← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1585

سراج الملوك

أبو بكر الطرطوشي

Полный текст (204 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وامزج للعامة الرغبة بالربة، وسس سفلة الناس بالإخافة وقال سليمان بن داود ﵇: كما يصلح الهمز للفرس والرسن للحمار، كذلك يصلح القضيب لظهر الجهال. وفي الأمثال القديمة من لم يصلح باللين أصلحه التليين، ومن يعتدل عدل. وقال هلال بن أساف: استعمل النبي ﷺ المقداد على سرية، فلما رجع قال له النبي صلى الله عليه: كيف رأيت الإمارة أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله ولا أرى أن لي فضلاً على أحد من القوم، فأرجعت إلا وكأنهم عبيد لي. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من وقاه الله شرها قال: والذي بعثك بالحق نبياً لا أعمل على عمل أبداً. وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما يمنعك أن تفشي العمل في الأفاضل من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: هم أجل من أن أدنسهم بالعمل. وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسفارهم، وعن من يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم، وهل يدخل عليه الضعيف وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم حمد الله تعالى، وإن قالوا لا كتب إليه أن أقبل. ومثل السلطان إذا ولى العمال الظالمين مثل من يسترعى غنمه الذئاب، ومثل من يربط الكلب العقور ببابه. وإن العامة لتشتم الحجاج بن يوسف والخاصة تلوم عبد الملك بن مروان لأنه هو الذي استرعاه الرعية؟ وفيه قيل: ومن يربط الكلب العقور ببابه فعقر جميع الناس من رابط الكلب. وكان العلاء بن أيوب لما ولى فارس من قبل المأمون يكتب عهد العامل، فيقرأه على من يحضره من أهل ذلك العمل ويقول: أنتم عيوني عليه فاستوفوه منه، ومن تظلم إلي منه فعلي إنصافه ونفقته جاثياً ورائحاً، ويأمر العامل أن يقرأ عهده على أهل عمله في كل جمعة، وأن يقول لهم هل استوفيتم؟ الباب الرابع والخمسون: في هدايا العمال والرشا على الشفاعات روى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ قال: من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا والسر فيه أنك إذا قدرت على قضاء حاجته من عند السلطان الظالم أو السيد القاهر، صار ذلك واجباً عليك وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ استعمل رجلاً يقال له ابن اللتبية، فلما جاء قال: يا رسول الله هذا لكم وهذا لي. فغضب النبي ﷺ وقال: ما بال الرجل نستعمله على عمل من أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لنا، أفلا قعد أحدكم في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى له؟ قال مالك: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يشاطر العمال فيأخذ نصف أموالهم. وشاطر أبا هريرة ﵁ وقال له: من أين لك هذا المال؟ فقال له أبو هريرة: دواب تناتجت وتجارات تداولت. فقال: إذن الشطر. وإنما شاطرهم حين ظهرت لهم أموال بعد الولاية لم تكن تعرف لهم. وروى مالك عن ابن عمر ﵄ أنه اشترى هو وأخوه عبيد الله إبلاً، فبعثا بها إلى الحما فرعت فقال عمر: رعيتما في الحما فشاطرهما وشاطر، سعد بن أبي وقاص حين قدم من الكوفة كأنه رأى أن ما أصاب العامل من غير رشوة فإن كان حلالاً فلا يستحق ذلك لأن لمن له الإمرة قوة على أن ينال من الحلال ما لا يناله غيره، فجعله كالمضارب للمسلمين. ولما رفع أبو موسى الأشعري ﵁ مالاً من بيت المال لعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ﵁ بالبصرة،

стр. 142

فاشتريا به بضاعة فربحت بالمدينة، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، وأخذ عمر ﵁ النصف لبيت المال. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عماله: أما بعد فإنما هلك من كان قبلكم بمنعهم الحق حتى يشتري، وبسطهم الباطل حتى يفتدي الملك بالدين يقوى، والدين بالملك يبقى. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا قدم عليه العمال يأمرهم أن يدخلوا نهاراً ولا يدخلوا ليلاً، كيلا يحجبوا شيئاً من الأموال. وقال عتاب بن أسيد: والله ما أصبت في عملي الذي ولاني النبي ﷺ إلا ثوبين معدين كسوتهما مولاي كيسان. وروى أن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه استعمل أبا مسعود الأنصاري على السواد، فما رجع إلا وقد امتلأت داره فقال: ما هؤلاء قالوا: كذلك يصنعون بالرجل إذا استعمل قال: كل هؤلاء يريدون أن يأكلوا في أمانتي، ويروى في إمارتي، ورجع إلى علي ﵁ وقال: لا حاجة لي في العمل. وقد ذكرنا أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله اختر لي، فقال: اقعد في بيتك وفي الأمثال: إن الهدية نعمي وتصم. وقال بعض الحكماء: الرشوة رشاء الحاجة. وأنشد بعضهم: إذا أتت الهدية دار قوم تطايرت الأمانة من كواها ولبعضهم: إن الهدية حلوة كالسحر يجتلب القلوبا تدني البعيد من الهوى حتى تصيره قريبا وترد مضطغن العداوة بعد جفوته حبيبا ومما قلته في الرشوة: وأكرم من يدق الباب شخص ثقيل الحمل مشغول اليدين ينوء إذا مشى نفساً ونفخاً وينطح بابه بالركبتين وأكرم شافع يمشي إليها أبو المنقوش فوق الصفحتين ولبعضهم: إذا كنت في حاجة مرسلاً وأنت بإنجازها مغرم فأرسل بأكمه جلابة به صمم أغطش أبكم ودع عنك كل رسول سوى رسول يقال له الدراهم وكتب عبد الملك إلى قاضيه الحارث بن عامر، وقد ارتشى بمكرمة: إذا رشوة في باب قوم تقحمت لتسكن فيه والأمانة فيه سعت هرباً منه وولت كأنها حليم تولى عن جواب سفيه الباب الخامس والخمسون: في معرفة حسن الخلق اعلموا أرشدكم الله تعالى أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه وقبلوا القوس ركوة، فعمدوا إلى أخلاق العامة وخلائق الغوغاء والدناة، وما يجري بينهم إذا تلاقوا وتعاشروا من الإفراط في مدح بعضهم بعضاً، وتعاطيهم الكذب والتصنع والملق والمراآة، والمعاريض

стр. 143

عن الأمور المكنونة التي يفحش إظهارها، والانخراط في سلك المزاح والمهاترة. فهذا وما أشبهه عندهم من أحسن الخلق. وهذا عندنا نقيض ما نص الله تعالى عليه ورسوله من حسن الخلق. فأول ذلك أن يعلم أنه لم تحتو الأرض على بشر أحسن خلقاً من محمد ﷺ ، فكل من تخلق، بأخلاق رسول الله أو قاربها كان أحسن الناس خلقاً وكل خلق ليس يعد من أخلاقه فليس من حسن الخلق. وهذا فصل الخطاب في هذا الباب لمن عقل، وإنما أتى الناس لأنهم استحسنوا الأخلاق العامية واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق الرسول ﷺ . وها أنا أتلو عليك من أخلاق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والأولياء والأصفياء والعلماء والصالحين، نرجو ما نرجو أن ينفعنا الله وإياك به. قال الله تعالى لنبيه وصفيه محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) . فخص الله تعالى نبيه محمد ﷺ من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق من الحياء والكرم والصفح وحسن العهد بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى الله عليه من فضائله بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. وعن هذا قالت الشيوخ أن الله تعالى دعا الخلق إلى حسن الخلق، ودعا نبيه ﷺ إلى حسن الخلق. نن قال عبيد بن عمير: قلت لعائشة ﵂: يا أمير المؤمنين صفي لي خلق رسول الله ﷺ فقالت لي: أما تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن. وحسبك بهذا القول منقبة للرسول ﷺ وتعريفاً لك بحسن الخلق، وإذا كان خلق النبي ﷺ القرآن فالقرآن يجمع كل فضيلة ويحث عليها، وينهي عن كل نقيصة ورذيلة ويوضحها ويبينها، ولذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) قال النبي ﷺ : ما هذا يا جبريل؟ فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فهذا من حسن الخلق كما ترى. فانظر أين أخلاق العامة من هذا النمط، إن أحدهم ليقطع من وصله ويحرم من أعطاه، ويظلم من سأله ويغضب على من اتهمه. وإنما اقتصر على هذه الكلمات لأنها أصول الفضائل وينبوع المناقب، لأن في أخذ العفو صلة القاطع والصفح عن الظالم وإعطاء المانع، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله تدخل جميع آداب الشرع فرضها ونفاها، وفي الإعراض عن الجاهلين الصفح والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه ومجازاة اللجوج، فهذه الأصول الثلاثة تتضمن محاسن الشرع نصاً وتنبيهاً وسمتاً واعتباراً. وروى عن أنس أنه قال: يا رسول الله أي المؤمنين أكمل إيماناً قال: أحسنكم خلقاً. وروى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ قال: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق. اقتضى الحديث أن كل نبي مبعوث إلى أمته إنما بعث ليعلم الخلق الحسن، وأن نبينا محمداً ﷺ بعث ليتمم محاسن الأخلاق. إذن فحسن الخلق امتثال الشرائع بأسرها. روى البخاري ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، قال: وإن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً، وقال ﵇: إن الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما. وكان النبي ﷺ في بعض أسفاره وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي جبذة شديدة حتى أثرت حاشية الرداء في عنقه وقال: يا محمد مر لي بشيء من مال الله الذي آتاك، فلست تأمر لي من مالك ولا من مال أبيك! فالتفت النبي صلى الله

стр. 144

عليه وسلم وقال: مروا له ولم يكلمه بكلمة. وقال أنس: نظرت إلى عنق النبي ﷺ قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ وهو يضحك ثم أمر له بعطاء. وروى أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال له: يا محمد املأ لي هذه تمراً وسويقاً فإنك لست تعطي من مالك ولا من مال أبيك فقال له النبي ﷺ : أعد علي ما قلت، قال فأعاد كلامه فقال النبي ﷺ : صدقت املئوا له تمراً وسويقاً لست أعطي من مالي، إنما هو من مال الله . وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل. واعلموا أن الخلق الحسن أفضل مناقب العبد، وبه تظهر جواهر الرجال والإنسان مستور بخلقه. ألا ترى أن الله تعالى خص نبيه ﷺ بما خصه به من الفضائل، ثم لم يثن عليه بشيء من خصائله بمثل ما أثنى عليه بخلقه. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) قال: لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله . وقيل: لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد معرفتك بالله تعالى. قال المحاسبي: حسن الخلق كظم الغيظ وإظهار الطلاقة والبشر إلا لمبتدع أو فاجر، إلا أن يكون فاجراً إذا انبسطت إليه استحق وأقلع، والعفو عن الزالين إلا في أدب وإقامة حسد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا لتغيير منكر أو أخذ مظلمة لمظلوم؛ فهذا من حسن الخلق. وقيل: حسن الخلق أن لا تغير ممن يقف في الصف بجنبك. وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت حسن الخلق؟ فقال: من قيس بن عاصم المنقري، قال بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادم له بسفود عليه شواء حار، فسقط من يدها فوقع على ابن له فمات فدهشت الجارية فقال: لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى! وقيل: جاءت جارية لأبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁ بقصعة من ثريد تقدمها إليه، وعنده قوم فأسرعت بها فسقطت من يدها فانكسرت فأصابه وأصحابه مما كان فيها فارتاعت الجارية عند ذلك فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، لعله أن يكون كفارة للروع الذي أصابك! وكان ابن عمر ﵁ إذا رأى أحداً من عبيده يحسن الصلاة يعتقه، فعرفوا ذلك من حسن خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراآة وكان يعتقهم فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له! وقال الفضيل: لو أن رجلاً أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. وكان المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. وقال الجنيد: أربع ترفع العبد إلى أرفع الدرجات: الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق، وهو كمال الإيمان وقال الكتاني الصوفي: حلق ما زاد عليك في الخلق يزيد عليك في التصوف، وقيل حسن الخلق تحمل أثقال الخلق. وقال الحسن بن علي ﵄: عنوان الشرف حسن الخلق. وكان عبد الله بن محمد الرازي يقول: حسن الخلق استصغار ما منك واستعظام ما إليك. وقال سهل بن عبد الله: حسن الخلق أن لا تطمع فيما ليس لك، وليس بهذه الصفة أحد إلا الله . وقال شاه الكرماني: علامة حسن الخلق كف الأذى واحتمال المؤن، وقيل: حسن الخلق أن تكون من الناس قريباً وفيما بينهم غريباً. وقيل: حسن الخلق احتمال المكروه بحسن المداراة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ الرازي: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات. وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي فقال: يا هذه أصبت اسمي الذي أضله أهل البصرة. وفي الحديث عن النبي ﷺ : لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق. وروى أن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة، فألقي عليه من فوق سطح بيت طست رماد، فتغير أصحابه وبسطوا ألسنتهم في الملقي، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئاً، من يستحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب. وقيل لإبراهيم بن أدهم: هل فرحت في الدنيا قط؟ قال: نعم مرتين إحداهما كنت جالساً ذات يوم فجاء إنسان فصفعني، والثانية كنت قاعداً ذات يوم فجاء إنسان فبال علي. وكان أويس القرني إذا رأوه الصبيان يرمونه بالحجارة وهو يقول: إن كان فلا بد فارموني بالحجارة الصغار كي لا تدموا ساقي فتمنعوني الصلاة. وسئل سهل بن عبد الله عن حسن الخلق فقال: أدناه الاحتمال للأذى وترك المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا غلاماً له فلم يجبه، فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت! فقال: امض فأنت حر لوجه الله تعالى. وهذا ترى قوة إلهية يفرغها الله تعالى على المصطفين من عباده وأهل الصفوة

стр. 145

من أوليائه. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) جرده عن حقائق البشرية وألبسه من نعت الربوبية حتى قواه على صحبتهم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم مع الذي كان يقاسيه مع كونه مستغرقاً باستيلاء الحق تعالى عليه يختص برحمته من يشاء. وقال النبي ﷺ : المؤمن إلف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف. وإنما سمي آدم لأنه تألف من الجواهر والألوان. وقال النبي ﷺ لرجلين متغاضبين: آدم الله بينكما أي ألف بينكما. ومنه سمي الأدم المأكول لأنه يؤلف الطعام ويحسنه. ومنه قول النبي ﷺ لرجل أراد أن يتزوج امرأة: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أي يؤلف بينكما. وروي أن معروف الكرخي نزل الدجلة يتوضأ فوضع مصحفه وملحفته، فجاءت امرأة فأخذتهما فتبعها معروف وقال: يا أختي أنا معروف لا بأس عليك ألك ابن يقرأ؟ قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا قال: فهاتي المصحف وخذي الثوب. وروي أن أبا ذر ﵁ كان على حوض يسقي إبله فأسرع بعض الناس إليه فانكسر الحوض فجلس ثم اضطجع، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي ﷺ أمرنا إذا غضبنا أن نجلس، فإن ذهب عنا وإلا فنضطجع. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنا لنصافح أكفاً نرى قطعها وقال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم. وقال الحارث بن قيس: يعجبني من الورى كل طلق الوجه مضحاك، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في المسلمين مثله! وقال عروة بن الزبير ﵁: مكتوب في الحكمة: يا بني لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك طلقاً، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يسلم صاحباً صالحاً يغنم. وروي أن إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة فضرب رأسه فأوضحه، فلما جاوزه قيل له: هذا إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان. فجاء يعتذر إليه فقال: إنك لما ضربتني سألت الله لك الجنة، فقال: لم؟ قال: قد علمت أني أوجر على ذلك فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ونصيبك مني الشر! وحكي أن أبا عثمان الجيزي دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال: يا أستاذ ليس لي رغبة في دخولك وقد ندمت فانصرف يرحمك الله! فرجع أبو عثمان فلما وافى منزله عاد إليه الرجل وقال: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر وقال احضر الساعة. فقام أبو عثمان ومضى معه فلما وافى داره قال مثل ما قال في الأولى وأخذ كذلك يعتذر، ثم كذلك في الثالثة والرابعة وأبو عثمان ينصرف ويحضر، ثم قال له: يا أستاذ إنما أردت اختبارك والوقوف على أخلاقك، وجعل يعتذر إليه ويمدحه فقال أبو عثمان لا تمدحني على خلق تجد مثله في الكلاب، والكلب إذا دعي حضر وإذا زجر انزجر! وروي أن بعض الفقراء نزل على جعفر بن حنظلة، وكان جعفر يخدمه والفقير يقول: نعم الرجل أنت لو لم تكن يهودياً! فقال أبو جعفر: إن عقيدتي لا تقدح فيما يحتاج إليه من الخدمة، فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية. وروي أن أبا جعفر العمودي المتعبد لقيه بعض الأجناد ومعه كلب الصيد فقال له: خذ هذا الكلب وقده خلفي. فأبى فضرب رأسه بالسوط حتى أوجعه فقال بعض المارين: ويحك هذا أبو جعفر العمودي العابد! فنزل عن فرسه وجعل يقبل يديه ويعتذر إليه فقال له: أنت في حل! قال إبراهيم بن الحسين: سمعت أبا جعفر العمودي ليالي عدة

стр. 146

إذا فرغ من حزبه في جوف الليل يدعو ويقول: اللهم اغفر لصاحب الكلب وارحمه. وقيل مكتوب في الإنجيل: عبدي اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (البقرة: ٨٣) أي كل من لقيته فقل له حسناً من القول. وقال لقمان لأبنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع في الحرب، والأخ عند الحاجة إليه. وروي أن عبد الله الخياط كان له مجوسي يخيط عنده الثياب ويدفع له دراهم ذيوفاً، وكان عبد الله يأخذها فجاء المجوسي يوماً بدراهم رديئة فلم يجده، فأعطاه لتلميذه فلم يقبلها فدفع له صحاحاً فلما رجع عبد الله قال له تلميذه: هذه دراهم المجوسي، وذكر قصته فقال له عبد الله: بئس ما فعلت! إنه يعاملني هذه المعاملة منذ أعوام وأنا أصبر عليها وألقها في البئر لئلا يغر بها غيري! وروي أن معاوية نظر إلى يزيد يضرب ابنه فقال له: أتضرب من لا يمتنع منك؟ لقد حالت القدرة بيني وبين أولي التراث. وقال بعضهم: أصل سوء الخلق ضيق القلب، وضيقه على قسمين أدناه وأهونه أن لا يتسع لمراد الخلق، وأقصاه وشره أن لا يتسع لمراد الخالق. وقال المحاسبي: أصل السوء الخلق الإعجاب، وهل يسوء خلق الرجل إلا من عجبه وتكبره، ولا يرى فوقه أحد، ولا يعرف قدر نفسه فتداخله العزة؟ وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ٤) أي وخلقك فحسن وكان لبعض النساك شاة وكان بها معجباً، فرآها على ثلاث قوائم فقال: من فعل هذا بها فقال غلامه: أنا. وقال: ولم؟ قال: لأغمك بها! قال: لأغمن من أمرك اذهب فأنت حر! وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: رأى عيسى بن مريم ﵇ رجلاً يسرق فقال له أتسرق؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى ﵇: آمنت بالله وكذبت عيني. وقال علي ابن أبي طالب ﵁: فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء. وقيل الخلق السيء يضيق قلب صاحبه لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع فيه غير صاحبه. ويقال: من سوء خلقك أن يقع بصرك على سوء خلق غيرك. وسئل النبي ﷺ عن الشؤم فقال: سوء الخلق! وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: ادع الله تعالى على المشركين. فقال: إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً! ولما وصى يعقوب ﵊ أولاده قال لهم: احفظوا عني خصلتين ما انتصفت من ظالم قط قولاً ولا فعلاً، وما رأيت حسنة إلا أفشيتها ولا رأيت سيئة إلا سترتها، كذلك فافعلوا. وقال ابن عمر ﵄: إذا سمعتموني أقول لمملوك أخزاك الله فاشهدوا أنه حر. ويقال: سيئ الخلق هو الذي لا يملك نفسه عند الغضب. وقيل: أصل سوء الخلق أن يوافقك دون أن تطلب نفسك بموافقة غيرك، وعلامة حسن الخلق احتمال معاملة سيئ الخلق لتستر به سوء الخلق. وقيل: العارف يعاتب نفسه ولا يعاتب خلقه، وعلامة من بينه وبين نفسه عتاب أن لا يكون بينه وبين خلقه عتاب. وروي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان في حجره يتم سيئ الخلق، فمات فحزن عليه فقيل له: إنك تجد غيره. قال: فمن لي بمثل سوء خلقه؟ وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء فقيل له: لم تمسك هذا الغلام؟ فقال: لأتعلم عليه الحلم. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠) الظاهرة تسوية الخلق والباطنة حسن الخلق. وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق. فإن قيل: أليس قد روى أن عيسى ويحيى بن زكريا ﵉ التقيا فقال يحيى لعيسى: تلقاني ضاحكاً كأنك آمن؟ فقال عيسى: وأنت تلقاني عابساً كأنك آيس؟ فأوحى الله تعالى إليهما إن أحبكما إلي أبشكما لصاحبه. قلنا: كذلك يستحب أن يكون المؤمن وليست طلاقة الوجه والتبسم في وجه أخيك منهياً عنه، وإنما المكر ومما ذكرناه في أول الباب من التملق والتصنع. وفصل الخطاب في هذا الباب ما روى هند بن أبي هالة في صفة مجلس النبي ﷺ فقال: كان أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير. ومعلوم أن من كان على رأسه الطير لا يبرح ولا يتحرك ولا يتكلم، ولا يطرف بعينه حذراً من أن ينفر الطائر. وقال ابن المقفع: كان لي صديق من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه. وكان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجاً عن سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤنة ولا يستخف له رأساً ولا بدناً. وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يقدم أبداً إلا على ثقة لنفعه. وكان أكثر دهره صامتاً فإذا قال بد القائلين. وكان متضاعفاً مستضعفاً، فإذا جاء الجد فهو الليث عادياً. وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضياً عادلاً وشهوداً عدولاً. وكان لا يلوم أحداً على ما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعاً إلا إلى من يرجو عنه البرء ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة. وكان لا يتبرم ولا يسخط ولا يشتكي ولا ينتقم من العدو، ولا يغفل عن الوالي ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته. فاقف هذه الأخلاق، فإن لم تطق فأخذ القليل خير من ترك الجميع. وروي أن حكيماً سمع رجلاً يذم الزمان وأهله، وأنه قد فسد الناس ولم يبق أحد يصحب فقال له: يا هذا أأنت تطلب صاحباً تؤذيه فلا ينتصر وتنال منه فلا ينتصف، وتأكل رحله فلا يرزؤك بشيء وتجفو عليه فيحلم فلا ينتصف في الطلب، ولم تجد حاجتك ولكن إن أردت صاحباً يؤذيك فلا تنتصر فلا تنتقم، ويأكل رحلك ولا تنال منه شيئاً وجدت أصحاباً وإخواناً وخلاناً، وأنا أول من يصحبك. فصل: في الفرق بين المداهنة والمداراة من دارى سلم ومن داهن أثم. وهذا باب اختلط على معظم الخلق فداهنوا وهم يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يدارون. فالمداهنة منهي عنها والمداراة مأمور بها. قال الله تعالى في المداهنة: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: ٩) قال النبي ﷺ في المداراة: رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس، وأمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض. واعلم أنه إذا سقمت المداراة صارت مداهنة. فالمداراة أن تداري الناس على وجه يسلم لك دينك، وذلك أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ وقد قالت قريش: يا محمد اعبد آلهتنا سنة ونؤمن بك! فأبى. قالوا: فشهراً! فأبى. قالوا: فيوماً! فأبى. قالوا: فساعة! فأبى. قالوا: فاستعملها بيدك وتؤمن بك. فوقف النبي ﷺ في ذلك وطمع إن فعل أن يؤمنوا فأنزل الله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون. وقيل له ﷺ : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ومثاله أن يقول للظالم: أبقاك الله تعالى. ومن دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى. وهذا باب ينبغي لذوي الدين حفظه. وقد رأى بعض الفقهاء الخروج من هذه العهدة بالتعريض. وكان الفقيه ابن الحصار بقرطبة له جار نصراني يقضي حوائجه وينفعه، فكان الفقيه يكثر أن يقول له: أبقاك الله وتولاك، أقرا الله عينك! يسرني والله ما يسرك! جعل الله يومي قبل يومك. لا يزيده قط على هذه الكلمات، فيبتهج النصراني ويسره. فعوتب الفقيه في ذلك

стр. 147

فقال: إنما أدعو بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيتي. أما قولي أبقاك الله وتولاك فأريد به أن يبقيه الله تعالى لغرم الجزية ويتولاه بالعذاب، وأما قولي أقر الله عينك فأريد أن يقر حركتها بستر يعرض لها فلا تتحرك جفونها، وأما قولي يسرني والله ما يسرك فإن العافية تسرني كما تسره، وأما قولي جعل الله يومي قبل يومك فأريد يومك أن يجعل الله اليوم الذي أدخله فيه الجنة برحمته قبل اليوم الذي يدخل فيه النار على كفره. الباب السادس والخمسون: في الظلم وشؤمه وسوء عاقبته قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤) وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥) وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٧) وردت هذه الآيات الثلاث في بني إسرائيل فكل من لم يحكم بما جاء من عند الله تعالى ورسوله ﷺ كملت فيه هذه الأوصاف الثلاثة: الكفر والظلم والفسق، والكفر موقوف على خلاف العقيدة. وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (ابراهيم: ٤٢) . وقال أحمد بن حضرويه: لو أذن لي في الشفاعة ما بدأت إلا بالظالمين لأني نلت منه تعزية الله تعالى في قوله ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون. وقال: ولا أغتنم سفراً لا يكون فيه من لا يؤذيني ولا يظلمني شوقاً مني لتعزية الله تعالى للمظلومين. وقال ميمون بن مهران: كفى بهذه الآية وعيداً للظالم وتعزية للمظلوم. وقال كعب الأحبار لأبي هريرة ﵁: في التوراة من يظلم يخرب بيته. قال أبو هريرة: وذلك في كتاب الله تعالى ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (النمل: ٥٢) فالظلم أدعى شيء إلى سلب النعم وحلول النقم. وروى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه سبحانه أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار. إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكموجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، يرويه أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر مسند إلى النبي ﷺ ، وكان أبو إدريس إذا حدث به جثا على ركبتيه. وروى عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: الظلم ظلمات يوم القيامة. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : من كانت عنده لأخيه مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. وروى سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين. قال أبو جعفر الطحاوي: معناه يقلب شجاعاً أقرع فيطوقه كما قال النبي

стр. 148

صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة: يجيء ما له يوم القيامة شجاعاً أقرع يتبعه يقول أنا مالك أنا كنزك! وكان هذا داخلاً في قوله تعالى ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٠) . وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: مطل الغنى ظلم وروى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! قالوا: يا رسول الله هذا أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تأخذون فوق يده. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: ناس معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت، لا يرين الجنة ولا يجدن ريحها. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (الاسراء: ١٦) وفي الآية تأويلان: أحدهما أنا أمرناهم بالطاعة ففسقوا أي خرجوا عن الطاعة، والثاني على قراءة المدني كثرنا عددهم وأسبغنا النعم عليهم فعصوا وبغوا. ومنه قول النبي ﷺ : خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة أي كثيرة النتاج. واعلموا أن حشرات الأرض وهوامها تلهن العصاة، وقال مجاهد: إذا أشعثت الأرض تقول البهائم هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم! وذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: ١٥٩) . وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: إن الحسل ليموت هزلاً بذنب ابن آدم يعني أن بذنوب الخلق يمتنع القطر فلا تنبت الأرض، فتهلك الدواب والحشرات، وسمع أبو هريرة ﵁ رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا بنفسه فقال: بلى والله إن الحبارى لتموت هزلاً في وكرها بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الحسل. وروى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك. قال ابن عباس ﵄: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا فشا في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا فشا فيهم الموت، ولا أنقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم، ولا خفر قوم العهد إلا سلط عليهم العدو. وقال بعض الحكماء: اذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يعجبك امرؤ رحب الذراعين سفاك الدماء فإن له قاتلاً لا يموت. وروي أن بعض الملوك رقم على بساطه هذه الأبيات: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم مصدره يفضي إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم لا شك دعوة مظلوم يحل بها دار الهوان ودار الذل والنقم وأنشدنا أبو عبد الله الدامغاني قاضي القضاة ببغداد: إذا ما هممت بظلم العباد فكن ذاكراً هول يوم المعاد فإن المظالم يوم القصاص لمن قد تزودها شر زاد وقال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم يقول: ما هبت شيئاً قط هيبتي رجلاً ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول حسبك الله الله بيني وبينك. وقال بلال بن مسعود: اتقوا الله فيمن لا ناصر له إلا الله. وقال أبو سليمان الداراني: لما دخل إخوة يوسف ﵇ عليه عرفهم ولم يعرفوه. وكان على وجهه برقع فخلى كبيرهم وكان ابن خالته وقال له: بم أوصاك أبوك؟ قال: بأربع.

стр. 149

قال: وما هن؟ قال: يا بني لا تتبع هواك فتفارق إيمانك، فإن الإيمان يدعو إلى الجنة والهوى يدعو إلى النار، ولا تكثر منطقك في ما لا يعنيك فتسقط من عين الله، ولا تسيء بربك الظن فلا يستجيب لك، ولا تكن ظالماً فإن الجنة لم تخلق للظالمين. وبكى علي بن الفضل يوماً فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غداً بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة. ولمحمود الوراق: إني وهبت لظالمي ظلمي وتركت ذاك له على علمي فرأيته أسدى إلي يداً لما أبان بجهله حلمي رجعت إساءته عليه أسى حقاً فآب مضاعف الجرم وغدوت ذا أجر ومحمدة وغدا بكسب الذنب والإثم ما زال يظلمني وأرحمه حتى رثيت له من الظلم فكأنما الإحسان كان له وأنا المسيء إليه في الحكم وروي أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصراً غيري. وقال ابن مسعود ﵁: لما كشف الله تعالى العذاب عن قوم يونس ﵇ ترادوا المظالم، حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه ويرده إلى صاحبه. وقال أبو ثور بن يزيد: الحجر في البنيان من غير حله عربون على خرابه. وقال غيره: لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب، وقال الحكيم: العدل مرمة والظلم ظلمة. بالعدل تجر إليك الجوانح وبالجور تهجم عليك الجوانح. فاحذر من لا جنة له إلا الثقة بمنزل الغير ولا سلاح له إلا الابتهال إلى مقلب الدول وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الظلمة لا تجالسوا أهل الذكر فإنهم إذا ذكروني ذكرتهم برحمتي، وإذا ذكرتموني ذكرتكم بلعنتي. وقال أبو أمامة ﵁: يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم لقيه المظلوم وعرف ما ظلمه به، فما يبرح الذين ظلموا بالذين ظلموا حتى ينزعوا ما بأيديهم من الحسنات، فإن لم يجدوا حسنات حمل عليهم من سيئاتهم مثل ما ظلموا حتى يردوا الدرك الأسفل من النار. وفي صحيح مسلم: إن هشام بن حكيم مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت، قال: ما هذا؟ قالوا: يعذبون في الخراج. قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. وأخبرني رجل ممن كان يقرأ العلم بالإسكندرية قال: كان ههنا شيخ عيناً للمساكين يدور حولهم، فرأيته في النوم بعد وفاته فقلت: من أين تجيء؟ فقال لي: لا تسأل! فأعدت عليه فقال: لا تسأل! فسألته فقال: لا تسأل من الجحيم! فقلت له: قل لي إلى أين تذهب؟ قال: إلى مثل الدار التي خرجت منها. قلت: كيف لقيت؟ قال: وماذا لقيت كأن لحمي جعل في هاون ودق حتى صار مثل المخ! وأخبرني رجل من أهل الدين والعلم قال: رأيت فلاناً البياع في النوم بعد وفاته فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أنا محبوس عن الجنة. قلت: بماذا؟ قال: كنت أبيع في الدكان فيزدحم الناس علي فآخذ دراهمهم فأجعلها في فمي، وكلما تفرغت وزنتها وأعطيت كل إنسان حقه، فاختلطت في فمي الفضتان فدفعت لأحدهما فضة الآخر، وكانت أنقص من فضته بحبة، ثم حوسبت فبقي علي حبة فقلت له: فادفع له الحبة فتخلص، فجعل يقلب كفيه ويقول: من أين أدفع له؟ يكررها مرات؟

стр. 150

وروى أن يونس ﵊ لما نبذ بالعراء وأنبت الله عليه شجرة من يقطين كان يأوي إلى ظلها، فيبست فبكى فأوحى الله تعالى إليه: أتبكي على شجرة فقدتها ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ وقيل لابن السماك الأسدي أيام معاوية ﵁: كيف تركت الناس؟ قال: بين مظلوم لا ينتصف وظالم لا ينتهي. وقال بعض الحكماء: أفقر الناس أكثرهم كسباً من حرام، لأنه استدان بالظلم ما لا بد من رده. وقال رجل: كنت جالساً عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه، فقال عمر ﵁: إن الرجل ليظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويسبه حتى يستوفي حقه، فيكون للظالم الفضل عليه. وقال عمرو بن دينار: نادى رجل في بني إسرائيل: من رآني فلا يظلمن أحداً فإذا رجل قد ذهب ذراعه من عضده وهو يبكي ويقول: من رآني فلا يظلمن أحداً. فسئل عن حاله فقال: بينما أنا أسير على شاطئ البحر في بعض سواحل الشام إذ مررت بنبطي قد اصطاد سبعة أنوان، فأخذت منه نوناً وهو كاره بعد أن ضربت رأسه، فعض النون إبهامي عضة شديدة ثم أكلناه فوقعت الأكلة في إبهامي، فاتفقت الأطباء على قطعها فقطعتها فوقعت في كفي ثم ساعدي ثم عضدي، فمن رآني لا يظلمن أحداً. فخرجت أسيح في البلاد وأنا أريد قطع عضدي إذ رفعت لي شجرة فأويت إلى ظلها فنعست، فقيل لي في المنام: لأي شيء تقطع عضدك؟ رد الحق إلى أهله. فجئت إلى الصياد فقلت له: يا عبد الله أنا مملوك فأعتقني! فقال: ما أعرفك. فأخبرته فبكى وتضرع وقال: أنت في حل! فلما قالها تناثر الدود من عضدي وسكن الوجع فقلت له: بماذا دعوت علي. فقال: لما ضربت رأسي وأخذت السمكة نظرت إلى السماء وبكيت وقلت: يا رب اشهد أنك عدل تحب العدل وهذا عدل منك، وإنك الحق تحب الحق وخلقتني وخلقته وجعلته قوياً وجعلتني ضعيفاً، فأسألك بالذي خلقتني وخلقته أنتجعله عبرة لخلقك. وقال معاوية: إن أولى الناس بالعفو أقدرهم على الانتقام، وإن أنقص الناس عقلاً من ظلم من دونه. وقال بعض الحكماء: الظلم على ثلاثة أوجه: ظلم لا يغفره الله ، وظلم لا يتركه الله تعالى، وظلم لا يعبأ الله به شيئاً فأما الظلم الذي لا يغفره الله تعالى فهو الشرك به، وأما الظلم الذي لا يتركه الله تعالى فمظالم العباد بعضهم بعضاً، وأما الظلم الذي لا يعبأ به فظلم العبد بينه وبين الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: من ظلم رجلاً مظلمة ففاته أن يخرج منها فاستغفر الله دبر كل صلاة له رجوت أن يخرج من مظلمته. وقال يوسف بن أسباط: توفي رجل من الحواريين فوجدوا عليه وجداً شديداً وشكوا ذلك إلى المسيح ﵇، فوقف على قبره ودعا فأحياه الله تعالى وفي رجليه نعلان من نار، فسأله عيسى ﵇ عن ذلك فقال: والله ما عصيت قط إلا أني مررت بمظلوم فلم أنصره فتنعلت هاتين النعلين! وأنا أوصيك إذا فعلت بأحد مكروهاً فادع الله تعالى له واستغفر له كما فعل موسى ﵇ لما آذى هارون ﵇ وأخذ برأسه ولحيته، ثم تبين له براءته وأن بني إسرائيل غلبوه عليه وعلى عبادة العجل، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٥١) . وروي أن قوم لوط ﵇ كانت فيهم عشر خصال فأهلكهم الله بها: كانوا يتغوطون في الطرقات وتحت الأشجار المثمرة وفي المياه الجارية وفي شواطئ الأنهار، وكانوا يحذفون الناس بالحصى فيعورونهم، وإذا اجتمعوا في المجالس أظهروا المنكر بإخراج الريح منهم، وكانوا يرفعون ثيابهم قبل أن يتغوطون، ويأتون بالطامة الكبرى

стр. 151

وهي اللواط؛ قال الله تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩) والنادي المجلس، ويلعبون بالحمام ويرمون بالجلاهق وضرب الدف وشرب الخمور، وقص اللحية وتطويل الشارب والتصفيق ولبس الحمرة، وتزيد عليهم هذه الأمة بإتيان النساء بعضهن لبعض وإنما حملهم على إتيان الرجال أنهم كانت لهم ثمار كثيرة في منازلهم وحوائطهم، فأصابهم قحط وقلة من الثمار فقالوا: بأي شيء نمنع ثمارنا حتى لا يطرقها أحد من الناس؟ فاصطلحوا على أن من وجدوه فيها نكحوه وغرموه أربعة دراهم، ففعلوا وما سبقهم بها أحد من العالمين، قال ابن عباس ﵄: كان بدو الفاحشة فيهم أنهم هموا بذلك فجاءهم إبليس اللعين في هيئة صبي أجمل ما يكون وأكمل شيء، فراوده الناس ونكحوه واجترءوا على ذلك وقال أبو العتاهية في الظلم: أما والله إن الظلم لؤم وإن الظلم مرتعه وخيم تنام ولم تنم عنك المنايا تنبه للمنية يا نؤوم تروم الخلد في دار المنايا وكم قد رام غيرك ما تروم إلى ديان يوم الدين تمضي وعند الله تجتمع الخصوم سل الأيام عن أمم تقضت فتخبرك المعالم والرسوم وروي أن أنوشروان كان له معلم حسن التأديب فعلمه حتى فاق في العلوم، فضربه المعلم يوماً من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشروان عليه، فلما ولي الملك قال له: ما حملك على ما صنعت من ضربي يوم كذا وكذا ظلماً؟ قال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك، فأحببت أن أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم إذا وليت. فقال له أنوشروان: زه زه! وقال عبد الرحمن: جمع زياد بن أمية الناس بالكوفة في إمارته عليهم، ليحرضهم على لعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه والبراءة منه، فملئ منهم المسجد والرحبة والقصر وكان على الناس يوماً عظيماً، قال: وكنت في القوم فأغفيت إغفاءة ومعي أناس من أصحابي من الأنصار، فرأيت في منامي شيئاً قد أقبل طويل العنق أهدب، فأفزعني منظره فقلت له: من أنت؟ قال: أنا النقار ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر! فاستيقظت فزعاً فأخبرت أصحابي بالذي رأيته فوالله ما كان ريث حلب ناقة، وأنا في الحديث، إذ خرج علينا صاحب زياد فقال: أيها الناس انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، فإذا هو قد ضربه الله سبحانه بالفالج في تلك الساعة. وروي أن عبد الله بن مصعب الزبيري سعى إلى الرشيد يحيى بن عبد الله بن حبيب الحسن بن الحسن السبط الطالبي ﵇، فجمع الرشيد بينهما فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لقد قال في باطلا وأنا استحلفه. قال عبد الله أنا أحلف. فقال له: قل نقلت الحول والقوة دون حول الله وقوته إلى حولي وقوتي إن لم أكن صادقاً فيما أدعيته عليك، فتلجلج وامتنع عن اليمين، فغضب الرشيد وقال له: إن كنت صادقاً فاحلف! فحلف بهذه اليمين فقال يحيى: الله أكبر لا يحلف بها أحد كاذباً إلا عوجل. فأخذ في يومه وضربه الله بالجذام وسود وجهه وبدنه. قال سليمان بن جعفر: لقد دخلت عليه في اليوم الثالث من بليته قبل وفاته بيوم، فوالله ما عرفته وجدته كالزنجي وقد تقطع جذاماً! وروي أن مالك بن دينار دخل على بلال بن أبي بردة فقال له بلال: ادع الله لي يا أبا يحيى. قال: وما ينفعك دعائي وبالباب مائتان يدعون عليك؟ ومثل ذلك قول سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ادع لي. فقال: أنا أدعو الله لك ههنا، ومظلوم بالباب يدعو الله عليك فأي الدعوتين أحق بالإجابة؟ وكان سديف مولى بني هاشم يقول في دعائه: اللهم قد صار فيئنا دولة بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثاً بعد الاختيار للامة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة. اللهم قد استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته واستجمع طريده، فأتح له من الحق يدا حاصدة تبدد شمله وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صورة وأتم نور. وقال شوذب: قال عمر بن عبد العزيز: يذكر الظلمة الوليد بالشأم والحجاج بالعراق وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حبان بالحجاز ومحمد بن يوسف باليمن، امتلأت والله الأرض جوراً! فأما ظلم الوليد فقال عبد الرحمن بن محمد الأنصاري: رأيت أبيات النبي ﷺ وعليها المسوح السود، فلما قدم الوليد المدينة نظر إلى أبيات النبي ﷺ فقال: ما بالها يدخلها الجنب والحائض؟ اهدموها، فهدموها، وقال حبيب بن عبد الله بن الزبير عمد إلى آية من كتاب الله كنا ننظر إليها فمحاها، فبلغت كلمته الوليد فكتب إلى خليفته: أقم حبيبا على باب المسجد فاضربه مائة سوط، ثم أقمه على البئر ينزع بالبكرة وكان في يوم شديد البرد فمات، وقال الشعبي: دخلت على يزيد بن هبيرة فوالله لقد أردت كلمة أرضي بها أمير المؤمنين ولا أسخط بها خالقي، فما قدرت عليها. ونظر الرجل إلى أبي يوسف القاضي وعليه خلعة الرشيد فقال: جئتك لآخذ عنك ديني فإذا أنت في زي قارون! وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: إذا لم تكن ظالماً فلا تصحب الظالمين فتهون في عيني. وقال ابن عباس ﵄: يكون في آخر الزمان قوم ينهون عن إتيان الولاة ولا ينتهون، يباعدون الفقراء ويقربون الأغنياء وينقبضون عند الحقراء، وينبسطون عند الكبراء، أولئك الجبارون أعداء الرحمن! وقال علي بن أبي طالب ﵁: يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم. وروي أن عيسى ﵇ بينما هو في سياحته إذا بفارس قد نزل على شاطئ نهر، فأكل وشرب ثم ركب وانصرف ونسي كيساً كان معه، فأقبل صبي فأخذ الكيس ومضى، ثم أقبل شيخ فتوضأ وصلى ونام، فذكر الفارس الكيس فرجع فأيقظ الشيخ من نومه وسأله عن الكيس، فأنكر أن يكون وجد شيئاً فانتزع سيفه فقتله. فقال عيسى ﵇: يا أكرم الأكرمين الصبي أخذ الكيس وقتل الشيخ. فأوحى الله إليه: إن أبا الفارس ظلم أبا الصبي على الكيس والشيخ قتل أبا الفارس. وأنشدوا: يا ذا الذي ليس له زاجر عن ظلم أمثاله ولا ناهي إني لمن قوم إذا أوعدوا توعدوا للوعد بالله! الباب السابع والخمسون: في تحريم السعاية والنميمة وقبحهما وما يؤول إليه أمرهما من الأفعال الرديئة والعواقب الذميمة قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ*هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ*مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ (القلم١٣: ١٠) . فذكر الله في القرآن العزيز أصناف أهل الكفر والإلحاد وأهل اللمز والفسق والظلم وأشباههم، ولم يسب سبحانه أحداً منهم إلا النمام في هذه الآية، وحسبك بها خسة ورذيلة وسقوطا وضعة. وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة في أصح الأقوال، والهماز: المغتاب الذي يأكل لحوم الناس الطاعن فيهم، وقال الحسن البصري: هو الذي يغمز بأخيه في المجلس وهو الهمزة اللمزة. والعتل في اللغة: الغليظ الجافي، وأصله من المعتل وهو الدفع بقوة وعنف. وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب والحسن البصري ﵄: العتل الفاحش السيء الخلق. وقال ابن عباس ﵄: العتل الغليظ الشديد المنافق. وقال عبيد بن عمير: العتل الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. وقال بنان: هو الجافي القاسي اللئيم العسر. وقال مقاتل: العتل الضخم: وقال الكلبي هو الشديد في كفره وكل شديد عند العرب عتل. وقيل: العتل الشديد الخصومة بالباطل. والزنيم: وهو الدعي الذي لا يعرف من أبوه؛ قال حسان بن ثابت ﵁: وذاك زنيم نيط من آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح القرد وقال غيره: زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الأم ذو حسب لئيم وقال أكثر النقلة: هذا رجل إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة وعن هذا قول القدماء: لا يكون

стр. 152

نماما إلا وفي نسبه شيء. وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل، وكان أميراً على البصرة فقال: انصرف حتى أكشف عن أمرك. فكشف عنه فإذا هو ابن بغي يعني ولد زنا. وقال أبو موسى الأشعري ﵁: لا يبغي على الناس إلا ولد بغي. وقيل: الزنيم الذي له زنمة في عنقه يعرف بها كما تعرف الشاة. وقال ابن عباس ﵄: لما وصفه الله بتلك الخلال المذمومة لم يعرف حتى قيل زنيم، فعرف لأنه كانت له زنمة في عنقه يعرف بها كما تعرف الشاة بزنمتها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦) نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه النبي ﷺ إلى بني المصطلق بعد الوقعة، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فخرجوا يتلقونه تعظيماً لأمر النبي ﷺ ، ففزع ورجع إلى النبي ﷺ وقال: منعوني صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب النبي ﷺ عليهم ثم كشف عن أمرهم فوجد ما قاله كذباً، فنزلت هذه الآية وسماه الله تعالى فاسقاً. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢) . فشرك الله تعالى بين السامع والقائل في القبح وساوى بينهما في الذم، فكان فيه تنبيه على أن السامع نمام في الحكم. وأما ما روي فيه عن النبي ﷺ فروى مسلم في الصحيح عن هشام قال: كنا مع حذيفة فقيل له إن ههنا رجلاً يرفع الحديث إلى عثمان ابن عفان ﵁. فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنة قتات، وفي لفظ آخر نمام. وروي أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: شراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون العيوب. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ملعون ذو الوجهين، ملعون ذو اللسانين، ملعون كل شغاز ملعون كل قتات، ملعون كل منان. والشغاز: المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة والقتات: النمام والمنان الذي يعمل الخير ويمن به. وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبري من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وغرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا وذلك لبركة يده ﷺ . وأما السعاية إلى السلطان أو إلى كل ذي قدرة ومكنة، فهي المهلكة والحالقة لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة التغرير بالنفوس والأموال، والقدح في المنازل والأحوال وتسلب العزيز عزه وتحط المكين عن مكانته والسيد عن مرتبته، فكم من دم أراقه سعي ساع وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تقاطعاً ومن متواصلين تباعداً، ومن محبين تباغضاً ومن إلفين تهاجراً ومن زوجين افتراقاً، فليتق الله ربه رجل ساعدته الأيام وتراخت عنه الأقدار أن يصغي لساع أو يستمتع لنمام. روى ابن قتيبة أن النبي ﷺ قال: الجنة لا يدخلها ديوث ولا قلاع. فالديوث الذي يجمع بين الرجال والنساء، سمي بذلك لأنه يدث بينهم. والقلاع الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء لأنه يقصد الرجل المكين عند السلطان فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه. وقال كعب: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى ﵊، فخرج موسى ليستسقي ببني إسرائيل فلم يسقوا ثم خرج الثانية فلم يسقوا ثم خرج الثالثة فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إني لا أستجيب لك ولا لمن معك، فإن فيكم نماماً، فقال موسى: يا رب من هو حتى

стр. 153

نخرجه من بيتنا؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وآيتها فأكون نماماً فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث. ولما لقي أسقف نجران عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أمير المؤمنين احذر قاتل الثلاثة. قال: ومن قاتل الثلاثة؟ قال: الرجل يأتي الإمام بالحديث الكذب فيقبله الإمام، فيكون قد قتل نفسه وصاحبه وإمامه، فقال عمر ﵁: ما أراك أبعدت. ووجدنا في حكم القدماء أبغض الناس إلى الله المثلث. قال الأصمعي: هو الرجل يسعى بالنميمة في أخيه إلى الإمام فيهلك نفسه وأخاه وإمامه. وذكر الرجل السعاة عند المأمون فقال: لو لم يكن من عيبهم إلا أنهم أصدق ما يكون أبغض ما يكون عند الله . وقال حكيم الفرس: الصدق زين على كل أحد إلا السعاية، فإن الساعي أذم وآثم ما يكون إذا صدق. ولله در الإسكندر حين وشى إليه واش برجل فقال له الإسكندر: إن شئت قبلناك على صاحبك بشرط أن نقبله عليك، وإن شئت أقلناك. قال: أقلني. قال: قد أقلناك، كف عن الشر يكف عنك الشر. وروي أن رجلاً سعى بجار له عند الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: أما أنت فتخبرنا أنك جار سوء فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقاً أبغضناك وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت تركناك. قال: فاتركني يا أمير المؤمنين. فقال: قد تركناك! ومن أعجب العجب أن الرجل يشهد عندك في تافه بقل فلا تقبله حتى تسأل عنه: هل هو من أهل الثقة والعدالة والصيانة أم لا؟ ثم ينم عندك بحديث فيه الهلاك وفساد الأحوال فتقبله. وقال يحيى بن زيد: قلت للحسن بن علي ﵄ لما سقي السم: أخبرني من سقاك. فدمعت عيناه وقال: أنا في آخر قدم من الدنيا وأول قدم من الآخرة، أتأمرني أن أغمز؟ وقال رجل للمهدي: عندي نصيحة يا أمير المؤمنين. قال: لمن نصيحتك هذه ألنا أم لعامة المسلمين أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين. قال مهدي: ليس الساعي بأعظمهم عورة ولا بأقبح حالاً ممن قبل سعايته، ولا يخلوا من أن تكون حاسد نعمة فلا يشفى لك غيظك، أو عدوا فلا يعاقب لك عدوك. ثم أقبل على الناس وقال: يا أيها الناس لا ينصح لنا ناصح إلا بما لله فيه رضى وللمسلمين فيه صلاح. وروي أن رجلاً سعى برجل إلى الفضل بن سهل فوقع على ظهر كتابه: نحن نرى قبول السعاية أسوأ من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وجاز لأن من فعل أشر ممن قال. وروي أن رجلاً رفع إلى المنصور نصيحة فوقع على ظهرها: هذه النصيحة لم يرد بها وجه الله تعالى، ولا جواب عندنا لمن آثرنا على الله تعالى. وروي أن رجلاً قال للمأمون يا أمير المؤمنين الله الله في أصحاب الأخبار فإنهم قوم إذا أعطوا مدحوا، وإن حرموا ذموا وهم كاذبون! فقال المأمون: لله درها من كلمة ما أصدقها وأبين فضلها! وأمر أن يثبت في ديوان أصحاب الأخبار. قال مروان ابن زنباع العبسي: يا بني عبس احفظوا عني ثلاثاً: من نقل إليكم نقل عنكم، وإياكم والتزويج في البيوت السوء، واستكثروا من الصديق ما استطعتم، واستقلوا من العدو ما استطعتم فإن استكثاره ممكن. وقال بعض الحكماء: احذروا أعداء العقول ولصوص المودات، وهم السعاة والنمامون إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات. وقال حكيم العرب: إياك والسعاة فإنهم أعداء عقلك ولصوص عدلك فيفرقون بين قولك وفعلك وفي المثل السائر: من أطاع الواشي ضيع الصديق، وقد تقطع الشجرة بالفؤوس فتنبت ويقطع اللحم بالسيف فيندمل

стр. 154

واللسان لا يندمل جرحه، وأحق الناس برعاية ما رسمته من هذه الخلال، ونقلته من هذه الحكم واستودعته من هذه السيرة من آتاه الله سلطاناً ومكن له في الأرض، فذو القدرة إذا أطاع الواشي أهلك العالم. وكان بعض الحكماء يقول: من أراد أن يسلم من الإثم وتبقى له الإخوان فيجعل نفسه بينه وبينهم قاضياً عدلاً ويحكم بالحق، ولا يقبل أحداً في أحد ولا في نفسه إلا بشهود وتعديل، فإنا قد أحببنا بقول أقوام وأبغضنا بقول آخرين، فأصبحنا على ما فعلنا نادمين. ومن لطيف حكمة الله تعالى في النميمة: لما علم شؤمها واستطارة شرها وعموم مضرتها في الورى، حكم بفسق النمام حتى لا يقبل له قول فيستريح الخلق من شره وقال ابن عمر ﵄: وفد الحاج وفد الله ووفد الشيطان قوم يرسلهم السلطان إلى الناس ويسألهم عن حالهم، فيخبرونه أنهم راضون وليسوا براضين. واعلموا أن الله تعالى خلق الإنسان على أنحاء شتى لسنا نذكرها الآن لكثرتها وطول تتبعها، فخلق الله تعالى له الحواس الشريفة والأعضاء النافعة الرئيسة، فمن أفضل ما ركب في اللسان الذي هو آلة النطق والبيان، وبه فصل بينه وبين البهائم ثم فضله على سائر الحيوان وامتن به عليه في أول سورة الرحمن فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْأِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن٤: ١) . وخلق فيه أيضاً أعضاء تذل وتستهان وجعلها مجرى لفضول الطعام والشراب، فمن تتبع سقطات الكلام وتروى عثرات الأنام التي هي كالعورات الواجب سترها ودفنها، كان قد استعمل أشرف الآلات في أخس المستعملات، فصار كمن يلحس بلسانه سؤة أخيه إذ جعل أكرم جوارحه لاحساً لأدناس المستعرضين، ورضي أن يقع من الناس موقع الذباب من الطير يتتبع نغل الجسد ويتحامى صحيحه، وقد كان له في نشر المحاسن شغل، ولكن أهل كل ذي حال أولى بها. وفي هذا سبق المثل: إن لم تكن ملحاً تصلح فلا تكن ذباباً تفسد، ومن لم يقدر على جمع الفضائل فلتكن همته ترك الرذائل، وإذا تتبع الإمام عورات الناس أفسدهم. وروي أن النبي ﷺ هم بالخروج يوماً فشعر بأناس من أصحابه يضحكون فامتنع من الخروج إليهم حذراً أن لا يفسد قلبه عليهم. ولو علم الذي يستمع أخبار الناس ماذا جنى على نفسه لعلم أن الصمم كان أهنأ لعيشه وأنعم لباله من سماع الأخبار، فإذا علم نقلة الأخبار نفاقها عنده حملوا إليه الصدق والكذب، فيكون في سماع الكذب ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢) . ويكون في سماع الصدق حمالاً للهم حرج الصدر على الخلق، معادياً لهم متتبعاً لعثرات الخلق وخزاناً لسقطاتهم، وقد وعى منهم ما يجب ستره وحفظ ما يجب نسيانه، ثم لا يستطيع الانتصاف من كل قائل لأنه إن كان ذا قدرة أهلك الرعية، ولا يستطيع أن يهلك جميع الرعية وإن كان سوقه لم يشف غيظه، ثم أفسد أحواله وأبغض من يجب أن يحب وأحب من يجب أن يبغض، فلا يزال يتحمل الحائف وتزيد الأحقاد والضغائن ويرصد لكل قائل يوماً يشفى صدره فيه، فما أغنى العاقل عن سماع هذه البلية. ولله در عمرو بن العاص ﵁ إذ لا جاه رجل يوماً وقال له: أما والله إن عشت لأتفرغن لك! فقال له عمرو: والآن وقعت في الشغل يا ابن أخي والسلام. الباب الثامن والخمسون: في القصاص وحكمه قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) . يغني إذا علم القاتل والفاتك أنه

стр. 155

يقتص منه أحجم ولم يقدم على الفعل، فيكون في ذلك سبب حياته وحياة الذي هم به وروى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من كانت عنده لأخيه مظلمة فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه؛ وهذا حديث صحيح رواه البخاري: فإن قيل: يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) . فكيف يؤخذ الظالم بذنب ركبه المظلوم؟ قلنا: معنى الآية أنه لا يعاقب أحد بذنب أحد ابتداء، وأما في مسألتنا فمظلمة بقيت عنده وليس له وفاء بها فهو الذي اكتسب هذا الوزر وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (العنكبوت: ١٣) . وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه لمنزله في الدنيا. وروى أن النبي ﷺ قال قبل موته: من كانت له عندي مظلمة فليأت حتى أقصه من نفسي. فقام سواد بن غزية فقال: يا رسول الله إنك ضربتني على بطني ليلة العقبة فأوجعتني! فقال النبي ﷺ : دونك فاقتص. فقال يا رسول الله إنك ضربتني وأنا مكشوف البطن، فكشف النبي ﷺ بطنه، فإذا هي كالقباطي يعني ثياب مصر، فأكب عليه يقبله فقال: يا سواد ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله دنا لقاء هؤلاء المشركين فأردت أن يكون آخر العهد بك أن أقبل بطنك. فهذا رسول الله ﷺ يقص من نفسه، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لعلمه أن الله تعالى لا يدع القصاص في المظالم بين العباد، لأن الله تعالى أعدل من أن يدع مظلمة لأحد عند نبي ولا غيره. وفي الحديث: يقول الله تعالى يوم القيامة: أنا ظالم إن فاتني ظلم ظالم. ويروى أن داود عليه السلم يقدمه خصمه إلى الله تعالى يوم القيامة فيقضي له عليه، فيدفعه إلى أوريا ثم يستوهبه الله تعالى من أوريا، ثم يعوض أوريا على ذلك الجنة. وقال حبيب: دخل عثمان بن عفان ﵁ فوجد غلامه يعلف ناقة له، وإذا في علفها شيء فأخذ بأذنه فعركها ثم ندم فقال للغلام: قم فاقتص مني! فأبى الغلام فلم يزل به حتى قام فأخذ بأذنه ثم قال له: اعرك اعرك، وهو يقول شد شد حتى عرف عثمان أنه بلغ منه ثم قال: واهاً لقصاص الدنيا قبل قصاص الآخرة! وروى عوف بن عبد الله أن النبي ﷺ دعا خادماً فلم يجيه أو كان نائماً، فقال النبي صلى الله لولا القصاص لأوجعتك ضرباً. وروى ابن وهب في موطاه عن ابن شهاب قال: وقد أقاد النبي ﷺ والخليفتان بعده ﵄ من أنفسهم ليستن بهم، ولم يتعمدوا حيفاً وكانوا سلاطين. وفي صحيح مسلم: روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، فيأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من خطاياهم فطرحت عليه ثم ألقي في النار، قال مالك ﵀: وبلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ لما ولي الخلافة ضرب رجلاً ثم ندم وقال: مالي ولهذا ألا رددتها عليهم؟ فسمعته عائشة ﵂ فأرسلت إلى

стр. 156

عمر ﵁، فجاءه عمر فقال له: إني قد ضربت رجلاً وقد كنت معافى من هذا أن أضرب أحداً، فقال له عمر ﵁ كذلك الإمام. قال: فما المخرج؟ قال: أن نأتي الرجل فنسأله أن يجعلك في حل. فأتياه فاستحلاه. دلت الآثار على أن الأمير والمأمور في القصاص سواء، إذا جنى أحدهما على الآخر، وإن الأمير إذا ظلم المأمور زال تأمره عليه في ذلك المعنى، وكان الأمير في ذلك المعنى كبعض المؤمر عليهم حتى يتحاكموا إلى السلطان الأعظم. وكان عمر ﵁ يقول: إنما بعثت أمرائي ليعلموا الناس دينهم ويقسموا بينهم فيئهم ويعدلوا فيهم، ولم أبعثهم ليضربوا أبشارهم ويحلقوا أشعارهم، فمن ظلمه أميره فلا إمرة له عليه، ذروني حتى آخذ له بحقه. فقال عمرو بن العاص: الله الله يا أمير المؤمنين! إن أدب رجل رجلاً من رعيته يقتص له منه؟ فقال عمر: أنا أقتص منه. وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه. فأما القصاص بين البهائم فاختلف الناس في جشرها وفي جريان القصص بينها. فكان ابن عباس ﵄ يقول حشرها موتها قال: وحشر كل شيء الموت إلا الجن والإنس فإنهما يوفيان يوم القيامة. وقال معظم المفسرين: إنها تحشر ويقتص منها. وقال أبي بن كعب: تحشر البهائم. وقال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب. وقال أبو هريرة ﵁: ما من دابة في الأرض إلا ستحشر يوم القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض ثم يقال لها: كوني تراباً واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ الأنعام: ٣٨. وقال أبو الحسن الأشعري: لا يقطع بإعادة البهائم والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة، ويجوز أن يعادوا ويدخلون الجنة، ويجوز أن لا يعادوا. والدليل على ثبوت الإعادة في الجملة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (التكوير: ٥) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: ٣٨) . وروى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى إن الشاة الجلحاء لتقاد من الشاة القرناء. وقال أبو ذر ﵁: انتطحتا شاتان عند النبي صلى الله علي وسلم فقال: أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا أدري، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما، فقال أبو ذر ﵁: لقد تركنا النبي ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً. وقال أبو ذر: إن الحجر ليسأل عن نكبة إصبع الرجل. وفي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري وغيرهما أن النبي ﷺ قال: ليأتي أحدكم على رقبته بعير لها رغاء، على رقبته بقرة لها خوار، على رقبته شاة تيعر ثم يبسط لها بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها والحديث وارد في مانع الزكاة. قال أبو الحسن: لا تجري المقاصصة بين البهائم لأنها غير مكلفة ولا يجري عليها القلم. قال: وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قول النبي ﷺ (يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم خدش العود) فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدة التقصي في الحساب وأنه لا بد أن يقتص للمظلوم من الظالم. وأبى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني. قال في الجامع الجلي: يجري القصاص بينها، قال: ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا فلهذا جرى فيه القصاص. قلت: وكلام الأستاذ له وجه في الصحة لأن البهيمة تعرف النفع والضر، فتنفر من العصا وتقبل العلف، وينزجر الكلب إذا زجر ويستأسد إذا شلي، والطير والوحش يفر من الجوارح استدفاعاً لشرها، ثم إنهم لم يجر عليهم القلم في الدنيا وإنما يرفع القلم عنها في الأحكام. فإن قيل: القصاص انتقام وهو جزاء على جناية وقعت مخالفة للأمر، والبهائم ليست بمكلفة ولا لها عقول ولا جاءها رسول، والعقول عندكم لا يجب بها شيء على العقلاء فضلاً عن البهائم وفي هذا انفصال عن قول الأستاذ أبي إسحاق إنها

стр. 157

كانت تعقل هذا القدر إذ لا يجب بالعقل شيء ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الاسراء: ١٥) . فالجواب: إنها ليست مكلفة لأنه من ضرورة التكليف أن يعلم الرسول والمرسل، وذلك من خصائص العقلاء وهم الثقلان، فإذا لم يكونوا مكلفين كانوا في المشيئة يفعل الله بهم ما أراد، كما سلط عليهم في الدنيا الإستسخار والذبح فلا اعتراض عليه، ولله تعالى أن يفعل في ملكه ما أراد من تنعيم وتعذيب، وإذا جاز أن يؤلم البهيمة ابتداء جاز أن يؤلمها بعد جنايتها. والآية محمولة على من يعلم الرسول والمرسل، ويجوز أن الله تعالى خلق لها العلم الضروري بالعلم من ذلك، ثم إن لم يجر عليها القلم في الدنيا فإنما رفع عنها في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به. وقد روى البخاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم ﵇. فهذه عجماه عوقبت على سوء صنيع جنسها. وفيه دليل على أن الله تعالى يعذب بملكه لا بالمعصية. وقد ضرب موسى ﵇ الحجر الذي فر بثوبه وبنوا إسرائيل ينظرون عورته؛ رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: فضربه بعصاء والحجر يفر وموسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر! قال أبو هريرة: فوالذي نفسي بيده إنه ندب الحجر ستة أو سبعة. وروى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة: ٢٤) . إنها الحجارة التي نكبت الناس في الدنيا وروي أن المسيح ﵇ مر بجبل فسمع أنينه فسأله عن ذلك، فقال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فلا أدري أكون من تلك الحجارة أم لا. وقد تأول بعضهم قول ابن عباس ﵄ "حشرها موتها" تحشر لضرب من القصاص بينها ثم تصير تراباً. قلت: وتأويل ابن عباس ﵄ بعيد، لأن الحشر وليس في موتها جمعها بل فيه تفرقتها وتفرقة أجزائها ثم قال إلى ربهم يحشرون، وإنما يكون الحشر إلى الرب تعالى بإعادة الحياة إليها وجمعها إلى ربها جل وعلا. الباب التاسع والخمسون: في الفرج بعد الشدة قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (الشورى: ٢٨) وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: ٦٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (الشرح: ٦) . وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : أبشروا فقد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين! وقال ابن مسعود ﵁: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، لن يغلب عسر يسرين، ومعنى الآية أنه لما عرف العسر ونكر اليسر، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسماً معرفاً ثم أعادته فهو هو، وإذا نكرته ثم كررته فهو اثنان. وقال بعضهم: إن يكن نالك الزمان ببلوى عظمت عندها الخطوب وجلت وتلتها قوارع ناكبات سئمت دونها الحياة وملت فاصطبر وانتظر بلوغ مداها فا لرزايا إذا توالت تولت وإذا أوهنت قواك وحلت كشفت عنك حمله فتجلت وقال ابن عباس ﵄: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ﵇، اتخذت منطقاً لتخفي أثرها عن سارة ثم جاء بها إبراهيم وابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلاء المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعها هناك ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم ﷺ منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت

стр. 158

له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم ﷺ حتى إذا كان عند الثنية بحيث لا يرونه استقبل البيت بوجهه، ثم رفع يديه ودعا بهذه الدعوات فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (ابراهيم: ٣٧) حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ . وجعلت أم إسماعيل ﵇ ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى نفد ما في السقاء، فعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه! تريد نفسها فسمعت أيضاً فقالت: قد سمعت إن كان عندك غياث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو يقال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال النبي ﷺ : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف لكانت عيناً معيناً. قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت الله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. ومنه قصة الثلاثة الذين خلفوا، وذلك أن كعب ابن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية تخلفوا عن غزوة تبوك، ونهى النبي ﷺ عن كلام الثلاثة قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لنا الأرض بما رحبت فما نعرفها، وكنت أطوف في الأسواق وأشهد الصلاة مع المسلمين ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فلما تمت خمسون ليلة من يوم نهي رسول الله ﷺ عن كلامنا، صليت صلاة الفجر وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكرها الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، وما كان شيء أهم علي من أن أموت على تلك الحال، فلا يصلي علي النبي ﷺ أو يموت النبي ﷺ ، فأكون بين الناس بتلك المنزلة لا يكلمني أحد ولا يصلي علي. فأنزل الله تعالى توبتنا فسمعت صوت صارخ من أعلى الجبل: يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجداً لله تعالى وعرفت أن قد جاء الفرج، فخلعت ثوبي على الصارخ ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما ثم أتيت النبي ﷺ فسلمت عليه وهو يبرق وجهه من السرور، وقال: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال النبي ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. وروي أن إبراهيم ﵊ لما شب ودرج في موضع ربي فيه، فلما جن عليه الليل رأى كوكباً يقال أنه رأى الزهرة قال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ*فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ (الأنعام٧٧: ٧٦) بعد طلوع الفجر ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ فلما أصبح و ﴿رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ*وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ

стр. 159

وَقَدْ هَدَانِ﴾ يعني إلى الإسلام ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٧٦-٨٠) . قالوا: يا إبراهيم أما تخاف من آلهتنا أن تصيبك بسوء لا تقوم به إن أنت سببتها وعبتها؟ قال: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. وكان آزر يصنع أصناماً يعبدها قومه ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيكسرها ويذهب بها إلى نهر لهم فيلقيها فيه على رؤوسها ويقول لها اشربي استهزاء بها وإظهاراً لقومه فساد ما هم عليه، ففشا ذلك عندهم من غير أن يبلغ ذلك إلى نمرود. فأول ما نادى في قومه أن نظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، يعني من الغيظ عليهم وعلى أصنامهم، فظنوا أنه مطعون وكانوا يفرون من الطاعون إذا سمعوا به، فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم، فدخل عليها وقد وضعوا لها طعاماً وشراباً، فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين، وكسرها وقطع أيديها وأرجلها حتى جعلها جذاذاً وأراق طعامها وشرابها، وعمد إلى الفأس فعلقها في يد إلههم الكبير ثم خرج عنها وتركها جذاذاً، فلما رجع قومه من عيدهم دخلوا بيت أصنامهم، فلما رأوا ما صنع بها راعهم ذلك وأعظموه وقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين؟ قال بعضهم لبعض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم أي سمعناه يسبها ويستهزئ بها. فقال نمرود: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. فلما أتى إبراهيم ﷺ قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون. إنا قد ظلمناه بما نسبنا إليه ثم قالوا قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. قال: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون! فقال له نمرود لما سمع ذلك منه: صف لي إلهك الذي تعبد وتدعو إلى عبادته. قال إبراهيم: إن ربي الذي يحيى ويميت. قال نمرود: أنا أحيي وأميت. قال: كيف ذلك؟ قال: آخذ رجلين استوجبا القتل في حكمتي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون أحييته. فقال إبراهيم ﵊: إن كنت صادقاً فأحي الذي قتلت بزعمك وأخرج روحاً من جسده من غير أن تقتله إن كنت صادقاً. وإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت عند ذلك نمرود ولم يرد إلى إبراهيم شيئاً وأمر به إلى السجن، فلبث فيه سبع سنين وجعل يدعو أهل السجن إلى الله تعالى وإلى الإسلام، حتى ظهر أمره وفشا وتبعه قوم كثير على دينه، فلما أرادوا أن يحرقوا إبراهيم وأجمع أمرهم على ذلك بنوا له جسراً طول جداره ستون ذراعاً ووضعوه إلى سفح جبل منيف لا يرام ولا يرقى، وبلطوا الجدار فلا يمشي فيه شيء إلا زلق عنه وأذن مؤذن نمرود: أيها الناس احتطبوا لنار إبراهيم ولا يتخلفن عنها ذكر ولا أنثى ولا حر ولا عبد ولا شريف ولا وضيع، ومن تخلف عن ذلك ألقي في تلك النار. فعملوا في ذلك أربعين ليلة حتى إن المرأة منهم تنذر على نفسها نذراً إن رجع غائبها أو أفاق عليلها لتحتطبن لنار إبراهيم، حتى إذا كمل ذلك قذفوا به إلى النار حتى إنه كان يسمع وهج النار على المسافة البعيدة، فلما بلغ ذلك وضع إبراهيم في كفة المنجنيق. قال وهب بن منبه ﵁: بلغني أن السماء والأرض والبحار وما فيها ضجوا إلى الله تعالى ضجة واحدة وقالوا: يا ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته. فأوحى الله تعالى إليهم: إن استغاث بكم فانصروه وأعينوه، وإن دعاني فأنا

стр. 160

وليه وناصره. فلما وضع في كفة المنجنيق وقذفوه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي فيك فانصرني عليهم ونجني من النار فأوحى الله تعالى إلى النار أن كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. فأطاعت النار ربها ، ولو لم يقل وسلاماً لمات من شدة البرد. ولبث إبراهيم ﵇ في النار سبعة أيام فظن قومه أنه قد أحرق. ثم قال نمرود: انظروا ماذا فعل إبراهيم فإني رأيت الليلة في نومي أن جدار هذا الجسر قد انهدم، وخرج إبراهيم يمشي وذاب النحاس الذي سد به باب الجسر واحترق الجدار فصار رماداً، فاطلعوا على إبراهيم ﷺ فوجدوه صحيحاً سليماً، وخرج الناس ينظرون إليه على تلك الحالة. فلما رآهم خرج يمشي حتى قعد إلى أمه وهي في الجمع، وأقبلت سارة وكانت أول من آمن به حتى جلست إليه وقالت: يا إبراهيم إني آمنت بالذي جعل النار عليك برداً وسلاماً، فقالت لها أم إبراهيم: احذري القتل على نفسك. فقالت: إليك عني فإني لا أخاف شيئاً وقد آمنت برب إبراهيم. وحول إبراهيم جمع من الناس لا يحصى عددهم يأتمرون به ليجددوا له عذاباً، فأرسل الله ريحاً عاصفاً فنسفت رماد تلك النار في وجوههم وعيونهم ففروا عنه، وقام إبراهيم ﷺ داعياً إلى الله تعالى ومذكراً به. وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: إن نبي الله سليمان ﵇ انطلق إلى الحمام ومعه جني يقال له صخر، ولم يكن سليمان ﵇ يدخل الخلاء بخاتمه، فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان ﵇ منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان فجاء فجلس على كرسيه وتسلط على جميع ملك سليمان غير نسائه، فجعل يقضي بين الناس والناس ينكرون قضاياه حتى قالوا: لقد فتن نبي الله سليمان. ومكث سليمان على ذلك أربعين يوماً، ثم أقبل سليمان على حالته تلك وهو جائع تائع حتى انتهى إلى شاطئ البحر فوجد صيادين فاستطعم أحدهم من صيده وقال له: أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشج وجهه. قال فجعل يغسل وجهه على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم على ضربه إياه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد تغير عندهم ونتن، ولم يشغله ما كان فيه من الضرب عن أن يقوم إلى الشاطئ البحر فشق بطونهما وغسلهما فوجد خاتمه في بطن أحدهما، فأخذه فلبسه فرد الله تعالى عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير فحامت عليه فعرف القوم أي الصيادون أنه سليمان ﵊، فجاءوا يعتذرون إليه. وروى وهب بن منبه ﵁ أن الله تعالى وهب لإبراهيم إسحاق، فلما كان ابن سبع سنين أوحى الله إلى إبراهيم ﵊ أن يذبحه وأن يجعله قرباناً، فكتم إبراهيم ذلك عن ابنه وأمه وجميع الناس، وأسره إلى خليل له يقال له العازر، وكان أول من آمن به من قومه يوم رمي في النار، فقال له: إن الله تعالى قد رفع اسمك في الملأ الأعلى على جميع أهل البلاد حتى كنت أرفعهم بلية، ليرفعك الله بقدر ذلك في أعلى المنازل والفضائل، وقد علمت أن الله تعالى لم يبتهلك بذلك ليفتنك ولا ليضلك، فلا يسوءن ظنك بالله وأعوذ بالله أن يكون ذلك حتماً مني على الله تعالى أو تسخطاً لحكمه الذي حكم على عباده، ولكن هذا أحسن الظن بالله تعالى. فإن عزم ربك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فتعزى إبراهيم ﵊ بقوله واشتد له رأيه بصيرته وانطلق بإسحاق فلما صعد الجبل ومعه السكين والحبل وأداة القربان فقال له إسحاق: يا أبت أرى معك أداة القربان ولا أرى معك قرباناً. قال إبراهيم: القربان يا بني بعين ربك ينظر إليه فإن شاء رحم أباك، فلم يفطن إسحاق. فلما ولفى رأس الجبل قال إبراهيم: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك وأجعلك

стр. 161

قرباناً يرفعك إليه ويتقبلك فانظر ماذا ترى. فتهلل وجه إسحاق واستبشر فقال له والده: والله لقد فجعتك يا بني بأمر ما فجع به والد ولده، وإني لأرى من سرورك بذلك وشكرك لربك أمراً أرجو به العافية والفرج. فقال له: يا أبت لم يكن شيء من الدنيا أحب إلي من البر بك وبأمي وقد حرمنيه ربي فإذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي فإني أخاف حين يفارقني عقلي، وأجد ألم الحديد أن يتحرك مني عضو فيؤذيك، وأنا أكره أن أختم بذلك عملي، فإذا فرغت من شأني فأقرئ أمي السلام وقل لها لا تجزعي فقد أكرم الله لك ابنك في حياتك! فلما فرغ من وصيته عمد إبراهيم ﵊ إليه فعصبه بعمامته ما بين منكبيه إلى الكعبين، ثم كبه لوجهه وكره أن يستقبل وجهه كي لا تدركه له رحمة إذا هو تشحط في دمه، ثم أدخل يده تحت حلقه فلما أراد أن يمرها على حلقه انقلبت السكين، فأوجس إبراهيم في نفسه ثم أعاد ثانية فلما أراد أن يجر السكين انقلبت السكين، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ*وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠٤-١٠٧) هذا فداء ابنك قد فداه الله تعالى لك به، فنظر إبراهيم خلفه فإذا بكبش قد لوى قرنه الأيمن على ساق شجرة، فأخذه ووجهه إبراهيم ﵊ إلى مكة، وكانت قبلته يومئذ فذبحه إبراهيم وقصه إسحاق، فلما فرغا منه قرباه قرباناً فرفعه الله تعالى إليه وتقبله. وقال أبو هريرة ﵁: لما صار يوسف ﵇ إلى مصر واسترق بعد الحرية جزع جزعاً شديداً، وجعل يبكي الليل والنهار على أبويه وإخوته ووطنه وما ابتلى به من الرق، فأحيى ليلة من الليالي يدعو ربه تعالى، وكان من دعائه أن قال: رب أخرجتني من أحب البلاد إلي وفرقت بيني وبين إخوتي وأبوي ووطني، فاجعل لي في ذلك خيراً وفرجاً ومخرجاً من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، وحبب إلي البلاد التي أنا فيها وحببها إلى كل من يدخلها وحببني إلى أهلها وحببهم إلي، ولا تمتني حتى تجمع بيني وبين أبوي وإخوتي في يسر منك ونعمة وسرور، تجمع لنا به بين خيري الدنيا والآخرة إنك سميع الدعاء. فأتى يوسف ﵇ في نومه فقيل له: إن الله تعالى قد استجاب لك دعاءك وأعطاك مناك، وورثك هذه البلاد وسلطانها، وجمع إليك أبويك وإخوتك وأهل بيتك، فطب نفساً واعلم أن الله تعالى لا يخلف وعده. وبدعاء يوسف ﵇ صارت مصر محبوبة لكل من دخلها فلا يكاد يخرج منها. قال قتادة: ما سكنها نبي قبله. ولما جمع الله تعالى شمله وتكاملت النعم عليه، اشتاق إلى لقاء ربه فقال: رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين. ولما وجه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق ليطلق أهل السجون ويقسم الأموال، ضيق على يزيد بن أبي مسلم، فلما ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة ولى يزيد بن أبي مسلم إفريقية، وكان محمد بن يزيد والياً عليها، فاستخفى محمد بن يزيد فطلبه يزيد بن أبي مسلم وشدد في طلبه، فأتي به في شهر رمضان عند المغرب، وكان في يد يزيد بن أبي مسلم عنقود عنب، فقال له يزيد حين دنا منه: يا محمد بن يزيد! قال: نعم. قال: أما والله لطالما سألت الله أن يمكنني منك بغير عهد ولا عقد. فقال محمد: وأنا والله طالما سألت الله أن يجيرني منك وأن يعيذني. قال يزيد: فوالله ما أجارك ولا أعاذك، وإن سابقني ملك الموت إلى قبض روحك سبقته، والله لا آكل هذه الحبة حتى أقتلك! فأقام المؤذن الصلاة فوضع يزيد العنقود وتقدم يصلي، وكان أهل إفريقية قد أجمعوا على قتله، فلما ركع ضربه رجل بعمود على رأسه فقتله وقيل لمحمد بن يزيد: اذهب حيث شئت! فسبحان من قتل الأمير وأحيا الأسير سنة الله التي قد دخلت في عباده، طلوع الحياة من شفار

стр. 162

الموت وحضور الموت من معدن الحياة. وروي أن سلطان صقلية أرق ذات ليلة ومنع النوم فأرسل إلى قائد البحر وقال: أنفذ الآن مركباً إلى إفريقية يأتوني بأخبارها. فعمر القائد المركب وأرسله لحينه، فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه لم يبرح فقال له الملك: أليس قد فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم امتثلت أمرك وأنفذت المركب ورجع بعد ساعة، وسيحدثك مقدم المركب فجاء مقدم المركب ومعه رجل فقال الملك: ما منعك أن تذهب حيث أمرت؟ قال: ذهبت في المركب فبينما أنا في جوف الليل والبحارون يجذفون، فإذا أنا بصوت يقول: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين! يكررها مراراً فلما استقر صوته في أسماعنا ناديناه مراراً: لبيك لبيك! وهو ينادي: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين! ونحن نجيبه لبيك لبيك! وتوجهنا نحو الصوت فألفينا هذا الرجل غريقاً في آخر رمق من الحياة، فأخرجناه من البحر وسألناه عن حاله فقال: كنا مقلعين من إفريقية فغرقت سفينتنا منذ أيام، وما زلت أسبح حتى وجدت الموت فلم أشعر إلا بالغوث من ناحيتكم، فسبحان من أسهر سلطاناً وأرق جباراً في قصره لغريق في البحر وظلمة الوحشة حتى استخرجه من تلك الظلمات الثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الوحشة، لا إله إلا أنت سبحانك يا أرحم الراحمين! وأخبرني رجل كان إمام المسجد الجامع بالإسكندرية قال: كنت بصقلية أيام فتنة العدو، فزحفت إلينا في البحر سفن تقارب ثلثمائة سفينة وأرست في الساحل، فرأينا أمراً مهولاً وفينا الشيخ الصالح الزاهد العابد ابن السميطار، فلجأ الناس إليه واستجمعوا حوله يتبركون به وينتظرون الفرج على يديه، قال فنظر إلى السماء حيناً ثم سجد وعفر خديه بالأرض يقلبهما يميناً وشمالاً، قال فوالله ما برحنا حتى هبت ريح مزقتها كل ممزق فلم يجتمع منها اثنان. وأخبرني أبو القاسم بن هائل رحمه الله تعالى قال: كنت في طريق الحجاز فعطش الناس في مفازة تبوك، فنفذ الماء ولم يوجد إلا عند صاحب لي جمال، فجعل يبيعه بالدنانير بأرفع الأثمان فجاء رجل كان موسوماً بالصلاح عليه قطعة نطع يحمل ركوة، ومعه شيء من دقيق فتشفع بي إلى الجمال أن يبيعه الماء بذلك الدقيق، فكلمته فأبى علي ثم عاودته فأبى. قال: فبسط الرجل النطع ونثر عليه الدقيق ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي أنا عبدك وهذا دقيقك ولا أملك غيره، وقد أبى أن يقبله. ثم ضرب بيده النطع وقال: وعزتك وجلالك لا برحت حتى أشرب! فوالله ما تفرقنا حتى نشأ السحاب وأمطر في الحين فشرب الماء ولم يبرح. فكان كما قال النبي ﷺ : رب ذي طمرين لا يؤبه له مطروح بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. وأخبرني شيخ ممن كان يصحب العلماء بالقيروان يقال له جرير قال: أخبرني عبد الكافي الديباجي قال: رأيت بالقيروان آية عظيمة، وذلك أن رجلاً جاء بصبي له قد أسكت منذ أيام لا يتكلم، فدخل به إلى الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن وقال له: إن ابني هذا قد أسكت منذ أيام ولم يتكلم، فادع الله أن يفرج ما نزل به، قال فدعا الشيخ ساعة ثم مسح على وجه الصبي فاستفاق الصبي فقال له: قل لا إله إلا الله. فقال الصبي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله! ثم التفت إلى الرجل وقال: اكتم هذا علي إلى الموت، ثم التفت إلى جاريته وقال: اكتمي هذه علي إلى الموت وأنت حرة لوجه الله تعالى. فلما كان يوم توفى الشيخ أبو بكر واجتمع الناس لجنازته وتكاثرت الأمم قام الرجل فاستنصت الناس فسكتوا فقال: يا أهل القيروان اسمعوا قصتي مع هذا الشيخ وساق الحديث كما ذكر. وحدثني هذا الشيخ قال: نزلت عندنا بالقيروان قصة لم يسمع بمثلها في السالفين، وذلك أن بعض الجزارين أضجع كبشا ليذبحه، فتخبط بين يديه وأفلت منه وذهب، فقام الجزار يطلبه

стр. 163

وجعل يمشي إلى أن دخل إلى خربة، فإذا فيها رجل مذبوح يتشحط في دمه ففزع وخرج هاربا. وإذا صاحب الشرطة والرجالة عندهم خبر القتيل، وجعلوا يطلبون خبر القاتل والمقتول، فأصابوا الجزار وبيده السكين وهو ملوث بالدم والرجل مقتول في الخربة، فقبضوه وحملوه إلى السلطان فقال له السلطان: أنت قتلت الرجل؟ قال: نعم! فما زالوا يستنطقونه وهو يعترف اعترافا لا إشكال فيه، فأمر به السلطان ليقتل فاخرج للقتل، واجتمعت الأمم ليبصروا قتله، فلما هموا بقتله اندفع رجل من الحلقة المجتمعين وقال: يا قوم لا تقتلوه فأنا قاتل القتيل! فقبض وحمل إلى السلطان فاعترف وقال: أنا قتلته! فقال السلطان قد كنت معافى من هذا فما حملك على الاعتراف؟ فقال: رأيت هذا الرجل يقتل ظلما فكرهت أن ألقى الله بدم رجلين، فأمر به السلطان فقتل ثم قال للرجل الأول: يا أيها الرجل ما دعاك إلى الاعتراف بالقتل وأنت بريء؟ فقال الرجل: فما حيلتي رجل مقتول في الخربة وأخذوني وأنا خارج من الخربة وبيدي سكين ملطخة بالدم، فإن أنكرت فمن يقبلني وإن اعتذرت فمن يعذرني؟ فخلى سبيله وانصرف مكرما. ولما وزر فخر الملك بن نظام الملك لسنجار الملك، وكان لفخر الملك ابن عم يقال له شهاب الملك، وكان يخاف منه على منزلته فقال فخر الملك لسنجار: لا حياة لي معك إلا أن تقتل ابن عمي شهاب الملك! فأبى سنجار فما زال يراجعه إلى أن أمر به فحبس في بلد يقال لها بيهوا، وكان والي ذلك البلد يكرمه لجلالته وجلالة أهل بيته، وأخلى له دارا في القلعة مشرفة. ثم جعل فخر الملك يفسد قلب سنجار ويحمله على قتل شهاب الملك إلى أن أرسل سنجار إلى واليه بقتل شهاب الملك فاستعظم الوالي قتله وأخره أياما، ثم لم يجد بدا من قتله فعزم على قتله في يوم الجمعة، فبينا شهاب الملك يتطلع من طاقات الدار إذا بفارس يركض، فأوجس في نفسه خيفة منه وقال: هذا يريد يقتلني! فوصل الفارس وقال: مات فخر الملك. فخلى سبيل شهاب الملك، وزرا سنجار مكان فخر الملك، فسبحان الفعال لما يريد. وأخبرني أبو الفضل المعتز بمصر قال: كان بمصر ملوك آل حمدان وكان الرئيس ناصر الدولة، وكان يشكوا وجع القولنج فأعي الأطباء ولم يوجد له شفاء. ثم إن السلطان دس على قتله فأرصد له رجلا معه خنجر، فلما جاء في بعض دهاليز القصر وثب عليه الرجل وضربه بالخنجر، فجاءت الضربة أسفل من خاصرته فأصاب طرف الخنجر المعاء الذي فيه القولنج، فخرج ما فيه من الخلط ثم عافاه الله تعالى وصح وبرئ كأحسن ما كان. ولقد كنت بالإسكندرية ونزلت سفن العدو وبساحل مدينة برقة، فأخذوا مركبا للمسلمين وقتلوا بعضهم وأسروا بعضهم، فأخذ رجل منهم وشد كتافه من خلفه فلما انتهبوا السفينة عمد إليه بعض الأعلاج فرفسه فألقاه في البحر وطعنه برمح كان معه، فلم يخط نصل الرمح حبل الكتاف فقطعه، وانحلت يد الرجل فسبح حتى لحق بالساحل سليماً ووصل للإسكندرية في عافية. وحدثني بعض الشاميين أن رجلا خبازا بينما هو يخبز في تنوره بمدينة دمشق، إذا عبر رجل يبيع المشمش قال فاشترى منه وجعل يأكله بالخبز الحار، فلما فرغ سقط مغشيا عليه فنظروه فإذا هو ميت، فجعلوا يتربصون به ويحملون إليه الأطباء فيلتمسون دلائله ومواضع الحياة منه، فقضوا بأنه ميت فغسل وكفن وحمل إلى الجبانة. فلما خرجوا به من باب المدينة استقبلهم رجل طبيب يقال له البيرودي، وكان طبيبا ماهرا حاذقا بالطب، فسمع الناس يلهجون بقصته فقال لهم: حطوه حتى أبصره قال: فحطوه وجعل يقلبه وينظر في أمارات الحياة التي يعرفها، ثم فتح فمه وسقاه شيئا وقال: حقنة حقنة. فاندفع ما هنالك يسيل وإذا الرجل قد فتح

стр. 164

عينيه وتكلم وعاد كما كان إلى دكانه. وكان الرجل يمشي ببغداد فبينما هو يمشي في الطريق وإذا بدار قد وقعت عليه فخرت كالجبل العظيم، وإذا في الحائط طاقة فما أخطأت رأسه، وصارت الدار كوما وخرج الرجل من الطاقة سالما. وحدثني أبو القاسم الحضرمي قال: كنت باليمن في أرض آل الصليحي، فوشى بي واش إلى السلطان فأمر بقتلي، فأخرجت وقدمت للقتل وبركني السياف ثم قال: مد لي رقبتك! فمددت عنقي لقضاء الله . فقال لي السياف: اشتد! قلت: دونك يا هذا فبينما نحن كذلك إذا بصائح من داخل القصر: لا تقتلوه. فخلوا سبيلي. وجرت بقرطبة قصة غريبة في أيام المنصور ابن أبي عامر، وذلك أن رجلاً يعرف بقاسم بن محمد الشبليشي شهد عليه بالزندقة، فحبسه المنصور مدة مع جماعة من الأدباء وكلهم معروفون بالإنهماك والزندقة، وكانوا من وجوه قرطبة، وكان ينادي عليهم في كل جمعة يوقفون في أثر الصلاة بباب الجامع الأعظم، من كانت عنده شهادة فيهم فليؤدها، فثبت على قاسم عند القاضي سجل بشهادات الشهود بأنواع منكرة، تتضمن الزندقة والكفر، فطلعوا إلى القصر وعقد مجلس عظيم واستفتى الفقهاء فيه فأوجبوا قتله. فأشخص قاسم فحضر وحضر أبوه واستحضر ابنان صغيران لقاسم، ولبسوا ثياب الحداد وحمل أبوه معه نعشاً وحمالين، وجعل أبوه والصبيان يبكون على باب القصر، وأحضر لضرب رقبته سياف يعرف بابن الحبشي، ودفعت له أسياف من القصر فجعل يروزها ويلمس شفارها وأبوه وابناه ينظرون إليه. فاتفق حضور أبي الفقيه عمرو الإشبيلي على كره منه وكان يأبى الحضور فاستفتوه فقال: يا هؤلاء إن الدماء لا تسفك إلا بالحق الواضح دون الشبه، احسبوا بن الشبليشي فروجاً بماذا تذبحوه؟ فقال القاضي ابن السري: بما ثبت عندي وأمعنت النظر فيه، فقال الفقيه: أوقفني عليه فأوقفه عليه فقال: أخبرني بمن تقتله من هؤلاء الشهود؟ فقال: بهذا وهذا حتى عد خمسة. فقال الفقيه: فبجميعهم تقتله؟ قال: نعم. قال: فلو شهد منهم اثنان خاصة أكنت تقتله؟ قال: لا إنما قوى بعضهم بعضاً وزكى أكثرهم عندي. فالتفت الفقيه إلى الفقهاء المشاورين فقال: يا هؤلاء بالدعائم تقتل المسلمون عندكم وتسفك دماؤهم، فلست أرى قتله ولا أشير به! فرجع الفقهاء إلى قوله ولم يردوا عليه شيئاً بعدما أفتوا بقتله منذ ستة أشهر، فأنفض الجمع وشيم السيف فذهب البشير إلى ابن أبي عامر فأخبره بالمجلس، فقال ابن أبي عامر: مضيتم تقتلون ابن الشبليشي فدفنتم القاضي، قد استشهدنا للدين ولا قاتل لمؤجل، فحبس أياماً ثم أطلق فكان ابن ذكوان الفقيه يقول للقاضي في مثل هذا قال القائل: إذا سئلت بماذا عرفت الله تعالى؟ قال: بنقضه عزائمي. ومعنى الدعائم على لسان الفقيه هم الشهود الذين لو انفرد منهم اثنان لم يثبت الحكم بهما ولا يقبلا فيه. فإذا كثروا قوى بعضهم بعضاً فلا يثبت الحكم بهم. وفي نقيض هذا حدثنا القاضي أبو مروان الداني بطرطوشة، وقد ولي قضاءها فتذكرنا يوماً فقال: نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية، فأووا إلى دار خربة هناك ليستكنوا فيها من الرياح والأمطار، فاستوقدوا نارهم وسووا عيشهم وقرب تلك الدار حائط مائل قد أشرف على الوقوع، فقال رجل منهم لأهل القافلة: يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا تدخلوا هذه البقعة. فأبوا إلا دخلوها وبات الناهي متبرئاً خارجاً عنهم لم يقرب ذلك المكان، ثم أصبحوا في عافية وحملوا دوابهم، فبينما هم كذلك إذ دخل الرجل المحذر الدار ليصطلي ببقية النار فخر الحائط عليه فمات مكانه. وبلغني عن بعض الفقهاء أن جيشاً من الجيوش كان

стр. 165

بجزيرة صقلية ناهضاً من مكان إلى مكان فقعدوا ساعة لبعض شأنهم، فإذا عقرب تدب فضربها بعض الأجناد بمقرعة كانت معه ثم رفع المقرعة إلى نحو عنقه، فإذا بالعقرب قد تشبثت بأهداب المقرعة وهو لا يشعر فلدغته في عنقه فقضى مكانه. وأخبرني القاضي أبو الوليد الباجي عن أبي ذر قال: كنت أقرأ على الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين ببغداد جزءاً من الحديث في حانوت رجل يبيع العطر، فبينا أنا جالس معه في الحانوت إذ جاءه رجل من الطوافين ممن يبيع العطر في طبق يحمله على يده، فأعطاه عشرة دراهم وقال له: ادفع إلي أشياء سماها من العطر، فأخذها في طبقه ومضى فسقط الطبق من يده فتفرق جميع ما كان فيه. فبكى الطواف وجزع حتى رحمناه فقال أبو حفص لصاحب الحانوت: لعلك تجبر له بعض هذه الأشياء. فقال: نعم، ونزل فجمع ما يجتمع منها وجبر له بعض ذلك، فأقبل الشيخ على الطواف يصبره ويقول له: لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك. فقال الطواف: لا تظن أيها الشيخ أن جزعي لما ضاع، لقد علم الله تعالى مني أني كنت في القافلة الفلانية، فضاع لي هميان فيه أربعمائة دينار أو أربعة آلاف درهم، الشك من أبي ذر، ومعها فصوص قيمتها مثل ذلك فما جزعت لضياعها ولكن طلع لي الليلة مولود فاحتجت في البيت إلى ما تحتاج إليه النفساء، ولم يكن عندي غير هذه العشرة الدراهم فأشفقت أن أشتري بها حوائج النفساء، فأبقى بغير رأس مال ولا أقدر على التكسب، فقلت أشتري بها شيئاً وأطوف به صدر نهاري، فعسى أستفضل شيئاً أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال، أتصرف فيه فلما قدر الله بضياعه جزعت فقلت: لا عندي ما أرجع به إليهم ولا ما أكتسب به، وعلمت أنه لم يبق لي إلا الفرار منهم، وإن تركتهم على هذه الحالة يهلكون بعدي، فهذا الذي أوجب جزعي. قال الشيخ أبو ذر: وكان رجل من شيوخ الجند جالساً على باب دار يستوعب الحديث، فقال للشيخ أبي حفص: أنا أرغب إذا أتممتم أمره أن تدخل معه عندي، وقام فظننا أنه يريد أن يعطيه شيئاً. قال: فدخلنا عليه فأذن لنا فقال الجندي للطواف: لقد عجبت من جزعك فأعد علي قصتك، فأعاد عليه فقال الجندي: وكنت في تلك القافلة؟ قال: نعم وكان بها من أعيان الناس فلان وفلان، فعلم الجندي صحة قوله فقال له: وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك؟ فوصف له المكان والعلامة. فقال له الجندي: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال: نعم. فأخرج الجندي همياناً ووضعه بين يديه فقال: هذا همياني وعلامة صحة قولي أن فيه من الأحجار ما صفته كذا وكذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار على ما ذكر فقال الجندي: خذ مالك بارك الله لك فيه! فقال الطواف: هذه الأحجار قيمتها مثل الدنانير وأكثر، فخذ أنت الدنانير فنفسي طيبة بذلك! فقال الجندي: ما كنت لآخذ على أمانتي شيئاً فدخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء، ثم بكى الجندي بكاء شديداً وانتحب فقال له أبو حفص: على علام تبكي، وقد أدى الله تعالى أمانتك وقد بذل لك مالاً كثيراً، وإن شئت عرضنا عليه أن يعيده عليك؟ فقال ما أبكي لذلك وإنما أبكي لأني أعلم أنه قد حان أجلي وأنه ما بقي لي أمل أؤمله ولا أمنية أتمناها إلا أن يأتيني الله بصاحب هذا الهميان فيأخذ ماله، فلما قضى الله ذلك بفضله ولم يبق لي أمل علمت أنه قد حان أجلي. قال الشيخ أبو ذر: فما انقضى شهر حتى توفي الرجل وصلينا عليه. قال القاضي: وحدثني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال: لقد جرت هاهنا في هذه الدار وهذا الحانوت، وأشار إليهما قصة عجيبة. كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز، فبينما هو يحمل الخز في خرجه على حماره وفيه جميع ماله إذ نزلت القافلة، فأراد إنزاله عن الحمار فثقل عليه فأمر إنساناً

стр. 166

هناك فأعانه على إنزاله ثم جلس ليأكل، فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه فأجابه وأكل معه، ثم سأله عن حاله فأخبره أنه رجل خرج من الكوفة لأمر أزعجه دون زاد، فقال له الرجل: كن رفيقي وتعينني على سفري ويكون طعامك عندي. فقال الرجل: أني حريص على خدمتك محتاج إلى طعامك. فسار معه في طريقه فخدمه على أحسن حال حتى وصلا تكريت، فنزلت الرفقة خارج المدينة ودخلت الناس لقضاء حوائجهم. فقال الرجل للخادم: أحفظ رحلنا حتى أدخل فأقضي حاجتنا ثم دخل وقضى حوائجه فأبطأ هناك ثم خرج فلم يجد الرفقة ولا وجد صاحبه، فظن أنه لما رحلت الرفقة رحل معهم فلم يزل يسعى حتى وصل الرفقة بعد الجهد، فسألهم عن حماره وصاحبه فقالوا: ما جاء معنا ولا رأيناه ولكنه وضع الأسباب على الحمار ودخل المدينة على أثرك وظنناك أمرته بذلك. فكر الرجل راجعاً إلى تكريت فلم يجد له أثراً ولا وقع له على خبر، فيئس منه وسار إلى الموصل مسلوب المال فوافاها نهاراً جائعاً عرياناً فقيراً مجهوداً، فاستحى أن يدخل نهاراً فيشمت العدو ويحزن الصديق، فبقي حتى أمسى ثم دخل فدق باب داره فقيل له: من هذا؟ فقال: فلان، يعني نفسه. فأظهروا سروراً عظيماً لحاجتهم إليه وقالوا: الحمد لله الذي جاء بك في هذا الوقت على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة والفاقة، حملت جميع مالك وطال سفرك واحتاج أهلك وهي نفساء قد ولدت لك في هذا اليوم ولداً، والله وجدنا ما نشتري به شيئاً للنفساء، ولقد كانت هذه الليلة طاوية على حالها، فتحيل لنا على دقيق ودهن وتسرج به علينا فلا سراج عندنا فزاده ذلك غماً وكره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم وأخذ وعاء للدهن وجراباً للدقيق وخرج إلى هذا الحانوت، وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحوه، وقد أغلق دكانه وأطفأ مصباحه ونام، فناداه فأجابه وعرفه وشكر الله على سلامته. فقال التاجر لصاحب الحانوت: اقدح زناداً أزن لك الدراهم في دقيق وزيت وعسل احتجت إليه الساعة، وكره أن يخبره بتأخير الثمن فيمتنع منه، فقدح البياع للزناد واستصبح فقال له التاجر: زن لي من الدقيق كذا ومن الزيت كذا، ومن العسل كذا ومن السمن كذا ومن الملح كذا ومن الحطب كذا، ما يرمق به الحال تلك الليلة. فبينما هو كذلك إذ حانت منه التفاتة إلى قعر الحانوت فرأى فيه خرجه الذي هرب به صاحبه، فلم يملك أن وثب إليه والتزمه وألقى يده في أطواق صاحب الحانوت وجذبه إلى نفسه وقال له: يا عدو الله أين مالي؟ فقال له صاحب الحانوت: يا فلان؟ فوالله ما علمتك متعدياً ولا أعلم أني جنيت عليك ولا على سواك فما هذا؟ قال: خرجي فر لي به خادم خدمني بجميع مالي وبحماري! فقال له: ما لي علم غير أن رجلاً ورد علي بعد العشاء واشترى مني عشاؤه وأعطاني هذا الخرج، فجعلته في حانوتي وديعة وهذا الحمار في دار جارنا الرجل والرجل في المسجد نائم. فقال له: احمل معي الخرج وامض معي إلى الرجل، فرفع الخرج معه وألقاه على عاتقه ومشى معه إلى المسجد، وإذا الرجل نائم في المسجد فرفسه برجله فقام الرجل مذعوراً فقال له: ما لك؟ فقال: أين مالي يا خائن؟ فقال: هو ذا على عاتقك والله ما تغادر منه ذرة! قال: فأين الحمار؟ قال هو عند ذا الجائي معك. فنهض إلى داره فوجد متاعه سليماً واستخرج الحمار من الموضع الذي كان فيه، ووسع على أهله وأخبرهم بقصته فازدادوا فرحاً وسروراً وتبركاً بذلك المولود. ولما وفى موسى ﵊، لصهره شعيب ﵊، الأجل الذي أجلاه لرعي موسى غنم شعيب ﵊ عوضاً عن مهر ابنته، أخذ موسى ﵊ زوجته وكر راجعاً من مدين، فلما وافى موسى الوادي المقدس عند جانب الطور أحبنهم الليل

стр. 167

بظلمته فأمسوا نائمين، فبينما هم كذلك إذ ضرب زوجته الطلق وكانت حاملاً، وليس عندهم ما تحتاج إليه النفساء من الغداء والدواء، وما يصلح به شأنهم فبقوا في ضيق من الحال وقلة من الحيلة، فخرج موسى ﵊ يلتفت وينظر يميناً وشمالاً يلتمس فرجاً لما أمسوا فيه من الضرر، ﴿إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ (طه: ١٠) . فلما أتاها أضيق ما يكون ذرعاً وأحرجه قلباً وأيئسه من رفق نودي من شاطئ الوادي الأيمن: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ (القصص: ٣٠) . وهكذا لطائف الحق مع من سلم لأمره ورجا فضله وتكلم بالهدى والبشرى، يفسح الله تعالى له أمله ويعطيه فوق ما سأله: هذا موسى خرج يقتبس ناراً فنودي بالنبؤة. وعن هذا قال علماؤنا ليس في خصال الخير وإن جلت ولا في أنواع الأعمال وإن عظمت أعلى من حسن الظن بالله تعالى؛ ونظمه بعض الشعراء فقال: أيها العبد كن لما لست ترجو من نجاحٍ أرجى لما أنت راجي إن موسى مضى ليقبس ناراً من شعاع قد لاح والليل داجي فأتى أهله وقد كلم الل هـ وناجاه وهو خير مناجي وروي أن العدو نزل بساحل إفريقية في عدد كثير من المراكب ففني ماؤهم وعطشوا وأيقنوا بالهلاك، فنفر المسلمون إليهم في عدد كثير من تلك الحصون والسواحل، فمنعوهم النزول لاستقاء الماء، فأرسلوا إلى المسلمين أن يخلوهم لاستقاء الماء فأبوا، فتضاعف عطشهم حتى كادوا يهلكون، ففتحوا أناجيلهم ونشروا صلبانهم وأخذوا في الدعاء والاستسقاء والتضرع إلى الله تعالى، فلم يلبثوا أن أرعدت والتفت السماء بأرزاقها ثم انجلت وأرخت ماء كثيراً، فبسط القوم أنطاعهم وجفانهم وآلتهم فشربوا وملئوا أوانيهم، فضج المسلمون عند ذلك وقالوا: هؤلاء كفار أعداء الله ورسوله قد أخلصوا إلى ربهم وأنابوا إليه وسألوه ما يحيون به رمقهم، فأغاثهم فنحن أحق بالدعاء والتضرع إلى الله وأولى بالإجابة منهم. فأخذ المسلمون في الدعاء والابتهال والصلاة إلى الله في أن يريهم آية تقوى بها قلوب الضعفاء، ويزيد شكر أهل المعرفة والأولياء، فبينما هم كذلك إذ أرسل الله تعالى عليهم ريحاً فبددتهم ومزقتهم كل ممزق، وكسرت مراكبهم ولم يجتمع منهم اثنان. ومن عجائب صنع الله تعالى في هذا الباب أن رجلاً من ديار بكر جاء إلى بيت المقدس، وزار قبر الخليل ﵇ وأكل من ضيافته، فطارت حبة عدسة من الطعام في خيشومه ورام خروجها بكل حيلة، فأعجزته حتى تركته مضنى ثم رجع إلى بلاده، فبينما هو جالس إذ عطس فطارت العدسة في الأرض، فإذا طائر قد التقطها لوقتها وبرئ الرجل، فسبحان من جعل أنف هذا الرجل حرزاً لقوت هذا الطائر على بعد الشقة وطول المدة، وكان ذلك سبباً لبرئه. وأما أنا فلما هممت بالرحيل من بلدي إلى المشرق في طلب العلم، وكنت لا أعرف التجارة ولا لي حرفة أرجع إليها، فجزعت من الخروج وكنت أقول: إني إن ذهبت نفقتي ماذا أفعل؟ وكان أقوى الآمال في نفسي أن أحفظ البساتين بالأجرة وأدرس العلم بالليل، ثم استخرت الله تعالى فرحلت وكانت معي نفقة وافرة في همياني على وسطي، وكنت أسمع المسافرين يقولون: من نام بالليل في الفيافي ومعه نفقته على وسطه فليحلها، فإن اللصوص إذا كاثرت الخلق يبتدرون أوساطهم. فخرجت من بلاد السويدية إلى أنطاكية وهي إذ ذاك حرم للروم،

стр. 168

فسرينا ليلتنا وأصبحنا على باب أنطاكية، فأخذتني عيني فحللت الهميان ونمت، ولم أستيقظ إلى ضحوة نهار، فاستيقظت ومددت يدي إلى الهميان فلم أجده. فجعلت ألتفت إلى القافلة وأنظر إلى وجوه الناس، وقد أسقط في يدي ولم تبق لي حيلة، فاسترجعت ورفعت أمري إلى الله ، وإذا رجل من أهل القافلة التفت إلي، فوقع وجهي في وجهه فإذا هو يضحك لما رأى ما بي فقال: ما لك أيها الفقيه؟ فقلت: خيراً فراجعني فقلت خيراً فقام إلي وقال: خذ هميانك عافاك الله تعالى: فسألته: كيف ظفرت به؟ فقال: رأيتك قد تدحرجت ذراعين أو ثلاثة، فالتفت فرأيت سواداً في الموضع الذي كنت فيه نائماً فثرت إليه وأخذته، فإذا هو الهميان، فرحمة الله عليه ورضوانه. الباب الستون: في بيان الخصلة التي هي أساس الخصال وعماد الفضائل ومن فقدها لم تكمل فيه خصلة وهي الشجاعة، ويعبر عنها بالصبر ويعبر عنها بقوة النفس قالت الحكماء: أصل الخيرات كلها في ثبات القلب، ومنها تستمد جميع الفضائل وهي الثبات والقوة على ما يوجبه العدل والعلم. والجبن غريزة يجمعها سوء الظن بالله تعالى، والشجاعة حالة متوسطة بين الجبن والتهور. وسئل الأحنف بن قيس عن الشجاعة فقال: صبر ساعة. وسئل أبو جهل عن الشجاعة فقال: تصبرون على حد السيوف فواق ناقة وهو ما بين الحلبتين. واعلم أن الفر من القتل طريدة من طرائد الموت، واستقبال الموت خير من استدباره. وقد قال الأول: رب حياة سببها التعرض للوفاة ووفاة سببها طلب الحياة. ومن حرص على الموت في الجهاد وهبت له الحياة. وقالوا: الهزيمة شفرة من شفار الموت والفار يمكن من نفسه والمقاتل يدفع عن نفسه. وقالوا: ثمرة الشجاعة الأمن من العدو. واعلم أن من قتل في الحرب مدبراً أكثر ممن قتل مقبلاً. وقالوا: تأخير الأجل حصن المحارب. وفيل لبعضهم: في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل متأخر. وقيل لآخر: في أي سلاح تشتهي أن تقاتل عدوك؟ قال: بأدبار دولته وانقضاء صولته. واعلموا أن الشجاعة لمن كانت له مدة، وإذا انقضت المدة لم تغن كثرة العدة. وقال علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه: إذا انقضت المدة كانت الهلكة في الحيلة، وذلك أن كل كريهة تدفع أو مكرمة تكتسب لا تتحقق إلا بالشجاعة. ألا ترى أنك إذا هممت بأن تمنح شيئاً من مالك خار طبعك، ووهن قلبك وعجزت نفسك وشححت به؟ وإذا حققت عزمك وقويت نفسك وقهرت ذلك العجز، أخرجت المال المضنون به. وعلى قدر قوة القلب وضعفه يكون طيب النفس بإخراجه وكراهية النفس لإخراجه. وعلى هذا النمط تكون جميع الفضائل، فمهما تقارنها قوة النفس لم تتحقق وكانت مخدوجة. وروي أن رسول الله ﷺ قال: الشجاعة والجبن غرائز يضعها الله تعالى فيمن يشاء من عباده، فالجبان يفر من أبيه وأمه، والشجاع يقاتل عمن لا يؤب به إلى رحله، فبقوة القلب يصابر امتثال الأوامر والانتهاء عن الرواجز، وبقوة القلب يصابر اكتساب الفضائل وبقوة القلب ينتهي عن اتباع الهوى والتضمخ بالرذائل، وقال الشاعر: جمع الشجاعة والخضوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب! وبقوة القلب يصير الجليس على أذى الجليس وجفاء الصاحب، وبقوة القلب تتلقى الكلمة العوراء والفعلة الرديئة ممن جاءت، وبقوة القلب تكتم الأسرار ويدفع العار، وبقوة القلب تقتحم الأمور الصعاب، وبقوة القلب تتحمل أثقال المكاره، وبقوة القلب يصبر على أخلاق الرجال، وبقوة القلب تنفذ كل عزيمة وروية أوجبها الحزم والعدل والعقل، وبقوة القلب يضحك الرجال في وجوه الرجال وقلوبها مشحونة بالضغائن والأحقاد

стр. 169

كما قال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم! وقال علي ﵁: أنا لنصافح أكفا نرى قطعها! وليس الصبر والشجاعة وقوة النفس أن تكون مصراً على المحال لجوجاً في الباطل، ولا أن تكون جلداً عند الضرب صبوراً على التعب مصمماً على التغرير والتهور، فإنما هذه من صفات الحمير والخنازير، ولكن تكون صبوراً على أداء الحقوق، صبوراً على أداء الحقوق، صبوراً على سماعها وإلقائها إليك غالباً لهواك مالكاً لشهواتك، ملتزماً للفضائل بجهدك عاملاً في ذلك على الحقيقة التي لا تحيدك عنها حياة ولا موت، حتى تكون عند موتك على الخبر الذي أشار به العلم وأوجبه العدل خير من البقاء على ما أوجب رفض العلم والعدل، كما قال علي للحسن ﵄: يا بني وما يبالي أبوك لو أن الخلق خالفوه إذا كان على الحق، وهل الخير كله للحق إلا بعد الموت؟ وعن هذا قالت حكماء الهند: إذا لم يكن للملك من نفسه معين كان في جميع أموره ضعيفاً مخذولاً. واعلم أن الجبن مغلبة والحرص محرمة والعجز ذل والجبن ضعف، والجبان يعين على نفسه يفر من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، والشجاع يحمي من لا يناسبه ويقي مال الجار والرفيق بمهجته، والجبان يخاف من لا يحس به والجبان حتفه من فرقه، واعلم أن الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه: رجل إذا التقى الجمعان وتزاحف العسكران وتكالحت الأحداق بالأحداق، برز من الصف إلى وسط المعترك يحمل ويكر وينادي هل من مبارز؟ والثاني إذا تناشب القوم واختلطوا ولم يدر أحد من أين يأتيه الموت، يكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللب، لم يخامره ولا خالطته الحيرة فيتقلب تقلب المالك لأمره القائم على نفسه. والثالث إذا انهزم أصحابه يلزم الساقة ويضرب في وجوه القوم، ويحول بينهم وبين عدوهم فيقوي قلوب أصحابه ويرجي الضعف، ويمدهم بالكلام الجميل ويشجع نفوسهم، فمن وقع أقامه ومن وقف حمله ومن كردس عن فرسه كشف عنه حتى ييئس العدو منهم، وهذا أحمدهم شجاعة. وعن هذا قالوا: المقاتل من قاتل وراء الفارين كالمستغفر من وراء الغافلين. ومن أكرم الكرم الدفاع عن الحريم وقالوا: لكل أحد يومان لا بد منهما أحدهما لا يعجل عليه، والثاني لا يغفل عنه فمال الجبان والفرار. وكان شيوخ الجند يحكون لنا في بلادنا قالوا: دارت حرب بين المسلمين والكفار ثم افترقوا فوجدوا في المعترك قطعة من بيضة الحديد، قدر ثلثها بما حوته مع الرأس، فيقال إنه لم ير قط ضربة أقوى منها. وكان شيوخ الجند في بلدنا طرطوشة يحكون لنا أنهم خرجوا في أيام سيف الملة في سرية إلى بلاد العدو، فبينما هم يسيرون إذا لقيتهم سرية للروم يريدون منا ما نريد منهم، قالوا وعرف بعضنا بعضاً، وكان في القوم صناديد الروم وكان فينا صناديد المسلمين، فتوافينا ساعة ثم شددنا وشدوا فالتقينا وتجالدنا ساعة، ثم منحها الله أكتافهم فجعلناهم حصيداً كأنهم جزر في الأوضام، وكان هناك بقربهم قرية فيها شيء من الخمر فشربناه وسكرنا ثم اشتهينا شرائح اللحم فقمنا نقطع لنا من لحومهم ونجعل على النار وأكلنا منها، ففزع من كان أسرناه منهم وبلغ الحديث إلى الروم، فانقلبت النصرانية تعجباً منا وقذف الرعب في قلوبهم. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي عمرو بن معدي كرب فقال له: يا عمرو أي السلاح أفضل في الحرب؟ فقال: فعن أيها تسأل؟ قال: ما تقول في السهام؟ قال منها ما يخطئ ويصيب. قال: فما تقول في الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك! قال: فما

стр. 170

تقول في الترس؟ قال: هو الدائرة وعليه تدور الدوائر قال: فما تقول في السيف؟ قال: ذاك لأعدائك. وكان عمرو هذا من شجعان العرب وأبطالها، نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: إني عابر على الجسر فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور، وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم. وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً بينهم. ثم حمل على القوم فانغمس فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم؟ والله ما نظن أن تدركوه حياً فحملوا فانتهوا إليه وقد سرع عن فرسه وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه وما يقدر الفرس أن يتحرك، فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال: أنا أبو ثور كدتم والله تفقدونني! قالوا: أين فرسك؟ قال: رمي بنشابة فغار وشب فصرعني. ويروى أن عمراً حمل يوم القادسية على رستم، وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل فجذب عرقوبه فسقط رستم وسقط الفيل عليه، مع خرج كان فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستم وانهزمت العجم. ويروى أن قاتل رستم زنيم بن عمرو. وأما الضربة التي حكيناها التي جاوزت ثلث البيضة بما حوته من الرأس، فلم يسمع بمثلها في جاهلية ولا إسلام، فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم، وكانوا إذا عيروا بانهزام يقولون: لقينا أقواماً هذا ضربهم! فترحل أبطال الروم ليروها، وإنما كانت العرب تفخر في هذا الباب بقول النمر بن تولب يصف ضربة بسيف: أبقى الحوادث والأيام من نمر إسناد سيف قديم إثره بادي يظل يحفر عنه إن ضربت به بعد الذراعين والقيدين والهادي وينشد قول النابغة في السيف أيضاً: بعد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب وأين هذا ممن قد بيض الحديد بما حواه من الرأس؟ وأين الثريا من الثرى وأين الحسام من المنجل؟ ولولا كراهية التطويل لذكرنا من أمثال هذا الباب ما فيه العجب. وقد قالوا: السيف ظل الموت. والسيف لعب المنية. والرمح رشاء المنية. والسهام رسل لا تستأمر من أرسلها. والرمح أخوك وربما خانك. والدرع مشغلة للرجل متبعة للفارس، وإنها لحصن حصين. والترس مجن وعليه تدور الدوائر. الباب الحادي والستون: في ذكر الحروب وحيلها وتدبيرها وأحكامها ومن حزم الملك أن لا يحتقر عدوه وإن كان صغيراً، ولا يغفل عنه وإن كان حقيراً، فكم من برغوث أسهر فيلاً ومنع الرقاد ملكاً جليلاً قال الشاعر: ولا تحقرن عدواً رماك وإن كان في ساعديه قصر فإن السيوف تحز الرقاب وتعجز عما تنال الإبر وفي الأمثال: لا تحرقن الذليل فربما شرق بالذباب العزيز، ومثل العدو مثل النار إن تداركت أولها سهل إطفاؤها، وإن تركت حتى استحكم ضرامهاً صعب مرامها وتضاعفت بليتها. ومثاله أيضاً مثال الجرح الرديء، إن تداركته سهل برؤه، وإن أغفلته حتى نغل عظمت بليته وأعجز الأطباء برؤه. واعلموا أن الناس قد وضعوا تدبير الحروب كتبا ورتبوا فيها ترتيبا ولا يسع سائر أهل الأقاليم، إن لكل أمة نوعا من التدبير وصنفاً من الحيلة، وضربا من المكيدة وجنساً من اللقاء والكر والكفر، وتعبية المواكب وحمل بعضهم على بعض، ولكن نصف

стр. 171

منها أشياء تجري مجرى المعاقد ولا يكاد يختلف في أنها أزمة الحروب. ونبدأ أولاً بما ذكره الله تعالى في القرآن قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠) وقوله تعالى: ﴿ما استطعتم﴾ مشتمل على كل ما هو في مقدور البشر من العدة والآلة والحيلة. وفسر النبي ﷺ القوة حين مر على أناس يرمون فقال: ألا إن القوة الرمي. وكان بعض أصحابه إذا أراد الغزو ولا يقص أظفاره، ويتركها عدة ويراها قوة. فأول ذلك أن يقدم بين يدي اللقاء عملاً صالحاً من صدقة وصيام ورد مظلمة، وصلة رحم ودعاء مخلص وأمر بمعروف ونهي عن منكر وأمثال ذلك. فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر بذلك ويقول: إنما تقاتلون بأعمالكم. ويروى أن بريداً ورد عليه بفتح المسلمين فقال عمر: أي وقت لقيتم العدو؟ قال: غدوة. قال: ومتى انهزم؟ قال: عند الزوال. فقال عمر ﵁: إنا لله وإنا إليه راجعون، قاوم الشرك الإيمان من غدوة إلى الزوال لق أحدثتم بعدي حدثاً أو أحدثت بعدكم حدثاً. والشان كل الشان في استجادة القواد وانتخاب الأمراء وأصحاب الألوية. فقد قالت حكماء العجم: أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد. فلا ينبغي أن يقدم على الجيش إلا الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة والجراءة ثبت الجنان صارم القلب جريئه، رابط الجأش صادق اليأس، ممن قد توسط الحروب ومارس الرجال ومارسوه، ونازل الأقران وقارع الأبطال، عارفاً بمواضع الفرص خبيراً بمواقع القلب والميمنة والميسرة من الحروب، وما الذي يجب سده بالحماة والأبطال من ذلك، بصيراً بصفوف العدو ومواقع الغرة منه، ومواضع الشدة منه، فإذا كان كذلك وصدر الكل عن رأيه كان جميعهم كأنهم مثله، فإن رأى لقراع الكتائب وجهاً وإلا رد الغنم إلى الزريبة. واعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء، وآخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب وحمل الجيوش بعضها على بعض فليبدأ بصرف الحيلة في نيل الظفر. قال نصر بن سيار: كنت أمير خراسان من قبل مروان الجعدي، آخر ملوك بني أمية، قال: كان عظماء الترك يقولون ينبغي للقائد العظيم القياد أن تكون فيه عشرة أخلاق من أخلاق البهائم: شجاعة الديك وبحث الدجاجة وقلب الأسد وحملة الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلب على الجراح وحراسة الكركي وغارة الذئب وسمن نغير، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والشقاء. وكان يقال أشد خلق الله تعالى عشرة الجبال، والحديد ينحت الجبال والنار تأكل الحديد والماء يطفئ النار والسحاب يحمل الماء، والريح تصرف السحاب والإنسان يتقي الريح بجناحيه، والسكر يصرع الإنسان والنوم يذهب السكر، والهم يمنع النوم فأشد خلق ربكم الهم. فأول ذلك أن يبث جواسيسه في عسكر عدوه ليستعلم أخباره مع الساعات، ويستميل قلوب رؤسائهم وقوادهم وذوي الشجاعة منهم فيدس إليهم ويعدهم وعداً جميلاً ويوجه إليهم بضروب الخدعة، ويقوي أطماعمهم في نيل ما عنده من الهبات الفخيمة والولايات السنية. وإن رأى وجهاً عاجلهم بالهدايا والتحف وسامهم إما الغدر بصاحبهم وإما الاعتزال وقت اللقاء، وينشئ على ألسنتهم كتباً مدلسة إليهم ويبثها في عسكره، ويكتب على السهام أخباراً مزورة ويرمي بها في جيوشهم، ويضرب بينهم بما في الميسور من ذلك فإن جميع ما ذكرناه تنفق فيه الأموال والخيل، واللقاء تنفق فيه الأرواح والرؤوس، ووجوه الخداع فيه

стр. 172

لا تحصى والحاضر فيه أبصر من الغائب. ولله در المهلب لما كتب إليه الحجاج يستعجله في حرب الأزارقة، رد الجواب فقال: إن من البلاء أن يكون الرأي عند ابن زياد: امض إلى عدوك برأي غير مستند وحزم غير متكل، ولا تركن إلى الدولة فربما انقلبت وانتشر من لا يطمع في عملك ولا يسر بقتلك، واستخر، الله تعالى قبل إقدامك توفق. وأوصت أم الديال العبسية ابنها القتال وهو من أشد العرب: يا بني لا تنشب في حرب إذا وثقت بشدتك حتى تعرف وجه المهرب منها، فإن النفس أقوى شيء إذا وجدت سبيل الحيلة وأضعف شيء إذا يئست منها، وأحمد الشدة ما كانت الحيلة مدبرة لها إذا لم يكن النصر من الله تعالى قائداً لها، واخلس من تحارب خلسة الذئب، وطر منها طيران الغراب فإن الحذر زمام الشجاعة والتهور عدو الشدة. وقال أبو السرايا وكان أحد الفتاك لابنه: يا بني كن بحليتك أوثق منك بشدتك، وبحذرك أوثق منك بشجاعتك فإن الحرب حرب المتهور وغنيمة الحذر. واعلم أن الدول إذا زالت صارت حيلها وبالاً عليها، وإذا أذن الله تعالى في حلول البلاء، كانت الآفة في الحيلة. وقالت الحكماء: إذا نزل القضاء كان العطب في الحيلة، وإذا نقضت مدة الدول أدبرت سنة الغفلة من سنة الحذر، ويغلب الضعيف بإقبال دولته كما يغلب القوي ببقاء عدته، وقالوا: سعود الدول ونحوسها مقرونة بسعود الملك ونحوسه. وقالوا: بناء كل امرئ دولته فإذا انقضت بدت عورته. وقال بعض الحكماء: إذا ولت دولة ولت أمة، وإذا أتت دولة نتجت أمة. وقالوا: رب حيلة أهلكت المحتال، ومن الحزم المألوف عند سواس الحروب أن تكون حماة الرجال وكماة الأبطال في القلب فإنه مهما انكسر الجناحان فالعيون ناظرة إلى القلب، فإذا كانت راياته تخفق وطبوله تضرب، كانت حصناً للجناحين يأوي إليه كل منهزم، وإذا انكسر القلب تمزق الجناحان. مثال ذلك أن الطائر إذا انكسر أحد جناحيه ترجى عودته، ولو بعد حين وإذا انكسر الرأس ذهب الجناحان، ولا تحصى كثرة انكسار جناح العسكر وثبات القلب، ثم يرجع الفارون إلى القلب ويكون الظفر لهم. وقل عسكر انكسر قلبه فأفلح اللهم إلا أن تكون مكيدة من صاحب الجيش، فيخلي القلب قصداً وتعمداً ولا يغادر به كبير أمر حتى إذا توسطه العدو واشتغل بنهبه انطبق عليه الجناحان. ومن أعظم المكائد في الحروب الكمين، ولا يحصى كثرة كم من عسكر استبيحت بيضته وقل عربه بالكمناء، وذلك أن الفارس لا يزال على حمية في الدفاع وحمي الذمار، حتى يلتفت فيرى وراءه بنداً منشوراً ويسمع صوت الطبل، فحينئذ يكون همه خلاص نفسه ولتكن همتك وراء ذلك وعليه مدار الحروب، وعليك بانتخاب الشجعان واختيار الأبطال فاصطنع ذوي البسالة والإقدام والجراءة، ولا عليك أن لا يكثروا وبعيد عليك أن يكسروا، فهم في الجيش وإن كالإنفحة في اللبن. ولا تنس بيت الشاعر: والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا بل قد جرب ذلك فوجد الواحد خيراً من عشرة آلاف. وسأحكي لك من ذلك ما ترى فيه العجب: فمن ذلك لما التقى المستعين بن هود مع الطاغية ابن روميل النصراني، على مدينة وشقة من ثغور بلاد الأندلس، وكان العسكران كالمتكافئين كل واحد منهما يراهق عشرين ألف مقاتل بين خيل ورجل، فحدثني رجل ممن حضر الوقعة

стр. 173

من الأجناد قال: لما دنا اللقاء قال الطاغية بن روميل لمن يثق بعقله وممارسته للحروب من رجاله: استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفونا ومن غاب منهم ومن حضر. فذهب ثم رجع فقال: فيهم فلان وفلان حتى عد سبعة رجال. فقال له: انظر الآن من في عسكري من الرجال المعروفين بالشجاعة ومن غاب منهم، فعدهم فوجدهم ثمانية رجال لا يزيدون. فقام الطاغية ضاحكاً مسروراً وهو يقول ما أبيضك من يوم! ثم نشبت الحرب بينهم فلم تزل المضاربة بين الفريقين لم يول أحدهم دبرة ولا تزحزح عن مقامه، حتى فنى أكثر العسكرين ولم يفر أحد منهم، قال: فلما كان وقت العصر نظروا إلينا ساعة ثم حملوا علينا حملة وداخلونا مداخلة، ففرقوا بيننا وصرنا شطرين وحالوا بيننا وبين أصحابنا وصاروا بيننا، فكان ذلك سبب وهننا وضعفنا، ولم تقم الحرب إلا ساعة ونحن في خسارة معهم، فأشار مقدم العسكر على السلطان أن ينجو بنفسه وانكسر عسكر المسلمين، وتفرق جمعهم وملك العدو مدينة وشقة. فليعتبر ذو الحزم والبصيرة من جمع يحتوي على أربعين ألف مقاتل ولا يحضره من الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر رجلاً، وليعتبر بضمان العلج الظفر واستشاره بالغنيمة لما زاد في أبطاله رجل واحد. وسمعت أستاذنا القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى يحكي قال: بينما المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع، فرأى جيوش المسلمين بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره قد ملؤا السهل والجبل، فالتفت إلى مقدم العسكر وهو رجل يعرف بابن المضجعي فقال: كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير؟ فقال ابن المضجعي: أرى جمعاً كثيراً وجيشاً واسعاً. فقال له المنصور: لا يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والبسالة. فسكت ابن المضجعي فقال المنصور: وما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ألف مقاتل؟ قال: لا! قال: فتعجب المنصور ثم انعطف عليه فقال: أفيهم خمسمائة رجل من الأبطال المعدودين؟ قال: لا! فحنق المنصور ثم انعطف عليه فقال: أفيهم مائة رجل من الأبطال؟ قال: لا! قال: أفيهم خمسون رجلاً من الأبطال؟ قال: لا! فسبه المنصور واستخف به وأمر به فأخرج على أقبح وجه. فلما توسطوا بلاد المشركين اجتمعت الروم وتصاف الجمعان. فبرز علج من الروم بين الصفين شاك في سلاحه يكر ويفر وهو ينادي: هل من مبارز؟ فبرز له رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج، ففرح المشركون وصاحوا واضطرب لها المسلمون، ثم جعل العلج يمرح بين الصفين وينادي: هل من مبارز اثنان لواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج، وجعل يكر ويحمل وينادي هل من مبارز ثلاثة لواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج. فصاح المشركون وذل المسلمون وكادت تكون كسرة. فقيل للمنصور: ما لها إلا ابن المضجعي! فبعث إليه فحضر فقال له المنصور: أما ترى ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم؟ قال: بلغني جميع ما جرى. قال: فما الحيلة فيه؟ قال: وما الذي تريد؟ قال: أن تكفي المسلمين شره. قال: نعم الآن! ثم قصد إلى رجال يعرفهم فاستقبله رجل من أهل الثغور على فرس قد نشرت أوراكها هزالاً، وهو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل في نفسه وحليته غير متصنع، فقال له ابن المضجعي: ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم؟ فقال: قد رأيته فماذا ترى فيه؟ قال له: أريد رأسه الآن! قال: نعم. فحمل القربة إلى رحله ولبس لامة حربه وبرز إليه. فتجاولا ساعة فلم ير الناس إلا والمسلم خارج إليهم يركض ولا يدرون ما هناك، فإذا الرجل يحمل رأس العلج فألقى

стр. 174

الرأس بين يدي المنصور فقال له ابن المضجعي: عن هؤلاء أخبرتك أنه ليس في عسكرك ألف ولا خمسمائة ولا مائة ولا خمسون ولا عشرون ولا عشرة! فرد ابن المضجعي إلى منزلته وأكرمه. واعلم أن أول الحرب شكوى وأوسطها نجوى وأخرها بلوى. الحرب شعثاء عابسة شوهاء كالحة، حزوز في حياض الموت شموس في الوطيس، تتغذى بالنفوس. الحرب أولها الكلام وآخرها الحمام. الحرب مرة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف ومن ضعف عنها تلف. جسم الحرب الشجاعة وقلبها التدبير، وعينها الحذر وجناحها الطاعة ولسانها المكيدة، وقائدها الرفق وسائقها النصر. وقال الرسول ﷺ : الحرب خدعة. وقالوا: الحرب غشوم؛ سميت بذلك لأنها تتخطى إلى غير الجاني كما قال الشاعر: لم أكن من جناتها علم الل هـ وإني لحربها اليوم صالي وقال آخر: رأيت الحرب يجنيها أناس ويصلي حرها قوم براء وقال آخر: الحرب أول ما تكون فتية تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اضطرمت وشب ضرامها عادت عجوزاً غير ذات خليل شمطاً تنكر لونها وتغيرت مكروهة للشم والتقبيل وقال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا آداب الحرب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال٤٦: ٤٥) . واستوصى قوم أكثم بن صيفي في حرب أرادوها فقال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح فشل ولا جماعة لمن اختلف، وتثبتوا فإن أحزم الفريقين الزكين. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترون أصحاب محمد جثياً على الركب خرساً يتلمظون تلمظ الحباب؟ ورأيت غير واحد ممن ألف في الحروب يكره رفع الصوت بالتكبير ويقول يذكر الله تعالى في نفسه. واعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى قد وضح لنا في كتابه العزيز علة النصر وعلة الهزيمة والفرار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧) يعني إن تنصروا رسوله ودينه، وأما الفرار فعلته المعاصي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ (آل عمران: ١٥٥) . أي بشؤم ذنوبهم وتركهم المركز الذي رسمه لهم رسول الله ﷺ . وذلك أنه ﷺ رتب الرماة يوم أحد على ثلمة الجبل، ليمنعوا قريشاً أن يخرجوا عليهم كمينا من ذلك الموضع، ثم التقى المسلمون بالكفار فانهزم الكفار فقال الرماة لا تفوتنا الغنائم! فأقبلوا على الغنائم وتركوا المركز الأول، فخرجت خيل المشركين من هناك وأقبلوا على المسلمين فكانت مقتلة أحمد. وليخف قائد الجيش العلامة التي هو مشهور بها، فإن عدوه قد استعلم حليته وألوان خيله ورايته، ولا يلزم خيمته ليلاً ولا نهاراً وليبدل زيه ويغير خيمته ويعمي مكانه، حتى لا يلتمس عدوه غرته، وإذا سكنت الحرب فلا يمش في النفر اليسير من قومه خارج عسكره، فإن عيون عدوه قد أدليت عليه. وعلى هذا الوجه كسر المسلمون جيوش أفريقية عند فتحها، وذلك أن الحرب سكنت في وسط النهار فخرج مقدم العدو، يمشي خارج العسكر ويتميز عساكر المسلمين، فجاء الخبر إلى عبد الله بن أبي السرح وهو نائم في قبته، فخرج فيمن وثق به من رجاله وحمل على العدو، فقتل الملك وانهزم جميع أصحابه وكان الفتح. ولما عبر

стр. 175

طارق مولى موسى بن نصير إلى بلاد الأندلس ليفتحها، وموسى إذ ذاك بإفريقية، خرجوا في الجزيرة الخضراء وتحصنوا في الجبل الذي يسمى اليوم جبل طارق، وهم في ألف وتسعمائة رجل، فطمعت الروم فيهم فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على الروم أمير استخلفه لدريق ملك الروم، وكان قد كتب إلى لدريق يعلمه أن قوماً لا ندري أمن الأرض هم أم من السماء قد وصلوا إلى بلادنا، وقد لقيتهم فانهض إلي بنفسك، فأتاه لدريق في تسعين ألف عنان، فلقيهم طارق وعلى خيله مغيث الرومي مولى الوليد بن عبد الملك، فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام فحثهم على الصبر ورغبهم في الشهادة، وبسط في آمالهم. ثم قال: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فليس إلا الصبر منكم والنصر من ربكم تعالى. وأنا فاعل شيئاً فافعلوا كفعلي، فوالله لأقصدن طاغيتهم فإما أن أقتله وإما أن أقتل دونه! فاستوثق طارق من خيله وعرف حلية لدريق وعلامته وخيمته، ثم حمل مع أصحابه عليه حملة رجل واحد فقتل الله تعالى لدريق بعد قتل ذريع، وحمى الله المسلمين فلم يقتل منهم شيء، وانهزم الروم فأقام المسلمون ثلاثة أيام يقتلون فيهم، واحتز طارق رأس لدريق وبعث بها إلى موسى، وبعث بها موسى إلى الوليد بن عبد الملك، وسار المغيث إلى قرطبة وسار طارق إلى طليطلة، ولم تكن لهم همة غير المائدة التي يذكر أهل الكتاب أنها مائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فدفع إليه ابن أخت لدريق المائدة والتاج فقومت المائدة بمائتي ألف دينار لما فيها من الجواهر التي لم ير مثلها. وبهذه الحيلة قهر البارسلان ملك الترك ملك الروم وقبضه، وقتل رجاله وأباد جمعه، وكانت الروم قد جمعت جيوشاً قل أن يجتمع لمن بعدهم مثلها، وكان مبلغ عددهم ستمائة ألف مقاتل من كتائب متواصلة وعساكر مترادفة، وكراديس يتلو بعضها بعضاً كالجبال الشامخة، يدرك بعضهم بعضاً لا يدركهم الطرف ولا يحصيهم العدد، وقد استعدوا من الكراع والسلاح والمجانيق والآلات المعدة لفتح الحصون في الحرب، وكانوا قد اقتسموا بلاد المسلمين الشام ومصر والعراق وخراسان وديار بكر، ولم يشكوا أن الدولة قد دانت لهم وأن نجوم السعد قد خدمتهم، ثم استقبلوا بلاد المسلمين فتوارت أخبارهم إلى بلاد المسلمين واضطربت لها الممالك من الإسلام، فاحتشد للقائهم البارسلان التركي وهو الذي يسمى الملك العادل، وجمع جموعه بمدينة إصبهان، واستعد بما قدر عليه ثم خرج يؤمهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين وقالوا للبارسلان: غداً يتراءى الجمعان. فبات المسلمون ليلة الجمعة والقوم في عدد لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، وما المسلمون فيهم إلا أكلة جائع. فبقي المسلمون أجمعين لما دهاهم، فلما أصبحوا صباح يوم الجمعة نظر بعضهم إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدد وقوتهم وآلاتهم. فأمر البارسلان أن يعد المسلمون فبلغوا اثني عشر ألف تركي، فإذا هم كالرقمة في ذراع الحمار، فجمع ذوي الرأي من أهل الحرب والتدبير والشفقة على المسلمين والنظر في العواقب، فاستشارهم في استخلاص صواب الرأي فتشاوروا برهة ثم أجمع رأيهم على اللقاء، فتوادع القوم وتحاللوا وناصحوا الإسلام وأهله، ثم تأهبوا أهبة اللقاء وقالوا للبارسلان: نسمي الله تعالى ونحمل على القوم. فقال البارسلان: يا معشر أهل الإسلام أمهلوا فإن هذا يوم الجمعة والمسلمون يخطبون على المنابر ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشمس وفاءت الأفياء وعلمنا أن المسلمين قد صلوا ودعوا وصلينا

стр. 176

نحن، عملنا أمرنا. فصبروا إلى أن زالت الشمس ثم صلوا ودعوا الله تعالى أن ينصر دينهم ويربط على قلوبهم بالصبر، وأن يوهن عدوهم وأن يلقي في قلوبهم الرعب. وكان البارسلان قد استوثق من خيمته ملك الروم وعلامته وفرسه وزيه ثم قال لرجاله: لا يتخلف أحد منكم حتى يفعل كفعلي، ويضرب بسيفه ويرمي بسهمه حيث أضرب بسيفي وأرمي بسهمي. ثم حمل برجاله حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم، فقتلوا من كان دونها وخلصوا إليه وقتلوا من حوله، وأسر ملك الروم وجعلوا ينادون بلسان الروم: قتل الملك! فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل فتبددوا وتمزقوا كل ممزق، وعمل السيف فيهم أياماً وأخذ المسلمون أمولهم وغنائمهم. واستحضر ملك الروم بين يدي البارسلان بحبل في عنقه فقال له البارسلان: ما كنت تصنع بي لو أخذتني؟ قال: فهل تشك أني كنت أقتلك؟ فقال له البارسلان: أنت أقل في عيني أن أقتلك! اذهبوا به وبيعوه لمن يريده، فكان يقاد بالحبل في عنقه وينادي عليه: من يشتري ملك الروم؟ وما زالوا يطوفون على الخيام ومنازل المسلمين وينادى عليه بالدراهم والفلوس، فلم يدفع أحد فيه شيئاً حتى باعوه من إنسان بكلب، فأخذ الذي كان يتولى ذلك من أمره الكلب والملك، فحملها إلى البارسلان وقال: قد طفت جميع العسكر وناديت عليه فلم يبذل أحد فيه شيئاً إلا رجل واحد دفع لي فيه كلباً! قال: قد أنصف لأن الكلب خير منه، فاقبض الكلب وادفع إليه هذا الكلب! ثم إنه أمر بعد ذلك بإطلاقه فذهب إلى قسطنطينية فعزلته الروم وكحلته بالنار. فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة والقصد والمكيدة. واعلم أن القدماء قالوا: الكثرة للرعب والقلة للنصر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (التوبة: ٢٥) . فالكثرة أبداً يصحبها الإعجاب، ومع الإعجاب الهلاك. وخير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب جيش يبلغ اثني عشر ألفاً من قلة إذا اجتمعت كلمتهم. وأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، وهو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن نقدم الرجالة بالدرق الكاملة والرماح الطوال والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفوا صفوفهم ويركزوا مراكزهم ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض، وصدورها شارعة إلى عدوهم جثياً في الأرض، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون التي تمزق سهامهم الدروع، والخيل خلف الرماة فإذا حملت الروم على المسلمين لم تتزحزح الرجالة عن هيئاتها ولا يقم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو رشقتهم الرماة بالنشاب والرجالة بالمزاريق وصدور الرماح تتلقاهم، فاخذوا يمنة ويسرة فتخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة، فتنال منهم ما شاء الله تعالى. ولقد حدثني من حضر مثل هذه الوقعة ببلدي طرطوشة قال: صاففنا الروم على هذا الترتيب فحملوا علينا، فبينا رجل منا كان في آخر الصف فقام على قدميه، فحمل عليه علج من العدو فأصاب غرته فقتله. ولما برز المقتدر بالله بن هود ملك الأندلس من سرقسطة في ثغور بلاد الأندلس للقاء الطاغية روميل، عظيم الروم، وكان كل واحد منهما قد احتشد منهما بما في ميسوره، فالتقى المسلمون والكفار ثم تنازلوا للقتال وتصاففوا، ودام القتال بينهم صدراً كثيراً وكان المسلمون في خسران، فأفزع المقتدر ذلك وفرق المسلمون من شر ذلك اليوم، فدعا المقتدر رجلاً من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف

стр. 177

منه في الحرب يسمى سعدادة فقال له المقتدر: كيف ترى هذا اليوم؟ فقال سعدادة: هذا يوم أسود، ولكن بقيت لي حيلة. فذهب سعدادة وكان زيه زي الروم وكلامه كلامهم لمجاورتهم وكثرة مخالطتهم، فانغمس في عسكر الكفار ثم قصد إلى الطاغية روميل، فألفاه شاكاً في السلاح مكفتاً في الحديد، لا يظهر منه إلا عيناه فجعل يتحيله ويرتصد غرته إلى أن أمكنته الفرصة، فحمل عليه وطعنه في عينه فخر صريعاً لليدين والفم، ثم جعل ينادي بلسان الروم: قتل السلطان يا معشر الروم! فشاع قتله في العسكر فتجادلوا وولوا منهزمين، وكان الفتح بإذن الله تعالى. ولما استضعف الروم صقلية ووضعوا عليهم الخراج، فكانوا يحملون إليهم الخراج ويحملون الأموال إلى العرب بإفريقية، ويستنجدون بهم على الروم فقال لهم ملك الروم: إنما مثلي ومثلكم يا أهل صقلية مثل رجل له زوجتان عجوز وصبية، فكان إذا بات عند الصبية تلقط الشيب من لحيته لتصبيه فيزهد في العجوز، وإذا بات عند العجوز تلقط الشعر الأسود من لحيته لتشيخه فتزهد الصبية فيه، فيوشك إن دام هذا به أن يصبح أطلس، كذلك حالكم معي ومع العرب، إذا أديتم المال لي ولهم يوشك أن تفقد أموالكم فتبقوا فقراء فأسلمكم وأسلم البلاد. ويروى أنه لما هم بحصار صقلية أمر أن يبسطوا بساطاً في الأرض، ثم جعل في وسطه ديناراً ثم قال لوجوه رجاله: من أخذ منكم هذا الدينار ولم يطأ البساط، علمنا أنه يصلح للملك، فوقفوا حوله ولم يصل أحد إليه، فلما أعياهم ذلك طوى ناحية من البساط من عنده، وأمر أن يطوي كل واحد مما يليه حتى طوى البساط، فمدوا أيديهم فلحقوا الدينار، فحينئذ قال لهم: إن أردتم مدينة صقلية خذوا ما حولها من الحصون والمدن الصغار والضياع والقرى، حتى إذا ضعفت أخذتموها. وكان بسرقسطة فارس يقال له ابن فتحون، وكان يناسبني من جهة أمي فيقع ابن خال والدتي، وكان أشجع العرب والعجم، وكان المستعين أبو المقتدر يرى له ذلك ويعظمه، وكان يجري له في كل عطية خمسمائة دينار، وكانت النصرانية بأسرها قد عرفت مكانه وهابت لقاءه. فيحكى أن الرومي إذا سقى فرسه فلم يشرب يقول له: ويلك! لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء؟ فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان وأغروا به صدر المستعين، فمنعه إياه. ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم فتواقف المسلمون والمشركون صفوفاً، ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادي: هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح الكفار سروراً وانكسرت نفوس المسلمين، ثم جعل الرومي يكر على فرسه ويقول: اثنان لواحد! فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح الكفار سروراً وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الرومي يكر ويفر بين الصفين وينادي: ثلاثة لواحد! فلم يستجرأ أحد من المسلمين أن يخرج إليه وبقي الناس في حيرة. فقيل للسلطان: ما لها إلا الوليد بن فتحون. فدعاه وتلطف به وقال له: أما ترى ما يصنع هذا العلج؟ فقال: هو بعيني! قال: فما الحيلة فيه؟ فقال أبو الوليد: فماذا تريد؟ فقال: اكف المسلمين شره! قال: الساعة يكون ذلك إن شاء الله تعالى. فلبس قميص كتان واستوى على سرجه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطاً طويل الطرف وفي طرفه عقدة معقودة، ثم برز إلى النصراني فعجب منه ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السرج، ثم ظهر على سرجه وحمل عليه وضربه بالسوط في عنقه، فالتوى على عنقه فأخذه بيده من السرج واقتلعه وجاء به يجره، فألقاه بين يدي

стр. 178

المستعين، فعلم المستعين أنه قد أخطأ في صنعه معه فأكرمه ورده إلى أحسن أحواله. أيها الأجناد أقلوا الخلاف على الأمراء فلا ظفر مع الخلاف ولا جماعة لمن اختلف عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦) فأول الظفر الاجتماع وأول الخذلان الافتراق، وعماد الجماعة السمع والطاعة، وإنما أتي علي ﵁ يوم صفين وكان قد ظهر أهل العراق على أهل الشام، وتضعضعت صفوف معاوية فأحس بالشر وأنه مغلوب، فقال لعمر بن العاص: اذهب فخذ لنا الأمان من ابن عمك! يعني علياً ﵁، فأدار عمرو الحيلة وأمرهم أن يرفعوا المصاحف في أطراف الرماح وينادون: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى. فلما رأى ذلك أصحاب علي ﵁ كفوا عن الحرب فقال لهم علي ﵁: يا قوم هذه مكيدة منهم ولم يبق في القوم دفاع! فعصوه وتركوا القتال وكان ذلك سبب الحكمين. اعلموا أن من أحزم مكائد الحرب إدكاء العيون واستطلاع الأخبار وإفشاء الغلبة، وإظهار السرور وإبانة الحذر والإحتراس من العدو، وأن لا تخرج هارباً إلى قتال ولا تضيق أماناً على مستأمن. وقال بعض المصنفين: كثرة التكبير عند اللقاء فشل. غضوا الأصوات وتجلببوا السكينة، وأقلوا اللوم واحتملوا الجبين. وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل. الليل يكفيك الجبان ويصف الشجاع، الليل المدد الأعظم. الحازم يحذر عدوه على كل حال، المواثبة إن قرب والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف والاستطراد إذا ولى، الجهل قوة الجراءة. من اغتر بقوته فقد وهن، ليس من القوة التورط في القوة. لكن أشد ما كنت أحذر ما كنت عند نفسك أكثر قوة وعدداً. من استضعف عدوه اغتر. ومن اغتر ظفر به عدوه. أشعروا قلوبكم في الحرب الجراءة فإنها سبب الظفر، واذكروا الظعائن فإنها تبعث على الإقدام، والتزموا الطاعة فإنها حصن المحارب. إذا وقع اللقاء برز القضاء، إذا لقي السيف السيف ذهب الخيار. رب مكيدة أبلغ من نجدة. رب كلمة هزمت عسكراً. الصبر سبب النصر. الظفر مع الصبر. اجعل قتال عدوك آخر حيلك. النصر مع التدبير. لا ظفر مع بغي. لا تغتر بالأقوياء لفضل قوتك على الضعفاء لا تجبنوا عند اللقاء ولا تقتلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور ولا تغلوا عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن غرض الدنيا. الباب الثاني والستون: في القضاء والقدر والتوكل والطلب اعلم وفقك الله تعالى أن مذاهب أهل الحق في القضاء والقدر وخلق الأفعال وإرادة الكاينات متيسرة لله، لا يخرج عن عمله وقضائه وقدره وحكمه حادث، فمن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، وقد تباين الخلق فيه وتشتتت مذاهبهم وتقاطعوا فيه وتدابروا، وكل حزب بما لديهم فرحون. ولم نضع هذه الترجمة لاستيفاء ما قالوا والاحتجاج لكل فريق، لأن ذلك يستدعي مجلدات وأسفار، وإنما نذكر في هذا الكتاب أحكاماً ظاهرة قريبة من العقول لتقريب الفائدة على الناظر فيه. فاعلم أولاً أن كل ما يجري في العالم من حركة وسكون وخير وشر، ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره، كذلك لا يطير طائر بجناحيه ولا يدب حيوان على بطنه ورجليه، ولا تطن بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، كما لا يجري شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به. ثم اعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان والتوكل والكسب لا يتضادان، وذلك أن تعلم أن كل ما قضى الله تعالى وقدره فهو كائن لا محالة، كما أن ما عمله الله تعالى أن يكون

стр. 179

فهو كائن، ومن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، فرب أمر قدر الله تعالى وصوله إليك بغير طلب فهو واصل، ورب أمر قدر وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إلا بالطلب، والطلب أيضاً من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين القدر في أنهما مقدوران. فمن ههنا قلنا إنهما لا يتنافيان. وكذلك التوكل مع الكسب لأن التوكل محله القلب والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين بعدما يتحقق العبد أن المقدور من الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن أتفق فبتيسيره. قال أنس ﵁: جاء رجل على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل. والتوكل والاعتصام بالقدر يستمدان من العقل، والطلب والكسب يستمدان من الأمر، فالتوكل على الله تعالى هو الثقة بما ضمنه والقطع بكون ما حكم به، فمن رام أمراً من الأمور ليس من الطريق في تحصيله أن يغلق بابه عليه، ويفوض أمره إلى ربه وينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق أن يشرع في طلبه على الوجه الذي شرعه الله تعالى فيه. وقد ظاهر النبي ﷺ بين درعين، واتخذ خندقاً حول المدينة ليستظهر به ويحترس به من العدو، وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لامة الحرب ويعبئ، الجيوش، ويأمرهم وينهاهم بما فيه مصالحهم، واسترقى وأمر بالاسترقاء وتداوى وأمر بالمداواة وقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء. فإن قيل: قد روى أن النبي ﷺ قال: من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل؟ قلنا: أليس أنه قد قال اعقلها وتوكل، وظاهر بين درعين وسائر ما ذكرناه آنفاً. فإن قيل: فما الجمع بين ذلك؟ قلنا: معناه من اكتوى أو استرقى متكلاً على الرقية والكي، وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه من التوكل، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله تعالى. فأما من باشر الأسباب والأدوية وتعاطى تدبير الأمور بنفسه وأعوانه وماله، على ما جرت به سيرة الله في أرضه وعادته في خلقه، غير معتمد على شيء من ذلك بل هو واثق القلب أن ما حصل فبتقديره وما تعسر فبتقديره، معتمداً في ذلك على المسبب لا على الأسباب، فهذا هو التوكل لكن شرطه أن يمشي في ذلك كله مع الأمر، ولا يسلك طريقاً فيه معصية فليس يستدرك ما عند الله بمعاصيه. قال علي ﵁: من ابتغى أمراً بمعصية الله تعالى كان أبعد لما رجي وأقرب لمجيء ما أتقن. ومن ظن أن الطلب والاكتساب يناقض التوكل، فقعد في بيته وأغلق بابه متكلاً على اله في زعمه، كان عن العقل خارجاً وفي تيه الجهل والجاً، ويقال له: فيجب من هذا إذا جعت وحضر الطعام لا تمد يدك إليه ولا تفتح فاك له، فإن تمادى على ذلك كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة، وينبغي لأهله أن يداووه. ألا ترى أن الله تعالى قال لمريم عليها الصلاة والسلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ (مريم: ٢٥) فهلا أمرها بالسكوت ثم حمل الرطب إلى فيها؟ وهكذا القول فيمن له دابة أو بستان يؤمر بسقي البستان وحفره وإصلاح شأنه، ويؤمر بأن يعلف الدابة ويسقيها. وأنشدوا: ألم تر أن الله قال لمريم إليك فهزي الجذع يساقط الرطب ولو شاء أحنى الجذع من غير هزها إليها ولكن كل شيء له سبب وهكذا قال رسول الله ﷺ : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو أخماصاً وتروح بطاناً فلم يحمل أرزاقها إليها في أوكارها بل ألهمها طلبه في الغدو والرواح. وقد كان جهبل بن رئيس القندهارس برئ من تصديق القدر وتكذيب الطلب، دون أهل زمانه من

стр. 180

الملوك ما حجزه عن الطلب والتدبير، فأخرجه إخوته من سلطانه وقهروه على مملكته. فقال له بعض الحكماء: إن ترك الطلب يضعف الهمة ويذل النفس، وصاحبه سائر إلى أخلاق دواب الحجرة من الحيوان كالضب وسائر الحشرات تنشأ في حجرتها وفيها يكون موتها. ثم جمعوا بين الطلب والقدر وقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر الدابة إن حمل في واحد منهما رجح على الآخر وسقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه سفره، وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته. وضربوا له مثالاً عجيباً فقالوا: إن أعمى ومقعداً كانا في قرية بفقر وضر، لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد. وكان في القرية رجل يطعمهما في كل يوم احتساباً قوتهما من الطعام والشراب، فلم يزالا في عافية إلى أن هلك المحتسب، فأقاما بعده أياماً فاشتد جوعهما وبلغ الضرر منهما جهده، فأجمعا رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره، ويستقل الأعمى بحمل المقعد ويدوران في القرية يستطعمان أهلها ففعلا فنجح أمرهما ولو لم يفعلا هلكا. وكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر، وكل واحد منهما معين لصاحبه. فأخذ جهبل في الطلب فظفر بأعدائه ورجع إلى ملكه. فكان جهبل يقول: لا تدع الطلب اتكالاً على القدر، ولا تجهدن نفسك في الطلب متكلاً عليه مستهيناً بالقدر، فإنك إذا جهدت نفسك في الطلب بوجوه التدبير المحمودة مصدقاً بالقدر، نلت ما تحاول ولم تلتو عليك الأمور. فإن علمت بذلك والتوى عليك أمر من مطلوبك فذلك من إعاقة القدر، وأنك قد أتيت ذنباً فتفقد جوارحك واستكشف ظاهرك وباطنك، وتب إلى الله تعالى من كل ذنب أتيته بجارحة من جوارحك، واخرج من كل مظلمة ظلمتها، فإذا فعلت ذلك قابلك الحظ وساعدك القدر إن شاء الله تعالى. واعلم أن على هذا الأصل الذي قررناه يخرج كل ما ورد في القرآن العزيز. وفي حديث الرسول ﷺ من الأمر بالتوكل على الله والتسليم إليه والتفويض له. ومن ذلك أن سليمان الخواص رحمة الله عليه تلى يوماً قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: ٥٨) فقال: ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. قلنا: معناه لا يلجأ إلى الأسباب اعتماداً عليها، ولكن يلجأ إليها واثقاً بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، كما أمر النبي ﷺ بعقل الناقة ولبس درعين. ألا ترى أن من يطلب الزرع والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولا بذر أرضه معتمداً في ذلك على الله تعالى واثقاً به أن تلد امرأته من غير وقاع، وتنبت أرضه الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجاً ولأمر الله تاركاً. وللأئمة والحكماء في القدر ألفاظ بارعة سليمة على السير والامتحان. منها ما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن القدر، فأعرض عن السائل فأبى إلا الجواب، فقال علي ﵁: أخبرني أخلقك الله تعالى كما يشاء أو كما تشاء؟ فأمسك الرجل فقال علي ﵁ للحاضرين أترونه يقول كما أشاء؟ إذاً والله أضرب عنقه. فقال الرجل: كما يشاء. فقال علي: يحييك على ما يشاء أو كما تشاء. قال: كما يشاء. قال: أيميتك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيحشرك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيدخلك حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال: حيث يشاء. فقال: قم فليس لك من الأمر شيء! وروى أن رجلين قدرياً ومجوسياً تناظرا فقال القدري للمجوسي: ما لك لا تسلم؟ فقال المجوسي: لو أراد الله تعالى لأسلمت. فقال القدري: قد أراد الله تعالى أن تسلم ولكن الشيطان يمنعك! فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما. وروي في الإسرائيليات أن نبياً من أنبياء الله تعالى مر بفخ منصوب، وإذا بطائر قريب منه فقال الطائر:
следующие страницы →