Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله
الحمد لله الذي لا يخيب لديه أمل الآملين، ولا يضيع عنده عمل العاملين، فهو جبار السماوات والأرضين، والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين.
أما بعد: فإن الله تعالى خلق الدنيا دار زوال، ومحل قلق وانتقال، وجعل أهلها فيها غرضاً للفناء، ومقاساة الشدة والبلاء، فشاب حياتهم فيها بالموت، وبقاءهم بحسرة الفوت، وجعل أوصافهم فيها متضادة، فقرن قوتهم بالضعف، وقدرتهم بالعجز، وشبابهم بالمشيب، وعزهم بالذل، وغناهم بالفقر، وصحتهم بالسقم، واستأثر انفراد الصفات لنفسه: قوة بلا ضعف، وقدرة بلا عجز، وحياة بلا موت، وعز بلا ذل، وغنى بلا فقر. وكذلك بسائر صفاته.
ثم أقسم بها أجمع فقال تعالى: " والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر ". واختلف الناس فيها من ثلاثين وجهاً، وأشار أبو بكر محمد بن عمر الوراق، ﵀، إلى ما ذكرناه: حدثنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو، قال: حدثنا أبو عبد الله ختن أبي بكر الوراق قال: سأل أبو بكر عن قوله " والشفع والوتر " فقال: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين والوتر انفراد صفات الخالق ثم ذكر نحواً مما قلنا.
وعلى هذا المثال قرن خبرتهم بالعبرة، وفرحهم بالترح، ولذلك قالت
стр. 2
الحكماء وكفاك بصحتك سقماً، وبسلامتك داء. حدثنا أبو عبد الله بن عبد الله بن أحمد الخطيب الميداني بزوزن، قال: حدثنا أبو قريش محمد بن خلف الحافظ، قال: حدثنا محمد بن زنبور المكي قال حماد بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : كفى بالسلام داء.
سمعت الفقيه أبا حامد أحمد بن محمد بن العباس البغوي بها، قال: سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله، قال: سمعت أبا داود سليمان بن معبد الشنجي يقول أنشدنا بعض الأدباء:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... وألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... لمعيشتي فإذا السلامة داء
وأخبرنا محمد بن عيسى بن علي بمرو الروذ قال: أخبرنا يوسف بن موسى قال: حدثنا بشر بن عبد الغفار الواسطي عن يحيى بن هاشم السمسار قال: قال مسهر لعطية العوفي: كيف أصبحت؟ قال: في سلامة مشوبة بداء، وعافية داعية إلى فناء.
قال: وحدثنا أبو علي الحسين بن محمد بن هارون قال: حدثنا أبو حامد المستملي: حدثنا محمد بن الحجاج: حدثنا جميل بن يزيد، عن وهب بن راشد، عن فرقد السنجي، قال: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم أنت في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.
وقيل للحسن: إن فلاناً في النزع. فقال: ما زال في النزع منذ خرج من بطن أمه ولكنه الآن أشد: وهذا حميد بن ثور وهو من فحول الشعراء يقول في بعض قصائده:
أرى جسدي قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
стр. 3
وأنشدنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله السرخسي، قال: أنشدنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن المدغولي، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن حاتم المظفري:
يحب الفتى طول البقاء وإنه ... على ثقة أن البقاء فناء
زيادته في الجسم نقص حياته ... وليس على نقص الحياة نماء
إذا ما طوى يوماً طوى اليوم بعده ... ويطويه إن جن المساء مساء
جديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء
وكما شاب صفات أهل الدنيا بأضدادها، كذلك شاب عقلهم بالجنون فلا يخلو العاقل فيها من ضرب من الجنون. ولذلك أشار النبي ﷺ إلى من أبلى شبابه في المعصية فسماه مجنوناً، حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا أبو إسحاق حبان البلخي قال: حدثنا محمد بن مدويه الكرابيسي الترمذي، قال: حدثنا خالد بن خداش عن صالح المرسي عن جعفر بن زيد العبدي عن أنس بن مالك ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ مر به رجل فقال بعض القوم: هذا مجنون، فقال رسول الله ﷺ : هذا مصاب إنما المجنون على معصية الله تعالى.
والمجنون عند الناس من يسمع ويسب ويرمي ويخرق الثوب، أو من يخالفهم في عاداتهم فيجيء بما ينكرون، ولذلك سمت الأمم الرسل مجانين لأنهم شقوا عصاهم فنابذوهم وأتوا بخلاف ما هم فيه، قال الله جل ذكره " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر، فدعى ربه إني مغلوب فانتصر " وقال تعالى: " وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركته " يعني فرعون وقال ساحر أو مجنون.
стр. 4
سمعت علي بن عبد الله السمرقندي يقول: سمعت أبا القاسم الحكيم يقول: من عرف نفسه كان عند الناس ذليلاً ومن عرف ربه كان عند الناس مجنوناً.
ولقد قال مشركو مكة في النبي ﷺ حين تحداهم إلى الايمان بالله: إنه مجنون وساحر وشاعر وكاهن. أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن هارون، قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن نصر اللباد، قال: أنبأنا يوسف بن بلال عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ﵄، أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال حين حضر الموسم يا معشر قريش إن محمداً رجل حلو الكلام، وقد أغار أمره في البلاد وأنجد، وإني لا آمن أن يصدقه الناس، فابعثوا رهطاً من ذوي الرأي والحجى إلى أنقاب مكة على مسيرة ليلة أو ليلتين، ليلقوا الناس، فمن يسأل عن محمد فليقل بعضهم أنه ساحر، وبعضهم أنه مجنون، وبعضهم أنه كاهن، وبعضهم أنه شاعر، إن لم تروه خير من أن تروه فبعثوا ستة عشر رجلاً في أربعة من الطرق في كل طريق أربعة نفر، وأقام الوليد بن المغيرة في مكة يقول لمن يسأل أنه كاهن ومجنون، ففعلوا ذلك فتصدع الناس عن قولهم، فشق ذلك على النبي ﷺ وكان يرجو أن يلقى الناس أيام الموسم، فيعرض عليهم أمره، فمنعه هؤلاء وفرحت قريش وقالوا للنبي ﷺ : هذا دأبنا ودأبك ما عشنا، فنزل جبريل ﵇ ورسول الله ﷺ في الحجر، فمر به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل ﵇ للنبي ﷺ : كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبد الله هو. فأهوى جبريل بيده إلى كعبه، فقال: كفيت أمره، فمر الوليد بحائط فيه نبل لبني المصطلق وهم حي من خزاعة وعليه بردان يتبختر فيهما، فعلق سهم بإزاره فمنعته الخيلاء أن ينزعه منه، فنفض السهم، فأصاب أكحله فقتله، ومر به العاص بن وائل السهمي، فقال جبريل: كيف تجده؟ فقال: عبد سوء، فأهوى جبريل بيده إلى باطن قدمه، فقال: قد كفيت أمره. فركب حماراً يريد الطائف فصرعه الحمار على شوك فدخلت شوكة باطن قدمه فتقيحت فقتلته. ومر به الحارث بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن سهم، فقال جبريل: كيف تجد
стр. 5
هذا؟ قال: عبد سوء. فأهوى جبريل ﵇ بيده إلى رأسه، وقال: كفيت أمره. فتفسخ رأسه ومات. ومر به الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، فقال جبريل ﵇: كيف تجده؟ فقال ﵊: بئس العبد هو. فضرب جبريل ﵇ بجندك في وجهه، وقال: كفيت أمره. فعمي ثم مات.
وأنزل الله على رسوله ﷺ آية " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين " يعني الذين سميناهم. فلما آذى أهل مكة رسول الله ﷺ أخبر الله عنهم فقال: " ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون " وقال: " ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون " وقال: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون، وما هو إلا ذكر للعالمين " وعزاه فقال: " ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك " وقال: " كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ".
ثم ناضل ونضح عن رسول الله ﷺ ، فأجاب عنه جميع ما قيل فيه، ولم يكلفه الإجابة عن نفسه كما كلف غيره من الأنبياء ﵈. ألا ترى أن نوحاً ﵇ لما قيل له: " إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِين " قال: " يَا قَوْم لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ " وكذلك هود ﵇ لما قيل له: " إنا لنراك في
стр. 6
سَفاهة " قال: " يَا قَوْم لَيْسَ بي سَفَاهَةٌ " وقال فرعون لموسى ﵇ " إني لأظنك يا موسى مسحوراً " فكلف موسى الإجابة عن نفسه فقال: " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً " أي هالكاً.
وفي هذا مزية للرسول ﷺ على سائر الأنبياء ﵈. ألا ترى كيف أجاب جل ذكره عن جميع ما قيل فيه نحو قوله تعالى: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " " وما هو بقول شاعر "، " ولا بقول كاهن " " ما أنت بنعمة ربك بمجنون " وقوله تعالى: " ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى " حين قالوا: إنه يقول ما يقول من تلقاء نفسه " وما صاحبكم بمجنون " وقوله تعالى: " أو لم تتفكروا ما بصاحبهم من جنة " وقوله: " إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة " وقوله تعالى: " فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون " وإلى الجنون أشار قوم هود في قولهم " أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ".
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن محمد بن عمير ومحمد بن عمران بن عتبة، بدمشق، قالا: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن داود بن أبي هند عن عمرو بن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان رجل من أزدشنوءة يسمى
стр. 7
ضماداً وكان راقياً فقدم مكة فسمع أهلها تسمي رسول الله ﷺ ، مجنوناً، فأتاه فقال: إني رجل أرقي وأداوي فإن أحببت داويتك. فقال رسول الله ﷺ الحمد لله، أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد عبده ورسوله. فقال ضماد: أعد علي. فأعاده النبي ﷺ . واستعاد ثانياً. فأعاد ﵊. فقال ضماد: والله لقد سمعت قول الكهنة والسحرة والشعراء والبلغاء فما سمعت مثل هذا الكلام قط، هات يدك أبايعك، فبايعه على الاسلام، فقال: وعلى قومي. فقال ﵇: وعلى قومك. قال الراوي: فبعث رسول الله ﷺ بعد ذلك سرية فمروا على تلك البلاد، فقال لأميرهم: هل أصبتم شيئاً؟ قالوا: نعم، أداوة. قال ردوها فهؤلاء قوم ضماد.
وأخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن، قال: قرأت على أحمد بن عمر بن الصلت النسوي، قال: حدثنا علي بن حزم، قال: حدثنا أبو عبد الله الضرير، قال: حدثنا يزيد بن ذريع عن داود بن أبي هند، أخبرنا أبو أحمد محمد بن إبراهيم الصريمي المروزي، قدم علينا حاجاً، قال: حدثنا عبدان بن محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال عن عبد الله بن المبارك عن أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أنس، قال: قدم أبو العراف اليماني، وكان من أشراف اليمن، فرأى رسول الله ﷺ في حلة حمراء وهو يقول للناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وإذا خلفه شيخ يقول: إياك وإياه فإنه مجنون كذاب، فسأل أبو العراف عن ذلك الشيخ فقيل عمه أبو لهب، فأتاه فقال: ما تقول في ابن أخيك؟ قال: لم نزل نداويه من الجنون. فقال له: تباً لك، إن كلام المجانين متفاوت غير مستقيم، وما يشبه ابن أخيك المجانين بوجه من الوجوه. فقال له أبو لهب: فما هذا الذي يقول؟ قال وحي ورسالة وحق
стр. 8
وصدق أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنه عبده ورسوله. ثم أتى النبي ﷺ بعد ما أظهر دعوته واستفحل أمره في ثمانين فارساً من قومه مسلمين.
والمجنون عند أهل الحقائق من ركن إلى الدنيا وعمل لها وطاب عيشاً. بذلك نطقت الأخبار. حدثني أبي رحمة الله، قال: حدثنا محمد ابن شوار حدثنا محمد بن رافع حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: خلق ابن آدم أحمق ولولا حمقه ما هنأه العيش. وسمعت أبا زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري يقول: سمعت محمد بن المسيب الأرغياني يقول: سمعت عبد الله بن الحسن الأنطاكي يقول: سمعت يوسف بن إسباط يقول: سأل سفيان الثوري: من المجنون؟ فقال: من لم يميز غيه من رشده. سمعت أبا علي محمد بن عمر الربودي يقول: سمعت علي بن الحسين بن أبي عيسى الهلالي يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: دعاك الله إلى دار السلام، وقد آثرت في دنياك المقام، وحذرك عدوك الشيطان، وأنت مؤالفه طول الزمان، وأمرك بخلاف هواك، وأنت معانيه صباحك ومساك، فهل الحمق إلا ما أنت فيه؟.
سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن أحيد القطان البلخي يقول: سمعت أبا شهاب معمر بن محمد العوفي يقول: سمعت عبد الصمد بن الفضل يقول: سمعت خلف بن أيوب، وسأل عن الأحمق، قال: من عمل لدنياه، ووافق هواه، وآثر على ربه سواه.
وقيل لآخر: من المجنون؟ قال: من لم يبال ما نقص من دينه بعد أن سلمت له دنياه. وقيل لآخر: من المجنون؟ قال: من لم يأمن على روحه ساعة وهو يسعى في عمارة دنياه. وسئل آخر: من الأخرق؟ فقال: من خرب آخرته بدنيا غيره.
أنشدنا أبو جعفر محمد بن علي الطيان القمي بمرو الروذ قال: أنشدنا محمد بن سعيد بن سهيل الطباخي بالبصرة:
стр. 9
خلقنا لأمر وإن لم نكن ... به مؤمنين فإنا لنوكى
وإن نحن كنا به مؤمنين ... ولسنا نخاف فإنا لهلكى
وأنشدنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا بن دينار الهلالي قال: أنشدنا عبد الله بن محمد بن عائشة:
ومن كانت الدنيا هواه وحلمه ... فذلك مجنون وإن قيل عاقل
قال آخر: المجنون ممن إلتمس رضى الناس بسخط الله .
أنشدني أبو الحسن محمد بن محمد بن مسعود بنسا قال: أنشدنا نفطويه، عن الخليل بن أحمد:
إني بليت بمعشر ... نوكي أخفهم ثقيل
نفر إذا جالستهم ... نقصت بقربهم العقول
ومر صلة بن أشيم بقوم قد اجتمعوا على رجل مقيد، فقال: من هذا؟ قالوا: مجنون، فقال لا تقولوا مثل هذا إنما المجنون مثلي ومثلكم يعمر الدنيا ويخرب الآخرة.
أنشدنا أبو نصر أحمد بن محمد بن ملحان البصري، قال: أنشدنا بشر بن موسى الأسدي:
إلى كم تخدم الدنيا ... وقد جزت الثمانينا
ثبت العلم في قوم ... يروحون يوغدونا
فلا هم بك يعنون ... ولا هم عنك يغنونا
لئن لم تك مجنونا ... لقد فقت المجانينا
قال الشيخ أبو القاسم الحسن بن حبيب النيسابوري المفسر رحمة الله عليه: سألني بعض أصحابي، عوداً على مبدأ، أن أصنف كتاباً في عقلاء
стр. 10
المجانين وأوصافهم وأخبارهم، وكنت أتغامس عنه إلى أن تمادى به السؤال، فلم أجد بداً من إسعافه بطلبته، وأجابته إلى بغيته، تحرياً لرضاه، وتوخياً لهواه، وكنت في حداثة سني سمعت كتباً في هذا الباب مثل كتاب الجاحظ وكتاب ابن أبي الدنيا وأحمد بن لقمان وأبي علي سهل بن علي البغدادي ﵏ فوقع كل كتاب منها في جزء أو ما يقارب جزءاً، تتبعتها وتيقنتها، وضممت إليها قرائنها، وعزوتها إلى أصحابها، وألفت هذا الكتاب على غير سمت تلك الكتب، وهو كتاب يكفي الناظر فيه الترداد وتصفح الكتب، وأرجو أني لم أسبق إلى مثله. والله الموفق والمعين.
стр. 11
أصل الجنون
في اللغة: الجنون في اللغة الاستتار. تقول العرب: جن الشيء يجن جنوناً إذا استتر وأجنه غيره إجناناً إذا ستره قال لبيد:
حتى إذا ألقت يداً في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
يعني الشمس ألقت يداً في ليل مظلم. وستر الظلام الفجاج والطرق.
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسين الوضاحي:
يا غافلاً عما تجن ضلوعي ... أنسيت ويحك عبرتي ودموعي
وجن الليل بجن جنوناً وجناناً إذا دخل. ومنه قوله سبحانه: " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً " وأجن الليل الشيء أجناناً إذا غطاه بظلامه. قال العتبي: وأجنه الليل أي جعله في ظلامه في جنة، قال الشاعر يصف مفازة:
وصرماء مذكار كأن دويها ... يعيد جنان الليل مما يخيل
حديث أناسيّ فلما سمعته ... إذا ليس فيه ما أبين فأعقل
وقال الشاعر:
ولولا جنون الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرض عياض بن ناشب
стр. 12
الصرماء المفازة التي تصرم الناس عن الماء أي تقطعهم. والمذكار التي لا يدخلها إلا ذكور الرجال لصعوبتها كالمرأة المذكار التي لا تلد إلا الذكران. والجنان القلب سمي بذلك لاستتاره.
أنشدني أبو الحسن محمد بن علي القزاز لديك الجن:
خذ يا غلام عنان طرفك فاحمه ... عني فقد ملك الشمول عناني
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... فمتى يفيق فتى به سكران
ما الشأن ويحك في فراق فريقهم ... الشأن ويحك في جنون جناني
قال العتبي: وسميت الجن لاجتنانهم عن أعين الناس. وقيل في قوله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " أي من الملائكة، سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار. قال الأعشى:
وسخر من جن الملائكة تسعة ... قياماً لديه يعملون بلا أجر
والجنة البستان لالتفاف الشجر. والجنة الدرع والترس لأنهما يستران. والجنة بالكسر الجنون. والجن أيضاً، قال الله جل ذكره: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً " يعني حين قالوا: " أن الملائكة بنات الله، وقال في معنى الجنون: " أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " وأما قوله تعالى: " من الجنة والناس " قال قتادة: إن الشيطان يوسوس الجن كما يوسوس الناس، والمعنى الذي يوسوس في صدور الجن والناس. والجنن القبر، لأنه ساتر، قال الشاعر:
لقد أدرجت ليلى هنالك في جنن ... فصبراً جميلاً حين ما ينفع الحزن
والجنين: الولد في بطن الأم، لأنه مستور، وتقول العرب للنبت إذا طال
стр. 13
وكثر تكاوس والتف واستجلس واعلنكس: تجان. وتجان الرجل إذا تكلف الجنون وليس بمجنون. وكذلك تحامق وتناوم وتكاسل، قال العجاج:
إذا تجازرت وما بي جزر ... ثم كسرت العين من غير عور
وكل هذا يؤول إلى معنى الاستتار، فالمجنون المستور العقل، والفعل منه جن يجن جنوناً وهو مجنون، وأجنه الله فهو مجنون، وهذا الباب نادر في اللغة ونظيره أزكمه الله فهو مزكوم، وأحمه فهو محموم، وأضأده فهو مضؤود أي أزكمه، وأحببت فلاناً فهو محبوب، وهذا هو السائر وقد قالوا محب. قال عنترة العبسي:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
стр. 14
أسماء المجنون
في اللغة: للمجنون في اللغة أسماء كثيرة. وقد مضى تفسير المجنون. منها الأحمق، والفعل منه حمق يحمق حمقاً وحماقة فهو أحمق، قال الشاعر:
سبحان من أنزل الأشياء منزلها ... وصير الناس مرفوضاً مرزوقاً
والجمع حمقى كقولك: قتلى وصرعى وهلكى وحرقى وغرقى، قال الشاعر:
رزقت مالاً فعش مما رزقت به ... فلست أول من حمقى بمرزوق
لو كان باللب يعطي ما تعيش به ... لما ظفرت من الدنيا بمفروق
ومنها المعتوه: وهو الذي يولد مجنوناً. والفعل منه عته فهو معتوه.
ومنها الأخرق: وهو الذي لا يحسن التقدير والتدبير والمرأة خرقاء، قال أبو عبيدة: لا يقال خارق إلا للمقدر بعلم وتدبير، فإذا قدر بغير علم قيل أخرق. وخرقاء، ومنه قوله تعالى: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه " قال مجاهد: أي كذبوا. قال أبو عبيدة: اختلفوا، وقرأ أهل المدينة بالتشديد وخففه الكسائي وأبو عمر. والاسم الخرق بضم الخاء. والخرق أيضاً جمع الأخرق.
стр. 15
ومنها المائق: والموق أيضاً جمع المائق كقولهم عائط وعوط وحائل وحول للشاة التي لم تحمل، وعائد وعود للناقة القريبة النتاج، وفاره وفره، قال الشاعر:
وغرة مرة من فعل غر ... وغرة مرتين فعال موق
إذا لم تبق بالصحصاح زلت ... من الصحصاح رجلك في العميق
وحسن الظن عجز في أمور ... وسوء الظن يأمر بالوثيق
ولا تفرح بأمر أن تدانى ... ولا تيأس من الأمر السحيق
فإن القرب يبعد بعد قرب ... ويدنو البعد بالقدر المسوق
أنشدنيه أبي رحمة الله تعالى، وقال: أنشدناه أبو سلمة المؤذن لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
ومنها الرقيع والمرقعان: وهو الأحمق الذي يتمزق عليه رأيه وعقله. والفعل منه رقع رقاعة فهو رقيع كقولك بلد بلادة فهو بليد. أنشدنا أبو بكر أحمد بن سعد بن نصر بن بكار الفقيه البخاري بها، قال: أنشدنا عبيد الله بن عبد الله:
وما الناس إلا وعاة العلوم ... وسائرهم غنم في قطيع
ومنها الممسوس: وهو الذي يتخبطه الجن أو الشيطان والاسم المسمى؟ ومنه قوله جل ذكره كالذي يتخبطه الشيطان من المس.
ومنها المخبل والمخبل: والاسم الخبل ويقال: رجل مخبل ومخبول ومختبل، قال الأعشى:
علقتها عرضاً وعلقت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
وعلقته فتاة ما يحاولها ... من قومها ميت يهذي بها وهل
стр. 16
وكلنا مغرم يهذي بصاحبه ... ناء ودان ومخبول ومختبل
ومنها الأنوك: والفعل منه نوك ينوك فهو أنوك كقولك حول فهو أحول، وسألت أبا منصور الامام الأزهري ﵀ بهراة: فلم يذكر منه فعلاً. والاسم النوك بضم النون والجمع نوكي قال الشاعر: و.. وكيف يكون النّوك إلا كذلكا.
وأنشد الأصمعي:
تضحك منه شيخة ضحوك ... واستنوكت وللشباب نوك
ومنها البوهة: قال الشاعر:
ويا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسنا
ومنها الذولة: بالذال المعجمة. والموتة ضرب من الجنون، ولم أسمع منه للمجنون إسماً.
سمعت الإمام أبا حامد الخارزنجي يقول: النطاة الجنون، قال: وتقول العرب: فلان من فرط نطاته لا يعرف قطاته من لطاته. القطاة مقعد الردف من الدابة واللطاة دائرة في الجبهة.
ومنها العرهاة: قال الشاعر:
ومن لم يواس الناس مما بكفه ... فذلك عرهاة من العقل مبلس
ومنها الأولق: والفعل منه ولق يولق. والولق الاسم. وأما الولق اللام فهو الكذب. وقرأت عائشة ﵂ " إذ تَلْقُونَه بألسنتكم " والفعل منه ولق يلق ولقاً، قال الأعشى:
ويصبح من غب السري فكأنما ... ألم بها من طائف الجن أولق
стр. 17
ومنها المهووس: والاسم الهوس، وهو ضرب من الجنون، فإن كان قدراً؟ في جنونه فهو أغفل.
ومنها الهلباجة: وهو الأحمق الكثير الأكل قاله الخليل بن أحمد ومنها اللكع: وهو الأحمق اللئيم. وقال غيره: هو العبد.
ومنها الجذب: قال ابن السكيت: يقال رجل جذب وفيه جذب أي فضل الحمق.
ومنها الهجاجة: قال الأصمعي يقال للرجل الأحمق الكثير الخطأ رجل هجاجة.
ومنها الرشاع: قال ابن السكيت: والزهدن الأحمق أيضاً، وأنشد في كتاب الألفاظ:
قلت لها إياك أن تركني ... عندي في الجلسة أو تلبني
عليك ما عشت بذات الزهدن
ومنها الملغ: قال الأصمعي: هو الأحمق. والجعبس الأحمق أيضاً، قال الراجز:
لما رأيت سد الليل ادمسا ... ليلاً دجوجي الظلام عرمسا
وصم كسراه الغيام الجعبسا
والهلباجة: وقد ذكر آنفاً. قال ابن السكيت: قال خلف ابن الأحمر: قلت لابن كبشة بنت السعتري: ما الهلباجة؟ فتردد في صدره ما لم يتهيأ له إخراجه، ثم قال الهلباجة الأحمق الذي لا خير عنده.
стр. 18
وقرأت في كتاب النوادر لأبي زيد سعيد بن أوس: رجل مألوس أي مجنون وقد ألس إذا جن.
ومما يضارع هذا الباب ويقرب منه وليس بعينه المتيم وهو العبد تيمه الحب، أي عبده واستعبده ومنه تيم اللات كأنه عبد اللات.
ومنها الأهوج: والفعل منه هوج يهوج هوجاً فهو أهوج.
ومنها الهائم: وهو ذاهب العقل.
ومنها المدله: قال الشاعر:
تركوني مدلهاً ... أرتجي حج قابل
بعدما كنت ناسكاً ... زال نسكي بباطل
ومنها الأبله: والفعل منه بله.
ومنها المستهتر: قال الشاعر:
فبعثن ورداً للخلي وزدن في ... برحاء وجد العاشق المستهتر
ومنها الواله: والاسم الوله، وهو عند العرب الذي فقد ولده ففقد صبره قال الأعشى يصف بقرة:
فأقبلت والهاً ثكلى على عجل ... كل دهاها وكل عندها اجتمعا
والهبنقع الأحم المبالغ في حمقه، قال الشاعر:
ومهور نسوتهم إذا ما نكحوا ... عدوي وكل هبنقع تنبال
فهذه كلها أسماء المجانين وعيارها المجنون والأحمق.
стр. 19
الأمثال المضروبة في الحمق والحمقى
منها قولهم تحسبها حمقاء وهي باخس أي إنها مع حمقها تظلم الناس، قال ثعلب: هكذا جرى المثل بغيرها، ومثله خرقاء عيابة أي مع حمقها تظلم غيرها وتعيب غيرها، قال خلف الأحمر: ومن أمثالهم أحمق بلغ أي انه مع حمقه يبلغ حاجته. ومن أمثالهم فيه خرقاء ذات نيقة أي أنها حمقاء وهي مع ذلك تتأنق في الأمور، قال أبو عبيد: فإذا اشتد موق الرجل قيل ثاطة مدت بماء والثأطة الحمأة فإذا أصابها ماء ازدادت فساداً، قال الأصمعي: ومنها أحمق من رجلة وهي البقلة الحمقاء، وحمقها أنها تنبت في السروح ومسايل الأودية فيجيء السيل فيجرفها. وشبه بها أهل الحقائق من يعمر دنياه وهو يعلم فناءها، قالوا: مثل عامر الدنيا الباني على الماء. والماء لا يثبت عليه شيء.
حدثنا أبو القاسم منصور بن العباس ببوشنج قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الهروي قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثنا إسحاق ابن إسماعيل قال: أخبرنا جرير عن ليث عن مجاهد قال: قال عيسى ابن مريم ﵉: من ذا الذي يبني على موج البحر داراً تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً. وقال أيضاً: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. وقال سابق البربري في قصيدة له:
стр. 20
لكم بيوت بمستن السيول وهل ... يبقى على الماء بيت أسه مدر
وقال أبو عمرو الشيباني: ومن أمثالهم في الحمق إنه لأحمق من ترب العقد والعقد عقد الرمل، وحمقه إنه ينهار ولا يثبت فيه التراب يضرب للذي لا يثبت ولا يستقر على حال.
قال ابن الكلبي: ومن أمثالهم في هذا إنه لأحمق من دغة وهي أمرأة عمرو بن جندب بن العنبر ووصف من حمقها ما يسمج ذكره، وقال الأصمعي: ومن أمثالهم أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها وذلك أن زوجها قضى حاجته منها ثم طلقها فقالت أعطني حقي فنزع إحدى خدمتيها وهما الخلخالان من رجلها فأعطاها فسكتت ورضيت.
وتقول العرب للمبالغ في الجنون. جنونه مجنون. سمعت أبا الحسن محمد بن الحسين الحاكم ببوشنج يقول: سمعت جدي عبد الملك بن محمد ابن عدي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال الشافعي ﵀ لبعض أصحابه:
جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيباً يداوي من جنون جنون
ومنها الضبع وزعموا أنها أحمق الدواب فإنها تشد يداها ورجلاها ويقال لها لست ها هنا فتسكت وترضى. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لا أكون مثل الضبع تسمع الدم فتخرج حتى تصاد. وكنيتها أم عامر يضرب بها المثل فيقال: خامري أم عامر، كما قال الشاعر:
стр. 21
فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم ولكن خامري أم عامر
أي دعوني للتي يقال لها أم عامر حتى تأكلني ولا تدفنوني بعد موتي. وأنشدني أبي رحمة الله.
عرقب الضبع وقالوا غائب ... رضي القول وأغضي وصبر
أي دعوني للتي يقال لها أم عامر حتى تأكلني ولا تدفنوني بعد موتي. وأنشدني أبي رحمة الله.
عرقب الضبع وقالوا غائب ... رضي القول وأغضى وصبر
ومنها العقعق، تقول العرب إنه لأحمق من العقعق وحمقه أن ولده أبداً ضائع. قال ابن الكلبي: تقول العرب إنه لأحمق من حماقة عقعق وذلك لأنها تبيض على الأعواد فربما وقع بيضها فانكسر.
أسماء جنون الدواب
تقول العرب لجنون الابل الهيام وهو داء يأخذها فتهيج وتهيم. ويقال لجنون الشاة الثول وهي ثولاء، ولجنون الكلب الكلب فهو كلب كلب. والسعر ضرب من جنون النوق، تقول العرب ناقة مسعورة إذا كانت مجنونة. وتأول بعضهم قوله جل ذكره إن المجرمين في ضلال وسعر أي جنون.
стр. 22
ضروب المجانين
المجانين على ضروب، فمنهم المعتوه وقد مضى تفسيره ومنهم المرور وهو الذي أخرقته المرة، ومنهم الممسوس وهو الذي يتخبطه الجن والشياطين، ومنهم العاشق الذي تيمه الحب فأجنه.
سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن مسعود النسوي بها، يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السركري؟ ببغداد يقول: سمعت زكريا بن يحيى بن خلاد المنقري يقول: سمعت الأصمعي يقول: لقد أكثر الناس في العشق فما سمعت بأوجز ولا أجمل من قول أنشدنا بعض نساء الأعراب وسألت عن العشق فقالت: داء وجنون.
أنشدنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إسحق الخزلحجي؟ بمرو قال: عبد الله بن بهلول بقرميسين.
وما عاقل في الناس يحمد أمره ... ويذكر إلا وهو في الحب أحمق
وما من فتى قد ذاق بؤس معيشة ... من الناس إلا ذاقها حين يعشق
سمعت أبا الحسن مظفر بن غالب الهمداني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي قال: اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائداً، وقال له: ما عراك يا بني؟ فأنشأ يقول:
أيها العاذلون لا تعذلوني ... وأنظروا حسن وجهها تعذروني
وأنظروا هل ترون أحسن منها ... إن رأيتم شبيهها فاعذلوني
في جنون الهوى وما بي جنون ... وجنون الهوى جنون الجنون
قال: فتتبع أبوه الحال حتى وقع عليها فابتاع الجارية التي شغف بها بسبعة آلاف دينار ووجهها إليه.
стр. 23
أنشدني أبو منصور مهلهل بن علي العنزي.
أبدر بدا أم وجهك القمر السعد ... أليل دجا أم شعرك الفاحم الجعد
أنرجسة هاتيك أم هي مقلة ... أتفاحة ذاك المضرج أم خد
أموج إذا وليت أم كفل بدا ... أغض لجين في الغلالة أم قد
كذا لو تأملت الذي بي لقلت لي ... أهذا جنون ثابت بك أم وجد
سمعت أبا العباس الرازي الصوفي يقول: سمعت الشبلي يقول ذات يوم لأصحابه: ألست عندكم مجنوناً وأنتم أصحاء؟ زاد الله في جنوني وزاد صحتكم! ثم أنشد.
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ما لذة العيش إلا للمجانين!
أنشدنا أبو العباس أحمد بن سعيد المغربي قال: أنشدنا أبو عمرو محمد ابن إسماعيل الضرير قال حدثنا وأنشدنا أيوب بن غسان وهو يقول:
ودعتني بعبرة من جفون ... أضمرت فيضها حذار العيون
ومضت خلفها وقد خلفتني ... إلف ضر وفورة وجنون
فشكوت الفراق بالنفس الدا ... ئم حتى هتكت سر الظنون
أنشدني أبو سعيد أحمد بن زاوية الفارسي الكاتب:
ألا قل للأحبة يرفقونا ... فإن الحب أورثنا الجنونا
أنشدني أبي ﵀ قال أنشدنا أبو محمد الزنجاني لبعض الأعراب:
أحبك حباً لو علمت ببعضه ... أصابك من وجد عليك جنون
لطيفاً على الأحشاء أما نهاره ... فسكت وأما ليله فأنين
стр. 24
وحكى لي عن حبيب بن محمد بن خالد الواسطي قال دخلت يوماً على علي بن هشام فوجدته باكياً حزيناً ذاهب النفس فأنكرته وسألته عما دهاه، فقال أعلم أني مررت الآن بالخريبة فرأيت مجنوناً مصفداً بالحديد يتمرغ في التراب ويقول:
ألا ليت أن الحب يعشق مرة ... فيعرف ماذا كان بالناس يصنع
يقولون خذ بالصبر إنك هالك ... وللصبر مني في مصابي أجزع
سمعت أبا علي الحسن بن أحمد القزويني يقول سمعت بعض السياح يقول رأيت مجنوناً في القفار وهو يرقص ويقول:
حبكم في القفار شردني ... آه من الحب ثم رآه
وهذا الباب يطول شرحه إلا أنه يذكر في أثناء أخبار المجانين وستراه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فصل
من اعتقد بدعة وارتكب كبيرة فأدركه شؤمها فجن
حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن سبطم؟ الدهانيني البلخي قدم علينا حاجاً قال حدثنا هشام بن عمار عن سعيد بن يحيى قال رأيت مجنوناً بحمص مصروعاً قد اجتمع عليه الناس، فدنوت منه، فقلت آلله إذن لكم أم على الله تفترون؟ فجرى على لسانه لسنا ممن يفتري على الله دعه يمت فإنه يقول بخلق القرآن.
стр. 25
أخبرنا أبو القاسم منصور بن العباس ببوشنج قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الهروي قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال لقيت بمنى مجنوناً مصروعاً كلما أراد أن يؤدي فريضة أو يذكر الله صرع فقلت على ما يقوله الناس إن كنتم يهوداً فبحق موسى وإن كنتم نصارى فبحق عيسى وإن كنتم مسلمين فبحق محمد ﷺ إلا ما خليتم عنه، فقالت الجن لسنا يهوداً ولا نصارى ولكنا وجدناه يبغض أبا بكر وعمر فمنعناه من أشد أموره.
حدثنا أبو عبد الرحمن عمر بن أحمد بن علي الجوهري بمرو قال حدثنا أحمد بن الحارث بن محمد بن عبد الكريم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مهزاد، حدثنا مسلمة، أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال بلغني أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان ﵁ جنوا.
فصل
من يسمى مجنوناً بلا حقيقة
كالشاب والمتصابي والسكران
كانت العرب تقول الشباب شعبة من الجنون. أنشدنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحارث المؤدب ببوشنج عن أحمد التمامي إنه أنشده وقال:
ما العيش إلا بجنون الصبي ... فإن تولى فجنون المدام
كأساً أذا ما الشيخ والى بها ... فيتردى برداء الغلام
فصل
من جن من خوف الله سبحانه
حدثنا أبو الفضل العباس بن هزار بن محمد بن هزار بن الخطيب، بمرو،
стр. 26
قال حدثنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال حدثنا علي ابن الجعد أخبرنا شعبة قال بغني عن عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز النخعي إنه كان يصلي في مسجد على عهد عمر ﵁ فقرأ الامام ذات ليلة " ولمن خَافَ مَقَامِ رَبِّه جَنَّتان " فقطع صلاته وجن وهام على وجهه ولم يوقف له على أثر.
حدثنا أبو الحسن بن موسى السلامي بهراة، قال حدثنا أحمد بن يعقوب البسطامي حدثنا خلف بن عمر الصوفي قال سمعت أبا يزيد يقول: جننتني بي فمت ثم جننتني به فعشت ثم جننتني عني فغبت ثم أوقفني في رجة الجنون وسألني عن أحوالي الثلاث فقلت الجنون بي فناء والجنون بك بقاء والجنون عني وعنك ضناء وأنت في كل الأحوال أولى بنا.
حدثنا أبو الحسن المظفر بن محمد بن غالب قال حدثنا أبو علي الحسن ابن محمد بن أحمد البغدادي قال: حدثنا محمد بن يحيى بن مسلم عن صالح المري أن رجلاً من الزهاد مر ذات ليلة برجل يقرأ " وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَم يَكُونُوا يحتسبُون " فجعل يصيح ثم مزق ثيابه وغلب على عقله، فأخذ وقيد ومات على ذلك.
أخبرنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن منصور قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثنا الصلت بن مسعود الجحدوي: حدثنا فضل بن سليمان عن يونس بن محمد بن فضاله قال: خرجنا مع الربيع بن خيثم فمررنا على حداد ومعنا فتى فقام الربيع ينظر إلى حديدة في النار فوقع الفتى فأغمي عليه فتركناه ومضينا لحاجتنا فعدناه فإذا هو على تلك الحال ثم بلغنا إنه جن فمات في جنونه.
حدثنا محمد بن سليمان قال حدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن الحسين
стр. 27
حدثني مالك ابن ضيغم قال: مر بكر بن معاذ برجل يقرأ " وأنذرهُم يَوْم الآزفة إذ القلوبُ لَدَى الحناجر كاظِمِين مَا لِلْظَالِمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطاع " فاضطرب وخرثم صاح ارحم من أنذر ثم لم يقبل إليك بعد النذير! ثم غلب على عقله فلم يفق حتى مات.
وحدثنا أبو جعفر محمد بن شيب حدثنا هشام بن عبد الله قال: نظر الحارث بن سعيد في قبر منخسف فوقع مغشياً عليه ثم رفع وقد زال عنه عقله فبقى كذلك حتى مات.
حدثنا أبو زكريا محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن معبد الآملي قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الدريدي: حدثنا العباس بن الفرج الرياشي عن محمد بن يونس البكري قال: سمع حذيفة العابد رجلاً يقرأ وعرضوا على ربك صفا فهام على وجهه ولم ير بعد.
أخبرنا أبو القاسم منصور بن العباس حدثنا محمد بن إبراهيم بن خالد الهروي حدثنا أبو الطيب محمد بن أحمد اليافي بفلسطين حدثنا الحسن بن محمد بن المبارك الصوري عن أبيه قال: قرأ رجل بين يدي معاذ ابن نصر " وانذِرْهُم يَوْمَ الحسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ " الاية فجعل يتمرغ في التراب ويضطرب ويصيح ثم هام على وجهه ولم يوقف له على أثر.
وأخبرنا منصور عن محمد بن إبراهيم عن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين عمار بن عثمان عن بشر بن عبد العزيز قال: كان عمر بن ذر لا يخرج إلا إلى الصلاة أو الجنازة فسمع قارئاً يقرأ " وَمَا أمرُنا إلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمحٍ بِالبَصَرِ " فصرخ صرخة فخولط فلم يزل على ذلك حتى مات.
стр. 28
فصل
من تجان وتحامق وهو صحيح العقل
وهم ضروب، فمنهم من تعاطى ذلك ليرى شأنه ويستره على الناس سمعت أبا موسى عمران بن محمد بن الحصين يقول: سمعت إبراهيم بن الحارث الكرماني يقول سمعت أحمد الدورقي يقول قال مالك بن دينار: رأيت بالمصيصة شيخاً في عنقه غل وسلسلة والصبيان يرمونه وهو يقول:
إن من قد أرى على صور النا ... س وإن فتشوا فليسوا بناس
قال فتقدمت إليه فقلت أمجنون أنت؟ قال أنا مجنون الجوارح لا مجنون القلب ثم مر وأنشأ يقول:
واريت أمري بالجنون عن الورى ... كيما أكون بواحدي مشغول
يا من تعجب في الأنام لمنطقي ... ماذا أقول ومنطقي مجهول
سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول سمعت أبا بكر ابن طاهر الأبهري يقول سمعت عمران بن علي الرقي يقول: كان إبان ابن سيار الرقي رئيس القراء والفقراء بالرقة وكان مع ذلك أهل علم فأكل الذئب بنياً له وكان واحده، وكان مشغوفاً به، ولم يتمالك، وهام على وجهه، فغاب ملياً ثم عاد وقد برم بالناس. فجنن نفسه، وجعل لا تطمئن به دار ولا يستقر به قرار، فخبرت بشأنه فأتيته بأصحاب لي، فألفيته في الجامع يكلم بعض الأساطين، فقلت يا إبان أجننت؟ قال نعم عندك وعند اضرابك. فقلت كيف؟ فأنشأ يقول:
جننت عن عقلي لديكم وما ... قلبي والله بمجنون
أجن مني وإله الورى ... من اشترى دنياه بالدين
وكنت قد ابتعت ضيعة من بعض السلاطين فعلمت انه يعنيني فتسورت
стр. 29
ووالله ما عاودته بعد.
وقال الفرزدق أمر عمرو بن هند ملك العرب لطرفة وجرير المتلمس بكتابين إلى عامله بالبحرين بإهلاكهما وهما لا يشعران فمرا برجل على قارعة الطريق يحدث ويتفلى ويأكل، فقال المتلمس بالله ما رأيت أحمد من هذا، فقال الرجل وما رأيت من حمقي، أخرج خبيثاً وأدخل طيباً، وأقتل عدواً، أحمق والله مني من حمل حتفه بيده. ففك المتلمس كتابه فإذا فيه أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً فرمى بالكتاب وأنشأ يقول:
قذفت بهذا القط من جنب كافر ... كذلك أرمي كل قط مطلل
وقال لطرفة: فك كتابك، فقال: هو لا يجتريء على إهلاكي، فذهب بالكتاب فإذا فيه إذا أتاك طرفة فاقطع أكحله ولا تشده حتى يموت ففعل وأنشأ طرفة يقول:
كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة
فصل
من تحامق لينال غنى
سمعت أبا نصر محمد بن مزاحم البدخشي، قدم علينا حاجاً، قال: سمعت سعيد بن علي بن عطاف الطاحي بالبصرة يقول: كان عندنا رجل عاقل
стр. 30
أديب فهم شاعر يقال له عامر وكان مع أدبه محروماً مجازفاً، فقال لي رجل من أصحابي إن صديقك عامراً قد جن، فجعلت أطلبه حتى ظفرت به في بعض القرى والصبيان حوله يضحكون، فقلت له: يا عامر مذ كم صرت بهذه الحال؟ فأنشأ يقول:
جننت نفسي لكي أنال غنى ... فالعقل في ذا الزمان حرمان
يا عاذلي لا تلم أخا حمق ... تضحك منه فالحمق ألوان
وعلى هذا علي بن صلوة القصرى كان ممن يجيد الشعر وكان محروماً لا يؤبه له، ومن جيد شعره:
لسان الهوى في مقلتي لك ناطق ... يخبر عني أنني لك وامق
ولي شاهد من ضر جسمي معدل ... وقلب عليل في ودادك خافق
وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى ... ولكن قضاء الله في الخلق سابق
ثم تحامق وأخذ في الهزل فحسنت حاله وراج أمره حتى أن الملوك والأشراف أولعوا به، ومن قوله:
غياث بن عبد الله يطعم ضيفه ... رؤوس الجدايا طبخها بأرياجها
وهذا مجال في الطعام لأنما ... رؤوس الجدايا حقها سكباجها
وما أشبه ذلك: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن الجنيد يقول سمعت محمد بن زكريا الغلابي يقول: مر بعض الأدباء بمجنون يتكلم، فتأمل كلامه، فإذا هو رصين يدور على الأصول، فقال له ما حملك على التحامق؟ فقال:
لما رأيت الحظ حظ الجاهل ... ولم أر المغبون مثل العاقل
دخلت عيشاً من كرام نائل ... فصرت من عقلي على مراحل
أنشدنا أبو نصر محمد بن أحمد التميمي بسرخس:
إن كنت تهوى أن تنال المالا ... فالبس من الحمق غداً سربالاً
стр. 31
فصل
من تحامق ليرخي وقتاً ويطيب عيشاً
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن صالح الأندلسي المعافري قال: أخبرنا بكر بن حماد السهربي قال حدثنا صالح بن علي النصيبيني قال: قلت لزيد ابن سعيد العبدي: مالي أراك نكرت حالك وزيك؟ قال: جددت فشقيت ثم تحامقت فارحت واسترحت.
أخبرنا أبو الحسن المظفر بن محمد بن غالب الهمداني برباط قراوة قال أنشدنا محمد بن إبراهيم بن عرفة الأسدي نفطويه قال أنشدنا العباس ابن محمد الرودي الشافعي:
وانزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرءاً لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت اعاقله
أنشدنا أبو جعفر محمد بن علي بن الطيان القمي هذا الشعر
تحامق تطب عيشاً ولاتك عاقلاً ... فعقل الفتى في ذا الزمان عدوه
فكم قد رأينا ذا نهي صار خاملاً ... وذا حمق في الحمق منه سموه
ولأبي الربيع محمد بن علي الصفار البلخي.
طاب عيش الرقيع في ذا الزمان ... والجهول الغفول والصفعان
فاغتنم حمقك الذي أنت فيه ... تحظ بالمكرمات والاحسان
وأنشدني أبو منصور مهلهل بن علي الغنوي:
الروح والراحة في الحمق ... وفي زوال العقل والخرق
فمن أراد العيش في راحة ... فليلزم الجهل مع الحمق
стр. 32
ورأيت في بعض الكتب:
إذا كان الزمان زمان حمق ... فإن العقل حرمان وشوم
فكن حمقاً مع الحمق فإني ... أرى الدنيا بدولتهم تدوم
فصل
من تحامق لينجو من بلاء وآفة
حدثنا أبو أحمد بن قريش بن سليمان سنة ثمان وثلاثين بمرو الروذ قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباس الديري قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي طاوس عن أبيه قال: لما وقعت الفتنة زمن عثمان ﵁ قال رجل لأهله أوثقوني فإني مجنون كيلا أوذيكم، فأوثقوه، فلما قتل عثمان ﵁ قال خلوا عني فقد صحوت والحمد الله الذي عافاني من قتل عثمان.
سمعت الحسن بن عمران الحنظلي، بهراة، يقول حدثنا أبو عبد الله محمد بن حفص الفارسي حدثنا منصور بن سعيد الرازي. حدثنا قاسم ابن محمد بن عريب من ولد أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: ادخل عبادة المخنث على الواثق والناس يضربون ويقتلون في الامتحان قال فقلت والله لئن امتحنني قتلني فبدأته فقلت اعظم الله أجرك أيها الخليفة فقال فيمن؟ فقلت: في القرآن قال ويحك والقرآن يموت؟ قلت نعم كل مخلوق يموت فإذا مات القرآن في شعبان فبايش يصلي الناس في رمضان؟ فقال: اخرجوه فإنه مجنون..
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبد الله قراءة عليه قال: حدثنا عبد الله بن محمود البغدادي قال حدثنا محمد بن يحيى البصري قال: دعا المنصور أبا حنيفة والثوري ومسعراً وشريكا ليوليهم القضاء، فقال أبو حنيفة: أنا أتحامق فيكم فأقال وأتخلص، وأما مسعر فيتجان ويتخلص، وأما سفيان فيهرب، وأما شريك فيقع، فلما دخلوا عليه قال أبو حنيفة ﵀ أنا رجل مولى ولست من العرب ولا تكاد العرب ترضى بأن يكون
стр. 33
عليهم مولى ومع ذلك فإني لا أصلح لهذا الأمر، فإن كنت صادقاً في قولي فلا أصلح له، وإن كنت كاذباً فلا يجوز لك أن تولي كاذباً دماء المسلمين وفروضهم. وأما سفيان فأدركه المشخص في طريق فذهب لحاجته فانصرف المشخص ينتظر فراغه فبصر سفيان سفينة فقال للملاح إن مكنتني من سفينتك وإلا ذبحت بغير سكين. تأول قول النبي ﷺ من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين فأخفاه الملاح تحت السارية. وأما مسعر بن كدام فدخل على المنصور فقال له: هات يدك، كيف أنت وأولادك ودوابك؟ فقال: أخرجوه فإنه مجنون. وأما شريك فقال المنصور تقلد فقال أنا رجل خفيف الدماغ، فقال تقلد وعليك بالمعصيد والنبيذ الشديد حتى يرجح عقلك، فتقلد، فهجره الثوري، وقال أمكنك الهرب فلم تهرب.
حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى، واللفظ له، قال حدثنا محمد ابن المسيب بن إسحاق الأرغياني قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قضاء مصر، فتجنن نفسه ولزم بيته، فاطلع عليه راشد بن سعد وهو يتوضأ في صحن داره، فقال أبا محمد ألا تخرج إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسول الله فقد جننت نفسك ولزمت بيتك. فرفع إليه رأسه وقال: إلى ههنا انتهى عقلك؟ أما علمت إن العلماء يحشرون مع الأنبياء وإن القضاة يحشرون مع السلاطين؟.
حدثنا أبو القاسم منصور بن العباس الفقيه ببوشنج قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن السلمي قال: دعا الخليفة أيام المحنة محمد بن مقاتل الرازي وأبا الصلت عبد السلام بن صالح الفهندري فقال لمحمد بن مقاتل: ما تقول في القرآن؟ قال أقول: التوراة والانجيل والزبور والفرقان فإن هذه الأربعة مخلوقة وأشار إلى أصابعه
стр. 34
الأربع، فنجا، فقال لأبي الصلت ما تقول؟ قال تعز يا أمير المؤمنين قال عمن ويلك؟ قال عن " قل هو الله أحد " فإنه مات. قال فكيف؟ قال إن كان مخلوقاً فإنه يموت! فقال مجنون اخرجوه، فاخرج فنجا.
أخبرنا يوسف بن أحمد بن محمد بن قيس السنجري قال أخبرني عبد الله بن محمد الدينوري قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم البستي عن أبيه قال سمعت يحيى بن معين يقول: لما ادخلت على الخليفة قال لي ما تقول في القرآن؟ قلت مخلوق، عنيت به قرآن بنت تمام.
حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أحمد بن علك الجوهري، بمرو، قال حدثنا يحيى بن ساسويه بن عبد الكريم قال حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا شعيب بن صفوان عن أبي معشران رجلاً آلى بيمين أن لا يتزوج حتى يستشير مئة نفس، لما قاسى من بلاء النساء، فاستشار تسعة وتسعين نفساً وبقي واحد، فخرج على أن يسأل اول من نظر إليه فرأى مجنوناً قد اتخذ قلادة من عظم وسود وجهه وركب قصبة فسلم عليه وقال: مسألة، فقال سل ما يعنيك وإياك وما لا يعنيك، فقلت مجنون والله ثم قلت: إني أصبت من النساء بلاء وآليت أن لا أتزوج حتى استشير مئة نفس وأنت تمام المئة، فقال: اعلم أن النساء ثلاث، واحدة لك وواحدة عليك، وواحدة لا لك ولا عليك، فأما التي لك فشابة طرية لم تمس الرجال فهي لك لا عليك إن رأت خيراً حمدت وإن رأت شراً قالت كل الرجال على مثل هذا، وأما التي عليك فأمرأة ذات ولد من غيرك فهي تسلخ الزوج وتجمع لولدها، وأما التي لا لك ولا عليك فأمرأة قد تزوجت قبلك فإن رأت خيراً قالت هكذا يجب وإن رأت شراً حنت إلى زوجها الأول. فقلت نشدتك الله ما الذي غير من أمرك ما أرى؟ قال ألم اشترط عليك أن لا تسأل عما لا يعنيك، فأقسمت عليه، فقال إني رشحت للقضاء فاخترت ما ترى على القضاء.
وأخبرنا أبو موسى بن الحصين قراءة عليه قال حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق المهرجاني، حدثنا أبو علي سهل بن علي ببغداد في الدار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أخي الأصمعي قال: سمعت عمي يقول: أخبرت إن الحجاج بن يوسف لما فرغ من
стр. 35
أمر عبد الله بن الزبير قدم إلى المدينة فلقي شخصاً خارجاً من أهل المدينة، فلما رآه الحجاج قال له: يا شيخ من أهل المدينة أنت؟ قال نعم قال الحجاج من أيهم؟ قال من بني فزارة، قال كيف حال أهل المدينة؟ قال شر حال! قال ومم؟ قال لما لحقهم من البلاء بقتل ابن حواري رسول الله ﷺ ، فقال الحجاج ومن قتله؟ قال قتله الفاجر اللعين حجاج بن يوسف عليه لعاين الله وصلبه من قلة المراقبة لله، فقال الحجاج، وقد استشاط غضباً: وإنك يا شيخ ممن أحزنه ذلك واسخطه؟ قال الشيخ أي والله اسخطني ذلك سخط الله على الحجاج وأخزاه! قال الحجاج: أو تعرف الحجاج إن رأيته؟ فقال أي والله إني به لعارف فلا عرفه الله خيراً ولا وقاه ضيراً، فكشف الحجاج عن لثامه وقال لتعلم أنك أيها الشيخ يسيل دمك الساعة، فلما أيقن بالهلاك تحامق وقال هذا والله العجب أما والله يا حجاج لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبي ثور المصروع اصرع في كل شهر خمس مرات وهذا أول جنوني، فقال الحجاج انطلق فلا شفاك الله ولا عافاك!.
فصل
ضروب الجد والعقل ودولة الحمق والجهل
سمعت محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول سمعت هشام بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا يوسف القاضي يقول ثلاثة: مجنون، ونصف مجنون وعاقل، فأما المجنون فأنت منه في راحة، وأما نصف المجنون فأنت منه في تعب، وأما العاقل فقد كفيت مؤنته.
أنشد أبو ذر القراطيسي:
الحمد لله كم في الدهر من عجب ... ومن تغير أحوال وحالات
لا تنظرن إلى عقل ولا أدب ... إن الجدود قريبات الحماقات
стр. 36
واسترزق الله مما في خزائنه ... فكل ما هو آت مرة آت
قال عبيد الله بن سعيد الكاتب: دخل بعض الشعراء على ابن شوذب وهو الذي يضرب به المثل في كثرة الأموال، فأتى برعيل من الخيل فتأملها وقال أخرجوا منها ذلك المرعزي، ثم أتى بقطيع من الغنم لا تذبحوا ذلك الأدهم. وكان الشاعر قد مدحه بقصيدة فلما رأى ذلك خرج من عنده ولم ينشده، وأنشأ يقول.
لا يعرف الضأن من المعزى ... ويحسب الأدهم مرعزّى
صفت له الدنيا وضاقت لنا ... تلك لعمري قسمة ضئزى
أنشد أبو الفضل العباس بن القاسم الطبري:
قل لدهر على المكارم غطى ... يا قبيح الفعال جهم المحيا
كم رفيع حططته عن يفاع ... ورقيع الحقته بالثريا
وأنشد أبو بكر أحمد بن عمران السوادي:
زمان قد تفرغ للفضول ... يسوّد كل ذي حمق جهول
فإن أحببتم فيه ارتفاعاً ... فكونوا جاهلين بلا عقول
وقال ابن الرومي:
دهر علا قدر الرقيع به ... وترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلاً ويعلو فوقه جيفه
وقال علي بن محمد بن قادم:
عذلوني على الحماقة جهلاً ... وهي من عقلهم ألذ وأحلى
لو لقوا ما لقيت من حرفة العلم ... لساروا إلى الجهالة رسلا
ولقد قلت حين اغروا بلومي ... أيها اللائمون في الحمق مهلاً
حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا
стр. 37
وسمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكازري يقول سمعت إبراهيم بن محمد بن يزيد عن عبد الله بن الأكبر متردداً يقول: كان على سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
للناس حرص على الدنيا بتبذير ... وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل عندما قسمت ... لكنهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا يساعده ... ومائق نال دنياه بتقصير
لو كان عن قوة أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير
ورأيت في كتاب لابن ممشاد.
قد كسد العقل وأصحابه ... وفتحت للحمق أبوابه
فاستعمل الحمق تكن ذا غنى ... فقد مضى العقل وطلابه
وللامام الشافعي ﵀:
إن امرأ رزق اليسار ولم يصب ... حمداً ولا اجراً لغير موفق
فالجد يدنى كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى ... عوداً فأثمر في يديه فحقق
وإذا سمعت بأن محروماً رأى ... ماء ليشربه فغاض فصدق
وأشد خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همة يبلى بعيش ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ولابن الرومي:
جاهي أدق من الصراط ... فيكم وعزي في انحطاط
وتكايسى وتحاذقى ... يلجان في سم الخياط
وأنا الشقي بأرضكم ... مثل المصور في البساط
ولعي بن محمد السيرافي:
ما همتي إلا مقارعة العدى ... خلق الزمان وهمتي لم تخلق
стр. 38
والمرء كالمدفون تحت لسانه ... ولسانه مفتاح باب مغلق
إني أرى الأكياس قد تركوا سدى ... وأزمة الأملاك طوع الأحمق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق
وقال بعضهم:
كم من أديب عاقل قلبه ... مكمل العقل مقل عديم
ومن رقيع وافر ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم
سبحان ربي إن ربي حكيم ... قد حرم العاقل فضل النعيم
ما يظلم الرب ولكنه ... أراد أن يظهر عجز الحكيم
وبلغني أن امرأة أتت بزرجمهر الحكيم فقالت له أيها الحكيم ما بال الأمر يلتام للعاجز ويلتان على الحازم؟ قال ليعلم العاجزان عجزه لن يضره وليعلم الحازم إن حزمه لن ينفعه وإن الأمر إلى غيرهما.
قال أكتم بن صيفي حكيم العرب لبنيه: إياكم وصحبة الأحمق فإنه إلى أن يضركم أقرب منه إلى أن ينفعكم.
قال الأحنف بن قيس لبعض أصدقائه: اجتنب صحبة النوكي فانهم لا يستقرون على حال وإياك والعتاب فإنه يفتح باب التغالي، والعتاب خير من الحقد.
قال بشر بن عمرو اتق الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم:
اتق الأحمق إن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعت منه جانباً ... صفقته الريح وهنا فانخرق
أو كعير السوء إن أقصدته ... رمح الناس وإن جاع نهق
قال آدم بن عيينة قلب حجر بأرض الروم فإذا عليه مكتوب:
ولا تصحب أخا الحمق ... وإياك وإياه
стр. 39
فكم من جاهل أردى ... حكيماً حين واخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه
سلمة بن بلال قال: كان فتى يعجب علي بن أبي طالب ﵁ فرآه يوماً يماشي رجلاً متهماً فقال ﵁ وذكر الأبيات.
وكان بشر بن الحارث يقول: النظر إلى الأحمق سخنة عين والنظر إلى البخيل يقسي القلب.
أويس القرني
ومن عقلاء المجانين قدس الله سره، وهو أول من نسب إلى الجنون في الإسلام والمعروف من حديثه ما وجدته في كتاب جدي سعيد بن المسيب ﵀ ورضي عنه قال: نادى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر بمنى: يا أهل قرن، فقام مشايخ فقالوا ها نحن يا أمير المؤمنين فقال ﵁ أفي قرن من اسمه اويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ليس فينا من اسمه اويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال لا يألف ولا يؤلف قال ﵁ ذاك الذي أعنيه إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي وقولوا له إن رسول الله ﷺ بشرني بك وأمرني أن أقرأ عليك سلامه. قال فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه في الرمال فابلغوه سلام عمر رضي عنه وسلام رسول الله ﷺ فقال عرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي، السلام على رسول الله ﷺ وعلى آله، وهام على وجهه فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهراً، ثم عاد على أيام علي ﵁ مقاتلاً بين يديه، وقتل مستشهداً في صفين امامه، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة وطعنة وضربة ورمية.
هرم بن حيان قال: قدمت الكوفة ولم يكن لي هم إلا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه
стр. 40
وحتى وجدته قاعداً على شاطئ الفرات يغسل يديه ورجليه عليه ازار من صوف ورداء من صوف، كريه الوجه، مهيب المنظر جداً، وكان لحيماً آدم اللون شديد الأدمة كث اللحية، فسلمت عليه فرد علي وقال حياك الله من رجل ومددت إليه يدي لا صافحه، فأبى أن يصافحني فقلت وأنت فحياك الله، كيف أنت يا أويس رحمك الله؟ ثم سبقتني العبرة من حبي ورقتي له إذ رأيت من حاله ما رأيت حتى بكيت وبكى وقال: وأنت فرحمك الله يا هرم بن حيان، كيف أنت يا أخي؟ ومن دلك علي؟ فقلت: الله، فقال لا إله إلا الله سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، فتعجبت حين سماني وعرفني ولا والله ما رأيته قط ولا رآني فقلت من أين عرفتني وعرفت اسمي واسم أبي فوالله ما رأيتك قط قبل اليوم؟ فقال نبأني العليم الخبير عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأحياء وإن المؤمنين ليعرف بعضهم بعضاً ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا ويتعارفون ويتكلمون وإن نأت بهم الديار وتفرقت بهم المنازل، فقلت حدثني عن رسول الله ﷺ بحديث أحفظه عنك، فقال إني أدركت سرول الله ﷺ ولم يكن لي معه صحبة ولكني صحبت رجالاً رأوه وبلغني كبعض ما بلغكم ولا أريد أن أفتح هذا الباب، واحتج، فقلت له اقرأ علي آيات من كتاب الله تعالى وأوصني وصية فأحفظها، فقام وأخذ بيدي وقال " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " وشهق شهقة ثم بكى فقال: قال ربي، وأحق القول قول ربي وأصدق الحديث حديثه وأحسن الكلام كلامه: " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين " حتى بلغ إلى قوله تعالى " إنه هو العزيز الرحيم " ثم شهق شهقة ثم سكت، فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشى عليه، ثم قال: يا هرم بن حيان مات أبوك وبشرك أن تموت يا ابن حيان فأما إلى الجنة وأما إلى النار، مات أبواك آدم وحواء ومات نوح، ومات إبراهيم خليل الرحمن يا ابن حيان ومات موسى كليم الرحمن، يا ابن حيان ومات داود خليفة المسلمين، ومات أخي وصديقي وضيفي عمر بن الخطاب، ثم قال: واعمراه رحم الله عمر وعمر يومئذ حي قال هرم فقلت إن عمر لم يمت بعد قال قد نعاه إلي ربك إن كنت تفهم قد علمت ما
следующие страницы →