Полный текст (1 070 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
كفار قريش وأسلم يوم الفتح فقبل رسول الله ﷺ عليه إسلامه وعفا عما سلف له وقال عند إسلامه:
يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
وهي أبيات ستذكر في موضعها " ٢ - ٢١٧، ٢١٣ " إن شاء الله تعالى.
وذكر أبو علي " ١ - ١٤٣، ١٤٢ "
خبر مصاد بن مذعور القينيّ
ع وفيه مما لم يفسّره: فحطّت إحداهن ثم طرقت الأخرى. فالخطّة في التراب: هي الأكرات ومنه سميّ الأكره وهم الفلاّحون وأصل الكلمة فارسيّ. والطرق بالحصى: هو الصرف بالحبّ. قال لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وقولها:
لا أبرح فتى إن جدّ في طلب
يقال أبرح في الشيء وبرّح إذا بلغ وأفرط وأتى بالبرح: وهو الشدّة، ويقال أبرحت من أراد اللحوق بك: أي لقي دون ذلك برحاً.
قال الشنفري:
فإن يك من جنّ لأبرح طارقاً ... وإن يك إنساً ما كذا الإنس تفعل
ومنه قولهم ضرب مبرّح. وقال الأعشى:
أقول لها حين جدّ الرحيل ... أبرحت ربّاً وأبرحت جارا
وقال عباس بن مرداس:
وقرّة يحميهم إذا ما تبدّدوا ... ويطعنهم شزراً فأبرحت فارسا
стр. 387
وجواب قولها:
إن جدّ في طلب
قولها أبرح فتى أي أتى بالشدّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٤، ١٤٤ ":
منّا الذي ربع الجيوش لصلبه ... عشرون وهو يعدّ في الأحياء
ع والبيت لأبي النجم من قصيدته التي أوّلها:
علق الهوى بحبائل الشعثاء ... والموت بعض حبائل الأهواء
ولّما أنشد عبد الملك هذه القصيدة وقيل لسليمان فأتى على هذا البيت:
منا الذي ربع الجيوش لصلبه
قال له الخليفة: قف فإن كنت صدقت في هذا فحسبك به فخراً. وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرف منهم ستة عشر ومن ولد ولده أربعة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٤، ١٤٤ ":
لك المرباع منها والصفايا
ع وهذا البيت لعبد الله بن عنمة الضّبيّ يرثي بسطام بن قيس الشيبانيّ وقتله بنو ضبّة. وكان ابن عنمة مجاوراً في بني شيبان فرثى بسطاماً حذراً على نفسه فأحسن وقبل البيت:
يقسّم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
أجدّك لن تراه ولا تراه ... تخبّ به عذافرة ذمول
إلى ميعاد أرعن مكفهرّ ... تضمّر في جوانبه الخيول
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
стр. 388
النشيطة: ما انتشطه الجيش قبل الغنيمة يكون للرئيس. والفضول: ما فضل على القسمة. والصفايا: ما اصطفاه الرئيس لنفسه كالجارية والفرس. وفي الحديث: كانت صفيّة بنت حيّ من الصفيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٤، ١٤٤ " للحطئة:
لعمري لعزّت حاجة لو طلبتها ... أمامي وأخرى لو ربعت لها خلفي
ع وقبله:
يقولون يستغني ووالله ما الغنى ... من المال إلاّ ما يعفّ وما يكفي
لعمري لشدّت حاجة لو علمتها ... أمامي وأخرى لو ربعت لها خلفي
فهلاّ أمرت ابني هشام فيربعا ... على ما أصابا من مئين ومن ألف
هكذا الرواية في البيت لعمري لشدّت يريد عظمت واشتدّ مطلبها يذهب به مذهب التعجّب. وأراد ابني هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانا يتّجران ببلاد الروم وفارس وبلاد الحبشة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٤، ١٤٤ " لرؤبة:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا
هذا أول الرجز وبعده:
حمامة هاجت حماماً سجّعاً ... أبكت أبا الشعثاء والسميدعا
معنى نوله ينبغي وأصله من التناول كأنه قال: تناول كذا وكذا، فإذا قال لا نولك فكأنه قال اقصد، هذا قول سيبويه وغيره من اللغويين، وفي كتاب العين: نولك: معناه حقّك، ورأيت لابن السكيت عن ابن الأعرابي قال: إذا جاء أن مع قولك نولك فلك أن ترفع نولك وتنصب وإلا فلا يكون إلاّ الرفع وأنشد:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا
стр. 389
رفعا ونصبا وأنشد:
أأن زمّ أجمال وفارق جيرة ... عنيت بنا ما كان نولك تفعل
رفعاً لا غير وروى عن أبي علي ما كان نولك بفتح اللام وكذلك وقع في أصله من كتاب الإبدال لابن السكيت " ص٧ " وهو مذهب الكوفيين معناه ما كان منفعة لك أن تفعل أي ما كان منفعة لك هذا الفعل ولا حظّاً، والنول: المنفعة والحظّ تقول قد نلت الرجل إذا نفعته، وقد نال فلان فلاناً إذا نفعه. وقال ابن الأنباري في إعراب هذه المسألة وجهان ما كان نولك أن تفعل بنصب النول على خبر كان ورفع أن بكان وهو أجود كما قال الله تعالى " ما كان حجّتهم إلا أن قالوا "، والوجه الآخر أن يجعل النول اسم كان وأن خبرها وكذلك قرأ الحسن، والوجه عند البصريّين ما كان نولك بالرفع. قال سيبويه تقول نولك أن تفعل لأنهم جعلوه معاقباً لقولهم ينبغي لك أن تفعل كذا وصار بدلاً منه فدخل فيه ما دخل في ينبغي.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٥، ١٤٤ ":
وعلبة نازعتها رباعي ... وعلبة عند مقيل الراعي
يريد علبة نازعها فصاله أي حلب ورضعت هي وعلبة أخرى أبقاها في الموضع الذي يأوي إليه الراعي إذا قال أعدّها للضيفان والقرى. وقال عيسى بن عمر كره استقصاء الحلب إبقاء على الرباع. وقال اليزيدي أنشدني الطوسيّ:
ما إن بلعت اليوم من بلاع ... غير ثمان علب تباع
وعلبة نازعتها رباعي ... وعلبة هرقتها بالقاع
стр. 390
وقال القاع المكان الواسع يعني بطنه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٥، ١٤٤ " لذي الرمّة بيتين أولها قد تقدم ذكره " ص٤٠ "، وأما الثاني فصلته قال وذكر الثور:
إذا ذابت الشمس اتّقى صقراتها ... بأفنان مربوع الصريمة معبل
يحفّره عن كلّ ساق دفينة ... يثير الكباب الجعد عن متن محمل
ذوبان الشمس: لعابها وهو شيء تراه مثل نسج العنكبوت يتطاير في الهاجرة. والصقرات: شدّة الحرّ. والصريمة: رملة منقطعة عن الرمل. وأعبل شجرها: إذا بدأ في التوريق والخضرة. والعبل: اسم الورق. وأعبل أيضاً: إذا سقط ورقه وهما قولان الأول قول أبي نصر، والثاني قول الأصمعيّ، واحتجّ أبو نصر ببيت ذي الرمّة هذا وقال إن كان الإعبال سقوط الورق فكيف يستظلّ بها وهي جرداء عارية، وقال الأصمعي إنما أراد أنه يتوقّى الشمس بالأغصان يصف الثور بالجلد على حرّ الشمس. والكباب: الثرى الذي قد لزم بعضه بعضاً. والجعد مثله. وشبّه عرق الأرطاة لحمرته وطوله بمحمل السيف وهذا كما قال سحيم العبد:
يثير ويبدي عن عروق كأنّها ... أعنّة خرّاز جديداً وباليا
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٥، ١٤٥ " للهذليّ:
من المربعين ومن آزل ... إذا جنّه الليل كالناحط
ع هذا الشعر لأسامة بن الحرث وقد تقدم ذكره " ص٢١ " وأما البيت فصلته:
стр. 391
إذا بلغوا مصرهم عجّلوا ... من الموت بالهميع الذاعط
من المربعين ومن الخ، الهميع: الموت المعجّل. والذاعط: الذابح ضربه مثلاً. وربع هي المعروفة وأربع قليلة وقال أبو الفتح من المربعين أي جعلوا من أولئك الذين حمّوا الربع. ومن آزل: يقول من رجل في أزل وفي ضيق. والناحط: الذي يزفر وهو مثل الأنين من شدة الذي به من المرض.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٥، ١٤٥ ":
واعرورت العلط العرضيّ تركضه ... أمّ الفوارس بالدئداء والربعه
ع هذا البيت من قصيد أنشدها الأصمعي في كتب شتّى. قال أبو الحسين عليّ بن أحمد المهلّبيّ: أنشدناها أبو إسحاق النجيرميّ قال أنشدنا اليزيدي عن عمّه قال أنشدنا ابن أخي الأصمعي عن عمّه. قال أبو الحسين المهلّبي هذه القصيدة للأصمعيّ، وقبل هذا البيت منها:
هلاّ سألت جزاك الله صالحة ... إذ أصبحت ليس في حافاتها قزعه
стр. 392
أيّ امرئ أنا في عسر وفي يسر ... إذا رأيت وجوه القوم ممتقعه
واعرورت العلط العرضيّ تركضه ... أمّ الفوارس بالدئداء والربعه
قوله ليس في حافاتها: يعني السماء وإن لم يتقدم لها ذكر كما قال تعالى: " حتّى توارت بالحجاب ". والقزع: قطع السحاب. والعلط: البعير الذي لا وسم عليه. والعطل: المرأة التي لا حلى عليها وربما قالوا في الذي لا وسم عليه معطول. قال السليك:
يا ربّ نهب قد حويت معطول
وإنما يترك غير موسوم لوجهين: إمّا أن يكون من خيارها فيشفق عليه من الكيّ، أو يكون من صغارها التي لم ترض وهذا هو الذي أراد في البيت. وأمّ الفوارس التي بنوها فرسان يحمونها اعرورت هذا البكر الصعب لمفاجأة الغارة لها فما حال من لا حماة لها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٦، ١٤٥ " للأخطل:
ما في معدّ فتى يغني رباعته
ع وصلته قال الأخطل يمدح مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ:
ضخم تعلّق أشناق الديات به ... إذا المئون أمرّت فوقه حملاً
ما في معدّ فتى يغني رباعته ... إذا يهمّ بأمر صالح فعلا
أغرّ لا يحسب الدنيا تخلّده ... ولا يقول لشيء فات ما فعلا؟
стр. 393
الشنق ما دون الدية وجمعه أشناق.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٦، ١٤٥ " للعجّاج:
رباعياً مرتبعاً أو شوقبا
ع صلته:
كأنّ تحتي أخدريّاً أحقبا ... رباعياً مرتبعاً أو شوقبا
شذّب عن عانته ما شذّبا ... من الجحاش واستفزّ التولبا
أخدريّ: حمار من حمر الوحش يقال لها بنات أخدر كانت بين العراق وكاظمة. ورباعياً: يعني الحمار. مرتبعاً: يرتبع في الربيع. والشوقب: الطويل. وشذّب: أي نفى ويقال جذع مشذّب إذا أخذ ما عليه من الليف ونفي عنه. والجحش فوق التولب في سنّه. واستفزّ: أي استخفّ يقول فرّقها عنها غيرة عليها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٦، ١٤٦ ":
يا ليت أمّ الفيض كانت صاحبي
ع وتمامها:
وقبضت منّي على الرواجب
قوله مكان من أنشأ: أراد من أنشأ أي أقبل فخفّف الهمزة كما قرئ سال سايل وقال هذا على لغة من قال سلت في سألت وقد قيل إنه من السيلان وحذف الهمزة من أصلها كثير قال أبو خراش:
стр. 394
وما بعد أن قد هدّني الدهر هدّة ... تضال لها جسمي ورقّ لها عظمي
أراد تضاءل وحكى أبو زيد لاب لك يريد لا أب لك. وقوله تحت ليل ضارب: يقال يوم ضارب وليل ضارب إذا كانا طويلين. وقوله بكفّ خاضب: أراد بكفّ خضيب فأخرجه مخرج عيشة راضية أي مرضيّة وماء دافق أي مدفوق وأنشد ابن الأعرابيّ:
لو صاحبتني ذات خلق ثوهد ... ورابعتني واتّخذنا باليد
إذاً لقالت ليتني لم اولد
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٧، ١٤٦ " لرؤبة:
دعوت ربّ العزّة القدّوسا
ع هذه الأشطار أوّل الرجز يمدح بها أبان بن الوليد وكان صاحب كرمان فوفد عليه يستمنحه في دين أثقله وبعدها:
والدين يحمى هاجساً مهجوساً ... مغس الطبيب الطعنة المغوسا
الهاجس: ما هجس في الصدر من أحزان وفكر. والمغس: الطعن. يقول كما يمغس الطبيب: أي كما يطعن في الجرح.
وفي شعر مصادر " ١ - ١٤٤، ١٤٣ " مما لم يفسّره أبو عليّ قوله:
فيا واثقاً بالدهر كن غير آمن ... لما تنتضيه الباهضات الفوادح
يقال بهظه الأمر بهظاً إذا غلبه وأثقله وقوله:
مجيرك منه الصبر إن كنت صابراً ... وإلاّ كما يهوى العدوّ المكاشح
أراد وإلاّ تصبر فحذف الجواب لدليل أول الكلام عليه، وكما خبر لابتداء مضمر، أراد وإلاّ أنت كما يهوى العدوّ المكاشح.
стр. 395
وذكر أبو عليّ " ١ - ١٤٧، ١٤٧ " قدوم الوفد على هشام بن عبد الملك، وفيهم إسماعيل ابن أبي الجهم. وذكر كلامه وكلام هشام إلى قوله:
هكذا فليكن القرشي
رواه أحمد بن عبيد. قال أخبرني هشام بن الكلبي عن أبي محمد ابن سفيان القرشيّ عن أبيه قال: كنّا عند هشام بن عبد الملك وقد قدم عليه وفد أهل الحجاز، وكان شباب الكتّاب إذا قدم الوفود حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، فحضرت كلامهم رجلاً رجلاً حتى قام محمد ابن أبي الجهم ابن حذيفة العدويّ، وكان أكبر القوم سنّاً فقال: أصلح الله أمير المؤمنين إن خطباء قريش قد قالت فيك وأطنبت. وذكر الحديث إلى آخر ما ذكره أبو علي وزاد قال ثم قال هشام: إنا والله لنحبّ الحقّ إذا نزل كما نكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيراً ولا نمنع تقتيراً وما نحن إلاّ خزّان الله في بلاده وأمناؤه على عباده، فإذا أذن أعطينا وإذا منع أبينا، ولو كان كلّ قائل يصدق وكل سائل يستحق ما جبهنا طالباً ولا رددنا سائلاً، فاسأل الذي في يده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا فإنه يفتح الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بعباده خبير بصير. هكذا قال أحمد " محمد بن أبي الجهم " وقال أبو علي إسماعيل ابن أبي الجهم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٨، ١٤٧ " لابن أحمر:
كالكواكب الأزهر انشقّت دجنّته
ع وصلته:
يهدي الجيوش ويهدي الله شيمته ... في طرمس البيد سامي الطرف معتدل
كالكواكب الأزهر انشقّت دجنّته ... في الناس لا رهق فيه ولا بخل
هاد ضياء منير فاصل فلج ... قضاؤه سنّة وقوله مثل
стр. 396
يمدح بهذا الشعر النعمان بن بشير الأنصاريّ. والطرمساء والطلمساء: الليلة المظلمة. ومعتدل: قاصد عن الجور. فلج: يفلج بحجّته. وفاصل: يفصل الحقّ من الباطل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٨، ١٤٨ " لابن هرمة:
خير الرجال المرهّقون كما ... خير تلاع البلاد أكلؤها
ع وهو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن هرمة من خلج قريش. والخلج هو قيس بن الحارث بن فهر سمّوا بذلك لأنهم كانوا في عدوان ثم في هوزان، فلما استخلف عمر أتوه ليفرض لهم فأنكر نسبهم. فلما استخلف عثمان أتوه فأثبتهم في بني الحارث بن فهر فسمّوا بذلك الخلج لأنّهم اختلجوا ممّن كانوا معه، وقيل سمّوا بذلك لأنّهم نزلوا بالمدينة على خلج جمع خليج. وابن هرمة من متقدّمي الشعراء وممن أدرك الدولتين الأمويّة والهاشميّة يكنى أبا إسحاق وصلة بيت ابن هرمة:
مرتع ذودي من البلاد إذا ... ما شاع جدب البلاد أكلؤها
يكنّ ضيفي إذا تأوّبني ... أوسع أبياتنا وأدفؤها
خير الرجال المرهّقون كما ... خير تلاع البلاد أوطؤها
وهكذا صحّة إنشاد الشاهد.
стр. 397
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٨، ١٤٨ " لأبي صخر الهذليّ:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البيت آياتها سطر
ع وهو عبد الله بن أسلم السهميّ أحد بني سهم بن مرّة بن معاوية بن هذيل شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية وفي الشعر:
وقفت بربعيها فعيّ جوابها ... فكدت وعيني دمعها سرب همر
هكذا قرأ أبو علي وثبتت الرواية عنه، وصوابه فقلت، ولروايته وجه تخرّج عليه وهو حذف الجواب كأنه قال: فكدت أهلك أو أقضى كما حذف الجواب في قوله تعالى: " ولو أن قرآناً سيّرت به الجبال " ويحتمل أن يكون قوله: فكدت من قولك هو يكيد بنفسه بمعنى يجود بنفسه ولا يكون في الكلام حذف. ورواية الناس ما أنبأتك به. وفيها:
خليليّ هل يستخبر الرمث والغضا ... وطلح الكدا من بطن مرّان والسّدر
هكذا قرأ أبو عليّ يستخبر بفتح الياء لم تختلف الرواية عنه في ذلك، وإنما يصحّ المعنى بأن يكون هل يستخبر بضم الياء لأن الرمث لا يستخبر. وقال أبو علي هكذا أنشدناه أبو بكر ابن الأنباري. وطلح الكدا: بفتح الكاف أظنّه أراد كداء فقصّر للضرورة.
ع وهو لا يجوز لأن كداء معرفة لا تدخلها الألف واللام وكداء هي عرفة بعينها وكديّ: جبل قريب من كداء. قال الشاعر:
стр. 398
أقفرت بعد عبد شمس كداء ... فكديّ فالركن فالبطحاء
وفيها:
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
ذكر الحاتميّ أن كثيراّ اهتدم هذين البيتين فقال:
وإنّي لآتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر أو لتثيب
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
ولا أعلم هذين البيتين في شعر كثيّر وقد نسبا إلى مجنون بني عامر في شعر أوّله:
حلفت لها بالمشعرين وزمزم ... وذو العرش فوق المقسمين رقيب
لئن كان برد الماء حرّان صادياً ... إليّ حبيباً إنّها لحبيب
قوله أو لتثيب: بعض العرب يقسم على الحال ويحذف النون وقد حمل بعضهم قراءة من قرأ لأقسم بيوم القيامة على ذلك. وفيها:
مخافة أنّي قد علمت لئن بدا
ويروى مخافة بالنصب لإضافته إلى غير متمكن كما قرأوا من عذاب يومئذ وفيها:
وإنّي لتعروني لذكراك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
تعروني ههنا من العرواء يقال رجل معروّ إذا أصابته العرواء، وأراد أن يقول:
وإنّي لتعروني لذكرك عرواء
فلم يستقم له فقال:
وإنّي لتعروني لذكرك فترة
стр. 399
فجاء بالضد كما قال الشاعر، وقد نقله أبو علي عنه في هذا الكتاب " ١ - ١٨٦، ١٨٣ ":
كأنّي طريف العين يوم تطالعت ... بنا الرمل سلاّف القلاص الضوامر
حذاراً على القلب الذي لا يضيره ... أحاذر وشك البين أم لم يحاذر
قال أبو علي في كتاب البارع أراد بقوله لا يضيره: لا ينفعه. فلما لم يستقم له الشعر جاء بالضدّ لمّا دلّ عليه المعنى ثقة بفهم المخاطب وكذلك بيت أبي صخر قد دلّ عليه اللفظ وهو قوله وإنّي لتعروني وفهم المعنى بتشبيه وهو قوله كما انتفض العصفور. وحقيقة الفترة في اللغة الضعفة تصيب المفاصل من مرض أو كبر، وقد بيّن عروة بن حزام معنى هذه الفترة التي يجدها العاشق فقال:
عشيّة لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب
وإنّي لتغشاني لذكراك فترة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
يريد أبو صخر أنه يعروه انتفاض عند ذكرها كما ينتفض المرء من الشيء يهابه والأمر يحذره وكما قال العجير السلوليّ وقد تقدّم إنشاده " ٣٩ ":
لدي ملك يستنفض القوم طرفه ... له فوق أعواد السرير زئير
يريد أنه إذا نظر إلى أحدهم أرعد هيبة وأهرع إعظاماً له وهذا من قول أبي صخر كما قال نصيب:
إهابك إجلالاً وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وقال الآخر:
وإنّي لأستحييك حتّى كأنّما ... عليّ بظهر الغيب منك رقيب
стр. 400
وقال قوم إن معنى بيت أبي صخر:
وإنّي لتعروني لذكراك فترة بعد حركة
ورعدة كفترة العصفور أثر انتفاضة وحركته فأوقع تشبيه الفترة في اللفظ على الانتفاض من البلل اختصاراً وثقة بفهم المخاطب، ونظيره في الاختصار لعلم المخاطب قوله عزّ من قائل " ومن الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع " فأوقع تشبيه الكّفار على الناعق بالغنم وإنما شبّههم في الحقيقة بالمنعوق به الذي لا يعقل ولا يعرف معنى النعيق وجعل المؤمنين في دعائهم الكفّار إلى الإيمان وهم لا يسمعون ولا يعقلون كالناعق بالغنم، والمعنى مثلكم أيّها المؤمنون ومثل الكفّار كمثل الناعق والمنعوق به هذا مذهب البصريين في الآية. وخصّ العصفور في البيت لضعفه وصغر جرمه وقصر ريشه فهو إذا أصابه القطر وانتفض انتفش ريشه فدخل الماء خلاله لرقّته فالماء لا يزال يتوصّل وهو لا يزال ينتفض. وهذا من المعاني التي سبق إليها أبو صخر، ويستحسن في هذا المعنى قول محمد بن هانئ:
ولي سكن تأتي الحوادث دونه ... فيبعد عن عيني ويقرب من فكري
إذا ذكرته النفس جاشت لذكره ... كما عثر الساقي بجام من الخمر
وقوله:
على رمث في البحر ليس لنا وفر
الرمث: أعواد يضمّ بعضهن إلى بعض كالطوف يركب عليها البحر. والطوف: قرب تنفخ ويشدّ بعضها إلى بعض يحمل عليها. وقوله:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
ع قال أصحاب المعاني يريد أنّ الدهر قصر بقربها ووصلها فكأنه كان ساعياً جارياً وكأن اختلاف الملوين بينهما سدّ فلمّا فقد ذلك سكن أي طال. والسعي إنما يكون مصدر سعي بالقدم فأما إذا سعى بالبغي فمصدره السعاية ومن هذا البيت أخذ
стр. 401
أبو الطيّب قوله:
ذكرت به وصلاً كأن لم أفز به ... وعيشاً كأنّي كنت أقطعه وثبا
فأتى بالوثب بإزاء السعي، وذكر وصلاً كأن لم يفز به لقصر أمره وسرعة فناء مدّته وقال آخر:
ظللنا عند دار أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب
وقال شبرمة بن الطفيل:
ويوم شديد الحرّ قصّر طوله ... دم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر
ويروى كظلّ الرمح. وقول أبي صخر:
هجرتك حتى قلت ما يعرف القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر
أراد ما يعرف القلى المتعاهد أي الذي يستبقي به سبب للتواصل فحذف الصفة كما تقول لبائع اشتطّ في سومه أنت ما تعرف البيع، وقد قيل إنّ ما ههنا بمعنى الذي وهذا ليس بشيء لا في المعنى ولا في صناعة الكلام لأن مقابلة النفي بالنفي أولى. وقوله:
تباريح حبّ خامر القلب أو سحر
من مذهبهم أنهم إذا أرادوا المبالغة في ذكر الحبّ والهوى جعلوه سحراً. قال رجل من بني ربيعة:
هل الوجد إلاّ أن قلبي لو دنا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
فإن كنت مطبوباً فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحوراً فلا برأ السحر
وقال أبو عطاء:
فوالله ما أدري وإنّي لصادق ... أداء عراني من حبابك أم سحر
стр. 402
فإن كان سحر فاعذريني على الهوى ... وإن كان داء غيره فلك العذر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٠، ١٥٠ " لأعرابيّ شعراً فيه:
ولئن غضبت لأشربنّ بواحدي
ع وبعده في غير روايته:
ولئن عصيت لأشربن بك إنني ... ماض على قسمي بعهدي موف
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥١، ١٥٠ " لذي الرمّة:
كأنّ أعجازها والريط يعصبها ... بين البرين وأعناق العواهيج
ع وقبلها:
يا حادي بنت فضّاض أما لكما ... حتى نكلّمها همّ بتعريج
خود كأنّ اهتزاز الريح مشيتها ... لفّاء ممكورة من غير تهبيج
كأن أعجازها
الممكورة التي إذا لمستها لم تكد تجد عظماً، ويقال المكر في الساق خاصّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥١، ١٥١ " في خبر سنمّار:
جزاء سنمار بما كان يعمل
ع وتمامه:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار بما كان يعمل
стр. 403
والملك الذي فعل به ذلك هو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس، وقيل إنه صاحب الخورنق وإنه لما علا على الخورنق ورأى بنياناً لم ير مثله، وخاف إن هو استبقاه أن يعمل لغيره مثله رمى به من أعلى القصر. فقال في ذلك الكلبيّ في شئ كان بينه وبين بعض الملوك:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنّمار وما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان سبعين حجّة ... يعلّى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تمّ سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
وظنّ سنمّار به كلّ حبوة ... وفاز لديه بالمودّة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب
قال كراع السكب: النحاس وقال ابن الأعرابي وقد أنشد قول أبي الطمحان:
وإنّي لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر
جزاء سنمّار جزوها وربّها ... وبالله والنعمى جزاء المكّفر
قال سنمّار عبد روميّ وهو الذي بنى الحصن لأحيحة بن الجلاح: وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٢، ١٥١ ":
طوال الأيادي والحوادي كأنّها ... سماحيج قبّ طار عنها نسالها
стр. 404
ع هذا الشاعر يصف خيلاً شبّهها في طولها وارتفاعها بإبل سماحيج: أي طوال طار عنها نسالها لسمنها. وهذا البيت حجّة في جمع اليد العضو على أياد، وأياد جمع أيد فهو جمع الجمع، وكذلك قول القحيف العقيليّ:
ومن أعجب الدنيا إليّ زجاجة ... تظلّ أيادي المنتشين بها فتلا
قال أبو علي والحوادي: الأرجل التي تتلو الأيدي وتحدوها. وروى غيره طوال الأيادي والهوادي بالهاء: أي المقادم وهو الصحيح لأن الأيدي إذا طالت طالت الأرجل لا محالة إذ لا يجوز أن تختلف إلاّ ما يذكر من خلق الزرافة أن رجليها أقصر من يديها، وخلق الأرانب على خلاف ذلك أرجلها أطول من أيديها، وأما الهوادي فقد تكون قصاراً مع طول القوائم. ولا أعلم أحداً روى هذا البيت إلاّ طوال الأيادي والهوادي لا الحوادي ولولا أن أبا علي فسّره لقيل إنه وهم من الناقل، والهوادي هي التي توصف بالطول.
قال طفيل:
طوال الهوادي والمتون صليبة ... مغاوير فيها للأريب معقّب
стр. 405
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥٢، ١٥٢ ":
لو كنت من زوفن أو بنيها
ع هكذا رواه أبو علي زوفن بالزاي وذكره ابن دريد في الاشتقاق " ص ١٩٢ " دوفن بالدال وهو مشتقّ من الدفن. ودوفن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار وهم رهط المتلمّس الشاعر ورهط الحارث بن عبد الله بن دوفن الأضجم سيّد بني ضبيعة في الجاهلية، وكذلك ذكره ابن ولاّد وغيرهما وهو الصحيح. وزوفن وهم من ناقلة لا يعرف في العرب زوفن بالزاي.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٢، ١٥٢ " للنابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم
ع وقبله:
جمع يظلّ به الفضاء معضّلا ... يدع الإكام كأنهنّ صحارى
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم ... طفحت عليك بناتق مذكار
يخاطب بهذا الشعر زرعة بن عمرو بن خويلد أخا يزيد بن عمرو بن الصعق. وقوله: طفحت عليك: أي اتّسعت ونثرت ولداً كثيراً.
قال أبو عليّ " ١ - ١٥٢، ١٥٢ " كان لرجل من مقاول حمير ابنان إلى آخر ما أورده من خبره.
ع المقاول والأقوال هم الذين دون الملك الأعظم، فمن جمع قيلا على أقيال جعله من تقيّل أباه أي أتّبعه كما قال تبّع من الأتّباع، ومن جمعه على أقوال أخذه من قال يقول، لأنه صاحب القول المسموع المعمول.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥٥، ١٥٤ " في تفسير هذا الخبر لذي الرمّة:
لها بشر مثل الحرير
ع وصلته:
تميميّة حلاّلة كلّ شتوة ... بحيث التقى الصمّان والعقد العفر
стр. 406
تطيب بها الأرواح حتّى كأنّما ... يخوض الدجى من برد أنفاسها العطر
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولين بالألباب ما تفعل الخمر
وروى أبو العباس رقيق الحواشي. وقوله: من برد أنفاسها: يعني أنفاس الرياح. والهراء: هو هذر الكلام وسقطه.
ومما لم يفسّره أبو علي من هذا الحديث " ١ - ١٥٤، ١٥٣ " قوله: الضعيف الجنان الجعد البنان ع قال بعض اللغويين: الجنان: النفس. سميّت بذلك لأن الجسم يجنّها، وقال آخرون: الجنان: روع القلب، وروعه ورواعه: ذهنه. ومنه حديث رسول الله ﷺ إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفساً لا تموت حتى تستكمل أجلها وزقها. فأما جعد البنان: فهو كناية عن البخيل وإشارة إلى انقباض اليد، ويقولون في ضدّه سبط البنان: أي منبسط اليد جواد، ووصف الله تعالى نفسه فقال: " بل يداه مبسوطتان " وقال الشاعر:
سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام
وقال العطوي:
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتي ... إلى شكر سبط الراحتين أريب
وقد يكون أيضاً جعد البنان كناية عن صغر اليد وكزازتها وقصر الأصابع وذلك مذموم عندهم قال:
فقبّلت رأساً لم يكن رأس سيّد ... وكفّاً ككفّ الضبّ أو هي أحقر
ومما لم يفسّره " ١ - ١٥٤، ١٥٣ " الخبوط والخروط. والخبوط من الخيل الذي
стр. 407
يخبط بيديه. ويقال خبط بيده ورمح برجله ونفح أيضاً بيده، وزبنت الناقة برجلها، فأما الخروط فهو الذي يجذب رسنه من يد ممسكه وهو الخراط.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٦، " للحسين بن مطير:
فيا عجباً للناس يستشرفونني
ع قوله يستشرفونني معناه يرفعون أبصارهم إليّ وأنا على شرف من الأرض. والقول الثاني في يستشرفونني قد ذكره أبو عليّ. وقال الحسين بن علي البصري وروى بعضهم يستشرفونني أي ينسبون إليّ الشرف والرواية الأولى أصحّ. وقوله:
كأن لم يروا بعدي محبّاً ولا قبلي
يريد بعد إذ أحببت هذا ولا قبله. كقولك للرجل ينظر إلى سيف متعجبّاً كأن لم تر قبله ولا بعده مثله. تريد قبل أن رأيته وبعده ولم ترد قبل أن يطبع ولا بعد أن يفقد ويعدم. وهو الحسين بن مطير بن مكمل مولى لبني سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وكان مكمل عبداً فأعتقه مولاه. وكان الحسين من ساكني زبالة، وكان رواية وكلامه ومذهبه يشبه كلام الأعراب ومذاهبهم. وهو شاعر متقدم من شعراء الدولتين.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٦، ١٥٦ ":
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ع اختلف في نسبة هذا الشعر فقيل إنه لعروة بن أذينة، وقيل إنه لبشار، وقد تقدّم ذكرهما " ٣٦، ٧٤ ". وقوله فصاغها بلبانه فأدقّها وأجلّها، وروى غير أبي علي بلباقة، يقال رجل لبق ولبيق: وهو الحاذق بالشيء والمصدر اللباقة واللبق. قال الشاعر:
стр. 408
وكان بتصريف القناة لبيقا
وقال ابن الأعرابي: ومعنى قوله فأدقّها وأجلّها: دقّ منها حاجباها وأنفها وخصرها، وجلّ عضداها وساقاها وبوصها. وهذا كما قال آخر:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
وقوله:
ما كان أكثرها لنا وأقلّها
يريد أن تحيّتها وإن كانت نزرة قليلة فإنّها عندنا كثيرة جليلة، وهذا كما قال العباس بن قطن:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ! ليس منك قليل
وكما قال ابن إسحاق بن إبراهيم:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... يشف منها الجوى ويرو الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحبّ القليل
وقال آخر:
......... ولكن ... قليلك ما يقال له قليل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٧، ١٥٦ " لابن الدمينة:
ولّما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشا توهي القميص عواتقه
ع قال ابن الأعرابيّ وأبو عمرو والأصمعيّ هذا الشعر لابن الطثريّة غصبه عليه ابن الدمينة وقد تقدّم ذكرهما " ٢٧، ٦٤ " وقوله:
توهي القميص عواتقه
يعني لزومه حمل السيف فيؤثّر نجاده في عاتقه، وهذا كما قالت أخت ابن الطثريّة:
стр. 409
فتى لا ترى قدّ القميص بخصره ... ولكنّما توهي القميص كواهله
والعرب تتمدح بذلك وترى أن تمام زيّها وكما لأبّهتها في تقلّد السيوف ولبس العمائم. وقال الأحنف: لا تزال العرب عرباً ما لبست العمائم وتقلّدت السيوف ولم تر الحلم ذلاًّ. وكانوا يقولون: عمائم العرب تيجانها، وحباها حيطانها. وقال امرؤ القيس:
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني عليّ السابريّ المضلّعا
وقال عنترة:
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
والكمع: الضجيج. وقال أبو تمام في مثله:
عاتق معتق من الهون إلاّ ... من حمالات مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد
وروى أبو تمام في شعر ابن الدمينة:
قليل قذى العينين تعلم أنّه ... هو الموت إن لم تصر عنّا بوائقه
وإن لم تسر عنّا بالصاد والسين. وقوله قليل قذى العينين: يصفه بحدّة البصر وبعد النظر فلا يمكن معه اختلاس ولا انتهاز فرصة. وروى أبو تمام أيضاً: فرافقته مقدار ميل وهو أحسن لقوله بعد:
وليتني على رغمه ما دام حيّاً أرافقه
فيتوازن اللفظ وتأتي فيه الصناعة التي تسمى الترديد.
وذكر أبو عليّ " ١ - ١٥٧، ١٥٦ "
خبر خلف الأحمر
стр. 410
ع وهو خلف بن حيّان مولى أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري يكنى أبا محرز وكان من أعلم الناس وأقدرهم على قافية. وقد ذكر أبو علي طرفاً من فضائله في الحديث. وروى محمد بن الحسين عن أبي عليّ قال: كنت أتعصّب كثيراً للأصمعي فكنت أسأل أبا بكر ابن دريد كثيراً عن خلف والأصمعيّ أيّهما أعلم، فيقول لي: خلف، فلمّا أكثرت عليه انتهزني وقال أين الثماد من البحور. وروى ابن المغازلي قال أخبرنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعت الأصمعي يقول وذكر خلفاً فقال: ذهبت بشاشة الشعر بعد خلف الأحمر، فقيل له كيف وأنت حيّ؟ فقال إن خلفاً كان يحسن جميعه وما أحسن منه إلاّ الحواشي. وكان الأصمعي أبصر منه بالنحو. وأنشد في الخبر " ١ - ١٥٧، ١٥٦ ":
قد عشت في الدهر ألواناً على طرق ... شتّى وقاسيت فيها اللين والفظعا
стр. 411
كلاّ بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشّعت من لأوائها جزعا
لا يملأ الهول صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا
لا يبرح المرء يستقري مضاجعه ... حتى يبيت بأقصاهنّ مضطجعا
وليس يبرح يستصفي مشاربه ... حتى يجرّع من رنق البلى جرعا
فامنع جفونك طول الليل رقدتها ... واقدع حشاك لذيذ الطعم والشبعا
واستشعر البرّ والتقوى بعدّتها ... حتّى تنال بهنّ الفوز والرفعا
وأنشد أبو علي الثلاثة الأبيات من أول هذا الشعر:
قد عشت في الدهر
والبيتين اللذين يليانه لمعاوية ابن أبي سفيان في آخر كتابه الأماليّ " ٢ - ٣٠٨، ٣٠٤ " وروايته:
قاسيت فيها اللين والطبعا.
وذكر أبو عليّ " ١ - ١٥٧، ١٥٦ " أول القصيدة المنسوبة إلى الشنفري .
أقيموا بني أمّي صدور ما حكم ... فإنّي إلى قوم سواكم لأميل
ع يقول خذوا في أمركم يقال للرجل إذا سار وتوجّه أقام صدر مطيّه. وقوله:
فإنّي إلى أهل سواكم لأميل
كان نازلاً في فهم وعدوان وكان أهله من الأزد. وبعده:
فقد حمّت الحاجات والليل مقمر ... وشدّت لطيّاتي مطيّ وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحوّل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
стр. 412
والشنفري شاعر جاهليّ أحد بني الحجر بن الهنء من الأزد، وهو من صعاليك العرب وفتّاكهم.
وأنشد للجعدي " ١ - ١٥٨، ١٥٧ ":
كأنّ مقطّ شراسيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب
وبعدهما:
ويصهل في مثل جوف الرّكىّ ... صهيلاً يبيّن للمعرب
الشراسيف: مقاطّ الأضلاع. والمنقب: الموضع الذي ينقب البيطار في بطنه يستخرج منه الماء. يقول: إن ذلك الموضع منه ليس بمسترخ. وقوله لطمن بترس: يعني عجمن ولذلك قال: لم يثقب. وقوله شديد الصفاق بالخفض والرفع لأن قبل أبيات منه:
بعاري النواهق صلت الجبين ... يستنّ كالتيس في الحلّب
والناهقان: العظمان اللذان في مجاري الدمع، ثم مضى في صفة أعضائه حتى قال كأنّ مقطّ شراسيفه.
وأنشد للنمر " ١ - ١٥٨، ١٥٧ ":
стр. 413
ألمّ بصحبتي وهم هجود ... خيال طارق من أمّ حصن
ع وبعدهما:
ألم ترها تريك غداة قامت ... بملء العين من كرم وحسن
سقيّة بين أنهار ودور ... وزرع نابت وكروم جفن
لها ما تشتهي عسل مصفيّ ... إذا شاءت وحوّاري بسمن
فقلت وكيف صادتني سليمى ... ولّما أرمها حتّى رمتني
من رفع سقيّة فالباء في قوله: بملء العين زائدة، ومن نصب أوقع الفعل عليها وكانت الباء غير زائدة.
وأنشد لأبي كبير " ١ - ١٥٨، ١٥٧ ":
وأخو الأباءة إذ رأى خلاّنه
ع صلته:
هل أسوة لك في رجال صرّعوا ... بتلاع تريم هامهم لم تقبر
وأخو الأباءة إذ رأى خلاّنه ... تلّى شفاعاً حوله بالإذخر
لّما رأى أن ليس عنهم مقصر ... قصر الشمال بكلّ أبيض مطحر
وأخو الأباءة: يعني نفسه. وتلّى: جمع تليل. وقصر الشمال: يقول حبس شماله يرمى. والمطحر: سهم بعيد الذهاب.
стр. 414
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥٩، ١٥٨ " للبيد:
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ع وصلته:
قضّ اللبانة لا أبالك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكّلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
التأكّل: وقوع بعضهم على بعض، واغتيال بعضهم لبعض، وخيانة بعضهم بعضاً. وروى عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أنشدت بيت لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
فقالت فكيف لو أدرك لبيد زاننا هذا؟ قال عروة: فكيف لو أدركت عائشة زماننا هذا؟ وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٩، ١٥٨ ":
وجيئا من الباب المجاف تواتراً ... وإن تقعد بالخلف فالخلف أوسع
وذكر أبو عليّ " ١ - ١٥٩، ١٥٨ "
حديث الأعرابيّ الذي حبق فتشوّر
قال الأصمعيّ قول العامّة تشوّر بمعنى خجل باطل ليس من كلام العرب أظنّه فارسيّاً. وقد حبق رجل بحضرة عمر بن الخطّاب فتغافل عنه حتى حضرت الصلاة فقال عزمت على من كانت منه هذه الريح إلاّ قام فتوضّأ فلم يقم أحد، ثم أعاد فلم يقم أحد. فقال جرير بن عبد الله البجليّ: لو عزمت علينا يا أمير المؤمنين أن نتوضّأ جميعاً كان ذلك لفاعله فريضة
стр. 415
ولغيره برّاً ونافلة وكان أستر على الرجل. فقال: جازاك الله خيراً فما عرفتك إلاّ سيّداً في الجاهلية فقيهاً في الإسلام، قوموا فتوضّأوا، فقام القوم فتوضأوا. وحبق كاتب لعمر بن عبد العزيز بين يديه فرمى بقلمه واستحيا ممّا جاء به. فقال عمر: لا عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليذهب روعك فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. وحضر مجلس يزيد بن المهلّب رجل تميميّ، وقد جرّد يزيد رجلاً من الأزد ليضربه، فلما وقع السوط بجنبه حبق، فقال التميميّ ماله لعنه الله؟ أما أنّه لو كان من عدنان ما حبق لوقع السوط بجنبه فسمعها يزيد فقال تعصّباً للأزد: والله لأضربنك حتى تضرط. فقال والله لا ترى ذلك أبداً ولتجدنّها كما قال الأعشى:
كتوم الرغاء إذا هجّرت ... وكانت بقيّة ذود كتم
فقيل له الأمير قد أقسم ليضربنّك أو تفعل فما عليك قال: كلاّ إنها كما قال الكميت:
كتوم إذا ضجّ المطيّ كأنما ... تكرّم عن أخلاقهن وترغب
وضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: استرها عليّ فحدّث بها معاوية عمراً فدخل أبو الأسود على معاوية وعنده عمرو. فقال له عمرو ما فعلت ضرطتك؟ فقال ذهبت كما تذهب الريح فلتة من شيخ ألان الدهر أعصابه، وكلّ أجوف ضروط، ثم أقبل على معاوية فقال: إن امرأ ضعفت أمانته عن كتمان ضرطة لحقيق أن لا يؤمن على أمور المسلمين. وأخذ عبد الله بن عليّ ب عبد الله بن عبّاس أسيراً من أصحاب مروان فشهر عليه السيف ليقتل، فضرط ضرطة شنيعة فسقط السيف من يد السيّاف، ونفرت دابّة عبد الله فقال له: إذهب فأنت طليق ضرطتك. فقال هذا والله الإدبار كنّا ندافع الموت بأسيافنا فصرنا ندافعه بأدبارنا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٠، ١٥٨ " لذي الرمّة:
стр. 416
ومستخلفات من بلاد تنوفة ... لمصفرّة الأشداق حمر الحواصل
ع وبعده:
صدرن بما أسأرت من ماء آجن ... صرى ليس من أعطانه غير حائل
الصرى: من الماء المجتمع الذي طال مكثه، ومنه الشاة المصرّاة التي حفلت بلبنها. والأعطان: جمع عطن وهي مبارك الإبل بعد الشرب. ويعني بالحائل البعر يقول ليس منه إلاّ ما قد أتى عليه حول حتى يبس وابيضّ، وإنما يريد أن هذا الماء بعيد العهد بالناس.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦١، ١٦٠ ":
فأقع كما أقعى أبوك على استه ... رأى أن ريماً فوقه لا يعادله
ع وبعده:
فإن كنت لم تصبح بحظّك راضياً ... فدع عنك حظّي إنني عنك شاغله
والشعر للمخبّل السعدي يهجو الزبرقان بن بدر. والمخبّل اسمه ربيعة بن مالك سعدي من بني شماس بن لأي ابن أنف الناقة يكنى أبا يزيد شاعر إسلاميّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦١، ١٦٠ " لمالك بن الريب المزني:
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّمي ... على الريم أسقيت السحاب الغواديا
ع هذا وهم من أبي عليّ إنما مالك مازنيّ لا مزنيّ، وهو مالك بن الريب بن
стр. 417
حوط بن قرط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرّ يكنى أبا عقبة. وأما مزينة فهو ابن مرّ بن ادّ بن طابخة بن اليأس بن مضر، منهم النعمان بن مقرّن، ومعقل بن يسار، وزهير الشاعر. وهذا البيت الذي أنشده أبو علي من قصيدة لمالك يرثي بها نفسه وكان سعيد بن عثمان بن عفّان لّما ولاّه معاوية خراسان قد استصحب مالك بن الريب، وكان من أجمل العرب جمالاً وأبينهم بياناً فمات هناك وقيل بل طعن فسقط وهو بآخر رمق فقال هذه القصيدة. وصلة البيت منها:
فيا ليت شعري هل بكت أمّ مالك ... كما كنت لو عالوا نعيّك باكيا
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّمي ... على الرمس أسقيت السحاب الغواديا
رهينة أحجار وترب تضمّنت ... قرارتها مني العظام البواليا
ويروى فسلّمي على الرّيم أي القبر، والأولى رواية أبي عبيدة. وزعم بعض الرواة أن الجنّ رثته بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦١، ١٦٠ ":
وكنت كعظم الريم لم يدر جازر ... على أيّ بد أي مقسم اللحم يجعل
ع اختلف في هذا البيت فقيل إنه للطرمّاح بن حكيم وقيل إنه لأبي شمر ابن
стр. 418
حجر بن وائل بن ربيعة بن ربيعة الحضرميّ، وصلته:
ولو شهد الصفّين بالعين مرثد ... إذاً لرآنا في الوغى غير عزّل
وما أنت في صدري بغمر أجنّة ... ولا بقذى في مقلتي متجلجل
أبوكم لئيم غير حرّ وأمّكم ... بريدة إن ساءتكم لم تبدّل
وأنتم كعظم الريم لم يدر جازر ... على أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل
وأنشد يعقوب: على أيّ بدأي مقسم اللحم يوضع وهو خطأ. والأبداء: الأعضاء واحدها بدء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦١، ١٦٠ ":
إذا علون أربعاً بأربع
ع الجعجع: المكان الذي لا يطمئنّ عليه من جلس فيه وكذلك الجعجاع. وموصيّة: موصولة. وأننّ: من الإعياء والجهد، وإنما يريد عند بروكهنّ. والأشطار لحكيم بن معيّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٢، ١٦٠ " لكعب بن زهير:
ثنت أربعاً منها على ظهر أربع ... فهنّ بمثنيّاتهنّ ثمان
стр. 419
ع لا أعلم هذا البيت لكعب وقد جمعت من شعره كلّ رواية ومعناه ظاهر وقد رأيته منسوباً إلى ودّاك بن ثميل، وأخلق بهذا القول أن يكون صواباً. والبيت من قصيدته التي يقول فيها:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لأيّ مكان
وقد تقدم نسب كعب " ٦٣ " عند ذكر أبيه زهير ويكنى أبا المضرّب وهو جاهلي إسلاميّ، وكان يهجو المسلمين وينال من النبي ﷺ ثم قدم عليه فأسلم ومدحه بقصيدته التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول
ويجير بن زهير أخوه أقدم إسلاماً منه، وكان أيضاً شاعراً أمّهما كبشة بنت عمّار من بني سحيم.
وذكر أبو علي " ١ - ١٦٢، ١٦٠ "
قول هيت تقبل بأربع وتدبر بثمان
ع وخبره أنه كان بالمدينة ثلاثة من المخنّثين يدخلون على النساء فلا يحجبن هيت وهرم وماتع، وكان هيت يدخل على نساء رسول الله ﷺ ، فدخل يوماً دار أمّ سلمة ورسول الله ﷺ عندها فأقبل على أخي أمّ سلمة عبد الله ابن أبي أميّة ابن المغيرة فقال إن فتح الله عليكم الطائف فاسأل أن تنفّل على بادنة بنت غيلان بن سلمة بن معتّب فإنها مبتّلة هيفاء، شموع نجلاء، تناصف وجهها في القسامة، وتجرأ معتدلاً في الوسامة، إن قامت تثنّت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغنّت، أعلاها قضيب،
стр. 420
وأسفلها كثيب، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، ونتوء ينتبيئ بين فخذيها كالقعب المكفإ. فهي كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شفّ وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتها ... قصد فلا جبلة ولا قضف
فسمع ذلك رسول الله ﷺ . فقال: مالك سباك الله؛ ما كنت أحسبك إلاّ من غير أولي الإربة من الرجال. ثم أمر أن يسيّر إلى خاخ وبقي مسيّراً هناك إلى أيام عثمان فردّه إلى المدينة. وقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنّث كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال أحسن البشر، قال صفها قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّأ معتدلاً في الوسامة، إن مشت تثّنت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغّنت. قوله تبنّت: التبنّي تباعد ما بين الفخذين، يقال تبنّت الناقة إذا باعدت ما بين فخذيها عند الحلب. وقيل معنى تبنت صارت كأنها بنيان من عظمها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٢، ١٦١ " للعرجيّ:
وما أنس م الأشياء لا أنس موقفاً ... لنا ولها بالسفح دون ثبير
ع العرجيّ هو عبد الله بن عمرو بن عثمان سميّ العرجي لأنه ولد بالعرج من مكة.
стр. 421
وقيل بل كان له فيه مال فكان يكثر الاختلاف إليه فشهر به، يكنى أبا عمرو، شاعر مطبوع في النسيب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٣، ١٦١ ":
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنّه ... رهين بأيّام الشهور الأطاول
ع هذا الشعر عزاه أبو تمام إلى قيس بن ذريح، ونسبه ابن الأعرابي إلى ابن ميّادة وذلك أنه أنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غفلة المتفقّد
بعيني مهاة يحدر الدمع منهما ... بريمين شتّى من دموع وإثمد
ثم قال: فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس م الأشياء
ثم قال: فسرقه بعض المحدثين فقال:
خذي عدّة للبين إنّي راحل ... قرى أمل يجديك والله صانع
فسحّت بسمطي لؤلؤ خلط إثمد ... على الخدّ إلاّ ما تكفّ الأصابع
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦٣، ١٦١ ":
شيّب أيّام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
ع هذا الشعر لجميل وهي قصيدة، ورأيت بخطّ أبي عليّ هذا البيت. قال: أراد بلغت الحلقوم وموضعها الصدر. ويروى:
إلى النازع المشتاق كيف يكون
والنازع: البعيد الذي فارق أصحابه فقصر: أي حبس فهو دائم الحنين إليها.
стр. 422
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٣، ١٦٢ " أشعاراً لقيس بن ذريح، ومجنون بني عامر، وقد مرّ ذكرهما " ٨٩، ٨٣ " وقال في خلالها ثم مرّ المجنون فأجمز في الصحراء.
ع يقال أجمز الرجل عدواً وكذلك البعير، والإجمار: السعي. قال الخطابي: سمّيت الجمرات لأن إبليس عرض لآدم ﵇ فرماه بحصاة فأجمر بين يديه. وقال غيره: سمّيت الجمرات لاجتماعها وكثرتها، ومنه جمرات العرب وهي أربع: بنو الحارث بن كعب، وبنو عبس، وبنو تميم، وبنو ضبّة، طفئت منها جمرتان لأنهما حالفتا وهما بنو الحارث وبنو عبس، وبقيت جمرتان. والجمز: بالزاي ضرب من سير الإبل فيه سرعة وهو أشدّ من العنق. وفي الحديث: كانوا يأمرون الذين يحملون الجنازة بالجمز، فكان ذلك كالسّنّة حتى مات عثمان ابن أبي العاصي الثقفي وكان سقي بطنه فسير به سيراً رويداً، فترك الناس السنّة الأولى بعد ذلك وبذلك سمّيت الجمّازة من الإبل. وكانت أم جعفر قد خشيت موت الرشيد في بعض أسفارها معه فأمرت بالحثّ في طلبه فسارت بها راحلتها ضروباً من السير حتى وقعت على الجمز فوجدته سيراً سهلاً تستلذّه مع سرعته فأمرت بلزومه فاتّخذت الجمّازات مذ ذلك. وقوله فيها " ١ - ١٦٤، ١٦٢ ":
وعذّبه الهوى حتى براه ... كبرى القين بالسّفن القداحا
السّفن: المبرد لأنه يسفن أي يقشر، وبذلك سمّيت السفينة لأنها تقشر وجه الماء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٤، ١٦٣ " لابن مرّة المكّيّ:
стр. 423
ساعة ولّى شمت العاذل
ع وهذا الشعر في ديوان خالد الكاتب، وقد مضى ذكر ابن أبي مرّة " ٣٧ " وذكر خلد " ٧٤ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٥، ١٦٤ " للمجنون:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمت ... كأنّك عمّا قد أظلّك غافل
ع وبعدهما:
وإنّك ممنوع التصبّر والعزا ... إذا بعدت ممّن تحبّ المنازل
وأنشد " ١ - ١٦٦، ١٦٤ " لحبيب:
لو كان في البين إذ بانوا لهم دعة ... لكان بينهم من أعظم الضرر
ع وهذا الشعر لم يروه عنه أحد من الرواة المشهورين برواية شعره. وهو أبو تمّام حبيب بن أوس بن ثابت طائيّ من أنفسهم، شاعر متقدّم لطيف الفطنة دقيق المعاني، وله مذهب في المطابقة والبديع، بذّ فيه الشعراء وغبّر في وجوه السوابق.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦٦، ١٦٥ " للحسين بن مطير:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوى ... على كبدي ناراً بطئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنّ شوقاً كلّ يوم يزيدها
ع ويروى لتصرّمت بصاد مهملة، فمن رواه بالضاد المعجمة فمعناه: لو تركت لم تزل
стр. 424
متضرّمة: متّصلة الوقود، فكيف بزيادتها ضراماً كلّ يوم، ومن رواه بصاد مهملة فمعناه: لو تركت لخمدت وهمدت، ولكنها تذكى كلّ يوم، وهما مذهبان للشعراء والأول أبلغ. وفيه:
فقد جعلت في حبّة القلب والحشى ... عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
قال أبو علي: قال ابن الأعرابي: بشوق بعيدها بالباء.
ع فينبغي أن يكون على هذه الرواية يولي بالياء أخت الواو لا تولي بالتاء، لأنه المعنى يولي بعيدها بشوق. وفيه:
عذاب ثناياها عجاف قيودها
وقد تقدّم القول في القيود والضمير عائد إلى اللثات. وفيه:
بصفر تراقيها وحمر أكفّها
في هذه الصفرة قولان. أحدهما: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الحلى، والثاني: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الطيب وأنها رادعة. وقال الحسن بن هانئ في مثله:
وقد غلبتها عبرة فدموعها ... على خدّها بيض وفي نحرها صفر
وقال بشار:
وصفراء مثل الزعفران شربتها ... على نحر صفراء الترائب رود
وفيه:
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامي بات طلّ يجودها
قال ابن الأعرابي ترفّ قلوبنا: أي تبرق وليس للبريق هنا معنى، وبريق القلب شيء غير معروف ولا محسوس ولا مرئيّ، وإنما ترفّ هنا تتحرك ثقة بنيل المنى منهن حركة اختلاج لا حركة خفقان لأن الخفقان إنما يكون من الذعر. قال الراجز:
لم أدر إلاّ الظنّ طنّ الغائب ... أبك أم بالغيب رفّ حاجبي
أراد اختلج، وشبّه الشاعر تلك الحركة بحركة الخزامي إذا ثقلت بالطلّ وهي حركّة ضعيفة. وقال الأصمعي في كتاب الأمثال له في قولهم: " هو يحف له ويرفّ " أي هو يقوم له
стр. 425
ويقعد، وينصح له ويشفق، ويراد بيحفّ له: أي تسمع له حفيفاً، ويقال رفّ الشجر يرفّ إذا كان له كالاهتزاز من النضارة والريّ، ويقال ورف يرف وريفاً في معناه، وقيل الوريف البريق.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦٧، ١٦٥ " لابن ميّادة:
كأنّ فؤادي في يد ضبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
ع الضبث: القبض وبذلك سمّيت مخالب الأسد مضابث وسمّي هو ضبّاثاً.
وأنشد " ١ - ١٦٧، ١٦٦ " للبحتريّ:
الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شأمك أو عراقك
ع هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بني بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل الطائيّ ويروى عنين بن سلامان بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ، شاعر متقدّم لا يعدل به أحد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٩، ١٦٧ " لمسلم بن الوليد:
وإنّي وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الورع فارقه النصل
ع هو مسلم بن الوليد مولى أبي امامة أسعد بن زرارة الخزرجيّ يكنى أبا الوليد
следующие страницы →