Полный текст (204 стр.). Показаны 176–204 · переход к 181.
стр. 176
نحن، عملنا أمرنا. فصبروا إلى أن زالت الشمس ثم صلوا ودعوا الله تعالى أن ينصر دينهم ويربط على قلوبهم بالصبر، وأن يوهن عدوهم وأن يلقي في قلوبهم الرعب.
وكان البارسلان قد استوثق من خيمته ملك الروم وعلامته وفرسه وزيه ثم قال لرجاله: لا يتخلف أحد منكم حتى يفعل كفعلي، ويضرب بسيفه ويرمي بسهمه حيث أضرب بسيفي وأرمي بسهمي. ثم حمل برجاله حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم، فقتلوا من كان دونها وخلصوا إليه وقتلوا من حوله، وأسر ملك الروم وجعلوا ينادون بلسان الروم: قتل الملك! فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل فتبددوا وتمزقوا كل ممزق، وعمل السيف فيهم أياماً وأخذ المسلمون أمولهم وغنائمهم. واستحضر ملك الروم بين يدي البارسلان بحبل في عنقه فقال له البارسلان: ما كنت تصنع بي لو أخذتني؟ قال: فهل تشك أني كنت أقتلك؟ فقال له البارسلان: أنت أقل في عيني أن أقتلك! اذهبوا به وبيعوه لمن يريده، فكان يقاد بالحبل في عنقه وينادي عليه: من يشتري ملك الروم؟ وما زالوا يطوفون على الخيام ومنازل المسلمين وينادى عليه بالدراهم والفلوس، فلم يدفع أحد فيه شيئاً حتى باعوه من إنسان بكلب، فأخذ الذي كان يتولى ذلك من أمره الكلب والملك، فحملها إلى البارسلان وقال: قد طفت جميع العسكر وناديت عليه فلم يبذل أحد فيه شيئاً إلا رجل واحد دفع لي فيه كلباً! قال: قد أنصف لأن الكلب خير منه، فاقبض الكلب وادفع إليه هذا الكلب! ثم إنه أمر بعد ذلك بإطلاقه فذهب إلى قسطنطينية فعزلته الروم وكحلته بالنار. فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة والقصد والمكيدة.
واعلم أن القدماء قالوا: الكثرة للرعب والقلة للنصر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (التوبة: ٢٥) . فالكثرة أبداً يصحبها الإعجاب، ومع الإعجاب الهلاك. وخير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب جيش يبلغ اثني عشر ألفاً من قلة إذا اجتمعت كلمتهم.
وأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، وهو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن نقدم الرجالة بالدرق الكاملة والرماح الطوال والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفوا صفوفهم ويركزوا مراكزهم ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض، وصدورها شارعة إلى عدوهم جثياً في الأرض، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون التي تمزق سهامهم الدروع، والخيل خلف الرماة فإذا حملت الروم على المسلمين لم تتزحزح الرجالة عن هيئاتها ولا يقم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو رشقتهم الرماة بالنشاب والرجالة بالمزاريق وصدور الرماح تتلقاهم، فاخذوا يمنة ويسرة فتخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة، فتنال منهم ما شاء الله تعالى.
ولقد حدثني من حضر مثل هذه الوقعة ببلدي طرطوشة قال: صاففنا الروم على هذا الترتيب فحملوا علينا، فبينا رجل منا كان في آخر الصف فقام على قدميه، فحمل عليه علج من العدو فأصاب غرته فقتله. ولما برز المقتدر بالله بن هود ملك الأندلس من سرقسطة في ثغور بلاد الأندلس للقاء الطاغية روميل، عظيم الروم، وكان كل واحد منهما قد احتشد منهما بما في ميسوره، فالتقى المسلمون والكفار ثم تنازلوا للقتال وتصاففوا، ودام القتال بينهم صدراً كثيراً وكان المسلمون في خسران، فأفزع المقتدر ذلك وفرق المسلمون من شر ذلك اليوم، فدعا المقتدر رجلاً من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف
стр. 177
منه في الحرب يسمى سعدادة فقال له المقتدر: كيف ترى هذا اليوم؟ فقال سعدادة: هذا يوم أسود، ولكن بقيت لي حيلة. فذهب سعدادة وكان زيه زي الروم وكلامه كلامهم لمجاورتهم وكثرة مخالطتهم، فانغمس في عسكر الكفار ثم قصد إلى الطاغية روميل، فألفاه شاكاً في السلاح مكفتاً في الحديد، لا يظهر منه إلا عيناه فجعل يتحيله ويرتصد غرته إلى أن أمكنته الفرصة، فحمل عليه وطعنه في عينه فخر صريعاً لليدين والفم، ثم جعل ينادي بلسان الروم: قتل السلطان يا معشر الروم! فشاع قتله في العسكر فتجادلوا وولوا منهزمين، وكان الفتح بإذن الله تعالى.
ولما استضعف الروم صقلية ووضعوا عليهم الخراج، فكانوا يحملون إليهم الخراج ويحملون الأموال إلى العرب بإفريقية، ويستنجدون بهم على الروم فقال لهم ملك الروم: إنما مثلي ومثلكم يا أهل صقلية مثل رجل له زوجتان عجوز وصبية، فكان إذا بات عند الصبية تلقط الشيب من لحيته لتصبيه فيزهد في العجوز، وإذا بات عند العجوز تلقط الشعر الأسود من لحيته لتشيخه فتزهد الصبية فيه، فيوشك إن دام هذا به أن يصبح أطلس، كذلك حالكم معي ومع العرب، إذا أديتم المال لي ولهم يوشك أن تفقد أموالكم فتبقوا فقراء فأسلمكم وأسلم البلاد.
ويروى أنه لما هم بحصار صقلية أمر أن يبسطوا بساطاً في الأرض، ثم جعل في وسطه ديناراً ثم قال لوجوه رجاله: من أخذ منكم هذا الدينار ولم يطأ البساط، علمنا أنه يصلح للملك، فوقفوا حوله ولم يصل أحد إليه، فلما أعياهم ذلك طوى ناحية من البساط من عنده، وأمر أن يطوي كل واحد مما يليه حتى طوى البساط، فمدوا أيديهم فلحقوا الدينار، فحينئذ قال لهم: إن أردتم مدينة صقلية خذوا ما حولها من الحصون والمدن الصغار والضياع والقرى، حتى إذا ضعفت أخذتموها. وكان بسرقسطة فارس يقال له ابن فتحون، وكان يناسبني من جهة أمي فيقع ابن خال والدتي، وكان أشجع العرب والعجم، وكان المستعين أبو المقتدر يرى له ذلك ويعظمه، وكان يجري له في كل عطية خمسمائة دينار، وكانت النصرانية بأسرها قد عرفت مكانه وهابت لقاءه.
فيحكى أن الرومي إذا سقى فرسه فلم يشرب يقول له: ويلك! لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء؟ فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان وأغروا به صدر المستعين، فمنعه إياه. ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم فتواقف المسلمون والمشركون صفوفاً، ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادي: هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح الكفار سروراً وانكسرت نفوس المسلمين، ثم جعل الرومي يكر على فرسه ويقول: اثنان لواحد! فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح الكفار سروراً وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الرومي يكر ويفر بين الصفين وينادي: ثلاثة لواحد! فلم يستجرأ أحد من المسلمين أن يخرج إليه وبقي الناس في حيرة.
فقيل للسلطان: ما لها إلا الوليد بن فتحون. فدعاه وتلطف به وقال له: أما ترى ما يصنع هذا العلج؟ فقال: هو بعيني! قال: فما الحيلة فيه؟ فقال أبو الوليد: فماذا تريد؟ فقال: اكف المسلمين شره! قال: الساعة يكون ذلك إن شاء الله تعالى. فلبس قميص كتان واستوى على سرجه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطاً طويل الطرف وفي طرفه عقدة معقودة، ثم برز إلى النصراني فعجب منه ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السرج، ثم ظهر على سرجه وحمل عليه وضربه بالسوط في عنقه، فالتوى على عنقه فأخذه بيده من السرج واقتلعه وجاء به يجره، فألقاه بين يدي
стр. 178
المستعين، فعلم المستعين أنه قد أخطأ في صنعه معه فأكرمه ورده إلى أحسن أحواله.
أيها الأجناد أقلوا الخلاف على الأمراء فلا ظفر مع الخلاف ولا جماعة لمن اختلف عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦) فأول الظفر الاجتماع وأول الخذلان الافتراق، وعماد الجماعة السمع والطاعة، وإنما أتي علي ﵁ يوم صفين وكان قد ظهر أهل العراق على أهل الشام، وتضعضعت صفوف معاوية فأحس بالشر وأنه مغلوب، فقال لعمر بن العاص: اذهب فخذ لنا الأمان من ابن عمك! يعني علياً ﵁، فأدار عمرو الحيلة وأمرهم أن يرفعوا المصاحف في أطراف الرماح وينادون: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى. فلما رأى ذلك أصحاب علي ﵁ كفوا عن الحرب فقال لهم علي ﵁: يا قوم هذه مكيدة منهم ولم يبق في القوم دفاع! فعصوه وتركوا القتال وكان ذلك سبب الحكمين.
اعلموا أن من أحزم مكائد الحرب إدكاء العيون واستطلاع الأخبار وإفشاء الغلبة، وإظهار السرور وإبانة الحذر والإحتراس من العدو، وأن لا تخرج هارباً إلى قتال ولا تضيق أماناً على مستأمن. وقال بعض المصنفين: كثرة التكبير عند اللقاء فشل. غضوا الأصوات وتجلببوا السكينة، وأقلوا اللوم واحتملوا الجبين. وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل. الليل يكفيك الجبان ويصف الشجاع، الليل المدد الأعظم. الحازم يحذر عدوه على كل حال، المواثبة إن قرب والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف والاستطراد إذا ولى، الجهل قوة الجراءة. من اغتر بقوته فقد وهن، ليس من القوة التورط في القوة. لكن أشد ما كنت أحذر ما كنت عند نفسك أكثر قوة وعدداً. من استضعف عدوه اغتر. ومن اغتر ظفر به عدوه. أشعروا قلوبكم في الحرب الجراءة فإنها سبب الظفر، واذكروا الظعائن فإنها تبعث على الإقدام، والتزموا الطاعة فإنها حصن المحارب. إذا وقع اللقاء برز القضاء، إذا لقي السيف السيف ذهب الخيار. رب مكيدة أبلغ من نجدة. رب كلمة هزمت عسكراً. الصبر سبب النصر. الظفر مع الصبر. اجعل قتال عدوك آخر حيلك. النصر مع التدبير. لا ظفر مع بغي. لا تغتر بالأقوياء لفضل قوتك على الضعفاء لا تجبنوا عند اللقاء ولا تقتلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور ولا تغلوا عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن غرض الدنيا.
الباب الثاني والستون: في القضاء والقدر والتوكل والطلب
اعلم وفقك الله تعالى أن مذاهب أهل الحق في القضاء والقدر وخلق الأفعال وإرادة الكاينات متيسرة لله، لا يخرج عن عمله وقضائه وقدره وحكمه حادث، فمن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، وقد تباين الخلق فيه وتشتتت مذاهبهم وتقاطعوا فيه وتدابروا، وكل حزب بما لديهم فرحون. ولم نضع هذه الترجمة لاستيفاء ما قالوا والاحتجاج لكل فريق، لأن ذلك يستدعي مجلدات وأسفار، وإنما نذكر في هذا الكتاب أحكاماً ظاهرة قريبة من العقول لتقريب الفائدة على الناظر فيه.
فاعلم أولاً أن كل ما يجري في العالم من حركة وسكون وخير وشر، ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره، كذلك لا يطير طائر بجناحيه ولا يدب حيوان على بطنه ورجليه، ولا تطن بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، كما لا يجري شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به. ثم اعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان والتوكل والكسب لا يتضادان، وذلك أن تعلم أن كل ما قضى الله تعالى وقدره فهو كائن لا محالة، كما أن ما عمله الله تعالى أن يكون
стр. 179
فهو كائن، ومن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، فرب أمر قدر الله تعالى وصوله إليك بغير طلب فهو واصل، ورب أمر قدر وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إلا بالطلب، والطلب أيضاً من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين القدر في أنهما مقدوران.
فمن ههنا قلنا إنهما لا يتنافيان. وكذلك التوكل مع الكسب لأن التوكل محله القلب والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين بعدما يتحقق العبد أن المقدور من الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن أتفق فبتيسيره. قال أنس ﵁: جاء رجل على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل. والتوكل والاعتصام بالقدر يستمدان من العقل، والطلب والكسب يستمدان من الأمر، فالتوكل على الله تعالى هو الثقة بما ضمنه والقطع بكون ما حكم به، فمن رام أمراً من الأمور ليس من الطريق في تحصيله أن يغلق بابه عليه، ويفوض أمره إلى ربه وينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق أن يشرع في طلبه على الوجه الذي شرعه الله تعالى فيه. وقد ظاهر النبي ﷺ بين درعين، واتخذ خندقاً حول المدينة ليستظهر به ويحترس به من العدو، وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لامة الحرب ويعبئ، الجيوش، ويأمرهم وينهاهم بما فيه مصالحهم، واسترقى وأمر بالاسترقاء وتداوى وأمر بالمداواة وقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء.
فإن قيل: قد روى أن النبي ﷺ قال: من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل؟ قلنا: أليس أنه قد قال اعقلها وتوكل، وظاهر بين درعين وسائر ما ذكرناه آنفاً. فإن قيل: فما الجمع بين ذلك؟ قلنا: معناه من اكتوى أو استرقى متكلاً على الرقية والكي، وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه من التوكل، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله تعالى. فأما من باشر الأسباب والأدوية وتعاطى تدبير الأمور بنفسه وأعوانه وماله، على ما جرت به سيرة الله في أرضه وعادته في خلقه، غير معتمد على شيء من ذلك بل هو واثق القلب أن ما حصل فبتقديره وما تعسر فبتقديره، معتمداً في ذلك على المسبب لا على الأسباب، فهذا هو التوكل لكن شرطه أن يمشي في ذلك كله مع الأمر، ولا يسلك طريقاً فيه معصية فليس يستدرك ما عند الله بمعاصيه.
قال علي ﵁: من ابتغى أمراً بمعصية الله تعالى كان أبعد لما رجي وأقرب لمجيء ما أتقن. ومن ظن أن الطلب والاكتساب يناقض التوكل، فقعد في بيته وأغلق بابه متكلاً على اله في زعمه، كان عن العقل خارجاً وفي تيه الجهل والجاً، ويقال له: فيجب من هذا إذا جعت وحضر الطعام لا تمد يدك إليه ولا تفتح فاك له، فإن تمادى على ذلك كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة، وينبغي لأهله أن يداووه. ألا ترى أن الله تعالى قال لمريم عليها الصلاة والسلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ (مريم: ٢٥)
فهلا أمرها بالسكوت ثم حمل الرطب إلى فيها؟ وهكذا القول فيمن له دابة أو بستان يؤمر بسقي البستان وحفره وإصلاح شأنه، ويؤمر بأن يعلف الدابة ويسقيها. وأنشدوا:
ألم تر أن الله قال لمريم
إليك فهزي الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزها
إليها ولكن كل شيء له سبب
وهكذا قال رسول الله ﷺ : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو أخماصاً وتروح بطاناً فلم يحمل أرزاقها إليها في أوكارها بل ألهمها طلبه في الغدو والرواح. وقد كان جهبل بن رئيس القندهارس برئ من تصديق القدر وتكذيب الطلب، دون أهل زمانه من
стр. 180
الملوك ما حجزه عن الطلب والتدبير، فأخرجه إخوته من سلطانه وقهروه على مملكته. فقال له بعض الحكماء: إن ترك الطلب يضعف الهمة ويذل النفس، وصاحبه سائر إلى أخلاق دواب الحجرة من الحيوان كالضب وسائر الحشرات تنشأ في حجرتها وفيها يكون موتها. ثم جمعوا بين الطلب والقدر وقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر الدابة إن حمل في واحد منهما رجح على الآخر وسقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه سفره، وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته.
وضربوا له مثالاً عجيباً فقالوا: إن أعمى ومقعداً كانا في قرية بفقر وضر، لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد. وكان في القرية رجل يطعمهما في كل يوم احتساباً قوتهما من الطعام والشراب، فلم يزالا في عافية إلى أن هلك المحتسب، فأقاما بعده أياماً فاشتد جوعهما وبلغ الضرر منهما جهده، فأجمعا رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره، ويستقل الأعمى بحمل المقعد ويدوران في القرية يستطعمان أهلها ففعلا فنجح أمرهما ولو لم يفعلا هلكا. وكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر، وكل واحد منهما معين لصاحبه. فأخذ جهبل في الطلب فظفر بأعدائه ورجع إلى ملكه. فكان جهبل يقول: لا تدع الطلب اتكالاً على القدر، ولا تجهدن نفسك في الطلب متكلاً عليه مستهيناً بالقدر، فإنك إذا جهدت نفسك في الطلب بوجوه التدبير المحمودة مصدقاً بالقدر، نلت ما تحاول ولم تلتو عليك الأمور. فإن علمت بذلك والتوى عليك أمر من مطلوبك فذلك من إعاقة القدر، وأنك قد أتيت ذنباً فتفقد جوارحك واستكشف ظاهرك وباطنك، وتب إلى الله تعالى من كل ذنب أتيته بجارحة من جوارحك، واخرج من كل مظلمة ظلمتها، فإذا فعلت ذلك قابلك الحظ وساعدك القدر إن شاء الله تعالى.
واعلم أن على هذا الأصل الذي قررناه يخرج كل ما ورد في القرآن العزيز. وفي حديث الرسول ﷺ من الأمر بالتوكل على الله والتسليم إليه والتفويض له. ومن ذلك أن سليمان الخواص رحمة الله عليه تلى يوماً قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: ٥٨) فقال: ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. قلنا: معناه لا يلجأ إلى الأسباب اعتماداً عليها، ولكن يلجأ إليها واثقاً بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، كما أمر النبي ﷺ بعقل الناقة ولبس درعين. ألا ترى أن من يطلب الزرع والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولا بذر أرضه معتمداً في ذلك على الله تعالى واثقاً به أن تلد امرأته من غير وقاع، وتنبت أرضه الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجاً ولأمر الله تاركاً.
وللأئمة والحكماء في القدر ألفاظ بارعة سليمة على السير والامتحان. منها ما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن القدر، فأعرض عن السائل فأبى إلا الجواب، فقال علي ﵁: أخبرني أخلقك الله تعالى كما يشاء أو كما تشاء؟ فأمسك الرجل فقال علي ﵁ للحاضرين أترونه يقول كما أشاء؟ إذاً والله أضرب عنقه. فقال الرجل: كما يشاء. فقال علي: يحييك على ما يشاء أو كما تشاء. قال: كما يشاء. قال: أيميتك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيحشرك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيدخلك حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال: حيث يشاء. فقال: قم فليس لك من الأمر شيء! وروى أن رجلين قدرياً ومجوسياً تناظرا فقال القدري للمجوسي: ما لك لا تسلم؟ فقال المجوسي: لو أراد الله تعالى لأسلمت. فقال القدري: قد أراد الله تعالى أن تسلم ولكن الشيطان يمنعك! فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما.
وروي في الإسرائيليات أن نبياً من أنبياء الله تعالى مر بفخ منصوب، وإذا بطائر قريب منه فقال الطائر:
стр. 181
يا نبي الله تعالى هل رأيت أقل عقلاً من هذا؟ نصب هذا الفخ ليصيدني فيه وأنا أنظر إليه. فقال: فذهب عنه ثم رجع فإذا الطائر في الفخ. فقال له: عجباً لك! أولست القائل آنفاً كذا وكذا؟ فقال: يا نبي الله إذا جاء الحين لم تنفع أذن ولا عين. وقال رجل من الخوارج لعلي بن أبي طالب ﵁: أرأيت من جنبني سبيل الهدى وسلك بي سبيل الردى أحسن إلي أم أساء؟ فقال له علي ﵁: إذا كنت استوجبت عليه حقاً فقد أساء وإذا كنت لم تستوجب عليه حقاً فهو يفعل ما يشاء. وقال مأمون بن مهران لغيلان القدري: سل فأقوى ما تكونون إذا سألتم. فقال غيلان: أشاء الله أن يعصى؟ فقال ميمون: أيعصى كارهاً؟ فانقطع غيلان. وروي أن رجلاً قال لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر. فقال: وما نصنع بالمناظرة في القدر؟ رأيت ظاهراً استدللت به على الباطن، ورأيت أحمق مرزوقاً وعاقلاً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس للعباد. وقال بعضهم:
يخيب الفتى من حيث يرزق صاحبه
ويعطى المنا من حيث يحرم طالبه
ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك، فقال له يزيد بن المهلب: أنت أدهى الناس وأعلمهم فكيف طرحت نفسك في يد سليمان؟ فقال موسى: إن الهدهد يهندس الماء في الأرض الفيفاء، ويبصر القريب منه من البعيد على بعده في التخوم، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة والحية فلا يبصره حتى يقع فيه. وفي الإسرائيليات: أن الهدهد كان رائد سليمان بن داود ﵉ إلى الماء فيتقدم عسكره ثم ينظر إلى الأرض فيقول: الماء هنا على ألف قامة أو أقل أو أكثر. فتبادره الجن تحفره فلا يلحق سليمان ﵇ إلا وقد استعد الماء. واعلموا أن الهارب مما هو مقضي مقدر كالمتقلب في كف الطالب. وأنشد بعضهم:
وإذا خشيت من الأمور مقدراً
وفررت منه فنحوه تتوجه
وقال بشار:
طبعت على ما في غير مخبر
هوائي ولو خيرت كنت مهذبا
أريد فلا أعطى وأعطى فلم أرد
وقصار علي أن ينال المغيبا
وأصرف عن قصدي وعلمي مقصرا
وأمسي وما أعطيت إلا التعجبا
ولما وقع الطاعون في الكوفة فر بن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع منشداً ينشد:
لن يسبق الله على حمار
ولا على ذي منعة طيار
ويأتي الحتف على مقدار
قد يصبح الله أمام الساري
فكر راجعاً إلى الكوفة وقال: إذا كان الله أمام الساري فلات حين مهرب. وأنشد بعضهم:
أقام على المسير وقد أنيخت
مطاياه وغرد حادياها
وقال: أخاف عادية الليالي
على نفسي أن ألقى رداها
ومن كتبت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها
ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتاباً فيه: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. وقال ابن عباس وجعفر بن محمد وحسن البصري رحمهم الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ (الكهف: ٨٢) إنما كان الكنز لوحاً من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح،
стр. 182
وعجبت لمن يوقن بيوم الحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال يحيى بن معاذ: عجبت من ثلاث: رجل يريد أن يتناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره، ورجل شغله هم غده، وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.
ومن أعجب ما نزل بالإسكندرية أن رجلاً من خدمة السلطان غاب عن خدمته أياماً، وقبضه الشرط وحملوه إلى دار السلطان، فانساب منهم في بعض الطريق وترامى في بئر، والمدينة مسربة تحت الأرض بأسراب يمشي الماشي فيها قائماً يخترقها ويدورها، لأن في دورها آباراً على تلك السروب، فما زال الرجل يمشي إلى أن لاح له بئر مضيئة فطلع منها. وإذا البئر في دار السلطان فطلع الرجل في دار السلطان، فأدبه السلطان فكان فيه المثل السائر: الفار من القضاء الغالب كالمتقلب في يد الطالب. وقال ابن مسعود ﵁: إن الرجل ليشرف على الأمر من الإمارة والتجارة أو غيرها، ذكره الله فوق سماواته فيقول للملك: اصرف عن عبدي هذا الأمر فإني إن أيسره له أدخله به جهنم، فيظل متغيظاً على جيرانه فيقول: سبقني فلان وحسدني فلان وما صرفه عنه إلا الله تعالى. وأنشد بعضهم:
قالوا تقيم وقد أحا
ط بك العدو ولا تفر
فأجبتهم والشيخ ما
لم ينتفع بالعلم غمر:
لا نلت خيراً ما بقي
ت ولا عداني الدهر شر
إن كنت أعلم أن غ
ير الله ينفع أو يضر
استأذن العقل على الجد فقال: اذهب فلا حاجة لي بك. فقال العقل: ولم؟ فقال: لأنك تحتاج إلي وأنا لا أحتاج إليك. وأوصى حكيم ابنه فقال: يا بني رزقك الله جداً يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوو الجدود. وكان يقال: إفراط العقل مضر بالجد. وروي أن رجلاً خير في أمر فأبى أن يختار وقال: أنا بجدي أوثق مني لعقلي فافرغوا. وفي الأمثال: اسع بجد لا بكد. واسع بجد ودع جدك لك ذلك الجد لا الجد. الجد أغنى من الكد. واعلم أن زمام الأمور التوفيق، ولم ينزل من السماء إلى الأرض أجل من التوفيق وهو مقرون بالاجتهاد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩) . وقد كنت جمعت فيه كتاباً من جملة كتابي في الأسرار. هل التوفيق مكتسب أو موهوب بلا مزيد عليه؟ ومن لطيف ما وقفت عليه في مجال القضاء والقدر، وأن الهارب من القدر كالمتقلب في يد الطالب، ما نزل بنا في الإسكندرية في قضية الرجل الذي تقدم ذكرة.
الباب الثالث والستون: وهو جامع من أخبار ملوك العجم وغيرهم وحكاياتهم
وهو مشتمل على خمس فصول: الأول يشتمل على أخبار وقعت إلينا بعد فراغنا من الكتاب فألحقناها. والثاني يشتمل على حكم لحكيم الفرس خاصة. والثالث يشتمل على حكم الحكيم الهند خاصة. والرابع يشتمل على حكم لحكيم العرب خاصة. والخامس يشتمل على حكم محمودة مجموعة منتخبة، رسمنا ذلك لننظر في عقول القوم وأغراضهم ومنتهى مرامهم، من كتاب جاويدان جرد الفارسي: ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر والحيل: العبادة في العلماء، والعقول في
стр. 183
المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار، وثلاث لا يشبع منهن: الحياة والعافية والمال.
وقال ابن لقمان لأبيه: يا أبت ما الداء العياء؟ قال: رعونة مولودة. قال: فما الجرح الدوي؟ قال: المرأة السوء! قال: فما الحمل الثقيل؟ قال: الغضب. ولما قرأ هذه الحكاية أبو عباد الكاتب، وكان ظريفاً في أحباره قال: لكن والله الغضب أخف علي من ريشة، وكان أسرع الناس غضباً فقيل له: إنما عنى لقمان أن احتمال الغضب ثقيل. فقال: لا والله لا يقوى أحد احتمال الغضب إلا الجمل. وغضب يوماً على بعض أصحابه فرماه بدواة فشجه، فجعل الدم يسيل فقال أبو عباد: صدق الله حيث قال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧) فبلغ ذلك المأمون فاستدعاه وقال له ويلك! ألا تحسن أن تقرأ آية من كتاب الله ؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأقرأ من كل سورة ألف آية فضحك المأمون وأمر بإخراجه. وقيل لأنوشروان: ما العقل؟ قال: القصد في كل الأمور. قيل: فالمروة؟ قال: ترك الربية. قيل: فما السخاء؟ قال: أتنصف من نفسك. قيل: فما الحمق؟ قال: الإغراق في الذم والحمد.
وقيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: سوء الظن. فقال بعضهم في قوله الحزم سوء الظن قال: إنما أراد سوء الظن بنفسه لا بغيره. قيل: فما الصواب؟ قال: المشورة. قيل: فما الذي يجمع القلوب على المودة؟ قال: كف بذول وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد في الحب والبغض. وقال معاوية لزياد حين ولاه العراق: يا زياد ليكن حبك وبغضك قصداً فإن الغيرة كامنة، واجعل للرجوع والنزوع بقية من قلبك، واحذر صولة الإنهماك فإنها تؤدي إلى المهالك. وهو مثل قول علي بأبي طالب ﵁: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما. وابغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما. ومن ذلك قول الأول:
وأحبب حبيبك حباً رويداً
فليس يفوتك أن يصرما
وقال آخر:
ولا تيئسن الدهر من حب كاشح
ولا تأمنن الدهر صرم حبيب
وسئل بزر جمهر عن العقل فقال: ترك ما لا يعني. فسئل: فما الحزم؟ قال: انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ قال: ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق وبغض مفرط. وقيل لبعض الملوك، وقد بلغ في المنزلة والقدرة ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه: ما الذي بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوي عند قدرتي وليني عند شدتي، وبذلي الإنصاف ولومي نفسي وإبقائي في الحب والبغض مكاناً لموضع الاستبدال. وقال الإسكندر لبعض الحكماء وقد أراد سفراً أرشدني لأحزم أمري. قال: لا تملكن قلبك محبة الشيء ولا يستولين عليك بغضه، واجعلها قصداً فإن القلب كاسمه يتقلب وله خاصية تنزع وترجع، واجعل وزيرك التثبت وسميرك التيقظ، ولا تقدم إلا بعد المشورة فإنها نعم الدليل، وإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك ملك استعباد، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه
ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة العقل مع الطبع. قيل: فما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العياء المعي؟ قال: تطييعك من لا طبع له. وقال الفضل بن مروان: سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم فقال: بذل عرفه وجرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا يهضم جنده ولا يحرج رعيته سهل النوال حزن النكال، الرجاء والخوف
стр. 184
معقودان في يده. قلت: فكيف حكمه؟ قال: يرج الظلم ويردع الظالم ويعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان راض ومغتبط. قلت: فكيف هيبتهم له، قال يتصور في القلوب فتغضي له العيون.
قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه وإقبالي عليه، وكانت الرسل تنزل عندي فقال لترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ قال: يصف له ملكهم ويذكر سيرته. فكلم الترجمان بشيء فقال لي الترجمان: أنه يقول أن ملكهم ذو أناة عند المقدرة وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند الاحترام، قد كسا رعيته جميل نعمته وقصرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالاً ويخافونه مخافة الموت نكالاً، وقد وسعهم عدله وردعتهم سطوته وبأسه، فلا يمتهنه مرحه ولا يوثقه عقله. إذا أعطى أوسع وإذا عاقب أوجع، فالناس اثنان راج وخائف، فلا الراجي خائب الأمل ولا الخائف بعيد الأجل.
قلت: فكيف رهبتم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها ولم تتبعه الأبصار إنسانها، كأن رعيته قطاً فرقت عليها صقور صوائد. فحدث المأمون بهذين الحديثين فقال لي: كم قيمتها عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل إن قيمتها أكثر من الخلافة، أما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: قيمة كل امرئ ما يحسن أفتعرف أحداً من الخطباء البلغاء أن يصف أحداً من الخلفاء الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجلة، واجعل العدة مادة بيني وبينهما على العود، فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيوت المال الخاصة والعامة دون ما يستحقانه.
وقال الفضل بن سهل: كان عندي رسول ملك الروم، وكان يحدثني عن أخت الملك يقال لها خاتون قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب وصنوف الآفات، ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به. فقالت له خاتون: يا أيها الملك إن الحزم علق لا يخلق جديده ولا يمتهن عزيزه، وهو دليل الملك على استصلاح رعيته وزاجر له عن استفسادها، وقد فزعت رعيتك إليك لفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزاء، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكاً، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصى ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي ولم تزل في نعمته لم تغيرها نقمة، وفي رضى لم يكدره سخط إلى أن جرى القدر بما عمي البصر وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب والسالب هو الواهب، فعد إليه بشكر النعم وعذبه من فظيع النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلل للمعز المدل شركاً بينك وبين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة، ولكن مرهم ن ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار بالله بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشكر له تعالى، فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيئ فعل إلى صالح عمل، وليبعثه على دؤب شكر يحوز به أفضل أجر.
فأمرها الملك أن تقوم فيهم وتنذرهم بهذا الكلام ففعلت، فرجع القوم عن بابه. وقد علم الله تعالى منهم قبول الوعظ في الأمر والنهي فحال الحول عليهم وما بينهم مفتقد نعمة كان قد سلبها، وتوارت عليهم الزيادات بجميل الصنيع، فاعترف الملك لها بالفضل فقلدها الملك بعده وجمع الرعية على الطاعة لها في المحبوب والمكروه. فهذا فعل الله تعالى بأعدائه وضرائر نعمه، لما شكروه أعاد لهم من نعمه ما كان قد استرجع وزادهم من فضله ما تمنوه، فكيف بمن يوحدونه ويؤمنون به لو صدقت نياتنا وضمائرنا؟ وقال
стр. 185
الواقدي: توفي رسول بعض الملوك بدمشق في خلافة هشام بن عبد الملك فوجد في جيبه لوح من ذهب مكتوب فيه: إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، وإذا مات الاعتصام عاش الإنتقام، وإذا ظهرت الخيانات امتحقت البركات.
وقال الوضاحي: وجه أنوشروان رسولاً إلى الملك قد أجمع على محاربته وأمره أن يتعرف سيرته في نفسه ورعيته، فرجع إليه فقال: وجدت عنده الهزل أقوى من الجد والكذب أكثر من الصدق والجور أرفع من العدل. فقال أنوشروان: رزقت الظفر به سر إليه وليكن عملك في محاربته بما هو عنده أضعف وأقل وأوضع، فإنك منصور وهو مخذول. فسار إليه فقتله واستولى على مملكته. وقال بزرجمهر: المزح آفة الجد والكذب عدو الصدق والجور مفسدة، فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته، وإذا استصحب الكذب استخف به، وإذا بسط الجور فسد سلطانه. وكان نقش خاتم رستم وهو أحد ملوك الفرس: الهزل مبغضة والكذب منقصة والجور مفسدة. وقتل لبعض أصحاب اسفنديار رجل من الترك، فأصيب في عنقه لوح من ذهب مكتوب فيه: آفة الشدة التهيب وآفة المنطق الحياء وآفة كل شيء الكذب.
وقيل لبعض الحكماء: ما قيمة الصدق؟ قال: الخلد في الدنيا. قيل: فما قيمة الكذب؟ قال: موت عاجل. قيل: فما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد. قيل: فما قيمة الجور؟ قال: ذل الحياة قال: وسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده: ما علامة الملك ودولته؟ قال له: الجد في كل الأمور. قال: فما علامة زواله؟ قال: الهزل فيه. قال: فما سرور الدنيا؟ قال: الرضاء بما رزقت. قال: فما غمها قال: الحرص على ما لعلك لا تناله. وقال بزرجمهر: ثلاث هن سرور الدنيا وثلاث هن غمها: فأما السرور فالرضاء بالقسم والعمل بالطاعة في النعم ونفي الاهتمام بالرزق لغد، وأما الغم فحرص مسرف وسؤال مجحف، وتمنى ما يلهف.
ومر بعض الملوك بغلام يسوق حماراً غير منبعث، وقد عنف عليه في السوق فقال: يا غلام ارفق به. فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه. قال: وما مضرته؟ قال: يطول طريقه ويشتد جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وما الإحسان إليه؟ قال: يخف حمله ويطول أكله. قال فأعجب الملك بكلامه وقال له: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مأجور. قال: وقد أمرت بإثبات اسمك في جيشي. فقال: كيف مؤونة ورزقت بها معونة. قال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك. قال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنما يكون المدح والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. قال فاستوزره فوجده ذا رأي صائب وفهم رحيب ومشورة تقع مواقع التوفيق.
قال: وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس، وقد نفذت يده في المشرق والمغرب وبلغ منهما ما لم يبلغه أحد قبله: اكتب إلي لفظاً موجزاً ينفع ويردع. فكتب إليه: إذا استولت بك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنتك العافية فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة إليها نصيباً. قال ووعظ بعض الحكماء ملكاً فقال له: أيها الملك إن الدنيا دار عمل والآخرة دار ثواب، ومن لا يقدم لا يجد فأذق نفسك حلاوة عيشها بترك الإساءة إليها. واعلم أن زمام العافية بيد البلاء وأمن السلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور بالخوف فلا تكونن في حال من هذه الثلاثة غير متوقع لأضدادها ولا تجعل نفسك غرضاً لسهام الهلكة، فإن الدهر عدو بن آدم فاحترز من عدوك بغاية
стр. 186
الاستعداد، وإن فكرت في نفسك وعدوها استغنيت عن الوعظ.
قال وكتب الإسكندر على باب الإسكندرية أجل قريب في يد غيرك وسوق حثيث من الليل والنهار، وإذا انتهت المدة حيل بينك وبين المدة فاحتل قبل المنع واكرم أجلك بحسن صحبة السابقين، وإذا آنستك السلامة فاستوحش العطب فإنه الغاية، وإذا فرحت بالعافية فاحزن للبلاء فإليه تكون الرجعة، وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك عنه بذكر الأجل فهو الموعد وإليه المورد. وقال ابن الأعرابي: حدثني من رأى بين إصبهان وفارس حجراً مكتوباً عليه: العافية مقرونة بالبلاء والسلامة مقرونة بالعطب والأمن مقرون بالخوف. ولما ضرب أنوشروان عنق بزرجمهر لما رغب عن دين المجوسية وانتقل إلى دين المسيح ﵇، وجد في منطقته كتاباً فيه ثلاث كلمات: إذا كان المقدر حقاً فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
ولما تاب الله تعالى على سلمان بن داود ﵊ ورد عليه ملكه: كتب على كرسيه: إذا صحت العافية نزل البلاء، وإذا تمت السلامة نجم العطب، وإذا تم الأمن علق الخوف. وحفر حفير بفارس فوجد فيه لوح رخام فيه أربعة أسطر محفورة: أولها أيها المعافي ابشر بالبلاء، والثاني أيها السالم توقع العطب، والثالث أيها الآمن خذ أهبة الخوف، والرابع أيها الموسر لن يبعد عنك العسر. ولما نزل أبو مسلم مدينة سمرقند أتاه اسبهندها فقال: أيها الملك إن بالقندهارس حجراً مدفوناً فيه ثلاثة أسطر وجدت في الكتب، وإن سليمان بن داود ﵇ بعث به ودفن في هذا الموضع ووجد أنك أنت الذي تستخرجه وتعمل بما فيه. فأمر به فأخرج فإذا أول سطر فيه: الحزم انتهاز الفرصة وترك الونى فيما يخاف عليه الفوت. والسطر الثاني: الرياسة لا تتم إلا بحسن السياسة. والسطر الثالث: لم يقتل الآباء من ترك الأبناء ولم يصب من لم يحب.
فكان أبو مسلم يقول: علم جليل به تتم هذه الدولة إن لم ينزل القدر ربما يحول بيننا وبين الحذر، فلم يزل يستعمل هذا الكلام إلى أن قدم العراق فأعماه القدر عن الاستعانة بالحذر، فقتله أبو جعفر المنصور. ولما حج أبو مسلم قيل له: إن بالحيرة نصرانياً قد أتت له مائتا سنة وعنده علم من العلم الأول، فوجه إليه فأتي به. فلما نظر الشيخ إلى أبي مسلم قال: قدمت بالكفاية ولم تأل في العناية وقد بلغت النهاية، أسلمت نفسك لمن سيسكت حسك وكأن قد عاينت رمسك. فبكى أبو مسلم فقال: لا تبك لأنك لم تؤت من حزم وثيق ولا من رأي دقيق ولا من تدبير نافع ولا من سيف قاطع، ولكن ما استجمع لا حد في أمله إلا أسرع في تقريب أجله. قال: فمتى تراه يكون؟ قال: إذا توطأ الخليفتان على أمر كان والتقدير في يد من يبطل معه التدبير، وإن رجعت إلى خراسان سلمت وهيهات، فأراد الرجوع فكتب إليه السلطان بالمضي ووجه إليه من يحثه، فلولا أن البصير يعمى إذا نزل القدر لكانت هذه دلالة تقع موقع العيان، وتبعث على التيقظ بالحذر والاحتيال في الهرب، على أن لكل نفس غاية ولكل أمر نهاية.
وقيل لجالينوس وهو حكيم الطب وفيلسوفه وفد نهكته العلة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا قدر الرب بطل حذر المربوب، ونعم الدواء الأجل وبئس الداء الأمل! وقال بعض الغزاة فتحنا حصناً من بلاد الروم فرأينا فيه صورة أسد من حجر مكتوب عليه: الحيلة خير من الشدة والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل
стр. 187
والتفكر في العاقبة مادة الجزع. وقال أحمد بن سهل: وجه ملك الروم إلى هارون الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، وعلى سيف منها مكتوب: أيها المقاتل احمل تغنم ولا تفتكر في العاقبة فتهزم. وعلى الثاني مكتوب: إذا لم تصل ضربة سيفك فصلها بإلقاء خوفك. وعلى الثالث مكتوب: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت أفضل من العجلة إلى أدراك الأمل. وقال الحسن ابن سهل: قرأت في كتاب جاويدان جرد: ثلاثة تبطل مع ثلاثة: الشدة مع الحيلة والعجلة مع التأني والإسراف مع القصد.
وقال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجراً مكتوب بالحميرية: أيها الشديد احذر الحيلة، أيها العجول احذر التأني، أيها المحارب لا تأنس بالتفكر في العاقبة، أيها الطالب موجوداً لا تقطع أملك من بلوغه. وكتب قيصر إلى كسرى: أخبرني بأربعة أشياء لم أجد من يعرفها وأخالها عندك، أخبرني ما عدو الشدة ومدرك للأمل وصديق الظفر ومفتاح الفقر؟ فكتب إليه كسرى: الحيلة عدو الشدة والصبر صديق الظفر والتأني مدرك الأمل والجود مفتاح الفقر. وقال بعض الملوك لحكيم وقد أراد سفراً: أوقفني على أشياء من حكمتك اعمل بها في سفري. فقال له: اجعل تأنيك زمام عجلتك وحيلتك رسول شدتك وعفوك ملك قدرتك، وأنا ضامن لك قلوب رعيتك إن لم تحرجهم بالشدة عليهم أو تبطرهم بالإحسان إليهم.
وقال الخضر بن علي: قرأت في كتاب جاويدان جرد وهو أجل كتاب الفرس: الحيلة أنفع من أقوى الشدة وأقل التأني أحد من أكثر العجلة، والدولة رسول القضاء المبرم. وإذا استبد الإنسان برأيه عميت عليه المراشد وكان الجنكان أبو بزرجمهر خامل القدر وضيع الحال مفهه المنطق، فلما أتت على بزرجمهر خمس عشرة سنة حضر مجلس الملك، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة في مجالسها وقف فحي الملك ثم قال: الحمد لله المأمول نعمه المرهوب نقمة، الدال عليه بالرغبة إليه المؤيد الملك بسعود الفلك، حتى رفع شأنه وعظم سلطانه وأنار به البلاد فعاش به العباد، وقسم له في التقدير وجوه التدبير، فرعى رعيته بفضل نعمته وحماها الموبلات وأوردها المعيشات، وزادها عن الآكلين وألفها بالرفق واللين، إنعاماً من الله تعالى عليه وتثبيتاً لما في يديه، وأسأله أن يبارك له فيما آتاه ويختار له فيما استرعاه، ويرفع قدره في السماء وينشر ذكره تحت الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوي ولا يجد له فيهما مداني، واستوهب له حياة لا تنغيص فيها وقدرة لا يشاد عنها، وملكاً لا بؤس فيه وعافية تديم له البقاء وتكثر له النعماء، وعزاً يؤمنه من انقلاب رعية وهجوم بلية، فإنه مولى الخير ودافع الشر.
فأمر الملك فحشى فمه بثمين الجواهر ورفيعه، ولم تدفع حداثة سنه مع نبل كلامه أن استوزره وقلده خيره وشره، فكان أول داخل وآخر خارج. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما لله على تعالى على العاقل نعمة بعد الإسلام أفضل من مباينة هذه السفلة بالفهم والعقل، ولو لم يكن هذا ما عرف الله تعالى إلا بالجهل. ألا ترى أن الله تعالى خاطب أولي النهي والألباب وذوي البصائر فيجب على العلية أن يحمدوا الله تعالى على مباينة هذه السفلة بالعقول والأفهام كما يحمدونه على جميع النعم. وقيل لمروان ابن محمد وهو آخر ملوك بني أمية: ما الذي صار بك إلى هذا قال: الاستبداد برأيي لما كثرت علي كتب نصر بن سيار أن أمده بالأموال والرجال. قلت في نفسي: هذا رجل يريد الاستكثار من الأموال والجند بما يظهر لي من فساد الدولة قبله، وهيهات
стр. 188
أن ينتقض على خراسان فانتقضت دولته من خراسان.
وقال الواقدي: قال الفضل بن سهل: لما دعي المأمون في كورة خراسان بالخلافة فجاءتنا هدايا الملوك سروراً بمكانة من الخلافة، ووجه ملك كالبستان شيخاً يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه قد توجه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا أرفع ولا أفخر ولا أنبل منها. فتعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه. فسألته فقال الشيخ: ما معي شيء أكثر من علمي. قلت: وأي شيء علمك؟ قال: رأي ينفع وتدبير يقطع ودلالة تجمع. قال: فسر المأمون بذلك وأمر بإنزاله وإكرامه وكتمان أمره.
فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال أخيه قال لذوبان: ما ترى في التوجه إلى العراق؟ قال: رأي وثيق وحزم مصيب وملك قريب، والسير ماض فاقض ما أنت قاض. قال له: فمن نوجه؟ قال: الفتى الأعور الطاهر الأطهر يسير ولا يعثر، قوي مرهوب مقاتل غير مغلوب. قال: وكم نوجه معه من الجند؟ قال: أربعة آلاف صوارم الأسياف، لا ينقصون فخر العدد ولا يحتاجون إلى المدد، فسر المأمون ووجه بطاهر بن الحسين قال: وفي أي وقت يخرج؟ قال: مع طلوع الفجر لك الأمر ويصير إلى النصر، نصر سريع وقتل ذريع وتفريق تلك الجموع والنصر له لا عليه ثم يرجع الأمر إليك وإليه، فظفر طاهر وكان له النصر وقتل علي بن عيسى وزير الأمين واستولى على عسكره وحاز أمواله. فأمر الملك لذوبان بمائة ألف درهم فلم يقبلها وقال: أيها الملك إن ملكي لم يوجهني إليك لأنقصك مالك فلا تجعلن ردي نعمتك تسخطاً وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد عليه.
قال المأمون: وما هو؟ قال: كتاب يوجد بالعراق فيه مكارم الأخلاق وعلوم الآفاق، من كتب عظيم الفرس فيه شفاء النفس من صنوف الآداب ما ليس في كتاب، عند عاقل لبيب وفطن أريب، يوجد تحت إيوان كسرى بالمدائن، يقاس بالذراعين في وسط الإيوان لا زيادة ولا نقصان، فأحفر المدر واقلع الحجر، فإذا وصلت إلى الساحة فاقتلعها تجد الحاجة ولا تلزم لغيرها، فيلزمك غب ضرها. فأرسل المأمون إلى إيوان كسرى فحفروا في وسطه فوجدوا صندوقاً صغيراً من زجاج أسود عليه قفل منه فحمل إلى المأمون. فقال لذوبان: هذه بغيتك؟ قال: نعم أيها الملك. قال خذها وانصرف. فتكلم بلسانه ونفخ في القفل فانفتح فأخرج منه خرقة ديباج، فنشرها فسقط منها أوراق فمدها مائة ورقة ولم يكن في الصندوق شيء غيرها فأخذ الأوراق وانصرف إلى منزله. قال الفضل بن سهل: فجئته فسألته فقال: هذا كتاب جاويدان جرد تأليف بنحور وزير الملك ابرازشهر، فطلبت منه شيئاً فدفع إلي منه ورقات وترجمها لي الخضر بن علي، ثم أخبرت المأمون فقال: احمل إلي الورقات. فحملتها إليه فقرأها فقال: هذا والله الكلام لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا، ولولا أن العهد حبل طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيدينا لأخذته منه.
فصل
من نوادر بزرجمهر حكيم الفرس قال: نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ شفقة ونصيحة وتأديباً، فلم يعظني أحد مثل شيبي ولا نصحني مثل فكري، ولقد استضأت بنور الشمس وضوء القمر فلم استضئ بضياء أضوء من نور قلبي، وملكت الأحرار والعبيد فلم يملكني أحد ولا قهرني غير هوائي، وعاداني الأعداء فلم أر أعدى إلي من نفسي، إذا جهلت واحترزت لنفسي بنفسي من الخلق كلهم حذراً عليها وشفقة فوجدتها أشر الأنفس لنفسها، ورأيت أنه لا يأتيها الفساد إلا من قبلها، وزاحمتني المضائق فلم يزحمني مثل الخلق والسوء. ووقعت من أبعد البعد
стр. 189
وأطول الطول فلم أقع في شيء أضر علي من لساني. ومشيت على الأجمر ووطئت على الرمضاء فلم أر ناراً أحر علي من غضبي إذا تمكن مني.
وطالبتني الطلاب فلم يدركني مدرك مثل إساءتي. ونظرت ما الداء القاتل ومن أين يأتيني فوجدته من معصية ربي سبحانه. والتمست الراحة لنفسي فلم أجد شيئاً أروح لها من تركها ما لا يعنيها. وركبت البحار ورأيت الأهوال فلم أر هولاً مثل الوقوف على باب سلطان جائر. وتوحشت في البرية والجبال فلم أر أوحش من قرين السوء. وعالجت السباع والضباع والذئاب وعاشرتها وعاشرتني وغلبتها فغلبتني صاحب الخلق السوء. وأكلت الطيب وشربت المسكر وعانقت الحسان، فلم أجد شيئاً ألذ من العافية والأمن، وتوسطت الشياطين والجبال فلم أجزع إلا من الإنسان السوء. وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر شيئاً أمر من الفقر. وشهدت الحروب ولقيت الجيوش وباشرت السيوف وصارعت الأقران، فلم أر قرناً أغلب من المرأة السوء. وعالجت الحديد ونقلت الصخر فلم أر حملاً أثقل من الدين.
ونظرت فيما يذل العزيز ويكسر القوي ويضع الشريف فلم أر أذل من ذي فاقة وحاجة، ورشقت بالنشاب ورجمت بالحجارة فلم أر أنفذ من الكلام السوء يخرج من فم مطالب بحق. وعبرت السجن وشددت في الوثاق وضربت بعمد الحديد، فلم يهدمني شيء مثل ما هدمني الغم والهم والحزن. واصطنعت الإخوان وانتخبت الأقوام للعدة والشدة والنائبة، فلم أر شيئاً أخير من الكرم عندهم، وطلبت الغنى من وجوهه فلم أر أغنى من القنوع، وتصدقت بالذخائر فلم أر صدقة أنفع من رد ذي ضلالة إلى هدى. ورأيت الوحدة والغربة والمذلة فلم أر أذل من مقاساة الجار السوء. وشيدت البنيان لأعز به وأذكر فلم أر شرفاً أرفع من اصطناع المعروف. ولبست الكسى الفاخرة فلم ألبس شيئاً مثل الصلاح. وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر شيئاً أحسن من حسن الخلق. وسررت بعطايا الملوك حباهم فلم أسر بشيء أكثر من الخلاص منهم.
فصل
من حكم شاتاق الهندي من كتابه الذي سماه منتحل الجواهر للملك ابن قمابص الهندي: يا أيها الوالي أتق عثرات الزمان واخش تسلط الأيام ولؤم غلبة الدهر، واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب وللأيام غدرات فكن على حذر وللأقدار بغتات فاستعد لها. والزمان منقلب متولى فاحذر تقلبه، لئيم الكرة فخف سطوته، سريع الغيرة فلا تأمن دولته، واعلم أن من لم يداو نفسه من سقام الآثام في أيام حياته، فما أبعده من الشفاء في دار لا دواء له فيها! ومن أذل حواسه واستعبدها فيما يقدم من خير لنفسه بان فضله وظهر نبله. ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة لم يضبط حواسه وهي خمس، وإذا لم يضبط حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم، فكانت عامة الرعية في نواحي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط، فليبدأ الملك بسلطانه على نفسه، فليس من عدو أحق من أن يبدأ بالقهر من نفسه، ثم يشرع في قهر حواسه الخمس لأن قوته الواحدة منهن دون صويحباتها قد تأتي على النفس القوية الحذرة، فكيف إذا اجتمعت خمسة أنفس على واحدة؟ واعلم أن لكل واحدة منهن شراً ليس للأخرى فاقهرها تسلم من شرها، وإنما يهلك الحيوان بالشهوات، ألا ترى أن الفراش يكره الشمس فيستكن من حرها ويعجبه ضياء النار فيدنو منها فتحرقه؟ والظبى على نفار قلبه وشدة حرصه ينصت لسماع الملاهي فيمكن القانص من نفسه، وذباب الورد
стр. 190
المتتبع لطيب الروائح يطلب ما يقطر من أذن الفيل لطيب رائحته، فإنه في طيب رائحته المسك فيلهيه طيب الرائحة عن الاحتراس من تحريك الفيل أذنه، فيتولج في أصل أذنه فتقع عليه ضربة الأذن فتقتله. والسمك في البحر تحمله لذة الطعم أن يبتلعه فتحصل السنارة في جوفه فيكون في حتفه. وذكر هذا الحكيم أن خصالاً معروفة قتلت بالإفراط فيها ملوكاً معروفين فالصيد مات منه قيدة الملك، والإفراط في القمار مات منه قيشوب الملك، والإفراط في السكر مات منه مخارق الملك، وشدة الحرص مات منها
مهريق الملك، والغضب أحر سبحى الملك، والطمع وائل، والفرح واطاب، والأنفة بوليس، والتواني زمير نهر. وأخلق بخصال أهلكت ملوكاً أن يتجنبها الملوك. واعلم أن الرعية تستمطر الملك العادل استمطار أهل الجدب للغيث، وينتعشون بطلعته عليهم كانتعاش النبات بما يناله من القطر، بل الرعية بالملك العادل أتم نفعاً منها بالغيث، لأن لمنفعة الغيث وقتاً معلوماً وعدل الملك لا يتعين له وقت. ويحسن بالملك أن يشبه تصاريف تدبيره بطباع ثمانية أشياء: الغيث والشمس والقمر والريح والنار والأرض والماء والموت. فأما شبه الغيث فتواتره في أربعة أشهر من السنة ومنفعته لجميع السنة، وكذلك ينبغي للملك أن يعطي جنده وأعوانه أربعة أشهر تقدير التتمة السنة، فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الي يستوجبونه بمنزلة واحدة كما يسري المطر بين كل أكمة وشرف وغائط مستفعل ويغمر كلاً من مائه بقدر حاجته، ثم يستجبي الملك في الثمانية أشهر حقوقه من غلاتهم وخراجهم كما تجبى الشمس بحرها وحدة فعلها نداوة الغيث في أربعة أشهر الأمطار.
وأما شبه الريح فإن الريح لطيفة المداخل تسرح في جميع المنافذ حتى لا يفوتها مكان، كذلك الملك ينبغي أن يتولج في قلوب الناس بجواسيسه وعيونه لا يخفون عنه شيئاً حتى يعرف ما يأتمرون به في بيوتهم وأسواقهم. وكالقمر إذا استهل تمامه فأضاء واعتدل نوره على الخلق وسر الناس بضوئه، وينبغي أن يكون الملك ببهجته وزينته وإشراقه في مجلسه وإيناسه رعيته ببشره، فلا يخص شريفاً دون وضيع بعدله. وكالنار على أهل الدعارة والفساد. وكالأرض على كتمان السر والاحتمال والصبر والأمانة. وكعاقبة الموت في الثواب والعقاب يكون ثوابه لا يقصر عن إقامة حد ولا يتجاوزه. وكالماء في لينه لمن لا ينه، وهدمه واقتلاعه عظيم الشجر لمن جاذبه.
واعلم أنه قد يكتنف السلطان من شرار الناس والأعوان على الحاجة إليهم من يستبشع ويستكره، كالحيات تكتنف بالصندل فيقتلها الصندل بطيب رائحته وبرده، وينتفع الصندل بها إذ لا يقرب منه من يريد قطعه. وليكن فيك مع تلطفك تشديد لئلا يجترأ عليك، فإن القمر يستضاء بضوئه ويظهر له، والشمس يستظل من حرها ويستكن لها. وقد قالت العرب في مثل هذا لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتلتفظ. اجعل لكل طبقة من أعدائك أشباههم من أعوانك يسوسونهم، فإنهم كالماء في الأذن لا حيلة في إخراجه بأرفق من الماء الذي هو من جنسه، وإذا عاديت رجلاً فلا تعاد كل جنسه، واستبق من جنسه أحداً عسى تنتفع به، فإن السيف القاتل من جنس الدرع الواقي، ولا تطمعن في الكذوب والمطبوع على الشر أن تعطفهما بالإحسان فإنهما كالقرد كلما سمن بالطعام والحلاوة والدسم ازداد وجهه قبحاً.
وقد يرد الواحد كيد الجميع إذا كان عاقلاً، كما يرد حر شعاع الشمس إذا كان واقياً غاية
стр. 191
أرمى الناس أن يقتل بسهمه واحداً، لكن رمية عاقل زكين يقتل الجيش بأسره. والملك الشريف العاقل لا ينفذ فيه قدح أهل البغي، فمن انقطع إليه ولزمه كالجوهر المضيء بنوره لا يطفئه عصوف الرياح. من كان قابلاً لما يرد عليه في بقائه وكل قول يسمعه، كان كالسراج تميل به كل ريح لينة ثم لا يلبث إن عصفت الريح أن يطفأ. تدبير الملك الحازم في سلطانه كتعاهد صاحب البستان بستانه، يخرج قاحل عيدانه وشوك شجره، فيحيط به على ثمره وزرعه ليقيه عن الشر والفساد، كما ينتخب الملك أهل الشكيمة والشوكة فيجعلهم في أقاصيه وحدوده رداً للمملكة. وليكن الملك أحذر ما يكون آمن ما يكون. قلت وقد صدق الشاعر:
أأمنتم ريب الزمان فنمتم
رب خوف مكمن في أمان
قال: ألا ترى أن بهرسان الملك أنامت المرأة على فراشه رجلاً فلما رام فراشه وثب عليه فقتله. وباسراج الملك قتلته امرأته بخلخال مسموم. ودروق الملك قتلته امرأته بمدية خبأتها في عقاصها، واعلم أن العدو قد علم منك مواضع الحذر وحالات الأمن، وإنما ترصده لك في حالات الأمن والمواضع التي تظن أن العدو لا يكمن فيها، فكن احذر ما تكون فيها. وسائر حكم هذا الباب قد قدمتها في تراجم كتابنا.
فصل:
قال غيره: لا ينبغي للملك أن تكون له أيام معلومة يظهر فيها فإن في ذلك خصالاً مذمومة. منها أنه قد يعوق في ذلك اليوم ممسك مهم أو بعض الكسل أو لذة مغتنمة، فيلزمه الخروج على كره. ومنها أنه إذا تخلف عن الظهور لأمر ما تطاولت الأعناق من الرعية وكثر كلامها وقالوا: مرض أو مات أو أصابته آفة، فيكسب العدو جراءة وسروراً ويكسب الولي حزناً وجبناً. ومنها أنه قد واعد عدوه ليوم يلتقيان فيه، ولا ينبغي أن يكون الملك كثير التصرف عند فساد الزمان وخبث الرعية، وعن هذا قالت الحكماء: إذا كان الجمل كثير النفر كان نصيب الذئب.
فصل من نوادر كلام العرب:
من حكم أكثم بن صيفي، وهذا رجل كان له عقل وحلم ومعرفة وتجربة، وقد علق الناس عنه حكماً لطيفة وألفوا فيها تصانيف. فمن حكمه قال: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء، أفضل من السؤال ركوب الأهوال من حسد الناس بدأ بمضرة نفسه، والعديم من احتاج إلى لئيم. من لم يعتبر فقد خسر. ما كل عثرة تقال ولا كل فرصة تنال. لا وفاء لمن ليس له حياء. قد يشهر السلاح في بعض المزاح. من وفى بالعهد فاز بالحمد. الموت يدنو والمرء يلهو. طول الغضب يورث الوصب. رب عتق شر من رق. من اصطنع قوماً ما احتاج إليهم يوماً ما الكذب بهت والخلف مقت. من لم يكف أذاه لقي ما ساءه. الحر يتقاضى لك من نفسه واللئيم يستحسن تسويفه وحبسه.
ليس بإنسان من ليس له أخوان. أنت مزر بنفسك إن صحبت من هو دونك. عليك بالمجاملة لمن لا تدوم له مواصلة. في الأسفار يبدو الاختيار. أفسد كل حسب من ليس له أدب. أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. ليس من خادن الجهول بذي معقول. ليس للملحف مثل الرد. من جالس الجهال فليستعد لقيل وقال. وقال: ما جلا عنك النسيان مثل البيان، ولا نفي عنك البهتان مثل البرهان. لم ينج من الموت غني لماله ولا فقير لإقلاله. إذا ما أردت طرد الحر فسمه الهوان. كثرة العلل آية النحل.
стр. 192
كفر النعمة لؤم وصحبة الأحمق شؤم. إن من الكرم لين الشيم. إياك والخديعة فإنها خلق اللئيم. امحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة. رب سباب قد أهاجه العتاب. الصدود آفة المقت. سبب الحرمان التواني. من سأل فوق قدره استحق الحرمان.
ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب. وإن من الفساد إضاعة الزاد. من حلم ساد، ومن تفهم ازداد. لا ترغب فيمن يزهد فيك. رب بعيد أقرب من قريب. المزاح يورث الضغائن. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، غثك خير من سمين غيرك. من جد المسير أدرك المقيل. استر عورة أخيك لما تعلم فيك. ولا تكثر من المزاح فتذهب هيبتك، ولا من الضحك فيستخف بك. من أكثر من شيء عرف به. كفى بالحلم ناصراً. المنة تهدم الصنيعة. نعم الشيء الهدية بين يدي الحاجة. ربما نصح غير الناصح، وربما غش المنتصح. الكلام فيما ينفعك خير من السكوت، والسكوت عما يضرك خير من الكلام. لا يغرنك من جاهل قرابة ولا جوار ولا إلف، فإن أقرب ما يكون من النار ترباً أقرب ما يكون منها لهباً. أرفض أهل الدناءة تلزمك المهابة.
دع مجالسة أهل الريب على كل حال، فإنك إن يسلم دينك لم تسلم من سوء المقال. الكرم شكر البلاء واللؤم كفر النعمة. أكرم الصنائع سلامة الصدور. لن تسلم من الناس حتى يسلموا منك، من عدم الإيمان لم تزده الرواية فقها. الحزن مفسدة العقل ومقطعة الحيلة. كثرة النوم إماتة القلب. شدة الحذر تدل على ضعف اليقين. محادثة الحمقى والسفهاء تورث سوء الخلق. الدليل على الحمق إعجاب المرء بعقله. من لم يسمع الحديث فارفع عنه مؤنته. من حدث من لا يفقه كمن قدم مائدة لأهل القبور. من قطع عليك الحديث فلا تحدثه فليس بصاحب أدب. ومن عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يقبل صدقه، من وصل من يحسده قوى عدوه وقصر بنفسه. اغفر زلة صديقك. من غضب من غير شيء رضي من لا شيء. من غضب على من لا يقدر عليه طال حزنه. الرجل عبد هواه.
لولا جهل الجاهل ما عرف عقل العاقل. من خاف ربه كف ظلمه. كسل الفقير هلاكه. شح الغني فضيحته. من لم يتورع في كلامه ظهر فجوره. كل شيء لا يوافق الأحمق فاعلم أنه الصواب. إذا غلبتك امرأتك فجاهدها فإنها عدوك. من لم يعرف الخير من الشر فألحقه بالبهائم، من طلب ما عند البخيل مات جوعاً. جار الرجل الجواد كمجاور البحر لا يخاف العطش، وجار البخيل في المفازة هالك. إذا لم تنتفع بمصادقة الأحياء فأت أهل القبور. من عادى من فوقه أبغضه من تحته. الرزق مقسوم والحريص محروم. من كثر كلامه على المائدة غش بطنه، وأبغضه أصحابه. العلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة، الجاهل يستعظم الشر والعاقل يمنع نفسه من الشر. من لم يرتخ للثناء فليس له نصيب في المودة.
إذا كان لك جار أو صديق لا تنتفع به فصور مثاله في الحائط فإنه أزين للحائط وأخف للمؤنة. العاقل يرغب في الأدب والجاهل يهرب منه. العاقل إذا فاته الأدب لزم الصمت. لا تستنطق من تكذبه. العاقل يتهم رأيه في نفسه والجاهل يقيم على جهله. من لم يملك عقله لم يملك نفسه. من أظهر محاسنه ودفن مساويه كمل عقله. من غلب هواه عقله له افتضح. من استشار عدوه في صديقه أمره بقطيعته. مصادقة الكرام غنيمة ومصادقة اللئام ندامة. لا تدخل على صديقك التهمة فيرجع لك عن النصيحة. إذا انقطع رجاؤك من صديقك فألحقه بعدوك.
من طلب
стр. 193
مراضاة الإخوان من غير شيء فليصادق أهل القبور. العاقل ليس في مصادقته مخادعة. رأس مال الأحمق المخادعة وفائدته الغضب، والحليم رأس ماله الصمت وفائدته الحلم. إذا جهل عليك الأحمق فالبس له سلاح الرفق واللطف. صديق كل امرئ عقله وعدو كل امرئ حمقه. من أنزل نفسه عاقلاً أنزله الناس جاهلاً. من قنع بكذب الثناء عليه ظهر للناس رقاعته. السكوت عن الأحمق جوابه. السكوت يزين الأحمق والكلام يشينه. من استطال عليك بملبسه وتحلى بفضله، فلا أكثر الله في الناس مثله. الجواد محبب والبخيل مبغض. إذا حملت للبخيل مؤنة أبدى لك الحرمان والعداوة. البخيل يمنع ما عنده ويبخل على الجواد بجوده. من طلب حاجة فهو شر منه. من بذل للبخيل صلته ورفع عنه مؤنته دامت له مودته. ضيف البخيل آمن من التخمة. من طلب من اللئيم حاجة كان كمن طلب السمك في المفازة. عدة الكريم نقد وعدة اللئيم تسويف الكريم يواسي إخوانه في دولته واللئيم يقطعهم. لا تخضع للئيم فإنه لا يعطيك شيئاً.
إنما الصديق الذي يبذل لك ماله عند الحاجة ونفسه عند البلية، ويحفظك عند المغيب وينفعك عند الرجاء. إذا صادقت الوزير فلا تخشى الأمير. من لم ينصحك في المصادقة فعاده. من غشك في العداوة فلا تلمه. من كان الناس عنده سواء لم يكن له أصدقاء. من صادق الإخوان بالمكر كافؤه بالغدر. من لم يواس الإخوان في دولته خذل عند مأمنه. إياك أن تبغي مودة من يحسدك فأنه لا يقبل إخاءك. من حسدك على علمك لم يستمع حديثك. الحاسد يفرح بزلتك ويعيب صوابك. إذا رأيت من يحسدك ويسرك أن تسلم منه فعم عليه أمورك. من صبر على مودة الكاذب فهو مثله. كل شيء شيء ومودة الكاذب لا شيء. من بدأك بجهله فكافئه بحلمك تغمه. أول المرؤة طلاقة الوجه، والثانية التودد، والثالثة الفصاحة.
الفاجر لا يبالي بما قال والورع يتعاهد كلامه من شغل مشغولاً فقد أظهر ثقله. من صبر على شغل سوء فقد نظر إلى سجنه بعينه. من لم يغلب الحزن بالصبر طال غمه. من استطال على الناس بلسانه بغير سلطان فليصبر على الذل والهوان. لا تحتقر الفقير الثري ولا ترغب في الغني الدني. من تشبه بالسراة وغلبت عليه الدناءة فلا تكرمه. من أغضبته أنكرته. من أغنيته أعطفته. من تعرض لصاحب الدولة انقلب بهزيمة من صانع بماله لم يحتشم من طلب حاجته. من صاحب الكتاب ملوه ومن عاداهم أنكروه. من شمخ عليك بأنفه وطمح ببصره، ولم يدخل عليك فضله فلتهن عليك سلبته. السفيه يقطع مودة لم تزل ويكتسب عداوة لم تكن. حمل المروءة ثقيل. من سالم الناس غنم. خذلان الجار لؤم. رجال البلاء قليل احفظ إخوانك تذل أعداؤك. ما أجمل الصبر على ما لا بد لك منه. المحروم من طال نصبه، وكان لغيره نشبه لا قوي أقوى ممن قوي على نفسه، ولا عاجز أعجز ممن عجز عنها. الخير في غير أهله غريب. ما أضعف قوة من يغالب من لا يغلب.
الباب الرابع والستون: يشتمل على حكم وأحاديث منثورة
اعلم أيها المريد أن الله تعالى يمتحن أنبياءه وأصفياءه بأعدائه، ويضطر أولياءه وأحباءه إلى أعدائه، رفعة وتقريباً لأنبيائه وتمحيصاً لهفوات أوليائه، وذخراً لهم عنده وزلفى لديه تعظيماً لأقدارهم، وتشريفاً لمنازلهم وترفيعاً لدرجاتهم. قال الله تعالى تعزية لنبيه محمد ﷺ لعظيم ما كان يلقي من سطوات أعدائه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ
стр. 194
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ (الأنعام: ١١٢) . وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الفرقان: ٣١) . يا محمد لا تستوحش منا ولا تتهمنا في سيرتنا فهذه سيرتنا فيمن نحبه ويحبنا.
فالبلاء على وجهين: أحدهما كفارة لذنب والآخر رفع درجات وتوفير أجر. ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل؛ فالبلاء بلآن: بلاء رحمة لتضعيف درجة وتمحيص سيئة وبلوغ فضيلة وعلو منزلة، وبلاء عقوبة لانتهاك حرمة واقتراف معصية. لن تخلو المكارة أن تكون لحادث رحمة أو بلاء رغبة عما أنعم الله به منهما، أو لسيئة عند إضاعة فلا غنى عن زاجر عنها، فلأجل ذلك كان حلولها عظمت به المنة، ووجبت لله به النعمة، وكان جعفر بن محمد ﵁ إذا وقع مني شيء يكرهه يقول: اللهم اجعله أدباً ولا تجعله غضباً.
وفي الحديث عن النبي ﷺ : لو كان المؤمن في رأس جبل لقيض الله له من يؤذيه يا من ضاق صدره وحرج قلبه وساء خلقه، من عدو أقلقه وحاسد حسده، طب نفساً وقر عيناً وانعم عيشاً، بشهادة النبي ﷺ لك بالإيمان، ولعدوك بالنفاق. بخ بخ إن عقلتها! أما لك في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أسوة؟ أما لك في الصالحين قدوة؟ فلو لم نلق الله من الحسنات إلا بما اقترفناه اختياراً للقينا الله تعالى فقراء من الحسنات ثقالاً من السيئات. قال الشاعر:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض الناس بالنعم
وقال بعض الحكماء: الذي رأينا مما نحب فيما نكره أكثر مما رأينا مما نكره فيما نحب. وقال علي بن أبي طالب ﵁: ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى أصلي ركعتين. السجون قبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، وأسعد الناس من كان القضاء له مساعداً وكان لمساعدته أهلاً. غلب على الكريم من بدر إليه. الشماتة لؤم. عوام الناس عدة لخواصهم. مجيء القدر يسبق الحذر. من سخر من شيء حاق به. من عير بشيء عير به. الخلق نهب المصائب. مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها. أقل ما في الحيلة الخروج من الاستكانة.
جاني العقوبة على نفسه أعظم جرماً عليها من المعاقب له عليها. قرابة بغير منفعة بلية عظيمة. والنعمة منعة. كفاك أدباً لنفسك ما كرهته من غيرك. الحمية ثوب الجهل. الأنفة قوام السفيه. قل آنف لم يعقب ذلا. العادة كمين لا يأمن ازدحام الكلام مضلة الصواب. عجلوا القرا قبل سوء الظن وإلحاق السيئة. أعجب ما في هذا الإنسان قلبه وله مؤاد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سخ له الرخاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه الأياس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد بالغيظ، وإن استعد بالرضاء نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر أسلمته الغرة، وإن حدثت له نعمة أخذته العزة، وإن امتحن بمصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة أشغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد.
أفضل القول بديهة آمنة وردت في مقام خوف. أشد الناس غماً الذي يرى غيره في الموضع الذي هو به أولى. ما أخذ الله طاقة أحد إلا رفع عنه طاعته. من العجب أن لا ترضى عمن ابتغى رضاك، وأعجب من ذلك أن تسخط عليه. زئير الأسد يشبه صولته. علامة العلم العلم بالعراض عند المناوهة. لا تغاروا حتى تروا. لا تفخروا حتى تفعلوا. لا تأنفوا حتى تظلموا. أوجب الشفعاء براءة الساحة. من لزم الصحة والاستقامة لزمته الغبطة والسلامة. قصص الأولين مواعظ الآخرين. البحث
стр. 195
يوضح الحق كما يورى النار القدح. ليس من الحسد سرور ولا مع الحرص راحة ولا مع السخط غنى.
قال جعفر بن محمد الصادق ﵁: عجبت لمن بلى بخمس كيف يغفل عن خمس عجبت لمن ابتلى بالضر كيف يذهب عنه أن نقول ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الانبياء: ٨٣) . والله تعالى يقول ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ (الانبياء: ٨٤) وعجبت لمن بلي بالغم كيف يذهب عنه أن يقول ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الانبياء: ٨٧) والله تعالى يقول ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الانبياء: ٨٨) وعجبت لمن خاف شيئاً كيف يذهب عنه أن يقول ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ١٧٣) والله تعالى يقول ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (آل عمران: ١٧٤) وعجبت لمن مكر به كيف يذهب عنه أن يقول ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (غافر: ٤٤) والله تعالى يقول ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ (غافر: ٤٥) وعجبت لمن أنعم الله عليه بنعمة خاف زوالها كيف يذهب عنه أن يقول ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: ٣٩) والله تعالى يقول ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: ٣٩) كذا سنة الله ﵎ فيمن صدق في التجائه إليه، ولم يتوكل في مهماته إلا عليه.
اليمين مأثمة أو مندمة. ألذ الموارد منجاة من متلفة أو قدوم غائب بعد أن جاءت باليأس منه الركائب. وشر المصادر ظفر على قنوط. وشر الطبيعة مخالفة المروءة. فاصبر لحق وجب عليك وإن خالف هواك. بهاء المجلس الشريف بالرجل الفاضل. اليقين راحة. وروح العمل النافذ بالرجل المدبر كأنها الياقوت واللؤلؤ في تيجان الملوك. ما أنور الهدى! ما أظلم العمى! ما أكرم التقوى! ما أخدع الهوى! ما أتعب المنى! ما أسرع البلاء! ما أجهل الصبا! الجود أن تهضم الروح حظ الجسد، والإسراف أن يهضم الجسد حظ الروح، والعدل أن يعطي كل واحد منهما حظه، والشح أن تكف حظوظهما عنهما. عدو يخاف الله تعالى فيما يكره، خير من صديق لا يخافه فيما يحب. من العجب أن نطلب في صحة كل علم ما يقنعنا، ونكل العلم إلى الله تعالى من غير بحث عن صحته.
لا يرعك الباطل مما ترمى به، ولكن احذر أن يصدع عليك بالحق فتشهد عليك عيناك ووجهك. من بطل رشاؤه بطل منحه. الراغب فقير بقدر رغبته. الحق يعطى ويمنع. تجاوز عن ذنوب الناس تحتج عليهم، واجتنب الذنوب تقل صحبتهم عليك. الفراغ الفاضل عن الحمية أحد العلتين. الفرق ينسي الحجة. جاف العلية في كلامك وسو بينهم وبين السفلة في أحكامك. موت عز خير من حياة ذل. الأكفاء من كل نمط يتباغون. ما ضاع امرؤ عرف قدر نفسه. الدعة الهينة تكون بعد انقضاء العمل. لن يفارق الخير صاحبه حتى يفارقه. خير الناس من تواضع عن رفعة وعفا عن قدرة.
الحاسد يظهر وده في كلامه وبغضه في أفعاله باسم الصديق ومعنى العدو. الرياء يفسد العلانية. والعجب يفسد عمل السريرة. إذا كثرت القدرة قلت الشهرة. من عرف قدره كفاك نفسه. كفى بالظفر شفيعاً بالمذنب إلى الحليم. لسان الجاهل دليل حتفه. لا ظفر مع بغي ولا صحة مع نهم، ولا ثناء مع كبر ولا صداقة مع خب، من لم يعرف قدره فاكفه نفسك. أحق ما رد ما خالف شهادة العقل. قطع الظهر وأفسد الدين رجلان: جاهل ناسك وعالم فاجر، هذا يدعو الناس إلى جهله بنكسه وهذا ينفر الناس عن عمله بفسقه. من قوي هواه ضعف حزمه. من ظهر غيظه قل كيده. كفى بالظلم طارداً للنعمة وداعياً للنقمة. من قبل صلتك فقد باعك مروءته.
الهدية تفقأ عين الحكيم. صفو الرأي خير من استكدار الفكر. ما استنبط الصواب بمثل المشورة ولا حصنت النعمة بمثل المواساة. من لم يؤمن بالقدر فقد كفر، ومن حمد الله تعالى فقد فخر. ما اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. من استغنى بالله افتقر الناس إليه. التقصير يخلخلك
стр. 196
عن الصواب، والإفراط يقحمك في الخطأ. ثلاث خصال ما اجتمعن إلا في كريم: حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة الملالة. كفى مخبراً عما بقي مما مضى وكفى عبراً لذوي الألباب ما جربوا. التهاون بالمطلوب أول أسباب حرمانه. الشبهة ظلمة. لن يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل. خير الأمور ما سر عاجله وحسنت عاقبته.
لا شرف مع سوء أدب ولا بر مع شح، ولا اجتناب محرم مع حرص ولا محبة مع زهو. بإحالة الفكر يستخرج الرأي المصيب وبحسن التأني تدرك المطالب، وبالنصفة يكثر المتواصلون. الفاحشة عار الأبد وعقوبة غد. الشماتة تعقب الندامة. من سخر ابتلى. قال الله تعالى: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. إذا فقد المتفضلون هلك المتجملون. رب صبابة غرست من لحظة وحرب جنيت من لفظة. ما شاهد على غائب بأدل من طرف على قلب. شر المال ما لا ينفق منه. أفضل المال ما صين به العرض. وبالأفضال تشرف الأقدار. الذي يكون سبباً لفساد نفسه أذل ممن يفسده عدوه أو دهره. لا تعدن وديعة مالاً. الشهوة رق. الحرص كلب. يعبر عن الإنسان اللسان وعن المودة العينان.
لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعلى من التقوى ولا شفيع أغنى من التوبة. أولى الناس بالأمر من حافظ عليه. الخير موضوع لمن أراده موفور لمن عمل به. الرغبة مفتاح الطلب ومطية الخطوة. الحرص داع إلى الحرمان. التنفل بالحسنة ينفي السيئة. المكافأة بالسيئة دخول فيها. البغي سائق إلى الحين. إصلاح الرعية أنفع من كثرة الجنود. حق المذموم التأنيب وحق المحروم المعونة. من الجهل والجفاء إظهار الفرح عند المحزون. المحزون يحقد على الفرح ويشكر المكتئب في ظل السلامة تدب أفاعي الآفات. أعظم الناس قدراً من لم يجعل الدنيا لنفسه قدراً. ما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة. عزائم الأمور خيارها ومحدثاتها أشرارها. الملك يكتسب من اتفاقه والعامة تنفق من تكسبها. من أفنى عمره بجمع المال مخافة العدم فقد أسلم نفسه للعدم. قال الشاعر:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالذي فعل الفقر!
من لم يقدر على جمع الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل. إذا لم تكن ملحاً تصلح فلا تكن ذباباً تفسد. إصلاح بعض العدو أفضل من هلاكه. من سعادة المرء أن يطول عمره ويرى في عدوه ما يسره. خير الكتب ما إذا أعاد قاريه فيه النظر زاد حسنه ووقف على خيره. أثقل الأحمال من اتسعت مروءته وقلت مقدرته. استح من الله تعالى بقدر قربه من عقلك وأطعمه بقدر حاجتك إليه، وخفه بقدر قدرته عليك واعصه بقدر صبرك على النار، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها. الملك ينفق ليكتسب والعامة تكتسب لتنفق. الطاعة بقدر الفاقة.
يفحش زوال النعم إذا زال معها التجمل. أولى الأمور بك واجبها عليك. الدنيا العافية والشباب الصحة. إذا أقبل الأمر تشبه وإذا أدبر صرح. إذا عدل السلطان ملك قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا الرياء والتصنع. الصدقة من سعة، وابدأ بمن تعول. إذا أضرت النوافل بالفرائض تركت النوافل وقدمت الفرائض. قدر الرجل على قدر همته وصدقته على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته وعفته على قدر غيرته. من أطاع الواشي ضيع الصديق. ومن جعل لنفسه حظاً من حسن الظن يروح عن قلبه. شر مالك ما لزمك إثم مكتسبه، وحرمت منفعة انفاقه. رب مغبوط بليلة قامت بواكيه في آخرها. لا ترج خير من لا يرجو خيرك ولا تأمن جانب
стр. 197
من لا يأمن جانبك.
تارك الطلب ضجراً أرجى للعودة من تاركه جوراً. ثمرات الشهوات المخازي. الخصومة تمرض القلب. أعم الأشياء نفعاً ترك الأشرار. من استكفى الكفاة كفى الأعداء. خير مالك ما أغناك وخير منه ما وقاك، صولة الكريم صلم. ذنب أسد خير من رأس كلب. بجبهة العير يعدو وحافر الفرس. من استبد برأيه خفت وطأته على أعدائه. إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك. من أمن الزمان خانه ومن تعزز عليه أهانه. كما يجب أن تكون المرآة ضوء من الناظر فكذلك يجب أن يكون المؤدب أفضل ممن يؤدب. من ترك العمل بما ينبغي عمل ما لا ينبغي. ليس في الشر أسوة ولا في الحظ قدوة.
لم تكن لله ناصحاً حتى تحب عدوك إذا أطاع الله في عداوتك على عداوته وتقلع عما عاداك عليه، وتبغض وليك إذا عصى الله تعالى في موالاتك وتنزع عما والاك عليه. لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان. الشقي كل الشقاء من جمع لغيره وضن على نفسه بخيره. شر أخلاق الكريم أن يمنع خيره. من كانت الآخرة رأس ماله كانت الدنيا ربحه، ومن كانت الدنيا رأس ماله كانت الآخرة خسارته. أفضل العلم وقوف الرجل عند علمه. أفضل المال ما قضيت به الحقوق. البدع فخاخ محبوبة قد علقت عليها ألفاظ ظاهرة. رجاء العامة أمنية على ضلالة ورجاء الخاصة يقين على ثقة. القليل من الملك كالكثير من غيره. عطاء الملك زينة وسؤاله شرف.
وفي الأمثال: جاور بحراً أو ملكاً. إذا كذب السفير بطل التدبير. أخبث الأزمنة زمان لا يتميز فيه الخطأ من الصواب. لا تعطوا إلى الفضول ما خفتم العجز عن الحقوق. الآذان أقماع تؤدي والقلوب قوابل تعي. من أحب أن يسمى داهياً لم يظهر دهاه. لا دليل أهدى من التوفيق. الحلاء البلاء. من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن. الحفظ قيد للعلم. المدارسة إذكاء للفهم المقابسة إحياء للفطن. استزد النعمة بالشكر والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف والنصر بالتواصل ولله الرحمة للخلق. استقلال الكثير تعرض للتغيير. ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها.
لم يحكم على العقول حاكم كالغير ولم يحكمها محكم كالتجربة. من عاب سفلاً فقد رفعه ومن عاب سيداً فقد وضع نفسه. من استنقص من قد أجمع الناس على فضله فقد سلط الناس على عرضه. أحق الناس أن يؤتمن على الدنيا أهل الآخرة. صح من صحت سرائره وسقم من سقمت ظواهره. بالكلام يعرف فضل العقل كما بالرسول يعرف قدر المرسل. ملاك أموركم الدين وعصمتكم التقوى وزينتكم الأدب وحصن أعراضكم الحلم. إذا أعطيت ما لا ترضى فارض بما أعطيت. كلما ازداد الخير كثرة كان الخارج منه أشد حسرة. بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة. الإبقاء على العمل أشد من العمل. من التوقي ترك الإفراط في التوقي. توريث الحرمة والذمام سنة في المروءة كما أن وراثة التركة فريضة في الديانة. لا تمدحن امرأ بأكثر من قدره فتكون مهيناً لنفسك، كذاباً على غيرك.
لا تفرحن بسقطة عدوك فإنك لا تدري متى يحدثها الزمان بك. من الجفاء الكلام في الأمر الجسيم من غير مشاورة. أكثر الناس مخادعة لنفسه في أمر جسده عند الحمية. وفي أمر مروءته عند الشهوة، وفي أمر دينه عند الشبهة، المصائب بغتات، العاقل المدبر أرجى من الأحمق المقبل، أشرف الصنائع ما لم يكن مكافأة لماض ولا رجاء لباق. ارض النظير ثم كافئه وأيسر الملهى ثم استمع منه، لم تكن غواية ولا هداية إلا وإليهما سائق وعنهما ناكص. إحسانك إلى الحر يحرضه على
стр. 198
المكافأة، وإحسانك إلى الخسيس يبعثه على معاودة المسئلة. ليس يمتحن الأديب بأن يكون فاعلاً للخير، إنما يمتحن بأن يكون تاركاً للشر.
من صنع معك خيراً فضاعفه له وإلا فلا تعجز أن تكون مثله. الأشرار يتبعون مساوي الناس ويغفلون عن محاسنهم، كما يتبع الذباب المواضع النغلة من الجسد ويدع صحيحه. الظرف فطنة مازجتها عبادة مع حذر وتوقي، فإذا خلت الفطنة من التوقي فصاحبها لا يستمتع به أهل المروءة، وإذا خلت الفطنة من العبادة وقارنتها ملاحة فصاحبها طيب الظرف فطنة معها بعض إرسال الألفاظ يرتفع عنها أهل الجلالة من المخلصين في باطن الدنيا والتمييز في باطن الحال.
وسمعت القاضي أبا العباس الجرجاني رحمة الله تعالى يقول بالبصرة: أول من نطق بهذه الكلمة عمر بن الخطاب ﵁، وذلك أنه أتى بسارق فقال له: أسرقت قل أم لا؟ فقال الرجل: لا. فقال عمر ﵁: إنك لظريف. جهد البلاء الإقلال والعيال. ينبغي للعالم أن يتطامن للجاهل بقدر ما رفعه الله تعالى عليه. العقل أفقر إلى الحكمة والأدب من الجسد إلى الطعام والشراب. أعظم الناس غماً من زالت نعمته وبقيت شهوته وضاقت مقدرته. قلة العيال أحد اليسارين معالجة الموجود خير من انتظار المفقود. من عدم الحياء عند الفضيحة والصبر عند النصيحة سهلت عليه المعاصي كلها. العالم مثل السراج من مر به اقتبس منه. من تقدم بحسن النية نصره التوفيق.
لم تكن لله ناصحاً حتى تحب أن يكون له عدوك مطيعاً. من آذى الناس بغير سلطان كان مصيره إلى الهوان. مادحك بما ليس فيك مخاطب لغيرك، فجوابه وثوابه ساقطان عنك. المكر والخديعة في النار. الأحداث تأتي عليما منه يأتي الحذر. المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمحفوظ للعدو. من غضب على من لا يقدر على غمه فقد عذب نفسه واشتد غيظه. أطلب ما يعنيك ودع ما لا يعنيك، فإن في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك. من أنكى الأشياء لعدوك أن تريه أنك لا تعاديه. كل آت قريب. الاستغناء عن الشيء خير من الاستغناء به. ومن خير خبر أن تسمع بالمطر. لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يبقى.
شر العيوب ما كان مضمناً للعيوب. شر الذنوب ما كان علة للذنوب. أبلغ الرسل الكتب. حاول الأمور بالنصفة وأنا زعيم لك بالظفر، من أراد جمالاً لا تهدمه الأيام فليصحب المروءة والصيانة فهما ذروة الشرف. رب أمر له ما بعده. من سبق إليك كان له صفوه. من شروط المروءة التغابن للضعيف. المروءة ترك الريبة. يكاد استقصاء القوى من الضعيف أن يكون ظلماً. يكاد استيفاء الغني من الضعيف أن يكون جوراً. القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، أوله حكم وآخره علم، المحادثة على الطعام تزيد في الشهوة وتذهب الحشمة وتزيل الانقباض. لن تنال ما تحب حتى تصبر على كثير مما تكره، ولن تنجو مما تكره حتى تصبر عن كثير مما تحب. ذهاب البصر خير من كثير من النظر.
لا تعد العزم عزماً إذا ساق غماً. مع الرأي الأول وهم. النظرة بعد النظرة تعقب لما قبلها وتزيد لما بعدها. ليس مدح الرجل بما فيه تزكية. أنعم الناس من كفي أمر دنياه ولم يهمه أمر دينه. الغريب من فقد إخوانه ونظراءه وإن كان في وطنه. الغريب من لا صديق له. الغريب الفقير. الغريب الأحمق. الغريب من لا ناصر له. شيئان لا يستحي العاقل منهما: المرض وذو القرابة الفقير، من كانت الدنيا سبب صلته فإنها سبب قطيعته، فاحذر أن تجعلها وسطاً بينك وبين أحد. علامة الأشرار أن من خالطهم لم يسلم منهم،
стр. 199
ومن تركهم لا يصرفوا شرهم عنه. وأما الأخيار فمن خالطهم ربح عليهم ومن غالظهم ترك رشده.
البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسر، والعفو عند المقدرة. من عتب على الزمان طالت معتبته. ستساق إلى كل ما أنت لاق. إذا صحب الارتياد الرشاد وجد المراد. ما عتق من الذم من ملكه الجهل. ولا ظفر بالعز من احتمل ما في المعصية من الذل، ولا خرج من الدناءة من صرف عقله إلى الدنيا. آخر الظلمة هريب. المسئلة آخر المكسبة. ما عد من أهل الحجا من كان من أهل الهوى، ولا كان من أهل التقى من حاد عن سبيل الهدى. من ذم أدنى الإحسان لامتناع أقصاه لم يحمد شيئاً منه. من دواعي الهلكة إضاعة المعرفة. واعجبا لمن يبني داره وجسمه يهدم، ولمن يبرم أمور الدنيا وأموره في نفسه تحل! قال علي ﵁: من لم يكن معنا كان علينا. الساكت أخو الراضي الكاتم للعلوم كمن لا علم له، أو غير واثق فيه الصواب. المرء مخبو تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه. قيمة كل امرئ ما يحسن. العلم بما في المصيبة من الثواب ينسي المصيبة. شر من المعصية سوء الخلق. فقهاء الحكمة ربيع القلوب. الخصومة تكشف العورة وتورث المعرة. بلاء المؤمن من عافيته كالنار حريقها من نورها. قد يكون الناس إدراكاً إذا كان الطمع هلاكاً. من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل رفع الجاهل قدره عليه. الذلة مع القلة تجوع الحرة ولا تأكل بثديها. موت عاجل خير من ضنا آجل. الغضب عند المناظرة منساة للحجة. الاختصار أثبت للمتكلم وأفهم للسامع. الكلب في الحاضرة ينبح الضيف ويدفع الزائر ويرد السائل، والكلب في البادية يعين الصاحب وينذر بالضيف ويدفع السارق.
لا تغتر بقول الجاهل الملك في يدك لؤلؤة وأنت تعلم أنها بعرة. مثل الصلاة في سائر العبادات مثل السفينة مع جميع من فيها، إن سلمت سلم الكل وإن أصيبت أصيب الكل. الحب والبغض فتنة. من طلب المطمع حرم، ومن طلب المؤنس عجز. قد ينصر المنطق من يعنى به. إذا فسد الزمان كسدت الفضائل وضرت الرذائل ونفعت، وصار خوف الموسر أكثر من خوف المعسر لقاء أهل الخير عمارة القلوب. لا يصد الكثير من لا يصد نفسه الواحدة، بالعمل يحسن المنطق وبالقوة يتم العمل. الفكرة مرآة. من أعظم الناس محنة من قل ماله وكثر مجده. الأدب مع العقل كالشجرة المثمرة والعقل بلا أدب كالرجل العقيم.
الماء ألين من القول والقلب أقسى من الحجر، وقد يثلم الماء الحجر إذا كثر انحداره عليه. أشد الأشياء إخفاء الفاقة. أولى الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل، لم يغب من شهد رأيه ولم يفن من بقي أثره ولم يمت من خلد عمله.
وقد سبق المثل: ليس بها لك من ترك مالك. كما أنه قبيح إذا ركبنا الخيل أن تجري بنا حيث أرادت دون أن ندبرها، كذلك قبيح أن تجري البدن والنفس بالعقل حيث أراد من الشهوات. أشق الأمور معرفة المرء بنفسه عائب المجمع عليه محجوج. ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة من الصبر. ضرب الإنسان عار باق ووتر مطلوب.
قيل لحكيم: هل للغضب مادة تحسمه؟ قال: نعم أن يعلم الإنسان أنه ليس يجب أن يكون مطاعاً أبداً ولا يجب أن يخدم أبداً ولا يجب أن يتحمل خطاؤه أبداً، بل قد يطيع ويخدم ويتحمل الخطأ ويصبر على النوائب، فإذا فعل ذلك لم يغضب، وإذا غضب فقليل. السعيد من وعظ بغيره. لا ينفع كثرة العلم من لا يعمل كما لا يغني ضوء الشمس عن من لا يبصر. رضي بالذل
стр. 200
من كشف ضره بترك الورع، وأزرى بنفسه من استشعر الطمع. البدع فخوخ يسترها زخرفة الكلام وخدع المقال. الناس في الدنيا بالإخوان وفي الآخرة بالأعمال. صديق الرجل عقله وعدوه حمقه. من اجتمعت عليه النعمة أديمت له الرغبة.
يتحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه. لا وجود إلا بمال ولا صداقة إلا بوفاء ولا فقه إلا بورع. العليل الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي. قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت عليه. اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال لقاء الرجل أخلاءه مسلاة للهم. من لم يصلح على تدبير الله تعالى لم يصلح على تدبير نفسه. الأحلام فرح ووهم كاذب، والعامل بها كالمعتمد على الظل الزائل. الدنيا دول فما كان لك منها أتاك عن ضعف، وما كان عليك لم تقو على دفعه بقوتك. العافية خير من الواقية. الكريم لا يستحي من إعطاء القليل. العفاف زينة الفقير.
الكرم حسن الفطنة. واللؤم سوء التغافل، اختلاف كلام المرء دليل على ميل الهوى به. من حق النعمة أن يرى أثرها. من كان شبعه في الطعام لم يزل جائعاً، ومن كان غناه في المال لم يزل فقيراً، ومن كان قصده بحوائجه الخلق لم يزل محروماً، ومن استعان في أمره بغير الله تعالى لم يزل مخذولاً. من خاف من فوقه خافه من تحته، ومن لم يخف من فوقه لم يخفه من دونه. ما تحسنه ولا تعمل به لغيرك نوره وعليك بوره. واعجباً لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى، عين العز في طلب ما يبقى. من حذرك كمن بشرك. الشفيع جناح الطالب. إذا أقبلت الدنيا عليك فأنفق منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى. قال الشاعر:
فأنفق إذا أيسرت غير مقتر
وأنفق إذا ما أدبرت حين تعسر
فلا الجود يفني المال والحظ مقبل
ولا البخل يبقي المال والحظ مدبر
ولغيره:
لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة
فلن يضر بها التبذير والسرف
وإن تولت فأحرى أن تجود بها
فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف
الغريب: في كل مكان مظلوم. من سلك الجلد أمن من الغبار. لم يتجاوز الحد من ركب القصد. عجباً للئيم يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الكرم الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء! من يطل ذيله يكثر ويله. وقال علي ﵁: من يبطل فعل أبيه تمنطق به. غثك خير من سمين غيرك. إذا أحببت أن لا يفوتك ما تشتهي فاشته ما يمكنك. من قصد أسهل ومن أسرف أوعر. القصد أخذ الحمام. شر السير الحقحقة: يؤنسك في المجالس مجلس لا يقصر بك ولا تقام عنه. أقلع الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك. وازجر المسيء بإثابة المحسن لكي يرغب في الإحسان. لن يهلك من مالك ما وعظك. الخلاف يهدم الرأي. خير الناس لغيره خيرهم لنفسه.
إحسان الله تعالى مكفور عند من أصبح مصراً على ذنب مستور. يصير التخلق خلقاً بالاجتهاد والاعتياد. الحجر الغصب في البنيان رهن على الخراب. ربما يشرق شارب الماء به. رب رأي أنفع من مال وحزم أوفى من رجال. من استوعب الحلال تاقت نفسه إلى الحرام. من ذم الزمان لم يحمد الأخوان. بتقلب الأحوال تعلم جواهر الرجال. من عرف الزمان لم يحتج إلى ترجمان، ومن عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد. رسولك ترجمان عقلك. الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط العجزة. كلما اشتد الظلام قوي ضوء السراج.
стр. 201
الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد. أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها فحرمها.
من لم يدر قدر البلية لم يرحم أهلها. كفاك أدباً لنفسك ما كرهته لغيرها. مجالسة الأحمق غرر والقيام عنه ظفر. لا تسأل عما لم يكن فإن في الذي قد كان شغلاً. البخل جامع لمساوي العيوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء. إذا صلح القلب وصح العمل كان التوفيق. إحراز العواقب بالاجتهاد، والاجتهاد أربح بضاعة. التوفيق خير قائد كمال العمل التوفيق من ترفق في استتمام الحظ من النعمة أدرك وبلغ، مقاربة الناس في أخلاقهم آمن من غوائلهم، لا تنظر إلى أحد بالموضع الذي رتبه فيه زمانه، ولكن انظر إليه بقيمته في الحقيقة فإنها مكانه الطبيعي. أبعد الناس سفراً من سافر في طلب أخ صالح. ليست البركة من الكثرة ولكن الكثرة من البركة.
وقال داود ﵊: إذا كان ما ترى من الجهل يغيظك إذن يكثر الجهل ويطول غمك. قيل لبزرجمهر: ما لكم لا تعاتبون الجهلة؟ قال: لأننا ما نريد من العميان أن يبصروا. العشق مرض نفس فارغة لا همة لها. إجالة الفكر واستخراج الفطنة تتبع الإساءة بالندم وتتبع الندم بالإقلاع. الأمن بالبراءة وكثرة الصديق بالتواضع. وأعم الأشياء نفعاً فقد الأشرار. من بذر عداوة حصد ندامة. السمنة للنساء غلمة وللرجال غفلة. قال المسيح ﵊: ما حلم لمن لم يصبر عندالجهل وما قوة لمن يرد الغضب، وما عبادة لمن يتواضع للرب سبحانه. عبادة النوء كالمجيء في غير وقت والجلوس فوق القدر. إذا وقعت الضرورة ارتفعت المشورة.
قيل لحكيم: أخرج الهم من قلبك. قال: ليس بإذني دخل. من اغتر بحاله قصر في احتياله. إياكم وطلب الأمور من غير وجوهها فيعييكم طلبها ولا تدركوا حظاً منها. هيئة الزلل تورث الحصر. وقيل لحكيم: لأي شيء تزوجت امرأة دميمة وأنت وسيم؟ قال: اخترت من الشر أقله. وقيل لحكيم: ما تقول في الزواج؟ قال: لذة شهر وهم دهر ووزن مهر ودق ظهر. فتنة عالم إلى إبليس خير من غواية ألف رجل جاهل. تمني المعاتب ولا تمني المعاذير. الموالاة في الإسلام بمنزلة الحلف في الجاهلية. سب الجاهل للحكماء تشريف لهم عند أهل الفضل، لأن الجاهل منسوب إلى فعله، وكما أن الحكيم يتألم بحديث الجاهل كذلك الجاهل يتألم لسماع الحكمة. أغنى الناس عن الحقد من عظم قدره عن المجازاة. الكبير الهمة من الرجال من كان عنف الناصح عنده ألطف موقعاً من ملق الكاشح. إن كانت الجدود من الحظوظ فما بال الحرص، وإن كانت الأمور ليست دائمة فما بال السرور، وإن كانت الدار الدنيا غدارة فما بال الطمأنينة؟ وقال الشعبي: ما رأيت الله أعطى عباده من أجل الحلم. وقال عمر بن الخطاب ﵁: خمس من لم تكن فيه فلا ترجه لشيء من أمر الدنيا والآخرة: من لم يعرف الوثيقة في أرومته والدماثة في خلقه والكرم في طبعه، والنبل في نفسه والتحاقر عند ربه. وقال أبو عبد الله بن حمدون: كنت مع المتوكل لما خرج إلى دمشق، فركب يوماً إلى رصافة هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قصورها ثم خرج فرأى ديراً قديماً هناك حسن البناء بين مزارع وأشجار وأنهار، فدخله فبينا هو يطوف إذ بصر برقعة قد التصقت في صدره، فأمر بقلعها فإذا فيها هذه الأبيات:
أيا منزلاً بالدير أصبح خالياً
تلاعب فيه شمال ودبور
كأنك لم يسكنك بيض أو أنس
ولم يتبختر في فنائك حور
стр. 202
وأبناء أملاك غواشم سادة
صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدارعهم فعوابس
وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنهم يوم اللقاء ضراغم
وأنهم يوم النوال بحور
ليالي هشام بالرصافة قاطن
وفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذا العيش غض والخلافة لدنة
وأنت طروب والزمان غدير
وروضك مرتاد ونورك مزهر
وعيش بني مروان فيك نضير
بل فسقاك الغيث صوب سحائب
عليك لها بعد الرواح بكور!
وعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى
لها ذكر قومي أنة وزفير
لعل زماني جار يوماً عليهم
لهم بالذي تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون وينعم بائس
ويطلق من ضيق الوثاق أسير
رويدك إن اليوم يتبعه غد
وإن صروف الدائرات تدور!
فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من شر أقداره. ثم دعا صاحب الدير فسأله عمن كتبها فقال: لا علم لي به. وأما الكتب وصفاتها فتجل عن بلوغ الوصف ولقد أحسن ابن الجهم في قوله:
سمير إذا جالسته كان مسلياً
فؤادك عما فيه من ألم الوجد
يفيدك علماً أو يزيدك حكمة
وغير حسود أو مصر على الحقد
ويحفظ ما استودعته غير غافل
ولا خائن عهداً على قدم العهد
زمان ربيع في الزمان بأسره
يبيحك روضاً غير ذاوٍ ولا جعد
تنور آداباً بورد بدائع
أخص وأولى بالنفوس من الورد
وأنشد بعض الأعاجم:
إذا ما خلا الناس في دورهم
بخمر سلاف وخود كعاب
وآنستهم لحساب الليال
صفاء الندامى وزهو السحاب
خلوت وصبحي كتب العلوم
وبيت عروسي بيت الكتاب
ودرس العلوم شراب العقول
فدوروا علي بذاك الشراب
وما يجمع المرء في دهره
سوى العلم يجمعه للثواب
ومن أحسن ما ينشد في الكتب:
إذا ما خلوت من المؤنسين
جعلت المؤانس لي دفتري
فلم أخل من شاعر محسن
ومن عالم صالح منذر
ومن حكم بين أبياتها
فوائد للناظر المفكر
وإن ضاق صدري بأسراره
وأودعته السر لم يظهر
وإن صرح الشعر باسم الحبيب
فلم أحتشمه ولم أحصر
وإن عدت من ضجر بالهجا
وسب الخليقة لم أحذر
стр. 203
ونادمت فيه كريم المغب
لندمانه طيب المخبر
فلست أرى مؤنساً ما حييت
عليه نديماً إلى المحشر
وأنشد ابن حزم وبعض الأدباء:
إن سصبنا الملوك تاهوا علينا
واستبدوا بالرأي دون الجليس
أو صحبنا التجار عدنا إلى الفقر
وصرنا إلى حساب الفلوس
فلزمنا البيوت نتخذ الح
بر ونملأ به وجوه الطروس
لو تركنا وذاك كنا ظفرنا
من أمانينا بعلق نفيس
غير أن الزمان أعمى بنيه
حسدونا على حياة النفوس
وقال غيره:
أنست إلى التفرد طول عمري
فما لي في البرية من أنيس
جعلت محادثي ونديم نفسي
وأنسي دفتري بدل العروس
قد أستغنيت عن فرسي برجلي
إذا سافرت أو بغل أنوس
ولي عرس جديد كل يوم
بطرح الهم في أمر العروس
فبطني سفرتي والخرج جسمي
وهمياني فمي أبداً وكيسي
وبيتي حيث يدركني مسائي
وأهلي كل ذي عقل نفيس
ولئن كان الناظمون قد وصفوا فجودوا وقالوا فأبلغوا فقد قصروا، وأجل ممدوح من أستقصى في مدحه المنتهى، واستمد في تقريظه المحتفل، وكيف لا والكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل! وعالم مليء علماً وظرف حشي ظرفاً وإناء مليء راحاً وحبذا بستان يحمل في أكمامه جوهراً أو درراً! وروضة نقلت في حجر. هل سمعت بشجرة تؤتي أكلها كل حين وساعة بألوان مختلفة وطعوم متباينة؟ هل سمعت بشجرة لا تذوي وزهر لا يتوى وثمر لا يفنى؟
ومن لك بجليس يفيدك الشيء وخلافه والجنس وضده؟ ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء. إن غضبت عليه لم يغضب وإن سخطت عليه لم يجب. أكتم من الأرض وأنم من الريح، وألهى من الهوى وأخدع من المنى وأمتع من الضحى، وأنطق من سبحان وائل وأعيي من باقل. هل سمعت بمعلم واحد تحلى بحلل كثيرة وجمع أوصافاً غزيرة عربي فارسي هندي رومي يوناني؟ إن وعظ أسمع وإن ألهى أمتع، وإن أبكى أدمع وإن ضرب أوجع. يفيدك ويستفيد منك ويزيدك ويستزيد منك. إن حدث فسر وإن مدح فنزهة. قبر الأسرار وحرز الودائع وقيد العلوم، وينبوع الحكم ومعدن المكارم ومؤنس لا ينام. يفيدك علم الأولين ويخبرك عن كثير من أنباء الآخرين. هل سمعت في الأولين أو بلغك عن أحد من السافلين، من جميع هذه الأوصاف مع قلة مؤنته وخفة محمله؟ لا يرزءك شيئاً من دنياك. نعم الذخر والعقدة والشغل والحرفة، جليس لا يضرك ورفيق لا يملك. يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر إن أدمت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك، وبسط لسانك وجود بنانك وفخم ألفاظك. إن ألفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك، وإن جملته نوه عندهم باسمك. يقعد العبيد مقاعد السادة ويجلس السوقة
стр. 204
مجالس الملوك فأكرم به من صاحب وأعزز به من مرافق! وقد قال فيه الأول:
لنا جلساء لا نمل حديثهم
ألباء مأمونون غيباً مشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى
ورأياً وتأديباً وعقلاً مسددا
فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة
ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا
فإن قلت أموات فما أنت كاذب
وإن قلت أحياء فلست مفندا!
فهذا ما أردنا أن نمليه في هذا الكتاب. شعر:
فاكتبوا إن شئتم أنقاشه