Полный текст (201 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الآن يشتعل في أطباق الجحيم. فيقول، وصل الله أوقاته بالسعادة: أيُّها الشيخ، لقد بقي عليك حفظك! فيقول: لسنا مثلكم يا بني آدم يغلب علينا النِّسيان والرُّطوبة، لأنِّكم خلقتم من حماءٍ مسنونٍ، وخلقنا من مارجٍ من نار. فتحمله الرَّغبة في الأدب أن يقول لذلك الشّيخ: أفتملُّ عليَّ شيئاً من تلك الأشعار؟ فيقول الشيخ: فإذا شئت أمللتك ما لا تسقه الرِّكاب، ولا تسعه صحف دنياك.
فيهمُّ الشّيخ، لا زالت همتَّه عاليةً، بأن يكتتب منه، ثمَّ يقول: لقد شقيت في الدار العاجلة بجمع الأدب، ولم أحظ منه بطائلٍ، وإنَّما كنت أتقرَّب به إلى الرؤساء، فأحتلب منهم درَّبكيء وأجهد أخلاف مصورٍ، ولست بموفَّقٍ إن تركت لذَّات الجنَّة وأقبلت أتنسخ آداب الجنَّ ومعي من الأدب ما هو كان لاسيما وقد شاعالنسيان في أهل أدب الجنة، فصرت من أكثرهم رواية وأوسعهم حفظاً، ولله الحمد.
ويقول لذلك الشيخ: ما كنيتك لأكرمك بالتَّكنية؟ فيقول: أبو هدرش، أولدت من الأولاد ما شاء الله، فهم قبائل: بعضهم في النّار الموقدةٍ، وبعضهم في الجنان. فيقول: يا أبا هدرش، مالي أراك أشيب وأهل الجنّة شبابٌ؟ فيقول: إنَّ الإنس أكرموا بذلك وأحرمناه، لأنّا أعطنا الحولة في الدار الماضية، فكان أحدنا إن شاء صار حيَّةً رقشاء، وإن شاء صار عصفوراً، وإن شاء صار حمامة، فمنعنا التصوَّر في الدار الآخرة، وتركنا على خلقنا لا نتغيَّر، وعوّض بنو آدم كونهم فيما حسن من الصور. وكان قائل الإنس يقول في الدار الذاهبة: أعطينا الحيلة، وأعطي الجنُّ الحولة.
ولقد لقيت من بني آدم شرّاً، ولقوا منّي كذلك، دخلت مرَةً دار أناسٍ أريد أن أصرع فتاةً لهم، فتصوَّرت في صورة عضلٍ أي جرذٍ فدعوا لي
стр. 72
الضَّياون، فلمَّا أرهقتني تحوَّلت صلاً أرقم ودخلت في قطيلٍ هناك، فلمَّا علموا ذلك كشفوه عني، فلمَّا خفت القتل صرت ريحاً هفَّافةً فلحقت بالرَّوافد ونقضوا تلك الخشب والأجذال فلم يروا شيئاً. فجعلوا يتفكَّنون ويقولون: ليس هاهنا مكانٌ يمكن أن يستتر فيه. فبيناهم يتذاكرون ذلك عمدت لكعابهم في الكلَّة، فلمَّا رأتني أصابها الصَّرع، واجتمع أهلها من كلِّ أوبٍ، وجمعوا لها الرقاة، وجاؤوا بالأطبَّة وبذلوا المنفسات، فما ترك راقٍ رقيةً إلاَّ عرضها عليَّ وأنا لا أجيب، وغبرت الأساة تسقيها الأشفية وأنا سدكٌ بها لا أزول، فلمَّا أصابها الحمام طلبت لي سواها صاحبةً، ثمّ كذلك حتى رزق الله الإنابة وأثاب الجزيل، فلا أفتأ له من الحامدين:
حمدت من حطِّ أوزاري ومزَّقها
عنَّي، فأصبح ذنبي اليوم مغفوراً
وكنت آلف من أتراب قرطبة
خوداً، وبالصِّين أخرى بنت يغبورا
أزور تلك وهذي، غير مكترث
في ليلةٍ، قبل أن أستوضح النُّورا
ولا أمرُّ بوحشيٍّ ولا بشرٍ،
إلاّ وغادرته ولهان مذعورا
أروِّع الزِّنج إلماماً بنسوتها
والرُّوم والتُّرك والسِّقلاب والغورا
وأركب الهيق في الظَّلماء معتسفاً
أولا، فذبَّ ريادٍ بات مقرورا
وأحضر الشَّرب أعروهم بآبدةٍ
يزجون عوداً ومزماراً وطنبوراً
فلا أفارقهم حتَّى يكون لهم
فعلٌ، يظلُّ به إبليس مسرورا
وأصرف العدل ختلاً عن أمانته
حتى يخون، وحتى يشهد الزُّورا
وكم صرعت عواناً في لظى لهبٍ
قامت تمارس للأطفال مسجوراً
وذادني المرء نوحٌ عن سفينته،
ضرباً، إلى أن غدا الظُّنبوب مكسورا
стр. 73
وطرت في زمن الطُّوفان معتلياً
في الجوِّ حتى رأيت الماء محسورا
وقد عرضت لموسى في تفرُّده
بالشاء ينتج عمروساً وفرفورا
لم أخله من حديثٍ مَّا، ووسوسةِ
إذ دكَّ ربُّك في تكليمه الطُّورا
أضللت رأي أبي ساسان عن رشدٍ
وسرت مستخفياً في جيش سابورا
وساد بهرام جور وهو لي تبعٌ
أيَّام يبني على علاَّته جورا
فتارةً أنا صلُّ في نكارته،
وربَّما أبصرتني العين عصفورا
تلوح لي الإنس عوراً أو ذوي حولاً
من بعد ما عشت بالعصيان مشهورا
حتى إذا انفضَّت الدُّنيا ونودي: إس
رافيل ويحك، هلاَّ تنفخ الصُّورا
أماتني الله شيئاً، ثمّ أيقظني
لمبعثي، فرزقت الخلد مبرورا فيقول: لله درُّك يا أبا هدرش؟ لقد كنت تمارس أوابد ومندياتٍ، فكيف ألسنتكم؟ أيكون فيكم عربٌ لا يفهمون عن الروم، ورومٌ لا يفهمون عن العرب، كما نجد في أجيال الإنس؟ فيقول: هيهات أيّها المرحوم؟ إنَّا أهل ذكاءٌ وفطنٍ، ولابدَّ لأحدنا أن يكون عارفاً بجميع الألسن الإنسيَّة، ولنا بعد ذلك لسانٌ لا يعرفه الأنيس. وانا لاذي أنذرت الجنَّ بالكتاب المنزل: أدلجت في رفقةٍ من الخابل نريد اليمن، مررنا بيثرب في زمان المعو أي الرُّطب ف سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرُّشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحداً: وعدت قومي فذكرت لهم ذلك، فتسرعت منهم طوائف إلى الإيمان، وحثَّهم على ما فعلوه أنّهم رجموا عن استراق السَّمع بكواكب محرقاتٍ.
فيقول: يا أبا هدرش، أخبرني، وأنت الخبير، هل كان رجم النُّجوم في الجاهليَّة؟ فإنَّ بعض النَّاس
стр. 74
يقول إنَّه حدث في الإسلام. فيقول: هيهات؟ أما سمعت قول الأوديِّ:
كشهاب القذف يرميكم به ... فارسٌ، في كفِّه للحرب نار
وقول ابن حجرٍ:
فانصاع كالدُّرِّيِّ يتبعه ... نقعٌ يثور، تخاله طنبا
ولكنَّ الرَجم زاد في أوان المبعث، وإنَّ التِّخرُّص لكثيرٌ في الإنس والجنِّ، وإنَّ الصِّدق لمعوزٌ قليلٌ، وهنيئاً في العاقبة للصَّادقين.
وفي قصِة الرَّجم أقول:
مكَّة أقوت من بني الدَّردبيس
فما لجنِّيِّ بها من حسيس
وكسِّرت أصنامها عنوةً،
فكلُّ جبتٍ بنصيلٍ رديس
وقام في الصَّفوة من هاشمٍ
أزهر لا يغفل حقَّ الجليس
يسمع ما أنزل من ربّه ال
قدُّوس وحياً مثل قرع الطَّسيس
يجلد في الخمر، ويشتدُّ في ال
أمر، ولا يطلق شرب الكسيس
ويرجم الزَّاني ذا العرس لا
يقبل فيه سؤلةً من رئيس
وكم عروسٍ بات حرَّاسها
كجرهمٍ في عزَّها أو جديس
زفَّت إلى زوجٍ لهاء سيّدٍ
ما هو بالنِّكس ولا بالضّبيس
غرت عليها، فتخلَّجتها
بواشك الصَّرعة قبل المسيس
وأسلك الغادة محجوبةً
في الخدر، أو بين جوارٍ تميس
لا أنتهي عن غرضي بالرُّقى،
إذا انتهى الضَّيغم دون الفزيس
وأدلج الظَّلماء في فتيةٍ
ملجنِّ فوق الماحل العربسيس
في طاسمٍ تعزف جنَّانه،
أقفز إلاَّ من عفاريت ليس
بيضٍ، بها ليل، ثقالٍ، يعا
ليل، كرامٍ، ينطقون الهسيس
стр. 75
تحملنا في الجنح خيلٌ لها
أجنحةٌ، ليست كخيل الأنيس
وأينقٌ تسبق أبصاركم
مخلوقةٌ بين نعامٍ وعيس
تقطع من علوة في ليلها
إلى قرى شاسٍ بسيرٍ هميس
لا نسك في أيَّامنا عندنا
بل نكس الدَّين فما إن نكيس
فالأحد الأعظم، والسَّبت كال
إثنين، والجمعة مثل الخميس
لا مجسٌ نحن، ولا هوَّدٌ
ولا نصارى يبتغون الكنيس
نمزِّق التَّوراة من هونها،
ونحطم الصُّلبان حطم اليبيس
نحارب الله جنوداً لإب
ليس أخي الرأي الغبين النَّجيس
نسلِّم الحكم إليه إذا
قاس، فنرضى بالضَّلال المقيس
نزين للشارخ والشيخ أن
يفرغ كيساً في الخنا بعد كي
ونفتري جنَّ سليمان كي
نطلق منها كلَّ غاوٍ حبيس
صيَّر في قارورةٍ رصِّصت
فلم تغادر منه غير النَّسيس
ونخرج الحسناء مطرودةً
من بيتها عن سوء ظنٍّ حديس
نقول: لا تقنع بتطليقةٍ
وأقبل نصيحاً لم يكن بالدَّسيس
حتى إذا صارت إلى غيره
عاد من الوجد بجدٍّ تعيس
نذكره منها، وقد زوِّجت،
ثغراً كدرٍّ في مدامٍ غريس
ونخدع القسيِّيس في فصحه
من بعد ما ملِّىء بالأنقليس
أصبح مشتاق إلى لذّةٍ
معلَّلاً بالصِّرف أو بالخفيس
أقسم لا يشرب إلاّ دوي
ن السُّكر، والبازل تالي السَّديس
قلنا له: أزدد قدحاً واحداً
ما أنت أن تزداده بالوكيس
стр. 76
يحميك في هذا الشَّفيف الذي
يطفىء بالقرِّ التهاب الحميس
فعبّ فيها، فوهى لبُّه
وعُدَّ من آل اللَّعين الرّجيس
حتَّى يفيض الفم منه على
نمرقتيه بالشَّراب القليس
ونسخط الملك على المشفق ال
مفرط في النَّصح إذا الملك سيس
وأعجل السِّعلاة عن قوتهأ
في يدها كشح مهاةٍ نهيس
لا أتَّقي البرَّ لأهواله
وأركب البحر أوان القريس
نادمت قابيل وشيثاً وها
بيل على العاتقة الخندريس
وصاحبي لمك لدى المزهر ال
معملِ لم يعي بزيرٍ جسيس
ورهط لقمان وأيساره
عاشرت من بعد الشَّباب اللَّبيس
ثمَّت آمنت، ومن يرزق ال
إيمان يظفر بالخطير النّفيس
جاهدت في بدرٍ وحاميت في
أحدٍ وفي الخندق رعت الرّئيس
وراء جبريل وميكال نخ
لي الهام في الكبّة خلي اللِّسيس
حين جيوش النّصر في الجوَّ، وال
طاغوت كالزَّرع تناهى، فديس
عليهم في هبوات الوغى
عمائمٌ صفرٌ كلون الوريس
صهيل حيزوم إلى الآن في
سمعي أكرم بالحصان الرَّغيس
لا يتبع الصَّيد ولا يألف ال
قيد ولا يشكو الوجى والدَّخيس
فلم تهبني حرَّةٌ عانسٌ،
ولا كعابٌ ذات حسنٍ رسيس
وأيقنت زيني منَّي الُّتقى،
ولم تخف من سطواتي لميس
وقلت للجنِّ: ألا يا اسجدوا
لله، وانقادوا انقياد الخسيس
فإنَّ دنياكم لها مدَّةٌ
غادرةٌ بالسَّمح أو بالشَّكيس
стр. 77
بلقيس أودت ومضى ملكها
عنها، فما في الأذن من هلبسيس
وأسرة المنذر حاروا عن ال
حيرة كلٌّ في ترابٍ رميس
إنَا لمسنا بعدكم فاعلموا
برقع، فاهتاجت بشرٍّ بئيس
ترمي الشّياطين بنيرانها
حتى ترى مثل الرَّماد الدَّريس
فطاوعتني أمَّةٌ منهم
فازت، وأخرى لحقت الرَّكيس
وطار في اليرموك بي سابحٌ
والقوم في ضربٍ وطعنٍ خليس
حتَّى تجلَّت عنِّي الحرب كال
جمرة في وقدة ذاك الوطيس
والجمل الأنكد شاهدته
بئس نتيج النّاقة العنتريس
بين بني ضبَّة مستقدماً
والجهل في العالم داءٌ نجيس
وزرت صفِّين على شبطةٍ
جرداء، ما سائسها بالأريس
مجدِّلاً بالسَّيف أبطالها
وقاذفاً بالصَّخرة المرمريس
وسرت قدَّام عليٍّ غدا
ة النَّهر حتى فلّ غرب الخميس
صادف منَّي واعظٌ توبةً
فكانت اللَّقوة عند القبيس فيعجبٌ، لا زال في الغبطة والسُّرور، لما سمعه من ذلك الجنيِّ، ويكره الإطالة عنده فيودِّعه.
ويحمُّ فإذا هو بأسدٍ يفترس من صيران الجنّة وحسيلها فلا تكفيه هنيدةٌ ولا هندٌ أي مائة ولا مائتان فيقول في نفسه: لقد كان الأسد يفترس الشاة العجفاء، فيقيم عليها الأيَّام لا يطعم سواها شيئاً.
فيلهم الله الأسد أن يتكلّم، وقد عرف ما في نفسه، فيقول: يا عبد الله، أليس أحدكم في الجنَّة تقدَّم له الصِّحفة وفيها البهطُّ والطِّريم مع النَّهيدة، فيأكل منها مثل عمر السّموات والأرض، يلتذّ بما أصاب فلا هو مكتفٍ، ولا هي
стр. 78
الفانية؟ وكذلك أنا افترس ما شاء الله، فلا تأذى الفريسة بظفرٍ ولا نابٍ، ولكن تجد من اللَّذة كم أجد بلطف ربِّها العزيز. أتدري من أنا أيُّها البزيع؟ أنا أسد القاصرة التي كانت في طريق مصر، فلمَّا سافر عتبة بن أبي لهبٍ يريد تلك الجهة، وقال النبيُّ ﷺ : " اللهمَّ سلَّط عليه كلباً من كلابك "، ألهمت أن أتجوَّع له أيَّاماً، وجئت وهو نائمٌ بين الرُّفقة فتخللَّت الجماعة إليه، وأدخلت الجنَّة بما فعّلت.
ويمرُّ بذئبٍ يقتنص ظباءً فيفني السُّربة بعد السُّربة، وكلَّما فرغ من ظبيٍ أو ظبية، عادت بالقدرة إلى الحال المعهودة، فيعلم أنَّ خطبه كخطب الأسد، فيقول: ما خبرك با عبد الله؟ فيقول: أنا الذئب الذي كلَّم الأسلمي على عهد النبيّ ﷺ ، كنت أقيم عشر ليالٍ أو أكثر، لا أقدر على العكرشة ولا القواع، وكنت إذا همّمت بعجيّ المعيز، آسد الراعي عليَّ الكلاب، فرجعت إلى الصاحبة مخرَّق الإهاب. فتقول: لقد خطئت في أفكارك، ما خير لك في ابتكارك، وربمّا رميت بالسِّروة فنشبت في الأقراب، فأبيت ليلتي لما بي، حتى تنتزعها السِّلقة وأنا بآخر النَّسيس، فلحقتني بركة محمّد ﷺ .
فيذهب، عرِّفه الله الغبطة في كلّ ِسبيل، فإذا هو ببيتٍ في أقصى الجنة، كأنَّه حفش أمةٍ راعيةٍ، وفيه رجلٌ ليس عليه نور سكّان الجنّة، وعنده شجرةٌ قميئةٌ ثمرها ليس بزاكٍ. فيقول: يا عبد الله، لقد رضيت بحقيرٍ شقنٍ. فيقول: والله ما وصلت إليه إلاَّ بعد هياطٍ ومياطٍ وعرقٍ من شقاءٍ، وشفاعةٍ من قريشٍ وددت أنّها لم تكن: فيقول: من أنت؟ فيقول أنا الحطيئة العبسي فيقول: بم وصلت إلى الشّفاعة؟ فيقول بالصَّدق.
فيقول: في أيِّ شيءٍ؟ فيقول: في قولي:
стр. 79
أبت شفتاي اليوم إلا تكلمُّماً ... بهجرٍ، فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوَّه الله خلقه، ... فقبِّح من وجهٍ، وقبِّح حامله
فيقول: ما بال قولك:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
لم يغفر لك به؟ فيقول: سبقني إلى معناه الصّالحون، ونظمته ولم أعمل به، فحرمت الأجر عليه. فيقول: ما شأن الزبرقان ابن بدرٍ؟ فيقول الحطيئة: هو رئيسٌ في الدُّنيا والآخرة، انتفع بهجائي ولم ينتفع غيره بمديحي.
الخنساء السُّلميّة
فيخلِّفه ويمضي، فإذا هو بامرأة في أقصى الجنَّة، قريبةٍ من المطلَّ إلى النار. فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا الخنساء السُّلميّة، أحببت أن أنظر إلى صخرٍ فاطلَّعت فرأيته كالجبل الشّامخ والنار تضطرم في رأسه، فقال لي؟ لقد صحَّ مزعمك فيَّ؟ يعني قولي:
وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداة به ... كأنَّه علمٌ في رأسه نار
فيطلَّع فيرى إبليس، لعنه الله، وهو يضطرب في الأغلال والسّلاسل ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزَّبانية. فيقول: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله وعدوَّ أوليائه! لقد أهلكت من بني آدم طوائف لا يعلم عددها إلاّ الله. فيقول: من الرجل؟ فيقول: أنا فلان ابن فلانٍ من أهل حلب، كانت صناعتي الأدب، أتقرَّب به إلى الملوك. فيقول: بئس الصَّناعة؟ إنَّها تهب غفَّةً من العيش، لا يتَّسع بها العيال، وإنَّها لمزلَّةٌ بالقدم وكم أهلكت مثلك! فهنياً لك إذ نجوت، فأولى لك ثمَّ أولى؟! وإنَّ لي إليك لحاجةً، فإن قضيتها شكرتك يد المنون. فيقول: إنّي لا أقدر لك على نفعٍ، فإن الآية سبقت في
стр. 80
أهل النَّار، أعني قوله تعالى: " ونادى أصحاب النَّار أصحاب الجنَّة أن أقبضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله، قالوا إنَّ الله حرَّمهما علىالكافرين ".
فيقول: إنِّي لاأسألك في شيءٍ من ذلك، ولكن أسألك عن خبرٍ تخبرينه: إنَّ الخمر حرِّمت عليكم في الدُّنيا وأحلَّت لكم في الآخرة، فهل يفعل أهل الجنَّة بالولدان المخلَّدين فعل أهل القريات؟ فيقول: عليك البهلة؟! أما شغلك ما أنت فيه؟ أما سمعت قوله تعلى: " ولهم فيها أزواجٌ مطهَّرةٌ وهم فيه خالدون "؟ فيقول: وإنَّ في الجنَّة لأشربةً كثيرةً غير الخمر، فما فعل بشَّار بن بردٍ؟ فإنَّ له عندي يداً ليست لغيره من ولد آدم: كان يفضِّلني دون الشعراء، وهو القائل:؟ إبليس أفضل من أبيكم آدمٍ فتبيَّنوا يا معشر الأشرار
النّار عنصره، وآدم طينةٌ، ... والطِّين لا يسمو سموَّ النّار
لقد قال الحقَّ، ولم يزل قائله من الممقوتين.
فلا يسكت من كلامه، إلاَّ ورجلٌ في أصناف العذاب يغمِّض عينيه حتى لا ينظر إلى ما نزل به من النِّقم، فيفتحها الزَّبانية بكلاليب من نارٍ، وإذا هو بشَّار بن بردٍ قد أعطي عينين بعد الكمه، لينظر إلى ما نزل به من النَّكال.
فيقول له، أعلى الله درجته: يا أبا معاذٍ، لقد أحسنت في مقالك، وأسأت في معتقدك، ولقد كنت في الدّ؟ ار العاجلة أذكر بعض قولك فأترحِّم عليك، ظنَّا نَّ التَوبة ستلحقك، مثل قولك:
ارجع إلى سكنٍ تعيش به ... ذهب الزَّمان وأنت منفرد
ترجو غداً، وغدٌ كحاملةٍ ... في الحيِّ لا يدرون ما تلد؟!
стр. 81
وقولك:
واهاً لأسماء ابنة الأشدِّ ... قامت تراءى إذ رأتني وحدي
كالشَّمس بين الزَّبرج المنقدِّ ... ضنَّت بخدٍّ، وجلت عن خدِّ
ثمَّ انثنت كالنَّفس المرتدّ؛ ... وصاحب كالدُّمَّل الممدِّ
أرقب منه مثل حمَّى الورد، ... حملته في رقعةٍ من جلدي
الحرُّ يلحى، والعصا للعبد، ... وليس للملحف مثل الرَّدِّ
الآن وقع منك اليأس! وقلت في هذه القصيدة: السُّبد، في بعض قوافيها، فإن كنت أردت جمع سُبدٍ، وهو طائرٌ، فإنّ فعلاً لا يجمع على ذلك؛ وإن كنت سكنت الباء فقد أسأت، لأنَّ تسكين الفتحة غير معروفٍ، ولا حجَّة لك في قول الأخطل:
وما كلُّ مغبونٍ إذا سلف صفقةً ... براجع ما قد فاته برداد
ولا في قول الآخر:
وقالوا: ترابيُّ، فقلت: صدقتم ... أبي من ترابٍ خلقه الله آدما
لأنَّ هذه شواذٌّ، فأمَّا قول جميل:
وصاح ببينٍ من بثينة، والنَّوى ... جميعٌ بذات الرَضم صردٌ محجَّل
فإنَّ من أنشده بضمِّ الصَاد مخطىء، لأنَّه يذهب إلى أنَّه أراد الصُّرد فسكَّن الراء، وإنَّما هو صردٌ أي خالصٌ من قولهم: احبك حباً صرداً، أي خالصاً، يعني غراباً أسود ليس فيه بياضٌ، وقوله: محجَّلٌ أي مقيَّد، لأنَّ حلقة القيد تسمَّى حجلاً،
قول عديُّ بن زيد
أعاذل قد لاقيت ما بزع الفتى
وطابقت في الحجلين مشي المقيَّد
стр. 82
والغراب يوصف بالتَّقييد لقصر نساه، قال الشاعر:
ومقيّدٍ بين الدِّيار كأنَّه ... حبشيُّ داجنةٍ يخرُّ ويعتلي
فيقول بشَّارٌ: يا هذا! دعني من أباطيلك فإنِّي لمشغولٌ عنك. ويسأل عن امرىء القيس بن حجر، فيقل: ها هو ذا بحيث يسمعك. فيقول: يا أبا هند إنَّ رواة البغداديين ينشدون في قفا نبك، هذه الأبيات بزيادة الواو في أوَّلها، أعني قولك:
وكأنَّ ذرى رأس المجيمر غدوةً
وكذلك:
وكأنَّ مكاكيَّ الجواء
وكأنَ السِّباع فيه غرقى فيقول: أبعد الله أولئك! لقد أساؤوا الرواية، وإذا فعلوا ذلك فأيُّ فرقٍ يقع بين النّظم والنّثر؟ وإنما ذلك شيءٌ فعله من لا غريزة له في معرفة وزن القريض، فظنَّه المتأخِّرون أصلاً في المنظوم، وهيهات هيهات! فيقول: أخبرني عن قولك: كبكر المقاناة البياض بصفرةٍ ماذا أردت بالبكر؟ فقد اختلف المتأوِّلون في ذلك فقالوا: البيضة، وقالوا: الدُّرّة، وقالوا: الرّوضة، وقالوا الزّهرة، وقالوا: البرديّة.
وكيف تنشد: البياضِ، أم البياضَ، أم البياضُ؟ فيقول: كلُّ ذلك حسنٌ، وأختار البياض، بالكسر، فيقول: فرَّغ الله ذهنه للآداب: لو شرحت لك ما قال النحويّون في ذلك لعجبت. وبعض المعلِّمين ينشد قولك.
من السِّيل والغثاء فلكة مغزل
فيشدِّد الثاءً. فيقول: إنّ هذا لجهولٌ. وهو نقيض الذين زادو الواو في أوائل الأبيات: أولئك أرادوا النَّسق، فأفسدوا الوزن: وهذا البأس أراد أن يضحِّح الزَّنة فأفسد اللّفظ. وكذلك قولي:
فجئت وفد نضَّت لنومٍ ثيابها
منهم من يشدِّد الضاد، ومنهم من ينشد بالتخفيف، والوجهان من قولك: نضوت الثّوب. إلاّ أنك إذا شد؟؟ ّ؟ دت الضاد، أشّبه الفعل من النّضيض، يقال: هذه
стр. 83
نضيضةٌ من المطر أي قليلٌ، والتخفيف أحبُّ إليَّ، وإنما حملهم على التشديد كراهة الزَّحاف، وليس عندنا بمكروه.
فيقول: لا برح منطقياً بالحكم: فأخبرني عن كلمتك الصاديِّة والضاديّة والنُّونيّة التي أوَّلها:
لمن طللٌ أبصرته فشجاني ... كخطِّ زبورٍ في عسيب يمان
لقد جئت فيها بأشياء ينكرها السَّمع، كقولك:
فإن أمس مكروباً فيا ربَّ غارة ... شهدت على أقبِّ رخو اللَّبان
وكذلك قولك في الكلمة الصَّادية:
على نقنقٍ هيقٍ له ولعرسه
بمنقطع الوعساء بيضٌ رصيص وقولك:
فأسقي به أختي ضعيفة، إذ نأت،
وإذ بعد المزداد غير القريض في أشباه لذلك، هل كانت غرائزكم لا تحسُّ بهذه الزِّيادة؟ أم كنتم مطبوعين على إتيان مغامض الكلام وأنتم عالمون بما يقع فيه؟ كما أنَّه لا ريب أنَّ زهيراً كان يعرف مكان الزِّحاف في قوله:
يطلب شأو امرأين قدِّما حسباً ... نالا الملوك، وبذَّا هذه السُّوقا
فإنَّ الغرائز تحسُّ بهذه المواضع، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فيقول امرؤ القيس: أدركنا الأوّلين من العرب لا يحفلون بمجيء ذلك، ولا أدري ما شجن عنه، فأمَّا أنا وطبقتي فكنَّا نمرُّ في البيت حتى نأتي إلى آخره، فإذا فني أو قارب تبيَّن أمره للسامع.
فيقول، ثبَّت الله تعالى الإحسان عليه: أخبرني عن قولك:
ألا ربَّ يومٍ منهنَّ صالحٍ ... ولا سيما يومٌ بدارة جلجل
أتنشده: لك منهنَّ صالحٍ فتزاحف الكفِّ؟ أم تنشده على الرواية الأخرى؟
стр. 84
فأمَّا يومٌ، فيجوز فيه النّصب والخفض والرفع فأما النصب فعلى ما يجب للمفعول من الظُّروف، والعامل في الظَّرف هاهنا فعلٌ مضمرٌ، وأمَّا الرفع فعلى أن تجعل ما كافَّةً، وما الكافَّة عند بعض البصريِّين نكرةٌ، وإذا كان الأمر كذلك ف هو بعدها مضمرةٌ، وإذا خفض يومٌ، ف ما من الزَّيادات. ويشدَّد سيَّ ويخفَّف: فأمَّا التشديد فهو اللغة العالية، وبعض النَّاس يخفَّف، ويقال: إنَّ الفرزدق مرَّ وهو سكران على كلابٍ مجتمعةٍ. فسلَّم عليها فلمّا لم يسمع لجواب أنشأ يقول:
فما ردَّ السّلام شيوخ قومٍ ... مررت بهم على سكك البريد
ولا سيَّما الذي كانت عليه ... قطيفه أرجوانٍ في القعود
فيقول امرؤ القيس: أمَّا أنا فما قلت في الجاهليّة إلاَّ بزحافٍ: لك منهَّن صالحٍ. وأمَّا المعلِّمون في الإسلام فغيَّروه على حسب ما يريدون، ولا بأس بالوجه الذي اختاروه. والوجوه في يوم متقاربةٌ، وسيَّ تشديدها أحسن وأعرف. فيقول: أجل، إذا خففِّت صارت على حرفين أحدهما حرف علِّةٍ.
ويقول: أخبرني عن التَّسميط المنسوب إليك، أصحيحٌ هو عنك؟ وينشده الذي يرويه بعض النَّاس:
يا صحبنا عرَّجوا ... تقف بكم أسج
مهريَّةٌ دلج، ... في سيرها معج
طالت بها الرِّحل
فعرَّجوا كلُّهم ... والهمُّ يشغلهم
стр. 85
والعيس تحملهم ... ليست تعلِّلهم
وعاجت الرٌّمل
يا قوم إنَّ الهوى ... إذا أصاب الفتى
في القلب ثمَّ ارتقى ... فهدَّ بعض القوى
فقد هوى الرَّجل فيقول: لا والله ما سمعت هذا قطُّ، وإنّه لقريُّ لم أسلكه، وإنَّ الكذب لكثير، وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام، ولقد ظلمني وأساء إليَّ! أبعد كلمتي التي أوَّلها:
ألا أنعم صباحاً أيُّها الطَّلل البالي،
وهل ينعمن من كان في العصر الخالي؟
خليليَّ مرَّا بي على أمّ جندب ... لأقضي حاجات الفؤاد المعذَّب
يقال لي مثل ذلك؟ والرَّجز من أضعف الشَّعر، وهذا الوزن من أضعف الرَّجز.
فيعجب، ملأ الله فؤاده بالسُّرور، لما سمعه من امرىء القيس ويقول:: كيف ينشد:
جالت لتصرعني فقلت لها: قرى
إنَّي امرؤ صرعى عليك حرام أتقول: حرام، فتقوي؟ أم تقول: حرام، فتخرجه مخرج حذام وقطام؟ وقد كان بعض علماء الدَّولة الثانية يجعلك لا يجوز الإقواء عليك. فيقول امرؤ القيس: لا نكرة عندنا في الإقواء، أما سمعت البيت في هذه القصيدة:
فكأنَّ بدراً واصلٌ بكتفةٍ، ... وكأنَّما من عاقلٍ إرمام
فيقول: لقد صدقت يا أبا هند، لأنَّ إرماماً هاهنا، ليس واقعاً موقع الصِّفة
стр. 86
فيحمل على المجاورة، لأنَّه محمول على كأنَّما، وإضافته إلى ياء النَّفس تضعِّف الغرض. وقد ذهب بعض الناس إلى الإضافة في قول الفرزدق:
فما تدري إذا قعدت عليه ... أسعد الله أكثر أم جذام
فقالوا: أضاف كما قال جريرٌ:
تكلم قريشي والأنصار أنصاري
وكذلك قوله:
وإذا غضبت رمت ورائي مازنٌ ... أولاد جندلتي كخير الجندل
وبعضهم يروي: أولاد جندلة كخير الجندل وجندلة هذه هي أمُّ مازن بن مالك بن عمرو بن تميم وهي من نساء قريش.
وإنَّا لنروي لك بيتاً ما هو في كلَّ الرِّوايات، وأظنُّه مصنوعاً لأنَّ فيه ما لم تجر عادتك بمثله، وهو قولك:
وعمرو بن درماء الهمام إذا غدا ... بصارمه، يمشي كمشية قسورا
فيقول: أبعد الله الآخر، لقد اخترص، فما اترَّص! وإنَّ نسبة مثل هذا إليَّ لأعدُّه إحدى الوصمات، فإن كان من فعله جاهليّاً، فهو من الذين وجدوا في النَّار صليّاً، وإن كان من أهل الإسلام، فقد خبط في ظلام.
وإنَّما أنكر حذف الهاء من قسورة، لأنَّه ليس بموضع الحذف، وقلَّ ما يصاب في أشعار العرب مثل ذلك. فأمَّا قول القائل:
إنَّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه، فإنّ النَّاس قد علموا
فليس من هذا النَّحو، إذ كان التّغيير إلى الأسماء الموضوعة أسرع منه إلى الأسماء التي هي نكراتٌ، إذ كانت النَّكرة أصلاً في الباب.
عنترة العبسيُّ
وينظر فإذا عنترة العبسيُّ متلدَّدٌ في السَّعير، فيقول: ما لك يا أخا عبسٍ؟ كأنَّك لم
стр. 87
تنطق بقولك:
ولقد شربت من المدامة بعدما
ركد الهواجر، بالمشوف المعلم
بزجاجةٍصفراء ذات أسرَّةٍ
قرنت بأزهر في الشَّمال مفدَّم وإنِّي إذا ذكرت قولك: هل غادر الشُّعراء من متردَّم لأقول: إنَّما قيل ذلك وديوان الشِّعر قليلٌ محفوظٌ، فأمَّا الآن وقد كثرت على الصائد ضباب، وعرفت مكان الجهل الرِّباب. ولو سمعت ما قيل بعد مبعث النّبي، ﷺ ، لعتبت نفسك على ما قلت، وعلمت أنّ الأمر كما قال حبيب بن أوسٍ:
فلو كان يفنى الشِّعر أفناه ما قرت
حياضك منه في العصور الذّواهب
ولكنَّه صوب العقول إذا انجلت
سحائب منه، أعقبت بسحائب فيقول: وما حبيبكم هذا؟ فيقول: شاعرٌ ظهر في الإسلام. وينشده شيئاً من نظمه: فيقول: أمّاالأصل فعربيٌّ، وأمّا الفرع فنطق به غبيٌّ، وليس هذا المذهب علىما تعرف قبائل العرب. فيقول، وهو ضاحكٌ مستبشرٌ: إنَّما ينكر عليه المستعار، وقد جاءت العارية في أشعار كثيرٍ من المتقدِّمين، إلا إنها لاتجتمع كاجتماعها فيما نظمه حبيب بن أوسٍ.
فما أردت بالمشوف المعلم؟ الدِّينار أم الرِّداء؟ فيقول: أيُّ الوجهين أردت، فهو حسنٌ ولا ينتقض.
فيقول، جعل الله سمعه مستودعاً كل الصالحات: لقد شقَّ عليَّ دخول مثلك إلى الجحيم، وكأنَّ أذني مصغيةٌ إلى قينات الفسطاط وهي تغرِّد بقولك:
أمن سميَّة دمع العين تذريف؟ ... لو أنَّ ذا منك قبل اليوم معروف
تجلِّلتني إذ أهوى العصا قبلي، ... كأنَّها رشأٌ في البيت مطروف
العبد عبدكم، والمال مالكم ... فهل عذابك عنِّي اليوم مصروف
стр. 88
وإنِّي لأتمثِّل بقولك:
ولقد نزلت، فلا تظنِّي غيره، ... منِّي بمنزلة المحبِّ المكرّم
ولقد وفِّقت في قولك: المحبِّ، لأنَّك جئت باللَّفظ على ما يجب في أحببت، وعامّة الشُّعراء يقولون: أحببت، فإذا صاروا إلى المفعول قالوا: محبوبٌ. قال زهير بن مسعودٍ الضَّبِّيُّ:
واضحة الغرَّة محبوبةٌ ... والفرس الصّالح محبوب
وقال بعض العلماء: لم يسمع بمحبٍّ إلا في بيت عنترة.
وإنَّ الذي قال: أحببت، ليجب عليه أن يقول: محبُّ، إلا أنَّ العرب اختارت: أحبَّ في الفعل، وقالت في المفعول: محبوب. وكان سيبويه ينشد هذا البيت بكسر الهمزة:
إحبُّ لحبِّها السودان حتى ... إحبُّ لحبِّها سود الكلاب
فهذا على رأي من قال: مغيرة، فكسر الميم على معنى الإتباع، وليس هو عنده على: حببت أحبُّ.
وقد جاء حببت، قال الشاعر:
ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيدٍ ومرشق
ويقال: إنَّ أبا رجاءٍ العطارديَّ قرأ: فاتَّبعوني يحببكم الله بفتح الياء.
والباب فيما كان مضاعفاً متعدِّياً أن يجيء بالضّمِّ، كقولك: عددت أعدُّ، ورددت أردُّ، وقد جاءت أشياء نوادر كقولهم: شددت الحبل أشد؟ وأشدُّ، ونممت الحديث أنمّ وأنمُّ، وعللت القول أعلُّ وأعلُّ.
وإذا كان غير متعدٍّ فالباب الكسر، كقولهم: حلَّ عليه الدَّين يحلُّ، وجلَّ الأمر يجلُّ.
والضمُّ في غير المتعديّ أكثر من الكسر فيما كان متعدّياً، كقولهم: شَحَّ يَشُحُّ وَيشِحُّ، وشبّ الفرس يَشُبُّ ويَشِبُّ، وصحّ الأمر يَصِحُّ ويَصُحُّ، وفحتِ الحيَّة تَفِحُّ وتفُحُّ، وجّمُّ الماء يَجِمُّ ويَجُمُّ، وجدَّ في الأمر يّجِدُّ ويَجُدُّ في حروفٍ كثيرةٍ.
وينظر فإذا
стр. 89
علقمة بن عبيدة فيقول: أعزز عليَّ بمكانك! ما أغنى عنك سمطا لؤلؤك. يعني قصيدته التي على الباء: طحا بك قلبٌ في الحسان طروب والتي على الميم: هل ما علمت وما استودعت مكتوم فبالذي يقدر على تخليصك، ما أردت بقولك:
فلا تعدلي بيني وبيين مغمَّرٍ ... سقتك روايا المزن حين تصوب
وما القلب، أم ماذكرها ربعيَّة ... يخطُّ لها من ثرمداء قليب
أعنيت بالقليب هذا الذي يورد، أم القبر؟ ولكلٍ وجهٌ حسنٌ.
فيقول علقمة: إنَّك لتستضحك عابساً، وتريد أن تجني الثَّمر يابساً، فعليك شغلك أيُّها السَّليم!
فيقول: لو شفعت لأحدٍ أبياتٌ صادقةٌ ليس فيها ذكر الله، سبحانه، لشفعت لك أبياتك في وصف النَّساء، أعني قولك:
فإن تسألوني بالنسِّاء فإننِّي ... بصيرٌ بأدواء النِّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء، أو قلّ ماله، ... فليس له في ودِّهنَّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه، ... وشرخ الشِّباب عندهنَّ عجيب
ولو صادفت منك راحةً لسألتك عن قولك:
وفي كلِّ حيٍّ قد خبطَّ بنعمةٍ ... فحُقّ لشاشٍ من نداك ذنوب
أهكذ نطقت بها طاءً مشدّدةً، أم قالها كذلك عربيٌّ سواك؟ فقد يجوز أن يقول الشاعر الكلمة، فيغيِّرها عن تلك الحال الرواة.
وإنَّ في نفسي لحاجةً من قولك:
كأس عزيزٌ من الأعناب عتَّقها ... لبعض أربابها حانيَّةٌ حوم
فقد اختلف النَّاس في قولك حوم، فقيل: أراد حُمَّاً، أي سوداً، فأبدل من إحدى الميمين واواً. وقيل: أراد حوماً أي كثيراً فضمَّ الحاء للضَّرورة، وقيل: حومٌ، يحام بها على الشِّرب أي يطاف.
وكذلك قولك:
يهدي بها أكلف الخدَّين مختبرٌ ... من الجمال كثيرٌ اللّحم عيثوم
فروي: يهدي، بالدَّال غير معجمةٍ، ويهذي بذالٍ معجمةٍ.
وقيل: مختبرٌ، من
стр. 90
اختبار الحوائل من اللواقح، وقيل: هو من الخبير أي الزُّبد، وقيل: الخبير اللحم، وقيل: هو الوبر.
عمرو بن كلثوم
فليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم، فيقال: ها هوذا من تحتك، إن شئت أن تحاوره فحاوره.
فيقول: كيف أنت أيُّها المصطبح بصن الغانية، والمغتبق من الدُّنيا الفانية؟ لوددت أنَّك لم تساند في قولك:
كأنَّ متونهنَّ متون غدرٍ ... تصفِّقها الرَّياح إذا جرينا
فيقول عمروٌ: إنك لقرير العين لا تشعر بما نحن فيه، فأشغل نفسك بتمجيد الله واترك ما ذهب فإنّه لا يعود. وأمّا ذكرك سنادي، فإنَّ الإخوة ليكونون ثلاثةً أو أربعةً، ويكون فيهم الأعرج أو الأبخق فلا يعابون بذلك، فكيف إذا بلغوا المائة في العدد، ورهاقها في المدد؟ فيقول: أعزز عليَّ بأنَّك قصرت على شرب حميم، وأخذت بعملك الذّميم، من بعد ماكانت تسبأ لك القهوة من خُصٍ أو غير خصّ، تقابلك بلون الحصّ.
وقالوا في قولك سخيناً قولين: أحدهما أنّه فعلنا من السّخاء والنون نون المتكلمين، والآخر أنّه من الماء السّخين لأنَّ لأندرين وقاصرين كانتا في ذلك الزمن للرُّوم، ومن شأنهم أن يشربوا الخمر بالماء السَّخين في صيفٍ وشتاءٍ.
ولقد سئل بعض الأدباء بمدينة السِّلام عن قولك:
فما وجدت كوجدي أمُّ سقبٍ ... أضلَّته فرجعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلاّ جنينا
هل يجوز نصب شمطاء. فلم يجب بشيء، وذلك يجوز عندي من وجهين: أحدهما على إضمار فعلٍ دلَّ عليه السامع معرفته به، كأنَّك قلت: ولا أذكر
стр. 91
شمطاء، اي إنَّ حنينها شديدٌ، ويجوز أن يكون على قولك: ولا تنسَ شمطاء، أو نحو ذلك من الأفعال، وهذا كقولك: إنَّ كعب بن مامة جوادٌ ولا حاتماً، أي ولا أذكر حاتماً، أي إنَّه جوادٌ عظيم الجود، قد استغنيت عن ذكره باشتهاره.
والآخر، أن يكون من ولاه المطر إذا سقاه السَّقية الثانية، أي هذا الحنين اتَّفق مع حنيني، فكأنَّه قد صار له وليّاً، ويحتمل أن يكون من ولي يلي، وقلب الياء على اللغة الطائيّة.
وينظر فإذا الحارث اليشكريُ فيقول: لقد أتبعت الرُّواة في تفسير قولك:
زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العي ... ر موالٍ لنا، وأنَّا الولاء
وما أحسبك أردت إلا العير الحمار.
ولقد شنَّعت هذه الكلمة بالإقواء في ذلك البيت، ويجوز أن تكون لغتك أن تقف علىآخرالبيت ساكناً، وإذا فعلت ذلك، اشتبه المطلق بالمقيَّد، وصارت هذه القصيدة مضافةً إلى قول الراجز:
دارٌ لظميا وأين ظميا ... أهلكت أم هي بين الأحبا
وبعض الناس من ينشد قولك:
فعشن بخيرٍ لا يضر ... ك النُّوك ما أعطيت جدًّا
فيجمع بين تحريك الشِّين وحذف الياء، من: عاش يعيش، وذلك رديٌ. ومنه قول الآخر:
متى تشئي يا أمَّ عثمان تصرمي ... وأوذنك إيذان الخليط المزايل
وإنّما الكلام: متى تشائي، لأنَّ هذا السّاكن إذا حُرُّك عاد الساكن المحذوف.
ولقد أحسنت في قولك:
стр. 92
لا تكسع الشُّول بأغبارها ... إنَّك لا تدري من النَّاتج
وقد كانوا ف يالجاهليَّة يعكسون ناقة الميت على قبرة، ويزعمون أنَّه إذا نهض لحشره وجدها قد بعثت له فيركبها فليته لا يهص بثقله منكبها. وهيهات! بل حشروا عراةً حفاةً بهماً أي غرلاً وتلك البليَّة ذكرت في قولك:
أتلهَّى بها الهواجر إذ ك ... لُّ ابن همٍّ بليَّةٌ عمياء
طرفة بن العبد
ويعمد لسؤال طرفة بن العبد فيقول: يا ابن أخي يا طرفة خفَّف الله عنك، أتذكر قولك:
كريم يروِّي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غداً أيُّنا الصَّدي
وقولك:
أرى قبر نحّامٍ بخيلٍ بما له ... كقبر غويٍّ في البطالة مفسد
وقولك:
متى تأتني، صبحك كأساً رويَّةً
وإن كنت عنها غانياً، فاغن وازدد فكيف صبوحك الآن وغبوقك؟ إنّي لأحسبهما حميماً، لا يفتأ من شربهما ذميماً.
وهذا البيت يتنازع فيه: فينّسبه إليك قومٌ، وينسبه آخرون إلى عدىّ بن زيدٍ، وهو بكلامك أشبه، والبيت:
واصفر مضبوحٍ نظرت حويره
على النار، واستودعته كفَّ مجمد وشدَّ ما اختلف النُّحاة في قولك:
أألاأيُّهاذا الزَّاجري أحضر الوغى،
وأن أشهد اللَّذات، هل أنت مخلدي؟ وأمّا سيبويه فيكره نصب أحضر، لأنّه يعتقد أنَّ عوامل الأفعال لا تضمر. وكان الكوفيَّون ينصبون أحضر بالحرف المقدَّر، ويقوَّي ذلك: وأن أشهد
стр. 93
اللَّذات، فجئت بأن، وليس هذا بأبعد من قوله:
مشائيم ليسوا مصلحين قبيلةً، ... ولا ناعبٍ إلاّ ببينٍ غرابها
وقد حكى المازنيُّ عن عليّ بن قطربٍ أنَّه سمع أباء قطرباً، يحكي عن بعض العرب نصب أحضر.
ولقد جئت بأعجوبةٍ في قولك:
لو كان في أملاكنا ملكٌ ... يعصر فينا، كالّذي تعصر
لاجتبت صحني العراق على ... حرفٍ أمونٍ، دفُّها أزور
متَّعني يوم الرّحيل بها ... فرعٌ تنقَّاه القداح يسر
ولكنّك سلكت مسالك العرب، فجئت بقريِّ كلمة المرقِّش:
هل بالدَّيار أن تجيب صمم؟ ... لو كان حيّاً ناطقاً كلُّم
وقول الأعشى: أقصر فكلُّ طالبٍ سيملّ على أنَّ مرقِّشاً خلط في كلمته فقال:
ماذا علينا أن غزا ملكٌ ... من آل جفنة ظالمٌ مرغم
وهذا خروجٌ عمَّا ذهب إليه الخليل.
ولقد كثرت في أمرك أقاويل النَّاس: فمنهم من يزعم أنَّك في ملك النُّعمان اعتقلت، وقال قومٌ: بل الذي فعل بك ما فعل عمرو بن هندٍ.
ولو لم يكن لك أثرٌ في العاجلة إلا قصيدتك التي على الدال، لكنت قد أبقيت أثراً حسناً.
فيقول طرفة: وددت أنّي لم أنطق مصراعاً، وعدمت في الدار الزّائلة إمراعاً، ودخلت الجنَّة مع الهمج والطَّغام، ولم يعمد لمرسي بالإرغام، وكيف لي بهدءٍ وسكون، أركن إليه بعض الركون؟ " وأمّا القاسطون فكانوالجهنِّم حطباً ".
ويلفت
стр. 94
عنقه يتأمّل، فإاذ هو بأوس بن حجر، فيقول: يا أوس، إنَّ أصحابك لا يجيبون السائل فهل لي عندك من جوابٍ؟ فإنِّي أريد أن أسألك عن هذا البيت:
وفارقت وهي لم تجرب، وباع لها
من الفصافص بالنُّمِّيِّ سفسير فإنّه في قصيدتك التي أوِّلها:
هل عاجلٌ من متاع الحيِّ منظور
أم بيت دومة بعد الوصل مهجور ويروي في قصيدة النَّابغة التي أوَّلها:
ودِّع أمامة والتّوديع تعذير،
وماوداعك من قفَّت به العير وكذلك البيت الذي قبله: قد عرِّيت نصف حولٍ اشهراً حدداً يسفي على رحلها في الحيرة المور وكذلك قوله:
إنّ الرَّحيل إلى قومٍ، وإن بعدوا،
أمسوا ومن دونهم ثهلان فالنِّير وكلاكما معدودٌ في الفحول، ايِّ شيءٍ يحمل ذلك؟ فلم تزل تعجبني لاميَّتك التي ذكرت فيها الجرجة وهي الخريطة من الأدم فقلت لمّا وصفت القوس:
فجئت ببيعتي مولياً لا أزيده ... عليه بها، حتَى يؤوب المنخَّل
ثلاثة أبرادٍ جيادٍ، وجرجةٌ، ... وأدكن من أري الدَّبور معسَّل
فيقول أوسٌ: قد بلغني أنَّ نابغة بني ذبيان في الجنَّة، فأسأله عمَا بدا لك فلعلَّه يخبرك، فإنَّه أجدر بأن يعي هذه الأشياء، فأمَّا أنا فقد ذهلت: نارٌ توقد، وبنانٌ يعقد؛ إذا غلب عليَّ الظَّمأ، رفع لي شيءٌ كالنّهر، فإذا اغترقت منه لأشرب، وجدته سعيراً مضطرماً، فليتني أصبحت درماً، وهو الذي يقال
стр. 95
فيه: أودى درمٌ. وهو من بني دبِّ بن مرَّة بن ذهل بن شيبان ولقد دخل الجنَّة من هو شرَّ منِّي، ولكنَّ المغفرة أرزاقٌ، كأنَّها النَّشب في الدار العاجلة. فيقول، صار وليُّه من المتبوعين، وشانئه بالسفَّه من المسبوعين: إنّما أردت أن آخذ عنك هذه الألفاظ، فأتحف بها أهل الجنَّة فأقول: قال لي أوسٌ، وأخبرني أبو شريح.
وكان في عزمي أن أسألك عمّا حكاه سيبويه في قولك:
تواهق رجلاها يداه، ورأسه ... لها قتبٌ خلف الحقيبة رادف
فإنَّي لا أختار أن ترفع الرِّجلان واليدان، ولم تدع إلى ذلك ضرورةٌ، لأنِّك لو قلت: تواهق رجليها يداه لم يزغ الوزن؛ ولعلَّك، إن صحَّ قولك لذلك، أن تكون طلبت المشاكهة، وهذا المذهب يقوى إذا روي: يداها بالإضافة إلى المؤنَّث، فأمَّ في حال الإضافة إلى ضمير المذكَّر فر قوَّة له.
وإنّي لكارهٌ قولك: والخيل خارجةٌ من القسطال أخرجت الاسم إلى مثالٍ قليلٍ، لأنَّ فعلاً لم يجيء في غير المضاعف، وقد حكي: ناقةٌ بها خزعالٌ أي بها ظلعٌ.
ويرى رجلاً في النَّار لا يميّزه من غيره، فيقول: من أنت أيُّها الشَّقيُّ؟ فيقول: أنا أبو كبيرٍ الهذلي، عامر بن الحليس، فيقول: إنَّك لمن أعلام هذيلٍ، ولكني لم أوثر قولك:
أزهير هل عن شيبةٍ من معدل ... أم لا سبيل إلى الشَّباب الأوَّل
وقلت في الأخرى:
أزهير هل عن شيبةٍ من مصرف ... أم لا خلود لعاجزٍ متكلِّف
وقلت في الثّالثة: أزهير هل عن شيبةٍ من معكم أي من محبس فهذا يدلُّ على ضيق عطنك بالقريض، فهلاّ ابتدأت كلَّ قصيدة بفنٍّ؟ والأصمعيُّ
стр. 96
لم يرو لك إلاَّ هذه القصائد الثلاث، وقد حُكي أنّه يروي عنك الرائية التي أوَّلها: أزهير هل عن شيبةٍ من مقصر وأحسن بقولك:
ولقد وردت الماء لم يشرب به ... بين الشّتاء إلى شهور الصّيِّف
إلاّ عواسل كالمراط معيدةً ... باللَّيل مورد أيِّمٍ متغضِّف
زقبٌ يظلُّ الذِّئب يتبع ظلِّه ... فيه، فيستنُّ استنان الأخلف
فصددت عنه ظامئاً، وتركته ... يهتزُّ غلفقه، كأن لم يكشف
فيقول أبو كبيرٍ الهذليّ: كيف لي أن أقضم على جمراتٍ محرقاتٍ، لأرد عذاباً غدقاتٍ؟ وإنَّما كلام أهل سقر ويلٌ وعويلٌ، ليس لهم إلاّ ذلك حويلٌ، فاذهب لطيّتك، واحذر أن تشغل عن مطيَّتك.
فيقول، بلَّغه الله أقاصي الأمل: كيف لا أجذل وقد ضمنت لي الرَّحمة الدائمة، ضمنها من يصدق ضمانه، ويعمُّ أهل الخيفة أمانة؟ فيقول: ما فعل صخر الغيِّ؟ فيقال: هاهو حيث تراه. فيقول: يا صخر الغىِّ ما فعلت دهماؤك؟ لا أرضك لها ولا سماؤك! كانت في عهدك وشبابها رؤدٌ، يأخذك من حبابها الزَّؤد، فلذلك قلت:
إنّي بدهماء عزِّ ما أجد ... يعتادني من حبابها زؤد!
وأين حصل تليدك؟ شغلك عنه تخليدك، وحقّ لك أن تنساه، كما ذهل وحشيُّ دمي نساه.
وإذا هو برجلٍ يتضوّر، فيقول: من هذا؟ فيقال: الأخطل التَّغلبيّ، فيقول له: ما زالت صفتك للخمر، حتى غادرتك أكلاً للجمر، كم طربت السَّادات على قولك:
أناخوا فجرّوا شاصياتٍ كأنَّها ... رجالٌ من السُّودان لم يتسربلوا
стр. 97
فقلت: اصبحوني، لا أبا لأبيكم ... وما وضعوا الأثقال إلاّ ليفعلوا
فصبوا عقاراً في الإناء كأنَّها، ... إذا لمحوها، جذوةٌ تتأكّل
وجاؤوا ببيسانيَّةٍ هي، بعدما ... يعلُّ بها السّاقي، ألذُّ وأسهل
تمرُ بها الأيدي سنيحاً وبارحاً، ... وتوضع باللَّهم حيَّ، وتحمل
فتوقف أحياناً، فيفصل بيننا ... غناء مغنٍّ، أو شواءٌ مرعبل
فلذَّت لمرتاحٍ، وطابت لشاربٍ ... وراجعني منها مراحٌ وأخيل
فما لبَّثتنا نشوةٌ لحقت بنا ... توابعها ممّا نُعلّ وننّهل
تدبُّ دبيباً في العظام كأنَّه ... دبيب نمالٍ في نقاً يتهيّل
ربت وربا في كرمها ابن مدينةٍ ... مكبٌّ على مسحاته يتركَّل
إذا خاف من نجمٍ عليها ظماءةً ... أدَّب إليها جدولاً يتسلسل
فقلت: اقتلوها عنكم بمزاجها، ... وحبَّ بها مقتولةً حين تقتل
فقال التَّغلبيّ: إنّي جررت الذّارع، ولقيت الدَّارع، وهجرت الآبدة، ورجوت أن تدعى النَّفس العابدة، ولكن أبت الأقضية.
فيقول، أحلَّ الله الهلكة بمبغضيه: أخطأت في أمرين، جاء الإسلام فعجزت أن تدخل فيه، ولزمت أخلاق سفيه؛ وعاشرت يزيد بن معاوية، وأطعت نفسك الغاوية؛ وآثرت ما فني على باقٍ، فكيف لك بالإباق؟ فيزفر الأخطل زفرةً تعجب لها الزَّبانية، ويقول: آه على أيّام يزيد أسوف عنده عنبرا، ولا أعدم لديه سيسنبرا؛ وأمزح معه مزح خليل، فيحتملني احتمال الجليل؛ وكم ألبسني من موشيّ، أسحبه في البكرة أو العشيّ، وكأنِّي بالقيان الصّدحة بين يديه تغنِّيه بقوله:
стр. 98
ولها بالماطرون إذا ... أنفذ النّمل الذي جمعا
خلفةٌ حتى إذا ظهرت ... سكنتت من جلِّقٍ بيعا
في قبابٍ حول دسكرةٍ ... حولها الزّيتون قد ينعا
وقفت للبدر ترقبه، ... فإذا بالبدر قد طلعا
ولقد فاكهته في بعض الأيَّام وأنا سكران ملتخٌّ فقلت:
اسلم سلمت أبا خالدٍ ... وحيَّاك ربُّك بالعنقز
اكلت الدَّجاج فأفنيتها، ... فهل في الخنانيص من مغمز
فما زادني عن ابتسام، واهنزَّ للصِّلة كاهتزاز الحسام فيقول، أدام الله تمكينه: من ثمَّ أتيت! أما علمت أنّ ذلك الرجل عاندٌ، وفي جبال المعصية ساندٌ؟ فعلام اطَّلعت من مذهبه: أكان موحِّداً، أم وجدته في النُّسك ملحداً؟ فيقول الأخطل: كانت تعجبه هذه الأبيات:
أخالد هاتي خبِّريني وأعلني ... حديثك، إنَّي لا أسرُّ التنّاجيا
حديث أبي سفيان لمّا سما بها ... إلى أحدٍ حتى أقام البواكيا
وكيف بغى أمراً عليَّ ففاته ... وأورثه الجدُّ السَّعيد معاويا
وقومي فعلَّيني على ذاك قهوةً ... تحلَّبها العيسيُّ كرماً شآميا
إذا ما نظرنا في أمورٍ قديمةٍ ... وجدنا حلالاً شربها المتواليا
فلا خلف بين النَّاس أنَّ محمّداً ... تبوّأ رمساً في المدينة ثاويا
فيقول، جعل الله أوقاته كلَّها سعيدةً: عليك البهلة! قد ذهلت الشّعراء من أهل الجنّة والنَّار عن المدح والنَّسيب، وما شُدهت عن كفرك ولا إساءتك. وإبليس يسمع ذلك الخطاب كلُّه فيقول للزَّبيانية: ما رأيت أعجز
стр. 99
منكم إخوان مالكٍ! فيقولون: كيف زعمت ذلك يا أبا مرّة؟ فيقول: ألا تسمعون هذا المتكلِّم بما لا يعنيه؟ قد شغلكم وشغل غيركم عمّا هو فيه! فلو أنَّ فيكم صاحب نحيزةٍ قويَّةٍ، لوثب وثبةً حتى يلحق به فيجذبه إلى سقر. فيقولون: لم تصنع شيئاً يا أبا زوبعة! ليس لنا على أهل الجنَّة سبيلٌ.
فإذا سمع، أسمعه الله محاَّبه، ما يقول إبليس، أخذ في شتمه ولعنه وإظهار الشَّماتة به. فيقول، عليه اللَّعنة: ألم تنهوا عن الشَّمات يا بني آدم؟ ولكنَّكم، بحمد الله، ما زجرتم عن شيءٍ إلاّ وركبتموه. فيقول، واصل الله الإحسان إليه: أنت بدأت آدم بالشَّماتة، والبادىء أظلم: ثمَّ يعود إلى كلام الأخطل فيقول: أأنت القائل هذه الأبيات:
ولست بصائمٍ رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائمٍ كالعير أدعو ... قبيل الصُّبح: حيَّ على الفلاح!
ولكنَّي سأشربها شمولاً ... زأسجد عند منبلج الصِّباح!
فيقول: أجلٌ، وإنَّي لنادمٌ سادمٌ، وهل أغنت النَّدامة عن أخي كسعٍ؟ ويملُّ من خطاب أهل النَّار، فينصرف إلى قصره المشيد، فإذا صار على ميلٍ أو ميلين، ذكر أنَّه ما سأل عن مهلهل التَّغلبيَّ ولا عن المرقِّشين وأنَّه أغفل الشَّنفرى وتأبَّط شرّاً، فيرجع على أدراجه، فيقف بذلك الموقف ينادي: أين عديُّ ابن ربيعة؟ فيقال: زد في البيان. فيقول: الذي يستشهد النُّحويُّون بقوله:
ضربت صدرها إليَّ وقالت: ... يا عديّاً لقد وقتك الأواقي
وقد استشهدوا له بأشياء كقوله:
ولقد خبطن بيوت يشكر خبطةً، ... أخوالنا، وهم بنو الأعمام
стр. 100
وقوله:
الندامى
ما أرجِّي بالعيش بعد ندامى ... كلُّهم قد سقوا بكأس حلاق
فيقال: إنّك لتعرِّف صاحبك بأمرٍ لا معرفة عندنا به، ما النّحويّون؟ وما الاستشهاد؟ وما هذا الهذيان؟ نحن خزنة النَّار، فبيِّن غرضك تُجب إليه.
فيقول: أريد المعروف بمهلهلٍ التَّغلبيِّ، أخي كُليب وائلٍ الذي كان يضرب به المثل.
فيقال: ها هو ذا يسمع حوارك، فقل ماتشاء.
فيقول: يا عديَّ بن ربيعة، أعزز عليَّ بولوجك هذا المؤلج! لو لم آسف عليك إلا لأجل قصيدتك التي أوَّلها:
أليلتنا بذي حسمٍ أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
لكانت جديرةً أن تطيل الأسف عليك، وقد كنت إذا أنشدت أبياتك في ابنتك المزوَّجة في جنب تغرورق من الحزن عيناي، فأخبرني لِمَ سُمَّيت مهلهلاً؟ فقد قيل: إنّك سُمَّيت بذلك لأنَّك أوَّل من هلهل الشِّعر أيّ رقَّقه.
فيقول: إنَّ الكذب لكثيرٌ، وإنَّما كان لي أخٌ يقال له امرؤ القيس فأغار علينا زهيربن جنابٍ الكلبيُّ، فتبعه أخي في زرافةٍ من قومه، فقال في ذلك:
لما توقَّل في الكراع هجينهم ... هلهلت أثار مالكاً أو صنبلا
وكأنَّه بازٌ علته كبرةٌ ... يهدي بشكَّته الرَّعيل الأوَّلا
هلهلت: أي قاربت، ويقال: توقَّفت، يعني بالهجين زهير بن جنابٍ. فسمَّي مهلهلاً فلمَّاهلك شبَّهت به فقيل لي: مهلهل. فيقول: الآن شفيت صدري بحقيقة اليقين.
فأخبرني عن هذا البيت الذي يروى لك:
أرعدوا ساعة الهياج وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا
стр. 101
فإنَّ الأصمعيَّ كان ينكره ويقول: إنّه مولَّدٌ، وكان أبو زيدٍ يستشهد به ويثبته.
فيقول: طال الأبد على لبدٍ! لقد نسيت ما قلت في الدار الفانية، فما الذي أنكر منه؟ فيقول: زعم الأصمعيُّ أنَّه لا يقال أرعد وأبرق في الوعيد ولا في السّحاب.
فيقول: إنَّ ذلك لخطأٌ من القول، وإنَّ هذا البيت لم يقله إلاّ رجلٌ من جذم الفصاحة، إما أنا وإمَّا سواي، فخذ به وأعرض عن قول السُّفهاء.
ويسأل عن المرقِّش الأكبر، فإذا هو به في أطباق العذاب، فيقول: خفَّف الله عنك أيُّها الشَّاب المغتصب، فلم أزل في الدار العاجلة حزيناً لما أصابك به الرّجل الغفُليُّ، أحد بني غفيلة ابن قاسطٍ، فعليه بهلة الله! وإنّ قوماً من أهل الإسلام كانوا يستزرون بقصيدتك الميميَّة التي أوّلها:
هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو كان حيّاً ناطقاً كلَّم
وإنّها عندي لمن المفردات، وكان يعض الأدباء يرى أنَّها والميميَّة التي قالها المرقَّش الأصغر ناقصتان عن القصائد المُفضَّليَّات، ولقد وهم صاحب هذه المقالة.
وبعض النّاس يروي هذا الشّعر لك:
تخيّرت من نعمان عود أراكةٍ،
لهندٍ، ولكن من يبلغه هندا؟
خليلي َّجوراً بارك الله فيكما،
وإن لم تكن هندٌ لأرضكما قصدا
وقولا لها: ليس الضّلال أجارنا
ولكننَّا جُرنا لنلقاكم عمدا ولم أجدها في ديوانك، فهل ما حُكي صحيحٌ عنك؟ فيقول: لقد قلت أشياء كثيرةً، منها ما نُقل إليكم ومنها ما لم يُنقل، وقد يجوز أن أكون قلت هذه الأبيات ولكني سرفتها لطول الأبد، ولعلَّك تنكر أنّها في هندٍ، وأنَّ صاحبتي أسماء، فلا تنفر من ذلك، فقد ينتقل المُشبِّب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عُمره مُستهتراً بشخصٍ من النّاس، ثمّ ينصرف إلى شخصٍ
стр. 102
آخر، ألا تسمع إلى قولي:
سفهٌ تذكُّره خويلة بعدما ... حالت ذُرا نجران دون لقائها
وينعطف إلى المُرقِّش الأصغر فيسأله عن شأنه مع بنت المنذر وبنت عجلان فيجده غير خبيرٍ، قد نسي لترادف الأحقاب فيقول: ألا تذكر ما صنع بك جنابٌ الذي تقول فيه:
فآلى جنابٌ حلفةً فأطعته، ... فنفسك ولِّ اللَّوم إن كنت لائما
فيقول: وما صنع جناب؟ لقد لقيت الأقورين، وسقيت الأمرَّين، وكيف لي بعذاب الدَّار العاجلة!.
فإذا لم يجد عنده طائلاً تركه، وسأل عن الشَّنفرى الأزديِّ فألفاه قليل التِّشكِّي والتَّألّم لما هو فيه، فيقول: إنَّي لا أراك قلقاً مثل قلق أصحابك. فيقول: أجل، إنَّي قلت بيتاً في الدّار الخادعة فأنا أتأدَّب به حيريَّ الدهر، وذلك قولي:
غوى فغوت، ثم ارعوى بعد وارعوت
وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل وإذا هو قرينٌ مع تأبَّط شرّاً، كما كان في الدَّار الغرَّارة.
فيقول، أسنى الله حظَّه من المغفرة، لتأبّط شرّاً: أحقُّ ما روي عنك من نكاح الغيلان؟ فيقول: لقد كنَّا في الجاهليَّة نتقوَّل ونتخرَّض، فما جاءك عنَّا ممّا ينكره المعقول فإنّه من الأكاذيب، والزَّمن كلَّه على سجيَّةٍ واحدةٍ، فالذي شاهده معدُّ بن عدنان كالذي شاهد نضاضة ولد آدم. والنُّضاضة آخر ولد الرَّجل.
فيقول، أجزل الله عطاءه من الغفران: نّقلت إلينا أبياتٌ تنُسب إليك:
أنا الذي نكح الغيلان في بلدٍ ... ما طلَّ فيه سماكيُّ ولا جاد
في حيث لا يعمت الغادي عمايته ... ولا الظَّليم به يبغي تهبّادا
стр. 103
وقد لهوت بمصقولٍ عوارضها ... بكرٍ تُنازعني كأساً وعنقادا
ثمّ انقضى عصرها عنِّي وأعقبه ... عصر المشيب، فقل في صالح: بادا
فاستدللت على أنّها لك لمَّا قلت: تهبّادا، مصدر تهبَّد الظليم إذا أكل الهبيد، فقلت: هذا مثل قوله في القافيَّة:
طيف ابنة الحرِّ إذ كُنَّا نواصلها
ثمّ اجتننت بها بعد التِّفرّاق مصدر تفرَّقوا تفرّاقاً، وهذا مطَّردٌ في تفعَّل، وإن كان قليلاً في الشعر، كما قال أبو زبيدٍ:
فثار الزَّاجرون فزاد منهم ... تقرّاباً، وصادفه ضبيس
فلا يجيبه تأبَّط شراً بطائلٍ.
فإذا رأى قلة الفوائد لديهم، تركهم في الشَّقاء السّرمد، وعمد لمحلِّه في الجنان، فيلقى آدم، ﵇، في الطّريق فيقول: يا أبانا، صلَّى الله عليك، قد روي لنا عنك شعرٌ: منه قولك:
نحن بنو الأرض وسكَّانها ... منها خُلقنا، وإليها نعود
والسَّعد لا يبقى لأصحابه ... والنَّحس تَّمحوه ليالي السُّعود
فيقول: إنَّ هذا القول حقُّ، وما نطقه إلاّ بعض الحكماء، ولكنِّي لم أسمع به حتى السّاعة.
فيقول: وفرّ الله قسمه في الثَّواب: فلعلَّك يا أبانا قُلته ثمَّ نسيت، فقد علمت أنَّ النِّسيان متسرّعٌ إليك، وحسبك شهيداً على ذلك الآية المتلوَّة في فرقان محمَّدٍ، ﷺ : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً " وقد زعم بعض العلماء أنّك إنّما سمِّيت إنساناً لنسيانك، واحتجَّ على ذلك بقولهم في التَّصغير: أنيسيان، وفي الجمع: أناسيّ، وقد روي أنَّ الإنسان من النَّسيان عن ابن عبَّاس، وقال الطائيّ:
стр. 104
لا تنسين تلك العهود وإنَّما ... سُميِّيت إنساناً لأنّك ناس
وقرأ بعضهم: " ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس بكس السَّين، يريد النّاسي، فحذف الياء، كما حذفت في قوله: سواء العاكف فيه والباد. فأمّا البصريُّون فيعتقدون أنَّ الإنسان من الأنس، وأنَّ قولهم في التَّصغير: أنيسيان، شاذ، وقولهم في الجمع: أناسيُّ، أصله أناسين، فأبدلت الياء من النون. والقول الأوَّل أحسن.
آدم كان ينطق العربية في الجنة
فيقول آدم، صلَّى الله عليه: أبيتم إلاَّ عقوقاً وأذيَّةً، إنّما كنت أتكلَّم بالعربيَّة وأنا في الجنَّة، فلمّا هبطت إلى الأرض نُقل لساني إلى السُّريانيَّة، فلم أئطق بغيرها إلى أن هلكت، فلمَّا ردَّني الله، ، عادت عليَّ العربيَّة، فأيُّ حينٍ نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة، ألا ترى قوله: منها خُلقنا وإليها نعود فكيف أقول هذا المقال ولساني سُريانيُّ؟ وأمَّا الجنّة قبل أن أخرج منها فلم أكن أدري بالموت فيها، وأنّه ممّا حُكم على العباد، صُيِّر كأطواق حمام، وما رعى لأحدٍ من ذمامٍ، وأمّا بعد رجوعي إليها، فلا معنى لقولي: وإليها نعود، لأنَّه كذبٌ لا محالة، ونحن معاشر أهل الجنَّة خالدن مخلَّدون.
فيقول، قُضي له بالسَّعد المؤرَّب: إن بعض أهل السَّير يزعم أنَّ هذا الشّعر وجده يعرب في متقدم الصُّحف بالسُّريانيَّة، فنقله إلى لسانه، وهذا لا يمتنع أن يكون.
وكذلك يروون لك، صلَّى الله عليك، لمّا قتل قابيل هابيل:
تغيَّرت البلاد ومن عنيها ... فوجه الأرض مغبرُّ قبيح
وأودى ربع أهلها، فبانوا ... وغودر في الثَّرى الوجه المليح
وبعضهم ينشد: وزال بشاشة الوجه المليح على الأقواء. وفي حكايةٍ، معناها
стр. 105
على ما أذكر أنَّ رجلاً من بعض ولدك يعرف بإبن دريد أنشد هذا الشعر، وكانت روايته: وزال بشاشة الوجه المليح فقال: أوَّل ما قال: أقوى.
وكان في المجلس أو سعيد السِّيرافيُّ فقال: يجوز أن يكون قال: وزال بشاشة الوجه المليح بنصب بشاشة على التَّمييز، وبحذف التَّنوين لإلتقاء السّاكنين، كما قال:
عمرو الذي هشم الثَّريد لقومه
ورجال مكَّة مسنتون عجاف قلت أنا: هذا الوجه الذي قاله أبو سعيدٍ شرٌّ من إقواء عشر مراتٍ في القصيدة الواحدة.
فيقول آدم، صلّى الله عليه: أعزز عليَّ بكم معشر أبينيَّ! إنّكم في الضَّلالة متهوِّكون! آليت ما نطقت هذا النّظيم، ولا نطق في عصري، وإنَّما نظمه بعض الفارغين، فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله! كذبتم علىخالقكم وربَّكم، ثمَّ على آدم أبيكم، ثمَّ على حوُّاء أمِّكم، وكذب بعضكم على بعض، ومآلكم في ذلك الأرض.
ذات الصفا
ثمّ يضرب سائراً في الفردوس فإذا هو بروضة مؤنقةٍ، وإذا هو بحيَّاتٍ يلعبن ويتماقلن، يتخاففن ويتثاقلن، فيقول: لا إله إلاّ الله! وما تصنع حيّةٌ في الجنّة؟ فينطقها الله، جلَّت عظمته، بعدما ألهمها المعرفة بهاجس الخلد فتقول، أما سمعت في عمرك بذات الصَّفاء، الوافية لصاحبٍ ما وفى؟ كانت تنزل بواد خصيب، ما زمنها في العيشة بقصيب، وكانت تصنع إليه الجميل في ورد الظاهرة والغب، وليس من كفر للمؤمن بسبٍّ فلمّا ثمَّر بودِّها ماله، وأمل أن يجتذب آماله، ذكر عندها ثاره، وأراد أن يفتقر آثاره، وأكبّ على فآسٍ معملةٍ، يحدُّ غرابها للآملة، ووقف للسّاعية على صخرةٍ، وهمَّ أن ينتقم منها
стр. 106
بأخرةٍ، وكان أخوه ممَّن قتلته، جاهرته في الحادثة أو قيل ختلته، فضربها ضربةً، وأهون بالمقر شربةً، إذا الرَّجل أحسَّ التَّلف، وفقد من الأنيس الخلف! فلمَّا وقيت ضربة فأسه، والحقد يمسك بأنفاسه، ندم على ما صنع أشدَّ النّدم، ومن له في الجدة بالعدم؟ فقال للحيّة مخادعاً، ولم يكن بما كتم صادعاً: هل لك أن نكون خلَّين، ونحفظ العهد إليَّن؟ ودعاها بالسفه إلى حلف، وقد سُقي من الغدر بخلف. فقالت: لا أفعل وإن طال الدَّهر، وكم قصم بالغير ظهرٌ! إنِّي أجدك فاجراً مسحوراً، لم تأل في خُلَّتك حوراً؛ تأبى لي صكَّةٌ فوق الرأس، مارستها أبأس مراسٍ، ويمنعك من أربك قبرٌ محفور، والأعمال الصّالحة لها وفور.
وقد وصف ذلك نابغة بني ذبيان فقال:
وإنِّي لألقى من ذوي الضِّغن منهم،
وما أصبحت تشكو من البثّ ساهره
كما لقيت ذات الصَّفا من خليلها،
وكانت تديه المال غباً وظاهره
فلمّا رأى أن ثمر الله ماله،
فأصبح مسروراً، وسدَّ مفاقره
أكبَّ على فأسٍ يحدُّ غرابها
مذكَّرةٍ، من المعاول، باترة
وقام على جحرٍ لها فوق صخرةٍ،
ليقتلها، أو تخطىء الكفُّ بادره
فلمّا وقاها الله ضربة فأسه
وللبرِّ عينٌ لا تغمِّض ناظره
فقال: تعالي نجعل الله بيننا
على مالنا، أو تنجزي لي آخره
فقالت: معاذ الله أفعل إننّي
رأيتك مسحوراً يمينك فاجره
أبى لي قبرٌ لا يزال مقابلي،
وضربة فأسٍ فوق رأسي فاقره وتقول حيّةٌ أخرى: إنّي كنت أسكن في دار الحسن البصريِّ فيتلو القرآن
стр. 107
ليلاً، فتلقَّيت منه الكتاب من أوَّله إلى آخره.
فيقول، لا زال الرُّشد قريناً لمحلِّه: فكيف سمعته يقرأ: فالق الإصباح؟ فإنَّه يروى عنه بفتح الهمزة كأنّه جمع صبحٍ، وكذلك: بالعشيِّ والإبكار كأنّه جمع بكرٍ، من قولهم: لقيته بكراً، وإذا قلنا: إنَّ أنعماً وأشدّاً جمع نعمة بكرةٍ، على طرح الهاء، فيجوز أن تكون الأبكار جمع بكرةٍ، فتكون على قولنا: بكرٌ وأبكارٌ، كما يقال جندٌ وأجناد.
فتقول: لقد سمعته يقرأ هذه القراءة، وكنت عليها برهةً من الدَّهر، فلمّا توفَّي، ﵀، انتقلت إلى جدارٍ في دار أبي عمرو بن العلاء، فسمعته يقرأ، فرغبت عن حروفٍ من قراءة الحسن كهذين الحرفين، وكقوله: الأنجيل، بفتح الهمزة. فلمَّا توفِّي أبو عمرو كرهت المقام، فانتقلت إلى الكوفة، فأقمت في جوار حمزة بن حبيبٍ، فسمعته يقرأ بأشياء ينكره عليه أصحاب العربيَّة، كخفض الأرحام في قوله تعالى: " واتَّقوا الله الذّي تساءلون به والأرحام " وكسر الياء في قوله تعالى: " وما أنتم بمصرخيّ " وكذلك سكون الهمزة في قوله تعالى: " استكباراً في الأرض ومكر السّيء " وهذا إغلاقٌ لباب العربيَّة، لأنَّ الفرقان ليس بموضع ضرورةٍ، وإنّما حُكي مثل هذا في المنظوم. وقد روي أنَّ امرأ القيس قال:
فاليوم أشرب غير مستحقبٍ ... إثماً من الله، ولا واغل
وبعضهم يروي: فاليوم أسقى، وإذا روي: فاليوم أشرب، فيجوز أن يكون ثمَّ إشارةٌ إلى الضمَّ لا حكم لها في الوزن، فقد زعم سيبويه أنَّهم يفعلون ذلك في قول الراجز:
متى أنام لا يؤرِّقني الكرى، ... ليلاً ولا أسمع أصوات المطي
стр. 108
وهذا يدل على أنَّهم لم يكونوا يحفلون بطرح الإعراب، فأمّا قول الرَّاجز:
إذا اعوججن قلت: صاحب قوِّم
في الدَّوِّ، أمثال السَّفين العوَّم فإنَّه من عجيب ما جاء، وقد بله قائله عن أن يقول: صاح قوِّم، فلا يكون بالوزن إخلالٌ، ولكنَّ الذين يحتجُّون له يزعمون أنَّه أراد أن يعادل بين الجزئين، لأنَّ قوله: حب قوِّم، في وزن قوله: نل عوَّم، وهذا يشبه ما ادَّعوه في قول الهذلي:
أبيت على معاري فاخرات ... بهنَّ ملوَّب كدم العباط
يزعم النّحويُّون أنَّ قوله: معاري، بفتح الياء، حمله عليه كراهه الزِّحاف، وهذا قولٌ ينتقض، لأنَّ في هذه الطائيَّة أبياتاً كثيرةً لا تخلو من زحافٍ، وكلُّ قصيدةٍ للعرب وغيرها على هذا القريِّ.
وكذلك قوله:
عرفت بأجدثٍ فنعاف عرقٍ ... علاماتٍ كتحبير النِّماط
فيه زحافان من هذا الجنس، ثمَّ يجيء في كلِّ الأبيات إلا أن يندر شيءٌ. وقد روي عن الأصمعيِّ أنَّه لم يسمع العرب تنشد إلا: أبيت على معارٍ، بالتّنوين، وهذا لا ينقض مذهب أصحاب القياس، إذا كانوا يروون عن أهل الفصاحة خلافه.
ويهكر، أزلفه الله مع الأبرار المتَّقين، لما سمع من تلك الحيَّة، فتقول هي: ألا تقيم عندنا برهةً من الدَّهر؟ فإنِّي إذا شئت انتفضث من إهابي فصرت مثل أحسن غواني الجنَّة، لو ترشَّفت رضابي لعلمت أنّه أفضل من الدِّرياقة التي ذكرها ابن مقبلٍ في قوله:
سقتني بصهباء درياقةٍ ... متى ما تليِّن عظامي تلن
ولو تنفَّست في وجهك لأعلمتك أنَّ صاحبة عنترة تفلةٌ صدوفٌ والصَّدوف:
стр. 109
الكريهة رائحة الفم، وإنّما تعني قوله:
وكأنَّ فارة تاجرٍ بقسيمةٍ
سبقت عوارضها إليك من الفم ولو أدنيت وسادك إلى وسادي، لفضِّلتني على التي يقول فيها الأوَّل:
باتت رقوداً سار الرَّكب مدَّلجاً،
وما الأوانس في فكرٍ لسارينا
كأنَّ ريقتها مسكٌ على ضربٍ،
شيبت بأصهب من بيع الشآمينا
يا ربّ، لا تسلبني حبَّها أبداً،
ويرحم الله عبداً قال: آمينا فيذعر منها، جعل الله أمنه متَّصلاً، والطّالب شأوه من تقصير منتصلاً، ويذهب مهرولاً في الجنَّة ويقول في نفسه: كيف يركن إلى حيَّةٍ شرفها السُّمُّ، ولها بالفتكة همّ؟ فتناديه: هلُمَّ إن شئت اللَّذَّة، فإنَّي لأفضل من حيَّة ابنة مالكٍ التي ذكرها العبسيُّ في قوله:
ما ولدتني حيَّة ابنة مالكٍ ... سفاحاً، ولا قولي أحاديث كاذب
وأحمد عشاراً من حيَّة ابنة أزهر التي يقول فيها القائل:
إذا ما شربنا ماء مزنٍ بقهوةٍ ... ذكرنا عليها حيَّة ابنة أزهرا
ولو أقمت عندنا إلى أن تخبر ودَّنا وإنصافنا، لندمت إن كنت في الدَّار العاجلة قتلت حّيةً أو عثماناً.
فيقول وهو يسمع خطابها الرَّائق: لقد ضيّق الله عليَّ مراشف الحور الحسان، إن رضيت بترشُّف هذه الحيَّة.
فإذا ضرب في غيطان الجنَّة، لقيته الجارية التي خرجت من تلك الثَّمرة فتقول: إنِّي لأنتظرك منذ حينٍ فما الذي شجنك عن المزار؟ ما طالت الإقامة معك، فأملَّ بالمحاورة مسمعك، قد كان يحقُّ لي أن أوثر لديك على حسب ما تنفرد به العروس، يخصُّها الرّجل بشيءٍ دون الأزواج.
فيقول:
стр. 110
كانت في نفسي مآرب من مخاطبة أهل النّار، فلمّا قضيت من ذلك وطراً عدت إليك، فاتبعيني بين كثب العنبر وأنقاء المسك.
فيتخلّل بها أهاضيب الفردوس ورمال الجنان؛ فتقول: أيّها العبد المرحوم، أظنُّك تحتذي بي فعال الكنديّ في قوله:
فقمت بها أمشي، تجرُّ وراءنا
على إثرنا أذيال مرطٍ مرحَّل
فلمّا أجزنا ساحة الحيّ، وانتحى
بنا بطن خبثٍ ذي قفافٍ عقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت
عليَّ هضيم الكشح ريَّا المخلخل فيقول: العجب لقدرة الله! لقد أصبت ما خطر في السُّويداء، فمن أين لك علمٌ بالكنديّ وإنَّما نشأت في ثمرةٍ تبعدك من جنٍّ وأنيس؟ فيقول: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ويعرض له حديث امرىء القيس في داره جلجلٍ، فينشىء الله، جلّت عظمته، حوراً عيناً يتماقلن في نهرٍ من أنهار الجنَّة، وفيهنَّ من تفضلهنّ كصاحبة امرىء القيس، فيترامين بالثَّرمد، وإنّما هو كأجلِّ طيب الجنَّة، ويعقر لهنَّ الرَّاحلة، فيأكل ويأكلن من بضيعها ما ليس تقع الصِّفة عليه من إمتاعٍ ولذاذةٍ.
ويمرُّ بأبياتٍ ليس لها سموق أبيات الجنّة، فيسأل عنها فيقال: هذه جنِّة الرُّجز، يكون فيها: أغلب بني عجلٍ والعجَّاج ورؤبة وأبو النّجم وحميدٌ الأرقط وعذافر بن أوسٍ وأبو نخيلة وكلُّ من غفر له من الرُّجاز، فيقول: تبارك العزيز الوَّهاب! لقد صدق الحديث المرويُّ إنَّ الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها؛ وإنَّ الرّجز لمن سفساف القريض، قصّرتم أيّها النَّفر فقصر بكم.
ويعرض له رؤبة فيقول: يا أبا الجحّاف، ما أكلفك بقوافٍ ليست بالمعجبة تصنع رجزاً على الغين
следующие страницы →