Полный текст (1 070 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وابن ابن أخيه أيضاً شاعر جوّاس بن سلمة بن المنذر بن المضرّب. وروى القرميسيّ عن الآمديّ عن أبي العبّاس المبرّد أنه لحجيّة بن المضرّب قالهما لبعض الملوك وبلغه عنه شيء، وهذا مما التبس على أبي عليّ حفظه. وفيه:
وكفّنت وحدي منذراً بردائه ... وصادف حوطاً من أعاديّ قاتل
منذر ابنه وحوط أخوه. وقوله وحدي: أي أكون غريباً حيث لا أجد معيناً. وقوله بردائه: أي لا يجد سواه وهذا يحقّق الغربة. وشبيه بهذا قول امرئ القيس:
فإمّا تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقرّ تخفق أكفاني
يريد ثيابه التي أيقن أنه سيكفّن فيها حين سمّ وليس يجد سواها. وإنما قال من أعاديّ ولم يقل من أعاديه لتكون الفجيعة أعظم والمصيبة أكبر.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٠، ١٨٧ " للأعرابيّ:
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال أحمّ المقلتين ربيب
ع هما لابن الدمينة، وكذلك البيتان اللذان أنشد بعدهما يرويان أيضاً لابن الدمينة وهما:
هجرتك أياماً بذي الغمر إنّني ... على هجر أيّام بدي الغمر نادم
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ ":
стр. 457
ويأخذه الهداج إذا هداه ... وليد الحيّ في يده الرداء
ع هو للحطئة وقبله:
إذا ذهب الشباب فبان منه ... فليس لما مضى منه بقاء
يصبّ إلى الحياة ويشتهيها ... وفي طول الحياة له عناء
ويأخذه الهداج. ويقال الهداج الهداج بفتح الهاء وكسرها. وقوله في يده الرداء: يعني في يد الوليد لضعف الشيخ وسقوطه عنه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٢، ١٨٩ ":
وهدجاناً لم يكن من مشيتي
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ " لأوس:
فأعقب خيراً كلّ أهوج مهرج ... وكلّ مفدّاة العلالة صلدم
ع وقبله:
стр. 458
بأرعن مثل الطود غير أشابة ... تناجز أولاه ولم يتصرّم
ويخلجنهم من كلّ صمد ورجلة ... وكلّ غبيط بالمغيرة مفعم
فأعقب خيراً كلّ أهوج مهرج
يصف جيشاً. وكل أنف تقدّم من جبل أو غلظ فهو رعن. يقول لم ينفذ أوله لثقله فآخره واقف، وقال مرة ينفذ أوله ولا ينقضي آخره لكثرته. والصمد: الغلظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلاً، والرجل: أماكن سهلة مطمئنة تنبت نباتاً ليّناً. والغبط: أماكن ترتفع أطرافها وتنهبط بطونها كأنها الغبط وهي أقتاب الهودج.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ ":
من كلّ هرّاج نبيل محزمه
ع وبعده:
تمّت ذفاري ليته ولهزمه ... إلى صميم آرز معرنزمه
الرجز لرؤبة. الذفريان: الجيدان الناتئان عن يمين القمحدوة وشمالها. والليت: صفحة العنق وآرز: غليظ متقبّض. والمعرنزم: المجتمع.
قال أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ " قال أبو بكر: انثروا كأنه انفعال من ينثره نثراً ع هذا وهم بيّن لأن نون نثر أصلية ونون انفعال زائدة وإنما هو انفعال من الثرّ وهو الغزير الكثير ومنه قولهم عين ثرّة، ويحتمل أن يكون افعلال من نثر إن كان مسموعاً.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٣ " ١٩٠ " لرؤبة:
يرمى الجلاميد بجلمود مدقّ
ع وقبله:
стр. 459
إذا تتلاّهن صلصال الصعق ... يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ
مماتن غايتها بعد النزق ... حشرج في الجوف صهيلاً أو شهق
يصف الحمار والأتن. صلصال من صلصلة الحديد. والصعق: شدّة الصوت. والمماتن: المطاول يقول هو يباريها إذا عجلت. والنزقة: الدفعة الأولى، ثم يطاولها الغاية. والحشرجة: صوت لا يخرج صافياً. والسحيل: صوت في البحّة. ومثله في صفة الحمار قال الشّماخ:
متى ما تقع أرساغه مطمئنّة ... على حجر يرفضّ أو يتدحرج
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٣، ١٩٠ " للصمّة القشيريّ: حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ع هو الصمّة بن عبد الله بن الطفيل بن قرّة من بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، شاعر إسلاميّ بدويّ مقل من شعراء الدولة الأمويّة. فأما الصمّتان الكبيران فجاهليّان. وكان من خبر هذا الشعر أن الصمة لمّا خطب بنت عمّه ريّا العامريّة اشتطّ عليه أبوها في المهر، فسأل أباه أن يعينه فأبى، وسأل عشيرته فأعطوه، فأتى عمّه بالإبل فقال لا أقبلها إلاّ من مال أبيك، وعاود أباه فمنعه، فلما رأى ذلك منهما قطع عقل الإبل
стр. 460
وأرسلها فعاد كل بعير إلى إلافه منها وتحمّل الصمّة راحلاً. فقالت بنت عمّه لمّا رأته راحلاً: تالله ما رأيت كاليوم فتى باعته عشيرته بأبعرة، ومضى حتى لحق بالشأم فقال وقد طال مقامه واشتاق ريّا وندم على فعله فقال:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعبا كما معا
وفي الشعر زيادة لا ينبغي أن تحذف لجودتها وانتظام الكلام بها وهي بعد قوله:
تلفتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا
ألا يا خليليّ اللّذان تواصيا ... بلومي إلا أن أطيع وأسمعا
قفا ودّعا نجداً ومن حلّ بالحمى ... وقلّ لنجد عندنا أن يودّعا
ومنه:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً
وساق الشارح في ذكر أبيات من القصيدة ونظائر فأوردها وشرح ما يحتاج إليه
стр. 461
في المقام ثم قال وأنشد أبو علي، ولم يثبت البيت هنا، إلى أن نقل شعرا:
يقول لي دار الأحبّة قد دنت ... وأنت كئيب إنّ ذا لعجيب
فقلت وما تغنى ديار تقاربت ... إذا لم يكن بين القلوب قريب
قال أبو عليّ " ١ - ١٩٥، ١٩٢ " ومن كلام العرب " الحسن أحمر " أي من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها.
ع فمعنى أحمر على هذا التأويل شديد وقد تقدم القول في ذلك " ٥٧ " وذكرنا حديث عليّ: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه. وقال الأشتر يوم صفّين: من أراد الموت الأحمر فليتّبعني. وفي المثل الذي ذكره تأويل آخر وهو أنّ المراد به اللون، والعرب تسمّى المرأة الحسناء حمراء. قال جرير وسئل عن الأخطل فقال: هو أوصفنا للخمر والحمر: يعني حسان النساء. وثبت أن النبي ﷺ كان يسمّى عائشة: الحميراء. قال الأصمعي وغيره: الحمراء: المرأة الجميلة الحسناء. وقال سيبويه وهذه الصفة لّما كثر استعمالهم لها لزمت فصارت كالاسم كالأدهم والأجدل. وقيل لأعرابي تمنّه! فقال: حمراء مكسال، من بنات الأقيال. وكذلك تقول العرب أيضاً
стр. 462
للرجل البارع الحسن: أحمر وقّاد. ومنه حديث مسمع بن يزيد قال: مررت بالمدينة زمن عثمان ومعي نوف الغفاري، وكان أعلم الناس بالحدثان، فمرّ بنا مروان بن الحكم فقال لي: يا مسمع أترى هذا؟ قلت: نعم. قال: هو صاحب الأمر إذا مرج أمر الناس. قال مسمع: فتأمّلته فإذا هو أحمر وقّاد. وأصل هذه الصفة الغالبة من اللون وظهور الدم في الوجه لاشكّ فيه، ألا تراهم يشبّهون المرأة الحسناء بالنار. قالت الأعرابية وقد سئلت عن بنتها: والله لهي أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة. وقال الشاعر وهو من أبيات المعاني في النار:
وحمراء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل
وقال أبو نواس:
وذات خدّ مورّد ... قوهيّة المتجرّد
تأمّل العين منها ... محاسناً ليس تنفد
وبيّن بشار بن برد أن المراد بالمثل ما ذكرناه بقوله:
وإذا خرجت تقنّعي ... بالحمر إنّ الحسن أحمر
ولذلك كانت العرب تلبس العروس الثياب الحمر، قال الأسديّ:
ألبست أثواب العروس سراتهم ... من بعد ما لبسوا ثياب الآئب
يعني قتلاهم المضّرجين بالدماء فكأنهم قد لبسوا ثياب العروس المعروفة بالحمرة من بعد أن كان لبسهم الدروع، وهي ثياب الذي آب من الخطئة إلى التوبة وأناب، يعني داود ﵇.
وذكر أبو عليّ " ١ - ١٩٥، ١٩٢ " قولهم: من حفّنا أو رفّنا فليتّرك وخبر المثل.
стр. 463
ع ونقص مما أورده أنّ المرأة لما غطّت رأس النعامة بثوبها ثم انصرفت إلى الحيّ لتأخذ شفرة فقالت لهم هذه المقالة وأتت موضع النعامة وجدتها قد أساغت الصعرور وذهبت بثوبها. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: " فلان يحفّنا ويرفّنا " أي يعطينا ويميرنا، وقد تقدم القول في هذا عند إنشاد أبي علي قول الحسين بن مطير يمنيننا حتى ترفّ قلوبنا ص " ١٠١ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٥، ١٩٢ " للنابغة:
وكيف تصادق من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
ع هو النابغة الجعديّ. وقبله:
وبعض الأخلاّء عند البلا ... ء والرزء " أروغ من ثعلب "
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
رآك ببثّ فلم يلتفت ... إليك وقال كذاك أدأب
أراد كخلالة أبي مرحب فحذف كما قال النابغة الذبيانيّ:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل
يريد مخافة وعل. وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل الحسن الوجه لا باطن له أبو مرحب.
وقال محمد بن يزيد: أبو مرحب وأبو جعدة: الذئب.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٥، ١٩٢ " لأوفى بن مطر:
ألا أبلغا خلّتي جابراً ... بأنّ خليلك لم يقتل
ع وبعده:
تخطّأت النبل أحشاءه ... وأخرّ يومي فلم يعجل
стр. 464
فليتك لم تك من مازن ... وأنّك في الرحم لم تحمل
وهي أبيات. وخبرها أن ثلاثة نفر من العرب خرجوا ليغيروا على بني أسد وهم: أوفى بن مطر الخزاعيّ هذا، وجابر ومالك، الرزاميّان فلقوا عدادهم، فقتل مالك وارتثّ أو في جريحاً. فقال أو في لجابر احملني، قال إنّ بني أسد قريب وأنت ميّت لا محالة، وأن يقتل واحد خير من أن يقتل اثنان. فتركه ونجا وأتى الحيّ فأخبرهم أن أوفى قد قتل، وتحامل أوفى إلى بعض المياه فتعالج بها حتى برأ، ثم أقبل، فلما دنا من الحيّ قال رجل من القوم رجل من القوم وجابر فيهم لولا أن الموتى لم يأن بعثها لأنبأتكم أن هذا أوفى، فانسلّ جابر من القوم استحياء من الكذبة، فما يدري أين وقع هو وولده إلى الساعة، وخبّر أو في بمقالته فقال هذا الشعر.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٥، ١٩٢ ":
شبعت من نوم وزاحت علّتي
ع وتمامها:
فدهنت رأسي وبلّت لحيتي
يريد أنه احتلم فاغتسل.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٦، ١٩٣ " لأوس بن حجر:
لهلك فضالة لا تستوي ... الفقود ولا خلّة الذاهب
ع وقبله:
ألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للرجل الواجب
وهذا أول الشعر يرثي فضاله بن كلدة. الواجب: الساقط الذاهب من قولهم: وجبت الشمس إذا غابت.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٦، ١٩٣ " لزهير:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
ع وقبله:
стр. 465
إنّ البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الجواد على علاّته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيطّلم
وإن أتاه خليل. أبو عبيدة حرم: إذا كان يحرم ماله ولا يعطي منه، وحرم: أي حرام فكأن الحرم اسم مثل الحرام والحرم النعث.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٧، ١٩٣ " للعجّاج:
جاءوا مخلّين فلاقوا حمضاً
وصلته:
فجمّعوا منهم قضيضاً قضّا
جاءوا مخلّين فلاقوا حمضاً ... طاغين لا يزجر بعض بعضا
يعني أصحاب ابن الأشعث. يقال جاء بنو فلان قضّها بقضيضها أي بجماعتها. وقوله جاءوا مخلّين: يريد جاءوا مشتهين القتال فلاقوا من يقاتلهم ويشفيهم، وقد تقدم القول فيه " ١٩ ".
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٧، ١٩٤ ":
قد عمّ في دعائه وخلاً ... وخطّ كاتباه واستملاّ
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٧، ١٩٤ ":
عهدت بها الحيّ الجميع فأصبحوا ... أتوا داعياً لله عمّ وخلّلا
المحفوظ في هذا قول النابغة الجعديّ:
كأنّك لم تسمع ولم تك شاهداً ... غداة أتى الداعي فعمّ وخلّلا
صريخاً على حيّ ابن مروان صبّحوا ... وحيّ الحريش استنطقا فتحمّلا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٧، ١٩٤ ":
نبذ الجؤار وضلّ هدية روقه ... لّما اختللت فؤاده بالمطرد
стр. 466
المطرد رمح صغير يطرد به الوحش. والبيت لابن أحمر وقبله:
فانقضّ منكدراً كأنّ إرانه ... قبس تقطّع دون كفّ الموقد
نبذ الجؤار
يصف ثوراً اقتنصه.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٧، ١٩٤ " للنمر:
هلاّ سألت بعادياء وبيته ... والخلّ والخمر التي لم تمنع
ع وصلته:
قامت تبكّي أن سبأت لفتية ... زقّاً وخابية بعود مقطع
أتبكيّاً من كلّ شيء هيّن ... سفهاً بكاء العين ما لم تدمع
هلاّ سألت بعادياء وبيته ... والخلّ والخمر التي لم تمنع
لا تجزعي إن منفس أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
المقطع: الذي قد ذهب به الضراب، وإنما يخبر أنها لامته فيما لا خطر له، ثم قال سفه تبكّيك من كل شيء لا يحزنك ولا تدمع له عينك. وعادياء: هو أبو السموأل الغساني. يقول لم يبق عادياء وبيته وما كان فيه من الغنى فكذلك أنا. ومعنى الخلّ والخمر على ما فسرّه أبو علي أن: خيره مبذول لمن والاه وشرّه عتيد لمن عاداه. وقال أبو عبيدة الخلّ في قول النمر العداء، والخمر النعمة وحسن الحال، يقول أعطى عادياء من الدنيا ما بين الخلّ والخمر لم يعدم شيئاً. لم تمنع أي لم يمنعها هو ولم تمنعه. والعداء: في قول أبي عبيدة الظلم يقال عدا عليه عدواً وعدوّاً وعداء وعدواناً. والمنفس: من المال الذي ينافس فيه ويضنّ به.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٨، ١٩٥ ":
ولّما مضى شهر وعشر لعيرها ... وقالوا تجيء الآن قد حان حينها
стр. 467
ع وروى ابن الأعرابي البيت الآخر:
فما برحت تقريه أعناء وجهها ... وجبهتها حتّى ثنته قرونها
أعناء: أي جوانب وجهها وجبهتها.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥٨، ١٥٩ " لعمر:
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكمو ... حبل المعرّف أو جاوزت ذا عشر
وفيه:
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر
إنّي لأجذل أن أمشي مقابله ... حبّاً لرؤية من أشبهت في الصور
ع هذا كقول ابن المعتزّ:
موسومة بالحسن معشوقة ... تميت من شاءت وتحييه
بات يرينيها هلال الدجى ... حتّى إذا غاب أرتنيه
وإن كان فائدة كلامه أن وجهها مثل البدر فما أحسن كلامه وترتيبه.
وقال آخر:
إذا حجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن حجب البدر
وحسبك من خمر تفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٩، ١٩٦ " للبعيث:
стр. 468
ألا طرقت ليلى الرفاق بغمرة ... ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع
ع هذا البيت خلّطه أبو علي من بيتين، وصحّة إنشاده وموضوعه:
ألا طرقت ليلى الركاب بغمرة ... وقد بهر الليل النجوم الطوالع
وأنّي اهتدت ليلى لعوج مناخة ... ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع
وأنشد بعده:
على حين ضمّ الليل من كل جانب ... جناحيه وانصبّ النجوم الخواضع
وهذا البيت أيضاً على غير وجهه إنما هو:
وانقض النجوم الطوالع
لأن الخواضع منصّبة فكيف يستقيم أن يقول: وانصبّ النجم المنصبّ لأن الخاضع المطأطئ رأسه الخافض له. وكذلك فسّر في التنزيل، وإنما يريد الشاعر أن الليل قد أدبر وانقضّ للغروب ما كان طالعاً في أوله من الكواكب ألا ترى قوله:
على حين ضمّ الليل من كل جانب ... جناحيه
أي كفت ظلمته وضمّ منتشرها مدبراً، وأيضاً فإنّ الذي يلي هذا البيت قوله:
بكى صاحبي من حاجة عرضت له ... وهنّ بأعلى ذي سدير خواضع
فلو كان الذي قبله كما أنشده أبو علي لكان هذا من الإيطاء على أحد القولين، ومعنى خواضع في هذا البيت ذقن والذقن: التي تهوي رأسها إلى الأرض تخفضه وتسرع في سيرها. وغمرة: فصل نجد من تهامة من طريق الكوفة. ويذبل: جبل لباهلة وكذلك القعاقع جبال لهم. وبعد ما أنشده أبو علي من هذا الشعر أبيات مختارة وهي:
وما الحبّ إلا مثل ما قد وجدته ... ولا جزع إلا كما أنت جازع
فقولا لليلى ترجع الودّ بيننا ... وهل ودّ ليلى إن طلبناه راجع
стр. 469
ألا يا لقومي كلّ ما حمّ واقع ... وللطير مجرى والجنوب مضاجع
وليس لشيء حاول الله جمعه ... مشتّ ولا ما فرّق الله جامع
وقول الفتى للشيء يفعله غداً ... وليس له علم بما الله صانع
وما من حبيب دائم لحبيبه ... ولافرقة إلاّ به الدهر فاجع
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٩، ١٩٦ " لابن الطثريّة:
عقيليّة أمّا ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
ع قال أبو بكر الصولي هذا الشعر للعباس بن قطن الهلاليّ وما أخلق هذا القول بالصواب لأن هذا الشعر لم يقع في ديوان شعر ابن الطثريّة، وقد جمعت منه كل رواية رواية الأصمعي ورواية الطوسي عن ابن الأعرابيّ وعن أبي عمرو الشيبانيّ. وفيه:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ ليس منك قليل
هكذا الرواية هنا، وروى غير أبي علي:
وكلّ ليس منك قليل
أي كلّ قليل ليس منك. ويروى:
وكلّ منك غير قليل
وفيه:
فما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كلّ يوم لي إليك رسول
стр. 470
هكذا رواه أبو علي وهو خلاف ما روى الجماعة إنما هو وصول وهو الصحيح من جهة المعنى ومن جهة البيت المتصل به وهو:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل ... فريح الصبا منّي إليك رسول
أيا قرّة العين التي ليت إنّها ... لنا بجميع الصالحات بديل
سلي هل أحلّ الله من قتل مسلم ... بغير دم أم هل عليّ قتيل
فأقسم لو ملّكتك الدهر كلّه ... لمتّ ولّما يشف منك غليل
وهذه الزيادة رواها ابن عبد الصمد الكوفيّ في سماعاته إلاّ قوله:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل
فإنه من رواية الرياشيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٠، ١٩٦ " لإسحاق بن إبراهيم:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... يرو منها الصدى ويشف الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحبّ القليل
قال إسحاق: أنشدتهما الأصمعيّ. فقال: هذا والله الديباج الخسروانيّ. قال فقلت له: إنهما لليلتهما فقال أفسدتهما.
ع كأن الأصمعي اعتقد أن البيتين من أشعار العرب، فلما قال له إسحاق إنهما لليلتهما علم أنه صاحبهما فنقص بذلك عنده طيبهما وسقطت في نفسه منزلتهما، أو يكون
стр. 471
الأصمعي يرى أنّ مثل هذا الشعر لا يجيب قائله إلاّ بعد رويّة وفكرة طويلة، فلما قال إنهما لليلتهما اتّهمه أنه انتحلهما. كتب رجل إلى ابن المقفّع:
هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا كثير جلوسه بل قليل
فأجابه:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وكثير من الثقيل القليل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٠، ١٩٧ " لطهمان بن عمرو:
ولو أنّ ليلى الحارثيّة سلّمت ... عليّ مسجّي في الثياب أسوق
ع هو طهمان بن عمرو الكلابي، شاعر إسلاميّ، وهو أحد صعاليك العرب وفتّاكهم.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠١، ١٩٨ " للشّماخ:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
ع وقبله:
عفا بطن قوّ من سليمى فعالز ... فذات الغضا فالمشرفات النواشز
هذا أول الشعر، وبعده:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه
وقد ذكر ابو علي معناه، وحكى عن غلمة من العرب كانوا يتراقون بالبيض أن أحدهم قال لصاحبه: اعرز لي عنها أي افرج عنها يديك.
стр. 472
قال أبو علي " ١ - ٢٠١، ١٩٨ ": قال رجل لعبد الملك وذكر الخبر إلى قوله: وإذّ بلغتك فقدي.
ع هكذا رواه أبو عليّ، والصحيح أنّ المخاطب بهذا معاوية ابن أبي سفيان والمتكلم عبد العزيز بن زرارة الكلابي، كذلك روى أبو حاتم في نوادره عن العتبي وذكر الخبر إلى قوله: احطط عن راحلتك فقد بلغت. وزاد فقال عبد العزيز بن زرارة:
دخلت على معاوية بن حرب ... وذلك إذ يئست من الدخول
وما نلت الدخول عليه حتى ... حللت محلّة الرجل الذليل
وأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أسمع إلى قال وقيل
فأمّلت الذي أدركت منه ... بمكث والخطاء مع العجول
ولو أنّي عجلت سفهت رائي ... فلم أك بالعجول ولا الجهول
وفي غير هذه الرواية أنّ عبد العزيز لّما دخل عليه قال يا أمير المؤمنين إنّي صحبتك على الرجاء وأقمت ببابك على التأميل، واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت قوماً قرّبهم الحظّ، وآخرين باعدهم الحرمان فلا ينبغي لصاحب الحظّ أن يأمن ولا لصاحب الحرمان أن ييأس. فقال معاوية إني لأرى شاهداً يدلّ على غائب، انبذوا إليه عهداً من هذه العهود. فأخذه وخرج وهو يقول:
دخلت على معاوية بن حرب
وقوله:
وإذ بلغتك فقدي
أي حسبي. وقد تزاد فيه النون وقاية لآخر الحرف، قال حميد الأرقط:
стр. 473
قدني من نصر الخبيبين قدي
فأتى باللغتين. وتأتي قط أيضاً بمعنى حسب وكفى تقول قط عبد الله درهم، وقط درهم، وقطني درهم. قال الراجز:
إمتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وقال الخليل قال أهل البصرة: الصواب فيه الخفض على معنى حسب عبد الله قط عبد الله درهم، وهي هاهنا مخفّفة، فأما في الزمان والعدد فلا تكون إلاّ مشدّدة.
قال أبو عليّ " ١ - ٢٠٢، ١٩٩ " قيل لابنة الخسّ: ما أحدّ شئ. قالت: ضرس جائع يقذف في معي جائع.
ع ولم يروه أحد كما قال أبو عليّ، إنما هو ضرس جائع يقذف في معي نائع. هكذا رواه ابن الأعرابي ورواه اللحياني: ضرس قاطع يقذف في معي جائع. والضرس يذكّر ويؤنّث. والذي رواه أبو علي مردود بوجوه منها أن الجوع لا ينسب إلى الضرس وإن سومح في هذا على المجاز، فقد يكون جائعاً ولا يكون قاطعاً. وأيضاً فإن صفة المعي بالجوع تغني عن صفة الضرس بالجوع، إذ لا يجوز أن يكون أحدهما شبعان والآخر غرثان. ومع هذا فإنّ تكرير اللفظ لمعنى واحد من العيّ الذي سمعت به ولا سيّما في سجع المسجوع وكانت هند أفصح من ذلك. وهي هند بنت الخسّ بن حابس بن قريط الإياديّة يقال الخسّ والخصّ بالسين والصاد والخسف بالفاء، والعرب تسمّي النجوم التي لا تغرب
стр. 474
محوبنات نعش والفرقدين والجدي والقطب الخسّان وزنه فعلان.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٢، ١٩٩ ":
وخمار غانية شددت برأسها ... أصلاً وكان منشّراً بشمالها
ع قد تقدّمت أمثلته في هذا الكتاب وذكر هناك معها. فإن قلت لم خصّ الشمال دون اليمين؟ قيل: لأن اليمين هي التي يستعان بها في العدو وتخلّى للدفع والذبّ وهي في ذلك كله أقوى من الشمال، فشمرة الساعي الناجي وحملة لشيء إن حمل إنما يكون بشماله. وهذا البيت لباعث بن صريم اليشكري يقوله في يوم الحاجر وصلته:
سائل أسيّد هل ثأرث بوائل ... أم هل شفيت النفس من بلبالها
إذ أرسلوني مائحاً لدلائهم ... فملأتها علقاً إلى أسبالها
فلمثل ما منّتك نفسك خالياً ... منعتك يشكر أهلها وفضالها
وخمار غانية شددت برأسها ... أصلاً وكان منشّراً بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيّم ... متغطرس أبديت عن خلخالها
قد قدت أوّل عنفوان رعيلها ... فلففتها بكتيبة أمثالها
وكتيب سفع الوجوه بواسل ... كالأسد حين تذبّ عن أشبالها
متغطرس: متكبّر. وقوله أبديت عن خلخالها: أي أغرت على حيّها فأحوجتها إلى رفع ذيلها والتشمير للهرب والفرار. وهذا كما قال الآخر:
لعمري لنعم الحيّ حيّ بني كعب ... إذا نزل الخلخال منزلة القلب
стр. 475
أي إذا شمّرن للسعي فبدت خلاخيلهن كما تبدو أسورتهنّ. وقيل إنّه أراد أنّها تخفّفت للنجاء فوضعت خلخالها في يدها، وقيل إنه أشار إلى الدهش والحيرة فرقاً فلم تتّجه للبس خلخالها ولا علمت موضعه من موضع سوارها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٢، ١٩٩ ":
ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همّت بإلقاء الزمام
ع هو لعنترة وبعد:
فقلت لها ارفعي منه وسيري ... وقد قرن الجزائز بالخدام
وهذا من أبيات المعاني ويروى الجزاجز بالجيم مكان الياء بالحزام بالحاء والزاي. فمن روى الجزائز أراد العهون التي تعلّق على مراكب النساء الواحدة جزازة وجزيزة. والخدام سيور تشدّ في رسغ البعير. ومن روى الجزاجز فإنّه يعني المذاكير أي قد صار الحزام بثيل البعير لشدة سيرها. وقيل إن الجزاجز والجزائز واحد، وهي خصل من صوف تعلّق بالهودج يزيّن بها.
وذكر أبو علي " ١ - ٢٠٣، ١٩٩ "
قول المأمون في خبر إبراهيم بن المهديّ
لقد حببّت إليّ العفو حتى خفت أن لا أؤجر عليه.
ع ليس الحرص على الحسنات والهوى في إيثار الصالحات بناقص أجراً، بل ذلك بالزيادة فيه أحرى، لطيب النفس به ومساعدة الباطن للظاهر عليه. قال عمر بن عبد العزيز
стр. 476
رضي الله عنه ما شئ ألذّ عندي من هوى وافق حقاً. وفي الحديث المأثور: اللذّة في غير محرّم عبادة. والمثل السائر " إذا وافق الهوى الحقّ أرضيت الخالق والخلق " وقالوا أيضاً إذا وافق هواك رشادك فقد أحرزت معادك. وأول شعر إبراهيم:
أعنيك يا خير من يعني لمؤتلف ... من الثناء ائتلاف الدرّ في النظم
أثنى عليك بما أوليت من نعم ... وما شكرتك إن لم أثن بالنعم
رددت مالي ولم تبخل عليّ به
رددت ذلك أجراً فاحتسبت به ... قربي إلى الله في الإسلام والرحم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم
وفيه:
هما الحياتان من وفر ومن عدم
هكذا رواه أبو علي، وغيره يرويه من موت ومن عدم لأنه لو لم يردد ماله لكان عديماً، ولو لم يحقن دمه لكان فقيداً، ولا أعلم للرواية الأخرى وجهاً. وقال هبة الله بن إبراهيم أوّل شعر كتب أبي به إلى المأمون قوله:
أيا منعماً لم يزل مفضلاً ... أدام الضنا سخطك الدائم
فأستغفر الله من زلّتي ... فإنّي من جرمها واجم
يزلّ الحليم ويكبو الجواد ... وتنبو لدي الضربة الصارم
فها أنا ذا العائد المستجير ... فاحكم بما شئت يا حاكم
عصيت وتبت كما قد عصى ... وتاب إلى ربّه آدم
قال فحلّل له أكثر ما كان في نفسه.
стр. 477
أول الجزء الثاني من تجزئة البكري
وذكر أبو علي " ٢٠٣، ٢٠٠ " قولهم:
أصرد من عنز جرباء
ع لأنها لا تدفأ لتمرّط شعرها ورقّة جلدها، وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني: وبعضهم يقول: أصرد من عين حرباء وكأنّ هذا تصحيف للمثل الأول إلاّ أنه مخلص حسن لأن الحرباء يستقبل الشمس أبداً بعينه يستجلب إليه الدفء.
وقولهم: " أنجد من رأى حضناً " ع حضن: جبل في ديار بني عامر فمن أقبل منه فقد أنجد ومن خلّفه فقد أتهم. وقولهم: " ربضك منك وإن كان سماراً ". ع قال ابن الأعرابي في نوادره الربض: قيّم بيته. والسمار: الكثيرة الماء كأنّه ضربه مثلاً للإنسان المذق. وقال غيره الربض والربض: ما أويت إليه من امرأة وقرابة، وقال ابن دريد أو منزل. والمعنى في المثل أهلك منك وإن كان ممزوجاً بأخلاق تكرهها، وأخبرني بعض من لقيته من العلماء أنّه رأى في تفسير هذا المثل معناه حبلك منك وإن كان سماراً. والسمار: ضرب من الأميل وهو الريش، والعامة تقول له سمّار. والربض: الحبل وجمعه أرباض. قال ذو الرمّة:
إذا غرّقت أرباضها ثنى بكرة ... بتيهاء لم تصبح رؤوماً سلوبها
وليس للسمار الذي هو اللبن الممذوق فعل يتصرّف. وقولهم: " أعييتني بأشر فكيف
стр. 478
أرجوك بدردر ". ع أصل هذا المثل أن دغة - وهي ماوية بنت مغنج وهو ربيعة بن عجل. قال المفضل بن سلمة: من قال مغنج بالغين معجمة فتح الميم ومن قال بالعين مهملة كسر الميم - زوّجت في بني العنب رنب عمرو بن تميم من عمرو بن جندب بن العنبر فلما ضربها المخاض ظنّت أنها تريد الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان فولدت واستهلّ الوليد، فانصرفت إلى الرحل وهي تظنّ أنها أحدثت، وقالت لضرّتها: يا هنتاه هل يفتح الجعرفاه؟ قالت: نعم ويدعو أباه. فبنو العنبر تسبّ بها فيقال لهم بنو الجعراء، ويضرب بحمقها المثل، فيقال " أحمق من دغة " ومن حمقها أنها نظرت إلى زوجها يقبّل بنتها منه ويقول بأبي دردرك فذهبت ودقّت أسنانها بفهر، ثم جاءته وقالت: كيف ترى دردري. فقال: " أعييتني بأشر فكيف بدردر " أي إنما كان أحسن شيء فيك أسنانك وكنت مع ذلك غير حظيّة عندي فكيف إذا فسد أحسن شيء فيك، ويقال بل قال لها ذلك حين سقطت أسنانها من الكبر.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠٠ ":
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ع هو لأبي نخيلة. وصلته:
كيف التصابي فعل من لم يهتد ... وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنهض في تشدّدي ... بعد انتهاضي في الشباب الأملد
وبعد ما أذكر من تأوّدي ... وبعد تمشائي وتطويحي يدي
стр. 479
الرثية: وجع المفاصل، والأملد والأملود: المتثّني وكذلك المتأوّد. وتمشاي: مشي وتطويحي يدي: أي أطوّح بها حيث أخطر يعني اختيالا. وقوله: بادي بدي: يريد أوّل شيء، يصلح أن يكون حالاً وأن يكون ظرفاً.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ " لأوس بن حجر:
وإن مقرم منا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
ع وصلته:
أرى حرب أقوام تدق وحربنا ... تجلّ فنعروري بها كلّ معظم
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة ... معضّلة منا بجمع عرمرم
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه
يقال عضّلت الناقة بولدها إذا نشب فلم يخرج.
يقول إذا سرنا في الموضع الواسع نشبنا فيه لكثرتنا، كما قال الآخر:
بجمهور يحار الطرف فيه ... يظلّ معضّلا منه الفضاء
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ " لابن أحمر:
لها منخل تدري إذا عصفت به
ع وقبله:
أربّت عليها كلّ هوجاء سهوة ... زفوف التوالي رحبة المتنسّم
تبيت ولم تهجع فيصبح ذيلها ... له ثائب يشقي به كل مخرم
لها منخل تدري إذا عصفت به ... أهابيّ سفساف من الترب توأم
هوجاء: تركب رأسها لا تنثني. سهوة: ليّنة. والمتنسّم: الموضع الذي تهبّ فيه. وكل شيء فعله فاعل ليلاً يقال فيه بات يفعل كذا وإن لم يكن ثمّ نوم، قال:
باتت ربيعة لا تعرّس ليلها ... عنّي وليلى عن ربيعة نائم
وكلّ شيء يفعله نهاراً يقال ظلّ يفعل. والثائب: الشيء يثوب بعد الشيء. ومنقطع كلّ
стр. 480
غلظ مخرم. وقوله لها منخل: هذا مثل. وأهابيّ جمع أهباء وأهباء جمع هباء. وسفساف: دقيق. وتوأم: تراب مشتبه لا يعرف ذا من ذا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ ":
عمداً أذرّي حسبي أن يشتما ... بهدر هدّار يمجّ البلغما
ع الرجز لرؤبة وقد تقدم موصولا " ٣٣ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ ":
على كلّ هتّافة المذروين ... صفراء مضجعة في الشمال
ع هو لأميّة ابن أبي عائذ وقبله قال يصف رامياً:
تراح يداه بمحشورة ... خواظي القداح عجاف النصال
كخشرم دبر له أزمل ... أو الجمر حشّ بصلب جزال
على عجس هتافة المذروين ... زوراء مضجعة في الشمال
هكذا رواه الأصمعي والسكري على عجس هتّافة لا على كلّ هتافة كما أنشده أبو علي ولأنّه إنما يرمي عن قوس واحدة لا عن كلّ هتّافة. قال الأصمعي: يقال يداه تراحان إلى المعروف فجاء به على هذا. وخواظ: ممتلئة ليست بدقاق. والخشرم: جماعة النحل والدبر. وحشّ: أوقد، والعرب تشبّه متابعة الرمي عند استشرائه واحتدامه بسعر اللهب واضطرامه، فتقول: ضرب هبر، وطعن نثر، ورمى سعر، قال كعب بن مالك يشبّه الضرب بذلك:
من سرّه ضرب يرعبل بعضه ... بعضاً كمعمعة الأباء المحرق
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٥، ٢٠١ " لعنترة:
стр. 481
أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
ع هذا أوله وبعده:
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
يخاطب به عمارة بن زياد العبسي وهو عمارة الوهّاب، وكان بلغه أنّه يقول لقومه قد أكثرتم ذكر هذا العبد، وددت أنّي لقيته خالياً حتى يعلم أنّه عبد. وروى أن عنترة وقف ينشد:
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم ... عنها ولكنّي تضايق مقدمي
فبوّأ له عمارة بن زياد الرمح وقال نحن نتّقي بك الأسنّة يا ابن السوداء. فقال له عنترة: اغفرها وكان عنترة حاسراً أعزل فذهب واستلأم وركب فرسه، ثم أقبل حتى وقف موقفه الأوّل وأنشد البيت:
إذ يتّقون بي الأسنّة
فتغافل عنه عمارة حين رآه في سلاحه، فقال عنترة:
أحولي تنفض استك مذرويها
والروانف: أعلى الأليتين. وتستطاراً: منصوب على الجواب بالواو كما تقول: إن تكرمني يكرمك بكر ويحبوك عمرو، أي يجتمع لك إكرام بكر مع حباء عمرو. وفي تستطارا ضمير المخاطب، ويحتمل أن يكون الألف ضمير الاثنين يعني الرانفتين أو الأليتين وسقطت النون للجزم، أو لأنه منصوب على الجواب بالواو كما تقدّم. والكمع: الضجيع. والفطار: المتشقّق.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٥، ٢٠٢ " لمعقّر بن حمار البارقيّ: إذا استرخت عماد الحيّ شدّت ع اسم معقّر عمرو بن حمار بن شجنة بارقي، شاعر جاهليّ. وقد قيل اسمه عامر حليف
стр. 482
لبني نمير، وبارق هو سعد بن عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء ابن عامر، وإنما لقّب معقّراً لقوله:
لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر
وصلة البيت:
وذبيانيّة وصّت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف
تجّهزهم بما وجدت وقالت ... بنيّ فكلّكم بطل مسيف
فأخلفنا مودّتها فقاظت ... ومأقي عينها حذل نطوف
إذا استرخت حبال البيت شدّت ... ولا يثني لقائمة وظيف
هكذا أنشده أبو عبيدة ووصله. مدح بهذه القصيدة بني نمير بن عامر بن صعصعة، وذكر ما فعلوا ببني ذبيان يوم شعب جبلة، وكانت الذبيانيّة وصّت بنيها أن يغنموا القطائف وهي القراطف والقروف وهي أوعية من أدم ينتبذ فيها. والمسيف: الذي وقع السواف في ماله، والمسيف أيضاً الذي معه سيف. قال فأخلفنا هواها فقتلناهم فقاظت دامعة العين حزينة القلب في حيّ هاربين خائفين غير مطمئنّين، لا ينيخون بعيراً، ولا يثنون له وظيفاً، خوفاً وفرقاً ونجاء وهرباً.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠٦، ٢٠٢ " لجميل:
وقالوا لا يضيرك ناي شهر ... فقلت لصاحبيّ فما يضير
стр. 483
ع اختلف فيهما أشدّ اختلاف فأنشدهما أبو تمّام لرجل من خزاعة. وقال الرياشي: هو سليمان ابن أبي دباكل الخزاعيّ، وقال دعبل هما لأبي سعيدة الأسلميّ، وقد رويا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ورويا لجميل وهما في ديوانه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠٦، ٢٠٣ " لابن الدمينة:
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ... ولا النفس عن وادي المياه تطيب
الصحيح أنّ هذا الشعر لمالك بن الصمصامة بن سعد بن مالك أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر بدويّ إسلاميّ مقلّ، وكان فارساً جواداً جميل الوجه يهوي جنوب بنت محصن الجعديّة، وكان أخوها الأصبغ بن محصن من فرسان العرب وأهل النجدة فيهم، فنمى إليه نبذ من خبر مالك فآلي يميناً جزماً لئن بلغه أنه عرض لها أو زارها ليقتلّنه، فبلغ ذلك مالكاً فقال هذا الشعر. هكذا رواه المدائني وأبو عمرو الشيبانيّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠٦، ٢٠٣ ":
صفراء من بقر الجواء كأنّما ... ترك الحياء بها رداع سقيم
هذا مذهب كثير للعرب. قال ذو الرمّة:
стр. 484
حكلاء في برج صفراء في نعج ... كأنّها فضّة قد شبابها ذهب
أي خالطها. قال: وذلك أحسن لها إذ كان لونها درّيّاً كما قال الراجز:
بيضاء صفراء اصفرار العاج ... في نعج منها وفي انبلاج
والبرج: سعة العين. والنعج: البياض. وأما قول الأعشى:
ترضيك من دلّ ومن ... حسن مخالطه غراره
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشيّة كالعراره
ففيه قولان: أحدهما أنها تمسى رادعة وتغتسل بالغداة فتصبح بيضاء. والقول الآخر أنها لرقّة بشرتها وصفاء لونها تتلوّن بلون الهواء وتحكيه كما تحكى المرآة. والمهاة والهواء عند الطفل يصفرّ باصفرار الشمس ويتوضّح عند الصباح لبياضها. قال أسقفّ نجران:
منع البقاء تصرّف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
وقال ابن الروميّ:
إذا رنّقت شمس الأصيل ونفّضت ... على الأفق الغربي ورساً مزعزعاً
ولاحظت النوّار وهي مريضة ... وقد وضعت خدّاً إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عوّاده عين مدنف ... توجّع من أوصابه ما توجّعا
وقال أبو تمام في محمد بن يوسف حين سافر إلى مكة:
خير الأخلاّء خير الأرض همّته ... وأفضل الركب يقرو أفضل السبل
стр. 485
حطّت إلى عمدة الإسلام أرحله ... والشمس قد نفضت ورساً على الأصل
وقال آخر في مذهب قول الأعشى:
لتعلمن بيضاء صفراء الأصل ... أنّي سأغني اليوم ما أغني رجل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٧، ٢٠٣ ":
لك الله إنّي واصل ما وصلتني ... ومثن بما أوليتني ومثيب
ع قوله لك معلّقة بفعل القسم المضمر كأنه قال: أقسم لك بالله فلما حذف الباء أوصل الفعل فنصب، ويروى لك الله بالرفع أنّي واصل بفتح الهمزة المعنى لك الله شاهد أو كفيل على أنّي واصل ما وصلتني.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٠٧، ٢٠٤ ":
من حرّم الخمر في الجاهليّة
فذكر منهم عامر بن الظرب.
ع وهو أحد حكّام قيس في الجاهليّة. والثاني غيلان بن سلمة الثقفي. وحكّام قريش ثلاثة: عبد المطّلب، وأبو طالب، والعاصي بن وائل. وحكّام تميم أربعة: أكثم بن صيفيّ وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وضمرة بن ضمرة إلاّ إن ضمرة حكم فأخذ رشوة فغدر. ولبني أسد حاكم واحد ربيعة بن حذار أحد بني سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وذكر فيهم قيس بن عاصم وهو شاعر فارس جاهليّ إسلاميّ، وهو أحد حلماء العرب
стр. 486
وسادتهم، وهو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم يكنى أبا علي، وفد على رسول الله ﷺ بعد الفتح وأسلم وحسن إسلامه وروى عنه أحاديث.
وأنشد هناك " ١ - ٢٠٨، ٢٠٤ " لصفوان بن أميّة:
رأيت الخمر صالحة وفيهامناقب تفسد الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أشفى بها أبداً سقيما
هكذا رواه أبو عليّ، وتقديم الكلام:
رأيت الخمر صالحة تفسد الرجل الكريم
وفيها مناقب فهما خبران. وروى غير أبي علي: وفيها:
معايب تفسد الرجل الكريما
فهذا بيّن مقبول.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٥ " لامرئ القيس:
أيقتلني وقد شغفت فؤادها
ع قبله:
فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّئ الظنّ والبال
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وليس بذي سيف فيقتلني به ... وليس بذي رمح وليس بنبّال
أيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوأة الرجل الطالي
стр. 487
ويروى:
كاسف الوجه والبال
والبال: الحال. وهذه الرواية أشبه بقوله عليه القتام: أي الغبار، ووجه الكئيب المحزون مغبرّ، ووجه الجذل المسرور مسفر. قال الله سبحانه: " وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة " أي يعلوها سواد. وقوله غطيط البكر: يعني عند رياضته وهو مصعب. ومسنونة: يعني سهاماً محدّدة الأزجّة. وزرق: صافية مجلوّة. والأغوال: همرجة من همرجة الجنّ وإنما أراد التهويل. والنبّال: هو الذي يعمل النبل، وإنما أراد أن يقول وليس بنابل وهو صاحب النبل فلم يستقم له. ويروى:
وقد قطرت فؤادها
من القطران والمعنى فيهما واحد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٥ " للنابغة:
وقد حال همّ دون ذلك شاغل ... ولوج الشغاف تبتغيه الأصابع
ع يليه:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السمّ قاطع
يسهّد من ليل التمام سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع
دون ذلك: يعني دون الصبا والغزل. وقال أبو عبيدة: الشغاف في البيت وعاء القلب. وعيد أبي قابوس: هو الهمّ الذي ذكر. وأبو قابوس: النعمان بن المنذر. وكنهه: قدره، وقال ابن الأعرابيّ: حقيقة أمره، أي لم أكن بلغت ما يغضب عليّ فيه. وراكس: واد وقيل جبل في ديار بني مازن. والضاجعة والمحنية والحجون والجزع: كله منعطف الوادي مثل عراقيل دجلة. وقوله ضئيلة: يعني حيّة دقيقة قد اشتدّ سمّها وقلّ لحمها كما قال الراجز:
стр. 488
لميمة من حنش أعمى أصمّ ... قد عاش حتى صار ما يمشي بدم
فكلّ ما أسار منه الدهر سمّ
والعرب تقول: " رماه الله بأفعى حارية ": أي قد رجعت من غلظ إلى دقّة. ويروى:
يسهّر في ليل التمام.
وإنّما يعلّق على السليم الحلى لئلاّ ينام فتسري فيه الحمة. وكان لحليهم جلاجل وجرس وصلصلة. قال الأعشى:
تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل
وقال الصقيل العقيليّ: إنّما يعلّق عليه الحلى سبعة أيّام لتنفر عنه الحمة كما يفعل بالذي يشري جلده فيلبس المزعفر، وسميّ سليماً تفؤّلاً له بالسلامة. الفرّاء: بنو أسد يقولون إنما سمّي سليماً لأنه أسلم لما به.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٥ " للحارث بن حلّزة:
طرق الخيال ولا كليلة مدلج ... سدكاً بأرحلنا ولم يتعرّج
ع وبعده:
стр. 489
أنّي اهتديت وكنت غير رجيلة ... والقوم قد قطعوا متان السجسج
المدلج: الذي أسرى الليل كلّه. ولم يتعرّج: لم يأخذ يمنة ولا يسرة. وغير رجيلة: أي غير قويّة على المشي. ورجع بالمخاطبة على المرأة. والسجسج: المكان الواسع الصلب المستوي.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٦ " لرؤبة:
والملغ يلكى بالكلام الأملغ
ع وقبله:
فلا تقسني بامرئ مستولغ ... أحمق أو ساقطة مزغزغ
أسلغ يدعى للّئيم الأسلغ ... والملغ يلكى بالكلام الأملغ
مستولغ: كأنّه حرّض حتى جعل يلغ في كل شيء. ومزغزغ: هو المغموز.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٦ " لكعب بن زهير:
دربوا كما دربت أسود خفيّة
وصلته:
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار
الذائدين الناس عن أديانهم ... بالمشرفيّ وبالقنا الخطّار
دربوا كما دربت أسود خفيّة ... غلب الرقاب من الأسود ضوار
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٦ " للعجّاج في لذم إذا لزم:
يقتسر الأقوام بالتغممّ ... قسر عزيز بالأكال ملذم
ع هكذا رواه أبو عليّ بالتغمّم بالغين المعجمة لم تختلف الرواية عنه في ذلك وهو وهم، وإنما هو بالتقممّ بالقاف: أي الركوب والاعتلاء. كذلك رواه أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعيّ وفسّره بما ذكرته، وهو الذي لا يصحّ غيره. وصلة الشطرين:
إذا بذخت أركان عزّ فدغم ... ذي شرفات دوسري مرجم
يقتسر الأقران بالتقمّم ... قسر عزيز بالأكال ملذم
стр. 490
إن أحجمت أقرانه لم يحجم ... ولم يرضه رائض بمخطم
بذخت: ارتفعت. والباذخ: الجبل المرتفع. وفدغم: ضخم. ودوسري مثله. ومرجم: شديد الرجم. والتقمّم: الركوب والاعتلاء. والأقران: جمع قرن، وهذه أحسن من رواية أبي عليّ لأن الأقوام يقع على المسالم والمحارب، والأقران إنما تكون في الحرب وما أشبهها من المنافرات وطلب الطوائل. والأكال: الحظّ والنصيب. ويقال فلان ذو أكل أي ذو حظّ من الدنيا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٩، ٢٠٦ " لأوس بن حجر:
فما زال حتّى نالها وهو معصم ... على موطن لو زال عنها تفصّلا
ع قال أوس يذكر رجلاً توصّل إلى عود قوس في شاهق يقطعه:
ومبضوعة في رأس نيق شظيّة ... بطود تراه بالسحاب مكلّلا
ثم قال:
فويق جبيل شامخ الرأس لم يكن ... ليبلغه حتى يكلّ ويعملا
وأبصر ألهاباً من الطود دونها ... ترى بين رأسي كلّ نيقين مهبلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكّلا
وقد أكلت أظفاره الصخر كلّما ... تعايا عليه طول مرقى توصّلا
فما زال حتّى نالها وهو معصم ... على موطن لو زلّ عنه تفصّلا
هكذا الصواب لو زلّ عنه: عن الموطن وهو الموضع الذي صار إليه. ورواية أبي علي
стр. 491
لو زال عنها لا وجه لها. قوله: فويق جبيل صغّره لأنه قلّ عرضه ودقّ وذهب في السماء صاعداً وهو أشدّ لتوقله. والمهبل المهواة. وأشرط فيها نفسه: جعلها علماً للهلاك وأشراط الساعة علاماتها. وقوله: وقد أكلت أظفاره الصخر التذكير في الصخر أعرف.
قال أبو عليّ " ١ - ٢١٠، ٢٠٦ ": كتب رجل من أهل البصرة إلى صديق له وذكره إلى قوله: ومبالغتك في الاعتذار ع الاعتذار هنا الإعذار، وكذلك وقع في غير كتاب أبي عليّ، والإعذار: المبالغة في الطلب، والتعذير التقصير فيه. وفي آخره: ولا أصون عنك شكري. ويروى: ولا أصور بالراء. كذلك في كتاب الزبيديّ أي لا أميله ولا أعدل به عنك.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢١٠، ٢٠٦ " قول الأعرابيّة:
نغلي اللحم غريضا ونهينه نضيجا
ولم يفسّره. ع وإنّما تريد أنهم يغالون به في الميسر ثم يبذلونه ويقرونه طبيخاً. قال الشاعر:
وإنّي لأغلي اللحم نيئاً وإنّني ... لممّن يهين اللحم وهو نضيج
وقال رجل من قيس:
نغالي اللحم للأضياف نيئاً ... ونرخصه إذا نضج القدور
وقال زهير في المغالاة بالميسر:
هنالك إن يستخلبوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
стр. 492
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١٠، ٢٠٦ ":
فتى لا يعدّ الرسل يقضي مذمّة ... إذا نزل الأضياف أو ينحر الجزرا
ع هذا من أوهام أبي عليّ إنما هو:
أو تنحر الجزر
وقوافي الشعر مرفوعة. وقبله:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن قلّ مالاً لم يؤد متنه الفقر
فتى لا يعدّ المال ربّاً ولا ترى ... له جفوة إن نال مالاً ولا كبر
فتى لا يعدّ الرسل يقضي ذمامه ... إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
والشعر للأبيرد اليربوعيّ يرثي أخاه بريداً. وهو الأبيرد بن المعذّر بن عمرو بن قيس من بني رياح بن يربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر إسلاميّ في أول الدولة الأمويّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١٠، ٢٠٧ ":
لو أنّ حولي من تميم رجلا
ع كان صخر قد أغار على بني المصطلق وهم فخذ من خزاعة فأحاطوا به فجرح واستبطأ أصحابه فأنشأ يقول:
لو أنّ أصحابي بنو خناعه ... أهل الندى والجود والبراعه
стр. 493
تحت جلود البقر القرّاعه ... لمنعوا من هذه اليراعة
وقال أيضاً:
لو أنّ حولي من قريم رجلاً ... بيض الوجوه يحملون النبلا
لمنعوني نجدة أو رسلا
وقتل صخر في ذلك اليوم. قوله القرّاعة: يعني التراس الصلاب وأنشد:
ومجنإ أسمر قرّاع
وقريم: حيّ من هذيل كذلك رواه الأصمعي والسكّريّ، وتميم أيضاً منهم وهو تميم بن سعد بن هذيل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١٠، ٢٠٧ " للأعشى:
سقى دياراً لها قد أصبحت غرضاً ... زوراً تجانف عنها القود والرسل
ع وقبله:
يا من رأى عارضاً قد بتّ أرمقه ... كأنّما البرق في حافاته الشعل
فقلت للركب في درنا وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل
قالوا نمار فبطن الخال جادهما ... فالعسجديّة فالأبلاء فالرجل
ثم ذكر مواضع وقال:
سقى دياراً لها قد أصبحت غرضاً
ويروى: قد أصبحت عزباً أي عازبة. والقود: الخيل. والرسل: الإبل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١١، ٢٠٨ ":
ذد الدمع حتّى يظعن الحيّ إنّما ... دموعك إن نمّت عليك دليل
стр. 494
هما للمجنون من كلمة له.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١١، ٢٠٨ ":
وينظر من بين الدموع بمقلة ... رمى الشوق في إنسانها فهو ساهر
قال أبو علي عند قراءة البيت عليه أسكن الياء ضرورة ولا يجوز في غير الشعر. ع وغير أبي عليّ يرويه رمى الشوق بفتح الميم لغة لطئ ولا ضرورة فيه. قال زيد الخيل:
أفي كلّ عام مأتم تبعثونه ... على محمر ثوّبتموه وما رضى
يريد وما رضى. ومحمر: فرس هجين.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١٢، ٢٠٨ ":
نظرت كأنّي من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
ع وبعدهما:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي ... ولا دمعتي من شدّة الوجد تقطر
هكذا أنشده إبراهيم ابن أبي عون وأنشده غيره:
وليس الذي يهمي من العين دمعها ... ولكنّه نفس تذوب وتقطر
والشعر لأبي حيّة النميري. ومثل قوله:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي
قول البحتريّ:
وقفنا والعيون مشغّلات ... يغالب دمعها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتّى ... تعلّق لا يغيض ولا يسيل
стр. 495
وقوله:
ولا دمعتي من شدّة الوجد تقطر
أول من ذكر أن شدّة الوجد يجمد الدّمع كثيّر قال:
أقول لدمع العين أمعن لعلّه ... بما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أدر أنّ العين قبل فراقها ... غداة الشبا من لاعج الوجد تجمد
ولم أر مثل العين ضنّت بمائها ... عليّ ولا مثلي على الدمع يحسد
وذكر أبو علي " ١ - ٢١٢، ٢٠٨ " قول بشّار: مازال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا.
ع هذا الغلام هو عبّاس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، وقيل ابن الأسود بن قدامة من بني عديّ بن حنيفة وقل من بني الديل بن حنيفة شاعر من شعراء الدولة الهاشميّة ولم يكن يتجاوز النسيب إلى مديح ولا هجاء، يكنى أبا الفضل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢١٢، ٢٠٩ ":
ومن طاعتي إياه أمطر ناظري ... له حين يبدي من ثناياه لي برقا
ع وهما للخبزرزّيّ وبعدهما:
سأستعمل البقيا على من أحبّه ... وإن كان ما أبقى عليّ ولا أستبقي
فلولا الهوى لم يملك الحرّ طائعاً ... ولولا الهوى لم يغلب الباطل الحقّا
وإنما نهج له السبيل بعض المحدثين بقوله:
لّما بكيت استرابوني فقلت لهم ... سقوط نجم المعالي نوء أجفاني
следующие страницы →