحكماء عليها فقالوا: أيها الملك إن قصرت قوتك عن عدوك فتخلق بالأخلاق الجميلة التي ليس لعدوك مثلها، فإنها أنكأ فيه من الغارة الشعواء. وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر بن الخطاب. فقال: كان عالماً برعيته عادلاً في أقضيته، عارياً من الكبر قبولاً للعذر، سهل الحجاب مصون الباب متحرياً للصواب، رفيقاً بالضعيف غير محاب للقوي ولا بجاف للقريب.
قالوا: فالمنفعة توجب المحبة والمضرة توجب البغضة، والمخالفة توجب العداوة والمتابعة توجب الإلفة، والصدق يوجب الثقة والأمانة توجب الطمأنينة، والعدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة والانقباض يوجب الوحشة، والكبر يوجب المقت والتواضع يوجب الرفعة، والجود يوجب الحمد والبخل يوجب المذمة، والتواني يوجب التضييع والجد يوجب رجاء الأعمال، والهوينا توجب الحسرة والحزم يوجب السرور، والتغرير يوجب الندامة والحذر يوجب العذر، وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة.
وبالتأني تسهل المطالب وبلين كنف المعاشرة تدوم المودة، وبخفض الجانب تأنس النفوس وبسعة خلق المرء يطيب عيشه، والاستهانة توجب التباعد وبكثرة الصمت تكون الهيبة، وبعدل المنطق يجبر الخلل وبالنصفة تكثر المواصلة، وبالإفضال يعظم القدر وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال، وباحتمال المؤن يجب السودد وبالحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه، وبالرفق والتؤدة يستحق اسم الكرم، وبترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل. واعلم أن السياسة تكسو أهلها المحبة والفظاظة تخلع صاحبها ثوب القبول، ومن صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة. والنظر في العواقب نجاة.
ومن لم يحلم ندم ومن صبر غنم، ومن سكت سلم ومن خاف حذر، ومن اعتبر أبصر ومن أبصر فهم، ومن فهم علم. ومن أطاع هواه ضل، ومع العجلة الندامة ومع التأني السلامة. زارع البر يحصد السرور، وصاحب العاقل مغبوط، وصديق الجاهل تعب. إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم وإذا ندمت فاقلع، وإذا فضلت فاكتم وإذا منعت فاحمد، وإذا أعطيت فأجزل وإذا غضبت فاحلم. من بدأك ببره فقد شغلك بشكره. المروءات كلها تبع للعقل. الرأي تبع للتجربة. والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة. والتوفيق أصله العقل وثمرته النجح، والتوفيق والاجتهاد زوجان، فلاجتهاد سبب والتوفيق ينجح بالاجتهاد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩) ، والأعمال كلها تبع للمقدور.
واختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب، من التوراة: من قنع شبع، ومن الزبور: من سكت سلم، ومن الإنجيل: من اعتزل نجا، ومن القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾ (آل عمران: ١٠١) . الحلم شرف والصبر ظفر، والمعروف كنز والجهل سفه، والأيام دول والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله. اصطناع المعروف يكسب الحمد. أكرموا الجليس يعمر ناديكم. أنصفوا من أنفسكم يوثق بكم. إياكم والأخلاق الدنئة فإنها تضيع الشرف وتهدم المجد. نهنهة الجاهل أهون من جريرته. رأس العشيرة يحمل أثقالها. وأجمعت
стр. 57
حكماء العرب والعجم على أربع كلمات قالوا: لا تحمل قلبك ما لا يطيق، ولا تعمل عملاً لا ينفعك، ولا تغتر بامرأة وإن طالت صحبتها، ولا تثق بمال وإن كثر.
الباب الخامس عشر: في بيان ما يعز به السلطان وهي الطاعة
قال ملك فارس الموبذان: موبذ ما شيء واحد يعز به السلطان؟ قال: الطاعة. قال: فما ملاك الطاعة؟ قال: التودد إلى الخاصة والعدل على العامة. قال: صدقت! الأمانة معقل الطاعة والطاعة زينة الملة. وكان يقال: طاعة السلطان على أربعة أوجه: الرغبة والرهبة والمحبة والديانة. ولما دخل سعد العشيرة على بعض ملوك حمير، قال له: يا سعد ما صلاح الملك؟ قال: معدلة شائعة وهيبة وازعة ورعية طائعة، فإن المعدلة حياة الأنام وفي الهيبة يضيء الظلام، وفي طاعة الرعية التألف والالتئام. طاعة الأئمة فرض على الرعية. طاعة السلطان مقرونة بطاعة الله. اتقوا الله بحقه والسلطان بطاعته. من إجلال الله إجلال السلطان عادلاً كان أو جائراً.
الطاعة تؤلف شمل الدين وتنظم أمور المسلمين. عصيان الأئمة يهدم أركان الملة. أولى الناس بطاعة السلطان ومناصحته أهل الدين والنعم والمروءات، إذ لا يقوم الدين إلا بالسلطان ولا تكون النعم والحرم محفوظة إلا به. الطاعة ملاك الدين. الطاعة معاقد السلامة وأرفع منازل السعادة، والطريقة المثلى والعروة الوثقى وقوام الأمة، وقيام السنة بطاعة الأئمة. الطاعة عصمة من كل فتنة ونجاة من كل شبهة. طاعة الأئمة عصمة لمن لجأ إليها وحرز لمن دخل فيها. ليس للرعية أن تعترض على الأئمة في تدبيرها وإن سولت لها أنفسها، بل عليها الانقياد وعلى الأئمة الاجتهاد. بالطاعة تقوم الحدود تقوم الحدود وتؤدى الفرائض، وتحقن الدماء وتأمن السبل. الإمامة عصمة للعباد وحياة للبلاد، أوجبها الله لمن خصه بفضلها وحمله أعباءها فقرنها بطاعته وطاعة رسوله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) . طاعة الأئمة هدى لمن استضاء بنورها وموئل لمن حافظ عليها. الخارج عن الطاعة منقطع العصمة بريء من الذمة، مبدل بالكفر النعمة. طاعة الأئمة حبل الله المتين ودينه القويم، وجنته الواقية وكفايته العالية. إياكم والخروج من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة وعليكم بالإخلاص والنصيحة. ما مشى قوم إلى سلطان ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا. الطاعة مقرونة بالمحبة. طاعة المحبة أفضل من طاعة الهيبة. للرعية على السلطان الاستصلاح لهم، والتعهد لأمورهم وحسن السيرة فيهم والعدل عليهم، والتعديل بينهم. وحق السلطان عليهم الطاعة والاستقامة والشكر والمحبة. بالرعية من الحاجة إلى الراعي ما ليس بالراعي من الحاجة إليهم لولا الرعاة لهلكت الرعية، ولولا المسيم لهلكت السوام.
الباب السادس عشر: في ملاك أمور السلطان
قال سليمان بن داود ﵉: الرحمة والعدل يحرزان الملك٠ وقال زياد: ملاك السلطان ثلاثة أشياء: الشدة على المذنب ومجازاة المحسن وصدق القول. ولما غزا سابور ذو الأكتاف ملك الروم وأخرب بلاده، وقتل جنوده وأفنى بطارقته، قال له ملك الروم: إنك قد قتلت وأخربت فأخبرني ما الأمر الذي تثبت به حتى قويت على ما أرى، وبلغت في السياسة ما لم يبلغه ملك؟ فإن
стр. 58
كان مما يضبط الأمر بمثله أديت إليك الخراج وصرت كبعض الرعية في الطاعة لك. فقال له سابور: إني لم أزد في السياسة على ثمان خصال: لم أهزل في أمر ولا نهي، ولم أخلف في وعد ولا وعيد، ووليت أهل الكفاية، وأثبت أهل النهي لا أهل الهوى، وضربت للأدب لا للغضب، وأودعت قلوب الرعية المحبة من غير جراءة والهيبة من غير ضغينة، وعمت بالقوت ومنعت الفضول. فأذعن له وأدى إليه الخراج.
وكتب الوليد إلى الحجاج أن يكتب إليه بسيرته، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هوائي، وأدنيت السيد المطاع في قومه ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفي لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسماً يعطيه حظاً من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى البطر والمسيء، فخاف المذنب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب. وقال أبو عبيدة: إذا كان الملك محصناً لسره بعيداً من أن يعرف ما في نفسه، متخيراً للوزراء مهيباً في أنفس العامة، متكافئاً بحسن البلاء، لا يخافه البريء ولا يأمنه المجرم، كان خليقاً ببقاء ملكه.
الباب السابع عشر: في خير السلطان وشر السلطان
أفضل الملوك من كان شركة بين الرعايا، لكل واحد منهم فيه قسطة، ليس أحد أحق به من أحد، لا يطمع القوي في حيفه ولا ييأس الضعيف من عدله. كان النبي ﷺ تأخذ بيده من إماء المدينة، فتطوف به على سكك المدينة حتى يقضي حاجتها. وفي حكم الهند: أفضل السلطان من أمنه البريء وخافه المجرم، وشر السلطان من خافه البريء وأمنه المجرم. وقال عمر بن الخطاب ﵁ للمغيرة لما ولاه الكوفة: يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار. وفي حكم الهند أيضاً: شر المال ما لا ينفق منه وشر الإخوان الخاذل، وشر السلطان ما خافه البريء، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن، وخير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور؛ وعن هذا المعنى قالوا: سلطان تخافه الرعية خير لهم من سلطان يخافها.
وفي الأمثال العامة: رهبوت خير لك من رحموت. وكان يقال: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء. وقال عمر ابن الخطاب ﵁: ثلاثة من المقافر: جار ملازم إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلت عليها لسنتك وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك. وقال رجل لبعض الحكماء: متى أضل وأنا أعلم؟ فقال: إذا ملكتك أمراء، إن أطعتهم أذلوك وإن عصيتهم قتلوك. وقال أبو حازم لسليمان بن عبد الملك: السلطان سوق ما نفق عنده أتى به. وفي كتاب ابن المقفع: الناس على دين الملك إلا القليل، فإن يكن للبر والمروءة عنده نفاق، فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. وسمع زياد رجلاً يذم الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لعاقبته، إن الزمان هو السلطان.
وقال معاوية لابن السكوي: صف لي الزمان. فقال: أنت الزمان إن تصلح يصلح، وإن تفسد يفسد. والمثل السائر في كل زمان وعلى كل لسان: الناس على دين الملك. وقال بعض الحكماء: إن أحق الناس من يحذر العدو الفاجر والصديق الغادر والسلطان الجائر. وقال بزرجمهر: أدوم التعب صحبة السلطان السيئ الخلق. وقال بعض الحكماء: إذا ابتلت بصحبة سلطان لا يريد صلاح رعيته، فقد خيرت بين خيرتين ليس بينهما خياراً: إما الميل مع الوالي على الرعية وهو
стр. 59
هلاك الدين، وإما الميل مع الرعية على الوالي وهو هلاك الدنيا، فلا حيلة لك إلا الموت أو الهرب منه. وقالوا: الملك العادل كالنهر الصافي، ينتفع به الأخيار والأشرار ولا يضر أحداً، والملك السوء مثل الجيفة، يسرع إليها شرار الحيوان ويتحاماها خيار الناس.
الباب الثامن عشر: في منزلة السلطان من القرآن
روي أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى ليزع بالسلطان مالاً يزع بالقرآن؛ معناه يدفع. وقال كعب: مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضها إلا ببعض. قال أزدشير لابنه: يا بني إن الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، ومن لم يكن له أس فمهدوم، ومن لم يكن له حارس فضائع. يا بني اجعل حديثك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين وسرك لمن عناه ما عناك، وليكن من أهل العقل. وكان يقال: الدين والسلطان توءمان.
الباب التاسع عشر: في خصال جامعة لأمر السلطان
قالوا: ظفر الملك بعدوه على حسب عدله في رعيته، ونكوبه في حروبه على حسب جوره في عساكره، وإصلاح الرعية أنفع من كثرة الجنود. وقالوا: تاج الملك عفافه وحصنه إنصافه، وسلاحه كفاته وملكه رعيته. وقالت حكماء الهند: لا ظفر مع بغي ولا صحة مع نهيهم، ولا ثناء مع كبر ولا شرف مع سوء أدب، ولا بر مع شح ولا اجتناب محرم مع حرص، ولا ولاية حكم مع عدم فقه ولا سؤدد مع انتقام، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزارة. ولما ولي أبو بكر ﵁ خطب فقال: أيها الناس إنه لا أحد أقوى عندي من المظلوم حتى آخذ له بحقه، ولا أضعف من الظالم حتى آخذ الحق منه. وقيل للإسكندر: بم نلت ما نلت؟ قال: باستمالة الأعداء والإحسان إلى الأصدقاء.
وقال بزرجمهر: سوسوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، والسفلة بالمخافة. وقال الموبذان: السياسة التي فيها صلاح الملك الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم في غير مشقة، وسد الفروج وأمن السبل، وأن ينصف المظلوم من الظالم ولا يحمل القوي على الضعيف. وقالوا: الوالي من الرعية كالروح من الجسد لا حياة له إلا بها، وكالرأس من الجسد لا بقاء له إلا به، وبعد الوالي من إصلاح الرعية مع إفساد نفسه كبعد الجسد من البقاء بعد ذهاب الرأس. والسلطان خليق أن يعود نفسه الصبر على من خالف رأيه من ذوي النصيحة والتجرع لمرارة قولهم، ولا ينبغي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير، ولا أن يكذب لأن أحداً لا يقدر على استكراهه، ولا أن يغضب لأن الغضب والقدرة لقاح الشر والندامة، ولا أن يبخل لأنه أقل الناس خوفاً من الفقر، ولا أن يحقد لأن قدره جل عن المجازاة، ولا ينبغي للوالي أن يستعمل سيفه فيما يكتفى فيه بالسوط، ولا سوطه فيما يكتفى فيه بالحبس، ولا حبسه فيما يكتفى فيه بالجفا والوعيد.
وقال معاوية: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها. ونحو هذا قول الشعبي: كان معاوية كالجمل الطب، والجمل الطب هو الحاذق بالمشي لا يضع يده إلا حيث تبصر عينه. وينبغي له أن يعلم رعيته أنه لا يصاب خيره إلا بالمعونة له على الخير، ولا ينبغي له أن يدع تفقد لطيف أمور الرعية
стр. 60
اتكالاً على نظره في جسيمها، فإن للطيف موقعاً ينتفع به. وقد آتى الله ملك الدنيا سليمان بن داود ﵉، ثم تفقد الطير فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ لأن التهاون باليسير أساس الوقوع في الكثير. وقد قال الشاعر:
لا تحقرن سبياً كم جر شراً سبيب!
وقالوا: أصل الأشياء كلها شيء واحد ولا يدع مباشرة جسيم أمره، فللجسيم موضع إن غفل عنه تفاقم، ولا يلزم نفسه مباشرة الصغير أبداً فيضع الكبير. وقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: المؤذن للصلاة، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد سخنه فسد، وصارخ الليل لشر دهاه، وصاحب البريد فإن التهاون بالبريد ساعة يخرب عمل سنة. وكان أبو العباس السفاح يقول: لأستعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة، ولأكثرن من الخاصة ما أمنتهم على العامة،، ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق، ولأعطين حتى لا أرى للعطية موضعاً. وقال أزدشير لما كمل ملكه وأباد أعداءه: إنه لم يحكم حاكم على العقول كالصبر، ولم يحكمها محكم كالتجربة، وليس شيء أجمع للعقل من خوف وحاجة يتأمل بها صفحات حاله. وكان عمر يقول: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف والقوة في غير عنف.
وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق، يقل لفظها ويسهل حفظها، وتكون لأغراضها لفقاً ولمقاصدها وفقاً، تشرح المنبهم وتوضح المستعجم؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، دخل أكثم بن صيفي حكيم العرب على بعض الملوك، فقال له: إني سائلك عن أشياء لا تزال في صدري معتلجة، وما تزال الشكوك عليها والجة، فأنبئني بما عندك فيها. فقال: أبيت اللعن؟ سألت خبيراً واستنبأت بصيراً، والجواب يشفعه الصواب فسل عما بدا لك. قال: ما السؤدد؟ قال: اصطناع المعروف عند العشيرة واحتمال الجريرة. قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى وبذل الندا. قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم وابتناء المكارم. قال: فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء في الشدة والرخاء. قال: فما العز؟ قال: شدة العضد وثروة العدد. قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل وحب السائل. قال: فما الغنى؟ قال: الرضا بما يكفي وقلة التمني. قال: فما الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة. فقال له الملك: أوريت زناد بصيرتي وأذكيت نار خبرتي، فاحتكم. قال: لكل كلمة هجمة. قال: هي لك؟ قال الأصمعي: قال لي الرشيد: ولك بكل كلمة بدرة. فانصرفت بثمانين ألفاً.
وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر فيكرمه، فقال له يوماً: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة الرجل بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف الرجل عند علمه. قابل: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقوق.
الباب العشرون: في معرفة الخصال التي هي أركان السلطان
قال أبو جعفر المنصور: ما كان أحوجني أن يكون على بابي أربعة لا يكون على بابي أعف منهم. قيل: من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: هم أركان الملك لا يصلح الملك إلا بهم، كما أن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم، فإن نقص قائمة واحدة عابه: أحدهم قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والآخر صاحب خراج يستقضي ولا يظلم الرعية فإني غني عن ظلمهم. ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة: آه آه؟ قيل: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. وقال عمر بن الخطاب
стр. 61
رضي الله عنه: لا يصلح الوالي إلا بأربع خصال، إن نقصت واحدة لم يصلح له أمر: قوة على جمع المال من أبواب حلة، ووضعه في حقه، وشدة لا جبروت فيها، ولين لا وهن فيه.
الباب الحادي والعشرون: في حاجة السلطان إلى العلم
قال ابن المقفع: إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبك ذلك، فإن زوال الكرامة بزوالهما، ولكن يعجبك إن أكرموك لأدب أو علم أو دين. اعلم أرشدك الله أن أكثر الناس حاجة إلى النفقة أكثرهم عيالاً وأتباعاً وحشماً وأصحاباً، والخلق مستمدون من السلطان الخلائق السنية والطرائق العلية، مفتقرون إليه في الأحكام وقطع التشاجر و فصل الخصام، فهو أحوج خلق الله إلى معرفة العلوم وجمع الحكم، وشخص بلا علم كبلد بلا أهل. وأفضل ما في السلطان خصوصاً في الناس عموماً محبة العلم والتحلي به، والشوق إلى استماعه والتعظيم لحملته، فإن ذلك دليل على قوة الإنسانية فيه وبعده من البهيمية، ومضاهاته للعالم العلوي وهو من أأكد ما يتحبب به إلى الرعية، وإذا كان الملك خالياً من العلوم ركب هواه وأضر برعيته، كالدابة بلا رسن تمر في غير طريق، وقد تتلف ما تمر عليه.
واعلم أن زهرة الفضائل وحسن المناقب وبهاء المحاسن، وما ضاد ذلك من قبح المثالب وفحش الرذائل، كل ذلك يظهر عليك ويعظم منك، بقدر ما أوتيته من علو المنزلة وشرف الحظوة، فيكون حسنك أحسن كما يكون قبحك أقبح. وليس أحد من أهل الدرجات السنية والمراتب العلية، أحوج إلى مجالسة العلماء وصحبة الفقهاء، ودراسة كتب العلوم والحكم ومطالعة دواوين العلماء، ومجامع الفقهاء وسير الحكماء من السلطان.
وإنما كان كذلك من وجهين: أحدهما أنه قد نصب نفسه لممارسة أخلاق الناس وفصل خصوماتهم وتعاطي حكوماتهم، وكل ذلك يحتاج إلى علم بارع وفكر ثاقب، وبصيرة بالعلم قوية ودراسة طويلة، فكيف يكون حاله لو لم يعد لهذه الأمور عدتها ولم يقدم إليها أهبتها؟ والثاني أن من سواه من الناس لا يقدمون من يكثر عليهم ويعارضهم، ويذكر لهم مساويهم ويخالفهم في مذاهبهم، فيكون ذلك مما يعينهم على رياضة أنفسهم ويعلمهم مراشدهم، ومناظرة الأكفاء ومعاشرة النظراء تلقيح للعقول وتهذيب للنفوس وتدريب لمآخذ الأحكام، بخلاف السلطان فإن ارتفاع درجته يقطع عنه جميع ذلك، إذ لا يلقاه ولا يجالسه إلا معظم لقدره ومبجل لشأنه وساتر لمساويه ومادح له بما ليس فيه، وإنما جوابهم له صدق الأمير وعلى قدر الرتبة يكون علو السقطة، كما أن على قدر علو الحائط يكون صوت الوجبة.
فصل:
يا أيها الملك ليس أحد فوق أن يأمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يؤمر بتقوى الله، ولا أحد أجل قدراً من أن يقبل أمر الله، ولا أرفع خطراً من أن يتعلم حكم الله، ولا أعلى شأناً من أن يتصف بصفة من صفات الله. ومن صفات الله تعالى: العلم الذي وصف به نفسه وتمدح بسعته، فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) . والكرسي هو العلم، والكراسي هم العلماء. وإذا كان العلم فضيلة فرغبة الملوك وذوي الأخطار والأقدار والأشراف والشيوخ فيه أولى، لأن الخطأ فيهم أقبح والابتداء بالفضيلة فضيلة. حكي أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه. فقال: يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر
стр. 62
واشتغلنا في الكبر! فقال المأمون: لم لا تتعلم اليوم؟ قال: أويحسن لمثلي طلب العلم؟ قال: نعم. والله لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تعيش قانعاً بالجهل! قال: ومتى يحسن طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة.
وروي أن بعض الحكماء رأى شيخاً يطلب العلم ويحب النظر فيه ويستحي. فقال: يا هذا، أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ ولأن الصغر أعذر وإن لم يكن في الجهل عذر. وفي منثور الحكم: جهل الشاب معذور وعلمه محقور، فأما الكبير فالجهل به أقبح ونقصه عليه أفضح، لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلاً ولم يفده علماً، كان الصغير أفضل منه، لأن الأمل فيه أقوى. وحسبك نقيصة في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه. وكل ما ذكرنا من حاجة الشيخ إلى العلم فحاجة السلطان إليه أكثر، ودواعيه إلى اكتسابه أشد، لأن من عداه إنما يخصه نفسه الواحدة فيفوت عليه تحصيل ما يقومها به، والملك منتصب سياسة أهل مملكته وتعليمهم وتقويم أودهم، فهو إلى العلم أحوج، كما قال الشاعر:
إذا لم يكن مر السنين مترجماً عن الفضل في الإنسان سميته طفلاً
وما تنفع الأعوام حين تعدها ولم تستفد فيهن علماً ولا عقلا؟
أرى الدهر من سوء التصرف مائلاً إلى كل ذي جهل كائن به جهلا!
وما يألف الإنسان إلا شبيهه كذاك رأينا العير قد يألف البغلا!
وقال بعض الحكماء: كل عز لا يوطده علم مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل مضلة. وكيف يستنكف ملك أو ذو منزلة علية عن طلب العلم؟ وهذا موسى ﵇ ارتحل من الشام إلى مجمع البحرين في أقصى المغرب على بحر الظلمات، إلى لقاء الخضر ليتعلم منه، فلما ظفر به قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (الكهف: ٦٦) . هذا وهو نبي الله وكليمه. وهذا محمد رسول الله ﷺ وصفوته من جميع خلقه، قد أوصاه ربه وعلمه كيف يستنزل ما في خزائنه، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه: ١١٤) . فلو كان في خزائنه أشرف من العلم لنبهه عليه. وهذا آدم ﵇ لما فخرت الملائكة بتسبيحها وتقديسها لربها وفخر آدم بالعلم: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٣١) . فلما عجزوا أمرهم بالسجود له. وأخلق بخصلة تستدعي السجود لحاملها أن يتنافس فيها كل ذي لب! وهذا فصل الخطاب لمن تدبره.
ولا ينصبن لك عذراً بما روي في بعض الأخبار مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، مثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء. وسمع الأحنف رجلاً يقول: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فقال الأحنف: الكبير أكبر عقلاً ولكنه أشغل قلباً؛ ففحص عن المعنى ونبه على العلة. وقد كان أصحاب النبي ﷺ يسلمون شيوخاً وكهولاً وأحداثاً، وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن وهم بحور العلم وأطواد الحكم والفقه، غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولاً وأبسق فروعاً، وليس إذا لم يحوه كله يفته كله. قال رجل لأبي هريرة ﵁: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه! فقال أبو هريرة: كفى يتركك له تضييعاً. وبعض الخير من كل الشر. وإنما مثل الجاهل تحت عبء الجهل مثل الحمال تحت حمل ثقيل، فإن هو كلما أعيى نقصه قليلاً فيوشك أن ينقصه كله فيستريح منه، وإن هو لم يطرح القليل حتى يطرح الكثير فما أوشك أن يصرعه حمله، فكذلك الجاهل إذا تعلم قليلاً قليلاً يوشك أن يأتي على بقيته، وإن لم يتعلم في الكبر ما فاته في الصغر فأوشك به أن يموت تحت عبء الجهل!
الباب الثاني والعشرون: في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
стр. 63
رضي الله عنه لكميل بن زياد في العلم وأهله
قال كميل بن زياد النخعي: خرجت مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى الجبانة، فلما أصحرنا تنفس الصعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير. احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا منه إلى ركن وثيق. العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. ومحبة العلم دين يدان الله تعالى به يكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. مات خزنة الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أشخاصهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة.
إن ههنا، وأشار بيده إلى صدره، لعلماً جماً لو أصبت له حملة بل قد أصبت له لقناً غير مأمون عليه، يستعمل الدين للدنيا فيستظهر بحجج الله على كتابه، أو كما قال، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أخبائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك! أو مهموماً باللذات سريع الانقياد للشهوات، أو مغرى شأنه جمع المال والادخار ليسا من رعاة الدين أقرب شبهاً بهما الأنعام السائمة. اللهم فكذلك يموت العلم بموت حامليه، ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحججه لئلا تبطل حجج الله وبيناته، ومن أولئك، وأين أولئك، أولئك الأقلون عدداً الأكثرون عند الله قدراً، تجول الحكمة في قلوبهم حتى يزرعها في قلوب أشباههم، ويودعوها في صدور نظرائهم. هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوحشه المترفون واستأنسوا بما استوحش الجاهلون. صحبوا الدنيا بأجساد أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده وأمناؤه على عباده، ودعاته إلى دينه. آه شوقاً إلى رؤيتهم!
الباب الثالث والعشرون: في العقل والدهاء والخبث والمكر
قد ذكرت في كتاب الأسرار حقيقة العقل وأقسامه ومحله وأحكامه بما لا مزيد عليه. ونذكرها ها هنا منافعه ومداركه ولباب ما تحرر من القول فيه: إنه الاستشهاد بالشاهد على الغائب، فمن كان في طوقه أن يستدل بما شاهده على ما غاب عنه، كان معه عقل ويسمى عاقلاً عند الموحدين، وبه يتوجه التكليف عليه، وذلك كمن نظر إلى قصر قد كمل بنيانه وحصنت أركانه، وجعل فيه من الآلات ما يكتفي به ساكنوه، فأشرف عليه إنسان فرأى بيوتاً مقطوعة وأبواباً منصوبة، وفرشاً مفروشة وزرابي مبثوثة وموائد موضوعة، وصحافاً مصفوفة وأرائك منضودة وحجالاً مسدلة، وطشوتاً وأباريق وبيوت ماء وميازيب تصب الماء، وتحتها بلاليع لغيض الماء وطيقان للضياء الواقع، ومداخن للدخان الخارج ومنافس للرياح والهواء، إلى سائر ما يستعده العقلاء للإنتفاع.
ثم فكر هل هذا القصر بما حواه صنعة قادر صانع عالم حي، أو اتفق لنفسه وتركب على صورته بلا صانع؟ فيستقر في عقله بالضرورة استحالة وجوده من غير صانع، وأنه يفتقر إلى صانع صنعه، وهذا علم يهجم على العقول لا يفتقر إلى نظر واستدلال. وإنما كثرت لك هذه الأمثلة لأن ما في الإنسان من الأعضاء ولطيف الصنعة والعجائب أكثر مما في القصر بأضعاف مضاعفة، فإذا نظر إلى ما في نفسه فرأى ما فيها من العجائب والتركيب، ومنفعة كل عضو وتخصيصه إما بجلب نفع أو دفع ضر، فأمعن نظره في عضو واحد مثلاً وهو فمه، فيرى في
стр. 64
أوله أسناناً تشبه القوس تصلح للقطع، وفي آخره طواحين مضرسة تصلح للطحن، وشدقيه كأنهما ثقال الرحى يمنعان أن ينهرق الطعام إلى خارج، ولسان يرد ما انفلت من الطعام إليه على الطواحين، ثم يلي ذلك بلعوم يصلح لازدراد هذا الطحين، علم بأدنى تأمل أن هذه الخلقة ما انفعلت بنفسها اتفاقاً بل هي مفتقرة إلى قصد قاصد وجعل جاعل. وعلى هذا النمط لو ذهبنا نذكر منفعة كل عضو لوقفت على العجب ولكن تركناه كراهية التطويل.
وعلى هذا المعنى نبه الكتاب المهيمن، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذريات: ٢١) . وبهذه العبرة تستقل العقول بإثبات الصانع، وتستغني عن النظر في الجواهر والأعراض. فالعلم المفيد لإثبات الصانع في الشاهد مثل البناء والنجار والخياط وأشباههم بعد النظر في صنائعهم على اضطرار، والعلم المثبت للصانع سبحانه عند النظر في حدث العالم على استدلال اعتباراً للغائب بالشاهد، إذ لا فرق في العقول بين صنعة وصنعة في اقتضاء صانع، وإنما كان العلم في الشاهد ضرورياً لأن الإنسان لم يزل يرى البناء يبني والخياط يخيط والنجار ينجر الخشب، ولم تر العقلاء القديم يخلق ويخترع وإنما استفادوه من النظر في الشاهد.
فإن قيل: فأي العلمين أقوى في النفوس وأثبت في العقول عند النظر في السرير واقتضائه النجار أو العلم بالإله عند النظر في السموات والأرضين وما بينهما؟ فالجواب: إن هذا يستدعي تفصيلاً وتدقيقاً وليس هذا الكتاب موضعاً لذلك، فحينئذ يعلم أن معه عقلاً غريزياً ونسميه عاقلاً ونوجه التكليف عليه، وهو العقل التكليفي. وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله تعالى خلق الخلق على أربعة أنحاء: ملائكة وآدميين وشياطين وبهائم. فأما الملائكة فعقول بلا شهوات ولا هوى، وأما البهائم فشهوات بلا عقول، وأما الشياطين والجن فركب الله فيها العقول والشهوات والهوى، وهكذا ركب في بني آدم العقل والهوى والشهوة، فغلبت شهوات الشياطين وهواهم عقولهم، فقطعوا أوقاتهم بالأخلاق المذمومة بالكبر والعجب والمقت والفخر والدعوى، والحسد والأذية وسائر الأخلاق المهلكة، وأما البهائم فقطعت أوقاتها في شهوات البطن والفرج.
وأما الآدميون فركب فيهم عقول الملائكة وأخلاق الشياطين وشهوات البهائم، فمن غلب عقله هواه منهم فكأنه من عالم الملائكة كالأنبياء والرسل والأولياء والأصفياء وقليل ما هم. وأما من كان عقله مغلوباً بهواه وشهواته، فإن كان ذلك من المباحات من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب والنساء، والخيل المسومة والأنعام والحرث، فأكل وتمتع بعد أن كسبه من حله فهذا من عالم البهائم، وإنما ألحقناه بعالم البهائم لأنه لا تكليف على البهائم، وكذلك من هذه المباحات لا حرج في الاستمتاع بها بعد أن يكون كسبها من حله، وإن كان الغالب عليه أخلاق الشياطين من الكبر والعجب والحسد والغش إلى سائر الأخلاق المذمومة، فهذا من عالم الشياطين. وإن اجتمع في الشخص إفراط الشهوات واتباع الهوى والأخلاق المذمومة فيكون آدمياً في صورته، شيطاناً في خلائقه، بهيمة في شهواته، فلا يصلح للصحبة. وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا العقل الغريزي أطول رقدة من العين وأحوج إلى الشحذ من السيف.
فصل:
وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي، وهو ثقابة المعرفة وإصابة الفكرة وليس له حد ينتهي إليه، لأنه ينمو إذا استعمل وينقص إذا أهمل. ونموه يكون بأحد وجهين: إما أن يقارنه من مبدأ النشو ذكاء وحسن فطنة كالذي قال الأصمعي: قلت لغلام حدث من
стр. 65
أولاد العرب كان يحادثني، وأمتعني والله بفصاحته وملاحته: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنك أحمق؟ قال: لا والله! قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي؛ استخرج هذا الصبي بفرط ذكائه ما يدق على من هو أكبر منه سناً. وقيل لبعض الصبيان: ألك أب؟ قال: فكأني عيسى بن مريم! وقد قالت الحكماء: آية العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم، وليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة نهاية. ألا ترى أن أياس بن معاوية الذي يضرب المثل بذكائه قال لأبيه وهو طفل، وكان أبوه يؤثر أخاه عليه: يا أبت، تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا أنا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر ازداد ملاحة وحسناً، فتبنى له العلالي وتتخذ له المربعات وتستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش أملح ما يكون أصغر ما يكون وكلما كبر قبح وصار إلى القهقرى، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب.
والوجه الثاني ما يصلح لذوي الحنكة وصحة الروية لطول ممارسة والأمور كثيرة التجارب، ومرور العبر على أسماعهم وتقلب الأيام وتصرف الحوادث وتناسخ الدول، قد مرت على عيونهم وجوه الغير وتصدت لأسماعهم أنواع الأخبار وآثار العبر. قال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة. وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. ولذلك حمدت آراء الشيوخ حتى قالوا: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، فعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حنكة وتجربة. وقال الشاعر:
ألم تر أن العقل زين لأهله
ولكن تمام العقل طول التجارب
وقال الآخر:
إذا طال عمر المرء في غير آفة
أفادت له الأيام في كرها عقلا
غير أن للعقل آفات، كما قال بعض الحكماء: كيف يرجو العاقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه، والهوى أبعد من أن تنفذ فيه حيلة الحازم المحتال، وهو أغمض مسلكاً في الجنان من الروح في الجثمان، وأملك في النفس من النفس والمالك للشيء. ولهذا قيل: كم من عاقل أسير عند هوى أمير؟ فمن أحب أن يكون حراً فلا يهوى وإلا صار عبداً كما قال علي بن الجهم:
أنفس حرة ونحن عبيد
إن رق الهوى لرق شديد
واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد في الإنسان، هل يكون فضيلة أم لا؟ فقال معظم العقلاء: إنه فضيلة لأنه أذن كان مجموع آحاد وللآحاد فضائل، ولا شك أن كثرة الفضائل فضيلة. وأما الشيء المحدود فتكون الزيادة فيه نقصاً من المحدود كالتهور في الشجاعة، والتبذير في الكرم. وأما الزيادة في العقل المكتسب فزيادة علم بالأمور وحسن إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. وروي أن النبي ﷺ قال: أفضل الناس أعقل الناس. وقال ﵇: العقل حيث كان إلف مألوف. وقال القاسم بن محمد: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب الخصال عليه.
ولما مات بعض الخلفاء تخشخشت الروم واحتشدت واجتمعت ملوكها وقالوا: الآن يستقل المسلمون بعضهم ببعض فتمكننا الغرة فيهم والوثبة عليهم، وضربوا في ذلك مشاورات وتراجعوا فيه بالمناظرات، واجتمعوا على أنه فرصة الدهر وثغرة النحر. وكان رجل منهم من ذوي الرأي والمعرفة غائباً عنهم فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه. فلما أخبروه بما أجمعوا
стр. 66
عليه قال: لا أرى ذلك صواباً. فسألوه عن علة ذلك فقال: غداً أخبركم إن شاء الله. فلما أصبحوا غدوا عليه للوعد وقالوا: لقد وعدتنا. قال: نعم. فأمر بإحضار كلبين عظيمين قد أعدهما، ثم حرش بينهما وألب كل واحد منهما على الآخر فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل منه على الكلبين ذئباً عنده قد أعده، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما ووثبا جميعاً على الذئب، فنالا منه ما أرادا. ثم أقبل الرجل على أهل الجمع فقال لهم: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج والقتال بينهم ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر لهم عدو من غيرهم تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله وتفرقوا عن رأيهم.
وأما المذموم في هذا الباب فصرف العقل إلى الدهاء والمكر. قال الشعبي: دهاة العرب ستة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أمية وقيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقا. قال الأصمعي: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبداهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم. قال قبيصة بن جابر: ما رأيت أعطى الجزيل مال من غير سلطان من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت أثقل حلماً ولا أطول أناة من معاوية، ولا رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص، ولا أشبه سراً بعلانية من زياد، ولو أن المغيرة كان في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها. وقال أبو الدرداء: قال لي النبي ﷺ : يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ومن لي بالعقل؟ قال: اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلاً، ثم تنفل صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً وتزدد من ربك قرباً وعليه عزاً. وتروى هذه الأبيات لعلي بن أبي طالب ﵁:
إن المكارم أخلاق مطهرة
فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها
والجود خامسها والعرف سادسها
والبر سابعها والصبر ثامنها
والشكر تاسعها واللين عاشيها
والنفس تعلم أني لا أصدقها
ولست أرشد إلا حين أعصيها
والعين تعلم من عيني محدثها
إن كان من خربها أو من أعاديها
وقال بعض الحكماء: العاقل من عقله في إرشاد، ومن رأيه في إمداد، فقوله سديد وفعله حميد، والجاهل من جهله في إغواء، فقوله سقيم وفعله ذميم. فأما من صرف فضل عقله إلى الدهاء والمكر والشر والحيل والخديعة، كالحجاج وزياد وأشباههما، فمذموم. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لست بالخب والخب لا يخدعني. وقال المغيرة: كان والله عمر ابن الخطاب ﵁ أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
والموصوف بالدهاء والمكر مذموم، وصاحبه محذور تخاف غوائله وتحذر عواقب حبائله. وقد أمر عمر بن الخطاب ﵁ أبا موسى الأشعري أن يعزل زياداً عن ولايته، فقال زياد: أعن موجده أو جناية يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك.
وكتب زياد إلى معاوية ﵁: إن العراق في شمالي ويميني فارغة، فولني الحجاز أكفك أهله. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: الهم كفه. فطعن في إصبعه بعد أيام فمات. فنحن وإن كنا نرغب عن الدهاء والمكر فإنا
стр. 67
نرغب في الحيلة ونوصي بها. والإتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديماً وحديثاً، وليس شيء من أمور الدنيا لطالب الرفعة وباغي الوسيلة، ومرتاد أي أمر كان، دق أو جل، خير من الحيلة. وأضعف الحيلة أنفع من كثرة الشدة. وقالت الحكماء: ملاك العقل الحيلة والتأني للسبب الضعيف والقوي من الأمور. وروي أن رجلاً وقف بكسرى فقال: أنا أصنع ما تعجز الخلائق عنه. قال: ما هو؟ قال: تشد برجلي حبلاً طرفه برقبة فيل وبرجلي الأخرى كذلك، ويشد طرفه برقبة فيل ثم تساق الفيلة بالزجر والضرب فلا أتزحزح. ثم تعاطى أن يفعل ذلك بأربعة من الفيلة فمرت بحدتها فقسمته شطرين، فقال كسرى: من لم يكن أكبر ما فيه عقله هلك بأصغر ما فيه؛ فنظمه بعض الشعراء فقال:
من لم يكن أكبره عقله
أهلكه أصغر ما فيه
وسمعت القاضي أبا الوليد يحكي أن رجلاً استأذن هارون الرشيد فقال: إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه. فقال الرشيد: هات. فأخرج أنبوبة فصب فيها عدة إبر ثم وضع واحدة في الأرض وقام على قدميه، وجعل يرمي إبرة إبرة من قامته فتقع كل إبرة في عين الإبرة الموضوعة حتى فرغ دسته. فأمر الرشيد بضربة مائة سوط ثم أمر له بمائة سوط ثم أمر له بمائة دينار، فسئل عن جمعه بين الكرامة والهوان فقال: وصلته لجوده ذكائه وأدبته لكي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول. ومن زعم أن العقل المكتسب إذا تناهى لا يكون فضيلة، قال لأن الفضائل هبات متوسطة بين الفضيلتين ناقصتين، فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة، كالكرم الذي هو متوسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين التهور والجبن.
وقالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور فإن الزيادة عيب والنقصان عجز. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: خير الأمور أوسطها. وقال علي بن أبي طالب ﵁: خير الأمور الأوسط، إليه يرجع العالي ومنه يلحق التالي. قالوا: ولأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر، وذلك مذموم. قلنا: هذا كله باطل بما قدمناه لنصرة القول الأول، وهو منقوض بالعقل الغريزي وبالعلوم وسائر الفضائل. وأما قولهم بأنه يقضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر. قلنا: الدهاء والمكر كسب معان أخر غير العقل ليست من لوازم العقل، فإن شاء تداهى ومكر وإن شاء كف، كما تقول في كل شر يكتسبه العاقل باختياره: ليس عقله أوقعه فيه بل إنما أوقعه فيه قلة عقله. وكان بزرجمهر لما فرغ من كتاب أمثاله، ونسق كل باب على حياله يقول: ليس العجب ممن حفظ هذه الأمثال فصار عالماً، إنما العجب ممن حفظها ولم يصر عالماً. وأنا أقول: ليس العجب ممن قرأ كتابي هذا وصار مهذباً كاملاً إنما العجب ممن قرأه ولم يصر مهذباً كاملاً.
الباب الرابع والعشرون: في الوزراء وصفاتهم
قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ (طه: ٢٩) . فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران. ثم ذكر حكمة الوزراء فقال: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه٣٢: ٣١) . دلت هذه الآية على أن موضع الوزير أن يشد قواعد المملكة وأن يفضي إليه السلطان بعجز ونحوه إذا استكملت فيه الخصال المحمودة. ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً*وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ (طه٣٤: ٣٣) . دلت هذه الكلمة على أن بصحبة العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة
стр. 68
تنتظم أمور الدنيا والآخرة، وكما أن أشجع الناس يحتاج إلى السلاح وأفره الخيل إلى السوط، وأحد الشفار إلى المسن، كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير. وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: ما بعث الله نبياً ولا استخلف خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
وإنما اشتقت الوزارة من الوزر وهو الثقل. يريد أنه يحمل من أمر المملكة وأعبائها وأثقالها مثل الأوزار. أسعد الملوك من له وزير صدق، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه. قال وهب بن منبه: قال موسى ﵇ لفرعون: آمن ولك الجنة ولك ملكك. قال: لا حتى أشاور هامان. فشاوره في ذلك فقال: بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد! فأنف واستكبر وكان من أمره ما كان. وعلى هذا النمط كان وزير الحجاج يزيد بن أبي مسلم لا يألوه خبالاً، ولبئس القرناء شر قرين لشر خدين! وأشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ثم الوزارة الوزير عون على الأمور وشريك في التدبير، وظهير على السياسة ومفزع عند النازلة. والوزير مع الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه. وفي الأمثال: نعم الظهير الوزير.
واعلم أن أول ما يستفيد الملك من الوزير أمرين: علم ما كان يجهله، ويقوي عنده علم ما كان يعلمه. وأول ما يظهر نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في استنجاب الوزراء واستنفاد الجلساء ومحادثة العقلاء، فهذه ثلاث خصال تدل على كماله وبهائه، يجمل في الخلق ذكره ويجل في العقول قدره، وترسخ في النفوس عظمته والمرء موسوم بقرينه. وكان يقال: حلية الملوك وزينتهم وزراؤهم. وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يصلح السلطان إلا بالوزراء ولا الأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفاف. وأعظم الأشياء ضرراً على الناس عامة، وعلى الولاة خاصة أن يحرموا صالحي الوزراء ولأعوان، فتكون أعوانهم غير ذي جدوى وغنى، ويحذر الملك أن يولي الوزارة غير المتحرين كيلا تضيع الأمور، كما يحذر أن يتطبب بغير طبيب بصير مأمون.
قال شريح بن أبي عبيد: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا ومعه رجل حكيم، إذا رآه غضبان كتب له صحائف في كل صحيفة: ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة. فكلما غضب الملك ناوله صحيفة حتى يسكن غضبه. وقال أزدشير: يحق على الملك أن يكون ألطف ما يكون نظراً أعظم ما يكون خطراً، ولا يذهب حسن نظره في الرعية خوفه لها، ولا يستغني بتدبير اليوم عن تدبير غد، وأن يكون حذره للمتملقين أكثر من حذره للمتباعدين، وأن يتقي بطانة السوء أشد من اتقائه العامة، ولا يطمعن في إصلاح العامة إلا بالخاصة. وقال أزدشير: لكل ملك بطانة حتى يجمع ذلك جميع المملكة، فإذا أقام الملك بطانة على حال الصواب أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك، حتى يجتمع على الصلاح عامة الرعية.
ومثال الملك الخير مع الوزير السوء الذي يمنع الناس خيره ولا يمكنهم من الدنو منه كالماء الصافي، فيه التمساح فلا يستطيع المرء دخوله، وإن كان سابحاً وكان إلى الماء محتاجاً. ومثل السلطان مثل الطبيب ومثل الرعية مثل المرضى، ومثل الوزير مثل السفير بين المرضى والأطباء، فإن كذب السفير بطل التدبير، وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحداً من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل، كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل فيقتله الملك. فمن ههنا شرطنا أن يكون الوزير
стр. 69
صدوقاً في لسانه عدلاً في دينه، مأموناً في أخلاقه بصيراً بأمور الرعية، ويكون بطانة الوزير من أهل الأمانة والبصيرة، ويحذر الملك أن يولي الوزارة لئيماً فإن اللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل.
ولما أراد سليمان بن عبد الملك أن يستكتب كاتب الحجاج يزيد بن مسلم، قال له عمر بن عبد العزيز: أسألك بالله يا أمير المؤمنين أن لا تحيي ذكر الحجاج باستكتابك إياه. فقال: يا أبا حفص إني لم أجد عنده خيانة دينار ولا درهم. قال عمر: أنا أوجدك من هو أعف منه في الدينار والدرهم. قال: ومن هو؟ قال: إبليس ما مس ديناراً ولا درهماً وقد أهلك هذا الخلق. ودخل رجل له عقل وأدب على بعض الخلفاء، فوجد عنده رجلاً ذمياً كان الخليفة يميل إليه ويقربه فقال:
يا ملكاً طاعته لازمة
وحبه مفترض واجب
إن الذي شرفت من أجله
يزعم هذا أنه كاذب
وأشار إلى الذمي، فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك، فسأله فلم يجد بداً من أن يقول: هو صادق، فاعترف بالإسلام. لا يعرف وزير الملك ما له أو ما عليه حتى يراعي من صاحبه الواثق به ما يراعيه العاشق الغيور من المعشوقة المتهمة. وكان بعض الملوك قد كتب ثلاث رقاع وقال لوزيره: إذا رأيتني غضبان فادفع إلي رقعة بعد رقعة، وكان في الأولى: إنك لست بإله وإنك ستموت وتعود إلى التراب فيأكل بعضك بعضاً. وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. وفي الثالثة: اقض بين الناس بحكم الله فإنه لا يصلحهم إلا ذلك. إذا كان الوزير يساوي الملك في الرأي والهيبة والطاعة فليصرعه الملك، فإن لم يفعل فليعلم أنه المصروع. وفي الأمثال: إذا سكنت الدهماء خافت الوزراء. ولما كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزارة وأزمة الملوك في أكف الوزراء، سبق فيهم من العقلاء المثل السائر فقالوا: لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير، وإذا أحبك الوزير فلا تخش الأمير. ويقال: الخرق مماراة الأمراء ومعاداة الوزراء، ورب أمر كرهه الأمير فتم بالوزير، وكم من أمر أراده الأمير فنهاه عنه الوزير! وإنما السلطان كالدار والوزير بابها، فمن أتى الدار من بابها ولج، ومن أتاها من غير بابها انزعج. وقال أنوشروان: لا يتم للملك أمره حتى يرفع نفسه عن كل عيب، ويكون له جليس مأمون الغيب وخادم ناصح الجيب. وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من النظر، فكما أن من لم ينظر إلى المرآة لم ير محاسن وجهه وعيوبه، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعرف محاسن دولته وعيوبها. كاتب الملك مستقر أسراره ولسانه الناطق عنه في آفاق مملكته، والمخصوص بقربه ولزومه دون نظرائه. ظهير الأمير وزيره وزينته حاجبه، ولسانه كاتبه ورسوله عينه. الكتابة قوام الخلافة وقرينة الرياسة وعمود المملكة. للكاتب على الملك ثلاثة أشياء: يرفع الحجاب عنه ويتهم الوشاة عليه ويفشي سره إليه.
وقد قالت الحكماء: لا يطمعن ذو الكبر في الثناء، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيئ الأدب في الشرف، ولا الشحيح في البر ولا الحريص في قلة الذنوب، ولا الملك المتهاون الضعيف الوزراء في بقاء الملك، وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها، وجودة صقلها ونقائها من الصدأ، كذلك الأمير لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير وصحة فهمه وصفاء نفسه ونقاء قلبه. ومن شروط الوزير أن يكون مكين الرحمة
стр. 70
للخلق رؤوفاً بهم، ليأنسوا برحمته ما يخرجه السلطان بغلظته. ومن شروطه أن يكون نقي الجيب ناصح الغيب، لا يقبل دقيقة ولا يكتم نصيحة. قال بعض الملوك لوزيره: لا تكونن إلى ما تسرني به أسرع مبادرة إلى إنذاري فيما تخاف علي منه. وقال بعض الحكماء: أعط من أتاك بما تكره كما تعطي من أتاك بما تحب، فإن من أنذر كمن بشر.
ومن شروطه أن يكون معتدلاً كليل تهامة لا حر ولا قر ولا سآمة، وموقع الوزير من الملك موقع الملك من العامة، وكما أن السلطان إذا صلح صلحت الرعية وإذا فسد فسدت الرعية، كذلك الوزراء إذا فسدوا فسد الملك وإذا صلحوا صلح الملك. وكان يقال: آفة العقل الهوى، وآفة الأمير سخافة الوزير. وقال المقتدر بالله لوزيره علي بن عيسى: اتق الله يعطفني عليك ولا تعصه يسلطني عليك. وقال المأمون لمحمد بن يزداد: إياك أن تعصي الله فيما تتقرب به إلي فيسلطني عليك. واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم السلطان نصيحة وإن استقلها، وموضع الوزير من المملكة كموضع العين من الإنسان وكاليدين، فإنه إذا صح قبضهما وبسطهما صح التدبير، وإذا سقما دخل النقص على الجسد. ولا تصلح الوزارة أن تكون في غير أهلها، كما لا يصلح الملك أن يكون في غير أهله. وشر الوزراء من كان الأشرار أيضاً له وزراء وبطانة ودخلاء.
وأوصت امرأة ابنها وكان ملكاً فقالت: يا بني ينبغي للملك أن تكون له ستة أشياء: وزير يثق برأيه ويفضي إليه بأسراره، وحصن يلجأ إليه إذا فزع، وسيف إذا نازل الأقران لم يخف أن يخونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة كانت معه، وامرأة إذا دخلت عليه أذهبت همه، وطباخ إذا لم يشته الطعام طبخ له ما يشتهيه.
الباب الخامس والعشرون: في الجلساء وآدابهم
قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: ٦٧) . وقال سبحانه: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (الفرقان٢٩: ٢٨) . وينبغي للملك أن يجالس أهل العقل والأدب وذوي الرأي والحسب، وذوي التجارب والعب، فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته، ولذلك حمدت آراء الشيوخ، فقال القدماء: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم. وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقالوا: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. وقال عبد الملك لجلسائه: جنبوني ثلاثاً: لا تطغوني فإني أعرف بنفسي منكم، ولا تكذبوني فإنه لا رأي لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحداً فيفسد قلبي عليكم. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. وقد قال هرم بن قطبة وهو أحد حكماء العرب، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: عليكم بالحديث السن الحديد النظر. وقال كثير من حكماء العرب: عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأياً لم يضره طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، والمذهب الأول أصدق على العقول. وقال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية: عليك بمجالسة الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل. قال ابن عباس: مجالسة العقلاء تزيد في الشرف. وقال سفيان بن عيينة: إن الرجل ممن كان قبلكم ليلقى الرجل العاقل فيكون بعقله عاقلاً أياماً. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه. مر سليمان بن داود ﵉ بقصر بأرض مصر فوجد فيه مكتوباً:
стр. 71
غدونا من قرى اصطخر
إلى قصر قفلناه
فمن يسأل عن القصر
فمبنياً وجدناه
يقاس المرء بالمرء
إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء
علامات وأشباه
وللمرء على المرء
دليل حين يلقاه
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى
حكيماً حين واخاه
قال: ووجد عليه نسراً واقعاً فدعاه، فقال له: من بنى هذا القصر؟ فقال: لا أدري. فقال: كم لك منذ وقعت عليه؟ قال: تسعمائة سنة. وفي الأمثال: يظن بالمرء ما ظن بخليله. ولما حج عبد الله بن جعفر نزل بمكة ليلاً، فلما أصبح قال: يا أهل مكة عرفنا خياركم من شراركم في ليلة واحدة. قالوا: كيف ذلك؟ قال: نزلنا ومعنا أخيار وأشرار، فنزل أخيارنا على أخياركم وأشرارنا على أشراركم فعرفناكم. واعلم أنه ليس الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب. وقال الأوزاعي: الصاحب كالرقعة في الثوب، إن لم تكن من مثله شانته. وقال مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: يا أبا بحر ما أشتاق إلى غائب إذا حضرت، ولا أنتفع بحاضر إذا غبت؛ فأخذه إبراهيم الكاتب فنظمه فقال:
وأنت الهوى من بينهم
وأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحدة
وما معهم إن بعدت اجتماع
وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل، والإخوان كنوز وافرة. وقال الأصمعي: تناظر رجلان وأعرابي حاضر فقال لأحدهما: مناظرة مثلك في الدين فرض والاستماع منك أدب، ومجالستك زين ومعرفتك عز، ومذاكرتك تلقيح للعقول وشحذ وإخاؤك شرف وفخر. وقال السمناني: غنى مخارق بين يدي المأمون:
وإني لمشتاق إلى ظل صاحب
يروق ويصفو إن كدرت عليه
عذيري من الإنسان لا إن جفوته
صفا لي ولا إن صرت طوع يديه
فطرب المأمون وقال: ويحك يا مخارق خذ مني نصف الخلافة وأعطني هذا الإنسان! وقالت الحكماء: النظر في عواقب الأمور تلقيح للعقول. وقالوا: العاقل لا تنقطع صداقته والأحمق لا تدوم مودته، فاتخذ من نصحاء أصحابك مرآة لطبائعك وفعائلك كما تتخذ لوجهك المرآة المجلية، فإنك إلى إصلاح طبائعك أحوج منك إلى تحسين صورتك. وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة خلا سبعة. قال: وما السبع يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة ولحم الغنم والماء البارد والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش الوطيء والنظر إلى الحسن من كل شيء. قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت وهي أولاهن. وقال هشام بن عبد الملك: قد قضيت الوطر من كل شيء فأكلت الحلو والحامض حتى لا أجد منهما طعماً، وشممت الطيب حتى لا أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم حائطاً، فما وجدت شيئاً ألذ من جليس سقطت بيني وبينه مؤونة التحفظ.
وقال عبد الملك بن مروان: قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من مجالسة الأصحاب، ومحادثة الإخوان في الليالي الزهر على
стр. 72
التلال العفر. وقال عبد الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده. ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٦) ، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر:
إذا راب مني مفصل فقطعته
بقيت وما بي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صح سرني
وإن هو أعيى كان فيه تحامل
وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك عنه؟ فقال: إني لما تقول واعٍ. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ فقال: بل سروري. قال: أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر إلى ما تحب.
الباب السادس والعشرون: في بيان معرفة الخصال التي هي جمال السلطان
قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . فلما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤) . فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: ٤٣) ، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل ﵈. قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الاحقاف: ٣٥)
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧) . وقال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ٢٢) . فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤١) . فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال
стр. 73
سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: ١٢٦) . وهذا نص لا يحتمل التأويل. وتحقيق القول في ذلك أن الانتصار عدل والعفو فضل، وفضل الله أحب إلينا من عدله، لأنه إن عدل علينا فأخذناه بحقه هلكنا، وإن عفا عنا برحمته تخلصنا، ولو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان، ولما علم أن في العدل استقصاء ومناقشة، وذلك مما تضيق عنده النفوس وتحرج له الصدور. نيط الإحسان بالعدل فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) . وأيضاً فإن الانتصار سيئة والعفو حسنة. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ (فصلت: ٣٤) . والدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠) . غير أنه إنما سميت سيئة لما كانت منتجة سيئة لا أنه لا يجوز الانتصار، وهو كقول عمرو بن كلثوم الثعلبي:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى الجزاء على الجهل جهلاً وإن لم يكن في الحقيقة جهلاً. وعن هذا روت عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ منتصراً من مظلمة ظلمها قط، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله تعالى فلا يقوم لغضبه شيء. وروي أنه ﷺ قال: ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فإن عفوت أيها الطالب كان أجرك على الله، وإن لم تعف كان حقك قبل من ظلمك، ولأن يكون أجرك في ضمان الله تعالى أوثق من أن يكون قبل مخلوق. وأيضاً فإنك إن لم تعف نلت حقك بلا زيادة عليه، وإن عفوت كانت حسنة أسديتها لأخيك، والله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠) . وشفع الأحنف ابن قيس إلى السلطان في محبوس فقال له: إن كان مجرماً فالعفو يسعه، وإن كان بريئاً فالعدل يسعه.
وقيل لبعض الكتاب بين يدي أمير المؤمنين: بلغ أمير المؤمنين عنك أمر. فقال له: لا أبالي! فقيل له: ولم لا تبالي؟ فقال له: إن صدق الناقل وسعني عفوه، وإن كذب وسعني عدله. ولما دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل وما تحكم فينا بالعدل! فغضب عمر وهم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان عمر وقافاً عند كتاب الله تعالى. وقال النبي ﷺ : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. وقال: ارحم ترحم. وكان يقال: أولى الناس بالسلطان أحقهم بالرأفة والرحمة. وفي الإنجيل أفلح أهل الرحمة لأنهم سيرحمون.
وقال سليمان بن داود ﵉: لقد أبغض الله المتسرعين إلى هرق الدماء، انتهت إليهم القسوة والغلظة والتباعد من الرحمة. ولما تمكن داود من قتل جالوت أبقى عليه وهو يومئذ عدوه وطالبه وقال: رب أعظم دمي في عين أعدائي كما عظمت في عيني دم عدوي، وكذلك خلصني من جميع الهموم. وقالت حكماء الهند: لا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع عزازة نفس وعجب. وقالت الحكماء: ليس الإفراط في شيء أجود منه في العفو، ولا هو في شيء أقبح منه في العقوبة. وكذلك التقصير مذموم في العفو محمود في العقوبة. واعلم أنك لأن تخطئ في العفو في ألف قضية خير من أن تخطئ في العدل في قضية واحدة. وقال معاوية ﵁: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا يواريها ستري.
وقال المأمون:
стр. 74
ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم. وأنشدوا:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟ وقال الشاعر:
ما زلت في العفو للذنوب وإط
لاقك جان يجرمه علق
حتى تمنى العصاة أنهم
عندك أمسوا في القيد والحلق
ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة. وقال رجل لعبد الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحداً يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك. وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله تعالى لك، والله يحب العافين. وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض وعقوبة الأشرار التصريح. وقال المأمون:
لما رأيت الذنوب جلت
عن المجازة بالعقاب
جعلت فيها العقاب عفواً
أمضى من الضرب للرقاب
وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيماً والبذل شرفاً. وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت. وقال بعض الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعاً، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته وصعد معاوية في علية له متطلعاً، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره رجلاً مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا من الدهاء العظيم والحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وأتى موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة
فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر!
فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيته منه
стр. 75
بحسن العفو لم يوحشها الذنب وإن عظم، وإن خشيت منه العقوبة أوحشها الذنب وإن صغر، حتى يضطره ذلك إلى المعصية. ومن الحكمة البالغة في هذا قول سابور وقد جمع أولاده فقال: يا بني إذا أعجزكم أن تملؤا قلوب الرعية حياء فاملؤوها خوفاً، وليس ذلك بأن تحمل العقوبة على من لا يستحقها ولكن تعجيلها لمن يستحقها. وفي هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (الأنفال: ٥٧) . وهذا المعنى لا يختل عما أوجبناه، وهذا معنى قول سابور ولا يخالف ما قررنا من حسن العفو، بل هذا المحمول على الواجب المستحق أو على ما في تركه إغراء بركوب أمثاله، فها هنا يكون العفو مفسدة.
فيا أيها المعاقب إذا أقمت على مذنب عقوبة فلا تكن كالمستشفى المتلذذ بعذابه، لأنك وإياه أخوان لأب وأم آدم وحواء، لم تفضله بحولك وقوتك بل بما فضلك الله به تطولاً عليك، فاذكر لو كنت في مقامه وكان في مقامك، ولا تأمن من تقلب الدهر فتقوم مقامه بين يدي من لا يرحم ولا ينظر في العواقب، واحذر التفريط والتقصير فأقم نفسك مذنباً أقيم للعقوبة، وليكن عقابك مقدراً كما كان عطاؤك مقدراً، وليكن عقابك للتقويم لا للانتقام وللزجر لا للهوى. وعن هذا قال بزرجمهر: لا ينبغي للملوك أن يكرموا أحداً بهوان من ليس للهوان أهلاً، وأن يهينوا أحداً بكرامة من ليس للكرامة أهلاً. لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا على البخل أسرع منك إلى البذل. قال الشاعر:
صفوح عن الإجرام حتى كأنه
من العفو لم يعرف من الناس مجرماً
فليس يبالي أن يكون به الأذى
إذا ما الأذى بالكره لم يغش مسلماً
وقال سليمان بن داود ﵉: التنكيل والعقوبة أمنية الملك الشرير وعلى مثله يبعث الله ملكاً غير رحيم. وقال معاوية: لا ينبغي للملك أن يظهر منه غضب أو رضى إلا ثواب أو عقاب. وقال أزدشير: فضل الملك على السوقة إنما هو بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فكلما استكثر منها بانت فضيلته واستحقاقه لموضعه من الولاية عليهم، وكلما نقص منها قرب من السوقة. وقال المأمون: إني لأجد لعفوي لذة من لذة الانتقام. واعلم أنه إذا عاقب الملك وأهان على ظن بغير يقين، أدخل على نفسه من قبح الخطأ في الرأي أعظم مما أدخل على صاحبه من العقوبة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: الغالب بالشر مغلوب وما ظفر من ظفر إلا بالإثم. وقيل لأفلاطون: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى؟ فقال: الإحسان إلى الناس. وقال حكيم: الحلم قوام السفيه والعفو زكاة العقل. وقال حكيم: السيد الذي لا يشين حسن الظفر بقبح الانتقام، وخير مناقب الملوك العفو. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من أذل العبد بالذنب وأذل الذنب بالعفو. إلهي إن عفوت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم. إلهي إن كنت لا ترضى إلا عن أهل طاعتك، فكيف يصنع الخاطئون؟ وإن كان لا يرجوك أهل وفائك فبمن يستغيث المستغيثون؟ وقال الشاعر:
وإن الله ذو حلم ولكن
بعز الحلم ينتقم الحليم
وروي أن الحجاج أخذ قطرى بن الفجاءة فقال: لأقتلنك! قال: ولم؟ قال: لخروج أخيك علي. قال: إن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي! قال: هاته. قال: فإن معي أوكد منه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) . فتعجب من جوابه وخلى سبيله. ولما وفد عقيل بن أبي طالب على
следующие страницы →