← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1585

سراج الملوك

أبو بكر الطرطوشي

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

غدونا من قرى اصطخر إلى قصر قفلناه فمن يسأل عن القصر فمبنياً وجدناه يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه وللشيء على الشيء علامات وأشباه وللمرء على المرء دليل حين يلقاه فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه فكم من جاهل أردى حكيماً حين واخاه قال: ووجد عليه نسراً واقعاً فدعاه، فقال له: من بنى هذا القصر؟ فقال: لا أدري. فقال: كم لك منذ وقعت عليه؟ قال: تسعمائة سنة. وفي الأمثال: يظن بالمرء ما ظن بخليله. ولما حج عبد الله بن جعفر نزل بمكة ليلاً، فلما أصبح قال: يا أهل مكة عرفنا خياركم من شراركم في ليلة واحدة. قالوا: كيف ذلك؟ قال: نزلنا ومعنا أخيار وأشرار، فنزل أخيارنا على أخياركم وأشرارنا على أشراركم فعرفناكم. واعلم أنه ليس الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب. وقال الأوزاعي: الصاحب كالرقعة في الثوب، إن لم تكن من مثله شانته. وقال مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: يا أبا بحر ما أشتاق إلى غائب إذا حضرت، ولا أنتفع بحاضر إذا غبت؛ فأخذه إبراهيم الكاتب فنظمه فقال: وأنت الهوى من بينهم وأنت الحبيب وأنت المطاع وما بك إن بعدوا وحدة وما معهم إن بعدت اجتماع وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل، والإخوان كنوز وافرة. وقال الأصمعي: تناظر رجلان وأعرابي حاضر فقال لأحدهما: مناظرة مثلك في الدين فرض والاستماع منك أدب، ومجالستك زين ومعرفتك عز، ومذاكرتك تلقيح للعقول وشحذ وإخاؤك شرف وفخر. وقال السمناني: غنى مخارق بين يدي المأمون: وإني لمشتاق إلى ظل صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه عذيري من الإنسان لا إن جفوته صفا لي ولا إن صرت طوع يديه فطرب المأمون وقال: ويحك يا مخارق خذ مني نصف الخلافة وأعطني هذا الإنسان! وقالت الحكماء: النظر في عواقب الأمور تلقيح للعقول. وقالوا: العاقل لا تنقطع صداقته والأحمق لا تدوم مودته، فاتخذ من نصحاء أصحابك مرآة لطبائعك وفعائلك كما تتخذ لوجهك المرآة المجلية، فإنك إلى إصلاح طبائعك أحوج منك إلى تحسين صورتك. وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة خلا سبعة. قال: وما السبع يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة ولحم الغنم والماء البارد والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش الوطيء والنظر إلى الحسن من كل شيء. قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت وهي أولاهن. وقال هشام بن عبد الملك: قد قضيت الوطر من كل شيء فأكلت الحلو والحامض حتى لا أجد منهما طعماً، وشممت الطيب حتى لا أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم حائطاً، فما وجدت شيئاً ألذ من جليس سقطت بيني وبينه مؤونة التحفظ. وقال عبد الملك بن مروان: قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من مجالسة الأصحاب، ومحادثة الإخوان في الليالي الزهر على

стр. 72

التلال العفر. وقال عبد الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده. ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٦) ، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر: إذا راب مني مفصل فقطعته بقيت وما بي للنهوض مفاصل ولكن أداويه فإن صح سرني وإن هو أعيى كان فيه تحامل وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك عنه؟ فقال: إني لما تقول واعٍ. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ فقال: بل سروري. قال: أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر إلى ما تحب. الباب السادس والعشرون: في بيان معرفة الخصال التي هي جمال السلطان قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . فلما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤) . فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: ٤٣) ، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل ﵈. قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الاحقاف: ٣٥) وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧) . وقال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ٢٢) . فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤١) . فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال

стр. 73

سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: ١٢٦) . وهذا نص لا يحتمل التأويل. وتحقيق القول في ذلك أن الانتصار عدل والعفو فضل، وفضل الله أحب إلينا من عدله، لأنه إن عدل علينا فأخذناه بحقه هلكنا، وإن عفا عنا برحمته تخلصنا، ولو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان، ولما علم أن في العدل استقصاء ومناقشة، وذلك مما تضيق عنده النفوس وتحرج له الصدور. نيط الإحسان بالعدل فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) . وأيضاً فإن الانتصار سيئة والعفو حسنة. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ (فصلت: ٣٤) . والدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠) . غير أنه إنما سميت سيئة لما كانت منتجة سيئة لا أنه لا يجوز الانتصار، وهو كقول عمرو بن كلثوم الثعلبي: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى الجزاء على الجهل جهلاً وإن لم يكن في الحقيقة جهلاً. وعن هذا روت عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ منتصراً من مظلمة ظلمها قط، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله تعالى فلا يقوم لغضبه شيء. وروي أنه ﷺ قال: ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فإن عفوت أيها الطالب كان أجرك على الله، وإن لم تعف كان حقك قبل من ظلمك، ولأن يكون أجرك في ضمان الله تعالى أوثق من أن يكون قبل مخلوق. وأيضاً فإنك إن لم تعف نلت حقك بلا زيادة عليه، وإن عفوت كانت حسنة أسديتها لأخيك، والله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠) . وشفع الأحنف ابن قيس إلى السلطان في محبوس فقال له: إن كان مجرماً فالعفو يسعه، وإن كان بريئاً فالعدل يسعه. وقيل لبعض الكتاب بين يدي أمير المؤمنين: بلغ أمير المؤمنين عنك أمر. فقال له: لا أبالي! فقيل له: ولم لا تبالي؟ فقال له: إن صدق الناقل وسعني عفوه، وإن كذب وسعني عدله. ولما دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل وما تحكم فينا بالعدل! فغضب عمر وهم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان عمر وقافاً عند كتاب الله تعالى. وقال النبي ﷺ : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. وقال: ارحم ترحم. وكان يقال: أولى الناس بالسلطان أحقهم بالرأفة والرحمة. وفي الإنجيل أفلح أهل الرحمة لأنهم سيرحمون. وقال سليمان بن داود ﵉: لقد أبغض الله المتسرعين إلى هرق الدماء، انتهت إليهم القسوة والغلظة والتباعد من الرحمة. ولما تمكن داود من قتل جالوت أبقى عليه وهو يومئذ عدوه وطالبه وقال: رب أعظم دمي في عين أعدائي كما عظمت في عيني دم عدوي، وكذلك خلصني من جميع الهموم. وقالت حكماء الهند: لا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع عزازة نفس وعجب. وقالت الحكماء: ليس الإفراط في شيء أجود منه في العفو، ولا هو في شيء أقبح منه في العقوبة. وكذلك التقصير مذموم في العفو محمود في العقوبة. واعلم أنك لأن تخطئ في العفو في ألف قضية خير من أن تخطئ في العدل في قضية واحدة. وقال معاوية ﵁: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا يواريها ستري. وقال المأمون:

стр. 74

ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم. وأنشدوا: وإذا بغى باغ عليك بجهله فاقتله بالمعروف لا بالمنكر وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟ وقال الشاعر: ما زلت في العفو للذنوب وإط لاقك جان يجرمه علق حتى تمنى العصاة أنهم عندك أمسوا في القيد والحلق ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة. وقال رجل لعبد الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحداً يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك. وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله تعالى لك، والله يحب العافين. وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض وعقوبة الأشرار التصريح. وقال المأمون: لما رأيت الذنوب جلت عن المجازة بالعقاب جعلت فيها العقاب عفواً أمضى من الضرب للرقاب وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيماً والبذل شرفاً. وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت. وقال بعض الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعاً، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته وصعد معاوية في علية له متطلعاً، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره رجلاً مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا من الدهاء العظيم والحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فنأتيكم فنعتذر وأتى موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول: فإن كنت ترجو في العقوبة راحة فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر! فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيته منه

стр. 75

بحسن العفو لم يوحشها الذنب وإن عظم، وإن خشيت منه العقوبة أوحشها الذنب وإن صغر، حتى يضطره ذلك إلى المعصية. ومن الحكمة البالغة في هذا قول سابور وقد جمع أولاده فقال: يا بني إذا أعجزكم أن تملؤا قلوب الرعية حياء فاملؤوها خوفاً، وليس ذلك بأن تحمل العقوبة على من لا يستحقها ولكن تعجيلها لمن يستحقها. وفي هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (الأنفال: ٥٧) . وهذا المعنى لا يختل عما أوجبناه، وهذا معنى قول سابور ولا يخالف ما قررنا من حسن العفو، بل هذا المحمول على الواجب المستحق أو على ما في تركه إغراء بركوب أمثاله، فها هنا يكون العفو مفسدة. فيا أيها المعاقب إذا أقمت على مذنب عقوبة فلا تكن كالمستشفى المتلذذ بعذابه، لأنك وإياه أخوان لأب وأم آدم وحواء، لم تفضله بحولك وقوتك بل بما فضلك الله به تطولاً عليك، فاذكر لو كنت في مقامه وكان في مقامك، ولا تأمن من تقلب الدهر فتقوم مقامه بين يدي من لا يرحم ولا ينظر في العواقب، واحذر التفريط والتقصير فأقم نفسك مذنباً أقيم للعقوبة، وليكن عقابك مقدراً كما كان عطاؤك مقدراً، وليكن عقابك للتقويم لا للانتقام وللزجر لا للهوى. وعن هذا قال بزرجمهر: لا ينبغي للملوك أن يكرموا أحداً بهوان من ليس للهوان أهلاً، وأن يهينوا أحداً بكرامة من ليس للكرامة أهلاً. لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا على البخل أسرع منك إلى البذل. قال الشاعر: صفوح عن الإجرام حتى كأنه من العفو لم يعرف من الناس مجرماً فليس يبالي أن يكون به الأذى إذا ما الأذى بالكره لم يغش مسلماً وقال سليمان بن داود ﵉: التنكيل والعقوبة أمنية الملك الشرير وعلى مثله يبعث الله ملكاً غير رحيم. وقال معاوية: لا ينبغي للملك أن يظهر منه غضب أو رضى إلا ثواب أو عقاب. وقال أزدشير: فضل الملك على السوقة إنما هو بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فكلما استكثر منها بانت فضيلته واستحقاقه لموضعه من الولاية عليهم، وكلما نقص منها قرب من السوقة. وقال المأمون: إني لأجد لعفوي لذة من لذة الانتقام. واعلم أنه إذا عاقب الملك وأهان على ظن بغير يقين، أدخل على نفسه من قبح الخطأ في الرأي أعظم مما أدخل على صاحبه من العقوبة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: الغالب بالشر مغلوب وما ظفر من ظفر إلا بالإثم. وقيل لأفلاطون: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى؟ فقال: الإحسان إلى الناس. وقال حكيم: الحلم قوام السفيه والعفو زكاة العقل. وقال حكيم: السيد الذي لا يشين حسن الظفر بقبح الانتقام، وخير مناقب الملوك العفو. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من أذل العبد بالذنب وأذل الذنب بالعفو. إلهي إن عفوت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم. إلهي إن كنت لا ترضى إلا عن أهل طاعتك، فكيف يصنع الخاطئون؟ وإن كان لا يرجوك أهل وفائك فبمن يستغيث المستغيثون؟ وقال الشاعر: وإن الله ذو حلم ولكن بعز الحلم ينتقم الحليم وروي أن الحجاج أخذ قطرى بن الفجاءة فقال: لأقتلنك! قال: ولم؟ قال: لخروج أخيك علي. قال: إن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي! قال: هاته. قال: فإن معي أوكد منه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) . فتعجب من جوابه وخلى سبيله. ولما وفد عقيل بن أبي طالب على

стр. 76

معاوية أمر له بمائة ألف درهم، فلما أراد الانصراف رأى في الطريق جارية بأربعين ألف درهم، فرجع إلى معاوية فأخبره. قال: وما تصنع بها؟ قال: تلد لي غلاماً فإن أغضبتني يضرب مفرقك بالسيف. فأمر له بها فابتاعها فولدت له مسلم بن عقيل، ثم قدم مسلم إلى الشام فابتاع منه معاوية ضيعة، فبلغ الحسين بن علي الخبر فكتب إلى معاوية: إني لا أجيز بيع مسلم! فأرسل معاوية إلى مسلم فقال: هذا كتاب الحسين يأمر برد المال. فقال مسلم: أما دون أن أضرب مفرقك بالسيف فلا! فضحك معاوية وقال: والله لقد تهددني أبوك بذلك قبل أن يشتري أمك، وسوغه المال. فقال الحسين حين بلغه ذلك: غلبنا معاوية جوداً وحلماً! الباب السابع والعشرون: في المشاورة والنصيحة وهذا الباب مما يعده الحكماء من أساس المملكة وقواعد السلطنة، ويفتقر إليه الرئيس والمرؤوس. وقد ذكرنا في باب الخصال الفرقانية ونذكر ههنا فوائدها ومحاسنها. اعلموا أن المستشير وإن كان أفضل رأياً من المشير فإنه يزداد برأيه رأياً، كما تزداد النار بالسليط ضوءاً، فلا تقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيمنعك ذلك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به، وإن أردت الذكر كان أفخر لذكرك وأحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوته. ولا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صوابه لك عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ﵇ أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها، فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه، فقال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: ١٠٢) . وهذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب. وقال عمر بن الخطاب ﵁: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تكاد تنقطع. وروي أن رومياً وفارسياً تفاخرا. فقال الفارسي: نحن لا نملك علينا من يشاور. وقال الرومي: ونحن لا نملك علينا من لا يشاور. وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أصل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم بجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب. وكان يقال: من كثرت استشارته حمدت إمارته. وفي حكم الهند قال بعض الملوك: إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزامة، وكما يزداد البحر بمواده من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجند، ولم تزل حزمة الرجال يستحلون مرائر قول النصحاء، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى. قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، يعني أخاه الأمين. فقال: كان واسع الصدر ضيق الأدب، يبيح من نفسه ما تأباه همم الأحرار ولا يصغي إلى نصيحة ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته ولا يردعه ذلك عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: يجمع الكتائب بالتبذير ويفرقها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك ما حل محله. أما والله لو ذاق لذاذة النصائح، واختار مشورات الرجال وملك نفسه عند شهوتها ما ظفر به. وقال بعضهم: إنفاذ الملك الأمور بغير روية كالعبادة بغير نية، ولم تزل العقلاء على اختلاف آرائهم يشهدون العيوب، ويستشيرون صواب الرأي من كل أحد حتى الأمة الوكعاء. هذا وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي. وكان يقال: من أعطي أربعاً لم يمنع أربعاً: من أعطي

стр. 77

الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب. وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره وتقديمه خير من تأخيره. وقال صاحب كتاب التاج: إن بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال بعضهم: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض. وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته فقصروا في الرأي، دعا الموكلين بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون: تخطئ مرازبتك وتعاقبنا؟ فيقول: نعم لم يخطئوا إلا لتعلق قلوبهم بأرزاقهم وإذا اهتموا أخطأوا. وكانوا إذا اهتموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته وقوت عياله لسنة ليتفرغ لبه. وكان يقال: النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وإذا شاورت فاصدق الخبر تصدقك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك. وقال بعض ملوك العجم: لا يمنعك شدة بأسك في باطنك، ولا علو مكانك في نفسك من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك، فإن أصبت حمدت وإن أخطأت عذرت، فإن في ذلك خصالاً منها إن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك شدة عندك، وإن خالفه عرضته على نظرك، فإن رأيته معتلياً لما رأيته قبلته، وإن رأيته متضعاً استغنيت عنه. وذلك أنه يجدد لك النصيحة ممن شاورته وإن أخطأ، وتمحض لك مودته وإن قصر، ولو لم يكن من فضيلة المشورة إلا أنك إن أصبت مستبداً سلبت فائدة الإصابة بألسنة الحسدة، وقال قائل: هذا اتفاق ولو فعل كذا لكان أحسن، وإذا شاورت فأصبت حمد الجماعة رأيك لأنهم لنفوسهم يحمدون، وإن أخطأت حمل الجماعة خطأك لأنهم عن أنفسهم يكافحون. واعلم أن القول الغليظ يستمع لفضل عاقبته كما يتكاره شرب الدواء المر لفضل مغبته. وقال أعرابي: ما عثرت قط حتى عثر قومي. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم يا بني عبس! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم. وكان ابن أبي هبيرة أمير البصرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره. وفي حكم الهند: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر. وقالت الحكماء: لا تشاور معلماً ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها ولا خائفاً ولا من يرهقه أحد السبيلين. وقالوا: لا رأي لحاقب ولا لحازق ولا لحاقن، ولا تشاور من لا توفيق عنده. الحازق: هو الذي ضغطه الخف الضيق والحاقب: هو الذي يجد في بطنه درأ. وقالوا من شكا إلى عاجز أعاره عجزه وأمده من جزعه. ومن لطيف ما جرى في الاستشارة أن زياداً بن عبيد الله الحارثي استشاره عبد الله بن عمر في أخيه أبي بكر أن يوليه القضاء، فأشار به فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد الله يستعين به على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد الله: أنشدك الله أترى لي القضاء؟ قال: اللهم لا. قال زياد: سبحان الله استشرتك فأشرت علي به ثم أسمعك تنهاه. فقال: أيها الأمير استشرتني فاجتهدت لك الرأي ونصحتك ونصحت للمسلمين، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته. وروي أن الحجاج بعث إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب له المهلب: إن من البلاء أن يكون الراعي لمن يملكه دون من يبصره.

стр. 78

فصل في النصيحة: اعلموا أن النصح لمسلمين وللخلائق أجمعين من سنن المرسلين. قال الله تعالى إخباراً عن نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (هود: ٣٤) وقال شعيب ﵇: ونصحت لكم فكيف آسي على قوم كافرين. وقال صالح ﵇: ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين. وقال النبي ﷺ : إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة! الدين النصيحة! الدين النصيحة! قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم. فالنصح في الجملة فعل الشيء الذي به الصلاح والأمانة، مأخوذ من النصاحة وهي السلوك التي يخاط بها وتصغيرها نصيحة، تقول العرب: هذا قميص منصوح أي مخيط. ونصحته نصحاً إذا خطته. ويختلف النصح في الأشياء لاختلاف الأشياء. فالنصح لله: هو وصفه بما هو أهله، وتنزيهه عما ليس بأهل له عقداً وقولاً، والقيام بتعظيمه والخضوع له ظاهراً وباطناً، والرغبة في محابه والتباعد عن مساخطه، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد العصاة إلى طاعته قولاً وفعلاً، وإرادة بث جميع ما ذكرناه في عباده، والنصيحة لكتابه: إقامته في التلاوة وتحسينه عند القراءة، وتفهم ما فيه واستعماله والذب عنه من تأويل المحرفين وطعن الطاعنين، وتعليم ما فيه للخلائق أجمعين؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (صّ: ٢٩) والنصيحة للرسول ﷺ : مؤازرته ونصرته، والحماية من دونه حياً وميتاً، وإحياء سنته بالطلب وإحياء طريقته ببث الدعوى، وتأليف الكلمة والتخلق يالأخلاق الطاهرة. والنصيحة للأئمة: معاونتهم على ما تكلفوا القيام به في تنبيههم عند الغفلة وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم عندما جهلوا وتحذيرهم ممن يريد السوء بهم، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم عند الحاجة ونصرتهم في جمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم. والنصح لجماعة المسلمين: الشفقة عليهم وتوقير كبيرهم والرحمة لصغيرهم، وتفريج كربهم ودعوتهم إلى ما يسعدهم، وتوقي ما يشغل خواطرهم ويفتح باب الوسواس عليهم. ومن النصيحة للمسلمين: رفع مؤنة نفسه وبدنه وحوائجه عنهم. قال الأصمعي: لقط عمر بن الخطاب ﵁ نواة من الطريق فأمسكها بيده حتى مر بدار قومٍ فألقاها في الدار وقال: يأكلها داجنهم. والنصح لجميع الملل أن يحب إسلامهم، ويدعوهم إلى الإيمان بالقول ويحذرهم سوء مغبة الكفر، وبالسيف إن كان ذا سلطان، أو يكفوا عن قتال المسلمين فيكونوا ذمة، وإلا فالقتل نصحاً لله لإقامة أمره فيهم. روى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: ثلاث لا يضل عليهن قلب مسلم: العمل لله ومناصحة ولاة الأمر والاعتصام بجماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم. وروى جابر بن عبد الله: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة فلقنني وبما استطعت والنصح لكل مسلم. وقال أنس: إن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وقال أبو الدرداء: العلم يعلمه البر والفاجر والحكمة ينطق بها البر والفاجر، والنصيحة لله لا تثبت إلا في قلوب المنتخبين الذين صحت عقولهم وصدقت نياتهم. واعلم أن جرعة النصيحة مرة لا يقبلها إلا أولو العزم. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز ﵁: قل لي في وجهي

стр. 79

ما أكرهه، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكرهه. وقال مالك: النصيحة لله في أرضه هي التي بعث الله بها أنبياءه، ومن أمر الإسلام القصد والنصيحة لعباد الله في أمورهم، والنفوس مستثقلة للنصح نافرة عن أهله مائلة إلى ما وافق هواها. وفي منثور الحكم: ودك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. وكان يقال: أخوك من احتمل ثقل نصيحتك. وقال بعضهم: عرضت نصيحةً مني لمزيدٍ فقال: غششتني والنصح مر! وما لي أن أكون نصحت زيداً وزيد طاهر الأثواب بر ولكن قد أتاني أن زيداً يقال عليه في نقعاء شر فقلت له: تجنب كل شيء يقال عليك إن الحر حر وقال آخر: وعلى النصوح نصيحتي وعلي عصيان النصوح وقال القطامي: ومعصية الشفيق عليك مما يزيدك مرة منه استماعا وخير الأمر ما استقلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا وقال ورقاء بن نوفل: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم: أنا النذير فلا يغرركم أحد! لا شيء مما ترى تبقى بشاشته إلا الإله ويودي المال والولد لم تغن عن هرمز يومأً خزائنه والخلد قد حاولت عاداً فما خلدوا وقال ابن وهب: إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه، ولا خير لك فيمن لا خير له في نفسه. وقالت العلماء: لن ينصحك امرؤ لا ينصح نفسه. وقال بعضهم: رأيي ورأيك في المعرفة أمثل لنفسك من رأيك لأنه خلو من هواك. وقال أبو الدرداء: إن شئتم لأنصحن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويعلمون في الأرض نصحاً. وروي أن رجلاً لطم إبراهيم بن أدهم فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تثيبني وتعاقبه فلا تثبني ولا تعاقبه. ومن الخصال التي تجري مجرى الجمال والكمال: الحلم. الباب الثامن والعشرون: في الحلم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود: ٧٥) وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: ٨٥) . قال علي بن أبي طالب ﵁: الصفح الجميل هو الرضى بلا عتاب. وقيل: الصفح الجميل هو الرضى بلا توبيخ فيه ولا حقد معه. وفي الأمثال القديمة: كاد الحليم أن يكون نبياً. وروي أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر فأنساهم! قال: لا تغضب! واعلم أن الحلم أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من راحة السر واجتلاب الحمد، وأحق الناس به السلطان لأنه منصوب لإقامة أود الخلق وممارسة أخلاقهم، فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم وإلا وقع تحت عبء ثقيل. وكان أنوشروان ذا حلم وأناة، وكان يقول: في خصلتان لولا أنهما ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعاً: الحلم والأناة. ويروى أن يحيى بن زكرياء لقي عيسى

стр. 80

بن مريم ﵉ فقال: يا روح الله أخبرني بأشد الأشياء في الدارين. قال: غضب الله تعالى. قال: يا روح الله وما ينجيني من غضب الله تعالى؟ قال: اترك الغضب. قال: يا روح الله وما بدء الغضب؟ قال: التعزز والتكبر والفخر على الناس. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: وجبت محبة الله على من أغضب فحلم. والذي يضرب بحلمه المثل في هذا الباب قصة إسحاق ﵇؛ قال له إبراهيم ﵇: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ*فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات١٠٣: ١٠٢) ، وأمر على حلقه السكين فلم يقل إلا خيراً، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠١) . وفي الأخبار يقول إبليس لعنه الله: إن الحديد من الرجال لم نيأس منه وإن كان تحيا بدعائه لأنه تأتي عليه ساعة يحتد فيها فنصيب منه ما نريد. وروي أن جعفر بن محمد دخل على الرشيد وقد استخفه الغضب فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إنما تغضب لله تعالى فلا تغضب له بأكثر من غضبه لنفسه. واعلم أرشدك الله تعالى أن هذه الكلمة لا قيمة لها، والله أعلم حيث يضع رسالته، فما أفخمها وأجل قدرها وأعظم شأنها! لأنك إذا كنت أيها السلطان إنما تتصرف في ملك الله بأمر الله، فالله تعالى قد حدد حدوداً وشرع شرائع، وأقام فروضاً وسنناً ونهى عن حدود ورسوم، ثم قدر في كل خصلة عند مخالفته حداً محدوداً، ونهى أن يتجاوز ذلك الحد، فلا تقتل من استحق القطع والحبس والأدب والحد، ولا تحبس غير من استحق الحبس. وكانت الخلفاء يؤدبون الناس على قدر منازلهم، فمن عثر من ذوي المروءات أقيلت عثرته ولم يقابل بشيء، لقوله ﵇: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. ومن سواهم كان يقابل على قدر منزلته وهفوته، فكان يقام قائماً في مجلس يقعد فيه نظراؤه فتكون هذه عقوبته، وآخر يشق جيبه وآخر تنزع عمامته من على رأسه، وآخر يكلم بالكلام الذي فيه بعض الغلظة. قال الشعبي: كانت العصاة في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃ إذ أخذ الرجل منهم نزعت عمامته، وطيف به في المسجد على قومه وقيل: هذا رجل آخر بشعيرة. فلما ولي زياد ضربهم ونزع عمائمهم، فلما ولي مصعب بن الزبير حلق مع الضرب رؤوسهم. فلما ولي بشر بن مروان أقامهم على الكراسي ثم مدت أيديهم وسمرها بمسمار، ثم نزع الكرسي من تحت أرجلهم حتى تحزم أيديهم فمن ميت ومن حي. فلما ولي الرجل المعروف بالحجاج قال: كل هؤلاء يلعب، فمن أخل بشعيرة ضربت عنقه! وقال أرسطاطاليس: النفس الذليلة لا تجد ألم الهوان، والنفس الشريفة يؤثر فيها يسير الكلام؛ وفيه قيل: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام واعلم أن من تجاوز في العقوبة فوق ما حدد الله تعالى فيها، شارك المذنب في الذنب واستوجب ما استوجبه المجرم من العقوبة، وتبين بالآخرة أنه إنما يعاقب للهوى والتشفي إذا فما غضب لله تعالى. وفي كتاب سليمان بن داود ﵉: القاهر لنفسه أشد ممن يفتح المدينة وحده، وصدق نبي الله ﵇، فإن السلطان يفتتح المدينة ويقهر أهلها، ويغلب جنودها وحماتها، ويقتل أبطالها ثم تغلبه شهوته ويبقى أسيراً في ذل هواه، قد قهرته قينة بطنبورها أو قدح خمر يلعب بعقله. وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع الحلم أعظم من جنا ثمر الندم. وقال علي بن أبي طالب ﵁. سألت كثيراً من كبراء فارس عن أحمد ملوكهم عندهم؟ قال:

стр. 81

أزدشير فضل السبق غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. فقال علي ﵁: هما توأمان أنتجتهما علو الهمة. ومن محمود السيرة أن تعرف الناس من أخلاقك أنك لا تعجل بالثواب ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي؛ قال محمود الوراق: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن عظمت منه علي الجرائم فما الناس إلا واحداً من ثلاثة: شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف فضله وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال، صنت عن إجابته نفسي، وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الحلم بالفضل حاكم وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: أسرع الناس جواباً من لم يغضب، لا توقدن بين جبينك جمرة الغضب واردد إساءته بالحلم، فإن شجرة النار إذا ألحت عليها الرياح تخللت أغصانها، فتشعل نار فتحترق من أصوله. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ثلاث من أجتمعن فيه فقد سعد: من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر عفا وكف. وسئل جعفر بن محمد ﵁ عن حد الحلم فقال: وكيف يعرف فضل شيء لم نر كماله في أحد؟ وقال الأحنف بن قيس لابنه: يا بني، إذا أردت أن تواخي رجلاً، فأغضبه، فإن أنصفك وإلا فاحذره. وكان مسلم بن نوفل سيد بني كنانة قد ضربه رجل من قومه بسيفه فأخذ فأتى به إليه فقال له: ما الذي فعلت أما خشيت انتقامي؟ قال: لا. قال: فلم؟ قال: ما سودناك إلا أن تكظم الغيظ وتعفو عن الجاني، وتحلم على الجاهل وتحتمل المكروه في النفس والمال، فخلى سبيله. فقال قائلهم: تسود أقوام وليسوا بسادة بل السيد المعروف سلم بن نوفل وقال رجل من كلب للحكم بن عوانة: إنما أنت عبد فقال: والله لأعطينك عطية ما تعطيها العبيد! فأعطاه مائة رأس من السبي. ومن أمثال العرب: احلم تسد. ويروى أن هشاماً غضب على رجل من أشراف الناس، فشتمه فوبخه الرجل وقال له: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في أرضه؟ فأطرق هشام واستحى وقال له: اقتص! فقال: أنا إذاً سفيه مثلك! قال: فخذ عن ذلك عوضاً من المال. قال: ما كنت لأفعل! قال: فهبها لله. قال: هي لله ثم لك! فنكس هشام رأسه وقال: والله لا أعود لمثلها. قال الشاعر: لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة لا صفح ذل ولكن صفح إكرام وقال آخر: وجهل رددناه بفضل حلومنا ولو أننا شئنا رددناه بالجهل رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة وعدنا على أهل السفاحة بالفضل وقال هشام لخالد بن صفوان: صف لي الأحنف بن قيس. قال: يا أمير المؤمنين، إن شئت عنه بثلاث وإن شئت أخبرتك عنه بثلاث وإن شئت باثنين وإن شئت بواحدة، فقال: أخبرني عنه بثلاث. قال: كان لا يحرص ولا يجهل ولا يدفع الحق إذا نزل به. قال: فأخبرني عنه باثنتين. قال: كان يؤثر الخير ويتوقى

стр. 82

الشر! قال: فأخبرني عنه بواحدة. قال: كان أعظم الناس سلطاناً على نفسه. وقال أكثم بن صيفي: الغلبة والعز للحلم. وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وصدق الأحنف فإن من حلم كان الناس أنصاره. كما روي أن رجلاً أسرع في شتم بعض الأدباء وهو ساكت، فحمى له بعض المارين في الطريق وقال له: يرحمك الله ألا أنتصر لك؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأني وجدت الحلم أنصر لي من الرجال، وهل حاميت لي إلا لحلمي؟ وقال رجل لعمرو بن العاص ﵁: والله لأتفرغن لك! فقال له: الآن وقعت في الشغل. وقال عبد الله بن عمر: إن رجلاً ممن كان قبلكم استضاف قوماً فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، فقالت: والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة، فعوى جراؤها في بطنها، فبلغ ذلك نبياً لهم أو قيلاً من أقيالهم، فقال: مثل هذا مثل أمة تكون بعدكم تظهر سفهاؤها على حلمائها. وقال الأحنف: إياكم ورأي الأوغاد. قالوا: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون الصفح والعفو عاراً. وسئل الأحنف عن الحلم فقال: هو الذي يصبر عليه، ولست بحليم ولكني صبور. ويروى أن المهلب نازعه رجل من كبراء بني تميم، فأربى على المهلب والمهلب ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: كنت إذا سبني استحيت من سخف السباب وتحلية اللئام والسفلة، وكان إذا سبني تهلل وجهه وشمخت نفسه بأن ظفر بفضل الفخر ونبذ المروءة، وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء! ومر المسيح ﵇ على قوم من اليهود فقالوا شراً فقال لهم خيراً، فقيل له: إنهم يقولون شراً وأنت تقول لهم خيراً! فقال: كل ينفق مما عنده. وقال أكثم بن صيفي: من حلم ساد ومن تفهم ازداد، وكفر النعمة لؤم وصحبة الجاهل شؤم، ولقاء الإخوان غنم والمباشرة يمن، ومن الفساد إضاعة الزاد. وسب رجل الشعبي بقبائح نسبها إليه، فقال الشعبي: إن كنت كاذباً فغفر الله لك، وإن كنت صادقاً فغفر الله لي! وقال رجل لأبي بكر الصديق ﵁: لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك! فقال أبو بكر: معك يدخل لا معي! وقال رجل للأحنف بن قيس: إن قلت لي كلمة لتسمعن عشرة! فقال له الأحنف: لكنك لو قلت لي عشراً لم تسمع مني واحدة. وروي أن رجلاً سب الأحنف وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال: يا هذا إن كان بقي معك شيء فقله ههنا، فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك. وسب رجل بعض الحكماء، فقال له الحكيم: لست أدخل في حرب الغالب فيه شر من المغلوب. وقال لقيط بن زرارة: فقل لبني سعد فما لي وما لكم ترقون مني ما استطعتم وأعتق أغركم أني بأحسن شيمة بصير وأني بالفواحش أخرق وإن تك قد ساببتني فقهرتني هنيئاً مريئاً أنت بالفحش أحدق! وقال رجل لأبي ذر ﵁: أنت الذي نفاك معاوية من الشام، ولو كان فيك خير ما نفاك! فقال: يا ابن أخي إن ورائي عقبة كؤوداً، إن نجوت منها لم يضرني ما قلته، وإن لم أنج منها فأنا شر مما قلت! وقال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه. وسب رجل بعض الحكماء فأعرض عنه، فقال له: إياك أعني! فقال له الحكيم: وعنك أعرض! وفي ذلك قيل: قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء

стр. 83

وقيل يوماً للأحنف بن قيس: ما أحلمك! فقال: لست بحليم ولكني أتحالم، والله إني لأسمع الكلمة فأحم لها ثلاثاً، ما يمنعني من جوابها إلا الخوف من أن أسمع ما هو شر منها! وقال الشاعر: وليس يتم الحلم للمرء راضياً إذا كان عند السخط لا يتحلم كما لا يتم الجود للمرء موسراً إذا كان عند العسر لا يتجشم ويروى أن رجلاً سب جعفر بن محمد ﵄، فقال: أما ما قلت مما هو فينا فإنا نستغفر الله منه، وما قلت مما ليس فينا فإنا نكلك فيه إلى الله تعالى. وقال بعض الحكماء: احذروا الغضب، فرب غضب استحق الغضبان به غضب الله تعالى. وقال أكثم بن صيفي: لا يكون الرجل حليماً حتى يقول السفيه أنه لضعيف مستذل، ولا يكون مخلصاً حتى يقول الأحمق أنه لمفسد. ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا أصبت حليماً أو أصابك جاهل ووصف أعرابي رجلاً فقال: أحلم من فرخ طائر. وقال أعرابي: إن الغضب عدو العقل، ولذلك يحول بين صاحبه وبين العقل. وقال صعصعة بن صوحان: الغضب مرقدة العقل، فربما أصلده وربما أربده. وقال أعرابي: إذا جاء الغضب تسلط العطب. وكان ابن عون إذا غضب على أحد قال: سبحان الله بارك الله فيك! وقال الأصمعي: دفع أزدشير إلى رجل كان يقوم على رأسه كتاباً وقال: إذا رأيتني قد اشتد غضبي فادفعه إلي. فكان فيه: اسكن فلست بإله، إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضاً، وتصير عن قريب للدود والتراب! وهذه السيرة أول من سنها ملك تبع، أمر أن يكتب في كتاب: اسكن فلست بإله! وقال لصاحبه: إذا غضبت فاعرضه علي. فكان إذا غضب عرضه عليه، فإذا قرأه سكن غضبه. وقال معاوية: أفضل ما أعطي الرجل العقل والحلم، فإذا ذكر ذكروا وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر وإذا غضب كظم، وإذا قدر عفا وإذا أساء استعفى وإذا وعد أنجز. ومن كلام الحكماء: من أطاع الغضب حرم السلامة، ومن عصى الحق غمره الذل. وقال بعض الحكماء: كظم الغيظ حلم والحلم صبر، والتشفي ضرب من الجزع. وقال آخر: أول الغضب جنون وآخره ندم. وقال بعض الحكماء: إذا غلب على الرجل أربع خصال فقد عطب: الرغبة والرهبة والشهوة والغضب. وقيل لبعض الصالحين: إن فلاناً يقع فيك بقول. فقال: لأغيظن من أمره يغفر الله لي وله! قيل له: ومن أمره؟ قال: الشيطان. وقال رجل لأخيه: إني مررت بفلان وهو يقع فيك ويذكرك بأشياء رحمتك منها. قال: فهل سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا. قال: فإياه فارحم، وقال الفضيل: ثلاثة لا يلامون على الغضب: المريض والصائم والمسافر. وقال الأحنف بن قيس: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري. إني لجالس معه في فناء بيته وهو يحدثنا إذ جاءت جماعة يحملون قتيلاً، ومعهم رجل مأسور فقيل له: هذا ابنك قتله أخوك! فوالله ما قطع حديثه ولا حل حبوته حتى فرغ من منطقته، ثم أنشد: أقول لنفسي تصبيراً وتعزية: إحدى يدي أصابتني، ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه، وذا ولدي ثم التفت إلى بعض ولده وقال: قم أطلق عمك ووار أخاك التراب، وسق إلى أمه مائة من الإبل فإنها

стр. 84

غريبة. ومن أنبل بيت قالته العرب: فصح بالخير خرس بالخنا رجح الأحلام ذيال الأزر وقال آخر: بأحلام عاد لا يخاف جليسهم إذا نطق العوراء عرب لسان إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم وإن حدثوا أدوا بحسن بيان وقال المسيح ﵇: ما حلم من لم يصبر عند الجهل، وما قوة من لم يرد الغضب، وما عبادة من لم يتواضع للرب تعالى؟ وقيل للإسكندر: إن فلانا وفلاناً ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهم! فقال: هم بعد العقوبة أعذر في ثلبي وتنقيصي. ويروى عن جرير بن عبد الله: بينما هو راكب قد أردف ابنه إذ لقيه رجل فنال منه وجرير ساكت، فلما ولي قال له ابنه: يا أبت لم سكت عنه؟ قال له: يا بني إذن أوسع جرحي. وقال بعض الحكماء: متى أشفي غيظي، أحين أقدر فيقال لو عفوت، أم حين أعجل فيقال لو صبرت؟ وسئل بعض أصحاب الأحنف: أكان الأحنف يغضب؟ قال: نعم، لو لم يغضب ما بان حلمه، كان يغضبه الشيء فيتبين في وجهه اليومين والثلاثة وهو يصبر ويحلم. ومن لم يغضب من الأشياء التي مثلها فقد فقد من الفضائل الشجاعة، والأنفة والحمية والدفاع والأخذ بالثأر والغيرة، فإن هذه الخصال نتائج الغضب، فمن فقد الغضب فقد فقد أس الفضائل على ما سنذكره في باب الشجاعة، إن شاء الله. وقيل: عند فقد الشجاعة تكون المهانة، ومن المهانة يكون سفساف الأخلاق ورذالة الطباع، فلا يبقى لسائر فضائله موقع. وكان يقال: من لم يغضب فليس بحليم، لأن الحليم يعرف عند الغضب. وقال الشعبي: الجاهل خصم والحليم حاكم. قال الشافعي ﵁: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي ولم يرض فهو جبار. وقد كان النبي ﷺ يغضب، ولكنه إنما كان يغضب لا لنفسه بل عند انتهاك حرمة ربه. واعلم أن الله تعالى ما مدح من لم يغضب، وإنما مدح من كظم الغيظ فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (آل عمران: ١٣٤) . وقد أنشد النابغة بحضرة النبي ﷺ : فلا خير في علم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فلم ينكر النبي قوله. وكان عمر ﵁ إذا سافر استتبع سفيهاً ويقول: أدفع به شر السفهاء عني! واعلموا أرشدكم الله أن أحسن خصال الملوك وأجلها قدراً، وهي حلية الأنبياء ولبسة الأصفياء والأولياء، وأعملها على الرعايا نفعاً وأخلدها على ممر الأيام ذكراً، وأجلها في المحافل والمجالس نشراً، وهي الفضيلة التي تعم سائر الفضائل وتكمل بها سائر المحاسن، وهي الحلم. وها أنا أتلو عليك من ذلك ما يقضى فيه بالعجب: هذه دولة آل العباس أولهم أبو العباس السفاح إلى يومنا هذا لم يكن يفهم أحلم من المأمون، بلغ من حلمه أنه كان يقول: لو يعلم الناس ما لي في لذة العفو ما تقربوا إلي إلا بالجرائم! فعم حلمه سائر خلفاء بني العباس حتى صار يضرب المثل بحلمه. وبهذه الخصلة تهيأ ملكه وقهر أخاه الأمين. ومنها دولة بني أمية، أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم مروان الجعدي، لم يكن فيهم أحلم من معاوية لا جرم أن دانت له الدنيا، وملك بها رقاب العرب

стр. 85

والعجم وصار حلمه يضرب به المثل، ويقتدي به الخلق ويهتدي به العقلاء، حتى حكي عنه أنه كان يقول: لو كان بيني وبين الناس خيط عنكبوت أو شعرة ما انقطعت، إذا جذبوا أرسلت وإذا أرسلوا جذبت! وهذه دولة الفرس وكانت أعظم دول الأرض وأشدها بأساً وأكثرها علوماً وحكماً، لم يكن في أكاسرها أحلم من كسرى أنوشروان، وصار يضرب بحلمه المثل وتطرز بسيرته الكتب والمصنفات. فيروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، لقي كبيراً من كبراء الفرس فقال له: ما أحمد خصال ملوككم؟ فقال: السبق لأزدشير وأحمدهم سيرة أنو شروان. فقال له علي: وما كان أغلب خصاله عليه؟ قال: الحلم والأناة. قال علي: هما توأمان نتيجتهما علو الهمة. وبلغ من حلمه أنه كان يضيق صدره بحمله فيقول: في خصلتان لولا أنهما ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعاً: الحلم والأناة. فأعظم بخصلة تعم منفعتها ويبقى على الدهر جمالها، وتخلد في العقلاء والعلماء والملوك والسوق بهجتها! وحسن مصادرها ومواردها أن يتخذها الملوك شعاراً ودثاراً، وإنما قصدت الحكماء من الملوك خاصة فأما من سواهم من الرعية فالأحنف بن قيس ونظرائه فلا يحصون عدداً وكثرة. الباب التاسع والعشرون: فيما يسكن به الغضب فأول ذلك أنك إذا نظرت إلى تغيير أشكالك وتبدل صورتك، واحمرار وجهك وانتفاخ أوداجك وذهاب حيائك، وسقط كلامك وفحش ما يخرج من فيك، لأمسكت عن الغضب. وطالما كنت تستحي أن تتكلم بين الجلساء باليسير الجائز فعدت تهدر بالكثير الفاحش، ولو أن من غضب تذكر إذ صحى وسكن غضبه انقلاب صورته وتغيير وجهه، واضطراب شفتيه وارتعاد أطرافه وسقط كلامه وفحوى خطابه، والتفاف لسانه وخفة عقله وطيشه وثوبه من مجلسه كأنه نمر، وسرعة التفاته يميناً وشمالاً كأنه قرد، وعدم فهمه لما يسمع كأنه بهيمة،، وقلة التفاته إلى من يعظه وينصحه كأنه أحمق. ومن شؤم الغضب وعظيم بليته أنه قد يقتل النفوس ويسلب الروح. وكان سبب موت الوليد بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام، فعجل عليه سليمان بأمر يلحق أمه ففتح فاه ليجيبه، وإذا بجنبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فيه ورد كلمته، وقال: يا ابن عبد الملك، أخوك وابن أمك وله السبق عليك! فقال: يا أبا حفص قتلتني! قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر! ومال لجنبه فمات. ولعمري إنه قد يزيد على الجفاء. ومنها أن ينتقل عن الحالة التي كان عليها إلى غيرها. كانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس، وإذا كان جالساً فليقم، وهذا المذهب كان يؤخذ المأمون به. ويروى أن رجلاً شكى إلى النبي ﷺ القسوة فقال: اطلع في القبور واعتبر بالنشور. وكان بعض ملوك الطوائف إذا غضب ألقى بين يديه مفاتيح ترب الملوك، فيزول غضبه. وكان عكرمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف: ٢٤) ، يعني إذا غضبت، فإنه إذا ذكر الله خاف منه فيزول غضبه. وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ولا أمحقك فيمن أمحق. ومنها أن يذكر نفرة القلوب عنه وسقوط منزلته عند أبناء جنسه، ووصفهم لقبائحه وطيشه وسخفه، فيكون ذلك سبباً لزوال غضبه. ومنها أن يتذكر انعطاف القلوب وانطلاق الألسنة بالثناء عليه وميل النفوس إليه، وإن الحلم عز وزين وأن

стр. 86

السفه ذل وشين. وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ما ازداد رجل بعفو إلا عزاً، فاعفوا يعزكم الله. وقال بعض الحكماء: من تذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده. وكتب بعض ملوك الفرس كتاباً ودفعه إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فناولنيه. وفيه مكتوب: ما لك والغضب إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء! وكان معاوية كثيراً ينشد: إنا إذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل واعتلج الناس بألبابهم نقضي بحكم عادل فاضل نخاف أن تسفه أحلامنا فيحمل الدهر على الحامل وقال بعض الحكماء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذلة العذر. وقال الشاعر: وإذا ما اعترتك في الغضب الع زة فاذكر مذلة الاعتذار وقال آخر: زررنا على غير الفواحش قمصنا ولم نستجز إلا الذي هو أجوز وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني! فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى عليه. وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى بني الأشعث: إن الله أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو. وقال المأمون لعمه إبراهيم بن المهدي، وكان مع أخيه عليه: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل لألزم حرمتك! فقال: يا أمير المؤمنين، إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فلا نظير لك! وأنشأ يقول: البر منك وطي العذر عندك لي فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك بي فاحتج عندك لي مقام شاهد عدل غير متهم وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم. ومنها أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذلة الانتقام، وشرع القصاص في بدنه بين يدي من لا يرحمه، فإن ذلك مما يزعه عن الغضب. الباب الثلاثون: في الجود والسخاء وهذه الخصلة الجليل قدرها العظيم موقعها الشريف موردها ومصدرها، وهي إحدى قواعد المملكة وأساسها وتاجها وجمالها، تعنو لها الوجوه وتذل لها الرقاب، وتخضع لها الجبابرة وتسترق بها الأحرار وتستمال بها الأعداء وتستكثر بها الأولياء، ويحسن بها الثناء ويملك بها القرباء والبعداء، ويسود بها في غير عشائرهم الغرباء. وهذه الخصلة بالعزائم والواجبات أشبه منها بالجمال والمتممات، وكم قد رأينا من كافر ترك دينه والتزم دين الإسلام ابتغاء عرض قليل من الدنيا يناله، وكم قد سمعنا من مسلم ارتد في أرض الشرك افتتاناً بيسير من عرض الدنيا! وأخلق بخصلة يترك الإنسان لها دينه الذي يبذل دونه نفسه،

стр. 87

أن تكون جليلة القدر عظيمة الخطر! وأحوج خلق الله تعالى إليها أفقرهم إلى عطف القلوب عليه وصرف الوجوه إليه الملوك والولاة. واعلموا يا معشر من وسع الله عليه دنياه وأسبغ عليه آلاءه ونعماه أنه ليس في الجنة لا، وحسبك بكلمة لا تدخل الجنة سقوطاً وضعة، وإنما أسست الجنة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ولهذا وصف بعض البخلاء رجلاً بخيلاً فقال: هو جملة من حيث جئته وجدت لا! وقالوا في نحو هذا: فلان حسبه لا. وهذه الخصلة أعني الكرم والجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد، يوصف البارئ تعالى بالجود ولا يوصف بالسخاء، كما يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل لعدم التوقيف. وحقيقة الجود أن لا يصعب عليه البذل، ويقال السخاء هو الرتبة الأولى ثم الجود ثم الإيثار. فمن أعطى البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود، ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضر فهو صاحب إيثار. قال ذو النون: بداءة السخاء أن تسخو نفسك بما في يديك، ونهايته أن تسخو نفسك بما في أيدي الناس وأن لا تبالي من أكل الدنيا. وتذاكر قوم من الزهاد عند رابعة العدوية، فجعلوا يذمون الدنيا ويكثرون من ذلك، فقالت رابعة: من أحب شيئاً أكثر من ذكره. وأصل السخاء هو السماحة وأن يؤتي ما يأتيه عن طيب نفس، وقد يكون المعطي بخيلاً إذا صعب عليه البذل، والممسك سخياً إذا كان لا يستصعب العطاء وإن منع. ولهذا قال علماؤنا إن الله تعالى لم يزل جواداً، وإن لم يقع منه عطاء في الأزل، لأن العطاء فعل والفعل في الأزل مستحيل. وقالت الحكماء: أيها الجامع لا تجزعن، فالمأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو! قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩) . قال أبو هريرة ﵁: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني جائع فأطعمني! فبعث النبي ﷺ إلى أزواجه فقلن: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء! فقال النبي ﷺ : ما عند رسول الله ما يطعمك الليلة. ثم قال: من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله تعالى. فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فحمله إلى منزله وقال لأهله: هذا ضيف النبي ﷺ فأكرميه ولا تدخري عنه شيئاً. فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية! فقال: قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ثم اسرجي واقعدي، فإذا أخذ الضيف يأكل، قومي تصلحين السراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ ، ففعلت وجعلا يمضغان ألسنتهما والضيف يظن أنهما يأكلان وباتا طاويين. فلما أصبحا ونظر النبي ﷺ إليهما تبسم ثم قال: لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة ونزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩) . وقال أنس: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية وكان مجهوداً، فوجه به إلى جار له، فوجه به الجار إلى أهل بيت آخر، فتداولته سبعة أبيات حتى عاد إلى الأول، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى فقلت له: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فإذا رجل يقول: آه! فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه! فأشار هشام أن أنطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فوجدته قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فوجدته قد مات. وروت عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : السخي قريب من الله

стр. 88

قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل. وروي أن النبي ﷺ قال: ابن آدم، إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت! واعلموا أن السخاء على وجوه: سخاء في الدين وسخاء في الدنيا، فالسخاء في الدنيا البذل والعطاء والإيثار وسماحة النفس. قال الله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩) ، وعلامته ترك الإدخار وبغض جمع المال، وتعاهد الإخوان مسروراً قلبه بذلك. والسخاء في الدين أن تسخو بنفسك، أن تتلفها لله تعالى وتريق دمك في الله، سماحة من غير كراهة لا تريد بذلك ثواباً عاجلاً ولا آجلاً، وإن كان غير مستغن عن الثواب لأن الغالب على قلبه حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله تعالى، حتى يفعل الله بك ما تحب أن تختاره لنفسك. وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: من السيد؟ قال: الجواد إذا سئل، الحليم إذا استجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره. وقال النعمان بن المنذر يوماً لجلسائه: من أفضل الناس عيشاً وأنعمهم بالاً، وأكرمهم طباعاً وأجلهم في النفوس قدراً؟ فسكت القوم، فقال فتى: أبيت اللعن! أفضل الناس من عاش الناس في فضله! قال: صدقت! وقال الحسن: باع طلحة بن عثمان أرضاً بسبعمائة ألف، فلما جاءه المال قال: إن رجلاً يبيت هذا عنده لا يدري ما يطرقه لغرير بالله، ثم جعلها صرراً وجعل رسوله يختلف إلى الناس حتى قسمها، وما أصبح عنده منها درهم. وكان أسماء بن خارجة يقول: ما أحب أن أرد أحداً عن حاجة لأنه إن كان كريماً أصون عرضه، وإن كان لئيماً أصون عنه عرضي. وكان مورق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه، فيضع عندهم ألف درهم ويقول: أمسكوها حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حل! وقال العتبي: أعطى الحكم بن عبد المطلب جميع ما يملك، فلما نفذ ما عنده ركب فرسه وأخذ رمحه يريد الغزو ومات بمنيح، فأخبرني رجل من أهل منيح قال: قدم علينا الحكم وهو مملق لا شيء معه فأغنانا. فقيل: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: ما أغنانا بمال ولكنه علمنا الكرم، فعاد بعضنا على بعض فاستغنينا! وأكرم العرب في الإسلام طلحة بن عبد الله، جاءه رجل فسأله برحم بينه وبينه فقال: هذا حائطي بمكان كذا وكذا، وقد أعطيت فيه ستمائة ألف درهم يراح إلي بالمال العشية، فإن شئت فالمال وإن شئت فالحائط. ويروى أن رجلاً بعث إلى جبلة بجارية فوافته بين أصحابه فقال: قبيح أن آخذها لنفسي وأنتم حضور، وأكره أن أخص بها واحد منكم وكلكم له حق وحرمة، وهذه لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين رجلاً، فأمر لكل واحد منهم بجارية أو وصيف! وقيل لقيس بن سعد: هل رأيت قط أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها فقالت: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم! فلما جاء الغد جاء بأخرى ونحرها وقال: شأنكم! فقلت: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم أضيافي الغاب! فأقمنا عنده أياماً والسماء تمطر وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا في بيته مائة دينار وقلنا للمرأة: اعتذري لنا منه. ومضينا، فلما متع النهار إذا رجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام! أعطيتمونا ثمن القرى؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنها وإلا طعنتكم برمحي! فأخذناها وانصرف. قال ميمون بن مهران: من طلب مراضاة الإخوان بلا شيء فليصحب أهل القبور.

стр. 89

وقال ابن عباس: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجله فقد هناه، وإذا صغره فقد عظمه، وإذا ستره فقد تممه. وقال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره لأخيه نصفين. قال المغيرة: في كل شيء سرف إلا في المعروف. وقيل للمحسن بن سهل: لا خير في السرف. فقال: لا سرف في الخير! فقلب اللفظ واستوفى المعنى. ونظمه محمد بن حازم فقال: لا الفقر عار ولا كسب الغنى شرف ولا السخا مفرطاً في طاعةٍ سرف ما لك إلا اقتناء شيء تقدمه وكل شيء إذا أخرته تلف وأما طلحة بن عبيد الله الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات، وما سمي هذا الاسم إلا أنه كان عظيم البذل في كل وجهة، وكان يبتاع الرقاب فيعتقها، وكان كل معتق يولد له ولد ذكر سماه طلحة، فبلغ عددهم ألف رجل، كل يسمي طلحة فسمي بذلك طلحة الطلحات، ثم ولي سجستان؛ وفيه يقول الشاعر: رحم الله أعظماً دفنوها بسجستان طلحة الطلحات وبلغه أن معلمه في الكتاب كان في الحجاز قد قعد به الدهر، فأرسل إليه مع غلامه مائة ألف وقال: سلمها إليه، فإن يكن مات وله ولد فادفعها إلى ولده، وإن لم يكن له ولد ففرقها على قومه. فوافاه الرسول فوجده قد مات ولم يعقب ففرقها على قومه. وقال زيد بن أسلم وكان من الخاشعين: يا ابن آدم، أمرك الله أن تكون كريماً ويدخلك الجنة، ونهاك أن تكون بخيلاً ويدخلك النار. وقال حكيم بن حازم: ما أصبحت قط صباحاً لم أر طالب حاجة إلا عددتها مصيبة أرجو ثوابها. وقال أبو علي الثقفي المعروف: كنز لا ينفد من بر ولا فاجر. وكان الزبير من أجود الناس وأشجعهم، ولما مات وجد عليه مائتا ألف دينار. ووجد مكتوباً على حجر: انتهز الفرص عند إمكانها ولا تحمل على نفسك هم ما لم يأتك، واعلم أن تقتيرك على نفسك توفير لخزانة غيرك، فكم من جامع لبعل حليلته. وقال علب بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما جمعت من المال فوق قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك. وروى مالك ي الموطأ أن مسكيناً سأل عائشة وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه. فقالت: ليس عندنا ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه! ففعلت، فلما أمست أهدى لها أهل بيت شاة وكفنها يعني ملفوفة برغفان، فقالت لها عائشة: كلي هذا خير من قرصك. وقال عبد الله بن عمر: ما كان أحدنا على عهد رسول الله ﷺ يحسب أن له في الفضل شيئاً. وقال الحسين: كنا نعد البخيل من يقرض أخاه الدرهم. ومن عجائب ما روي في الإيثار ما ذكره أبو محمد الأزدي قال: لما احترق المسجد بمصر قال المسلمون: إن النصارى أحرقوه، فأحرقوا خاناً لهم، فقبض السلطان جماعة من الذين أحرقوا الخان، وكتب رقاعاً فيها القتل وفيها القطع وفيها الجلد، ونثرها عليهم، فمن وقعت عليه رقعة فعل به ما فيها، فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل فقال: ما كنت أبالي لولا أم لي! وكان بجانبه بعض الفتيان فقال له: في رقعتي الجلد وليست لي أم فادفع لي رقعتك وخذ رقعتي! ففعلا فقتل هذا وتخلص هذا. وحكي عن أبي العباس الأنطاكي ﵁ أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية بقرب الري، ولهم أرغفة لا تسع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام إلى أن كفوا، فلما رفع إذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثاراً لصاحبه على نفسه! وروي أنه اجتمع بالرملة جماعة من أرباب القلوب فحضر طبق فيه تين أخضر وقد غسق الليل، فكان الواحد يمد يده فإن ظفر بحبة حصرم أكلها وإن ظفر بطيب دفعه إلى صاحبه ولم يأكله، فلما رفع الطبق إذا الطيب كله في الطبق لم يأكلوا

стр. 90

منه شيئاً! وقال بعض الرواة: دخلت على بشر الحافي في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب، فقلت: يا أبا نصر الناس يزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تنقص؟ فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه ولم يكن لي ما أواسيهم، فأردت أن أوافقهم بنفسي في مقاساة البرد! وقال الأستاذ أبو علي: لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة أمر بضرب أعناقهم، فأما الجنيد فإنه تستر بالفقه وكان يفتي على مذهب أبي ثور، وأما الشحام والرقام والثوري وجماعة فقبض عليهم وبسط النطع لضرب أعناقهم، فتقدم الثوري، فقال له السياف: أتدري لماذا تقدم وتساق؟ قال: نعم. قال: وماذا يعجلك؟ قال: أوثر أصحابي بحياة ساعة! فتحير السياف وأتى الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليتعرف حالهم. فألقى القاضي على أبي الحسن الثوري مسائل فقهية فأجاب على الكل، ثم أخذ يقول: إن لله عباداً إذا قاموا قاموا بالله، وإذا نطفوا نطفوا بالله. وسرد ألفاظاً حتى أبكى القاضي فأرسل إلى الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم! ولما مرض قيس بن ساعدة استبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله ما لا يمنع الإخوان من الزيارة! ثم أمر من ينادي: من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل! فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة العواد. ويروى أن عبد الله بن جعفر، وكان أحد الجواد، خرج إلى ضيعة له فنزل على نحيل قوم وفيها غلام أسود يقوم عليها، فأتى بقوته ثلاثة أقراص، ودخل كلب فدنا من الغلام فرمى له قرصاً فأكله، ثم رمى له الثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت! قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده. قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا! فقال عبد الله بن جعفر: أألام على السخاء وهذا أسخى مني. فاشترى الحائط والغلام وما فيه من آلات وعتق الغلام ووهب ذلك له. وقال الثوري: رأيت محمد بن سوقة بالغد وصاحب مائة ألف، وبالعشي سألنا له من أصحابه خبزة. وقال أبو عبد الرحمن: دخل أبو عبد الله الروذباري إلى دار بعض أصحابه فوجده غائباً، وهناك بيت مقفل، فكسر القفل وأمر بجميع ما وجده فيه، فأنفذوه إلى السوق فباعوه وأصلحوا لهم وقتاً من الثمن، فجاء صاحب البيت فلم يقل شيئاً، فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت بيتاً ورمت الكساء وقالت: يا صاحبنا هذا أيضاً من جملة المتاع بيعوه! فقال زوجها: لم تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت: اسكت! مثل الشيخ يباسطنا ويحكم علينا ونبقي شيئاً ندخره عنه؟ وأما عبد الملك بن بحر فورث خمسة آلاف درهم، فبعث بها إلى إخوانه صرراً وقال: كنت أسأل لإخواني الغنية في صلاتي وأبخل عليهم بحلالي. ويروى أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدوراً كانت لأبيه حاتم، فملأها وبعث بها إليه وقال: إنا لا نعيرها فارغة! وقال بزرجمهر: لا عز أثبت أركاناً ولا أبذخ بنياناً من بيت الكرم واكتساب الشكر. وذلك أن العز المنتظم بالفعل الجميل باقٍ في قلوب الرجال، فمن تحصن بالجود وتحرز بالمعروف فقد ظفر بما نواه وربح الشكر والثواب. ويروى أن عبد الله بن أبي بكر، وكان أحد الأجواد، عطش يوماً في طريقه فاستسقى من منزل امرأة فأخرجت إليه كوزاً وقامت خلف الباب وقالت: تنحوا عن الباب وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب مات زوجي منذ أيام.

стр. 91

فشرب عبد الله وقال: يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم. فقالت: سبحان الله تسخر بي؟ فقال: يا غلام احمل إليها عشرين ألفاً. فقالت: أسأل الله العافية! فقال: يا غلام احمل إليها ثلاثين ألفاً. فقالت: أف لك! فحمل إليها أربعين ألف درهم. فما أمست حتى كثر خطابها. وقال بعض الرواة: قصد رجل إلى صديق له فدق عليه الباب، فلما خرج قال: ما حاجتك؟ قال: أربعمائة درهم علي دين. فدخل الدار وأخرجها إليه، ثم دخل الدار باكياً، فقالت له امرأته: هلا تعللت حين شقت عليك الإجابة؟ فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي! وقال أكثم بن صيفي: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكأً. وقال الفضيل: ما كانوا يعدون القرض معروفاً. ويروى عن امرأة من المتعبدات أنها قالت لحبان بن هلال وهو في جماعة من أصحابه: ما السخاء عندكم؟ قال: البذل والإيثار. قالت: فما السخاء في الدين؟ قال: أن تعبدي الله سبحانه سخية بها نفسك غير مكرهة. قالت: أفتريدون على هذا جزاء؟ قالوا: نعم لأن الله تعالى وعد على الحسنة بعشرة أمثالها. قالت: فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فأي شيء سخيتم به؟ وإنما السخاء أن تعبدوا الله متنعمين وتلذذين بطاعته غير كارهين، لا تريدون بذلك أجراً، ألا تستحيون أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنها تريد شيئاً بشيء؟ وقالت بعض المتعبدات لبعض المتعبدين: أتظن أن السخاء في الدينار والدرهم فقط؟ إنما السخاء في بذل مهج النفوس لله تعالى. وقال أبو بكر الدقاق: ليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم، إنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد. وقال الشيخ أبو عبد الرحمن: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي من الأجواد، لم يكن يناول أحد شيئاً بيده، وإنما كان يطرحه على الأرض فيتناوله الآخذ بيده من الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطراً من أن ترى يدي من أجلها فوق يد أخرى. وقد قال النبي ﷺ اليد العليا خير من اليد السفلى. وكان يتوضأ يوماً في صحن داره فدخل عليه إنسان، فسأله شيئاً فلم يحضره شيء، فقال: اصبر حتى أفرغ. فصبر، فلما فرغ قال: خذ القمقمة واخرج. فلما خرج وعلم أنه قد بعد صاح وقال: دخل إنسان وأخذ القمقمة! فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ذلك لأنهم كانوا يلومونه على البذل، وفي معناه قال الشاعر: ملأت يدي من الدنيا مراراً فما طمع العواذل في اقتصادي ولا وجبت علي زكاة مال وهل تجب الزكاة على جواد؟ وكان أبو مزيد أحد الكرام، فمدحه أحد الشعراء فقال: ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي فادع علي عشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها، ثم احبسني فإن أهلي لا يتركوني محبوساً! ففعل ذلك فلم يمسوا حتى دفعوا له عشرة آلاف درهم. وقال زياد بن جرير: رأيت طلحة بن عبيد الله فرق مائة ألف درهم في مجلس وإنه ليخيط إزاره بيده. ولما دخل ابن المنكدر على عائشة ﵂ قال لها: يا أم المؤمنين أصابتني فاقة. فقالت: ما عندي شيء، فلو كانت عندي عشرة آلاف درهم لبعثت بها إليك. فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد بن أسيد، فأرسلت بها في أثره فاشترى جارية بألف درهم فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عباد المدينة، وهم: محمد وأبو بكر وعمر بنو المنكدر. وقال يحيى بن معين: كان جرير بن يزيد في دار المطلب فجاء إنسان يسأله، فقال للغلام: اذهب لجواري فقل لهن من أرادت منهن أن تصبغ ثيابها فلتبعث بها، فجاء الغلام بثياب كثيرة فقال للسائل: خذها! وقال الأصمعي: كانت حرب بالبادية ثم اتصلت بالبصرة

стр. 92

فتفاقم الأمر فيها حتى مشى بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع قال: فبعثت وأنا غلام إلى ضرار بن القعقاع بن حازم، فاستأذن لي، فإذا هو في شملة يخبط نوى لعنز له حلوب، فأخبرته بمجتمع القوم فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل القصعة وقال: يا جارية غدينا. فأتته بزيت وتمر. قال: فدعاني، فعذرته أن آكل معه حتى إذا قضى من أكله وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يديه، ثم صاح بالجارية فقال: اسقيني ماء. فأتت بماء فشربه ومسح بفاضله على وجهه وقال: الحمد لله! ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام متى تؤدي شكر هذه النعم؟ ثم قال: علي بردائي. فأتته برداء عدني فارتدى به على تلك الشملة، قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحاً لزيه، فدخل المسجد وصلى ركعتين ومشى إلى القوم، فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاماً له، فتحمل ما كان بين الأحياء من الديات في ماله وانصرف! وكان البهلول بن راشد الفقيه لما سجن يعطي السجان في كل يوم ديناراً، فاستكثره أصحابه وكلموه في ذلك فقال لهم حفص بن عمارة: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا كمل صدق الصادق لم يملك ما في يده. فخر بهلول على يديه فقبلهما وجعل يقول: سألتك بالله أنت سمعته يقول هذا؟ فحلف بالله! لقد سمعته يقول. وقال الشاعر: ذريني أكن للمال رباً ولا يكن لي المال رباً تحمدي غبه غدا أريني جواداً مات هزلاً لعلني أرى ما تريني أو بخيلاً مخلدا وكان عبد الله بن أبي بكر ينفق على أربعين داراً من جيرانه عن يمينه، وأربعين عن يساره وأربعين أمامه وأربعين خلفه، ويبعث لهم الأضاحي والكسوة في الأعياد ويعتق في كل عيد مائة مملوك. واشترى يوماً جارية بعشرة آلاف درهم فطلب دابة يحملها عليها، فقال رجل: هذه دابتي. فقال احملوها على دابته إلى داره. وقال عبد الله بن زهير: تخشى الردى أن يصيبني تروح وتغدو بالملامة والقسم تقول: هلكنا إن هلكت، وإنما على الله أرزاق العباد كما قسم! وإني أحب الخلد لو أستطيعه وكالخلد عندي أن أموت ولا ألم وروي أن عربياً قدم على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة، الحياء يمنعني من أن أذكرها! قال: فخطها على الأرض، فخط في الأرض: إني فقير! فقال لغلامه: يا قنبر اكسه حلتي. فكساه الحلة فقال: كسوتني حلة تبلى محاسنها فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا إن نلت حسن ثناء نلت مكرمة لا تبغين بما قد نلته بدلا لا تزهد الدهر في عرف بدأت به كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا فقال علي ﵁: زده مائة دينار! فأعطاه إياها، فلما ولى الأعرابي قال قنبر: يا أمير المؤمنين، لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها شأنهم؟ فقال: مه يا قنبر! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه. وقال مطرف بن الشخير: إذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفعها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهه ذل الحاجة! وقرئ على القاضي أبي الوليد وأنا أسمع: وآمرة بالبخل قلت لها: اقصري فليس إليه ما حييت سبيل!

стр. 93

أرى الناس خلان الكرام ولا أرى بخيلاً له في العالمين خليل! وإني رأيت البخل يزري بأهله فأكرمت نفسي أن يقال بخيل ومن خير حالات الغنى وأتمها إذا نال خيراً أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرماً ومالي كما قد تعلمين قليل وقال عروة بن ورد العبسي: وإني امرؤ عافٍ إنائي شركة وأنت امرؤ عاف إنائك واحد أتضحك مني إن سمنت وأن ترى بجسمي شحوب الحق والحق جاهدا؟ أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد! وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفوس عن الحرام، وسخاؤها بما ملكت من الخاص والعام، وجميع خصال الخير وفروعه. وروي أنه كان عند البهلول بن راشد طعام، فغلا السعر فأمر به فبيع له، ثم أمر أن يشتري له نصف ربع القفير، فقيل له: تبيع وتشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس وتحزن إذا حزنوا. ولام رجل حاتم طيء فقال: لعمري لقد ما عضني الجوع عضة فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا! فقولا لهذا اللائم الآن: اعفني فإن أنت لم تستطع فعض الأصابعا! وهل ترون الآن إلا طبيعة وكيف بتركي يا ابن آدم الطبائعا؟ وقال آخر: أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال! أحتال للمال إن أودى فأجمعه ولست للعرض إن أودى بمحتال! ويروى أن رجلاً سأل الحسن بن علي ﵁ شيئاً، فأعطاه خمسة آلاف درهم وخمسمائة دينار وقال: ائت بحمال يحمله لك! فأتى بحمال فأعطاه طيلسانة وقال: يكون كراء الحمال من قبلي! ويروى أن الليث بن سعد سألته امرأة سكرجة عسل، فأمر لها بزق عسل، فقيل له في ذلك، فقال: إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر نعمتنا. ويروى أن رجلاً استضاف بعبد الله بن عامر بن كريز، فلما أراد الرجل أن يرتحل لم تعنه غلمانه، فسأل عن ذلك فقال عبد الله: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا؛ وفي معناه قال المتنبي: إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم، فالراحلون هم! الباب الحادي والثلاثون: في بيان الشح والبخل وما يتعلق بهما الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل. وكان النبي ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووسواسها. وروى جابر أن النبي ﷺ قال: واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. وقد فرق بينهما مفرقون فقالوا: الشح أشد من البخل فإن البخل أكثر ما يكون في النفقة وإمساكها. قال الله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٠) . وقال: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (محمد: ٣٨) . وقال في الشح: أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا. وقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: ١٦) . فالشح ينبني على الكزازة والامتناع، فهو يكون في المال وفي جميع منافع البدن. وقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله وإنما الشح أن يطمع في ما ليس له. ولهذا قال ابن المبارك: سخاء

стр. 94

النفس بما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل. وقال رجل لابن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت، سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: ١٦) . وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء. فقال: ليس بالشح الذي ذكره الله تعالى ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل! ففرق بينهما كما ترى. وقال ابن عباس ﵄: يتبع هواه فلم يقبل الإيمان. وقال طاوس: الشح أن يبخل المرء بما في أيدي الناس، والبخل أن يبخل بما في يديه. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة. وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه ولم يدعه الشح أن يمنع شيئاً أمره الله به، فقد وقاه شح نفسه. وقال أبو التياح الأسدي: رأيت رجلاً في الطواف يقول: اللهم قني شح نفسي ولا يزيد على ذلك شيئاً. فسألته عن ذلك فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أقتل. وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. واعلم أن البخل يكون من سوء الظن بالله تعالى أن لا يخلف ولا يثيب، وهذا يوهن التصديق بما تكفل الله به ويطرق الخلل والامتناع إلى جميع الأوامر بين العبد وبين الخالق، وبين العبد والخلق في ترك معاونتهم والنصح لهم. وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر لأن الفقير إذا وجد اتسع والشحيح لا يتسع أبداً. ولما قدم الشافعي ﵁ من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار، فقالوا له: تشتري بها ضيعة. فضرب خيمته خارج مكة وصب الدنانير، فكل من دخل عليه كان يعطيه قبضة، فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب ولم يبق معه شيء. ولما قربت وفاته قال: مروا فلاناً يغسلني. وكان الرجل غائباً فلما قدم أخبر بذلك، فدعى بتذكرته فوجد عليه سبعين ألف درهم ديناً فقضاها وقال: هذا غسلي إياه. وروي أن رجلاً أراد أن يؤذي عبد الله بن عباس فأتى وجوه البلد وقال: يقول لكم ابن عباس تغدوا اليوم عندي. فأتوه فملئوا الدار فقال: ما هذا؟ فأخبر الخبر فأمر أن تشتري الفواكه في الوقت وأمر بالخبز والطبيخ فأصلح القرى، فلما فرغ قال لوكلائه: أموجود لنا هذا كل يوم؟ قالوا له: نعم. قال: فليتغد هؤلاء كل يوم عندنا. ومن الخصال الجارية مجرى الكمال والجمال ولعلها من الأصول الصبر، والله الموفق للصواب. الباب الثاني والثلاثون: في الصبر الصبر زمام سائر الخصال وزعيم الغنم والظفر، وملاك كل فضيلة وبه ينال كل خير ومكرمة. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف: ١٣٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠) . فمعظم وظائف الدين ذكر الله تعالى ورسوله جزاء معلوماً لمن أقامها إلا الصبر فإنه بغير حساب. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (السجدة: ٢٤) . قيل عن الدنيا. وقال ابن عيينة: لما أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤساء. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (الحجر: ٩٧) . وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) . وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ (آل عمران: ١٨٦) . ثم ندبهم إلى الصبر مع وجود الأذى فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٦) فالصبر حبس النفس عن الأوامر والمكاره وعن النواهي والمعاصي. ألا ترى أن أهل الجنة نودوا فقيل لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٤) . فأخبر الله تعالى أنه آتاهم جنته بصبرهم، يعني صبرتم على

стр. 95

طاعة الله وصبرتم عن معاصي الله. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (الكهف: ٢٨) ، أي احبس نفسك. فمن إمارات حسن التوفيق وعلامات السعادة الصبر في الملمات والرفق عند النوازل. وفيما يروى أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: يا داود من صبر علينا وصل إلينا. وقال سفيان: بلغنا أن لكل شيء ثمرة، وثمرة الصبر الظفر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠) . فعلق الفلاح على الصبر والتقوى، يعني اصبروا على ما فرض الله عليكم وصابروا عدوكم. ورابطوا فيه قولان: قيل رابطوا على الجهاد، والثاني رابطوا على انتظار الصلوات، بدليل ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط! وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: ١٢٤) ، ابتلاه بالكواكب فصبر وبالقمر فصبر، وابتلاه بذبح ابنه فصبر. وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٣) . فبدأ بالصبر قبل الصلاة ثم قال قولاً عظيماً، فجعل نفسه مع الصابرين دون المصلين. وقال النبي ﷺ للأنصار: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر. وقال ابن مسعود: قسم النبي ﷺ قسماً فقال رجلمن الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله! فأخبرت النبي ﷺ ، فشق عليه وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر. وروي أن النبي ﷺ مر على امرأة تبكي على قبر فقال لها: اتق الله واصبري. فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي. فلما انصرف قيل لها: هذا رسول الله. فجاءت إليه تعتذر أنها لم تعرفه وقالت: سأصبر. فقال النبي ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى. ويحتمل هذا الحديث وجهان: أما الطنافسي فقال معناه الصبر المحمود عند أول نزول المصيبة وقد فاتك بالجزع، وأما القابسي فقال: معناه أن الصدمة الأولى وقت أمرها النبي ﵇ بالصبر، وكان هذا تعليماً لكل من فاته الصبر بذهول أو نسيان أو غلبة. ويروى أن النبي ﷺ سئل عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة. وفي منثور الحكم: قالت الصحة أنا لاحقة بأرض المغرب. قال الجوع: وأنا معك. قال الإيمان: أنا لاحق بأرض الحجاز. قال الصبر: وأنا معك. قال الملك: أنا لاحق بأرض العراق. قالت الفتنة: وأنا معك. واعلم أن العجلة في الأمر خرق ومخرجها من قلة العقل، وأخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد القدرة عليه. ومثال ذلك كالقدر على النار إن كان ماؤها قليلاً غلت بيسير من النار، وإن كانت مملوءة لم تغل حتى تكثر نارها وتطول مدتها. وفي كتاب جاويدان جرد، وليس للعجم كتاب مثله قال: يحرم على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث هن غير الحق: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن عليه، وحماة أحبت كنة. فصل: واعلم أن الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب. فالصبر على المكتسب على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على ما نهى الله تعالى عنه. أما الصبر على ما ليس بكسب صبر العبد على مقاساة ما يتصل به من حكم الله تعالى فيما له فيه مشقة. وينقسم

стр. 96

من وجه آخر على أربعة أقسام: فأول أقسامه وأولاها الصبر على ما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه. والثاني الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو تقضت أوقاته بمصيبة. والثالث الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها. والرابع الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف. وجميع أقسامه محمودة بكل لسان وفي كل ملة، وعند كل أمة مؤمنة أو كافرة. قال أكثم بن صيفي: من صبر ظفر. وقال علي بن أبي طالب ﵁: الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. وقال أزدشير: الصبر الدرك. وقال ﵇: الصبر ضياء وبالصبر يتوقع الفرج. وقال ﵇: الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب. وقال ابن عباس: أفضل العدة الصبر على الشدة. وقال عبد الحميد الكاتب: لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب ﵁: لو كان الشكر والصبر مطيتان لما باليت أيهما ركبت. وقال بعض الحكماء: بالصبر على مواقع المكروه تدرك الحظوة. وقال ابن المقفع في كتاب التتمة: الصبر صبران فاللئام أصبر أجساماً والكرام أصبر نفوساً، وليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون قوي الجسد على الكد والعمل فإن هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوباً وللأمور محتملاً، ولجاشه عند الحفظة مرتبطاً. وفي منثور الحكم: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً، وقال بزرجمهر: لم أر ظهيراً على تنقل الدول كالصبر، ولا مذلاً للحساد كالتجمل ولا مكسباً للإجلال كتوقي المزاح، ولا مجلبة للمقت كالإعجاب ولا متلفة للمروءة كاستعمال الهزل في مواضع الجد. فأما القسم الأول وهو الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى والانتهاء عن محارمه، فيه يصح أداء الفرائض واستكمال السنن ويدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠) . ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. وقال الجنيد: المسير من الدنيا إلى الله سهل هين على المؤمن وهجر الخلق في حب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد. وسئل عن الصبر فقال: تجرع المرارة من غير تعبيس. وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (صّ: ٤٤) . يبكي ويقول: واعجباً أعطي وأثني عليه! وقال الخواص: الصبر الثابت على أحكام الكتاب والسنة. وقال عبد الواحد بن زيد: من نوى الصبر على طاعة الله تعالى صبره الله تعالى عليها وقواه، ومن عزم على الصبر عن معصية الله تعالى أعانه الله تعالى وعصمه منها. وقال عمر بن عبد العزيز للقاسم بن محمد: أوصني! وقال القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر. وقال الحسن: الصبر صبران: صبر عند المصيبة وصبر عند ما نهى الله عنه، وهو الأفضل. وإنما يختلف الصبر بالخوف والرجاء، من خاف شيئاً صبر على الفرار منه، وصبر عند كراهية ما يحذر من ضرره، ومن رجا شيئاً صبر على طلبه ليظفر به. وأما القسم الثاني وهو الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو نقضت أوقاته من مصيبة، فإنه يتعجل به الراحة مع اكتساب المثوبة، فإن صبر طائعاً استراح وأحرز الثواب، وإن لم يصبر حمل الهم والوزر. وقال علي بن أبي طالب ﵁ للأشعث بن قيس: إن تجزع فقد استحق ذلك منك بالرحم، وإن تصبر ففي ثواب الله تعالى خلف من ابنك، إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور؛ ونظمه أبو تمام فقال:

стр. 97

وقال علي في التعازي لأشعثٍ وخاف عليه بعض تلك المآثم: أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً فتؤجر أم تسلو سلو البهائم؟ خلقنا رجالاً للتجلد والأسى وتلك الأيامى للبكا والمآتم! وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل: إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجوراً، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزوراً. وقال الحسن: والله لو كلفنا الجزع ما قمنا به، فالحمد لله الذي آجرنا على ما لو نهانا عنه لصرنا إليه. وعن هذا قالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر، ففي الجزع التعب والوزر وفي الصبر الراحة والأجر. ولو صور الصبر والجزع لكان الصبر أحسن صورة وأكرم طبيعة، وكان الجزع أقبح صورة وأحرد طبيعة، ولكان الصبر أولاهما بالغلبة لحسن الخلقة وكرم الطبيعة. وقال بعض الحكماء: لو وكل الناس بالجزع للجئوا إلى الصبر. وقال شبيب بن شيبة المهدي: إن أحق ما صبرت عليه ما لم تجد سبيلاً إلى دفعه. وأنشدوا: إذا تصبك مصيبة فاصبر لها عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر وقال آخر: وعوضت أجراً من فقيدك لا يكن فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب وقال بعض الحكماء: ليس بمجموع له الرشد من تتابع التلهف على فائت أو أكثر الفرح عند مستظرف. وقال حكيم: إن كنت جازعاً على ما يفلت من يديك فاجزع على ما لا يصل إليك، ومن أيقن أن كل فائت إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول القضاء. وقال الشاعر: إذا طال بالمحزون أيام صبره كساه ضيا طول المقام على الصبر ولا شك أن الصبر يحمد غبه ولكن إنفاقي عليه من العمر وقال بعض القدماء: الصبر على أربع مراتب: الشوق والإشفاق والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن راقب الموت قصر عن الخطيئات. وأما القسم الثالث فهو الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها، فبالصبر والتلطف يدفع عادية ما يخاف وينال نفع ما يرجو. قال النبي ﷺ : انتظار الفرج بالصبر عبادة. وقال محمد بن بشر: إن الأمور إذا انسدت مسالكها فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسن وإن طالت مطالبه إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ! وقال بعض الرواة دخلت مدينة يقال لها ذمار، فبينما أنا أطوف في خرابها إذ رأيت مكتوباً على قصر خراب: يا من ألح عليه الهم والفكر وغيرت حاله الأيام والغير أما سمعت بما قد قيل في مثل عند الأياس فأين الله والقدر وقال غيره: نم للخطوب إذا أحداثها طرقت واصبر فقد فاز أقوام بما صبروا فكل ضيق سيأتي بعده سعة وكل صبر وشيك بعده ظفر

стр. 98

وتحته مكتوب بخط آخر: لو كان كل من صبر أعقب الظفر صبرنا، ولكنا نجد الصبر في العاجل يفني العمر ويدني من القبر، وما كان أصلح الذي العقل موته وهو طفل والسلام. قلت: لو رأيته لكتبت تحته: في الصبر استعجال الراحة وانتظار الفرج وحسن الظن بالله تعالى وأجر بغير حساب، وفي الجزع استعجال الهم ونهك البدن واستشعار الخيبة وسوء الظن بالله وحمل الإثم مع العقوبة، وما أحسن لذي اجتناب هذا والسلام! وقال بعض العارفين: من صبر نال المنا ومن شكر نال النعماء قال الشاعر: الصبر مفتاح كل خير وكل صعب به يهون اصبروا إن طالت الليالي فربما ساعد الحزون وربما نيل باصطبار ما قيل هيهات لا يكون! وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه صبراً إلا كان ما عوضه أفضل مما انتزعه منه. وقرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠) . ويروى أن جارية كانت لعلي بن أبي طالب ﵁ تتصرف في حوائجه فكلما خرجت تصدى لها خياط كان بقرب دار علي ﵁ ويقول لها: إني لأحبك في الله تعالى. فلما كثر منه ذلك شكته إلى علي ﵁ قال لها علي: إذا قال لك مرة أخرى فقولي له: والله إني لأحبك فيه فما الذي تريد؟ فقال لها ذلك، فقالت له: والله إني أحبك فيه. فقال لها: تصبرين وأصبر حتى يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. فرجعت الجارية وأخبرت مولاها فدعا علي ﵁ الخياط فوجد أمره مستقيماً على الصحة، فوهبها له مع نفقة يستعين بها. وقال ﵁: الصبر كفيل بالنجاح والمتوكل لا يخيب ظنه، والعاقل لا يذل بأول نكبة ولا يفرح بأول رفعة. وكان يقال: الصبر سلامة والطيش ندامة: وأما القسم الرابع وهو الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف، فيه تنفتح وجوه الآراء وتتوقى مكائد الأعداء. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف: ١٣٧) . وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (النحل: ١٢٧) . وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان ١٧) . وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: إن استطعت أن تعمل لله تعالى بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تفعل خيراً كثيراً. واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسراً. وقد قال علي ﵁: الصبر مناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان. وقال الحكيم: بمفتاح عزيمة تفتح مغاليق الأمور. وأنشدوا: إنما أجزع مما أتقي فإذا حل فما لي والجزع؟ ولما حبس أبو أيوب خمسة عشرة سنة ضاقت حيلته وقل صبره، فبعث إلى بعض إخوانه يشكو طول حبسه وقلة صبره، فرد عليه جواب رقعته: صبراً أبا أيوب صبر مبرح فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها؟ إن الذي عقد الذي انعقدت به عقد المكاره فيك يملك حلها! اصبر فإن الصبر يعقب راحة فلعلها أن تنجلي ولعلها فلما وقف أبو أيوب على ذلك كتب إليه: صبرتني ووعظتني فأنالها وستنجلي بل لا أقول لعلها

стр. 99

ويحلها من كان صاحب عقدها كرماً به إذ كان يملك حلها فما لبث بعد ذلك إلا أياماً حتى أطلق مكرماً. ولتميم بن المعز: تماسكت صبراً واحتساباً فإنني أرى الصبر سيفاً ليس فيه فلول عذابي أن أشكو إلى الناس أنني عليل ومن أشكو إليه عليل وإن الذي يشكو إلى غير راحم ويفشو بما في نفسه لمجهول وقال بعض الشعراء: دع الدهر يجري بمقداره ويقضي عجائب أوطاره ونم نومة عن ولاة الأمور وخل الزمان بتدواره فإنك ترحم من قد غبطت وتعجب من قبح آثاره وأنشد بعضهم: ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني عليل ومن أشكو إليه عليل ويمنعني الشكوى إلى الله أنه عليم بما أبديه قبل أقول ولغيره: إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامرئ حيلة فيما قضى الله اليأس يقطع أحياناً بصاحبه لا تيأسن فإن الصانع الله وصرف من هذه اللفظة صابر وصبور وصبار ومتصبر: فالمتصبر من صبر في الله على المكاره فتارة يعجزه وتارة يصبر، والصابر من لا يشكو ولا يعجز والصبار الذي لو جمع عليه جميع البلايا والمحن لم تتغير من وجهه الحقيقة وإن تغير من وجهه الرسم والبشرة والخلقة كما قال الشاعر: صابر الصبر فاستغاث به الصب ر فصاح الصبور: يا صبر صبراً! وهذا أقوى بيت قيل في الصبر وأحسنه؛ وقريب منه قول القائل: صبرت على الأيام صبراً أصارني إلى أن ينادي الصبر: لا صبر لا صبر! والصبور هو الثابت على هذه المقامات وقيل أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أني أنا الصبور. ويقال: الصبر لله فناء والصبر بالله بقاء، والصبر في الله بلاء والصبر من الله وفاء، والصبر عن الله جفاء؛ وأنشدوا في المعنى: إذا لعب الرجال بكل شيء رأيت الحب يلعب بالرجال وكيف الصبر عمن حل مني بمنزلة اليمين من الشمال وقال المحاسبي: من الصبر والتصبر حالة هي التنعم، وذلك إذا رفع الله تعالى له علماً من أعلام الآخرة يدله على منازل الصابرين عنده، فيتنعم القلب بسرور النعم وقال أبو محمد بن الحارث: الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما، والصبر هو السكون مع البلايا ومع وجدان أثقال المحنة. وأنشدوا: صبرت ولم أطلع هواك على صبري وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر مخافة أن يشكو ضميري صبابتي إلى دمعتي سراً فتجري ولا أدري وقيل للمحاسبي: بماذا يقوى الصابر على صبره؟ فقال: إذا علمت أن في صبرك رضى مولاك، أما سمعت قول الحكيم:

стр. 100

رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي من الأمر ما فيه رضى صاحب الأمر وقيل في معناه: سأصبر كي ترضى وأتلف حسرةً وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري! قال شيخنا: وثكلك لمن تحبه أعظم من ثكلك لنفسك، هذا أيوب ﵇ لما أصيب بنفسه قال مسني الضر، ويعقوب لما أصيب بحبيبه قال يا أسفي على يوسف! قال أحمد: قال لي أبو سليمان الداراني أتدري بماذا أزال العقلاء الملامة عمن أساء إليهم؟ قلت: لا. قال: لعلمهم أن الله تعالى ابتلاهم بذلك فصبروا، ويروى أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: أنزلت بلائي بعبدي فدعاني فماطلته بالإجابة، فشكاني فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك؟ وقيل في قوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ (المعارج: ٥) إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث، قال أنس: ما صبر من بث. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تستغزروا الدموع بالتذكر. قال الشاعر: ولا يبعث الأحزان مثل التذكر ومما يعين على عظم الأسى وشدة الجزع تذكر المسار المنقضية وتصور المضار الذاهبة، وكثرة الشكوى وتردد الأسف. قال الشاعر: لا تكثر الشكوى إلى الصديق وارجع إلى الخالق لا المخلوق لا تخرج الغريق بالغريق وفي منثور الحكم: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين. واعلم أنه قل من صبر على شدة إلا نال ما يرجوه من فرج، وينبغي لمن نزلت به مصيبة أو كان في شدة أن يبتغي تسهيلها على نفسه، ولا يغفل عن تذكر ما يتيقنه من وجوب الفناء وتقضي المسار، وأن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا ثقة له، ومن صح فيها سقم ومن سقم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن، حلالها حساب وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، لا خير يدوم ولا سرور يبقى، ولا فيها لمخلوق بقاء، فإذا تصور حقيقتها فحينئذ يرى الحوادث سهلة والمصائب هينة. قال الشاعر: يمثل ذو اللب في نفسه يمثل ذو اللب في نفسه فإن نزلت بغتة لم ترع هـ لما كان في نفسه مشغلا رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا وقال بعض الحكماء من حاذر لم يخدع ومن راقب لم يهلع، ومن كان متوقعاً لم يلق متوجعاً ومن لم يشعر نفسه ما ذكرنا من أحوال الدنيا، وتقضي المسار ثم الثواء في اللحود بين أطباق الثرى والجنادل، قد فارقه الأحباء وأسلمه الأولياء، وهجر القرباء والبعداء ألفته الحوادث واثقاً فسلبته الصبر وضاعفت عليه الأسى. وقال ابن الرومي: إن البلاء يطاق غير مضاعف فإذا تضاعف فهو غير مطاق وقال آخر: تعودت مس الضر حتى ألفته وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر ووسع صدري للأذى كثرة الأذى وإن كنت أحياناً يضيق به صدري وحسن لي يأسي من الناس كلهم لعلمي بصنع الله من حيث لا أدري ولبعض الأعراب: تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً لنائبة أو كان يغني التذلل

стр. 101

لكان التعزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أولى وأجمل فكيف وكل ليس يعدو حمامه وما لامرئ عما قضى الله مرحل؟ فإن تكن الأيام فينا تبدلت ببؤس ونعمى والحوادث تفعل فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للذي ليس يجمل ولكن رحلناها نفوساً كريمة تحل ما لا يستطاع فتحمل وقينا بحمد الله منا نفوسنا فصحت لنا الأغراض والناس هزل الباب الثالث والثلاثون: في كتمان السر قال الله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇ ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ (يوسف: ٥) فلما أفشى يوسف ﵇ رؤياه بمشهد امرأة يعقوب، أخبرت إخوته فحل به ما حل. وفي الحديث: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. واعلم أن كتمان السر من الخصال المحمودة في جميع الخلق ومن اللوازم في حق الملوك، ومن الفرائض الواجبة على الوزراء وجلساء الملوك والأتباع. قال علي ﵁: سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره. واعلم أن أمناء الأسرار أشد تعذراً وأقل جودا من أمناء الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتم الأسرار، فإن أحراز الأموال منيعة بالأبواب والأقفال، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام سابق، وعبء الأسرار أثقل من عبء الأموال، وإن الرجل ليستقل بالحمل الثقيل يحمله ويمشي به ويثقله، ولا يستطيع كتم السر. وإن الرجل يكون سره في قلبه فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه بحمل الأثقال، فإذا أذاعه استراح قلبه وسكن جأشه، وكأنما ألقى عن نفسه جبلا. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية والشفاه أقفالها والألسن مفاتحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره. ومن أعجب الأمور أن الأموال كلما كثرت خزانها كانت أوثق لها إلا السر فإنه كلما كثرت خزانه كان أضيع له، وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه، ولو كتمه أمن من سطوته، وقال أنوشروان، من حصن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته والسلامة من السطوات. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك، فلا تجره في غير أوداجك، فإذا تكلمت به فقد أرقته. وكان لعثمان بن عفان ﵁ كاتب اسمه حمران، وهو مولاه، فاشتكى عثمان فقال: اكتب العهد بعدي لعبد الرحمن بن عوف. فقال حمران لعبد الرحمن البشرى! فقال عبد الرحمن: لك البشرى بماذا؟ فأخبره الخبر فانطلق عبد الرحمن فأخبر عثمان الخبر. فقال عثمان: أعاهد الله أن لا يساكنني حمران أبدا! ونفاه إلى البصرة فلم يزل بها حتى قتل عثمان ابن عفان. واعلم أن كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال، وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها فلا خير في إنسان لا يملك سره. ويروى أن رجلاً أودع سره عند رجل فقال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت. فقال: أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل لبعضهم: كيف كتمك للسر؟ فقال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر. قال الشاعر: ولو قدرت على كتمان ما استملت مني الضلوع على الأسرار والخبر لكنت أول من ينسى سرائره إذ كنت من نشرها يوماً على خطر قال شيخنا: ومن أحسن شيء سمعته في كتمان السر ما أنشده بعض فقهاء البصريين بالبصرة فقال:

стр. 102

ولها سرائر في الضمير طويتها نسي الضمير بأنها في طيه وفي معناه: ومستودعي سراً كتمت مكانه عن الحس خوفاً أن ينم به الحس وخفت عليه من هوى النفس شهرة فأودعته من حيث لا تبلغ النفس وقال العتبي: أسر معاوية إلى عثمان بن عنبسة حديثاً، قال فقلت لأبي: إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً أفما حدثك به؟ قال: لا. من كتم حديثه كان الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكاً بعد أن كنت مالكاً! قلت: يا أبت أفيدخل هذا بين الرجل وابنه؟ قال: لا يا بني ولكن أكره أن تعود لسانك إفشاء السر. قال: فحدثت به معاوية قال: أعتقك أخي من ورق الخطا. وقيل لبعض الملوك: ما أصعب الأشياء على الإنسان؟ قال: أن يعرف نفسه ويكتم سره. وقال قيس بن الحطيم: أجود بمكنون التلاد وإنني بسرك عمن سالني لضنين إذا جاوز الاثنين سر فإنه يبث وتكثير الوشاة ممين وإن ضيع الأقوام سراً فإنني كتوم لأسرار العشير أمين يكون له عندي إذا ما ضننته مكان سويداء الفؤاد مكين قال شيخنا: قلت الناس يقولون أراد بالاثنين المودع والمودع، ولا يبعد أن يريد به الشفتين. وكان يقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سره فلم يبده لصديقه فيوشك أن يصير عدوا. وقد روى في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة. قلت: وإذا كانت أمانة حرمت فيها الخيانة كالأمانة في الأموال. وقال أبو بكر ابن حزم: إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره، وقال هشام بن عروة: ما من رجل ينتقص من أمانته إلا نقص إيمانه وقال جعفر بن عثمان: يا ذا الذي أودعني سره لا ترج أن تسمعه مني لم أجره قط على فكرتي كأنه لم يجر في أذني وكان عمرو بن العاص يقول: ما أفشيت من سري إلى رجل فأفشاه علي فلمته إذ كان صدري به أضيق. وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به غيره ثم يقول اكتمه علي! ومن أمثال الفرس: إذا أفشيت إلي سرك وأوصيتني أن لا أبوح بالسر فهلا أوصيت بهذا نفسك؟ وفي منثور الحكم: انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزل ولا جاهلاً فيخون. وأنشدوا: إذا المرء أفشى سره بلسانه ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق وفي منثور الحكم: من أفشى سره كثر عليه المتآمرون. قال الشاعر: وسرك ما كان عند امرئ وسر الثلاثة غير الخفي وقال آخر: ولا تنطق بسرك كل سر إذا ما جاوز الاثنين فاشي وقال غيره: تبوح بسرك ضيقاً به وتبغي لسرك من يكتم وكتمان سرك فيما تخاف وفيما تحاذره أخرم إذا ذاع سرك من مخبر فأنت إذا لمته ألوم وقال آخر: إذا ما ضاق صدرك عن حديث وأفشته الرجال فمن تلوم؟ وإن عاتبت من أفشى حديثي وسري عنده فأنا الملومنن

стр. 103

وقال حكيم: ما كتمته عن عدوك فلا تطلعن عليه صديقك، فإن لم يكن لك يد من إذاعته لقرينة تقتضيه من صديق مساهم أو استشارة ناصح مسلم، فمن صفات أمين الأسرار أن يكون ذا عقل ودين ونصح مروءة، فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة، ومن كملت فيه فهو عنقاء مغرب، ولا تودع سرك عند من يستدعيه فإن طالب الوديعة خائن. قال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك لطالبه منك فالطالب للسر مذيع. وفي الجملة: إذا زال سرك عن عذبة لسانك فالإذاعة مستولية عليه إذا أودعته قلب ناصح محب، فاحتمال مرارة الكتمان على قلبك أسهل عليك من التململ بتمليك سرك لغيرك. واعلم أن إشاء سر غيرك أقبح من إظهار سر نفسك لأنه يبوح بإحدى وصمتين: إما الخيانة إن كان مؤتمناً أو النميمة إن كان مستخبراً. وقال بعض الحكماء لابنه يا بني كن جواداً بالمال في مواضع الحق، ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر والبخل بمكتوم السر. وكان يقال: صدور الأحرار قبور الأسرار. وقال الشاعر: ألم تر أن وشاة الرجا ل لا يتركون أديماً صحيحا فلا تفش سرك إلا إليك فإن لكل نصيح نصيحا وقال غيره: ما كل مكتوم يباح به احذر لسانك من جوالبه فمرارة الكتمان أعذب من بث تحاذر من عواقبه ليس الهوى ما كنت تعرفه أيام تلعب في جوانبه هذا هوى لو فضحت به ضحك الحسام إلى مضاربه الباب الرابع والثلاثون: في بيان الخصلة التي يصلح عليها الأمير والمأمور وهي رهين من سائر الخصال وزعيم بالمزيد من الآلاء والنعماء من ذي الجلال والإكرام وهي الشكر قال الله تعالى حكاية سليمان بن داود ﵉، وقد آتاه الله تعالى ملك الدنيا والجن والإنس والطير والوحش و ﴿الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (صّ: ٣٦) فلما استمكن ملكه قال ﷺ : ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: ٤٠) فما عدها نعمة كما عدها ملوك الأرض، ولا حسبها كرامة من الله تعالى عليه كما ظنها ملوك الأرض، بل خاف أن تكون استدراجاً من حيث لا يعلم كما قال الله تعالى في أمة أراد هلاكهم ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف١٨٣: ١٨٢) جاء في التفسير: أصب عليهم النعم وأنسيهم الاستغفار، وإنما الفرح بما أوتي من الدنيا والغبطة بزهوتها والاغترار بزبرجها من شعار الكفار، ألا ترى إلى قول قارون اللعين: إنما أوتيته على علم عندي فكان جزاؤه ما قال الله تعالى ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (القصص: ٨١) ولما خاف سليمان ﵇ أن يكون استدراجاً كان جوابه ما قال الله تعالى ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩) واعلم أرشدك الله أن الشكر ليس هو حافظ النعم فقط، بل هو مع حفظه لها زعيم بزيادة النعم وأمان من حلول النقم. والشكر على ثلاث مراتب: شكر بالقلب وشكر باللسان وشكر بالجوارح. فأما الشكر الواجب على جميع الخلق فشكر القلب، وهو أن تعلم أن النعمة من الله تعالى وحده، وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا بداءتها من الله تعالى، حتى يكون الشكر لله تعالى عن نفسك وعن غيرك، بمعرفة إنعام الله تعالى عليك وعلى غيرك. وهذا النوع هو الذي يقال فيه: يجب على العبد أن يشكر الله تعالى على نعم أسديت إلى غيره.

стр. 104

والدليل على أن الشكر محله القلب وهو المعرفة قوله تعالى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (النحل: ٥٣) أي أيقنوا أنها من الله تعالى. وإلى هذه الكلمة انتهى جميع ما قاله الخلق في الشكر، والدليل عليه أيضاً قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: ١٢٣) أي فاتقوني فإنه شكر لنعمتي وخلق الله الحياة نعمة على العبد فقال تعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٦) والعبارة عنه أن يقال الشكر اعتراف القلب بإنعام الله تعالى على وجه الخضوع. ويقال فيه: الشكر اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة. وقال أبو عثمان: الشكر معرفة العجز عن الشكر. وروي أن داود ﵇ قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك؟ فأوحى الله تعالى إليه: الآن قد شكرتني. وقال وهب بن منبه: قال داود ﵇: إلهي ابن آدم ليس فيه شعرة إلا تحتها منك نعمة وفوقها منك نعمة فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود إنني أعطي الكثير وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني وفي هذا يقال: الشكر على الشكر أتم الشكر؛ وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه ويكون ذلك التوفيق من أجل النعمة فتشكره على الشكر، ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى، وهذا الشكر أيضاً واجب. ونظم محمود الوراق كلاما في المعنى فقال: إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر إذا مس بالسراء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر فما منهما إلا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والسر والجهر ومن أقر بنعمة الله وإحسانه فقد أقر بقدر ما كلف، لأن أحداً لا يمكنه أن يوازي شكر نعمة الله تعالى. وفي مناجاة موسى ﵇: إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت فكيف يشكرك؟ قال: أن يعلم أن ذلك مني، فكأن معرفته بذلك شكره لي. فصل: وأما شكر اللسان فقال تعالى فيه ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: ١١) قيل: يعني النبوة. وقيل: يعني القرآن، وحكم الآية عام في جميع النعم روى النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى، والتحدث بالنعم شكر. وقال الله تعالى حكاية عن أهل الجنة أنهم قالوا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (الزمر: ٧٤) وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر. وكتب عدي بن أرطاه إلى عمر بن عبد العزيز، لما حفر نهر البصرة الذي يقال له نهر عمراني: حفرت لأهل البصرة نهرا عذب لهم مشربه وجادت عليه أموالهم ولم أر لهم على ذلك شكر، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقت عليه. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز إني لا أحسب أهل البصرة خلوا من رجل قال الحمد لله حيث حفرت هذا النهر وأن الله قد رضيها شكراً من جنته، فارض بها شكرا من نهرك والسلام. وحقيقة الشكر في هذا القسم الثناء على المحسن بذكر إحسانه. وعلى هذا القول يوصف الرب تعالى بأنه شكور حقيقة، فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه، وشكر الله للعبد ثناؤه عليه بإحسانه، وإحسان الرب للعبد إنعامه عليه. وهذه اللفظة مأخوذة من قولهم دابة شكور إذا ظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف. ويقال: وجه شكور إذا كان ممتلئ المحاسن ظاهرها. وفي الحديث: يقول الله تعالى: أنا والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد

стр. 105

غيري وأرزق ويشكر غيري. وقال بعضهم: إنما أوتي الناس لأنهم في موضع صبرهم يحسبون أنهم في موضع شكر. فصل: وأما الشكر الذي على الجوارح فقال الله تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣) فجعل العمل شكراً. وقال عطاء: دخلت على عائشة ﵂ مع عبيد بن عمير فقال لها عبيد: يا أم المؤمنين حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ . فبكت وقالت: وأي شيء لم يكن عجبا؟ إنه أتاني في ليلة فدخل معي فراشي حتى مس جلده جلدي ثم قال: يا ابنة أبي بكر ذريني أتعبد لربي، فقلت: إني أحب قربك. فأذنت له فقام إلى قربة ماء فتوضأ وأكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذنه بالصلاة فقلت له: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكورا فلملا أفعل وقد نزل علي: إن في خلق السموات والأرض. فجعل النبي ﷺ الشكر بالعمل وبين فيه مراد الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ (الفرقان: ٦٢) أي كل واحد منهما يخلف الآخر، فمن فاته العمل في أحدهما عمله في الآخر فجعل الأوراد والأعمال بالجوارح شكرا. وروي أن النبي ﷺ قام حتى انتفخت قدماه فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكورا؟ وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم فقلت له: رحمك الله ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيراً أذعته، وإذا رأيت بهما شراً سترته. قلت له: ما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته. قلت: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك ولا تمنع حق الله فيهما. قلت: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما. قلت: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون٦: ٥) فإن أنت فعلت فأنت الشاكر حقا. وفي حكمة إدريس ﵇: لن يستطيع أحد أن يشكر الله تعالى على نعمة بمثل الإنعام على خلقه، ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع به الخالق تعالى. وإذا ثبت أن فعل الطاعات شكر فإن فيهما ما هو أشد ملازمة من غيره. فالطاعة في مواساة الفقراء أشكل بالشكر على الغنى من غيرها لأنها من جنس النعمة، فإذا أردت أن تحرس دوام نعم الله تعالى عليك فأدم مواساة الفقراء. والطاعة في رفع ذوي الضعة والخمول والمسكنة بغير معصية أشبه بالشكر على رفع قدرك والتنويه باسمك. والطاعة في تمريض الفقراء وتلطيف أغذيتهم أشبه بالشكر على العافية من سائر الطاعات. والطاعة في الشفاعات عند السلطان وقضاء حوائج الغربان والإخوان أشبه بذوي الحاجة من سائر الطاعات. وعلى هذا المثال ينبغي أن تقابل سائر نعم الله تعالى على العبد. ومن العبارات الجامعة للشكر أن يقال معرفة بالجنان وذكر باللسان وعمل بالجوارح. فصل: في الكلام على الزيادة قال الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (ابراهيم: ٧) قال قوم: إنما خاطب الله تعالى بهذا وبقوله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) قوما دون قوم. والدليل عليه أنا نرى من يشكر على الغنى ثم يبتلى بالفقر، ومن يشكر على العافية ثم يبتلي بالمرض، والله تعالى لا يخلف

стр. 106

وعده. وقال قوم: معناه لأزيدنكم نعم الآخرة. فإن قيل: إنما تكون الزيادة من جنس المزيد عليه. فأجابوا: بأن النعم الدنيوية والأخروية وإن تفاضلت واختلفت كلها متجانسة من حيث أنها نعمة. وقال قوم: معناه لأزيدنكم خيراً، والخير والصلاح قد يكون في كثير من الأوقات بالمنع والسقم ونحوهما، فإن من سأل الله تعالى أن يعطيه مالاً أو يصح جسمه، وهو يعلم أنه إن وهبه المال أنفقه في المعاصي، أو وهبه الصحة وصرف صحته إلى المشي في الآثام، فالمنع ههنا موهبة من الله جزيلة. ومن ههنا قالت العلماء: منع الله تعالى عطاء. وقال قوم: يمكن تقدير الاستثناء فيها لئن شكرتم لأزيدنكم إلا أن تعصوا فأعاقبكم بالحرمان فأجعل ذلك كفارة لكم، وهو أصلح من أن أعاقبكم في الآخرة، والناس لا يسلمون من الذنوب، ولو تهيأ أن يسلموا من الذنوب لدرت الزيادات. قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة: ٦٦) وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (نوح: ١٠-١٢) وقال قوم: الآية خاصة لا محالة إذ لو كانت على عمومها لوجب أن لا يموت من يشكر الله تعالى على الحياة. قال الشيخ: قلت إن الله تعالى وعد الزيادة وقوله الحق، وقد جعل العبادة علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا رأينا الغنى يشكر الله تعالى بلسانه وماله في نقصان، علمنا أنه لم يشكر بل قد أخل بالشكر الذي أخذ عليه، إما لا يزكيه أو يزكي لغير أهله أو يؤخره عن وقته أو يمنع حقاً واجباً عليه فيه، من كسوة عريان أو طعام جائع وشبهه، فيدخل في قول النبي ﷺ : لو صدق السائل ما أفلح من رده. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١) . إذا غيروا ما بهم من الطاعات غير الله تعالى ما منه من الإحسان، وإذا كان قوم في العافية فإن الله تعالى لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم يترك أدب أو إخلال بحق أو إلمام بذنب، كما قال بعضهم: أدنى الشكر أن لا يعصي الله تعالى بنعمه، وإن جوارحك كلها من نعم الله تعالى عليك فلا تعصه بها. ويحتمل أن يكون معنى الآية لئن شكرتم لأزيدنكم إن شئت ألا ترى أنه قال: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وكثير من الخلق يريدون حرث الدنيا ولا يؤتونه، فيكون التقدير نؤته منها لمن نشاء، بدليل قوله في الآية الأخرى: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهكذا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) ثم إن كثيراً من الناس يدعون فلا يستجاب لهم ولكن معنى الآية أستجب لكم إن شئت ولمن شئت، بدليل قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (الأنعام: ٤١) . وهذا من باب حمل المطلق على المفيد. قال الجنيد: كنت بين يدي السري وأنا ابن تسع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت له: أن لا يعصى الله بنعمه. قال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك. فلا أزال أبكي على هذه الكلمة. فإن قيل: ما معنى قوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: ١٨) . وما يحصل من الأفعال في الوجود يمكن احصاؤه؟ قلنا نعم الله على وجهين دفع ومنع، فالمنع يمكن إحصاؤه ودفع البلايا نعم لا يمكن إحصاؤها، وما يدفع الله عنهم مما في مقدوره من ذلك وما يدفع الله تعالى عن العبد لا يحصى. فصل: ثم عدنا إلى أقوال العلماء والحكماء في الشكر فقال بعض الحكماء: موضع الشكر من النعمة موضع القرى من الضيف، إن وجده لم يذم وإن عدمه لم يقم. وأجمعت حكماء العرب والعجم على هذه اللفظة فقالوا: الشكر قيد النعم. وقالوا: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود. وقالوا: مصيبة وجب أجرها خير من نعمة لا يؤدى شكرها. وقال بعض الحكماء: من أعطى

стр. 107

أربعة لم يمنع أربعة: من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب. وكان يقال: إذا رعيت النعم بالشكر فهي أطواق، وإذا رعيت بالكفر فهي أغلال. قال حبيب: نعم إذا رعيت بشكر لم تزل نعماً فإن لم ترع فهي مصائب وبعث الحجاج إلى الحسن بعشرين ألف درهم فقال: الحمد لله الذي ذكرني. قال علي بن أبي طالب: لا تكن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي تنهى ولا تنتهي، وتأمر الناس بما لم تأت، تحب الصالحين ولا تعمل بما عملوا وتبغض المسيئين وأنت منهم، تكره الموت لكثرة ذنوبك ولا تدعها طول حياتك. وقال المغيرة بن سعيد: اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك. فإنه لا بقاء لنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت، وإن الشكر زيادة من النعم وأمان من النقم. وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك عن شكر النعم وأنت مرتهن بها؟ كلما شكرت نعمة تجدد لك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت ما تنفك بالشكر عن نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها. وقال سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب ﵇ قال: على أي دين تركته؟ قال: على السلام. قال: الحمد لله الآن تمت النعمة. وروى أن عثمان بن عفان ﵁: دعا إلى قوم ليأخذهم على ريبة فافترقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق عثمان رقبة شكر الله تعالى إذا لم يجر على يديه فضيحة رجل مسلم. ويروى أن الحسن بن علي التزم الركن وقال: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكراً وأبليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر ولا أنت أدمت الشدة بترك الصبر! إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم ولا من الجافي إلا الجفا! وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية والصبر عند المصيبة. وروي أن نملة قالت لسليمان بن داود: يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك، وكان راكباً على فرس ذلول فخر عنه ساجداً ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني. وقال صدقة بن يسار: بينما داود ﵇ في محرابه إذ مرت به دودة فتفكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله تعالى بهذه؟ فأنطقها الله تعالى وقالت: يا داود تعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك فيما آتاك. ولمحمود الوراق: إلهي لك الحمد الذي أنت أهله على نعم ما كنت قط لها أهلا! متى ازددت تقصيراً تزدني تفضلاً كأني بالتقصير أستوجب الفضلا! وكان لبعضهم صديق فحبسه السلطان، فأرسل إليه فقال له صاحبه: اشكر الله تعالى. فضرب الرجل فكتب إليه اشكر الله فجيء بمحبوس مجوسي مبطون، وقيد وجعل حلقة في رجله وحلقة في رجل المجوسي، وكان المجوسي يقوم بالليل مرات ويحتاج هذا إلى أن يقوم معه ويقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إلى صاحبه فقال: اشكر الله تعالى فقال: إلى متى تقول وأي بلاء فوق هذا؟ فقال له صاحبه: لو وضع الذي في وسطه في وسطك، كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ما كنت تصنع؟ ولبعضهم: ومن الرزية أن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطق أأرى الصنيعة منك ثم أسرها إني إذن ليد الكريم لسارق! وقال رجل لسهل بن عبد الله: إن اللص دخل داري وأخذ متاعي. فقال: اشكر الله تعالى، لو دخل

стр. 108

اللص إلى قلبك وهو الشيطان وأخذ التوحيد منه فما كنت تصنع؟ ولما بشر إدريس ﵇ بالمغفرة سأل المغفرة فقيل له فيه فقال لأشكره فإني كنت أعمل قبل المغفرة، فبسط الملك جناحه فرفعه إلى السماء ويروى أن نبياً من الأنبياء ﵈ مر بحجر صغير يخرج منه الماء فتعجب منه فأنطقه الله تعالى فقال: منذ سمعت الله تعالى يقول ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: ٦) وأنا أبكي من خوفه، فدعا النبي ﵇ أن يجيره الله من النار، فأوحى الله إليه إني أجرته من النار، فمر النبي ثم عاد فوجد الحجر يتفجر منه مثل ما كان، فعجب فأنطق الله تعالى الحجر فقال له: لم تبكي؟ فقال ذلك بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور! وروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى. فقال: إلهي ما بال المعافى؟ قال: لقلة شكره على عافيتي إياه. وأولى رجل أعرابياً إيلاء حسناً فقال: لا أبلاك الله بلاء يعجز عنه صبرك، ولا أنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك! وأنشدوا: سأشكر لا إني أجازيك منعماً بشكري ولكن كي يرى ذلك الشكر وأذكر أياماً لدي اصطنعتها وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر ولبعضهم: أوليتني نعماً أبوح بشكرها وكفيتني كل الأمور بأسرها فلأشكرنك ما حييت وإن أمت فلتشكرنك أعظمي في قبرها! ولبعض العرب في المعنى: إلهي قد أحسنت عودا وبدأة إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر فمن كان ذا عذر لديك وحجة فعذري إقراري بأن ليس لي عذر وكان مطرف يقول: إلهي تكون منك النعمة وعليك تمامها، وأنت تعين على شكرها وعليك ثوابها. وهذا باب عظيم من النعم على العباد. قال الله تعالى في الثناء على بعض عباده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (الاسراء: ٣) . وقال شاكراً لأنعمه اجتباه وكذلك سائر ما أثنى الله على عباده ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (لقمان: ١٢) . ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الاسراء: ٧) . ليس للرب تعالى فيها قليل ولا كثير، فإنه أجل من أن ينال الحظوظ وأجل من أن يلحقه ثناء مثن أو شكر شاكر، فأخبر أن العلو والجلال له دونهم وأنه مقدس عن الناس بثناء مثن أو كفر كافر. قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ (ابراهيم: ١٠) فواعجبا أعطى ثم أثنى! وقال علي بن أبي طالب ﵁: كفر النعمة داعية للمقت، ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر ما أخذ منك، وحقيق بمن أسديت إليه نعمة أو قضيت له حاجة أن يكافي، فإن لم يقدر فليشكر، فإن شكرها فقد أدى حقها. قال الشاعر: فلو كان يستغني عن الشكر ماجد لرفعة مالٍ أو علو مكان لما أمر الرحمن بالشكر خلقه فقال: اشكروا لي أيها الثقلان وقال بعضهم: لئن عجزت عن شكر برك قوتي وأقوى الورى عن شكر برك عاجز فإن ثنائي واعتقادي وطاعتي لأفلاك ما أوليتنيه مراكز وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وقفت علينا امرأة فقالت: يا قوم تغير علينا الدهر إذ قل منا الشكر

стр. 109

وفارقنا الغنى وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ فهم بعقل وأعطى من فضل وواسى من كفاف وأعان على عفاف. شعر: فلو كان للشكر شخص يبي ن إذا ما تأمله الناظر لمثلته لك حتى ترا هـ فتعلم أني آمر شاكر ولكنه ساكن في الضمي ر يحركه الكلم السائر وقيل للسري: ما الشكر؟ فقال: المكافأة على قدر الطاقة. قيل: فما الكفر؟ قال: ترك الجزاء ولو بالثناء. قيل: وهل يكون أحد أبخل ممن يبخل بالثناء؟ قال: نعم من عادى على الصنيعة. الباب الخامس والثلاثون: في بيان السيرة يصلح عليها الأمير والمأمور ويستريح لها الرئيس والمرؤوس وتسهل صحبة الخلائق أجمعين مستخرجة من القرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) فأثبت الله تعالى المماثلة بيننا وبين سائر البهائم، ومعلوم أنهم لا يماثلونا في خلقنا ولا أشكالنا ولا عقولنا، ولا سائر ما تدركه العين منهم ومنا فتبقى المماثلة في الأخلاق، فلا أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة، فإذا رأيت من الإنسان خلقاً خارجاً عن الاعتدال، فانظر ما يماثل ذلك الخلق من خلق سائر الحيوان، فألحقه به وعامله كما كنت تعامله، فحينئذ تستريح من منازعتهم ويستريحون منك وتدوم الصحبة فإذا رأيت الرجل الجاهل في خلائقه الغليظ في طباعه القوي في بدنه الذي لا يؤمن طغيانه وإفراطه، فألحقه بعالم النمور. والعرب تقول: أجهل من نمر وأنت إذا رأيت النمر بعدت عنه ولا تخاصمه ولا تشانئه فاسلك بالرجل كذلك. وإذا رأيت الرجل الغالب على أخلاقه السرقة خفية والنقب ليلاً على وجه الاستتار، فهذا يماثل عالم الجرذ، فدع ملاحاته ومخاصمته كما تدع سباب الجرذ إذا أفسد رحلك بما يصلح له. وإذا رأيت الرجل هجاماً على أعراض الناس وثلبهم فقد ماثل عالم الكلاب، فإن دأب الكلب أن يجفو من لا يجفوه ويبتدي بالأذية من لا يؤذيه، فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبحك! ألست تذهب في شأنك ولا تخاصمه ولا تسبه؟ فافعل بمن يهتضم عرضك مثل ذلك. وإذا رأيت إنساناً قد جبل على الخلاف إن قلت لا قال نعم، وإن قلت نعم قال لا، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن أبعدته قرب، وأنت تستمتع بالحمار ولا تسبه ولا تفارقه، فاستمتع أيضاً بهذا الإنسان ولا تسبه ولا تفارقه. وإذا رأيت رجلاً يطلب عثرات الناس وسقطاتهم، فمثله في الآدميين كمثل الذباب في عالم الطير، فإن الذباب يقع على الجسد فيتحامى صحيحه ويطلب المواضع النغلة منه ذوات المدة والدم والنجاسة، فاستر ذلك الموضع ولا تخاصمه، وإذا بليت بسلطان يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود، وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد، وليس إلا الهرب منه كما قال النابغة: ولا قرار على زأر من الأسد وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه بعالم الثعالب. وإذا بليت بمن يمشي بالنمائم ويفرق بين الأحبة فألحقه بعالم الظربان، وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة: فسا بينهم ظربان فتفرقوا، وخاصة هذه الدويبة إذا جعلت وسط جماعة أن يتفرقوا، وكما أن الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة طردوها ومنعوها الدخول بينهم، كذلك ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق بينهم ويفسد قلوب بعضهم على بعض. وإذا رأيت إنساناً

стр. 110

لا يسمع العلم والحكمة وينفر من مجالس العلماء والحكماء، ويألف سماع أخبار الدنيا والخرافات وما يجري في مجالس العوام، فألحقه بعالم الخنافس فإنه يعجبه أكل العذرات ويألف روائح النجاسات، ولا تراه إلا ملابساً للأخلية والمرحضات وينفر من روائح المسك والورد، وإذا طرح عليك المسك وماء الورد مات. وإذا رأيت إنساناً إنما دأبه حفظ الدنيا لا يستحي من الوثوب عليها، فألحقه بعالم الحدآن بأن تكن رحلك عنه. وإذا بليت بالرجل عليه الأناة والسكينة وقد نصب أشراكه لاصطياد الدنيا، وأكل أموال الودائع والأمانات والأرامل واليتامى فألحقه بعالم الذئاب، وهو كما قال فيه القائل: ذئب تراه مصلياً فإذا مررت به ركع يدعو وجل دعائه: ما للفريسة لا تقع؟ عجل بها يا ذا العلا إن الفؤاد قد انصدع! فاحترز منه كما تحترز من الذئب. وإذا بليت بصحبة إنسان كذاب فاعلم أن الإنسان الكذاب كالميت في الحكم، لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميت، وكما لا تصحب الموتى لا يصحب الكذاب. وقد قيل في المثل: كل شيء شئ إلا صحبة الكذاب لا شيء ويجوز أن يلحق بعالم النعام فإنه يدفن جميع بيضه تحت الرمل، ثم يترك واحدة على وجه الرمل وأخرى تحت طاقة من الرمل، وسائر بيضه في قعر الحفرة، فإذا رآه الغراب أخذ تلك البيضة ويكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى، فيظن أنه ليس ثم شيء آخر. والخبير بحالة النعام إذا رأى البيضة لا يزال بحفر حتى يصل إلى حاجته ولا يغتر بتلك البيضة، فكذلك الكذاب إذا سمعت منه خبراً لا تصدقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه. وإذا رأيت رجلاً إنما دأبه أن يصنع نفسه كما تصنع العروس لبعلها، يبيض ثيابه ويعدل عمامته ويأنف أن يمسه شيء غيره وينظر في عطفيه ويطرح القذى عن ثوبه، ليس له همة بين الجلساء إلا نظره إلى نفسه وإصلاح ما انثنى من ثيابه، فألحقه بعالم الطواويس التي هذه صفتها فإنه يتبختر في مشيه، وينظر إلى نفسه ويفرش ذنبه فتتخذه الملوك استحساناً له. وإذا رأيت إنساناً حقوداً لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة على السقطات، فألحقه بعالم الجمال. والعرب تقول: فلان أحقد من جمل. وكما تجتنب قرب الجمل الحقود فاجتنب صحبة الرجل الحقود. وإذا رأيت إنساناً منافقاً يبطن خلاف ما يظهر فألحقه بعالم اليربوع، وهو فأر يكون في البرية يتخذ حجراً تحت الأرض يقال له النافقاء، وله فوهتان يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى، ومنه اشتق اسم المنافق فإذا هم أحد بأخذه دخل حجره وخرج من الباب الآخر، فيحفر الصياد خلفه فلا يظفر بشيء، كذلك حال المنافق لا يصح منه شيء وعلى هذا النمط كن في صحبة الناس تستريح منهم وتريحهم، فلعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس وسكنت نفسي واستراحت من مكابدة أخلاقهم، إلا من حيث سرت معهم بهذا السير! وقال الرباحي: يا بني رباح لا تحقروا صغيراً تأخذون عنه، فإني أخذت من الثعلب روغانه ومن القرد مكائده، ومن السنور صرعه ومن الكلب صولته ومن ابن آوى حذره، وقد تعلمت من القمر مشي الليل ومن الشمس الظهور الحين بعد الحين. الباب السادس والثلاثون: في بيان الخصلة التي فيها غاية كمال السلطان وشفاء الصدور وراحة القلوب وطيب النفوس
следующие страницы →