← Адаб

Адаб · id 1589

رسالة الغفران

أبو العلاء المعري

Полный текст (201 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فالعجب لزمان صير مثله إماماً، وأورده من المملكة جماماً ولعل غيره ممن ملك يعتقد مثله أو قريباً، ولكن يساتر ويخاف تثريباً. ومما يروى له: أنا الإمام الوليد مفتخراً ... أجر بردي، وأسمع الغزلا أسحب ذيلي إلى منازلها، ... ولا أبالي من لام أو عذلا ما العيش إلى سماع محسنةٍ ... وقهوة تترك الفتى ثملا لا أرتجي الحور في الخلود وهل ... يأمل حور الجنان من عقلا؟ إذا حبتك الوصال غانية ... فجازها بذلها كمن وصلا ويقال إنه لما أحيط به، دخل القصر وأغلق بابه وقال: دعوا لي هنداً والرباب وفرتنى ومسمعة، حسبي بذلك مالا خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم فليس يساوي بعد ذاك عقالا وخلوا سبيلي قبل عير وما جرى، ولا تحسدوني أن أموت هزالا فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورئي رأسه في فم كلب. كذلك نقل بعض الرواة، والله القائم بجزاء الغواة. ولا حيلة للبشر في أم دفرٍ، أعيت كل حضرٍ وسفرٍ. كان حق الخلافة أن تفضي إلى من هو بنسكٍ معروف، لا تصرفه عن الرشد صروف، ولكن البلية خلقت مع الشمس، فهل يخلص من سكن في رمس؟ وأما أبو عيسى بن الرشيد، فليس بالناشد ولا النشيد. وإن صح ما روي عنه فقد باين بذلك أسلافه، وأظهر لأهل الديانة خلافه. وما يحفل ربه بالعبيد صائمين للخيفة ولا مفطرين، ولكن الإنس غدوا محظرين. وربما كان الجاهل أو المتجاهل، ينطق بالكلمة وخلده بضدها آهل، وإنما أقول ذلك راجياً أن أبا عيسى ونظراءه، لم

стр. 142

يتبعوا في الغي أمراءه، وأنهم على سوى ما علن يبيتون، لقد وعظهم الميتون. ورأى بعضهم عبد السلام بن رغبان، المعروف بديك الجن، في النوم وهو بحسن حالٍ، فذكر له الأبيات الفائية التي فيها: هي الدنيا، وقد نعموا بأخرى، ... وتسويف الظنون من السواف أي (الهلاك) فقال: إنما كنت أتلاعب بذلك ولم أكن أعتقده. ولعل كثيراً ممن شهر بهذه الجهالات تكون طويته إقامة الشريعة، والإرتاع برياضها المريعة. فإن اللسان طماحُ، وله بالفند إسماح. وكان أبو عيسى المذكور يستحسن شعره في البيتين والثلاثة، وأنشد له الصولي في نوادره: لساني كتومُ لأسراره، ... ودمعي نموم بسري مذيع ولولا دموعي، كتمت الهوى، ... ولولا الهوى، لم يكن لي دموع فإن كان فر من صيام شهر. فلعله يقع في تعذيب الدهر، و " لاييأس من روح الله إلى القوم الكافرون ". وأما الجنابي فلو عوقب بلد بمن يسكنه، لجار أ، تؤخذ به " جنابة "، ولا يقبل لها إنابة. ولكن حكم الكتاب المنزل أجدر وأحرى: " ألا تزر وازرة وزر أخرى ". وقد اختلف في حديث الركن معه: فزعم من يدعي الخبرة به أنه أخذه ليعبده ويعظمه، لأنه بلغه أنه يد الصنم الذي جعل على خلق زحل. وقيل: جعله موطئاً في مرتفق، وهذا تناقض في الحديث. وأي ذلك كان، فعليه اللعنة ما رسا " ثبير " وهمى صبير. وأما العلوي البصريّ فذكر بعض الناّس أنّه كان قبل خروجه يذكر أنّه من عبد القيس ثمَّ من أنمار. وكان أسمه أحمد، فلمّا خرج تسمّى عليّاً. والكذب كثير جمّ، كأنه في النَّظر طود أشم؛ والصدّق لديه كالحصاة،

стр. 143

توطأ بأقدام عصااة. تلك الأبيات النمنسوبة إليه مشهورة وهي. أيا حرفة الزمني ألم بك الرّدى أمالي لي خلاص منك والشمَّل جامع لئن قنعت نفسي بتعليم صبية يد الدهّر إني بالمذلة قانع وهل يرضين حرُّ بتعليم صبية وقد ظنَّ أنَّ الرزَّق في الأرض واسع؟ وما أمنع أن يكون حملة حب الحطام، على أن غرق في بحرٍ طامٍ، يسبح فيه ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربَّك إن ربكَّ فعَّال لما يريد. وقد رويت له أبيات تدل على تألهٍ، وما أدفع أن تكون قيلت على لسانه، لأن من خبر هذا العالم حكم عليه بفجور ومين، وأخلاق تبعد من الزَّين. والأبيات: قتلت النّاس إشقاقاً ... على نفسي كي تبقى وحزت المال بالسَّيف ... لكي أنعم لا أشقى فمن أبصر مثواي، ... فلا يظلم إذاً خلقا فواويلي إذا ما متُّ ... عند الله ما ألقى أخلداً في جوار اللّ ... هـ أم في ناره ألقى؟ وأنشدني بعضهم أبياتاً قافَّية طويلة الوزن، وقافيتها مثل هذه القافية، قد نسبت إلى عضد الدّولة. وقيل إنّه أفاق في بعض الأيّام، فكتبها على جدار الموضع الذي كلن فيه، وقد نحي بها نحو أبيات البصريّ. وأشهد أنَّها متكلَّفة، صنعها رقيع من القوم، وأنّ عضد الدولة ما سمع بها قط. وأمَّا الحكاية عن أصحاب الحديث أنَّهم صحفوا زخمة فقالوا: رحمة، فلا أصدَّق بما يجري مجراها، والكذب غالب ظاهر، والصدق، خفي متضائل، فإنا لله وإنا إليه

стр. 144

راجعون. وكذلك أدعاء من يدَّعي أنَّ علياً، ﵇، قال: تهلك البصرة بالزنج؛ فصحَّفها أهل الحديث: بالريح، لا أؤمن بشيء من ذلك. ولم يكن عليّ، ﵇، ولا غيره ممن يكشف له علم الغيب، وفي الكتاب العزيز: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وفي الحديث المأثور: أنه سمع جواري يغنيَّن في عرس ويقلن: وأهدى لنا أكبشاً ... تبحبح في المربد وزوجك في النّادي ... ويعلم ما في غد فقال: لا يعلم ما في غدٍ إلى الله. ولا يجوز أن يخبر منذ مائة سنة أن أمير حلب، حرسها الله، في سنة أربع وعشرين وأربعمائة، أسمه فلان بن فلان، وصفته كذا؛ فإن أدعى ذلك مدّعٍ فإنمّا هو متخرِّص كاذب. وأمّا النجوم فإنمّا لها تلويح لا تصريح، وحكي أنَّ الفضل ابن سهل كان يتمثل كثيراً بقول الراّجز: لئن نجوت ونجت ركائبي من غالب ومن لفيف غالب إنّي لنجَّاء من الكرائب وأنّ غالباً كان فيمن قتله، فهذا ينَّفق مثله. وأجدر بهذه الحكاية أن تكون مصنوعة. فأما تمثله بالشعر فغير مستنكر، وربما أتفق أن يكون في الوقت جماعة يسمون بهذا الاسم، فيمكن أن يقترن معنى بلفظٍ، على أنَّ في الأيام عجائب، وفوق كلّ ذي علم عليم. وقد حكي أنَّ إياس بن معاوية القاضي كان يظن الأشياء فتكون كما ظن، ولهذه العلَّة قالوا: رجل نقاب وألمعيَّ، قال أوس:

стр. 145

الألمعيّ الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا وقال: نقاب يحدِّث بالغائب. فأمّا الحسين بن منصور فليس جهله بالمحصور. وإذا كانت الأمةّ ربّما عبدت الحجر، فكيف يأمن الحصيف البجر؟ أراد أن يدير الضّلالة على القطب، فانتقل عن تدبير العطب، ولو انصرف إلى علاج البرس، ما بقي ذكر عنه في طرس، ولكنّها مقادير، تغشى النّاظر بها سمادير. فكون ابن آدم حصاة أو صخرة، أجمل به أن يجعل سخرةّ. النّاس إلى الباطل سراع، ولهم إلى الفتن إشراع. وكم افتري للحلاج، والكذب كثير الخلاج، وجميع ما ينسب إليه مما لم تجر العادة بمثله فإنّه الميّن الحنبريت، لا أصدّق به ولو كريت. وممّا يفتعل عليه أنّه قال للّين قتلوه: أتظنون انكم إيّاي تقتلون؟ أنمّا تقتلون بغلة المادراني وأنّ البغلة وجدت في إصطبلها مقتولة. وفي الصّوفية إلى اليوم من يرفع شأنه، ويجعل من النجَّم مكانه. وبلغني أنَّ ببغداد قوماً ينتظرون خروجه. وأنهم يقفون بحيث صُلب على دجلة يتوقَّعون ظهوره. وليس ذلك ببدع من جهل النّاس، ولو عبد عابد ظبي كناس، فقد نزل حظ على قرد، فظفر بأكرم الورد. وقالت العامة: اسجد للقرد في زمانه. وأنا أتحوَّب من ذكر القرد الذي يقال: إنّ القوادّ في ومن زبيدة كانوا يدخلون للسلام عليه وأنّ يزيد ابن مزيد الشَّيبانيَّ دخل في جملة المسلَّمين فقتله. وقد روي أن يزيد بن معاوية كان له قرد يحمله على أتانٍ وحشيةٍ ويرسلها مع الخليل في الحلبة. وأمّا الأبيات التي على الياء: يا سرّ يدقُّ حتَّى ... يجل عن وصف كلّ حيّ

стр. 146

وظاهراً باطناً تبدَّى ... من كلّ شيء لكل شيء يا جملة الكل، لست غيري ... فما اعتذاري إذا إلي؟ فلا بأس بنظمها في القوَّة، ولكن قوله: إليّ، عاهة في الأبيات: إن قيد فالتقيد لمثل هذا الوزن لا يجوز عند بعض النّاس، وإن كسر الياء من إلي فذلك رديء قبيح. وأصحاب العربية مجمعون على كراهة قراءة حمزة: وما أنتم بمصرخيّ: بكسر الياء. وقد روي أنَّ أبا عمرو بن العلاء سئل عن ذلك فقال: أنه لحسن، تارة إلى فوق، وتارة إلى أسفل، يعني فتح الياء في مصرخيّ وكسرها والذين نقلوا هذه الحكاية يحتجون بها لحمزة ويذهبون إلى أن أبا عمرو أجاز الكسر لالتقاء الساكنين. وإن صحت الحكاية عنه، فما قالها إلا متهَّزئاً على معنى العكس، كما الغنوي وهو سهل بن خنظلة: لا يمنع النّاس منيّ ما أرادت، ولا ... أعطيهم ما أرادوا، حسن ذا أدبا أي ليس ذلك بحسن وهذا كما يقول الرّجل لولده إذا رآه قد فعل فعلاً قبيحاً: ما أحسن هذا! وهو يريد ضدّ الحسن. ولم يأت كسر هذه الياء في شعر فصيح. وقد طعن الفراء على البيت الذي أنشده: قال لها: هل لك يا تا فيّ؟ ... قالت له: ما أنت بالمرضيِّ وقد سمعت في أشعار المحدثين: إليّ وعليّ، ونحو ذلك، وهو دليل على ضعف المنَّة وركاكة الغريزة؟ وكذلك قوله: الكلّ، وإدخاله الألف واللامّ مكروه. وكان أبو علي يجيزه ويدعي إجازته على سيبويه، فأما الكلام القديم فيفتقد فيه الكل والبعض، وقد أنشدوا بيتاً لسحيم: رأيت الغنيّ والفقير كليهما إلى الموت يأتي الموت للكل معمدا

стр. 147

الحلاج وينشد لفتى كان في زمن الحلاّج: إن يكن مذهب الحلول صحيحاً ... فإلهي في حرمة الزَّجَّاج عرضت في غلالة بطراز ... بين دار العطّار والثلاّج زعموا لي أمراً وما صحَّ لكن ... هو من إفك شيخنا الحلاجّ وهذه المذاهب قديمة، تنتقل في عصر بعد عصر، ويقال إن فرعون كان على مذهب الحلولية، فلذلك ادّعى أنه رب العزَّة. وحكي عن رجلٍ منهم أنّه كان يقول في تسبيحه: سبحانك سبحاني ... غفرانك غفراني وهذا هو الجنون الغالب، إنّ من يقول هذا القول مسدود في الأنعام، ما عرف كنه الإنعام. وقال بعضهم: أنا أنت بلا شكٍّ ... فسبحانك سبحاني وإسخاطك إسخاطي ... وغفرانك غفراني ولم أجلد يا ربّي، إذا قيل هو الزّاني وينو آدم بلا عقول، وهذا أمر يلقنه صغير عن كبير، فيكون بالهلكة أوفى صبير: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً. ويروي لبعض أهل هذه النخلة: رأيت ربّي يمشي بلا لكلة ... في سوق يحيى فكدت أنفطر فقلت: هل في اتصالنا طمع؟ ... فقال: هيهات! يمنع الحذر ولو قضى الله ألفة بهوى ... لم يك إلاّ السجود والنّظر وتؤدَّي هذه النّحلة إلى التناسخ، وهو مذهب عتيق يقول به أهل الهند، وقد كثر في جماعة من الشّيعة، نسأل الله التوفيق والكفاية. وينشد لرجل

стр. 148

من النصُّيرية: أعجبني أمنّا لصرف اللّيالي ... جعلت أختنا سكينة فاره فازجري هذه السّنانير عنها ... واتركيها وما تضم الغراره وقال آخر منهم: تبارك الله كاشف المحن ... فقد أرانا عجائب الزّمن حمار شيبان شيخ بلدتنا ... صيرّه جارنا أبو السكن بدل من مشيه بحلته ... مشيته في الحزام والرّسن ويصوّر لهم الرأي الفاسد أباجير ومشبهَّات، فيسلكون في تغلسَّ وفي الترهات. وحكى لي عن بعض ملوك الهند، وكان شابّاً حسناً، أنّه جدَّر فنظر إلى وجهه في المرآة وقد تغير، فأحرق نفسه وقال: أريد أن ينقلني الله إلى صورة أحسن من هذه. وحدثني قوم من الفقهاء، ما هم في الحكاية بكاذبين، ولا في أسباب النحَّل جاذبين، أنّهم كانوا في بلاد محمود وكان معه جماعة من الهند قد وثق بصفائهم، يفيض عليهم الأعطية لوفائهم، ويكونون أقرب الجند إليه إذا حلّ وإذا ارتحل، وأن رجلاً منهم سافر في جيشٍ جهزه محمود، فجاء خبره أنّه قد هلك بموت أو قتل، فجمعت امرأته لها حطباً كثيراً وأوقدت ناراً عظيمة واقتحمتها والنّاس ينظرون، وكان ذلك الخبر باطلاً، فلمّا قدم الزّوج أوقد له ناراً جاحمة ليحرق نفسه حتى يلحق بصاحبته، فاجتمع خلق كثير للنّظر إليه، وأنّ أصحابه من الهند كانوا يجيئون إليه فيوصونه بأشياء إلى أمواتهم: هذا إلى أبيه وهذا إلى أخيه. وجاءه إنسان منهم بوردة وقال: أعط هذه فلاناً يعني ميتاً له، وقذف نفسه في تلك النّار. وحدّث من شاهد إحراقهم

стр. 149

نفوسهم أنّهم إذا لذعتهم النّار أرادوا الخروج فيدفعهم من حضر إليها بالعصيرّ والخشب. فلا إله إلاّ الله، لقد جئتم شيئاً إدّاً. وفي الناس من يتظاهر بالمذهب ولا يعتقده، يتوصَّل به إلى الدنيا الفانية، وهي إغدر من الورهاء الزّانية. وكان لهم في الغرب رجل يعرف بابن هانئ وكان من شعرائهم المجيدين، فكان يغلة في مدح المعزّ أبي تميم معدٍّ، غلوا عظيماً حتى قال يخاطب صاحب المظلَّة: أمديرها من حيث دار لشدَّ ما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا وقال فيه وقد نزل بموضع يقال له رقَّادة: حلَّ برقادة المسيح ... حلَّ بها آدم ونوح حلّ بها الله ذو المعالي، ... وكل شيءٍ سواه ريح وحضر شاعر يعرف بابن القاضي بين يدي ابن أبي عامر صاحب الأندلس فأنشده قصيدة أوَّلها: ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم، فأنت الواحد القهار ويقول فيها أشياء، فانكر عليه ابن أبي عامر، وأمر بجلده ونفيه. وأدل رتب الحلاجّ أن يكون شعوذياً، لا ثاقب الفهم ولا أحوذيا، على أنَّ الصوفيَّة تعظمِّه منهم طائفة، ما هي لأمره شائفة. وأمّا ابن أبي عون فإنهّ أخذ في لون بعد لون، غرّ البائس بأبي جعفر، فما جعل رسله في أوفره؛ وقد تجد الرّجل حاذقاً في الصناعة، بليغاً في النّظر والحجة، فإذا رجع إلى الدّيانة ألفي كأنّه عير مقتاد، وإنمّا يتبع ما يعتاد. والتأله موجود في الغرائز، يحسب من الألجاء الحرائز، ويلقن الطّفل الناشئ ما سمعه من الأكابر، فليبث

стр. 150

معه في الدّهر الغابر. والذين يسكنون في الصوامع، متعبدون في الجوامع، يأخذون ما هم عليه كنقل الخبر عن المخبر، لا يميَّزون الصدّق من الكذب لدى المعبّر، فلو أنّ بعضهم ألفى الأسرة من المجوس لخرج مجوسياً، أو من الصّابئة لأصبح لهم قريناً سياً. وإذا المجتهد نكب عن التقّليد، فما يظفر بغير التبليد. وإذا المعقول جعل هادباً، نقع بريه صادياً، ولكن أين من يصبر على أحكام العقل، ويصقل فهمه أبلغ صقل؟ هيهات! عدم ذلك في من تطلع عليه الشمس، ومن ضمنه في الرِّمم رمس، إلىّ أن يشذّ رجل في الأمم، يخص من فضل بعمم. ربمّا لقينا من نظر في كتب الحكماء، وتبع بعض آثار القدماء، فألفيناه يستحسن قبيح الأمور، ويبتكر بلبّ مغمور، إنّ قدر على فظيع ركبه، وإن عرف واجباً نكبَّه، كأنّ العالم سعوا له في إفقاد، فهو يعتقد شرّ اعتقاد؛ وإنّ أودع وديعه خان، وإن سئل عن شهادة مان، وإن وصف لعليل صفةّ فما يحفل أقتلته بما قال، أم ضاعف عليه الأثقال؛ بل غرضه فيما يكتسب، وهو إلى الحكمة منتسب. وربّ زارٍ بالجهالة على أهل ملّة، وعلتَّه الباطنة أدهى علَّة، وإن البشر لكما جاء في الكتاب العزيز " كل حزبٍ بما لديهم فرحون ". والإمامية تقَّربوا بالتعّفير، فعدّه بعض المتدينةٍ ذنباً ليس بغفير، ويحضر المجالس أناس طاغون، كأنهذم للرّشد باغون، وأولئك، علم الله، أصحاب البدع والمكر، ومن لك بزنحٍ في دكر! كم متظاهر باعتزال، وهو مع المخالف في نزال! بزعم أنّ ربّه على الذّرَّة يخلد في النار، بله الدّرهم وبله الدّينار، وما ينفكّ يحتقب المآثم عظائم، ويقع بها في أطائم. ينهمك على العهار والغسق، ويظعن من الأوزار الموبقة

стр. 151

بأوفى وسق، ويقنت على رهط الإجبار، ويسند إلى عبد الجبار. يطيل الدأب في النهّار واللّيل، ويضمر أنّ شيخ المعتزلة غير طاهر الرُّدن ولا الذّيل، فقد صيّر الجدل مصيدة، ينظم به الغيّ قصيدة. وحدَّثت عن إمام لهم يوقرّ ويتبع، وكأنه من الجهل ربع أنّه كان إذا جلس في الشرّب، ودارت عليهم المسكرة ذات الغرب، وجاءه القدح شربه فاستوفاه، وأشهد من حضرة على التوبة لما اقتفاه. والأشعري إذا كشف ظهر نمي، تلعنه الأرض الرّاكدة والسمي، إنّما مثله مثل راعٍ حطمة، ويخبط في الدهماء المظلمة، لا يحفل علام هجم بالغنم، وأن يقع بها في الينم، وما أجدره أن تأتي بها سراحين، تضمن لجميعها أن يحين! فمن له أيسر حجى، كأنمّا وضع في دجى، إلا من عصمه الله باتباع السّلف، وتحمل ما يشرع من الكلف: وإنّا، ولا كفران لله ربنَّا، لكالبدن، لا تدري متى حتفها البدن إن شعر قلد، المسكين، سواه فإنمّا وثق بمن أغواه، وإن بحث عن السِّرَّ وتبّصر، أقصر عن الخبر وقصَّر. والشيعة يزعمون أمنّ عبد الله بن ميمون القدّاح، وهو من باهلة، كان من علية أصحاب جعفر بن محمدٍ؟، ﵇، وروى عنه شيئاً كثيراً، ثم رتدّ بعد ذلك، فحدثني بعض شيوخهم أنّهم يروون عنه ويقولون: حدّثنا عبد الله بن ميمون القدّاح كأحسن ما كان، أي قبل أن يريدّ. ويروون له: هات اسقني الخمرة يا سنبر ... فليس عندي أنَّني أنشر أما ترى الشِّيعة في فتنة ... يغرها من دينها جعفر؟ قد كنت مغروراً به برهةً ... ثمّ بدا لي خبر يستر وممّا ينسب إليه:

стр. 152

مشيت إلى جعفر حقبةً ... فألفيته خادعاً يخلب يجرّ العلاء إلى نفسه ... وكلّ إلى حبله يجذب فلو كان أمركم صادقاً ... لما ظل مقتولكم يسحب ولا غضّ منكم عتيق ولا ... سما عمر فوقكم يخطب والحلولّيهّ قريبة من مذهب التناسخ، وحدَّثت عن رجلٍ من رؤساء المنجمين من أهل حرانّ أقام في بلدنا زماناً، فخرج مرّة من قومّ يتنزهون، فمروا بثورٍ يكرب، فقال لأصحابه: لا أشك في أنّ هذا الثور رجل كان يعرف بخلفٍ بحرُّان، وجعل يصيح به: يا خلف، فيتفَّق أن يجوز ذلك الثّور، فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى صحَّة ما خبرتكم به؟ وحكي لي عن رجلٍ آخر ممّن يقول بالتنّاسخ أنّه قال: رأيت في النّوم أبي وهو يقول لي: يا بنيّ، إنّ روحي قد نقلت إلى جملٍ أعور في قطار فلانٍ، وإنيّ قد اشتهيت بطيخةّ. قال: فاخذت بطيخة وسألت عن ذلك القطار وجدت فيه جملاً أعور، فدنوت منه بالبطيخة، فأخذها أخذ مريد مشتهٍ! أفلا يرى مولاي الشّيخ إلى ما رمي به هذا البشّر من سوء التمّييز، وتحيزهم إلى ما يمتنع من التحييز؟ وأمّا ابن الرّواندي فلم يكن إلى المصلحة بمهدي، وأمّا تاجه فلا يصلح أن يكون نعلاً، ولم يجد من عذابٍ وعلاً أي ملجأ، قال ذو الرّمة. حتّى إذا لم يجد وعلاّ ونجنجها ... مخافة الرّمي حتى كلهّا هيم ويجوز أن ينظم تاجه عقارب، فما كان المحسن ولا المقارب، فكيف له إذا توج شبواتٍ، أليس يمينه عن تلك الصبوات؟ وهل تاجه إلاّ كما قالت الكاهنة: أفّ وتف، وجورب وخف!؟ قيل: وما جورب وخف؟ قالت

стр. 153

واديان يجهنم. ما تاجه بتاج ملك، ولكن دعي بالمهلك، ولا اتخّذ من الذّهب، وسوف يصوَّر من اللهّب، ولا نظم من درّ، بل وقع من عناء بقرّ، يقال: صابت بقرٍ، إذا وقعت في موضعها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشرّ. قال الشاعر: ترجيَّها وقد صابت بقرٍ ... كما ترجوا أصاغرها عتيب ما توَّج من الفضة، ولا يقنع له بالقضَّة، ما هو كتاج كسرى، لكن طرق بسوء المسرى، ولا تاج الملك انوشروان، ولكل أثقل وجرّ الهوان، ذلك تاج فرس عنقاً، فظن على من توِّج به محنقاً. ليس هو كتاج المنذر، ولكن مندية غويّ حذّر، ولا هو كخرزات النعّمان، بل شين يدخر في الأزمان. وما يفقر مثبه إلى أن ينقض منه وبه تقوضّ. وأمّا الدامغ فما إخاله دمغ إلاّ من الفّه، وبسوء الخلافة خلفه. وفي العرب رجل يعرف بدميغ الشيطان، وهذا الرّجل كذاوي الخيطان. وإنمّا المنكر، أنَّه في الآونة يذكر. دلّ ممن وضعه على ضعف دماغ، فهل يؤذن لصوت ماغٍ؟ من قولهم: مغت الهرة إذا صاحت. رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي بريئاً ومن جول الطوَّي رماني رجع عليه حجره، وطال في الآخرة بجره. بئس ما نسب إلى راوند، فهل قدح في دباوند؟ إنمّا هتك قميصه، وأبان للنظر خميصه. وأجمع ملحد ومهتد، وناكب عن المحجَّة ومقتدِ، أنّ هذا الكتاب الذي جاء بن محمد ﷺ كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدّوه بالأرجاز. ما حذي على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال. ما هو من القصيد الموزون، ولا الرَّجز من

стр. 154

سهلّ وحزون. ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة ذوي الأرب. وجاء كالشمس اللائحة، نوراً للمسرَّة والبائحة؛ لو فهمه الهضب الرّاكد لتصدع، أو الوعول المعصمة لراق الفادرة والصدّع: " وتلك الأمثال نضبها للنّاس لعلهم يتفكرون " وإنّ الآية منه أو بعض الآية، لتعترض في أفصح كلم يقدر عليهم المخلوقون، فتكون فيه كالشَّهاب المتلألئ في جنح غسق، والزّهرة البادية في جدوبٍ ذات نسق؛ فتبارك الله أحسن الخالقين. وأمّا القضيب فمن عمله أخسر صفقة من قضيب. وخير له من إنشائه، لو ركب قضيباً عند عشائه، فقذفت به على قتاد، ونزعت المفاصل كنزع الأوتاد: إن الطرٍّمّاح يهجوني لأشتمه هيهات هيهات، عيلت دونه القضب كيف للنّاطق به أن يكون اقتضب وهو يافع، إذ ماله في العاقبة شافع. وودّ لو أنّه قضبه، أو تلتئم عليه الهضبة. وقد صد أن يكون مثل القائل: وروحة دنيا بين حييّن رحتها ... أسير عروضاً، أو قضيباً أروضها وقضيب وادٍ كانت فيه وقعة في الجاهلية بين كندة وبين بني الحارث ابن كعب فكيف لهذا المائق أن يكون قتل في قضيب، وسقط في إهابه الخضيب. فهو عليه شرّ من قضيب الشجرّة على السّاعية، ومن له ان يظفر بمنطق الناّعية؟ وكيف له أن يجدَّع بقضيب هندي ويلبس ممّا لفظ به ثوب المفديّ؟ لقد أنزل الله به من النكّال، ما لا يدفع بحمل الأنكال؛ فهو كما قال الأوّل: فلم أر مغلوبين يفري فرينا، ... ولا وقع ذاك السَّيف وقع قضيب

стр. 155

وهذا البيت يستشهد به، كما علم، لأنّه قال: مغلوبين يفري، وإنمّا يجب أن يقال: يفريان، ولكنّه أجرى الاثنين مجرى الجمع. ومثله قول الرّاجز: مثل القارخ نتقت حواصله وأما الفريد فأفرده من كلّ خليل، وألبسه في الأبد برد الذّليل. وفي كنده حيَّ يعرفون بالحيّ الفريد، وهم بنو الحرث بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحرث الأصغر ابن معاوية بن الحرث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتَّع بن معاوية ابن ثورٍ، وهر كندّة؛ وأصحاب النّسب يقولون: كنديّ بن غفير بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أددّ بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبإ، وإنمّا قيل لهم الحيّ الفريد، لأنّ بني وههبٍ حالفوا بني أبي كربٍ وبني المثل ولم يدخل معهم بنو الحارث ولا مع بني عديّ، فقيل لهم الحي الفريد. ومن انفرد بعزَّةٍ لوقارته، فإن فريد ذلك الجاحد ينفرد لحقارته، كأنّه الأجرب إذا طلي بالعنية، فرّ من دنوه من يرغب عن الدنيّة. وإذا جذلت الغانية بفريد النظّام، فهو قلادة مآثم عظام. وذكر أبو عبيدة أنَّ في ظهر الفرس فقارة يقال لها الفريدة، وهي أعظم الفقار. فلو حمل فريد ذلك المتمرَّد على جواد لحطم فريدته، أو زينّ به المحبُّ الغانية لأهلك خريدته. وأما المرجان فإذا قيل إنّه صغار اللؤلؤ، فمعاذ الله أن يكون مرجانه صغار حصى، بل أخس من أن يذكر فينتصى. وإذا قيل إنّه هذا الشيء الأحمر الذي يجيء به من المغرب، فإن ذلك له قيمة وخسارة كتابه مقيمة، وإنمّا هو مرجان، من مرجت الخيل بعضها مع بعض، وتركتها كالمهملة في الأرض أو لعلّه مرجّان من جنى الشجّرة أو مرجانّ من الشياطين الفجرة،

стр. 156

أو جان من الحيات المقتولة بأيسر الأمر، والمبغضة إلى المنفرد والعمر أي الجماعة من النّاس. ابن الرّومي وأمّا ابن الرّومي فهو أحد من يقال: إنّ أدبه كان أكثر من عقله، وكان يتعاطى علم الفلسفة، واستعار من أبي بكر ابن السراج كتاباً فتقاضاه به أبو بكرٍ، فقال ابن الرّومي: لوّ كان المشتري حدثاً لكان عجولاً. والبغداديّون يدّعون انّه متشّيع، ويستشهدون على ذلك بقصيدته الجيميَّة، وما أراه إلاّ على مذهب غيره من الشعراء. ومن أولع بالطيَّرة، لم ير فيها من خيرة، وإنمّا هو شر متعجل، وللأنفس أجل مؤجّل، وكلّ ذلك حذر من الموت الذي هو ربق في أعناق الحيوان، حكم لقاؤه في كلّ أوان. وفي النّاس من يظنّ أنّ الشيء إذا قيل جاز أن يقع، ولذلك قالت العامّة: الإرجاف أوّل الكون. ويقال: إن النبي ﷺ ، تمثل بهذا البيت ولم يتممه: تفاءل بما تهوى يكن، فلقلمّا ... يقال لشيء: كان إلاّ تحقّقا ومهما ذهب إليه اللّبيب، فالخير في هذه الدّنيا قليل جدّاً، والشرّ يزيد عليه بأجزاءٍ ليست بالمحصاة، وما أشبه ذوي التقى بالعصاة، كلّهم إلى التّلف يساقون، يلقون ما كره ولا يعاقبون، ولعلّ الله، جلّت قدرته، يميزهم في المنقلب، ويسعف بمراده أخا الطَّلب. وقال علقمة: من تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشؤوم وكان ابن الرّومي معروفاً بالتَّطير، ومن الذي أجري على التّخيّر؟ وقد جاءت عن النبي ﷺ ، أخبار كثيرة تدل على كراهة الاسم الذي ليس بحسنٍ، مثل مرّة وشهاب والحباب لأنّه يتأوله في معنى الحّية. ونحو

стр. 157

من حكاية ابن الرّومي التي حكاها النّاجم ما حكي عن امرأة من العرب أنّها قالت للأخرى: سمّاني أبي غاضبة، وإنمّا تلك نار ذات غضى، فالحمد لربيّ على ما قضى، وتزوجت من بني جمرة رجلاً أحرق، وما أمرق. أي لم يكثر مرقه وكان اسمه تورباً وإنمّا ذلك تراب، فشمتت بي الأتراب، وكان يدعى جندلة فمضضت عنده بالجندل، ولا شممت رائحة مندل، وكان اسم أمّه سوّارة فلم تزل تساورني في الخصام، ولا تنفعني بعصام. فقالت الأخرى: لكن سّماني أبي صافية، فصفوت من كلِّ قذى، وجنّبت مواقع الأذى، وزوجّني في بني سعد بن بكر فبكرّ عليّ السعد، وأنجز لي الوعد. واسم زوجي مُحَاسِن، جزيَ الصّالحة، فقد حاسن وما لاسن، واسم أبيه وقاف، رعاه الله، فقد وقف عليَّ خيره، ولأكثر لديّ ميره، واسم أمّه راضية، رضيت أخلاقي، ولم تجنح إلى طلاقي. وإذا كان الرّجل خثارماً، لم يزل في الكثكث آرما: إن رأى سمامةّ من الطير، حسبها من السّمام، أو حمامةّ فرق من الحمام، كما قال الطاّئي: هنّ الحمام، فإن كسرت، عيافةًَ، ... من حائهنّ، فإنّهن حمام وإن عرضت له خنساء من البشر، فإنّه لا يأمن من البشر، يقول: أخاف من رفيقٍ يخنس، وأمرٍ يدنس. وإن كانت الخنساء من الوحوش، نفر قلبه من الحوش، إنّ رآها سانحةً، هزّت من رعبه جانحة. يقول: قد ذهب أهل عقلٍ وافر، من أرباب المناسم وصحب الحافر، يتطيرون بالسنّيح، ويرهبون معه المنيح. وإن أتته بقدرٍ بارحة، عاين بها النجَّلاء الجارحة، يقول: ألم يك ذوو خيلٍ وسروج، يخشون الغائلة من البروج؟

стр. 158

وإن لقي رجلاً يدعى أخنس، فكأنّما لقي هزبراً تبهنس. يقول: ما يؤمنني أن يكون كأخنس بني زهرةٍ فرّ بحلفائه عن وفر، وطرحت القتلى في الجفر؟! وإن استقبل من يولع بذلك أعفر، فإنّه ينتظر أن يعفرَّ، وإن بصر بالأدماء. أيقن بسفك الدّماء، وإنّ جبهه ذيّال، فكأنّه الهصور العيّال؛ يقول: ما؟ أقربني من إذالةٍ، تبطل كلام العدّالة؟! وإن آنس نعامةً بقفرٍ، وهو مع الرّكب السّفر، فما يأخذها من النعيم، ويجعلها بالهلكة مثل الزّعيم. يقول، من الفند العيّ: أوّلها نعى وإنمّا ذلك من النعَّيّ. وإن عنّ له في الخرق ظليم، فذلك العذاب الأليم. يقول: ليت شعري من الذي يظلمني. أيأخذ نشبي أم يكلمني؟ وإن نظر إلى عصفورٍ، قال: عصف من الحوادث بوفورٍ، فهو طول أبده في عناء، ولا بد له من الفناء. ولهذه الطوّية جعل ابن الرّومي جعفراً من الجوع والفرار ولو هدي صرفه إلى النهر الجرار، لأن الجعفر النّهر الكثير الماء، ولكنّ إخوان هذه الخليقة، لا يحملون الأشياء الواردة على الحقيقة. وأراد بعضهم السَّفر في أولّ السنَّة فقال: إن سافرت في المحرم، كنت جديراً أن أحرم، وإن رحلت في صفر، خشيت على يدي أن تصفر، فأخّر سفره إلى شهر ربيعٍ، فلمّا سافر مرض ولم يحظ بطائل، فقال: ظننته من ربيع الرَّياض، فإذا هو من ربع الأمراض. وأمّا إعداده الماء المثلوج فتعلّة، وما ينفع بالحيل غلة، وتقريبه الخنجر تحرّر من جبان، وتنقض الأقضية وما بنى البان؛ ورب رجلٍ يحتفر له قبراً بالشام، ثمّ يجشمه القدر بعيد الإجشام، فيموت باليمن أو الهند، والحتف بالغائرة والفند: " ما تدري نفس بأبي أرض تموت، إن الله عليم خبير ". وكما أنَّ النفَّس جهلت مدفن عظامها، فهي الجاهلة بالقاطع

стр. 159

لنظامها. كم ظاّن أنّه يهلك بسيف، فهلك بحجر من خيفٍ. وموقن أنّ شجبه يقدر على مهادٍ، فألقته الأسل ببعض الوهاد. والبيتان اللّذان رواهما النّاجم عن أبي الرّومي مقيدان، وما علمت انّه جاء عن الفصحاء هذا الوزن مقيداً، وإلاّ في بيت واحدٍ يتداوله رواة اللّغة، والبيت: كأن القوم عشُّوا لحم ضأن، ... فهم نعجون قد مالت طلاهم وهذا البيت مؤسس، والذي قال ابن الروميّ بغير تأسيسٍ. وما يدري النّاجم، ولعّله بالفكر راجم، أفي الجّنة حصل ذلك الشيّخ أم في السّعير، وما اثقل وسوق العير. وأما أبو تمّام، فما أمسك من الدّينّ بزمام، والحكاية عن ابن رجاءٍ مشهورة، والمهجة بعينها مبهورة. فغن قذف في النّار حبيب، فما تغني المدح ولا التشّبيب. ولو أنَّ القصائد لها علم، وتأسف لما يشكو الخلم، لأقامت عليه الممدودتان اللتّان في أوّل ديوانه، مأتماً يعجب لأسوانه. فسناحتا عليه كابنتي لبيد، وجرعتاهما من الثكل نظير الهبيد، وقالتا ما زعمّه الكلابيّ في قوله: وقولا: هو الميت الذّي لا حريمه ... أضاع، ولا خان الصديق ولا غدر إلى الحول، ثمّ اسم السلاّم عليكما ... ومن بيك حولاً كاملاً، فقد اعتذر وكأنّي بهما لو قضي ذلك، لاجتمعت إليهما الممدودات، كما تجتمع نساء معدودات. فيجئن من كلّ اواب، ويتوعدون المحفل على نوب. ولو فعلن ذلك لبهارتهن الباثَّيات بمأتم أعظم زنيناً، وأشد في الحندس حنيناً، كما قال العبقسي: يجاوبن الكلاب بكلّ فجر ... فقد صحلت من النوح الحلوق.

стр. 160

وإذا كان مأتم الممدودات في مائة ممّن يعدهن ويظاهر، وجب أن يكون مأتم البائيّات في الآفٍ تعلن وتجاهر لأنَّّ الباء طريق ركوب، والمد في القصائد سبيل منكوب. وما نظمه على التّاء، فإنه لا يعجز عن الإيتاء. وتجيء الثّائيتان وكلتاهما كابنة الجون، وتبتدر في حالك اللّون. ولو صوَّرتا من الآدميات، لزادنا على قينتي ابن خطلٍ في المرئيّات، وإنّ الثاء لقليلة في شعر العرب إلاّ أنهّمّا تستعينان كلمة كثيِّرٍ: حبال سلامة أضحت رثاثا ... فسقياً لها جدداً أو رماثا وبأراجيز رؤبة وما كان نحوها من القوافي المتكلفّة، والأشعار المتعسَّفة، ولهما فيما نظم ابن دريدٍ، أعوان بالعجل والرَّويد. فأمّا الدّاليات والرّائيّات وما بني على الحروف الذلل: كاليم والعين واللام وما جرى مجراهنُّ، فلو اجتمع كلّ حيّزٍ منهن وهو فراد، لضاق عنهنّ الصدرّ والإيراد، وزدن على ما ذكر أنّه اجتمع في جنازة أحمد بن حنبل من النسّاء والرجال، ويقال أنّه لم يجتمع في الجاهلية ولا الإسلام جمع أكثر ممّا اجتمع في موت أحمد، حزر الرّجال بألف ألفٍ، والنسّاء بستمّائة ألفٍ، والله العالم بيقين الأشياء. وإن كان حبيب ضيَّع صلواته، فإنّه لضال بفلواته، لا يبلغ فيه كيد العداة، ما بلغ إهمال غداة. كم ضدٍّ نكص عنه ذا بهر، وليس كذلك صلاة الظّهر، إنّ تركها فإنّها شاهدة، وفي الشكيَّة له جاهدة. وكم من قصرٍ، يشيد في الجنة بصلاة العصر، ومسكٍ في الجنة متأرِّج لمصلِّي المغرب ليس بالحرج، وحور أشئن ببديع الإنشاء، لمن حافظ على صلاة العشاء، وقد جاء في الحديث النهَّي أن تسمى العتمة. وروي: " لا تخدعوا عن اسم صلاتكم فإنمّا يعتم بحلاب الإبل " وفي حديثٍ

стр. 161

آخر: " إنَّ العتمة اسم بنت الشيطان ". وإنّ من يعجز عن اداء تلك الرّكعات، ليشتمل على نيَّة عات. فليت حبيباً قرن بين الصلاتين، فجعلها كهاتين، كما قال القائل: قرن الظّهر إلى العصر كما تقرن الحقَّة بالحق الذَّكر وإنَّي لأضن بتلك الأوصال أن يظل جسدها وهو بالموقدة صال، لأنه كان صاحب طريقةٍ مبتدعة، ومعان كاللّؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحارٍ، ويغض عنها المستغلق من المحار. وإن ابتدرته مهنة مالك، فقد نبذ في المهالك، فليته كالجعديّ، أو سلك به مسلك عديّ، أو كان مذهبه مذهب حاتم فقد كان متألّهاً، ومن الخشية متولهَّاً، وقال: وإنّي لمجزي بما أنا عامل ... ويضطمني ماويّ بيت مسقَّف أو ليته لحق يزيد بن مهلهلٍ، قد وفد على النبي ﷺ ، وطرح عنه ثوب الغبي. الإفشين وأمّا المازيار، فحلاّل بالسَّفه سيار، وحسبه ما يتجرعّ من الحميم، ويحتمل من المقال الذميم، وقد خلد له في الكتب ما يوجب، لعنه إلى يوم الدّين، وأنَّي له أن يجعل كأديم ودينٍ ورحم الله ابن أبي داؤد، فلقد شفى الأنفس من الجواد، وكشف حال الأفشين، فعلم انّه آلف شينٍ، مخالف رشادٍ وزين. بابك وبابك فتح باب الطغّيان، ووجد من شرار الرّعيان، واظن جهاده، عليه التبَّار، أفضل جهادٍ عرف، وذنبه أكبر ذنبٍ اقترف. ولعلهّ يود في الآخرة أنّه ذبح عن كلّ من قتل في عدّانه، مائة مرّة في نهل مدّانه، ثم خلص من العذاب المطبق، واستنفذ عنقه من الربّق. والعجب لأبي مسلم، خبط في الجنان المظلم، وظنّ أنّه على شيء،

стр. 162

فكان كالمعتمد على الفيء، حطب لنارٍ أكلته، وقتل في طاعة ولاةٍ قتلته. وليس بأول من دأب لسواه، وأغواه الطمّع فيمن أغواه. وإنمّا سهر لأمّ دفرٍ وتبع سراباً في قفرٍ، فوجد ذنبه غير المغتفر، عند صاحب الدولة أبي جعفر. وكلّ ساعٍ للفانية لا بدّ له من الندّم، في أوان الفرقة وحين العدم، فذمنّا يحسب من الضّلال، كما تمنّى القنع أخو الإقلال، وهذه زيادة في النّضب، وفاز بالسبَّق حائز القصب. نذمهّا على غير جناية، ولم تخبر أحداً بالعناية، بل أبناؤها في المحن سواء، لا تاعفهم الأهواء، فرب حاملٍ حزمة عضيدٍ ليس رثده بالنضيد، يعجز ثمنها عن القوت، ويكايد شظف عيشٍ ممقوت، يلج سلاء في قدمه، ويخصبه الشائك بدمه، وهو أقل أشجاناً من الواثب على السرير، ينعم برشأ غرير، يجمع له الذهب من غير حلٍّ، بإعنات الأمم وإسخاط الإلّ، وإذا ملأ بطنه من طعام، وسبح في بحرٍ من الترف عامٍ، فتلك النعّم ولذاته، تحدث لأجلها أذاته، يختلجه القدر على غفولٍ، وغاية السّفر إلى قفول. وما يدري العاقل، إذا افتكر، أي الشخصين أفضل: أربيب عقد عليه إكليل، أم ارقش ظله في المك ظليل؟ كلاهما بلغ آراباً، وأحدهما يأكل تراباً، الآخر يعل بالراح، ويجتهد له في الأفراح. وما علمنا النّسك موقياً، ولا في الأسباب الراّفعة مرقياّ، والعالم بقدرٍ عاملون، أخطأهم ما هم آملون، ما آمن أن تكون الآخرة بإرزاق، فتغدو الرّاجحة إلى المهراق، على أن السّر مغيب، وكلنا في الملتمس مخيب، والجاهل وفوق الجاهل، من ادّعى المعرفة بغبّ المناهل، واللّعنة على الكاذبين. الكيسانية أمّا الذين يدعون في عليّ، عليه

стр. 163

السلام، ما يدعون، فتلك ضلالة قديمة، وديمة من الغواية تتّصل بها ديمة، وقد روي أنّه حرقّ عبد الله ابن سبأ لمّا هاجر بذلك النبإ. واعتقاد الكيسانية في محمد بن الحنفية عجيب، لا يصدق بمثله نجيب، وقد روي أنّ أبا جعفر المنصور رفعت له نارّ في طريق مكّة في اللَّيلة التي مات فيها، فقال: قاتل الله الحميريَّ، لو رأى هذه النّار لظن أنها نار محمد بن الحنفية!. وعلي له سابقة، ومحاسن كثيرة رائقة، وكذلك جعفر بن محمد ليس شرفه بالثمد. وقد بلغني أنّ رجلاً بالبصرة يعرف بشاباس، تزعم جماعة كثيرة أنّه رب العزّة، وتجبى إليه الأموال الجمّة، ويحمل إلى السّلطان منها قسماً وافراً، لكون بما طلب ظافراً، وهو إذا كشف، ساقط لاقط، يبذه إلى الفضل الماقط، والماقط الذي يكرى من بلدٍ إلى بلد. وحدِّثت أنّ امرأة بالكوفة يدعى لها مثل ذلك. ابن الراوندي وقد سمعت من يخبر أنّ لابن الرّاوندي معاشر تذكر إنّ اللاهّوت سكنه، وأنّه من علمٍ مكنه، ويخترصون له فضائل يشهد الخالق وأهل المعقول، أنّ كذبها غير مصقول، وهو في هذا أحد الكفرة، لا يحسب من الكرام البررة، وقد أنشد له منشد، وغيره التقي المرشد: قسمت بين الورى معيشتهم ... قسمة سكران بيّن الغلط لو قسم الرّزق هكذا رجل ... قلنا له: قد جننت فاستعط ولو تمثل هذان البيتان لكانا في الإصر يطولان أرمي مصر، فلو مات الفطن كمداً لما عتب، فأين مهرب العاقل من شقاءٍ رتب؟! أكل ما خدم خادع، أرسلت من الكفر مصادع؟ والمصادع: السهام وما حسنت السوداء الغالبة بسفيهٍ

стр. 164

دعواه، إلا وافق جهولاً عواه أي عطفه. وقد ظهر في الضيعة المعروفة بالنَّيرب المقاربة لسرمين رجل يعرف بأبي جوف، لا يستتر من الجهل بحوف، والحوف أزير من أدمٍ مشقق الأطراف السّافلة تتزر به الحارية وهي صغيرة وكان يدَّعي النّبرة، ويخبر بأخبار مضحكة، وتثبت نيته على ذلك ثبات المحكة، وكان له قطن في بيت فقال: إنّ قطني لا يحترق وأمر ابنه أن يدني سراجاً إليه، أخذ في العطب، وصرخت النّساء، واجتمعت الجيرة، وإنمّا الغرض إطفاء! وحدثّني من شاهد، أنّه كان يكثر الضّحك بغير موجب، ولا عند حدّثٍ معجب، فقيل له: ممّ تضحك؟ فقال كلاماً معناه: إنّ الإنسان ليفرح بهيّنٍ قليل، فكيف من وصل إلى العطاء الجليل؟ وكان بيّن الجنون، ليس خبله بالمكنون، فاتبعه الأغبياء، وكذب ما يقوله الأنبياء، حتى قتله والي حلب، حرسها الله، وذلك بعد مقتل البطريق المعروف بالدَّوقس في بلد أفامية، وكان الذي حثّ على قتله جيش بن محمد بن حمصامة لأنّ خبره رقي إليه، فأرسل إلى سلطان حلب، حرسها الله، يقول: أقتله وإلاّ أنفذت إليه من يقتله؛ وكان السّلطان يتهاون به لأنّه حقير، وربَّ شاةٍ نتج منها الوقير، أي قطيع الغنم. وبعض الشّيعة يحدّث أنّ سلمان الفرسيّ في نفرّ معه جاؤوا يطلبون عليّ بن أبي طالبٍ، سلام الله عليه، فلم يجدوه في منزله، فبينما هم كذلك جاءت بارقة تتبعها راعدة، وإذا عليٌ قد نزل على إجاَّر البيت، في يده سيف مخضوب بالدّم، فقال: وقع بين فئتين من الملائكة، فصعدت إلى السماء لأصلح بينهما! والذين يقولون هذه المقالة يعتقدون أن الحسن والحسين ليسا من ولده، فحاق بهم العذاب الأليم. أفلا يرى إلى هذه

стр. 165

الأمّة كيف افتنت في الضّلالة، كافتنان الرّبيع في إخراج الأكلاء، والوحش الرّائعة الأطلاء!؟ وللكذب سوق ليست للصدّق، تجعل الأسدّ من أبناء الفرق. وأمّا الذي ذكره نم بلوغ السِّنِّ، فإن الله، سبحانه، خلق مقراً وشهداً، ورغبة في العاجلة وزهداً، وإذا اللّبيب أنعم النّظر، لم ير الحياة إلىّ تجذبه إلى الضَّير، وتحث جسده على السيَّر؛ فالمقيم كأخي ارتحال، لا تثبت الأقضية به على حال: صبح يتبسّم وإمساء، لا يلبث معهما النَّساء، كأنّهما سيدا ضراء والعمر ثلّة في اقتراء، وهما على السّارح يغيران، فيفنيان السّائمة ويبيران. وإن كان، مكنَّ الله وطأة الأدب ببقائه، قد أماط الشبيبة فإنما أنفقها في طلب علومٍ وآداب، صيرَّ طلابها ألزم دابٍ، ولو كان لها على الحيّ تلبث، كان لها بنفسه النفّيسة تشبث، ولكنها بعض الأعراض، لا تشعر بحياة وانقراض. وإذا كنّا على ذمِّ هذه المنزلة مجمعين، ولقراقها مزمعين، فلم نأسف على نأي الخوّانة؟ إن الأشاءة لمن العوانة، والأشاءة النخّلة الصغيرة، والعوانة النخّلة الطوّيلة ومتى اخلص قرين الغفلة توبةً، فإنّها لا تترك حوبةّ، تغسل ذنوبه غسل النّاسكة جزيز الفرار، في متدفق سحاب مدرار، كثر فيه القهل والدَّنس، فأحبَّ رحضه الأنس، وكان قد أخذ عن أثباج غنمٍ بيض، تفوق ما يرتع من الربيض، فعاد وكأنه كافور الطيّب، أو ما ضحك من كافورٍ رطيب، والكافور: الطّلع، وقيل هو وعاء الطَّلعة. فأمّا الغانيات بعد السبّعن، فالأشيب لديهن كالعاسل يباكر العين، وقد حكي أنّ أبا عمرو بن العلاء كان يخضب، فاشتكى في بعض الأيام، فعاده بعض أصحابه، فال: تقوم إن شاء

стр. 166

الله تعالى من علتّك. فقال: ما آمل بعد ستٍ وثمانين. وعاد إليه وقد تماثل فقال: لا تحدث بما قلت لك. وهذا من ظريف ماروي، رغب في تمويهّ بالخضاب، وكتم سنه عن كلّ الأصحاب. وقد تحدّث بعض طلاّب الأدب انّه، أدام الله تزيين المحافل بحضوره، ذكر التزويج يريد الخدمة، فسرني ذلك، لأنّه دل على إقامة بالوطن، وفي قربه الفرحة لذوي الفطن. إذ كان كالشجّرة الوارف ظلالهما في الهواجر، والبارد هواؤها في ناجر، والطّيب ثمرها للذّائق، والأرج نسيمها للناشق. وهو يعرف حكاية الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيّا الشوابّ؛ ولا خيرة عند التّواب، ولكن النّصف، ممنّ يوصف: لاتنكحن عجوزاً إن أتيت بها ... واخلع ثيابك عنها ممعناً هرباً وإن أتوك وقالوا: إنهّا نصف ... فإنّ أطيب نصفيها الذي ذهبا لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ولعله تقدر له كصاحبة أبي الأسود أمّ عمروٍ، ورب خيرٍ تحت الخمر: كثوب اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ماشئت في العين واليد أو كما قال الآخر: ضناك على نيرين أمست لداتها ... بلين بلى الريّطات وهي جديد وحكي عن أبي حاتمٍ سهل بن محمد أنّه قرأ على الأصمعي شعر حساّن بن ثابت، فلمّا انتهى إلى قوله: لم تفتها شمس النّهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم قال الأصمعي: وصفها والله بالكبر، وقد يجوز ما قال، والأشبه أن يكون قال هذا وهي شابَّة، على سبيل التأسف، أي أن الأشياء لا بقاء لها، كما قال الآخر: أنت نعم المتاع، لو كنت تبقى؛ ... غير أن لا بقاء للإنسان

стр. 167

ولو نشط لهذه المأربة، لتنافست فيه العجز والمكتهلات، وعلت خطبة المنهبلات، لأن العاقلة ذات الإحصاف، تجنب إلى معاشرة حليف الإنصاف. وهل هو كما قال الأوّل: يا عز هل لك في شيخ فتى أبداً ... وقد يكون شباب عير فتيان فليس بأوّل من طلب نجوزاً، فتزوج على السنِّ عجوزاً، كما قال: إذا ما أعرض الفتيان عنّي ... فمن لي أن تساعفني عجوز كأنّ مجامع الّلحيين منها ... إذا حسرت عن العرنين كوز؟ ويروي للحادث بن جازَّة، ولم أجده في ديوانه: وقالوا مانكحت؟ فقلت: خيراً ... عجوزاً من عرينة ذات مال نكحت كبيرة، وغرمت مالاً، ... كذاك البيع: مرتخص وغال وأعوذ بالله ممّا قال الآخر: عجوزاً لو أن الماء يسقى بكفَّها ... لما تركتنا بالمياه نجوز! وما زالت العرب تحمد الحيزبون والشهلة، ولا تكره مع لشرخ الكهلة. وقد تزوج النبي ﷺ ، خديجة ابنة خويلدٍ وهو شاب، وهي طاعنة في السّن. وقالت له أم سلمة ابنة أبي أمية: يا رسول الله، إني امرأة قد كبرت وما أطيق الغيرة. فقال: أمّا قولك: قد كبرت، فإنا أكبر منك، وأمّا الغيرة، فإننّي سوف أدعو الله أن يزلها عنك. وقال الشاعر: فما أنا ابن رهمٍ قد علمتم ... ولا ابن العاملية فاحذروني ولكني ولدت بنجمٍ شكسٍ ... لشمطاء الذوائب حيزبون ولا أشك أنّه قد استخدم في مصر أصناف حوارٍ، وهن للمآرب موارٍ،

стр. 168

ولولا أنّ أخا الكبرة يفتقر إلى معينٍ، لكانت الحزامة أن يقتنع بورد ألمعين، فهو بعرف قول القائل ما العيش إلا القفل وألمفتاح ... وغرفة تخرقها الرّياح لا صخب فيها ولا صياح وحدَّثني ابن القنسري المقرئ، أنّه سمعه يسأل عن غلامٍ للخدمة، وربما كان استخدام الأحرار، يمنع من القرار، فقد قال أبو عبادة: أنا من ياسر ويسر ونجح ... لست من عامرٍ ولا عمّار! ما بأرض العراق يا قوم حرّ ... يفتديني من خدمة الأحرار؟ وأن يخدم نفسه الوحيد، خير من أن يلج بيته العبيد؛ فطالما أحوجوا المالك إلى ضرب، وأن يتقَّيهم بالعرب. ورب نازلٍ من أهل الأدب في خان، ليس بالخائن ولا المستخان، بخدمه صبي من الرّق حرّ، وفي خدمته السرّق والضرّ. وإذا أرسله بالبتك، بنات الدرّهم ليأتيه بالطبيخة حين يكثر الطبيخ ويتيح، سعره المشتعل متيح، سرق في السّبيل القطع، وانتهى في الخيانة وتنطع، ثمّ وقف بالبائع، فغبنه غبن الرّائع، فأخذ صغيرة من بطيخ، لا تلقى النّاظر بمثل الورس اللطيخ. ثم انصرف بها لاعباً، كأنهّا هدى كاعباً، فلم يزل يتلقف بها في الطريق، حتى كسرها بين فريق؛ فاختلط حبُّها بالحصباء، وزهد في قربها كلّ الأرباء. ويجوز أن يحملها في حال السّلامة، ويمضي ليسبح مع الفتيان، فإذا نزل في الماء اختطفها بعض العرمة من الصبيان، فأكلها وهو يراه، لا يحفل بأديمها إذ فراه. وقد يرسله بالغضارة يلتمس لبناً، فيقال من سوء الّرأي غبناً، فإذا حصل فيها

стр. 169

الهدبد، عثر فإذا هو على الصحّراء متلبدّ، وصارت الفخارة خزفاً لا يراد، يلغيه النسّكة والمرادّ، فإن كان صاحبه يذهب مذهب ابن الروميّ عدّ أن تحطم الغضارة، فناء عيشه ذي الغضارة؛ فدعا بالحرب، وشده عن فوات الأرب، وما يصنع بذلك المصمقرّ، وقد حان المرتحل إلى المقرِّ؟ وكان في بلدنا غلامٌ لبعض الجند يزعم، ويصدق فيما يزعم، أنَّه كان مملوكاً لأبي أسامة جنادة بن محمّد الهرويّ بمصر، وكان يأسف لفراقه، ويعجب من جميل أخلاقه، ويقول إنّه باعه من أجل العوم، فما أوقع غلاءً في السَّوم. وإنّما ذكرت ذلك لأنّه، عرَّف الله الوقت بحياته أي طيِّبه، ممّن قد عرف جناده وجرّبه. وأمّا أهل بلدي، حرسهم الله، فإذا كان الحظُّ قد أعطاني حسن ظنِّ الغرباء، فلا يمتنع أن يعطيني تلك المنزلة من الرّهط القرباء. ولكنّهم كطلاّب الخطبة من الأخرس، وحرِّ ناجرٍ من شهر القرس. وسيّدي الشّيخ أبو العبّاس الممتَّع: في السّنِّ ولدٌ، وفي المودّة أخٌ، وفي فضله جدٌّ أو أبٌ. وإنّه في أدبه، لكما قال تعالى: " وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى ". وأمّا إشفاق الشّيخ - عمر الله خلده بالجذل، وأراح سمعه من كلِّ عذل - فتلك سجية الأنيس، لا يختص بها أخو الجبن عن الشّجاع البئيس. ومن القسوط، تعرُّض بالقنوط. " قل يا عبادي الَّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ". كم من أديبٍ شرب وطرب ثمّ تاب وأجاب العتَّاب. فقد يضلُّ الدّليل٠في ضوء القمر، ثمّ يهديه الله بأحد الأمر، وكم استنقذ من اللُّجِّ غريقٌ، فسلم وله تشريق. وقد كان الفضيل بن عياضٍ، يسيم في أوبل رياض، ثمّ حسب في الزُّهَّاد، وجعل من أهل الاجتهاد. وربّ خليعٍ وهو فتى، تصدَّر لمّا

стр. 170

كبر وأفتى، ومغنٍّ بطنبور أو عود، قدر له تولِّي السُّعود، فرقي منبراً للعظات، من بعد إرسال اللَّحظات. عمر بن عبد العزيز ولعلّه قد نظر في طبقات المغِّنين فرأى فيهم عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنسٍ، هكذا ذكر ابن خرداذبة، فإن يك كاذباً فعليه كذبه. والحكاية معروفةٌ أن أبا حنيفة كان يشارب حمَّاد عجرد وينادمه، فنسك أبو حنيفة وأقام حمّادٌ في الغيِّ، فبلغه أن أبا حنيفة يذمُّه ويعيبة، فكتب إليه حمّاد: إن كان نسكك لا يتمّ ... بغير شتمي وانتقاصي فاقعد وقم بي كيف شئ ... ت مع الأداني والأقاصي فلطالما زكِّيتني، ... وأنا المقيم على المعاصي أيّام تعطيني وتأ ... خذ في أباريق الرَّصاص عمر بن الخطاب أليس الصّحابة، عليهم رضوان الله، كلّهم كان على ضلالٍ، ثمَّ تداركهم المقتدر ذو الجلال؟ وفي بعض الرّوايات أن عمر بن الخطّاب خرج من بيته يريد مجمعاً كانوا يجتمعون فيها للقمار، فلم يجد فيه أحداً فقال: لأذهبنَّ إلى الخمَّار، لعلِّي أجد عنده خمراً. فلم يجد عنده شيئاً. فقال: لأذهبنّ ولأسلمنَّ. والتوفيق يجيء من الله بإجبار، وفيما خوطب به النبيُّ ﷺ : " ووجدك ضالاًّ فهدى ". وذكر أبو معشر المدني في كتاب المبعث حديثاً معناه أنّ النبيُّ ﷺ ، ذبح ذبيحةً للأصنام فأخذ شيئاً منها فطبخ له، وحمله زيد بن حارثة ومضيا ليأكلاه في بعض الشِّعاب، فلقيهما زيد بن عمرو ابن نفيل، وكان من المتألِّهين في الجاهليّة، فدعاه النبي صلى لله عليه وسلم، ليأكل من الطعام، فسأله عنه فقال: هو من شيءٍ ذبحناه لآلهتنا. فقال زيد بن عمرو:

стр. 171

انّي لا آكل شيءٍ ذُبح للأصنام، وإنِّي على دين إبراهيم صلى الله عليه، فأمر النبيُّ صل الله عليه وسلم، زيد بن حارثة بإلقاء ما معه. وفي حديث آخر، وقد سمعته بإسنادٍ: أن تميم بن أوسٍ الدَّاريَّ، والدّار قبيلةٌ من لخم كان يهدي إلى النبيِّ ﷺ ، في كلَّ سنةٍ روايةً من خمر، فجاء بها في بعض السّنين، وقد حرجت الخمر، فأراقها، وبعض أهل اللّغة يقول: فبعّها. والمطبوخ وإن أسكر فهو جارٍ مجرى الخمر، على أنَّ كثيراً من الفقهاء قد شربوا الجمهوريَّ والبختج والمنصَّف، وذكر، عند أحمد بن يحيى ثعلبٍ، أحمد بن حنبل وإن كان شرب النّبيذ قطّ؟ والنّبيذ عند الفقهاء غير الخمر، فقال ثعلب: أنا سقيته بيدي في ختانةٍ كانت لخلف بن هشام البزَّاز. فأمّا الطِّلاء فقد كان عمر بن الخطّاب، ﵇، جزَّأ منه على نصارى الشّام لجنود المسلمين، والمثل السّائر: هي الخمر تكنى الطِّلاء ... كما الذّئب يُكنى أبا جعدة وهذا البيت يُروى ناقصاً كما علم، وهو ينسب إلى عبيد ابن الأبرص وربّما وجد في النّسخة من ديوانه، وليس في كلِّ النُّسخ. والذي أذهب إليه أن هذا البيت قيل في الإسلام عدما حُرِّمت الخمر. وإنّما لذَّة الشّرب فيما يعرض لهم من السكر، ولولا ذلك لكان غيرها من الأشربة أعذب وأدفأ، وقال التغلبيُّ: علِّلاني بشربةٍ من طلاءٍ ... نعمت النِّيم في شبا الزّمهرير ويروى لدعبل: علِّلاني بسماعٍ وطلا، ... ونصيفٍ جائعٍ يبغي القرى

стр. 172

وهذا يدلُّ على أن الطِّلا يسكر ويروي للهذليّ: إذا ما شئت باكرني غريضٌ ... وزقٌّ فيه نيٌّ أو نضيج وقال آخر: لا تسقني الخمر إلاّ نيئة قدمت ... تحت الخام، فشرُّ لاخمر ما طبخا وإن كان، هيَّأ الله له المحابَّ، قد شرب نيًّا، وقال له الندمان: هنيّاً، فله أسوةٌ بشيخ الأزد محمد بن الحسن إذ قال: بل ربّ ليلٍ جمعت قطريه لي ... بنت ثمانين عروسٌ تجتلى ثمّ قال في آخر القصيدة: فإن أمت فقد تناهت لذّتي ... وكلّث شيءٍ بلغ الحدّ انتهى وما أختار له أن يأخذ بقول الحكمي: قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدي ... عن أن تسير إلى فمي بالكاس وهو يعرف البيت: وما طبخوها، غير أنَّ غلامهم ... سعى ليلةً في كرمها بسراج وقول عبد الله بن المعتزِّ: ذكر العلج أنَّهم طبخوها، ... فرضينا ولو بعود خلال وقدماً طلب النَّدامى مطبوخاً، شبَّاناً في العمر وشيوخاً، ينافقون بالصِّفة ويوارون، وعن الصّهباء العاتقة يدارون، وأبيات الحسين بن الضّحاك الخليع التي تنسب إلى أبي نواسٍ معروفةٌ: وشاطريِّ اللّسان مختلق التّ ... كريه، شاب المجون بالنُّسك بات بغمَّى يرتاد صالية ال ... نّار ويكني عن ابنة الملك

стр. 173

دسست حمراء كالشّهاب له ... من كفِّ خمّار حانةٍ أفك يحلف عن طبخها بخالقه، ... وربَّ موسى ومنشىء الفلك كأنَّما نصب كأسها قمرٌ ... يكرع في بعض أنجم الفلك ومن النِّفاق أن يظهر الإنسان شرب ما أجاز شربه بعض الفقهاء، ويعمد إلى ذات الإقهاء، فقد أحسن الحكميُّ في قوله: فإذا نزعت عن الغواية، فليكن ... لله ذاك النَّزع، لا النّاس وقد آن لمولاي الشّيخ أن يزهد في شيمة حميد، وينصرف عن مذهب أبي زبيدٍ وإنَّما عنيت حميداً الأمجيَّ قائل هذه الأبيات: شربت المدام، فلم أقلع ... وعوتبت فيها فلم أرجع حميد الّذي أمجٌ داره، ... أخو الخمر ذو الشَّيبة الأصلع علاه المشيب عى حبِّها، ... وكان كريماً فلم ينزع وقال آخر: تعاتبني في الرَّاح أمٌ كبيرةٌ ... وما قولها، فيما أراه، مصيب تقول، ألا تجفو المدام فعندنا ... من الرّزق تمرٌ مكثبٌ وزبيبُ؟ فقلت: رويداً مالزّبيب مفرّحي، ... وليس لتمرٍ في العظام دبيب فإنّ حميداً علَّها في شبابه ... ولم يصح منها حين لاح مشيب وإذا تسامعت المحافل بتوبته، اجتمع عليه الشّبان المقتبلون، والأدباء المتكلمون، وكلُّ أشيب لم يبق من عمره إلاّ ظمء حمارٍ، كما اجتمع لسمر أصناف السُّمّار، فيقتبسون من آدابه، ويصغون المسامع لخطابه، وجلس لهم في بعض المساجد بحلب، حرسها الله، فإنَّها من بعد أبي عبد الله بن خالويه

стр. 174

عطلت من خلخالس وسوار، ونارت من الأدب أشدّ النَّوار. وإذا كان لك بتفضلُّ الله، أعدَّ معه خنجراً كخنجر ابن الرّوميّ، أو الذي عناه ابن هرمة في قوله: لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلاّ قريبة الأجل لا غنمي في الحياة مدّ لها ... إلاَّ دراك القرى، ولا إبلي كم ناقةٍ قد وجأت منحرها ... بمستهلِّ الشُّؤبوب، أو جمل فإذ جلس في منزله، مجلسه الذي يلتقط أهله زهر أسحار، بل لؤلؤ بحار، فيكون ذلك الخنجر قريباً منه، فإذا قضي أن يمرَّ بباب المسجد الكهل المرقَّب الذي أراده القائل بقوله: إذا الكهل المرقَّب غاض ألنا ... إلى سيءّ له في القرو ثان كأنَّ الذّارع المغلول منها ... سليبٌ من رجال الدَّيبلان وثب إليه وثبة نمرٍ، إلى متخلِّفة وقير أمرٍ، أو أمر بعض أصحابه بالوثوب إليه، فوجأه بذلك الخنجر وجأةً فانبعث بمثل الدّم، أو الخالص من العندم، وقرأ هذه الآية: " إنَّ الحسنات يذهبن السِّيئات، ذلك ذكرى للذّاكرين ". فإذا مضى صاحبه مستعدياً إلى السّلطان فقال: من فعل ذلك بك؟ فسمّاه له، قال السّلطان بمشيئة الله: لا حرَّ بوادي عوفٍ، ما أصنع بجنث الأدب وبقيّة أهله؟ ووطئها تحت قدمه، وحسبها من زعانف أدمه. ما يفعل ذلك مرّةً أو اثنتين، إلاّ وحمله الذّوارع قد اجتنبت تلك النّاحية، كما اجتنب أبو سفيان بن حربٍ طريقه من خوف النبي ﷺ ، فقال حسّان: إذا أخذت حوران من رمل عالجٍ فقولا لها: ليس الطّريق هنالك

стр. 175

ولا بأس إن كان المعدُّ مشملاً يشتمل عليه في الكمِّ، فإذا ضرب به ذارع الخمر، ذكر من نظر في كتاب المبتدإ حديث طالوت لمّا أمر ابنته وهي امرأة داود، صلّى الله عليه، أن تدخله عليه وهو نائمٌ ليقتله. فجعلت له في فراش داود زق! َ خمرٍ ودسته عليه، وضربه بالسيف وسالت الخمر، فظنَّ أنَّها الدّم، فأدركه الأسف والنّدم، فأومأ بالسيف ليقتل نفسه ومعه ابنته، فأمسكت يده، وحدَّثته ما فعلته، فشكرها على ذلك. ويكون السّكران إذا ألمَّ بذلك المسجد، ترتر ومزمز، كما في الحديث، واستنكه، فإن أوجبت الصورة أن يجلد جلد، ولا يقتصر له الشّيخ، أغراه الله، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، على أربعين في الحدَّ على مذهب أهل الحجاز، ولكن يجلده ثمانين على مذهب أهل العراق، فإنَّها أوجع وأفجع. ويقال إن النبيّ ﷺ ، جلد أربعين، فلمّا صار الأمر إلى عمر بن الخطَّاب، ﵇، استقلَّها، فشاور علياً، ﵇، فجعلاها ثمانين. وإذا صحّت الأخبار المنقولة بأنّ أهل الآخرة يعلمون أخبار أهل العاجلة، فلعلّ حواريَّه المعدَّات له في الخلد، يسألن عن أخباره من يرد عليهنّ من الصُّلحاء، فيسمعن مرّةً أنّه بالفسطاط، وتارةً أنّه بالبصرة، ومرّةً أنّه ببغداد، وخطرةً أنّه بحلب. فإذا شاع أمر التّوبة، ومات ناسكٌ من أهل حلب أخبرهن بذلك، فسررن وابتهجن، وهنّأهنَّ جاراتهنَّ. ولا ريب أنّه قد سمع حكاية البيتين الثابتين في كتاب الاعتبار: أنعم الله بالخيالين عينا ... وبمسراك يا أميم إلينا! عجباً ما جزعت من وحشة اللَّح ... د ومن ظلمة القبور علينا! وأعوذ بالله من قومٍ يحثُّهم المشيب على أن يستكثروا من أمّ زنبقٍ، كأنّها

стр. 176

المنجية من بنت طبق، كما قال حاتم: وقد علم الأقوام لو أنَّ حاتماً ... أراد ثراء المال، كان له وفر يفكُّ به العاني، ويؤكل طيِّباً ... وليست تعرِّيه القداح ولا اليسر أماويّ إن يصبح صداي بقفرةٍ ... من الأرض، لا ماءٌ لديَّ ولا خمر تري أنَّ ما أهلكت لم يك ضرَّني ... وأنَّ يدي ممّا بخلت به صفر وقال طرفة: فإن كنت لا تستطيع دفع منيَّتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي وقال عبد الله بن المعتز: لا تطل بالكؤوس مطلي وحبسي ... ليس يومي، يا صاحبي، مثل أمسي لاتسلني وسل مشيبي عنّي، ... مذ عرفت الخمسين أنكرت نفسي فهذا حثتَّه كثرة سنيه على أن يستكثر من السُّلافة، وما حفظ حقَّ الخلافة، وإنّ العجب طمعه أن يبلي، كأنّه في العبادة شحب وبلي، ولكنّ القائل قال لمعاوية بن يزيد: تلقَّاها يزيدٌ عن أبيه، ... فخذها يا معاوي عن يزيدا! وقد كان محمّد بن يزيد المبرَّد ينادم البحتريَّ ثمّ ترك. وأنا أضنُّ به، ميزّ الله من الغيظ قلب عدوِّه، أن يكون كأبي عثمان المازني: عوتب في الشّراب فقال: إذا صار أكبر ذنوبي تركته. وأمّا إبراهيم بن المهديّ فقد أساء في تعريضه بالكأس لمحمّد بن حازم، ولكن من عبث بالبمَّ والزِّير، لم يكن في الدّيانة أخا تعزير. وقد روي أنّ المعتصم دعا إبراهيم كعادته فغنَّاه البيتين اللذين يقال فيهما: غنّى صوت ابن شكلة، وبكى إبراهيم، فقال له المتعصم: ما يبكيك؟

стр. 177

فقال: كنت عاهدت الله إذا بلغت ستين سنةً أن أتوب، وقد بلغتها. فأعفاه المعتصم من الغناء وحضور الشراب. والتّوبة إذا لم تكن نصوحاً، لم يلف خلقها منصوحاً. وكان في بلدنا رجلٌ مغرمٌ بالقهوة، فلمّا كبر رغب في المطبوخ، وكان يحضر مع نداماه وبين يديه خرداذيُّ فيه مطبخةٌ، وعندهم قدحٌ واحدٌ، فيشرب هو من المطبوخ ويشرب صحابه من النيء، فإذا جاء القدح إليه ليشرب، غسله من أثر الخمر وشرب فيه، فإذا فرغ خرداذيُّ المطبوخ رجع فشرب من شراب إخوانه. وأمّا مخاطبته غيره وهو يعني نفسه، فهو كقولهم في المثل: إيّاك أعني واسمعي يا جارة. ولا عندد عن الجبلَّة، يريد المتنسِّك أن ينصرف حبُّه عن العاجلة، وليس يقدر على ذلك، كما لولا تقدر الظبية أن تصير لبؤةً، ولا الحصاة أن تتصوَّر لؤلؤةً: يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنَّك كنت من الخاطئين. وقول القائل في الدّعاء: اللهم اجعل وصعي بازياً، يكون للسّفه مواذياً. ولقد علمت ولا أنهاك عن خلق ... أن لا يكون امرؤ إلاّ كما خلقا وإنَّا لنجد الرّجل موقناً بالآخرة، مصدِّقاً بالقيامة، معترفاً بالوحدانية وهو يحجأ على النّابح بعظمٍ، وعلى الجارية بعارية نظمٍ، كأنّه في الأرض مخلدٌ، وإن فني سهلٌ وجلدٌ. وكثير من الذين يتلون الآية: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلة مائة حبِّةٍ، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسعٌ عليم ". وهم بها مصدِّقون، ومن خشية إلههم مشفقون، يضنُّون بالقليل التافه ولا يسمحون للسّائل ولا الوافه، فكيف تكون حال من ينكر حديث الجزاء، ولا يقبل عن الفانية حسن العزاء؟ وقد

стр. 178

مرّ به حديث أبي طلحة، أو أبي قتادة ومعناه أنهّ خاصم يهوديّاً إلى النبيّ صلّى الله وسلّم، وكان لأبي طلحة حديقة نخلٍ، وبينه وبين اليهوديّ خلفٌ في نخلةٍ واحدةٍ. فقال النبيُّ ﷺ ، لليهوديّ: أتسمح له بالنخلة حتى أضمن لك نخلةً في لجنّة؟ ونعتها رسول الله ﷺ ، بنعوت أشجار الجنّة. فقال اليهوديُّ: لا أبيع عاجلاً بآجل. فقال أبو طلحة: أتضمن لي يا رسول الله كما ضمنت له حتى أعطه الحديقة؟ فقال: نعم. فرضي أبو طلحة بذلك. وأخذ اليهوديّ وذهب إلى حديقته، فوجد فيها امرأته وأبناءه وهم يأكلون من جناها، فجعل يدخل إصبعه في أفواههم فيخرج ما فيها من التمر، فقالت امرأته: لِمَ تفعل هذا ببنيك؟ فقال: إنّي قد بعت الحديقة. فقالت: إن كنت بعتها بعاجلٍ فبئس ما فعلت! فقصَّ عليها الخبر، ففرحت بذلك. ولو قيل لبعض عبَّاد هذا العصر: أعط لبنةً ذات قضَّةٍ، لتعطى في الآجلة لبنةً من فضَّة، لما أجاب. لو سئل أمةً عوراء، يعوَّض منها في الآخرة بحوراء، لما فعل. على أنّه من المصدِّقين، فكيف من غذي بالتكذيب، وجحد وقوع التّعذيب؟ وأمّا فاذوه فلقي طائر الحين، متكفياً من بين جناحين، فلا إله إلاَّ الله، ما أعدَّ المهراس، ليفضح به الرأس، ولكن لكلِّ أجل كتابٌ، والشرُّ يبكر وينتاب. منته نفسه التّوبة، فكانت كصاحبة امرىء القيس لمّا قال لها: منَّيتنا بغدٍ وبعد غدٍ ... حتى بخلت كأسوإ البخل أبي الهذيل العلاف ويحكى عن أبي الهذيل العلاَّف أنّه كان يمرُّ في الأسواق على حمارٍ ويقول: يا قوم احذروا توبة غلامي. وكان له غلامٌ يعد نفسه التّوبة، فسقطت عليه آجرةٌ

стр. 179

فقتلته، والدّنيا الغرَّارة ختلته. وأوّل ما سمعت بأخبار الشّيخ، أدام الله تأثيل لفضل ببقائه، من رجلٍ واسطيٍّ يتعرّض لعلم العروض، ذكر أنّه شاهده بنصيبين، وفيها رجلٌ يعرف بأبي الحسين البصري، معلماً لبعض العلويّة، وكان غلامٌ يختلف إليه يعرف بابن الدن، وقد اجتاز الشّيخ ببلدنا والواسطيُّ يومئذٍ فيه. وقد شاهدت عند أبي أحمد عبد السّلام بن الحسين المعروف بالواجكا ﵀، فلقد كان من أحرار النّاس كتباً عليها سماعٌ لرجلٍ من أهل حلب، وما أشكُّ أنّه الشّيخ، أيّد الله شخصه بالتّوفيق، وهو أشهر من الأبلق العقوق، لا يفتقر إلى تعريف بالقريض، بل يصدح شرفه بغير التّعريض. قال البكريُّ النَّسابة لرؤبة: من أنت؟ قال: أنا ابن العجَّاج. قال: قصَّرت وعرَّفت. وإنّما هو في الاشتهار، كما سطع من ضوء نهارٍ، وكما قال الطائيُّ: تحميه لألاؤه أو لو ذعيتَّه، ... من أن يذال بمن أو ممَّن الرّجل؟ وإن تناسخت الأمم في العصور، فهو عليُّ بن منصور الذي مدحه الجعفيُّ، فقال والخالق وفيّ: في رتبةٍ حجب الورى عن نيلها ... وعلا، فسمّوه عليَّ الحاجبا حجب طلاب الأدب عن تلك الرّتبة، ونزل بالمشّامخة لا العتبة. وأمّا العلماء الذين لقيهم، فأولئك مصابيح النّاجية وكواكب الدّاجية، وإنَّ في النّظر إليهم لشرفاً، فكيف بمن اغترف من كلِّ بحرٍ وجد غرفاً؟ وإنّما أقول ذلك على الاقتصار، ولعلَّه قد نزف بحارهم بالقلم والفهم، وفتحوا له أغلاق البهم جمع بهمةٍ وهو الأمر الذي لا يهتدى له فأخذ عن الكتابيّ سور التنّزيل، وفاز بثواب جزيل، فكأنما لقنّه إيّاه الرّسول، وبدون تلك الدّرجة يبلغ

стр. 180

السُّول. أو أخذها عن جبرئيل، فى غير ولا تبديل. وسهّلوا له ما صعب من جبال العربيّة، فصارت حزونة كتاب سيبويه عنده كالدِّمات، وغني في اللُّجج عن ركوب الأرماث. وأمّا انحيازه إلى أبي الحسن، ﵀، فقد كان ذلك الرّجل سيَّداً، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيَّداً، ولمن قوي منهم وادّاً، ودونه لللنوب محاداً، وكان كما قال القائل: وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام وكما قال الطّائيّ: كلُّ شعبٍ كنتم به آل وهب ... فهو عبي وشعب كل أديب والمثل السّائر: على أهلها تجني براقش. وذكر الصُّوليّ أنّه دخل على المتَّقي بعدما قتل بنو حمدان محمّد بن رائق، فسأله عن أبيات نهشل بن حرِّيّ: ومولىّ عصاني واستبدَّ برأيه ... كما لم يطع بالبفتين قصير فلما رأى ما غب أمري وأمره ... وناءت بأعجاز الأمور صدور تمنَّى نئيشاً أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور يقال: فعل كذا نئيشاً، أي بعدما فات، قال الشاعر: إنّك يا قطين ولت منهم ... لألأم مالك عقباً وريشاً تناءت منكم عدس بن زيدٍ ... فلم تعرفكم إلا نئيشاً وما زال الشّبان المحسون من أنفسهم بالنهضة، يبغون ما شرف من المراهص، وكيف بالسّلامة من الواهص؟ والمثل السّائر: رأي الشّيخ خير من مشهد الغلام. ورمّا سار الطّالب سورّة، فواجهت من القدر زورةّ، إنّ الغفة من العيش، لتغني المجتهد عن البري والرّيش، ولكن لا موئل من القضاء
следующие страницы →