← Адаб

Адаб · id 1586

اللآلي في شرح أمالي القالي - وعليه سمط اللآلي

أبو عبيد البكري

Полный текст (1 070 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والمأمورة الكثيرة الولد من آمرها: أي كثّرها. وكان ينبغي أن يكون مؤمرة ولكنه أتبع مأبورة. والسكّة: السطر من النخل. والمأبورة: المصلحة، وقد قرئ أمرنا على مثال فعلنا. ع هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمدّ ولا اختلاف بين السبعة الأئمة في أنها أمرنا بالقصر، وهذه هي القراءة المقدّمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذّ: " وقد قرئ بكذا " ومعناها أمرناهم بالطاعة ففسقوا كما تقول: أمرتك فعصيتني، وقد علم أن الله تعالى لا يأمر إلاّ بالعدل والإحسان كما قال في محكم كتابه. وقيل معنى أمرنا وآمرنا واحد: أي كثّرنا، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : " خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة " وهذا الحديث نسبه أبو علي إلى أبي عبيدة وهو للنبيّ ﵇ ولا ينبغي لعالم أن يجهل هذا، وقراءة الجماعة هي المرويّة عن الصحابة والتابعين إلا الحسن فإنه قرأ آمرنا بالمدّ، وكذلك قرأ الأعرج وإلاّ أبا العالية الرياحيّ فإنه قرأ أمّرنا بالتشديد وقد رويت عن عليّ بن أبي طالب، وهذه القراءة تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المعنى جعلنا لهم إمرة وسلطاناً، والآخر: أن يكون المعنى كثّرنا فتكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمرنا على أحد الوجهين. وقال الكسائي: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدود بمعنى أمّرنا بالتشديد من الإمارة. فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها فسّاقها، وقيل جبابرتها. وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٤، ١٠٤ " لطرفة: فالهبيت لا فؤاد له

стр. 317

ع صلته: لا ترى إلا فتى بطلاً ... آخذاً قرناً فملتزمه فالهبيت لا فؤاد له ... واللبيب ثبته نقمه للفتى لبّ يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه قال أبو عمرو: الهبيت: المهبوت وهو المبهوت سواء. ويروى والثبيت ثبته نقمه. يقول من ثبت فقد انتقم، يريد أنه لا يقدر على أكثر من الثبوت وهو مثل ضربه لشدّة الحرب، ومن روى ثبته فهمه يريد أن فهمه يثبت عقله، ومن روى ثبته قيمه يريد قوامه وملاك أمره. ويروى قلبه قيمه. ثم قال: من كان لبيباً فتى متصرّفاً عاش حيثما نقلته قدمه من أرض غربة أو غيرها. وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل شاعر جاهلي يكنى أبا عمرو، وهو المعروف بابن العشرين لأنه قتل وهو ابن عشرين عاماً. وقد تقدم ذكر مقتله عند ذكر المتلّمس ص ٧٢ وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٥، ١٠٤ " لطفيل: وراكضة ما تستجنّ بجنّة ... بعير حلال غادرته مجعفل ع وبعده: فقلنا لها لمّا رأينا الذي بها ... من الشرّ لا تستوهلي وتأمّلي هذا الشعر قاله في يوم حرس يذكّر بلاء قومه بني جعفر ويعاتبهم. والراكضة

стр. 318

التي عنى هي بنت طفيل بن مالك فارس قرزل، وذلك أنها خرجت عريانة مذعورة فاعرورت بعيراً لها لتهرب عليه وغادرت حلالها مطروحاً وهو مركب من مراكب النساء فلم ترحله للعجلة والذعر. وقوله لا تستوهلي: أي لا تفزعي، والوهل: الفزع. وتأمّلي من يحميك: يعني قومه. وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٥، ١٠٤ " للبيد: فلم أر يوماً كان أكثر باكياً ع هذا الشعر يذكر فيه من هلك من آبائه وأهل بيته فقال يذكر أباه ربيعة: وأن ربيع المقترين رزئته ... بذي علق فاقني حياءك واصبري ثم قال: فلم أر يوماً كان أكثر باكياً ... وحسناء قامت عن طراف مجوّر تبلّ خموش الوجه كلّ كريمة ... عوان وبكر تحت قرّ مخدّر ربيعة قتلته بنو أسد يوم ثنيّة ذي علق. وقوله عن طراف مجوّر: كان السيّد إذا قتل فيهم لم يبق لقومه بيت إلاّ هتك، ولما قتل بسطام بن قيس لم يبق في بكر بن وائل بيت إلاّ هجم أي هدم. والطراف لا يكون إلاّ من أدم. ولّما جاء نعيّ الحسين ﵀ ومن كان معه. قال مروان: " يوم بيوم الحفض المجوّر " أي يوم بيوم عثمان، ثم تمثّل بقول الأسديّ: عجّت نساء بني زبيد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم فانتفجت يومئذ لبني الحارث أرنب فتفاءلوا بها وقالوا ظفرنا بهم. والقرّ: الهودج. والمخدّر الذي وضع عليه الخدر: أي ستر. هذا قول محمد بن حبيب في بيت الأسدي وسيأتي فيه غير هذا " ص ٨٧

стр. 319

" وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٥، ١٠٤ " لابن قيس الرقيّات: كالشارب النشوان قطّره ... سمل الزقاق تسيل عبرتيه ع وقبله: إنّ المصائب بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه وأتى كتاب من يزيد وقد ... شدّ الحزام بسرج بغلتيه ينعى أسامة لي وأخوته ... فظللت مستكّاً مسامعيه كالشارب النشوان قطّره ... سمل الزقاق تفيض عبرتيه يرثي به سعداً وأسامة ابني أخيه قتلا يوم الحرّة. وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٥، ١٠٥ " لرؤبة: ومن غمزنا عزّه تبركعا صلته: ومن همزنا عظمه تلعلعا ... ومن أبحنا عزّه تبركعا على استه زوبعة أو زوبعا ... زحفي مزاحيف وصرعى خفّعا تلعلع إذا ضعف من مرض أو تعب. وقال عبد الرحمن عن عمّه تلعلع: تكسّر واضطرب. وقال: الزوبعة داء يأخذ الفصال، فكأنه يريد صرع قال ويقال زوبعة: قصر في العرقوب هكذا أورده بالزاي كما رواه القاليّ. وقال ابن دريد في الاشتقاق: الروبع

стр. 320

بالراء المهملة: الرجل الضعيف واستشهد بهذا الرجز. وقال ثعلب في المجالس: الروبع وجع يأخذ في القوائم فيقعد. وقال غيره الروبع: الفصيل الذي لا ينبعث. والمعروف في الزوبعة بالزاي أنها ريح تدور في الأرض لا تقصد وجهاً واحداً وتحمل الغبار. والتزبّع: سوء الخلق وقلّة الاستقامة ومنه اشتقّ زنباع. ويقال انخفع الرجل على فراشه إذا اعتراه كالغشي من الضعف. وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٠٥، ١٠٥ " لرؤبة أيضاً: لواحق الأقراب فيها كالمقق ع قال رؤبة يصف: قبّ من التعداء حقب في سوق ... لواحق الأقراب فيها كالمقق سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق قبّ: ضمر من العدو، وكذلك لواحق الأقراب: وهي الخواصر. وقوله فيها كالمقق: الكاف زائدة كما قال أميّة ابن أبي عائذ: وإني بليلى والديار التي أرى ... كالمبتلي المعنى بشوق موكّل أراد للمبتلي المعنى: وذهب أبو الحسن الأخفش في قول الله سبحانه: " أو كالذي مرّ على قرية " إلى زيادة الكاف. ومساحيهن: حوافرهنّ لأنهن يسحين بها الأرض أي يقشرنها وسكّن الياء ضرورة وقد مضت أمثلته. وأراد بتقطيط الحقق: أي كما تقطّ فلما سقط حرف الجرّ انتصب الفعل. والتفليل: هو الذي سوّاها. والطرق: جمع طرقة فأراد من شداد الأرض بعضها فوق بعض.

стр. 321

وذكر أبو علي " ١ - ١٠٥، ١٠٥ " خبر أبي جويرية مع خالد بن عبد الله ع هو أبو جويرية عيسى بن أوس العبدي أحد بني عبد الله بن مالك بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عامر بن ربيعة بن نزار شاعر محسن. وجنيد الممدوح هو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو من ولد سنان ابن أبي حارثة المرّي. والشعر ثلاثة أبيات آخرها: لم تزل غاية الكرام فلمّا ... متّ مات الندى ومات الكرام وقوله: لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا اهتدمه ابن أبي حفصة فقال: لو كان يعقد فوق النجم من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس وقول أبي جويرية: لو خلّد الجود أقواماً ذوي حسب ... فيما يحاول من آجالهم خلدوا أراد فيما يحاول من إتيان آجالهم وأخذه من قول زهير: فلو أنّ مجداً يخلد المرء لم يمت ... ولكنّ مجد المرء ليس بمخلد فأما قوله: جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا فقد تقدّم القول فيه وفي أمثلته ٥٤ وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٦، ١٠٦ " للشمّاخ: أعاش ما لأهلك لا أراهم ع قد فسّر أبو علي معناهما وقال الفارسي في كتاب الحجّة أن لا في قوله: لا أراهم زائدة. فالمعنى على هذا أن الشاعر ابتدأ المرأة بهذا المقال وليس بجواب فغيرها إضاعة أهلها

стр. 322

المال وتفريطهم في إصلاحه. وزعم ابن الأعرابي أن عائشة هذه هي بنت عثمان بن عفّان كان الشمّاخ يأتيها فيحدّثها فربما وجد عندها من لا يقدر على محادثتها من أجله فكنى بالهجان هنا عن عائشة فقال: مالي لا أرى أهلك يضيّعونك؟ أي لا يغفلونك، ثم قال متعجباً! وكيف يضيع مضيع مالا يضيع إن أغفله كهذه الإبل التي هذه صفتها فهي إن أغفلها صاحبها لم تستضرّ بالصقيع وشدّة الزمان الذي يهلك الهزلي في مثله، يعني أن هذه المرأة كريمة فكرمها حافظ لها من أن تأتي سوءاً وإن لم يكن لها حفيظ. وقال أبو علي " ١ - ١٠٦، ١٠٦ " إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم وهذا وهم. وإنما أصله لضبّة بن أدّ والمقتول الحارث بن كعب، وكان لضبّة ابنان سعد وسعيد فخرجا في بغاء إبل فكان ضبّة كلما رأى شخصاً قال " أسعد أم سعيد " فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فبينا ضبّة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ قال له قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، قال ناولني سيفه فناوله فقال: " الحديث ذو شجون " وضربه حتى قتله فليم على قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل " وقال الفرزدق: فلا تأمننّ الحرب إن استعارها ... كضبّة إذ قال الحديث شجون

стр. 323

فضبّة كلّها ترجع إلى سعد. وكان لضبّة ابن ثالث يسمىّ باسلاً وهو أبو الديلم وقال جرير فنظم هذا المثل: تكلّفني ردّ العواقب بعدما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٧، ١٠٧ " للشماخ: إذا ما استافهنّ ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٧، ١٠٧ " لعبد الصمد بن المعذّل في أخيه أحمد بعد أن كتب إليه أحمد كتاباً ذكره: أطاع الفريضة والسّنّة ... فتاه على الإنس والجنّة هما ابنا المعذّل بن غيلان بن الحكم عبديّ من بني عبد القيس وهما شاعران من شعراء الدولة الهاشميّة وعبد الصمد أشعر وأحمد فقيه مالكي وله كتاب سمّاه بكتاب العلّة ينصر فيه مذهب مالك. وذكر علي بن الحسين أنه كان معتزليّاً، ويكنى أحمد أبا الفضل

стр. 324

ويكنى عبد الصمد أبا القاسم. ويروى في كتاب أحمد زيادة بعد قوله: وعمّ أذاك: " وصرت كالإصبع الزائدة إن قطعت آلمت، وإن تركت شانت، وصرت كأبي العاقّ ". وبلغ أحمد عن أخيه شيء غّمه وأوجعه. فقال: ما عسيت أن أقول في من لفح بين قدر وتنوّر، وربّي بين زقّ وطنبور. وكانت أم عبد الصمد طبّاخة. وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٧، ١٠٧ " للأضبط: لكم همّ من الهموم سعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه ع هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد رهط الزبر قان بن بدر جاهليّ قديم، وهو الذي أساء قومه مجاورته فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك فقال: " أينما أوجّه ألق سعداً ". وقال: " بكل واد بنو سعد ". وقال أبو الفرج: أنشد أبو عبيدة وخلف الأحمر شعر الأضبط هذا فلم يعرفا منه إلا قوله: واقنع من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه وعجز بيت آخر وهو قوله: يا قوم من عاذري من الخدعة

стр. 325

والخدعة قوم من سعد بن زيد مناة بن تميم. وفيه: وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه قال أبو عليّ: قال أبوالعباس ثعلب وكان الأصمعي ينشده: فصلنّ البعيد إن وصل الحبل ع هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعيّ لا يجوز لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف والشعر من المنسرح والأصمعي لا يجهل هذا. ويروى في هذا الشعر بيت زائد وهو: قد يرقع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من رقعه والفلاح في قوله لا فلاح معه: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص: أفلح بما شئت فقد يد ... رك بالضعف وقد يخدع الأريب والفلاح: الفوز ومنه قولهم في الأذان حيّ على الفلاح. وقوله: وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه أخذه الأعشى فقال: ولا تدن وصلاً من أخ متباعد ... ولا تنأ عن ذي بغضة إن تقرّبا فإنّ القريب من يقرّب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسّبا وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٨، ١٠٨ " لأبي النجم: أغد لعنّا في الرهان نرسله ع وصلته:

стр. 326

فقلت للسائس قده أعجله ... واغد لعنّا في الرهان نرسله فظلّ مجنوباً وظلّ جمله ... بين شعيبين وزاد يزمله أغرّ في البرقوع باد حجله ... تعلو به الحزن وما يسهّله قوله أعجله: أراد أعجله فلما وقف على الهاء فسكّنها ألقى حركتها على اللام. وقوله فظلّ مجنوباً: لا يركب. وجمله يزمل: أي يحمل الزاد والعلف. واسم أبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله عجليّ من بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٨، ١٠٨ " لمحمود الورّاق: فاجاك من وفد الشباب نذير ... والدهر من أخلاقه التغيير هو محمود بن الحسن الورّاق البغدادي مولى بني زهرة يكنى أبا حسن، شاعر كثير الشعر جيّده وعامّته في الحكم والمواعظ والزهد. أنشد أبو علي " ١ - ١٠٨، ١٠٨ " لداود بن جهوة: أقاسي البلى لا أستريح إلى غد ... فيأتي غد إلاّ بكيت على أمس هكذا ثبت عن أبي علي ابن جهوة وأنشد ابن الجرّاح وغيره هذا الشعر لداود بن جمهور لم يختلفوا في ذلك، ولم أر جهوة اسماً إلاّ هذا فإن كان معلوماً فهي من أجهى الطريق

стр. 327

إذا استبان والجهوة والجهوة: الدبر لغة يمانية يقال فتح الله جهوته. قال الراجز: شرّ قرين للكبير نعلته ... تولغ كلباً سؤره أو تكفته وتدفع الشيخ فتبدو جهوته وأخذ ابن الرومي معنى قول الشاعر: وأنكرت شمس الشّيب في ليل لمّتي ... لعمري لليلى كان أحسن من شمسي فقال: وجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد وعزّاك عن ليل الشباب معاشر ... وقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد وكان نهار المرء أهدى لرشده ... ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد وهذه القصيدة كثيرة النوادر قليلة الحشو على طولها وينتهي عدد أبياتها إلى أربعمائة بيت يمدح فيها صاعداً ويذكر الموفّق وصاحب الزنج. فمن النادر فيها قوله يصف الدنيا: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنّها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدّد ومن ذلك قوله في المديح: تراه عن الحرب العوان بمعزل ... وآراؤه فيها وإن غاب شهد

стр. 328

كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الناس طرّاً ليس عنه معرّد فتى روحه ضوء بسيط كيانه ... ومسكن ذاك الروح نور مجسّد صفا ونفى عنه القذى فكأنّه ... إذا ما استكفّته العقول مصعّد كأنّ أباه حين سمّاه صاعداً ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٩، ١٠٩ " للعكوّك: جلال مشيب نزل ... وأنس شباب رحل ع هو عليّ بن جبلة بن عبد الرحمن الأبناوي من أبناء الشيعة الخراسانيّة يكنى أبا الحسن، والأصمعيّ لّقبه بالعكوّك بين يدي الرشيد، وذلك أن عليا دخل على الرشيد فأنشده شعراً حسناً فحسده الأصمعيّ لما رأى من إقبال الرشيد عليه فقال له: إيه يا عكوّك. فقال له على في مجلس أمير المؤمنين: تلّقب الناس يا ابن راعي الضأن العشرين ألست من باهلة. والعكوّك في كلام العرب: الغليظ السمين. وكان على إذا ذكر الأصمعي بمحضره سبّه. وكان العكوّك ضريراً أبرص. وكان شاعراً مطبوعاً عذب اللفظ جزله.

стр. 329

وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٩، ١٠٩ " لأبي دلف: نظرت إليّ بعين من لم يعدل ... لمّا تمكّن طرفها من مقتلي ع أبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر، وهو ممن جمع إلى محلّه الشامخ في الشجاعة وعظيم الغناء في المشاهد حسن الأدب وجودة الشعر ومحض الجود. ومن مختار شعره في الشيب أيضاً قوله: في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنّما طلعت في ناظر البصر لئن قصصتك بالمقراض عن بصري ... لما قرضتك عن همّي ولا فكري ومن مختار ما ورد في قرض طلائع المشيب قول كشاجم: نظرت إلى المرآة فروّعتني ... طلائع شيبتين ألمّتا بي فأمّا شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حبّ التصابي وأما شيبة فعفوت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابي فيالك من مشيب قد تبدّي ... أقمت به الدليل على شبابي

стр. 330

وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٠٩، ١١٠ ": حنتني حانيات الدهر حتى ... كأنّي خاتل أدنو لصيد ع هذا الشعر لأبي الطمحان وهو حنظلة بن الشرقيّ أحد بني القين بن جسر من قضاعة وهو شاعر جاهليّ إسلاميّ وكان نديماً للزبير بن عبد المطلّب وترباً له، وكان خبيث الدّين جيّد الشعر. ومثل هذا المعنى قول سلمىّ بن غويّة بن سلميّ بن ربيعة الضّبيّ: هزئت زنيبة أن رأت ثرمى ... وأن انحنى لتقادم ظهري حتّى كأنّي خاتل قنصاً ... والمرء بعد تمامه يحري وقول ربيعة بن مقروم: ودلفت من كبر كأنّي خاتل ... قنصاً يدبّ لصيد وحش مختل والعرب تقول لمن انحنى ظهره من الكبر " قد قاد العنز " و " رقع الشنّ ".

стр. 331

" وحمل رميح أبي سعد " قال راجزهم: يا ويح هذا الرأس كيف اهتزّاً ... وحيص موقاه وقاد العنزا يقول ضعف بصره فإذا أراد أن ينظر خرّز عينيه فكأنّهما مخيطتان. وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٩، ١١٠ " غير منسوب: وعائب عابني بشيب ... لم يعد لمّا ألمّ وقته ع وهما لمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير الواثق ذكر ذلك الصوليّ وغيره. أخذه من قول يونس النحوي وقد لقيه رجل كان يتّهم مودّته ويونس قد كبر وهو يهادي بين رجلين. فقال له: يا أبا عبد الرحمن أبلغت ما أرى. قال: هو ما ترى فلا بلغته. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٠، ١١٠ " لدعبل: أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنّه ... سمة العفيف وحلية المتحرّج ع هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان خزاعيّ يكنى أبا عليّ كوفيّ شاعر

стр. 332

مبرّز من شعراء الدولة الهاشمية. ومن مختار شعره في المشيب وهو مضادّ لهذا في المعنى قوله: أين الشباب وأيّة سلكا ... لا أين يطلب ضلّ بل هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى قد كان يضحك في شبيبته ... فأتى المشيب فقلّما ضحكا وأحسن ما ورد في الترحيب بالشيب على مذهب الشعر الأول قول أحمد بن زياد الكاتب: ولمّا رأيت الشيب حلّ بياضه ... بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا ولو خلت أنّي إن كففت تحيّتي ... تنكّب عنّي رمت أن يتنكّبا ولكن إذا ما حلّ كره فسامحت ... به النفس يوماً كان للكره أذهبا وقال مسلم بن الوليد في نحوه: الشّيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود يمضي الشباب وقد يأتي له خلف ... والشيب يذهب مفقوداً لمفقود

стр. 333

وأنشد أبو علي " ١ - ١١٠، ١١١ " لأبي هفّان: تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فبياض الصبح في السّدف أبو هفّان هو عبد الله بن أحمد بن حرب المهزميّ العبدي، راوية عالم بالشعر والغريب وشعره جيّد إلاّ أنه مقلّ، وهو من شعراء الدولة الهاشميّة ومثل قوله: وزادها عجباً أن رحت في سمل ... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصدف قوله أيضاً: لعمري لئن بيّعت في دار غربة ... ثيابي أن ضاقت عليّ المآكل فما أنا إلاّ السّيف يأكل جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل وأنشد أبو علي " ١ - ١١١، ١١١ " لرجل من خزاعة: قد كنت أرتاع للبيضاء أبصرها ... من شعر رأسي فقد أيقنت بالبلق ع هذا الشعر لأبي الأسود الدؤليّ كذلك قال محمد بن يزيد وغيره وهو ثابت في ديوان شعر أبي الأسود. ورواه محمد: قد كنت أرتاع للبيضاء في حلك ... فالآن أرتاع للسوداء في يقق وهذه هي الرواية الجيّدة التي لا يجهل فضلها منتقد. أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال: شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد

стр. 334

طال إنكاري البياض وإن عمّ ... رت شيئاً أنكرت لون السواد وحسّنه أبو الطيّب فقال: راعتك رائعة البياض بعارضي ... ولو أنّها الأولى لراع الأسحم لو كان يمكنني سفرت عن الصبي ... فالشيب من قبل الأوان تلثّم وفيه: شيب تغيّبه عمن تغرّ به ... كبيعك الثوب مطويّاً على خرق ظاهره أنه غير صحيح المقابلة، وصحّة مقابلة التشبيه فيه أن يقول كطيّك الثوب على خرق عند البيع. وتوجيه ذلك أنه لما كان البيع سبباً لطيّه على الخرق وقع التشبيه عليه. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٢ " لمنصور النمريّ: ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلاّ لها نبوة عنه ومرتدع ع لم ينشد أبو علي غيره وبعده: ما كنت أوفى شبابي كنه غرّته ... حتّى انقضى فإذا الدنيا له تبع وهو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك من النمر بن قاسط، وهو تلميذ كلثوم العتّابي وراويته وبمذهبه تشبّه في الشعر. وشعره هذا من أحسن ما بكى به الشباب. ومن أحسن ما قيل في ذلك أيضاً قول محمد بن حازم الباهليّ:

стр. 335

لا تكذبنّ! فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل كفاك بالشيب ذنباً عند غانية ... وبالشبّاب شفيعاً أيّها الرجل وأبكى بيت ورد في فقد الشّباب قول أبي الغصن الأسدي أو غيره: أتأمل رجعة الدنيا سفاهاً ... وقد صار الشّباب إلى ذهاب فليت الباكيات بكلّ أرض ... جمعن لنا فنحن على الشّباب وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٢ ": والشّيب إن يحلل فإنّ وراءه ... عمراً يكون خلاله متنفّس ع قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر إلى شيبه في مرآة فأنشدته، وذكر هذين البيتين فقال: ما صنع شيئاً إنما أخذه من قول امرئ القيس: ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبساً ومن جيّد ما ورد في هذا المعنى قول ابن مقبل: وتنكّرت شيبي فقلت لها ... ليس المشيب بناقص عمري سيّان شيبي والشّباب إذا ... ما كنت من أجلي على قدر فهذا مذهب من لم يحفل بحلوله. وقال رجل من الأزد في ذلك:

стр. 336

ولقد أقول لشيبة أبصرتها ... في مفرقي فمنحتها إعراضي عنّي إليك! فلست منتهياً ولو ... عمّمت منك مفارقي ببياض هل لي سوى عشرين عاماً قد مضت ... مع ستّة في إثرهن مواض ولقلّما أرتاع منك وإنّني ... فيما هويت وإن وزعت لماض فعليك ما اسطعت الظّهور بلّمتي ... وعليّ أن ألقاك بالمقراض وقال أبو نواس: وإذا عددت سنّي كم هي لم أجد ... للشّيب عذراً أن يلمّ براسي وقال إبراهيم بن المهديّ ونسبها أبو تمام إلى ابن مفرّغ: يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب لقد جلّ قدر الشيب إن كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب وقال حفص العليميّ: أقول لحلمي لا تزعني عن الصبى ... وللشيب لا تذعر عليّ الغوانيا طلبت الهوى العذريّ حتّى وجدته ... وسيّرت في نجديّه ما كفانيا وقول أبي الطيّب في الشيب حكمة بالغة: مشبّ الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيّه وبانيه هادمه وتكملة العيش الصبى وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه وما خضب الناس البياض لأنّه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه

стр. 337

وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٣ ": وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنّه أصلاب قوم تقصّف ع هذا الشعر للعطويّ أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطيّة الكنانيّ مولى لهم بصرى. قال أبو يعقوب توفيّ أحمد ابن أبي دؤاد. فقال العطوى يرثيه من قصيدة ارتجلها وأنشد البيتين: وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٣ " لبعض العرب: دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا ع هذا الشعر لحوط بن رئاب الأسديّ شاعر إسلاميّ وأحسبه أدرك الجاهلية. ورواية ابن الأعرابي دببت للمجد: يعني نفسه كذلك نقلته من نوادره بخطّ الحامض أبي موسى أصل أبي عليّ. وقوله: وألقوا دونه الأزرا يعني دون أن يبلغوه تخفّفاً للجري فلم ينالوه. وبخطّ أبي عليّ في الكتب التي أملى منها النوادر فكابدوا المجد بالفاء. قال أبو علي " ١ - ١١٣، ١١٣ ": أنشدني غير واحد من أصحاب أبي العبّاس قال: أنشدنا أبو العبّاس المبرّد لابن المعذّل: سألنا عن ثمالة كلّ حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله

стр. 338

ع المبرّد هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسّان ثماليّ وثمالة هو أسلم بن أحجن بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد يكنى أبا العباس. وقال أبو بكر ابن أبي الأزهر كان أبو العباس من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكيّة المجالسة وكرم المعاشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وعذوبة المنطق وصحّة النظر وحسن الخطّ على ما ليس عليه أحد ممّن تقدّمه أو تأخّر عنه. قال عليّ بن حمزة: كان أبو العباس يروي ما هجى به من مثل هذا وشبهه ليثبت نسبه في ثمالة. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٣، ١١٣ ": فلو أبصرت دارك في محلّ ... يحلّ الحزن فيه والسرور ع هما لسليمان ابن أبي دباكل الخزاعي. وقد تقدم له من هذا الشعر أبيات " ص ٧٤ " وذكر أبو علي " ١ - ١١٣، ١١٣ " خبر الأعرابيّ المسترفد ع ومن فصيح ما ورد لهم في ذلك ما رواه ابن الأعرابيّ. قال: وفد أعرابي فقال: يا أهل الغضارة حقب السحاب، وانقشع الرباب، واستأسدت الذئاب، وزرم الثمر، وباد الولد وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدلاة، لا أتضاءل إلى الزمان، ولا أحفل بالحدثان، حيّ حلال، وعدد ومال، ثم تقرّقنا أيدي سبا، بعد فقد الآباء والأبناء، وكنت

стр. 339

حسن الشارة، خصيب الدارة، سليم الجارة. وكان محلى حمى، وفرسي أساً، قضى الله ولا رجعان لما قضى سواف المال، وشتات الرجال، وتغيّر الحال، فأعينوا من شخصه شاهده، وفقره سائقه وقائده. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٤ " للتغلبيّ: خلع الملوك وسار تحت لوائه ع هو مهلهل بن ربيعة وقد زعم بعضهم أنه لشرحبيل بن مالك أحد بني عصم ذكر ذلك يعقوب، وقد رأيته منسوباً إلى عمرو بن الأيهم التغلبي. وقد تقدّم ذكر مهلهل " ص ٢٩ " وذكر ابن الأيهم " ص ٤٦ " وقبل البيت: وأغرّ من ولد الأراقم ماجد ... صلت الجبين معاود الإقدام خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام وهذه كناية عن شداد الرجال الصابرين على اللأواء ومضض الحروب، ويروى: وعراعر بالفتح وهو جمع عراعر: يعني سادة القوم وأعلامهم مأخوذ من عرعرة الجبل. والأراقم: هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحارث ومعاوية بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. ومرّ كاهن بأمّهم وهم ستّة في قطيفة لها فقالت له: انظر إلي بنيّ هؤلاء فنظر وقال: لكأنّما رموني بعيون الأراقم. وأمّهم مارية بنت حمار من بني عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٤ " لرؤبة: أو كاحتلاق النورة الجموش

стр. 340

ع قال يصف سنة جدب: حصّاً تنقّى المال بالتحويش ... دقّاً كرفش الوضم المرفوش أو كاحتلاق النورة الجموش حصّا: تحصّ المال أي تحلقه. والتحويش: التنقّص. والوضم: اسم من أسماء الخوان ثم سميّ به كلّ ما طرح عليه اللحم. والرفش: كل ما يؤكل على الخوان، وأصله حطم الأكل. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٤ ": عداني أن أزورك أنّ بهمي ... عجايا كلّها إلاّ قليلا قد رأيت هذا البيت منسوباً إلى أرطاة بن سهيّة المرّيّ. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٥ ": قريب ثراه لا ينال عدوّه ... له نبطاً عند الهوان قطوب ع هذا البيت لكعب بن سعد الغنويّ. وقد أنشد أبو علي القصيدة بكاملها " ٢ - ١٥٠، ١٤٨ " والصحيح آبي الهوان قطوب لأنه إذا قال عند الهوان يكون قد

стр. 341

أثبت أنّه مهان مذال وإنما يقطب عند نزول ذلك به، وهم يقولون في المديح: فلان آبى الضيم وآبى الهوان وآبى الظلم، ومن هذا قولهم: رجل أبيّ. وقال معبد بن علقمة: فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم ولكنّنا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمّم وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم وأنشد أبو علي " ١ - ١١٥، ١١٥ ": إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس ع اختلف في عزو هذا البيت فقيل هو لعمرو بن معدي كرب، وقيل هو لأوس بن حجر. فمن عزاه إلى أوس أنشده: أجاعلة أمّ الحصين خزاية ... عليّ فراري أن لقيت بني عبس ورهط بني عمرو وعمرو بن عامر ... وتيماً فجاشت من لقائهم نفسي كأنّ جلود النمر جيبت عليهم ... إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس ومن نسبه إلى عمرو أنشده: أجاعلة أمّ الثوير خزاية لقونا فضمّوا جانبينا بصادق ... من الطّعن حشّ النار في الحطب اليبس لقيت أبا شأس وشأساً ومالكاً ... أولئك جاشت من لقائهم نفسي كأنّ جلود النمر جيبت عليهم ... إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس وما بالفرار اليوم عار على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس ويروى: وليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت

стр. 342

منه الشجاعة بالأمس والقول الأول في بيت الشاهد أثبت. يقول إذا تحيّر الناس في أن ينيخوا ثابتين أو يشلّوا ناجين، فهم من الجرأة كأن جلود النمر جيبت عليهم أي هم نمور. والحبس: أن يحبس على غير علف. وقوله: كأن جلود النمر جيبت عليهم إلخ كما تقول فلان شابّ في مسك شيخ، وكما قال شرحبيل بن مالك التغلبي: أبينا أبينا أن تغنّوا بعامر ... كما قلتم زبّان في مسك ثعلب يريد كما قلتم إنّ زبّان جبان روّاغ كأنه ثعلب. وقال آخر: فيوماً ترانا في مسوك جيادنا ... ويوماً ترانا في مسوك الثعالب يريد فيوماً ترانا في طباع الخيل من الشدّة والجرأة والإقدام والصبر، ويوماً نروغ ونجبن إذا كان ذلك أحزم. وهذا البيت أعني قول عمرو: وما بالفرار اليوم عار على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس مثل قوله أيضاً: ولقد أجمع رجليّ بها ... حذر الموت وإني لفرور ولقد أعطفها كارهة ... حين للنّفس من الموت هرير وقال عامر بن الطفيل: أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقليّ الشكوك إنني غير مدبر

стр. 343

وقال آخر: أقاتل ما كان القتال حزامة ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٥، ١١٥ ": وغملي نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتي جلدها قد تزلّعا ع هذا البيت للراعي وقبله: إذا أخلف الصوب الربيع وصالها ... عراد وحاذ ملبس كلّ أجرعا وغملي نصيّ. وصالها: أي اتّصل. والعراد والحاذ: ضربان من النبات وهما من الحمض. والأجرع والجرعاء: الرملة الليّنة. وغملي نصيّ: بعضه على بعض. والغميل: المكان الممتلئ من الحليّ ويقال رجل مغمول ومغمون إذا غطّي ليعرق، وبسر مغمول إذا ألقي عليه ماء وغطّي ليدرك. والنصيّ: رطب الحليّ فإذا جفّ فهو الحليّ وهو من أفضل المراعي فشبّه سنمته لحمرتها بأوبار الثعالب. وهذا البيت الشاهد اهتدمه الراعي من قول طفيل الغنوي، قال طفيل: ابت إبلي ماء الحياض وآلفت ... تفاطير وسميّ وأحناء مكرع وغملي نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتى جلدها لم ينزّع تفاطير: نبذ من نبت الوسميّ، يقال ظهر في وجه الرجل تفاطير الشباب: أي نبذ من بثر. وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٥، ١١٦ ": متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد ع هو للحطئة يمدح بعض آل شمّاس، ولما أنشد عمر بن الخطاب هذا البيت

стр. 344

قال: تلك نار موسى ﵇. وقبله: يرى البخل لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أنّ المرء غير مخلّد كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٦، ١١٧ ": اقبلن من أعلى جفاف بسحر ... يحملن صلالاً كأعيان البقر وأنشد أبو علي " ١ - ١١٦، ١١٧ " لزيد الخيل: نصول بكلّ أبيض مشرفيّ ... على اللاتي بقي فيهن ماء وذكر الافتظاظ. ع وكانوا إذا أرادوا توغّل الفلوات التي لا ماء فيها سقوا الإبل على أتمّ أظمائها ثم قطعوا مشافرها لئلا ترعى أو خزموها فإذا احتاجوا إلى الماء افتظّواكروشها فشربوا ثميلتها. قال أبو اللّحّام التغلبيّ.

стр. 345

سقينا الإبل عشراً بعد غبّ ... ووكّرنا المزاد من الجلود وقطّعنا مشافرها وخفنا ... أجرّتها فما اجترّت بعود وقال مالك بن نويرة في ذلك: إن لا كن لاقيت يوم مخطّط ... فقد خبّر الرّكبان ما أتودد يخال لهم إذ يعصرون فظوظها ... بدجلة أو فيض الأبلة مورد إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفّهم ... وقائع للأبوال والماء أبرد وأنشد أبو علي في مثل ذلك " ١ - ١١٦، ١١٧ ": وشربة لوح لم أجد لسقائها ... بدون ذباب السيف أو شفرة حلاّ ع ويروى: لشقائها عن غير أبي علي. ومثله لآخر: ويهماء يستاف الدليل ترابها ... وليس بها إلاّ اليمانيّ مخلف بستافه: يشمّه هل به أثر لراكب أو واطئ. والمخلف: المستقي. يقول لا يوصل فيه إلى استقاء ولا سقي إلا بالسيف اليمانيّ. وأنشد ابن الأعرابي في معناه لعلقمة بن عبدة:

стр. 346

وقد أصاحب فتياناً شرابهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم خضر المزاد: يعني الكروش لمّا حملت الماء سمّاها مزاداً. وتنشيم: تغيّر. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٧، ١١٧ ": أحقاً عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقري يوماً وأعلامها الغبر كأنّ فؤادي كلّما مرّ راكب ... جناح عقاب رام نهضاً إلى وكر إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر فيا راكب الوجناء أبت مسلّماً ... ولا زلت من ريب الحوادث في ستر إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه ... سقيت على شحط النوى سبل القطر فإنّك من واد إليّ مرجّب ... وإن كنت لا تزدار إلاّ على عفر خلّط أبو عليّ في هذا الشعر وهو من شعرين مختلفين لرجلين، فثلاثة الأبيات منها ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره، وثلاثة الأبيات منها لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيّ سخيّاً كريماً يقري الأضياف ويطعم الطعام فركبه الدين الفادح فجلاً عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من اليمامة الشخوص من بغداذ إلى اليمامة فشيّعه يحيى بن طالب، فلمّا جلس في الزورق ذرفت عيناه وأنشأ يقول: أحقاً عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقري يوماً وأعلامها الخضر إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر أقول لموسى والدموع كأنّها ... جداول ماء في مساربها تجري ألا هل لشيخ وابن ستّين حجّة ... بكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟

стр. 347

كأن فؤادي كما مرّ راكب ... جناح غراب رام نهضاً إلى وكر يزهدني في كلّ خير صنعته ... إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر فيا حزناً ماذا أجنّ من الهوى ... ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر تعزّيت عنها كارهاً فتركتها ... وكان فراقيها أمرّ من الصبر هكذا صحّة إنشاده الخضر لا الغبر كما أنشده أبو علي، وكيف يحنّ إلى أوطان يصفها بالجدب والاغبرار. وقد ذكر أبو عليّ خبر يحيى هذا " ١ - ١٢٢، ١٢٣ " وأنشد له هذا الشعر ولكنه نسي ولولا نسيانه لاعتذر. قال علي بن الحسين: يحيى بن طالب من أهل اليمامة من بني حنيفة، شاعر مقلّ من شعراء الدولة العباسية، قال ولم يقع إليّ نسبه وزاد في آخر هذه الأبيات: مداينة السلطان باب مذلّة ... وأشبه شيء بالقنوع وبالفقر إذا أنت لم تنظر لنفسك خالياً ... أحاطت بك الأحزان من حيث لا تدري وأما أبيات قيس بن معاذ فإنها: فيا راكب الوجناء أبت مسلّماً ... ولا زلت من ريب الحوادث في ستر إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه ... سقيت على شحط النوى سبل القطر

стр. 348

فإنّك من واد إليّ مرجّب ... وإن كان لا تزدار إلا على ذكر لعلّ الذي يقضي الأمور بعلمه ... سيصرفني يوماً إليه على قدر فتفتر عين ما تملّ من البكا ... ويسكن قلب ما ينهنه بالزجر وقد اختلف في اسم المجنون واسم أبيه أشدّ اختلاف، فقيل قيس بن معاذ، وقيل قيس بن الملوّح وقيل إن الملوّح هو معاذ، وقال أبو عبيدة: اسم المجنون البختري بن الجعد، وقال أبو العالية: اسمه الأقرع، وقال أبو الفرج: الصحيح أنه قيس بن مرّ بن قيس بن عدس أحد بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقال الأصمعي: رجلان ما عرفا في الدنيا إلاّ بالاسم: مجنون بني عامر وابن القريّة. وقد أخبر غير واحد أنه رآه وخاطبه، وقد رآه نوفل بن مساحق في استيحاشه واستنشده: أتبكي على ليلى ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباً كما معا وذكر أبو عليّ في نسب الأصمعي أعصر بن سعد . ع وأعصر هو منبّه بن سعد بن قيس عيلان وإنما سميّ أعصر بقوله: قالت عميرة ما لرأسك بعد ما ... فقد الشباب أتى بلون منكر

стр. 349

أعمير إنّ أباك غيرّ لونه ... مرّ الليالي واختلاف الأعصر والأصمعي هو عبد الملك بن قريب بن أصمع، واختلف فيما بعد أصمع باهليّ، وباهلة هو سعد مناة بن مالك بن أعصر غلبت عليه أمّه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة من مذحج، وأصيب أصمع بالأهواز وكان قد أدرك النبي ﷺ . وقال في الحديث " فجاء بصيدانة " الصيدان: برام حجارة، والصيدان: ضرب من حجر الفضّة، والقطعة منه صيدانة، وبيت أبي ذؤيب: وسود من الصيدان فيها مذانب النّ ... ضار إذا لم نستفدها نعارها يروى بفتح الصاد وكسرها، فمن رواه بالفتح جعله جمع صيداء، وهي البرمة من الحجارة، والصيداء: الصخرة، ومن رواه الصيدان بالكسر جعله جمع صاد وهو النحاس والصفر كما يقال تاج وتيجان. واستدلّ أبو الفتح على أن عين الصيدان ياء وليست كياء عيدان برواية من روى صيدان بالفتح. والصيدان: الملك. والصّيدان: من أسماء الثعلب. وأنشد أبو علي في الحديث شعراً منه: وفيهنّ من بخت النساء سبحلة ... تكاد على غرّ السحاب تروق

стр. 350

ع البخت من أكرم الإبل وأعظمه أجساماً فاستعاره للنساء، والمرأة تشبّه بالسحابة لفتور مشيها وعلوّ قدرها وامتناعها ممن أراد نيلها، ولما يرجى من صوبها كما يرتجي من هذه وصلها، والشعر للشّمردل بن شريك اليربوعي. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٨، ١١٨ " لمسكين الدارميّ: ربّ مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب ع وبعده البيت: كسبته الورق البيض أباً ... ولقد كان وما يدعى لأب أصبحت صاحبتي طمّاحة ... قرمت بل هي وحمى للصخب أصبحت تتفل في شحم الذرا ... وتعدّ اللّوم درّاً ينتهب لا تلمها إنّها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب كشموس الخيل يبدو شغبها ... كلّما قيل لها هال وهب وهذه الأبيات المعنويّة قد أنشدها أبو علي " ١ - ١٣٨، ١٣٨ " وفسّرها. وأخذ معنى البيت الأول ابن المعتزّ فقال: إذا كنت ذا ثروة من غنى ... فأنت المسوّد في العالم وحسبك من نسب صورة ... تخبّر أنّك من آدم ومن أمثال العرب " وجدان الرقين يغطّي أفن الأفين " أخذه حسّان فقال:

стр. 351

ربّ علم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم وقال آخر: كأنّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان ومرّ رجل غنيّ على ابن شهاب فتحرّك له وأكرمه فلما انصرف قيل له: أكانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكّني رأيت المال مهيباً. وأنشد أبو علي " ١ - ١١٨، ١١٩ " لحسّان: فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء ع قال حسّان من قصيدة يخاطب أبا سفيان ابن الحارث بن عبد المطّلب ويهجوه: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإنّ أبى ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء وروى أن حسّان لما أنشد النبيّ ﷺ هذا الشعر قال له لما أنشد الأول من هذه الأبيات: جزاؤك على الله الجنة، وقال له لما أنشد الثاني: وقاك الله حرّ النار، فأما البيت الثالث فهو أنصف بيت قالته العرب، وكذلك قول الحصين بن الحمام المرّي:

стр. 352

نطاردهم نستودع البيض فيهم ... ويستودعونا السمهريّ المقوّما وأنشد أبو علي " ١ - ١١٩، ١١٩ " لذي الرمّة: أدنى تقاذفه التقريب أو خبب ... كما تدهدى من العرض الجلاميد ع وصلته قال وذكر الحمار والأتن: حتى إذا ما استقلّ النجم في غلس ... وأحصد البقل ملويّ ومحصود راحت يقحّمها ذو أزمل وسقت ... له الفرائش والسلب القياديد أدنى تقاذفه التقريب أو خبب ... كما تدهدى من العرض الجلاميد أراد بالنجم الثريا وارتفاعها مكبّدة ذلك الوقت في آخر شهري ناجر. والملويّ: اليابس من البقل ويقحّمها: يدخلها من موضع إلى آخر. وأزمله: صوته. ووسقت: أي احتوت على مائه. والفرائش: جمع فريش وهي الحديثة النتاج. والسلب: جمع سلوب وهي التي اختلجت أولادها عنها. والقياديد: الطوال والواحدة قيدود. وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٩، ١١٩ " لرؤبة: إنا إذا قدنا القوم عرضا ع وبعده: لم نبق من بغى الأعادي عضّا ... نشّذب عن خندف حتى ترضى وليس دين الله بالمعضّى يقال للرجل إذا كان شديد المعارضة ألدّ الخصومة عضّ. ونشذب: ننفي كما يشذب عن الجذع كربه. وقوله بالمعضّى: هو من قول الله سبحانه " الذين جعلوا القرآن عضين ".

стр. 353

وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٩، ١٢٠ " لجرير: أتذكر حين تصقل عارضيها ... بفرع بشامة سقي البشام ع صلته: بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيادته لمام ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام هكذا رواه الزيادي عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير. وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٢٠، ١٢٠ ": حمراء من معرّضات الغربان ... تقدمها كلّ علاة عليان ع هذا وهم منه وإنما هو: يقدمها كلّ علاة عليان ... حمراء من معرّضات الغربان لا ترعوى لمنزل وإن حان لأن الضمير في يقدمها راجع على رفقة ذكرها، ولو كانت هذه الحمراء يقدمها كل علاة عليان لم تكن من معرّضات الغربان لأنها حينئذ تكون متأخّرة. قال يعقوب: وقوله لا ترعوى لمنزل: يقول تتباعد من الحادي أبداً فتقع الغربان على حملها لأنها قد أمنت أن يحذفها الحادي. والعراضة: إطعامك الرجل شيئاً من ميرتك. ثم قال: لا ترجع نشاطاً

стр. 354

لنزول وإن حان نزولها. قال غيره: والحمر أجلد الإبل. والمعرّضات: الإبل التي تقدم الإبل فتقع الغربان عليها فتأكل مما تحمله، إذ ليس هناك من يطردها لبعد الحادي عنها فكأنها قد أهدت إلى الغربان العراضة، والعراضة: هديّة القادم خاصّة. والعلاة: الشديدة الصلبة مشبّهة بالعلاة وهي السندان. والعليان المشرفة. ومثله في المعنى قول الآخر: قد قلت قولاً للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول تغدّ ما شئت على غير عجل ... التمر في البئر وفي ظهر الجمل قال ثعلب: سألت ابن الأعرابي أيّ شيء يقول. قال: يقول يا غراب إن أفنيت ما عليها من التمر فإنّ الماء إذا استقى من البئر على ظهر الجمل ثم سقي به النخل خرج الرطب وجاء التمر. والرجز الذي أنشده أبو علي لرجل من غطفان كذلك نقل في كتاب البارع. ذكر أبو علي " ١ - ١٢٠، ١٢٠ " سجع العرب في الشعرى ع الإمّر: ولد الضأن الصغير والأنثى إمّرة. والعراض: الآثار يعني الإبل الواسعة الخفاف. والمعمر: المنزل بدار معاش، والعرب إذا قلّلت مال الرجل قالت: " ماله إمّر ولا إمّرة ". ويحتمل أن يريد بالشعرى في هذا الحديث الشعرى العبور أو الشعرى الغميصاء لأنهما يطلعان معاً، وللشعرى زمنان لكل زمان منهما حال مخالف للآخر وكل ذلك

стр. 355

منسوب إليها، فمنها زمان طلوعها بالغداة وأوّل ذلك لعشرين يوماً من تمّور وهو وقت صميم الحر، فوغراته وبوارحه منسوبة إليها. قال ساجعهم: " إذا طلعت الشعرى نشف الثرى وأجن الصرى وجعل صاحب النخل يرى ". أجن الصرى: أي تغيّر الماء المجتمع في الغدران والمناقع لشدّة الحرّ وانقطاع الموادّ عنه، وتبيّن صاحب النخل ثمرة نخله لأنه حينئذ يكبر. وقال الفرزدق: وأوقدت الشعرى مع الصبح نارها ... وأضحت محولاً جلدها يتوسّف والزمان الثاني وقت طلوعها عشاء وذلك في كانون الآخر إذا كان النوء للذراع وهو وقت صميم البرد. فأصراره وصنابره منسوبة إليها، وهذا الوقت هو الذي أراد الساجع بقوله: إذا طلعت الشعرى سفراً يعني سفر العشاء قبل دخول الظلام وذلك على أثر الوسميّ والوليّ، فإن أخلف الوسميّ ثم الوليّ بعده وأتى الشتاء بكلبه وأخوت النجوم فذلك محل لا شك فيه. ولا يجوز أن يريد بذلك طلوعها صبحاً في شدة لأن ذلك الوقت ليس من أزمنة الأمطار. وقال أبو حنيفة: ظنّ قوم أن الساجع أراد طلوع الشعرى بالغداة وقد أخطأوا في ذلك، وحكاه بعضهم عن مؤرّج، فإن كان صدق فإن مؤرّجاً كان قليل المعرفة بهذا الفنّ لأنّ طلوعها بالغداة في صميم الحرّ، فأي زمان مطر
следующие страницы →