Полный текст (201 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بأخرةٍ، وكان أخوه ممَّن قتلته، جاهرته في الحادثة أو قيل ختلته، فضربها ضربةً، وأهون بالمقر شربةً، إذا الرَّجل أحسَّ التَّلف، وفقد من الأنيس الخلف! فلمَّا وقيت ضربة فأسه، والحقد يمسك بأنفاسه، ندم على ما صنع أشدَّ النّدم، ومن له في الجدة بالعدم؟ فقال للحيّة مخادعاً، ولم يكن بما كتم صادعاً: هل لك أن نكون خلَّين، ونحفظ العهد إليَّن؟ ودعاها بالسفه إلى حلف، وقد سُقي من الغدر بخلف. فقالت: لا أفعل وإن طال الدَّهر، وكم قصم بالغير ظهرٌ! إنِّي أجدك فاجراً مسحوراً، لم تأل في خُلَّتك حوراً؛ تأبى لي صكَّةٌ فوق الرأس، مارستها أبأس مراسٍ، ويمنعك من أربك قبرٌ محفور، والأعمال الصّالحة لها وفور.
وقد وصف ذلك نابغة بني ذبيان فقال:
وإنِّي لألقى من ذوي الضِّغن منهم،
وما أصبحت تشكو من البثّ ساهره
كما لقيت ذات الصَّفا من خليلها،
وكانت تديه المال غباً وظاهره
فلمّا رأى أن ثمر الله ماله،
فأصبح مسروراً، وسدَّ مفاقره
أكبَّ على فأسٍ يحدُّ غرابها
مذكَّرةٍ، من المعاول، باترة
وقام على جحرٍ لها فوق صخرةٍ،
ليقتلها، أو تخطىء الكفُّ بادره
فلمّا وقاها الله ضربة فأسه
وللبرِّ عينٌ لا تغمِّض ناظره
فقال: تعالي نجعل الله بيننا
على مالنا، أو تنجزي لي آخره
فقالت: معاذ الله أفعل إننّي
رأيتك مسحوراً يمينك فاجره
أبى لي قبرٌ لا يزال مقابلي،
وضربة فأسٍ فوق رأسي فاقره وتقول حيّةٌ أخرى: إنّي كنت أسكن في دار الحسن البصريِّ فيتلو القرآن
стр. 107
ليلاً، فتلقَّيت منه الكتاب من أوَّله إلى آخره.
فيقول، لا زال الرُّشد قريناً لمحلِّه: فكيف سمعته يقرأ: فالق الإصباح؟ فإنَّه يروى عنه بفتح الهمزة كأنّه جمع صبحٍ، وكذلك: بالعشيِّ والإبكار كأنّه جمع بكرٍ، من قولهم: لقيته بكراً، وإذا قلنا: إنَّ أنعماً وأشدّاً جمع نعمة بكرةٍ، على طرح الهاء، فيجوز أن تكون الأبكار جمع بكرةٍ، فتكون على قولنا: بكرٌ وأبكارٌ، كما يقال جندٌ وأجناد.
فتقول: لقد سمعته يقرأ هذه القراءة، وكنت عليها برهةً من الدَّهر، فلمّا توفَّي، ﵀، انتقلت إلى جدارٍ في دار أبي عمرو بن العلاء، فسمعته يقرأ، فرغبت عن حروفٍ من قراءة الحسن كهذين الحرفين، وكقوله: الأنجيل، بفتح الهمزة. فلمَّا توفِّي أبو عمرو كرهت المقام، فانتقلت إلى الكوفة، فأقمت في جوار حمزة بن حبيبٍ، فسمعته يقرأ بأشياء ينكره عليه أصحاب العربيَّة، كخفض الأرحام في قوله تعالى: " واتَّقوا الله الذّي تساءلون به والأرحام " وكسر الياء في قوله تعالى: " وما أنتم بمصرخيّ " وكذلك سكون الهمزة في قوله تعالى: " استكباراً في الأرض ومكر السّيء " وهذا إغلاقٌ لباب العربيَّة، لأنَّ الفرقان ليس بموضع ضرورةٍ، وإنّما حُكي مثل هذا في المنظوم. وقد روي أنَّ امرأ القيس قال:
فاليوم أشرب غير مستحقبٍ ... إثماً من الله، ولا واغل
وبعضهم يروي: فاليوم أسقى، وإذا روي: فاليوم أشرب، فيجوز أن يكون ثمَّ إشارةٌ إلى الضمَّ لا حكم لها في الوزن، فقد زعم سيبويه أنَّهم يفعلون ذلك في قول الراجز:
متى أنام لا يؤرِّقني الكرى، ... ليلاً ولا أسمع أصوات المطي
стр. 108
وهذا يدل على أنَّهم لم يكونوا يحفلون بطرح الإعراب، فأمّا قول الرَّاجز:
إذا اعوججن قلت: صاحب قوِّم
في الدَّوِّ، أمثال السَّفين العوَّم فإنَّه من عجيب ما جاء، وقد بله قائله عن أن يقول: صاح قوِّم، فلا يكون بالوزن إخلالٌ، ولكنَّ الذين يحتجُّون له يزعمون أنَّه أراد أن يعادل بين الجزئين، لأنَّ قوله: حب قوِّم، في وزن قوله: نل عوَّم، وهذا يشبه ما ادَّعوه في قول الهذلي:
أبيت على معاري فاخرات ... بهنَّ ملوَّب كدم العباط
يزعم النّحويُّون أنَّ قوله: معاري، بفتح الياء، حمله عليه كراهه الزِّحاف، وهذا قولٌ ينتقض، لأنَّ في هذه الطائيَّة أبياتاً كثيرةً لا تخلو من زحافٍ، وكلُّ قصيدةٍ للعرب وغيرها على هذا القريِّ.
وكذلك قوله:
عرفت بأجدثٍ فنعاف عرقٍ ... علاماتٍ كتحبير النِّماط
فيه زحافان من هذا الجنس، ثمَّ يجيء في كلِّ الأبيات إلا أن يندر شيءٌ. وقد روي عن الأصمعيِّ أنَّه لم يسمع العرب تنشد إلا: أبيت على معارٍ، بالتّنوين، وهذا لا ينقض مذهب أصحاب القياس، إذا كانوا يروون عن أهل الفصاحة خلافه.
ويهكر، أزلفه الله مع الأبرار المتَّقين، لما سمع من تلك الحيَّة، فتقول هي: ألا تقيم عندنا برهةً من الدَّهر؟ فإنِّي إذا شئت انتفضث من إهابي فصرت مثل أحسن غواني الجنَّة، لو ترشَّفت رضابي لعلمت أنّه أفضل من الدِّرياقة التي ذكرها ابن مقبلٍ في قوله:
سقتني بصهباء درياقةٍ ... متى ما تليِّن عظامي تلن
ولو تنفَّست في وجهك لأعلمتك أنَّ صاحبة عنترة تفلةٌ صدوفٌ والصَّدوف:
стр. 109
الكريهة رائحة الفم، وإنّما تعني قوله:
وكأنَّ فارة تاجرٍ بقسيمةٍ
سبقت عوارضها إليك من الفم ولو أدنيت وسادك إلى وسادي، لفضِّلتني على التي يقول فيها الأوَّل:
باتت رقوداً سار الرَّكب مدَّلجاً،
وما الأوانس في فكرٍ لسارينا
كأنَّ ريقتها مسكٌ على ضربٍ،
شيبت بأصهب من بيع الشآمينا
يا ربّ، لا تسلبني حبَّها أبداً،
ويرحم الله عبداً قال: آمينا فيذعر منها، جعل الله أمنه متَّصلاً، والطّالب شأوه من تقصير منتصلاً، ويذهب مهرولاً في الجنَّة ويقول في نفسه: كيف يركن إلى حيَّةٍ شرفها السُّمُّ، ولها بالفتكة همّ؟ فتناديه: هلُمَّ إن شئت اللَّذَّة، فإنَّي لأفضل من حيَّة ابنة مالكٍ التي ذكرها العبسيُّ في قوله:
ما ولدتني حيَّة ابنة مالكٍ ... سفاحاً، ولا قولي أحاديث كاذب
وأحمد عشاراً من حيَّة ابنة أزهر التي يقول فيها القائل:
إذا ما شربنا ماء مزنٍ بقهوةٍ ... ذكرنا عليها حيَّة ابنة أزهرا
ولو أقمت عندنا إلى أن تخبر ودَّنا وإنصافنا، لندمت إن كنت في الدَّار العاجلة قتلت حّيةً أو عثماناً.
فيقول وهو يسمع خطابها الرَّائق: لقد ضيّق الله عليَّ مراشف الحور الحسان، إن رضيت بترشُّف هذه الحيَّة.
فإذا ضرب في غيطان الجنَّة، لقيته الجارية التي خرجت من تلك الثَّمرة فتقول: إنِّي لأنتظرك منذ حينٍ فما الذي شجنك عن المزار؟ ما طالت الإقامة معك، فأملَّ بالمحاورة مسمعك، قد كان يحقُّ لي أن أوثر لديك على حسب ما تنفرد به العروس، يخصُّها الرّجل بشيءٍ دون الأزواج.
فيقول:
стр. 110
كانت في نفسي مآرب من مخاطبة أهل النّار، فلمّا قضيت من ذلك وطراً عدت إليك، فاتبعيني بين كثب العنبر وأنقاء المسك.
فيتخلّل بها أهاضيب الفردوس ورمال الجنان؛ فتقول: أيّها العبد المرحوم، أظنُّك تحتذي بي فعال الكنديّ في قوله:
فقمت بها أمشي، تجرُّ وراءنا
على إثرنا أذيال مرطٍ مرحَّل
فلمّا أجزنا ساحة الحيّ، وانتحى
بنا بطن خبثٍ ذي قفافٍ عقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت
عليَّ هضيم الكشح ريَّا المخلخل فيقول: العجب لقدرة الله! لقد أصبت ما خطر في السُّويداء، فمن أين لك علمٌ بالكنديّ وإنَّما نشأت في ثمرةٍ تبعدك من جنٍّ وأنيس؟ فيقول: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ويعرض له حديث امرىء القيس في داره جلجلٍ، فينشىء الله، جلّت عظمته، حوراً عيناً يتماقلن في نهرٍ من أنهار الجنَّة، وفيهنَّ من تفضلهنّ كصاحبة امرىء القيس، فيترامين بالثَّرمد، وإنّما هو كأجلِّ طيب الجنَّة، ويعقر لهنَّ الرَّاحلة، فيأكل ويأكلن من بضيعها ما ليس تقع الصِّفة عليه من إمتاعٍ ولذاذةٍ.
ويمرُّ بأبياتٍ ليس لها سموق أبيات الجنّة، فيسأل عنها فيقال: هذه جنِّة الرُّجز، يكون فيها: أغلب بني عجلٍ والعجَّاج ورؤبة وأبو النّجم وحميدٌ الأرقط وعذافر بن أوسٍ وأبو نخيلة وكلُّ من غفر له من الرُّجاز، فيقول: تبارك العزيز الوَّهاب! لقد صدق الحديث المرويُّ إنَّ الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها؛ وإنَّ الرّجز لمن سفساف القريض، قصّرتم أيّها النَّفر فقصر بكم.
ويعرض له رؤبة فيقول: يا أبا الجحّاف، ما أكلفك بقوافٍ ليست بالمعجبة تصنع رجزاً على الغين
стр. 111
ورجزً على الطاء وعلى الظاء، وعلى غير ذلك من الحروف النّافرة، ولم تكن صاحب مثلٍ مذكورٍ، ولا لفظٍ يستحسن عذبٍ.
فيغضب رؤبة ويقول: ألي تقول هذا وعنِّي أخذ الخليل، وكذلك أبو عمرو بن العلاء، غبرت في الدّار السّالفة تفتخر بالَّلفظة تقع إليك ممّا نقله أولئك عنِّي وعن أشباهي؟ فإذا رأى، لا زال خصمه مغلَّباً، ما في رؤبة من الانتخاء قال: لو سبك رجزك ورجزاً أبيك، لم تخرج منه قصيدةٌ مستحسنةٌ، ولقد بلغني أنَّ أبا مسلم كلَّمك بكلامٍ فيه ابن ثأداء، فلم تعرفها حتى سألت عنها بالحيِّ، ولقد كنت تأخذ جوائز الملوك بغير استحقاق، وإنّ غيرك أولى بالأعطية والصِّلات.
فيقول رؤبة: أليس رئيسكم في القديم، والذي ضهلت إليه المقاييس، كان يستشهد بقولي ويجعلني له كالأمام؟ فيقول، وهو بالقول منطقٌ: لا فخر لك أن استشهد بكلامك، فقد وجدناهم يستشهدون بكلام أمةٍ وكعاء يحمل القطل إلى النّار الموقدة في السَّبرة التي نفض عليها الشَّبم ريشه، وهدم وأجلُّ أيامها أن تجني عساقل ومغروداً، وتتلو نعماً مطروداً، وإنَّ بعلها في المهنة لسَّيء العذير، غلظ عن الفطن والتَّحذير، وكم روى النُّحاة عن طفلٍ، ماله في الأدب من كفلٍ، وعن امرأةٍ، لم تعدّ يوماً الدّرأة.
فيقول رؤبة: أجئت لخصامنا في هذا المنزل؟ فامض لطيّتك، فقد أخذت بكلامنا ما شاء الله. فيقول، أسكت الله مجادلة: أقسمت ما يصلح كلامكم للثنّاء، ولا يفضل عن الهناء، تصكُّون مسامع الممتدح بالجندل، وإنَّما يطرب إلى المندل ومتى خرجتم عن صفة جملٍ،
стр. 112
ترثون له من طول العمر، إلى صفة فرسٍ سابحٍ، أو كلبٍ للقنص نابح، فإنًّكم غير الرّاشدين فيقول رؤبة: إنّ الله قال: " يتنازعون فيها كأساً لا لغوٌ فيها ولا تأثيم، وإن كلامك لمن اللغو، ما أنت إلى النصغة بذي صغو.
العجّاج
فإذا طالت المخاطبة بينه وبين رؤبة، سمع العجّاج فجاء يسأل المحاجزة.
ويذكر، أذكره الله بالصّالحات، ما كان يلحق أخا النِّدام، من فتور في الجسد من المدام، فيختار أن يعرض له ذلك من غير أن ينزف له لبُّ، ولا يتغير عليه خبَّ فإذا هو يخال في العظام النّاعمة دبيب نملٍ، أسرى في المقمرة على رملٍ، فيترنَّم بقول إياس بن الأرتِّ:
أعاذل لو شربت الخمر حتى ... يظلَّ لكلِّ أنملةٍ دبيب
إذاً لعذرتني وعلمت أنِّي ... لما أتلفت من مالي مُصيب
ويتَّكىء على مفرشٍ من السُّندس، ويأمر الحور العين أن يحملن ذلك المفرش فيضعنه على سريرٍ من سرر أهل الجنَّة، وإنَّما هو زبرجدٌ أو عسجدٌ، ويكوِّن البارىء فيه حلقاً من الذَّهب تطيف به من كلِّ الأشرار حتى يأخذ كلُّ واحدٍ م الغلمان، وكلُّ واحدةٍ من الجواري المشبَّهة بالجمان، واحدةً من تلك الحلق، فيُحل على تلك الحال إلى محلِّه المُشيَّد بدار الخلود، فكلَّما مرَّ بشجرةٍ نضخته أغصانها بماء الورد قد خلط بماء الكافور، وبمسكٍ ما جني من دماء الفور، بل هو بتقدير الله الكريم.
وتناديه الثَّمرات من كلِّ أوبٍ هو مستلقٍ على الظَّهر: هل لك يا أبا الحسن، هل لك؟ فإذا أراد عنقوداً من العنب أو غيره انقضب من الشَّجرة بمشيئة الله، وحملته القدرة إلى فيه، وأهل الجنَّة يلقونه بأصناف التَّحيَّة وآخر دعواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين: لا يزال
стр. 113
كذلك أبداً سرمداً، ناعماً في الوقت المتطاول منعمَّاً، لا تجد الغير فيه مزعماً. وقد أطلت في هذا الفصل، ونعود الآن إلى الإجابة عن الرَّسالة: فهمت قوله: جعلني الله فداءه، لا يذهب به إلى النِّفاق، وبعد ابن آدم من الوفاق، وهذه غريزةٌ خصَّ بها الشيخ دون غيره، وتعايش العالم بخداع، وأضحوا من الكذب في إبداع. لو قالت شيرين الملكة لكسرى: جعلني الله فداءك في إقامة أو سرى، لخالبته في ذلك ونافقته، وإن راقته بالعطل ووافقته، على أنَّه أخذها من حالٍ دنيَّة، فجعلها في النُّعمى السَّنَّية، وعتبه في ذلك الاحبَّاء، وجرت لهم في ذلك قصصٌ وأنباءٌ، وقيل له، فيما ذكر، والله معالم بمن جدب أو شكر: كيف تطيب نفس الملك لهذه المومس، وهي الوالجة في المغمِّس؟ فضرب لهم المثل بالقدح، وإذا حظيت الغانية فليست بالمفتقرة إلى الصَّدح، جعل في الإناء الشَّعر والد؟ َّم، وقال للحاضر ولا ندم: أتجيب نفسك لشرب ما فيه؟ وإنَّما يجنح إلى تلافيه. إنَّها لا تطيب، وهي بالأنجاس قطيب.
فأراق ذلك الشيء وغسله، وهذَّب وعاءه ثمَّ عسله، وجعل فيه من بعد مداما، وعرضها على النَّدامى، فكلّهم بهش أن يشرب، ومن يعاف العاتقة والغرب؟ فقال: هذا مثل شيرين، فلا تكونوا في السَّفه مسيرين.
كم من شبل نافق أسدا، وأضمرا له غلاًّ وحسداً؟ ولبوءةٍ تداجي هرماساً، تنبذ إليه المقة وتبغض له لماساً؟ وضيغمٍ نقم على فرهود، وودَّ لو دفنه بالوهود؟ والفرهود ولد الأسد بلغة أسد شنوءة، وهو، آنس الله الإفليم بقربه، أجلُّ من أن يشرح له مثل ذلك، وإنَّما أفرق من وقوع هذه الرِّسالة في يد
стр. 114
غلامٍ مترعرعٍ، ليس إلى الفهم بمتسرِّع، فتستعجم عليه اللَّفظة، فيظلُّ معها في مثل القيد، لا يقدر على العجل ولا الرُّويد.
وكم خالبت الذِّئاب السَّلق، وفي الضّمائر تُكنُّ الفلق أي الدَّواهي، ومنه قول خلفٍ.
موت الإمام فلقةٌ من الفلق والسَّلق، جمع سلقةٍ: وهي أنثى الذئب.
وملكٍ سانى ملكةً، ثمَّ صنعت له مهلكةً؟؟! يقول القائل: بأبي أنت، جاد عملك وأتقنت! ولو قدر لبتَّ الودج، وإنَّما جامل وسدج.
ولعل بعض العتارف يلفظ إلى البائضة حبَّة البرِّ، ويأنس بها في حرٍّ وقرّ، وفي فؤاده من الضِّغن أعاجيب، وتكثر وتقلُّ المناجيب، والمناجيب ها هنا تحتمل أمرين: أحدهما من النَّجابة، والآخر من قولهم: مناجيب أي ضعافٌ، من قول الهذليّ:
بعثته في سواد اللَّيل يرقبني ... إذ آثر النَّوم والدِّفء المناجيب
والمعنى: أنَّ المناجيب من النَّجابة تقلُّ، والمناجيب من الوهن تكثر.
ولعلّ ذلك الصّاقع يرقب لأمّ الكيكة حماماً، ولا يرقب لها ذماماً. يقول في النّفس المتحدِّثة: ليت الذِّابح بكرَّ على المنقضة، فإنها عين المبغضة. أو يقول: لو أنِّي جعلت في قدرٍ، أو في بعض الوطس فلحقت بالهدر، لتزوَّجت هذه من الدِّيكة شابَّاً مقتبلاً، يحسن لها حبَّاً قبلاً.
وأنا أذكره بالكلمة العارضة، إذ كان قد بدأ بالإيناس، وترك مكايد النّاس: ألا يعجب من قول العرب: فداءٍ لك، بالكسر والتنوين كما قال الرّاجز:
ويهاً فداءٍ لك يا فضاله ... أجرَّه الرُّمح، ولا تباله
ويروى تهاله.
وذكر أحمد بن عبيد بن ناصحٍ، وهو المعروف بأبي
стр. 115
عصيدة، أنَّ قولهم فداءٍ لك بالكسر، إذا كان لها مرافع لم يجز فيها الكسر والتَّنوين. ولا ريب أنَّه يحكي ذلك عن العلماء الكوفييِّن. وعينَّنه في قول النّابغة:
مهِّلاً فداءٍ لك الأقوام كلّهم ... وما أثمِّر من مالٍ ومن ولد
فأمّا البصريّون فقد رووا في هذا البيت: فداءٌ لك.
وكيف يقول الخليل المخلص، وهو عن الهجران متقلِّص: إنَّ حنينه حنين واله من النُّوق، وهي الذّاهلة إن حمل عليها بعض الوسوق، وإنَّما تسجع ثلاثاً أو أربعاً، ثمَّ يكون سلوُّها متبعاً؟ فأما الحمامة الهاتفة فقد رزقها الباريء صيتاً شائعاً، وظلَّ وصفها بالأسف ذائعاً، تنهض إلى التقاط حبٍّ، وتعود إلى جوز لها ذات أب، فإن هي صادفته أكيل بازٍ أو سوذانق، ليس من أبصر اثره بالآنق غدا به ظفر شاهين، وهي، البائسة، من اللاَّهين، فما هي إلا مثل الحيوان، تملُّ حالها في أقصر أوان.
وقد زعم زاعمٌ، لا يصدَّق، أنَّ الحمائم في هذا العصر، يبكن مقعداً هلك في عهد نوحٍ، أبرح له البارح أم رمي بالسُّنوح، وإنَّ دوامها على ذلك لدليل الوفاء، وما العوض عن خليل الصّفاء؟ لا عوض ولا نائب إلاَّ فيه، وكيف يعتب الزَّمن على تجافيه؟ وإنَّما حشي بشرٍّ وغدر، وكتب له العزُّ في القدر.
وأمّا الظَّبية فإنّها لا توصف بحنين، ولكن تبتقل بلبِّ منين. ومن لها باليانع من الأراك، ولا تقول لفارس الخيل الشَّازبة: دراك ومن كان وجده يعدل عن الخلد، فإنّه إذا جنب إلى الولد، فسوف تذره المدد ناسياً، كأنَّه ما جزع آسياً ...
وما أقلَّ صدق الألاّف، ولو بيعوا من الذَّهب، لا الورق، بآلافٍ:
стр. 116
وليس خليلي بالملول، ولا الذّي ... إذا غبت عنه، باعني بخليل
وأحسب كثيِّراً تفوَّه بهذه المقالة على غرَّة، وما عرف مكان الشِّرِّة، فكيف يقدر على إخاء الملك، أم كيف يرتفع إلى الفلك؟ وأمّا ما ذكره من حالى، غطِّي شخصه أن يلحظ بنواظر الغير، ومتِّع من مالٍ بحير أي كثير، قال الرَّاجز:
يا ربنَّا من سرَّه أن يكبرا ... فسق له ياربِّ مالاً حيرا
فطالما أعطي الوثن سعوداً، فصار حضوره للجهلة موعوداً! فإن سررت بالباطل، فشهرت باتِّخاذ النياطل، وإنَّ الصابر مأجورٌ محمود، ولا ريب أن سيقدر لمن ظعن شربٌ مثمود. وأحلف كيمين امرىء القيس لمَّا رغب في مقامه عند الموموقة، ولم يفرق من الرامقة ولا المرموقة، فقال:
فقلت: يمين الله، أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
والأخرى التي أقسم بها زهيرٌ، إذ عصفت بالحرب القائمة هير، أعني قوله:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
رجالٌ بنوه، من قريشٍ وجرهم
يميناً لنعم السِّيدِّان وجدتمأ
على كلِّ حالٍ من سحيلٍ ومبرم وبالحذَّاء التي نطق بها ساعدة، والمهجة إلى ملكها صاعدةٌ، فقال:
حلف أمرىٍء برٍّ سرفت يمينه
ولكلِّ من ساس الأمور مجرّب وأولي مع ذلك أليَّة الفرزدق لمَّا رهب وقوع انتقام، فاغتنم ما بين الكعبة والمقام، ووصف ما صنع فقال:
ألم ترني عاهدت ربِّي وإننّي ... لبين رتاجٍ قائماً ومقام
على حلفةٍ، لا أشتم الدّهر مسلماً ... ولا خارجاً من فيِّ زور كلام
стр. 117
إنِّي لمكذوب عليه كما كذبت العرب على الغول، وإنَّها عمَّا يؤثر لفي شغول، وكما تقوَّلت الأمثال السائرة على الضَّبِّ وله بالكلدة إرباب الصَّبِّ. وكما تكلَّمت على لسان الضِّبع وهي خرساء، ما أطلق لسانها الوضح ولا المساء.
يظنُّ أنَّني من أهل العلم، وما أنا له بالصاحب ولا الخلم.
وتلك لعمري بليَّةٌ، تفتقد معها الجليِّة. والعلوم تفتقر إلى مراسٍ، ودارسٍ للكتب أخي دراس.
ويقال إننَّي من أهل الدِّين، ولو ظهر ما وراء السَّدين، ما اقتنع لي الواصف بسبٍّ، وودَّ أن يسقيني جوزلاً بشبّ، وكيف يدّعى للعلج الوحشيّ، وإنَّما أبد في الرّوض الحبشي، أن تغريده في السَّحر أشعار موزونةٌ، تأذن لنظيرها المحزونة؟ وهل يصوَّر لعاقلٍ لبيب، أنَّ الغراب النّاعب صدح بتشبيب، وأنَّ العصافير الطّائرة بأجنحةٍ، كعصافير المنذر الكائنة للتَّمنحة؟ وكيف يظنُّ الظانُّ أن للطائر أساجيع حمامة، وإنَّه لأخرس مع الدَّمامة؟ فبعد من زعم أنَّ الحجر متكلِّمٌ، وأنَّه عند الضَّرب متألِّم. ومن ألتمس من اللُّغام كسوةً، فإنَّه لا يجد إسوةً.
ولو أنِّى لا أشعر بما يقال فيَّ، لأرحت من إنكاري وتلافيّ، وكنت كالوثن: سواءٌ عليه إن وقِّر من الوقار، وإن أوقر من الأوقار وكالأرض السَّبخة ما تحفل أن قيل: هي مريعة، أو قيل لها: بئست الزَّريعة؛ وكالفرير المعتبط: ما يأبه لقول الآكل: إنّه لساحٌّ ولا إذا قصب: إنَّه بالدِّكة شاحٌ. والله المستنصر على الإلاقيّ، لم توزن الراكدة بالأواقيّ والإلاقيُّ منسوبٌ إلى الإلاق وهو البرق الكاذب وكيف أغتبط إذا تخرِّص عليَّ،
стр. 118
وعزيت المعرفة إليَّ؟ ولست آمناً في العاقبة، فضيحةً غير مصاقبة، ومثلي، إن جذلت بذلك، مثل من اتُّهم بمالٍ، فاعتقد أنَّ ما ذاع من الخبر يأتيه بجمال، فسرّه قول الجهلة: إنّه لحلف اليسار. فطلب منه بعض السَّلاطين أن يحمل إليه جملةً وافرةً، فصادف كذوبةً زافرة، وضربة كي يقرَّ، وقتل في العقوبة ولم يعظ البرّ.
وقد شهد الله أنِّي أجذل بمن عابني، لأنّه صدق فيما رابني، وأهتمُّ لثناءٍ مكذوب، يتركني كالطَّريدة العذوب، ولو نطحت بقرني الجرادة، لامتنعت من كلِّ إرادة، فأمّا روق الوعل، فأعوزه عندي نطيحٌ، لأنِّي بروق الظّبي أطيح. فغفر الله لمن ظنَّ حسناً بالمسيء، وجعله حجّة في النَّسيء. ولولا كراهتي حضوراً بين النّاس، وإيثاري أن أموت ميتة علهبٍ في كناس، فاجتمع معي أولئك الخائلون، لصحَّ أنَّهم عن الرُّشِد حائلون، وأتار لهم الحقُّ الطّامس وقبض على القتاد اللاّمس.
وأمّا وروده حلب، حرسها الله، فلو كانت تعقل لفرحت به فرح الشّمطاء المنهبلة، ليست بالآبلة ولا المؤتبلة، شحط سليلها الواحد، وما هو لحقِّها جاحدٌ. وقدم بعد أعوامٍ، فنقعت به فرط أوامٍ، وكانت معه كالخنساء ذات البرغز، رتعت به في الأصيل، وليس هو لحشفٍ بوصيل، فلمّا رأت المكان آمناً، ولم تخش للسِّراح الخمع كامناً، انبسطت في المراد الواسع وخلَّفته، يحاول أنفاً تكل؟ فته، لتجرَّ لذلك الولد ما في الأخلاف، ولا تلافي بعيد التّلاف، فعادت المسكينة فلم تصبه، فقالت للصّمد: لا تنصبه إن كان وقع في مخالب
стр. 119
الذِّيب، ومني ببعض التَّعذيب، فأنت القادر عل تعويض الأطفال، والعالم بعقبى الطَّيرة والفال. فبينما هي تردَّد بين العلة والوله بغم لها الفقيد من حقفٍ اتخذ فيه مربضاً، ولم يرَ من الرُّماة منبضاً، هكع لما شبع. فما ساءه القدر ولا سبع. فغمر فؤادها ابتهاجٌ، من بعد ما وضح لها المنهاج.
ولو رجع القارظ إلى عنزة، ما بان فيها الطَّرب للرّجعة، وما قدر من زوال الفجعة، إلا دون ما أنا مضمرٌ مجنُّ، من المسرَّة بدنوِّ الدِّيار. وإلقائه عصا التِّسيار، فالحمد لله الذي أعاد البارق إلى الغمام الوسميّ، وأتى المومض بحلى السُّميّ وإنَّ حلب المنصورة لتختلُّ إلى من يعرف قليلاً من علم، في أيَّام المحاربة والسِّلم، فما باله يّد الله الآداب بأن يزيده في المدة فإنما لغرابها كالعدَّة.
وإني لأعجب من تمالؤ جماعة، على أمرٍ ليس بالحسن ولا الطاعة، ولا ثبت له يقينٌ، فيشوفه الصَّنع أو يقين قد كدت ألحق برهط العدم، من غير الأسف ولا النَّدم، ولكنَّما أرهب قدومي على الجبَّار، ولم أصلح نخلي بإبار. وقيل لبعض الحكماء: إنَّ فلاناً تلطَّف حتى قتل نفسه، ولم يطق في الدّار الخالية عفسه، وكره أن يمارس بدائع الشُّرور، وأحبَّ النُّقلة إلى منازل السُّرور، فقال الحكيم قولاً معناه: أخطأ ذلك الشابُّ المقتبل، وله ولأمِّه يحقّ الهبل، هلاَّ صبر على صروف الزَّمان، حتى يمنو له القدر مانٍ؟ فإنَّه لا يشعر علام يقدم، ولكلِّ بيتٍ هدم! ولولا حكمة الله جلَّت قدرته، وأنَّه حجز الرَّجل عن الموت، بالخوف من العلز والفوت، لرغب كلُّ من احتدم غضبه، وكلَّ عن ضريبةٍ مقضبه، أن تنزع له
стр. 120
من الموت كؤوسٌ، والله العالم بما يؤوس.
وأمَّا أبو القطران الأسديُّ، وأيُّ البشر من الخطوب مفديّ، فصاحب غزلٍ وتبطُّل، وتوفُّرٍ على الخرَّد وتعطُّل، وما أشكُّ أنّ الشّيخ، أقرّ الله عين الأدب بالز؟ َّيادة في عمره أشدّ شوقاً إلى أحمد بن يحيى مع صمعه، وأبي الحسن الأثرم مع ثرمه، من المرّار بن سعيد عند رجاء العدة وخوف الوعيد، وهو ذلك المتهيّم إلى وحشيّة، وإن فقد لبينها الحشيّة، وادّكر ثغراً كالإٌغريض، وخدّا ًيعدل بلون الإحريض وإنَّما ودُّ الغانية خلابٌ وخداعٌ، وللكمد في هواه ابتداعٌ. ولو هلكت تلك المرة والمرّار يعيش، لعدِّ أنَّه بتلفها نعيش، ولا سيَّما بعد السَّنّ العالية، وقوَّة النّفس الآلية. ولعلّ ابا القطران لو متّع بهذه المذكورة ما يكون قدره مائة حقبةًٍ، على غير الجزع والرِّقبة، لجاز أن يغرض من الوصال، إذا علم أنَّ حبله في اتِّصال. ولو نزل بها شيءٌ تتغيَّر به عن العهد، لتمننَّى أن تقذف إلى غير المهد، لأنَّ ابن آدم بخيلٌ ملول، نسري به إلى المنيَّة أمونٌ ذلول. ولو أصابها العور، بعد أن سكن عينها الحور، لظنَّ أن ذلك نبأ لا يغفر ولا يكفَّر، فكيف يعتب على الفاهين، وينتقم من القوم السّاهين؟ والله سبحانه، قد رفع ذلك عن ساهٍ ما علم، ونائمٍ إذا أحسّ بالمؤلم ألم.
ومن أين لذلك الشّخص الأسدي، ما وهبه الله للشيخ من وفاءٍ لو علم به السّموءل لاعترف أنَّه من الغادرين، أو الحارث ابن ظالم لشهد أنَّه من السّادرين؟؟؟! من قولهم فعل كذا وكذا سادراً، أي لا يهتمُّ لشيء، وإنّما عاشر أبو القطران أعبداً في الإبل وآمياً، ونظر إلى عقبه دامياً، ممَّا يطأ على هراسٍ،
стр. 121
ومن له في المكلأة بالفراس؟ وهو التِّمر الأسود، ومن أبيات المعاني:
إذا أكلوا الفراس رأيت شاماً ... على الأنباث منهم والغيوب
فما تنفكُّ تسمع قاصفاتٍ ... كصوت الرّعد في العام الخصيب
ولعلّه لو صادف غانيةً على وحشيّة بشقِّ الأبلمة لسلاها غير المؤلمة، وإنَّما ديدن ذلك الرّجل ونظرائه صفقه ناقةٍ أو ربع، وما شجره المغترس بالنَّبع. إذا جنى الكمأة بجح، وخال أنَّه قد نجح! ولو حضر أخونة حضرها الشّيخ لعاد كما قال القائل:
فلو كنت عذريَّ العلاقة لم تبت
بطيناً، وأنساك الهوى كثرة الأكل وهو، قدَّر الله له ما أحبَّ، قد جالس ملوك مصر التي قال فيها فرعون: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون؟ وقد أقام بالعراق زمناً طويلاً، وأدام على الأدب تعويلاً، وبالعراق مملكة فارس، وهم أهل الشَّرف والظّرف، يوفي صرفهم في الأطعمة على كلِّ صرف، ولا ريب أنَّه قد جالس بقاياهم، واختبر في المعاشرة سجاياهم، وعاطوه الأكؤس ألات التّصاوير، على عاد المرازبة والأساوير، كما قال الحكميُّ:
تدور علينا الكأس في عسجديَّةٍ ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مهاً تدَّريها بالقسيّ الفوارس
وأبو القطران كان يستقي النُّطفة بخلبةٍ، ويجعلها في الغمر أو العلبة، وإذا طعم فمن له باللَّهدة، وإن أخصب شرع في النَّهيدة. وما أشكُّ أنَّه، أمتع الله الآداب ببقائه، لو رزق محاورة أبي الأسود على عرجه وبخله
стр. 122
المتناذر وجرجه، لكانت مقتة له أبلغ من مقة مهديّ ليلاه ولا أقول رؤبة أبيلاه. ولو أدرك محاضرة أبي الخطَّاب لكان بدوش عينيه أشدَّ شغفاً من الحادرة بسميَّة، ومن غيلان بميَّة لأنّه قال:
وعيان قال الله: كونا، فكانتا، فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وهو بجلع أبي الحسن سعيد بن مسعدة، أعجب من كثيِّر بشنب عزَّة، والعذريِّ بلمى بثينة. ولو كان أبو عبيدة أذفر الفم، لما أمنت مع كلفه بالأخبار، أن يقبِّله شقَّ البلسة بلا استكبار، وفي الحديث عن عائشة، رحمة الله عليها: كان رسول الله، ﷺ ، يقبِّلني شقَّ التينة. وروى بعضهم: شقَّ التمرة. وذلك أن يأخذ الشّفة العليا بيده، والسُّفلى بيده الأخرى، ويقبِّل ما بين الشفتين.
وأما من فقده من الأصدقاء لمّا دخل حلب، حرسها الله، فتلك عادة الزَّمن، ليس على لسالم بمؤتمن، يبدِّل من الأبيات المسكونة قبوراً، ولا يلحق بعثرة جبوراً. وإنَّ رمس الهالك لبيت الحقَّ، وإن طرق بالملمَّ الأشقّ. على أنّه يغني الثّاوي بعد عدمٍ، ويكفيه المؤونة مع القدم. وإنَّ الجسد لمن شرٍّ خبيءٍ، يبعد من سبيٍ وسبيء. قال الضّبيّ:
ولقد علمت بأن قصري حفرةٌ ... ما بعدها خوفٌ عليَّ ولا عدم
فأزور بيت الحقِّ زورة ماكث ... فعلام أحفل ما تقوَّض وانهدم؟
وما زالت العرب تسمّي القبر بيتاً، وإن كان المنتقل إليه ميتاً، قال الرّاجز:
اليوم يُبنى لدويد بيته ... يا ربَّ بيت حسبٍ بنيته
ومعصمٍ ذي برةٍ لويته ... لو كان للدّهر بلىً أبليته
стр. 123
أو كان قرني واحدا ًكفيته فأمّا الفصل الذي ذكر فيه الخليل، فقد سقط منه اسم الذي غلا فيَّ، وقرن بالنُّجوم الصَّلافيَّ، ومن كان، فغفر الله جرائمه، وحفظ له في الأبد كرائمه، فقد أخطأ على نفسه فيما زعم وعليَّ، ونسب مالا أستوجب إليَّ. وكم أعتذر وأتنصَّل، من ذنبٍ ليس يتحصَّل!؟ وإنَّي لأكره بشهادة الله تلك الدَّعوى المبطلة، كراهة المسيح من جعله ربَّ العزَّة، فما ترك للفتن من مهزَّة بدليل قوله تعالى: " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اَّتخذوني وأمِّي إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنِّك أنت علاَّم الغيوب ".
وأمّا أبو الفرج الزَّهرجيُّ فمعرفته بالشّيخ تقسم أنّه للأدب حليفٌ، وللطَّبع الخيَّر أليفٌ.
ووددت أنَّ الرَّسالة وصلت إليَّ، ولكن ما عدل ذلك العديل، فبعدما تغنَّى هديل، هلاَّ اقتنع بنفقةٍ أو ثوبٍ، وترك الصُّحف عن نوب!؟ فأرب من يديه، ولا اهتدى في اللَّيلة بفرقديه. لو أنّه أحد لصوص العرب الذَّين رويت لهم الأمثال السّائرة، وتحدَّثت بهم المنجدة والغائرة، لما اغتقرت ما صنع بما نظم، لأنّه أفرط وأعظم، أي أتى عظيمة وبتك من القلائد نظمةً.
وقد وفَّق أبو الفرج وولده، وصار كاللُّجّة ثمده، لمَّا درس عليه الكتب، وحفظ عنه ما يكون الترُّتب، فسلَّم العاتكة إلى القاريِّ، والنَّافجة إلى المرء الدّاريّ، والرُّمح الأطول إلى ابن الطُّفيل، والأعنَّة إلى أحلاس الخيل.
وإن كان الشّيخ مارس
стр. 124
من التَّعب أمَّ الرُّبيق، فقد جدّد عهده الأوَّل بقويق، وإنَّه لنعم النَّهر، لا يغرق السّابح ولا يبهر، وبناته المخطوبات صغارٌ، يؤخذن منه في الغفلة ولا يغار. يعلوهنَّ، والقدر يغولهنَّ، سترن الأنفس فما تبرَّجن، ولكن بالرّغم خرجن. خدورهنَّ من ماء، زارتهنَّ الملموءة بالإلماء والملموءة الشّبكة، يقال: ألمأ على الشيء إذا أخذه كلَّه ما يشعر قويقٌ المسكين، أعربٌ سبت من ولد أم رومٌ، ولا يحفل بما تروم. ولقد ذكره البحتريُّ، ونعته الصنَّوبريُّ، وإخال أنَّ الشّيخ أفسدته عليه دجلة وصراتها، وأعانها على ذلك فُراتها.
وأمَّا حلب، فإنّها الأمُّ البرَّة، تعقد بها المسرَّة، وما أحسبها، إن شاء الله، تظاهر بذميم العقوق، أو تغفل المفترض من الحقوق ووحشيّة يحتمل أن يكون، آنس الله الآداب ببقائه، جعلها نائبة عمن فقده من الإخوان، الذين عُدم نظيرهم في الأوان. وكذلك تجري أمثال العرب: يكنون فيها بالاسم عن جميع الأسماء، مثال ذلك أن يقول القائل:
فلا تشلل يدٌ فتكت بعمروٍ، ... فإنّك لن تُذلُّ ولن تضاما
يجوز أن يرى الرجل رجلاً قد فتك بمن اسمه حسَّان أو عطاردٌ أو غير ذلك، فيتمَّثل بهذا البيت، فيكون عمرو فيه واقعاً على جميع من يتمثَّل له به. وكذلك قول الرّاجز:
أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل صار ذلك مثلاً لكلَّ عمل عملاً لم يحكمه، فيجوز أن يُقال لمن اسمه خالدٌ أو بكرٌ أو ما شاء الله من الأسماء. ويضعون في هذا الباب المؤنَّث موضع المذكَّر، والمذكّر موضع المؤنَّث، فيقولون للرّجل: أطرِّي فإنِّك ناعلةٌ،
стр. 125
والصيَّف ضيعَّت اللَّين، محسنة فهيلي، وابتدئيهنَّ بفعال سبيت. وإذا أرادوا أن يخبروا بأنَّ المرأة كانت تفعل الخير ثمّ هلكت فانقطع ما كانت تفعله، جاز أن يقولوا: ذهب الخير مع عمرو ابن حممة. وجائزٌ أن يقولوا لمن يحذِّرونه من قرب النّساء: لا تبت من بكريٍّ قريباً؛ والبكريُّ أخوك فلا تأمنه. ومثل هذا كثير.
وأمَّا شكواه إليّ، فإننّي وإيّاه لكما قيل في المثل: الثّكلى تعين الثكلى، وعل ذلك حمّل الأصمعيُّ قول أبي داود:
ويصيخ أحياناً كما اس ... تمع المضلُّ دعاء ناشد
كلانا بحمد الله مضلُّ، فعلى من نحمل وعلى من ندلُّ؟ أمّا المطيّة فآلية، وأمّا المزادة فخاليةٌ، والرّكب يفتقر إلى الحصاة، وكلَّهم بهش للوصاة:
يشكو إليّ جملي طرل السُّرى ... صبرٌ جميلٌ، فكلانا مبتلى
إن اشتكت السَّمرة سفن العاضد إلى السَّيالة، فإنَّها تشكو النّازلة إلى شاكٍ، والصَّدق أفضل من الابتشاك. ولا أرتاب أنَّه يحفظ قول الفزازيِّ منذ خمسين حجَّة أو أكثر:
أعيين هلاَّ إذ بلت بحبِّها ... كنت استعنت بفارغ العقل
أقبلت تبغي الغوث من رجلٍ ... والمستغاث إليه في شغل!
ولا يزل أهل الأدب يشكون الغير في كلَّ جيل، ويخصُّون من العجائب بسجلٍ سجيلٍ. وهو يعرف الحكاية أنّ مسلمة بن عبد الملك أوصى لأهل الأدب بجزءٍ من ماله، وقل: إنَّهم أهل صناعةٍ مجفوَّةٍ. وأحسب أنَّهم والحرفة خلُقا توأمين، وإنما ينجح بعضهم في ذات الزُّمين، ثمّ لا تلبث أن تزل قدمه، ويتفرَّى بالقدر أدمه. وقد سمع في مصر بقصَّة أبى الفضل وسعيد،
стр. 126
وما كان أحدهما من الآخر ببعيد. وإذا كان الأدب على عهد بني أميَّة يقصد أهله بالجفوة، فكيف يسلمون من باسٍ، عند مملكة بني العبّاس؟ وإذا أصابتهم المحن في عدَّان الرشيد فكيف يطمع لهم بالحظِّ المشيد؟ أليس أبو عبيدة قدم مع الأصمعيَّ وكلاهما يريد النُّجعة، ولا يلتمس إلى البصرة رجعة، فتشبِّث بعبد الملك، وردَّ معمرٌ، ومن يعلم بما يجنُّ الخمر.
ومن بغى أن يتكسَّب بهذا الفنِّ، فقد أودع شرابه في شنٍّ، غير ثقةٍ على الوديعة، بل هي منه في صاحب خديعة.
سيبويه
وقد روي أن سيبويه لمَّا أختبر شأنه وراز، رغب في ولاية المظالم بشيراز، وأنَّ الكسائيَّ تحوَّب ممّا صنع به، فأعانه كي يشحط على مطلبه.
فأمّا حبيب بن أوسٍ فهلك وهو بالموصل على البريد: وصاحب الأدب حليف التّصريد.
وأمّا الذين ذكرهم من المصحَّفين، فغير البررة ولا المنصفين. وما زال التتّفل يعرض لأذاة الأسد، وما أحسبه يشعر بمكان الحسد، فإذا أدَّلج وردٌ هموس، تشقى به التامكة، أو اللَّموس، فثعالة به منذرٌ، كأنّه للمفترس محذِّر، ولا يراه الضّيغم موضعاً للعتاب، ويجعل أمره فيما يحتمل من الخطب المنتاب. وكم من أغلب مثارٍ، يسهَّد لغناء الطَّيثار، وإذا هو بليلٍ تغنَّى، فالقسور به معنَّى:
ما يضرُّ البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلامٌ بحجر
أو كلّما طنَّ الذّباب أروعه؟ ... إنَّ الذُّباب إذاً عليَّ كريم!
ومازال الهمج يقولون، ويقصرون عن المكرمة فلا يطولون، وإنهم عما أثَّل متثاقلون، وطلاَّب الأدب في حباله واقلون.
من انفرد بفضيلةٍ
стр. 127
أثيرةٍ، فإنّه يتقدَّم بمناقب كثيرةٍ، وإن حسَّاد البارع لكما قال الفرزدق:
فإن تهج آل الزِّبرقان، فإنّما ... هجوت الطّوال الشُّمَّ من يذبل
وقد ينبج الكلب النّجوم ودونها ... فراسخ تقصي ناظر المتأمِّل
يعدو على الحاسد حسده، ويذوب من كبتٍ جسده:
فهل ضربة الرّوميِّ جاعلةٌ لكم ... أباً عن كليبٍ، أو أباً مثل دارم؟
فأمّا ما ذكره من قول أبي الطَّيب: أذمُّ إلى هذا الزّمان أهيله فقد كان الرّجل مولعاً بالتّصغير، لا يقنع من ذلك بخلسة المغير؛ كقوله:
من لي بفهم أهيل عصر يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقل؟
وقوله:
حبيببتا قلبي، فؤادي هيا جمل
وقوله:
مقالي للأحيمق يا حليم
وقوله:
ونام الخويدم عن ليلنا
وقوله:
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر
وغير ذلك مما هو موجود في ديوانه، ولا ملامة عليه، إنما هي عادة صارت كالطبع، فما حسن بها مألوف الربع، ولكنها تغتفر مع المحاسن، والشام قد يظهر على المراسن.
وهذا البيت الذي أوله:
أذم إلى هذا الزمان أهيله
إنما قاله في علي بن محمد بن سيار بن مكرم بأنطاكية قبل أن يمدح سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، والشعراء مطلق لهم ذلك،
стр. 128
لأن الآية شهدت عليهم بالتخرص وقول الأباطيل: " ألم تر أنهم في كل وادٍ بهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ " وأهل كلمة أصل وضعها للجماعة، فيقال: ارتحل أهل الدار، فيعلم السامع أن المتكلم لا يقصد واحداً بما قال، إلا أن هذه الكلمة قد استعملت للآحاد، فقيل: فلان أهل الخير وأهل الإحسان، قال حاتم الطائي:
ظلت تلوم على بكر سمحت به
إن الرزيئة في الدنيا ابن مسعود
غادره القوم بالمعزاء منجدلاً،
وكان أهل الندى والحزم والجود وكأن هذه اللفظة أصلها أن تكون للجمع، ثم نقلت إلى الواحد، كما أن صديقاً وأميراً ونحوهما إنما وضعن في الأصل للأفراد، ثم نقلن إلى الجمع على سبيل التشبيه. وكذلك قولهم: بنو فلان أخ لنا. ويقال: أهل وأهلة، وأهلات في الجمع، قال الشاعر:
فهم أهلات حول قيس بن عاصم
إذا أدلجوا بالليل، يدعون كوثرا وقال بعض النحويين في تصغير آل الرجل: يجوز أويل وأهيل، كأنه يذهب إلى أن الهاء في أهل أبدلت منها همزة، فلما اجتمعت الهمزتان جعلت الثانية ألفاً، ومثل هذا لا يثبت.
والأشبه أن يكون آل الرجل، مأخوذاً من آل يؤول، إذا رجع، كأنهم يرجعون إليه أو يرجع إليهم.
أما ما ذكره من حكاية القطربلي وابن أبي الأزهر، فقد يجوز مثله، وما وضح أن ذلك الرجل حبس بالعراق، فأما بالشام فحبسه مشهور.
وحدثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة، أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو
стр. 129
دونه. وإنما هي مقادير، يديرها في العلو مدير، يظفر بها من وفق، ولا يراع بالمجتهد أن يخفق.
وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهاً، ومثل غيره من الناس متدلهاً فمن ذلك قوله:
ولا قابلاً إلا لخالقه حكما
وقوله:
ما أقدر الله يخزي بريته ... ولا يصدق قوماً في الذي زعموا
وإذا رجع إلى الحقائق، فنطق اللسان لا ينبيء عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تديناً، وإنما يجعل ذلك تزيناً، يريد أن يصل به إلى ثناء، أو غرض من أغراض الخالبة أم الفناء، ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون، وفيما بطن ملحدون.
دين دعبل
وما يلحقني الشك في أن دعبل بن علي لم يكن له دين، وكان يتظاهر بالتشيع، وإنما غرضه التكسب، وكم أثبت نسباً بنسب ولا أرتاب أن دعبلاً كان على رأي الحكمي وطبقته، والزندقة فيهم فاشية، ومن ديارهم ناشية.
وقد اختلف في أبي نواس: ادعي له التأله وأنه كان يقضي صلوات نهاره في ليله، والصحيح أنه كان على مذهب غيره من أهل زمانه، وذلك أن العرب جاءها النبي ﷺ ، وهي ترغب إلى القصيد، وتقصر هممها عن الفصيد، فاتبعه منها متبعون، والله أعلم بما يوعون، فلما ضرب الإسلام بجرانه، واتسق ملكه على أركانه، مازج العرب غيرهم من الطوائف، وسمعوا كلام الأطباء وأصحاب الهيئة وأهل المنطق، فمالت منهم
стр. 130
طائفة كثيرة. ولم يزل الإلحاد في بني آدم على ممر الدهور، حتى إن أصحاب السير يزعمون أن آدم ﷺ ، بعث إلى أولاده فأنذرهم على ذلك المنهاج إلى اليوم.
وبعض العلماء يقول إن سادات قريش كانوا زنادقة. وما أجدرهم بذلك! وقال شاعرهم يرثي قتلى بدر، وتروي لشداد بن الأسود الليثي:
ألمت بالتحية أم بكر ... فحيوا أم بكر بالسلام
وكائن بالطوي طوي بدر ... من الأحساب والقوم الكرام
وكائن بالطوي طوي بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام
ألا يا أم بكر لا تكرى ... على الكأس بعد أخي هشام
وبعد أخي أبيه، وكان قرماً ... من الأقوام شراب المدام
ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام
إذا ما الرأس زايل منكبيه، ... فقد شبع الأنيس من الطعام
أيوعِدونا بن كبشة أن سنحيا؟ ... وكيف حياة أصداء وهام؟
أتترك أن ترد الموت عني، ... وتحييني إذا بليت عظامي؟
ولا يدعي مثل هذه الدعاوي إلا من يستبسل وراءها للحمام، ولا يأسف له عند الإلمام.
وحدثت أن أبا الطيب أيام كان إقطاعه " بصف " رؤي يصلي بموضع بمعرة النعمان يقال له كنيسة الأعراب وأنه صلى ركعتين، وذلك في وقت العصر، فيجوز أن يكون رأى أنه على سفر، وأن القصر له جائز.
وحدثني الثقة عنه حديثاً معناه: أنه لما حصل في بني عدي
стр. 131
وحاول أن يخرج فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعواه: ها هنا ناقة صعبة، فإن قدرت على ركوبها أقررنا أنك مرسل. وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحيل حتى وثب على ظهرها، فنفرت ساعة وتنكرت برهة، ثم سكن نفارها ومشت مشي المسمحة، وأنه ورد بها الحلة وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من دلائله عندهم.
وحدثت أيضاً أنه كان في ديوان اللاذقية، وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكين الأقلام فجرحته جرحاً مفرطاً، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه، وشدها غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلَّها في يومك. وعد له أيّاماً وليالي، وإن ذلك الكاتب قبل منه، فبرىء الجرح، فصاروا يعتقدون في أبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: هو كمحيي الأموات.
وحدث رجل: كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من السواحل، أنه أراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح عليهما في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد ذلك الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفى الأمر على ما ذكر (ولا يمتنع أن يكون أعد له شيئاً من المطاعم مسموماً وألقاه له وهو يخفي عن صاحبه ما فعل. والخريق سم الكلاب معروف) .
وأما القطربلي وابن أبي الأزهر فمن الزول اجتماعهما على تأليف كتابٍ، وقل ما يعرف مثل ذلك. ونحو منه قصة " الخالديين " اللذين كانا في الموصل وهما شاعران، وقد كانا عند سيف الدولة وانصرفا على حد مغاضبة. ولهما ديوان ينسب إليهما لا ينفرد فيه أحدهما بشيء دون الآخر
стр. 132
إلى في أشياء قليلةٍ. وهذا متعذر في ولد آدم إذا كانت الجبلة على الخلاف وقلة الموافقة.
فأما أن يعمل الرجل شيئاً من كتابٍ، ثم يتمّه الآخر، فهو أسوغ في المعقول من أن يجتمع عليه الرجلان. والبغداديون يحكون أن أبا سعيد السيرافي عمل من كتابه المعروف بالمقنع أو الإقناع إلى باب التصغير، ثم توفي وأتّمه بعده ولده أبو محمد.
وقد يجوز مثل هذا، وليس عندهم فيه ريب، وحكى لي الثقة أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر بن السراج عمل من (الموجز) النصف الأول لرجل بزاز، ثم تقدم إلى أبي علي بإتمامه، وهذا لا يقال أنه من إنشاء أبي علي لأن الموضوع من (الموجز) ، هو منقول من كلام ابن السراج في (الأصول) وفي (الجمل) ، فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ، لا أنه ابتدع شيئاً منه عنده.
والذين رووا ديوان أبي الطيب يحكون عنه أنه ولد سنة ثلاث وثلثمائة. وكان طلوعه إلى الشام سنة إحدى وعشرين، فأقام فيه برهة ثم عاد إلى العراق ولم تطل مدته هنالك. والدليل على صحة هذا الخبر أن مدائحه في صباه إنما هي في أهل الشام إلا قوله:
كفي أراني ويك لومك ألوما
وأما شكيته أهل الزمان إليه، فإنه سلك في ذلك منهاج المتقدمين، وقد كثر المقال في ذم الدهر حتى جاء في الحديث: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " وقد عرف معنى هذا الكلام، وأن باطنه ليس كظاهره، إذ كان الأنبياء ﵈، لم يذهب أحد منهم إلى أن الدهر هو الخالق، ولا المعبود.
وقد جاء في الكتاب الكريم: " وما يهلكنا إلا الدَّهر " وقول بعض النّاس: الزمان حركة الفلك، لفظ لا حقيقة له. وفي كتاب سيبويه ما يدل على
стр. 133
أن الزمان عنده: مضي الليل والنهار. وقد تعلق عليه في هذه العبارة.
وقد حددته حداً ما أجدره أن يكون قد سبق إليه إلا أني لم أسمعه، وهو أن يقال: الزمان شيء أقل جزءٍ منه يشتمل على جميع المدركات، وهو في ذلك ضد المكان، لأن أقل جزءٍ منه لا يمكن أن يشتمل على شي كما تشتمل عليه الظروف، فأما الكون فلا بد من تشبثه بما قل وكثر.
والذين قالوا: " وما يهلكنا إلى الدهر " وغير ذلك من المقال، مثل البيت المنسوب إلى الأخطل، وذكره حبيب بن أوسٍ لشمعلة التغلبي، وهو:
فإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
وقول الآخر:
الدهر لاءم بين ألفتنا، ... وكذاك فرق بيننا الدهر
وقل أبي صخر:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا، سكن الدهر لم يدع أن أحداً منهم كان يقرب للأفلاك القرابين، ولا يزعم أنها تعقل، وإنما ذلك شيء يتوارثه الأمم في زمان بعد زمان.
شاتم الدهر
وكان في عبد القيس شاعر يقال له " شاتم الدهر "، وهو القائل:
ولما رأيت الدهر وعراً سبيله، ... وأبدى لنا وجهاً أزب مجدعا
وجبهة قرد كالشراك ضئيلة، ... وأنفاً، ولوى بالعثانين أخدعا
ذكرت الكرام الذاهبين أولي الندى ... وقلت لعمرو والحسام: ألا دعا
وأما غيظه على الزنادقة والملحدين فأجره الله عليه، كما أجره على الظمأ في طريق مكة، واصطلاء الشمس بعرفة، ومبيته بالمزدلقة. ولا ريب أنه ابتهل
стр. 134
إلى الله، سبحانه، في الأيام المعدودات والمعلومات، أن يثبت هضاب الإسلام، ويقيم لمن اتبعه النير من الأعلام. ولكن الزندقة داء قديم، طالما حلم بها الأديم. وقد رأى بعض الفقهاء أن الرجل إذا ظهرت زندقته ثم تاب فزعاً من القتل، لم تقبل توبته. وليس كذلك غيرهم من الكفار، لأن المرتد إذا رجع قبل منه الرجوع.
ولا ملة إلا ولها قوم ملحدون، يرون أصحاب شرعهم أنهم موالفون وهم فيما بطن مخالفون، ولا بد أن ينهتك مخادع، وتبدو من الشر جنادع.
وقد كانت ملوك فارس تقتل على الزندقة، والزنادقة هم الذين يسمون الدهرية، لا يقولون بنبوة ولا كتاب.
وبشار إنما أخذ ذلك عن غيره، وقد روي أنه وجد في كتبه رفعة مكتوب فيها: إني أردت أن أهجو فلان بن فلان الهاشمي فصفحت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ . وزعموا أنه كان يشار سيبويه، وأنه حضر يوماً حلقة يونس بن حبيبٍ فقال: هل ههنا من يرفع خبراً؟ فقالوا: لا فأنشدهم:
بني أمية هبوا من رقادكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ليس الخليفة بالموجود فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود
وكان في الحلقة سيبويه، فيدعي بعض الناس أنه وشى به. وسيبويه، فيما أحسب كان أجل موضعاً من أن يدخل في هذه الدنيات، بل يعمد لأمور سنيات وحكى عنه أنه عاب عليه قوله:
على الغزلى من السلام، فطال ما ... لهوت بها في ظل مخضرة زهر
فقال سيبويه: لم تستعل العرب الغزلى، فقال بشار: هذا مثل قولهم البشكى والجمزي، ونحو ذلك.
وجاء بشار في شعره بالنينان (جمع نونٍ من السمك)
стр. 135
فيقال إنه أنكره عليه، وهذه أخبار لا تثبت. وفيما روي في كتاب سيبويه أن النون يجمع على نينان، فهذا نقض للخبر.
وذكر من نقل أخبار بشار أنه توعد سيبويه بالهجاء، وأنه تلافاه واستشهد بشعره. ويجوز أن يكون استشهاده به على نحو ما يذكره المتذاكرون في المجالس ومجامع القوم. وأصحاب بشارٍ يروون له هذا البيت:
وما كل ذي لبٍ بمؤيتك نصحه، ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
وفي كتاب سيبويه نصف هذا البيت الآخر، وهو في باب الإدغام لم يسم قائله. وزعم غيره أنه لأبي الأسود الدؤلي.
ويقال: إن يعقوب بن داود وزير المهدي تحامل بشار حتى قتل، واختلف في سنه: فقيل كان يومئذ ابن ثمانين سنة، وقيل أكثر، والله العالم بحقيقة الأمر.
ولا أحكم عليه بأنه من أهل النار، وإنما ذكرت ما ذكرت فيما تقدم لأني عقدته بمشيئة الله، وإن الله لحليم وهاب.
وذكر صاحب كتاب الورقة جماعة من الشعراء في طبقة أبي نواس ومن قبله، ووصفهم بالزندقة، وسرائر الناس مغيبة، وإنما يعلم، بها علام الغيوب. وكانت تلك الحال تكتم في ذلك الزمان خوفاً من السيف، فالآن ظهر نجيث القوم، وانغاصت التريكة عن أخبث رأل.
وكان في ذلك العصر رجل له أصدقاء من الشيعة وصديق زنديق، فدعا المتشيعة في بعض الأيام، فجاء الزنديق فقرع حلقة الباب وقال:
أصبحت جم بلابل الصدر، ... متقسم الأشجان والفكر
فقال صاحب المنزل: ويحك! مم ذا؟ فتركه الزنديق ومضى، فلقيه صاحب المأدبة فقال له: يا هذا، أردت أن توقعني فيما أكره (خوفاً من أن يظن
стр. 136
أصدقاؤه أنه زنديق) فقال: ادعهم ثانية وأعملني بمكانهم. فلما حصلوا عنده، جاء الزنديق فقال:
أصبحت جم بلابل الصدر، ... متقسم الأشجان والفكر
فقالوا: ويحك! مما ذا؟ فقال:
مما جناه على أبي حسن ... عمر وصاحبه أبو بكر
وانصرف. ففرح الشيعة بذلك، ولقيه صاحب المنزل فقال: جزيت عني خيراً، فقد خلصتني من الشبهة! وكان يجلس في مجلس البصرة جماعة من أهل العلم، وكان فيهم رجل زنديق له سيفان، قد سمى أحدهما " الخير " والآخر " الفلح " فإذا سلم عليه رجل من المسلمين قال:
صبحك الخير ومساك الفلح
ثم يلتفت لأصحابه الذين قد عرفوا مكان السيفين فيقول:
سيفان كالبرق إذا البرق لمح
فأما قول الحكمي: تيه مغن وظرف زنديق فقد عيب عليه هذا المعنى، وقيل: إنه أراد رجلاً من بني الحارث كان معروفاً بالزندقة والظرف، وكان له موضع من السلطان.
وقوله في صدر هذا البيت:
نديم قيلٍ محدثه ملكٍ
فهو نحو من قول امريْ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب، ... إثماً من الله ولا واغل
وليس ينبغي أن يحمل على قول من وقف على الهاء كما قال:
يا بيذره، يا بيذره، يا بيذره
وكما قال الآخر:
يا رب أباز من العصم صدع ... تقبض الظل عليه فاجتمع
стр. 137
لما رأى ألا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطأة حقف فاضطجع
لأن هذأ حسن فيه إظهار الهاء، إذ كان الكلام تاماً يحسن عليه السكوت، وقوله: محدثه ملك، مضاف ومضاف إليه، فلا يحسن فيه مثل ذلك، إذ كان الاسمان كاسم واحد.
صالح بن عبد القدوس
وأما صالح بن عبد القدوس فقد شهر بالزندقة، ولم يقتل، ولله العلم، حتى ظهرت عنه مقالات توجب ذلك. ويروى لأبيه عبد القدوس:
كما أهلكت ملكة من زائرٍ ... خربها الله وأبياته
لا رزق الرحمن أحياءها ... وأشوت الرحمة أمواتها
وقد كان لصالح ولد حبس على الزندقة حبساً طولاً، وهو الذي يروى له:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
فما نحن بالأحياء فيها ولا الموتى
إذا ما أتانا زائر متفقد
فرحنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا وأما رجوعه عن الزندقة لما أحس بالقتل، فإنما ذلك على سبيل الختل. فصلى الله على محمد، فقد روي عنه أنه قال: " بعثت بالسيف، والخير في السيف، والخير بالسيف ". وفي حديث آخر: لا تزال أمتي بخير ما حملت السيوف ". والسيف حمل صالحاً على التصديق، ورده عن رأي الزنديق، وتلك آية من آيات الله إذا هي ظهرت للنفس الكافرة، فقد فني لا ريب زمانها، ولا يقبل هناك إيمانها: " لم تكن آمنت من قبل " وللسفه طل ووبل.
وأما " القصار " فجهل يجمع ويصار، ولو تبع حقاً مقروباً، لكفي سماً مشروباً، ولكن الغرائز أعاد، ولا بد من لقاء الميعاد.
وأما
стр. 138
المنسوب إلى الصناديق، فإنه يحسب من الزناديق. وأحسبه الذي كان يعرف بالمنصور، ظهر سنة سبعين ومائتين، وأقام برهة باليمن، وفي زمانه كانت القيان تلعب بالدف وتقول:
خذي الدف يا هذه والعبي ... وبثي فضائل هذا النبي
تولى نبي بني هاشم ... وقام نبي بني يعرب
فما نبتغي السعي عند الصفا، ... ولا زورة القبر في يثرب
إذا القوم صلَّوا فلا تنهضي، ... وإن صوّموا فكلي واشربي
ولا تحرمي نفسك المؤمنين ... من أقربين ومن أجنبي
فكيف حللت لذاك الغريب ... وصرت محرمة للأب؟
أليس الغراس لمن ربّه ... وروّاه في عامه المجدب؟
وما الخمر إلا كماء السحا ... ب طلق، فقد ست من مذهب
فعلى معتقد هذه المقالة بهلة المبتهلين.
وهذه الطبقة، لعنها الله، تستعبد الطغام بأصناف مختلفة، فإذا طمعت في دعوى الربوبية لم تتئب في الدعوى، ولا لها عما قبح رعوى، وإذا علمت أن في الإنسان تميزاً، أرته إلى ما يحسن تحيزاً.
وقد كان باليمن رجل يحتجب في حصن له، ويكون الواسطة بينه وبين الناس خادماً له أسود قد سماه جبريل، فقتله الخادم في بعض الأيام وانصرف. فقال بعض المجان:
تبارك الله في علاه ... فر من الفسق جبرئيل
فطل من تزعمون رباً ... وهو على عرشه قتيل
ويقال إنه حمله على ذلك ما كان يكلفه من الفسق.
وإذا طمع بعض
стр. 139
هؤلاء، فإنه لا يقتنع بالإمامة ولا النبوة. ولكنه يرتفع صعداً في الكذب، ويكون شربه من تحت العذب (أي الطُّحلب.) ولم تكن العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم. بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء. وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي.
وكان ربيعة بن أمية بن خلفٍ الجمحي، جرى له مع أبي بكر الصديق، رحمة الله عليه، خطب، فلحق بالروم، ويروى أنه قال:
لحقت بأرض الروم غير مفكرٍ ... بترك صلاة من عشاء ولا ظهرِ
فلا تتركوني من صبوح مدامةٍ ... فما حرم الله السلاف من الخمرِ
إذا أمرت تيم بن مرة فيكم ... فلا خير في أرض الحجاز ولا مصرِ
فإن يك إسلامي هو الحق والهدى ... فإني قد خليته لأبي بكرِ
وافتن الناس في الضلالة حتى استجازوا دعوى الربوبية، فكان ذلك تنطساً في الكفر، وجمعاً للمعصية في المزاد الوفر. وإنما كان أهل الجاهلية يدفعون النبوة ولا يجاوزون ذلك إلى سواه.
ولما أجلى عمر بن الخطاب، رحمة الله عليه، أهل الذمة عن جزيرة العرب، شق ذلك على الجالين، فيقال إن رجلاً من يهود خيبر يعرف بسمير بن أدكن قال في ذلك:
يصول أبو حفصٍ علينا بدرةٍ ... رويدك إن المرء يطفو ويرسب
كأنك لم تتبع حمولة ماقطٍ ... لتشبع، إن الزاد شيء محبب
فلو كان موسى صادقاً ما ظهرتم ... علينا ولكن دولة ثم تذهب
ونحن سبقناكم إلى المين فاعرفوا ... لنا رتبة البادي الذي هو أكذب
стр. 140
مشيتم على آثارنا في طريقنا ... وبغيتكم في أن تسودوا وترهبوا
وما زال اليمن منذ كان، معدناً للمتكسبين بالتدين، والمحتالين على السحت بالتزين. وحدثني من سافر إلى تلك الناحية، أن به اليوم جماعة كلهم يزعم أنه القائم المنتظر، فلا يعدم جباية من مالٍ، يصل بها إلى خسيس الآمال.
وحكي لي أن للقرامطة بالأحساء بيتاً يزعمون أن إمامهم يخرج منه، ويقيمون على باب ذلك البيت فرساً بسرجٍ ولجام، ويقولون للهمج والطغام: هذا الفرس لركاب المهدي، يركبه متى ظهر بحق بديٍ. وإنما غرضهم بذلك خدعُ وتعليل، وتوصل إلى المملكة وتضليل.
ومن أعجب ما سمعت أن بعض رؤساء القرامطة في الدهر القديم، لما حضرته المنية جمع أصحابه وجعل يقول لهم لما أحس بالموت: إني قد عزمت على النقلة، وقد كنت بعثت موسى وعيسى ومحمداً، ولا بد لي أن أبعث غير هؤلاء! فعليه اللعنة، لقد كفر أعظم الكفر، في الساعة التي يجب أن يؤمن فيها الكافر، ويؤوب إلى آخرته المسافر.
وأما الوليد بن يزيد فكان عقله عقل وليد، وقد بلغ سن الكهل الجليد، ما أغنته نية سابجة، ولا نفعت البنابجة. وشغل عن الباطية، بجريرة النفس الخاطية. دحاه إلى سقر داحٍ، فما يغترف بالأقداح. وقد رويت له أشعار، يلحق به منها العار، كقوله:
أدنيا مني خليلي ... عبد لا دون الإزار
فلقد أيقنت أني ... غير مبعوثٍ لنار
واتركا من يطلب الجن ... ة يسعى في خسار
سأروض الناس حتى ... يركبوا دين الحمار
стр. 141
فالعجب لزمان صير مثله إماماً، وأورده من المملكة جماماً ولعل غيره ممن ملك يعتقد مثله أو قريباً، ولكن يساتر ويخاف تثريباً. ومما يروى له:
أنا الإمام الوليد مفتخراً ... أجر بردي، وأسمع الغزلا
أسحب ذيلي إلى منازلها، ... ولا أبالي من لام أو عذلا
ما العيش إلى سماع محسنةٍ ... وقهوة تترك الفتى ثملا
لا أرتجي الحور في الخلود وهل ... يأمل حور الجنان من عقلا؟
إذا حبتك الوصال غانية ... فجازها بذلها كمن وصلا
ويقال إنه لما أحيط به، دخل القصر وأغلق بابه وقال:
دعوا لي هنداً والرباب وفرتنى
ومسمعة، حسبي بذلك مالا
خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم
فليس يساوي بعد ذاك عقالا
وخلوا سبيلي قبل عير وما جرى،
ولا تحسدوني أن أموت هزالا فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورئي رأسه في فم كلب.
كذلك نقل بعض الرواة، والله القائم بجزاء الغواة. ولا حيلة للبشر في أم دفرٍ، أعيت كل حضرٍ وسفرٍ. كان حق الخلافة أن تفضي إلى من هو بنسكٍ معروف، لا تصرفه عن الرشد صروف، ولكن البلية خلقت مع الشمس، فهل يخلص من سكن في رمس؟ وأما أبو عيسى بن الرشيد، فليس بالناشد ولا النشيد. وإن صح ما روي عنه فقد باين بذلك أسلافه، وأظهر لأهل الديانة خلافه.
وما يحفل ربه بالعبيد صائمين للخيفة ولا مفطرين، ولكن الإنس غدوا محظرين. وربما كان الجاهل أو المتجاهل، ينطق بالكلمة وخلده بضدها آهل، وإنما أقول ذلك راجياً أن أبا عيسى ونظراءه، لم
стр. 142
يتبعوا في الغي أمراءه، وأنهم على سوى ما علن يبيتون، لقد وعظهم الميتون.
ورأى بعضهم عبد السلام بن رغبان، المعروف بديك الجن، في النوم وهو بحسن حالٍ، فذكر له الأبيات الفائية التي فيها:
هي الدنيا، وقد نعموا بأخرى، ... وتسويف الظنون من السواف
أي (الهلاك) فقال: إنما كنت أتلاعب بذلك ولم أكن أعتقده. ولعل كثيراً ممن شهر بهذه الجهالات تكون طويته إقامة الشريعة، والإرتاع برياضها المريعة. فإن اللسان طماحُ، وله بالفند إسماح. وكان أبو عيسى المذكور يستحسن شعره في البيتين والثلاثة، وأنشد له الصولي في نوادره:
لساني كتومُ لأسراره، ... ودمعي نموم بسري مذيع
ولولا دموعي، كتمت الهوى، ... ولولا الهوى، لم يكن لي دموع
فإن كان فر من صيام شهر. فلعله يقع في تعذيب الدهر، و " لاييأس من روح الله إلى القوم الكافرون ".
وأما الجنابي فلو عوقب بلد بمن يسكنه، لجار أ، تؤخذ به " جنابة "، ولا يقبل لها إنابة. ولكن حكم الكتاب المنزل أجدر وأحرى: " ألا تزر وازرة وزر أخرى ". وقد اختلف في حديث الركن معه: فزعم من يدعي الخبرة به أنه أخذه ليعبده ويعظمه، لأنه بلغه أنه يد الصنم الذي جعل على خلق زحل. وقيل: جعله موطئاً في مرتفق، وهذا تناقض في الحديث. وأي ذلك كان، فعليه اللعنة ما رسا " ثبير " وهمى صبير.
وأما العلوي البصريّ فذكر بعض الناّس أنّه كان قبل خروجه يذكر أنّه من عبد القيس ثمَّ من أنمار. وكان أسمه أحمد، فلمّا خرج تسمّى عليّاً. والكذب كثير جمّ، كأنه في النَّظر طود أشم؛ والصدّق لديه كالحصاة،
стр. 143
توطأ بأقدام عصااة. تلك الأبيات النمنسوبة إليه مشهورة وهي.
أيا حرفة الزمني ألم بك الرّدى
أمالي لي خلاص منك والشمَّل جامع
لئن قنعت نفسي بتعليم صبية
يد الدهّر إني بالمذلة قانع
وهل يرضين حرُّ بتعليم صبية
وقد ظنَّ أنَّ الرزَّق في الأرض واسع؟ وما أمنع أن يكون حملة حب الحطام، على أن غرق في بحرٍ طامٍ، يسبح فيه ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربَّك إن ربكَّ فعَّال لما يريد. وقد رويت له أبيات تدل على تألهٍ، وما أدفع أن تكون قيلت على لسانه، لأن من خبر هذا العالم حكم عليه بفجور ومين، وأخلاق تبعد من الزَّين. والأبيات:
قتلت النّاس إشقاقاً ... على نفسي كي تبقى
وحزت المال بالسَّيف ... لكي أنعم لا أشقى
فمن أبصر مثواي، ... فلا يظلم إذاً خلقا
فواويلي إذا ما متُّ ... عند الله ما ألقى
أخلداً في جوار اللّ ... هـ أم في ناره ألقى؟
وأنشدني بعضهم أبياتاً قافَّية طويلة الوزن، وقافيتها مثل هذه القافية، قد نسبت إلى عضد الدّولة. وقيل إنّه أفاق في بعض الأيّام، فكتبها على جدار الموضع الذي كلن فيه، وقد نحي بها نحو أبيات البصريّ. وأشهد أنَّها متكلَّفة، صنعها رقيع من القوم، وأنّ عضد الدولة ما سمع بها قط.
وأمَّا الحكاية عن أصحاب الحديث أنَّهم صحفوا زخمة فقالوا: رحمة، فلا أصدَّق بما يجري مجراها، والكذب غالب ظاهر، والصدق، خفي متضائل، فإنا لله وإنا إليه
стр. 144
راجعون. وكذلك أدعاء من يدَّعي أنَّ علياً، ﵇، قال: تهلك البصرة بالزنج؛ فصحَّفها أهل الحديث: بالريح، لا أؤمن بشيء من ذلك. ولم يكن عليّ، ﵇، ولا غيره ممن يكشف له علم الغيب، وفي الكتاب العزيز: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وفي الحديث المأثور: أنه سمع جواري يغنيَّن في عرس ويقلن:
وأهدى لنا أكبشاً ... تبحبح في المربد
وزوجك في النّادي ... ويعلم ما في غد
فقال: لا يعلم ما في غدٍ إلى الله.
ولا يجوز أن يخبر منذ مائة سنة أن أمير حلب، حرسها الله، في سنة أربع وعشرين وأربعمائة، أسمه فلان بن فلان، وصفته كذا؛ فإن أدعى ذلك مدّعٍ فإنمّا هو متخرِّص كاذب.
وأمّا النجوم فإنمّا لها تلويح لا تصريح، وحكي أنَّ الفضل ابن سهل كان يتمثل كثيراً بقول الراّجز:
لئن نجوت ونجت ركائبي من غالب ومن لفيف غالب
إنّي لنجَّاء من الكرائب وأنّ غالباً كان فيمن قتله، فهذا ينَّفق مثله. وأجدر بهذه الحكاية أن تكون مصنوعة. فأما تمثله بالشعر فغير مستنكر، وربما أتفق أن يكون في الوقت جماعة يسمون بهذا الاسم، فيمكن أن يقترن معنى بلفظٍ، على أنَّ في الأيام عجائب، وفوق كلّ ذي علم عليم.
وقد حكي أنَّ إياس بن معاوية القاضي كان يظن الأشياء فتكون كما ظن، ولهذه العلَّة قالوا: رجل نقاب وألمعيَّ، قال أوس:
стр. 145
الألمعيّ
الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا
وقال: نقاب يحدِّث بالغائب.
فأمّا الحسين بن منصور فليس جهله بالمحصور. وإذا كانت الأمةّ ربّما عبدت الحجر، فكيف يأمن الحصيف البجر؟ أراد أن يدير الضّلالة على القطب، فانتقل عن تدبير العطب، ولو انصرف إلى علاج البرس، ما بقي ذكر عنه في طرس، ولكنّها مقادير، تغشى النّاظر بها سمادير. فكون ابن آدم حصاة أو صخرة، أجمل به أن يجعل سخرةّ. النّاس إلى الباطل سراع، ولهم إلى الفتن إشراع.
وكم افتري للحلاج، والكذب كثير الخلاج، وجميع ما ينسب إليه مما لم تجر العادة بمثله فإنّه الميّن الحنبريت، لا أصدّق به ولو كريت. وممّا يفتعل عليه أنّه قال للّين قتلوه: أتظنون انكم إيّاي تقتلون؟ أنمّا تقتلون بغلة المادراني وأنّ البغلة وجدت في إصطبلها مقتولة.
وفي الصّوفية إلى اليوم من يرفع شأنه، ويجعل من النجَّم مكانه. وبلغني أنَّ ببغداد قوماً ينتظرون خروجه. وأنهم يقفون بحيث صُلب على دجلة يتوقَّعون ظهوره. وليس ذلك ببدع من جهل النّاس، ولو عبد عابد ظبي كناس، فقد نزل حظ على قرد، فظفر بأكرم الورد. وقالت العامة: اسجد للقرد في زمانه. وأنا أتحوَّب من ذكر القرد الذي يقال: إنّ القوادّ في ومن زبيدة كانوا يدخلون للسلام عليه وأنّ يزيد ابن مزيد الشَّيبانيَّ دخل في جملة المسلَّمين فقتله. وقد روي أن يزيد بن معاوية كان له قرد يحمله على أتانٍ وحشيةٍ ويرسلها مع الخليل في الحلبة.
وأمّا الأبيات التي على الياء:
يا سرّ يدقُّ حتَّى ... يجل عن وصف كلّ حيّ
следующие страницы →