← Адаб

Адаб · id 1593

عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري

النيسابوري، ابن حبيب

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واسترزق الله مما في خزائنه ... فكل ما هو آت مرة آت قال عبيد الله بن سعيد الكاتب: دخل بعض الشعراء على ابن شوذب وهو الذي يضرب به المثل في كثرة الأموال، فأتى برعيل من الخيل فتأملها وقال أخرجوا منها ذلك المرعزي، ثم أتى بقطيع من الغنم لا تذبحوا ذلك الأدهم. وكان الشاعر قد مدحه بقصيدة فلما رأى ذلك خرج من عنده ولم ينشده، وأنشأ يقول. لا يعرف الضأن من المعزى ... ويحسب الأدهم مرعزّى صفت له الدنيا وضاقت لنا ... تلك لعمري قسمة ضئزى أنشد أبو الفضل العباس بن القاسم الطبري: قل لدهر على المكارم غطى ... يا قبيح الفعال جهم المحيا كم رفيع حططته عن يفاع ... ورقيع الحقته بالثريا وأنشد أبو بكر أحمد بن عمران السوادي: زمان قد تفرغ للفضول ... يسوّد كل ذي حمق جهول فإن أحببتم فيه ارتفاعاً ... فكونوا جاهلين بلا عقول وقال ابن الرومي: دهر علا قدر الرقيع به ... وترى الشريف يحطه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلاً ويعلو فوقه جيفه وقال علي بن محمد بن قادم: عذلوني على الحماقة جهلاً ... وهي من عقلهم ألذ وأحلى لو لقوا ما لقيت من حرفة العلم ... لساروا إلى الجهالة رسلا ولقد قلت حين اغروا بلومي ... أيها اللائمون في الحمق مهلاً حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا

стр. 37

وسمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكازري يقول سمعت إبراهيم بن محمد بن يزيد عن عبد الله بن الأكبر متردداً يقول: كان على سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: للناس حرص على الدنيا بتبذير ... وصفوها لك ممزوج بتكدير لم يرزقوها بعقل عندما قسمت ... لكنهم رزقوها بالمقادير كم من أديب لبيب لا يساعده ... ومائق نال دنياه بتقصير لو كان عن قوة أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير ورأيت في كتاب لابن ممشاد. قد كسد العقل وأصحابه ... وفتحت للحمق أبوابه فاستعمل الحمق تكن ذا غنى ... فقد مضى العقل وطلابه وللامام الشافعي ﵀: إن امرأ رزق اليسار ولم يصب ... حمداً ولا اجراً لغير موفق فالجد يدنى كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى ... عوداً فأثمر في يديه فحقق وإذا سمعت بأن محروماً رأى ... ماء ليشربه فغاض فصدق وأشد خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همة يبلى بعيش ضيق ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق ولابن الرومي: جاهي أدق من الصراط ... فيكم وعزي في انحطاط وتكايسى وتحاذقى ... يلجان في سم الخياط وأنا الشقي بأرضكم ... مثل المصور في البساط ولعي بن محمد السيرافي: ما همتي إلا مقارعة العدى ... خلق الزمان وهمتي لم تخلق

стр. 38

والمرء كالمدفون تحت لسانه ... ولسانه مفتاح باب مغلق إني أرى الأكياس قد تركوا سدى ... وأزمة الأملاك طوع الأحمق لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق وقال بعضهم: كم من أديب عاقل قلبه ... مكمل العقل مقل عديم ومن رقيع وافر ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم سبحان ربي إن ربي حكيم ... قد حرم العاقل فضل النعيم ما يظلم الرب ولكنه ... أراد أن يظهر عجز الحكيم وبلغني أن امرأة أتت بزرجمهر الحكيم فقالت له أيها الحكيم ما بال الأمر يلتام للعاجز ويلتان على الحازم؟ قال ليعلم العاجزان عجزه لن يضره وليعلم الحازم إن حزمه لن ينفعه وإن الأمر إلى غيرهما. قال أكتم بن صيفي حكيم العرب لبنيه: إياكم وصحبة الأحمق فإنه إلى أن يضركم أقرب منه إلى أن ينفعكم. قال الأحنف بن قيس لبعض أصدقائه: اجتنب صحبة النوكي فانهم لا يستقرون على حال وإياك والعتاب فإنه يفتح باب التغالي، والعتاب خير من الحقد. قال بشر بن عمرو اتق الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه. قال أبو الحسن علي بن إبراهيم: اتق الأحمق إن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق كلما رقعت منه جانباً ... صفقته الريح وهنا فانخرق أو كعير السوء إن أقصدته ... رمح الناس وإن جاع نهق قال آدم بن عيينة قلب حجر بأرض الروم فإذا عليه مكتوب: ولا تصحب أخا الحمق ... وإياك وإياه

стр. 39

فكم من جاهل أردى ... حكيماً حين واخاه يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه سلمة بن بلال قال: كان فتى يعجب علي بن أبي طالب ﵁ فرآه يوماً يماشي رجلاً متهماً فقال ﵁ وذكر الأبيات. وكان بشر بن الحارث يقول: النظر إلى الأحمق سخنة عين والنظر إلى البخيل يقسي القلب. أويس القرني ومن عقلاء المجانين قدس الله سره، وهو أول من نسب إلى الجنون في الإسلام والمعروف من حديثه ما وجدته في كتاب جدي سعيد بن المسيب ﵀ ورضي عنه قال: نادى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر بمنى: يا أهل قرن، فقام مشايخ فقالوا ها نحن يا أمير المؤمنين فقال ﵁ أفي قرن من اسمه اويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ليس فينا من اسمه اويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال لا يألف ولا يؤلف قال ﵁ ذاك الذي أعنيه إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي وقولوا له إن رسول الله ﷺ بشرني بك وأمرني أن أقرأ عليك سلامه. قال فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه في الرمال فابلغوه سلام عمر رضي عنه وسلام رسول الله ﷺ فقال عرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي، السلام على رسول الله ﷺ وعلى آله، وهام على وجهه فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهراً، ثم عاد على أيام علي ﵁ مقاتلاً بين يديه، وقتل مستشهداً في صفين امامه، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة وطعنة وضربة ورمية. هرم بن حيان قال: قدمت الكوفة ولم يكن لي هم إلا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه

стр. 40

وحتى وجدته قاعداً على شاطئ الفرات يغسل يديه ورجليه عليه ازار من صوف ورداء من صوف، كريه الوجه، مهيب المنظر جداً، وكان لحيماً آدم اللون شديد الأدمة كث اللحية، فسلمت عليه فرد علي وقال حياك الله من رجل ومددت إليه يدي لا صافحه، فأبى أن يصافحني فقلت وأنت فحياك الله، كيف أنت يا أويس رحمك الله؟ ثم سبقتني العبرة من حبي ورقتي له إذ رأيت من حاله ما رأيت حتى بكيت وبكى وقال: وأنت فرحمك الله يا هرم بن حيان، كيف أنت يا أخي؟ ومن دلك علي؟ فقلت: الله، فقال لا إله إلا الله سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، فتعجبت حين سماني وعرفني ولا والله ما رأيته قط ولا رآني فقلت من أين عرفتني وعرفت اسمي واسم أبي فوالله ما رأيتك قط قبل اليوم؟ فقال نبأني العليم الخبير عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأحياء وإن المؤمنين ليعرف بعضهم بعضاً ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا ويتعارفون ويتكلمون وإن نأت بهم الديار وتفرقت بهم المنازل، فقلت حدثني عن رسول الله ﷺ بحديث أحفظه عنك، فقال إني أدركت سرول الله ﷺ ولم يكن لي معه صحبة ولكني صحبت رجالاً رأوه وبلغني كبعض ما بلغكم ولا أريد أن أفتح هذا الباب، واحتج، فقلت له اقرأ علي آيات من كتاب الله تعالى وأوصني وصية فأحفظها، فقام وأخذ بيدي وقال " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " وشهق شهقة ثم بكى فقال: قال ربي، وأحق القول قول ربي وأصدق الحديث حديثه وأحسن الكلام كلامه: " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين " حتى بلغ إلى قوله تعالى " إنه هو العزيز الرحيم " ثم شهق شهقة ثم سكت، فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشى عليه، ثم قال: يا هرم بن حيان مات أبوك وبشرك أن تموت يا ابن حيان فأما إلى الجنة وأما إلى النار، مات أبواك آدم وحواء ومات نوح، ومات إبراهيم خليل الرحمن يا ابن حيان ومات موسى كليم الرحمن، يا ابن حيان ومات داود خليفة المسلمين، ومات أخي وصديقي وضيفي عمر بن الخطاب، ثم قال: واعمراه رحم الله عمر وعمر يومئذ حي قال هرم فقلت إن عمر لم يمت بعد قال قد نعاه إلي ربك إن كنت تفهم قد علمت ما

стр. 41

قلت وأنا وأنت في القرى؟، وكان قد صلى على النبي ﷺ ودعا بدعوات خفيات ثم قال هذه وصيتي: عليك يا ابن حيان بكتاب الله وبقايا الصالحين من المسلمين نعيت لك نفسي ونفسك فعليك بذكر الله وذكر الموت فلا يفارقان قلبك طرفة عين ما بقيت، وانصح لأهل ملتك جميعاً، وإياك وأن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار، ثم قال: إلهي إن هذا يزعم أنه يحبني فيك وزارني من أجلك، واللهم عرفني وجهه في الجنة واحفظه في الدنيا حيث ما كان وارضه من الدنيا باليسير وما أعطيته من الدنيا فيسره له واجعله بما تعطيه من نعمتك من الشاكرين واجزه عني خير الجزاء، أستودعك الله يا هزم بن حيان والسلام عليك ورحمة الله لا أراك بعد اليوم رحمك الله فإني أكره الشهرة وأحب الوحدة ولا تطلبني واعلم انك مني على بال وإن لم أرك ولم ترني فاذكرني وادع لي فإني سأذكرك وأدعو لك إن شاء الله تعالى. وفارقني يبكي وأبكي، فجعلت انظر في قفاه حتى دخل في بعض السكك فكم طلبته بعد ذلك وسألت عنه فما وجدت من يخبرني خبره. الربيع بن خيثم قال: أتيت أويس القرني فوجدته جالساً قد صلى الفجر فقلت لا اشغله عن التسبيح، فمكث مكانه، ثم قام إلى الصلاة حتى صلى الظهر، ثم قام إلى الصلاة حتى صلى العصر، ثم هكذا حتى صلى المغرب، فقلت في نفسي لا بد من أن يرجع ليفطر، فثبت مكانه حتى صلى العشاء الأخيرة، فقلت لعله يفطر بعد العشاء، فثبت مكانه حتى صلى الفجر ثم جلس فغلبته عيناه فانتبه وقال: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة ومن بطن لا يشبع، فقلت حسبي ما عاينت ورجعت. قتادة عن الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة أكثر من ربيعة ومضر، أما اسمي لكم ذلك الرجل؟ قالوا بلى يا رسول الله قال ﷺ : ذلك أويس القرني، ثم قال يا عمر إن أدركته فاقرئه مني السلام وقل له حتى يدعو لك واعلم إنه كان به وضح فدعا الله تعالى فرفع عنه ثم دعا الله فرد عليه بعضه. فلما كان في خلافة عمر ﵁ وهو بالموسم قال ليجلس كل رجل منكم إلا من كان من قرن فجلسوا إلا رجلاً فدعاه وقال له تعرف فيكم رجلاً اسمه أويس فقال وما تريد منه فإنه رجل

стр. 42

لا يعرف يأوي الخرابات ولا يخالط الناس، فقال اقرئه مني السلام وقل له حتى يلقاني فأبلغه الرجل رسالة عمر ﵁ فقدم عليه فقال له عمر: أنت أويس؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: صد الله ورسوله، هل كان بك وضح فدعوت الله فرفعه عنك ثم دعوته تعالى فرد عليك بعضه؟ فقال: نعم، من خبرك به فوالله ما اطلع عليه غير الله؟ فقال اخبرني رسول الله ﷺ . وأمرني أن سألك حتى تدعو لي، وقال يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر ثم سماك، قال فدعا لعمر ثم قال: حاجتي إليك يا أمير المؤمنين أن تكتمها علي وتأذن لي بالانصراف ففعل، فلم يزل مستخفياً من الناس حتى استشهد يوم نهاوند ﵀. مجنون ليلى هو من جملة من يذكر من المجانين أشهر، وحديثه أوضح وأيسر، وإنه بلغ من شهرته إن جنونه غلب على اسمه حتى إنه إن سمي أو عزى إلى أبيه لم يثبت بل يقال قال المجنون كذا وفعل مجنون بني عامر كذا حتى عابه كثير من الشعراء بالبوح ومدحوا أنفسهم بالكتمان. قال أبو عبيدة: هو مهدي بن الملوح بن مزاحم بن قيس بن عدي ابن ربيعة بن جعدة بن كعب. وقال يزيد بن عبد الأكبر: هو قيس بن معاذ بن شامة بن نصير. سئل مجنون بني عامر: كيف كان سبب عشقك لليلى؟ قال: بينا أنا في عنفوان عزتي وريعان صباي أسحب ذيل اللعب وأرمي الكواعب من كثب، أصبو إليهن فيفترقن، وأهزأ بهن فلا ينتصفن، إذا اعتقلتني حبائل فتاة من عذرة فذهلني حبها، وتيمني عشقها، وإذا جذبة جذبتني فمن أشعاره قوله:

стр. 43

ولم أر ليلى غير موقف ساعة ... بخيف مني ترمي جمار المحصب وتبدي الحصى منها إذا قذفت به ... من البعد أطراف البنان المخضب وأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... من الصبح في اعجاز نجم مغرب الا إنما غادرت يا بدر مالك ... صدا حيثما هبت به الريح يذهب قيل لليلى: حبك للمجنون أكثر أم حبه لك؟ فقالت: بل حبي له. قيل فكيف؟ قالت لأن حبه لي كان مشهوراً وحبي له كان مستوراً. قال ابن الكلبي: إن المجنون في أول ما كلف بليلى قعد عندها يوماً يتحدث فرآها تعرض عنه وتقبل على غيره فشق ذلك عليه وعرفت ذلك في نفسه فأقبلت عليه وقالت: وكل مظهر للناس حباً ... وكل عند صاحبه مكين فخر مغشياً عليه، ثم تمادى في الغلو حتى ذهب عقله. قال محمد بن الكلبي: نزل المجنون برهط ليلى فجاء إلى امرأة كانت عارفة بأمرها، فشكى إليها ما يجده، فوعدته أن تجمع بينهما، فمضت وأخذتها وجمعت بينهما، فأنشأ يقول: إذا قربت داراً كلفت وإن نأت ... أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد فإن وعدت زاد الهوى بانتظارها ... وإن بخلت بالوعد مت على الوعد أقول: وتمام الأبيات: بكل تداوينا ولم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد قال الأصمعي: حدثت إن رهط قيس المجنون قالوا لأبيه اطلب لنا طبيباً لعله يطلعنا على ما به، فأحضر إليهم طبيباً، فعالجه فلما أعياه خلاه، فأنشأ قيس يقول: ألا يا طبيب النفس أنت طبيبها ... فرفقا بنفس قد جفاها حبيبها دعتني دواعي الحب ليلى ودونها ... ذوي قوة قلبي الحزين قلوبها؟ فديتك من داع دعا ولو انني ... حشاي من أحجار لظل يجيبها ما هجرتك النفس من أجل انها ... قلتك ولكن قل منها نصيبها

стр. 44

قال الأصمعي: إن رهط قيس قالوا لأبيه: لو خرجت به إلى الحج فتدعو الله لعله ينساها، فخرج به فبينا هو يرمي الجمار نادى مناد من بعض تلك الخيام: يا ليلى، فخر قيس مغشياً عليه، ثم أفاق وأنشأ يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بقلبي طائراً كان في صدري إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ... كما انتفض العصفور من بلل القطر وهي قصيدة طويلة. قيل: حبس المجنون مع ليلى في السجن فقيل له اخرج فقال لا أخرج لأن أكون مع الحبيب في السجن خير من الفراق فأخرج فجاء الناس يعزونه فقال ارتجالاً: ليل الحبيب مع الحبيب نهار ... وكذاك أيام الوصال قصار وقال أيضاً: وسجني مع المحبوب فردوس جنتي ... وناري مع المحبوب في النار أنوار وذكر إن سعيد بن الحاص؟ كان صديقه فعاتبه يوماً فقال له فضحت نفسك وعشيرتك فقال: اريد لا نسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل فلا تلحننى يا سعيد فانني ... وحق إلهي هالك بقليل قال كثير عزة: خرجت أريد قضاء حاجة لي فضللت الطريق فإذا أنا برجل قاعد فقلت إنسي أنت أم جني؟ فقال بل إنسي، فقلت ما أقعدك ها هنا؟ فقال إن هنا صياداً فأحببت أن أنظر إلى صيده، فأنخت راحلتي قريباً منه، فبينا نحن نتحدث إذ اضطرب الحبل فقام وقمت فإذا بظبية كأحسن ما يكون من الظباء واسمنهن، فاستخرجها برفق، وجعل يقبل خديها وعينيها ثم أرسلها وهو يقول:

стр. 45

اذهبي في كلاءة الرحمن ... أنت منى في ذمة وأمان فتهني فالجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان لا تخافي بأن تسامي بسوء ... ما تغني الحمام في الأغصان قال كثير: فأعجبني ما رأيت منه، فأقمت عنده، فلما كان من الغد غدا ونصب حبالته، فما لبث أن اضطرب الحبل، فقام وقمت فإذا ظبي كنحو ما كان بالأمس، ففعل به كما فعل بالآخر، فمضى غير بعيد ثم وقف ينظر إليه وأنشأ فقال: ايا شبه ليلى لا تراعي فانني ... لك اليوم من وحشية لصديق فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق ثم لبثنا يومنا وليلتنا، فلما كان من الغد غدا وغدوت وصنع مثل صنيعه، فإذا نحن بظبية قد وقعت في الحبالة، ففعل مثل ذلك فخلاها وأنشأ يقول: تذكرني ليلى من الوحش ظبية ... لها مقلتاها والمقلد والحشا فينهل دمع العين يجري لذكرها ... وأسفي عليك القلب بالدمع ما جرى فقلت: لله أبوك، ما أعجب شأنك فالتفت إلي ثم قال: أتلحى محباً هائماً أن رأى لمن ... أحب شبيهاً في الحبالة موثقا فلما دنا منه تذكر شجوه ... وآنس مما قد رآه تشوقا وهيج منه حائل دون ذبحه ... فأرسله من أجل ليلى فاعتقا ألا لا تلمه بل له اليوم حرقة ... من الوجد لا يزداد إلا تحرقا فوالله إني لفي ذلك إذ أقبل راكب فقال: اللهم إني أسألك خير ما عنده، فجاء حتى وقف فقال: اصبر يا قيس، قال عمن قال؟ عن ليلى، فقام إلى بعيره وقمت إلى بعيري فشددنا عليهما ثم أقبلنا إلى الحي فقال: أرشدوني إلى قبرها، فأشاروا له إلى قبر حديث عهد بطين، فأكب يقبله ويلتزمه ويشم ترابه وأنشأ يقول: أيا قبر ليلى لا شهدناك أعولت ... عليك نساء من فصيح ومن عجم

стр. 46

ويا قبر ليلى إن في الصدر غصة ... مكان الشجى سدت مع الريق بالسلم ثم شهق شهقة فمات، فدفنته أنا والراكب، وأنشأت أقول: سابكيكما ما عشت حياً وإن أمت ... فإني قد لاقيت ما تجدان قيل للمجنون: أتحب ليلى؟ قال لا، قيل ولم؟ قال لأن المحبة ذريعة للرؤية فقد سقطت الذريعة فليلى أنا وأنا ليلى. أنشدنا محمد بن المنذر للمجنون: تذكرت ليلى والفؤاد عميد ... وشطت نواها والمزار بعيد يبدي الهوى من صدر كل متيم ... وحبي لليلى ما حييت جديد قال الأصمعي: لم يكن المجنون مجنوناً ولكن كانت فيه لوثة كلوثة أبي حية النميري، وهو من أشعر الناس، ومن جيد شعره: أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الزجر فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر ويا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما لم يكن صنع الهجر عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر وأنشد الجعد بن عقبة الجرمي لمجنون بن عامر: دعوت إله الناس عشرين حجة ... نهاراً وليلاً في الجميع وخاليا لكي تبتلى ليلى بمثل بليتي ... فتعلم حالي أو ترق لما بيا فلم يستجب لي الله فيها ولم يفق ... هواي ولكن زيد حب برانيا

стр. 47

فيا رب حببني إليها أو اشفني ... بها أو أرح مما يقاسي فؤاديا ومن شعره أنشد ابن الأعرابي: يقولون عن ليلى غنيت وإنما ... بي اليأس عن ليلى وليس بي الصبر فيا حبذا ليلى إذ الدهر صالح ... وسقيا لليلى بعد ما فسد الدهر فإني لا هواها وإني لآيس ... هوى وإياس كيف صمهما الصدر وله أيضاً: امر مجانباً عن دار ليلى ... ألم بها وفي قلبي غليل وقلبي عند ساكنها فهل لي ... إلى قلبي وساكنها سبيل فلو أن الطلول أجبن صبا ... لرحمته أجابتني الطلول وله أيضاً: وجاؤوا إليه بالتعاويذ والرقى ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس وقالوا به من أعين الجن لحظة ... ولو عقلوا قالوا به أعين الأنس وله أيضاً: أيا شبه ليلى إن ليلى مريضة ... وأنت صحيح إن ذا لمحال أقول لظبي مر بي في مفازة ... لانت أخو ليلى فقال يقال وإن لم تكن ليلى غزالاً بعينها ... فقد أشبهتها ظبية وغزال ومن مشهور شعره: ذكرتك والحجيج له ضجيج ... ببكة والقلوب لها وجيب فقلت ونحن في بلد حرام ... به لله أخلصت القلوب أتوب إليك يا رحمن إني ... أسأت وقد تضاعفت الذنوب وأما من هوى ليلى وحبي ... زيارتها فإني لا أتوب

стр. 48

سعدون قال عطاء السلمي احتبس عنا القطر بالبصرة فخرجنا نستسقي فإذا بسعدون المجنون فلما أبصرني قال يا عطاء إلى أين؟ قلت خرجنا نستسقي فقال بقلوب سماوية أم بقلوب خاوية؟ قلت بقلوب سماوية، فقال لا تبهرج فإن الناقد بصير، قلت ما هو إلا ما حكيت لك فاستق لنا، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: أقسمت عليك الا سقيتنا الغيث، ثم أنشأ يقول: أيا من كلما نودي أجابا ... ومن بجلاله ينشي السحابا ويا من كلم الصديق موسى ... كلاماً ثم ألهمه الصوابا ويا من رد يوسف بعد ضر ... على من كان ينتحب انتحابا ويا من خص أحمد باصطفاء ... وأعطاه الرسالة والكتابا إسقنا. قال: فأرخت السماء شآبيب كأفواه القرب. فقلت زدني، قال ليس ذا الكيل من ذاك البيدر، ثم قال: سبحان من لم تزل له حجج ... قامت على خلقه بمعرفته قد علموا أنه مليكهم ... يعجز وصف الأنام عن صفته قال عطاء: رأيت سعدون يتفلى ذات يوم في الشمس فانكشفت عورته فقلت له استرها أخا الجهل فقال: أمالك مثلها؟ واستتر، ثم مر بي يوماً وأنا آكل رماناً في السوق ففرك أذني وقال من الجاهل أنا أم أنت؟ ثم قال: أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه وما خير من تخفى عليه عيوبه ... ويبدو له العيب الذي لأخيه

стр. 49

وكيف أرى عيباً وعيبي ظاهر ... وما يعرف السوءآت غير سفيه قال عبد الله بن سويدك رأيت سعدون المجنون وبيده فحمة وهو يكتب بها على جدار قصر خراب: يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... إن لها في كل يوم خليل ما أقبح الدنيا لخطابها ... تقتلهم عمداً قتيلاً قتيل تستنكح البعل وقد وطنت ... في موضع آخر منه البديل أنعم في عيشي وأيدي البلا ... تعمل في نفسي قليلاً قليل تزودوا للموت زاداً فقد ... نادى مناديه الرحيل الرحيل قال خالد بن منصور القشيري قدم علينا سعدون المجنون فسمعته ليلة من الليالي يقول في دعائه: لك خشعت قلوب العارفين وإليك طمحت آمال الراجحين، ثم أنشأ يقول: وكن لربك ذا حب لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدام قال إسماعيل بن عطاء العطار: مررت بسعدون فلم أسلم عليه، فنظر إلي ثم قال: يا ذا الذي ترك السلام تعمداً ... ليس السلام بضائر من سلما إن السلام تحية مبرورة ... ليست تحمل قائلاً أن يأثما قال ثابت بن عبد الله أنشدني سعدون المجنون أبياتاً في الوصف: تفهم يا أخي وصف الملاح ... وقد ركبوا النجائب في الوشاح من الحور الحسان منعمات ... تفوق وجوهها ضوء الصباح يراهن المهيمن من عبير ... وشرفهن حقاً بالفلاح وصدغ فوق سالفة بمسك ... كمشق النون في رق مباح إذا خطرت تحير كل حسن ... وإن مرحت أهل للمراح تقول إذا أتت نحو العذارى ... ألا يا خود هل حبي بصاح

стр. 50

فقد نغصن لذاتي جميعاً ... واعدمني هواها شرب راحى قال الفتح بن سالم كان سعدون سياحاً لهجاً بالقول فرأيته يوماً بالفسطاط قائماً على حلقة ذي النون وهو يقول يا ذا النون متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً فقال ذو النون: إذا اطلع الخبير على الضمير ... ولم ير في الضمير سوى الخبير قال فصرخ سعدون وخر مغشياً عليه، ثم أفاق فقال: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال يا أبا الفيض إن من القلوب قلوباً تستغفر الله قبل أن تذيب قال: نعم نبأت قبل أن تطيع أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، ثم قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء كن لي بكليتك أكن لك وقل للمطيعين إن لم تطيعوني فلا تقربوا مني. وكان ابن أبي أوفى يقول قعدنا في جزيرة من الجزائر نتشارب المز وفينا شيخ يغني ويقول: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن شربه الماء وإذا رجل يهتف: كذبت يا شيخ: أما النبيذ فقد يذري بصاحبه ... ولا أرى شارباً يذري به الماء فالتفتنا فإذا سعدون المجنون. قال عطاء التيمي: كنت أبني فأشرفت من بعض الجدران فإذا سعدون يكتب بقطعة فحم على جدار: ما حال من سكن الثرى ما حاله ... أمسى وقد رتّ هناك حباله أمسي ولا روح الحياة يصيبه ... أبداً ولا لطف الحبيب يناله

стр. 51

أمسي وقد درست محاسن وجهه ... وتفرقت في قبره أوصاله واستبدلت منه المحاسن غبرة ... وتقسمت من بعده أمواله ما زالت الأيام تلعب بالفتى ... والمال يذهب صفوه وجلاله قال ذو النون المصري رأيت سعدون في مقابر البصرة وهو يناجي ربه ويقول بصوت عال أحد أحد فسلمت عليه فرد علي، فقلت بحق من تناجيه ألا وقفت، فوقف، ثم قال: قل: قلت أوصني بوصية أحفظها عنك أو تدعو بدعوة فأنشأ يقول: يا طالب العلم من هنا وهنا ... ومعدن العلم بين جنبيكا إن كنت تبغي الجنان تسكنها ... فاسبل الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد ... وادعه كي يقول لبيكا ثم مضى وهو يقول: يا غياث المستغيثين، فقلت له ارفق بنفسك فلعله ينظر إليك برحمته فنزع يده من يدي، وهو يقول: سلام على طيب المقام سلام ... فليس لعين المستهام منام ولو ترك الأغماض يوماً لجفنه ... لا يقظه مما يجن ضرام ثم مضى وتركني. قال رباح القيسي: سمعت مالك بن دينار، يقول: أصاب الناس بالبصرة قحط شديد، فخرجنا نستسقي فإذا أنا بسعدون في بعض الخرابات فقلت له بالذي خلقك استسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء وقال " يا فاطر الأشباح والأرواح ومنشئ السحاب والرياح وفالق الأصباح بحق ما جرى البارحة أن ترحم عبادك وبلادك ولا تهلك بلادك بذنوب عبادك " قال فما استتم كلامه حتى أرخت السماء غرابيلها وجادت بوابلها فخرج يخوض الماء وهو يقول: قل لدنياي أبعدي وتولي ... ان تريني فإنني لا أراك

стр. 52

وصلي واملكي وداد سوائي ... انني مغرم بحب سواك إن تكوني أسرت بالذنب قوما ... فاذهبي أنت لست من أسراك قال محمد بن الصباح خرجنا بالبصرة نستسقي فلما أصحرنا إذا بسعدون يفلي جبة صوف له، فلما رآنا قام وقال إلى أين؟ قلنا نستسقي المطر، فقال بقلوب سماوية أم بقلوب خالية فقلنا بقلوب سماوية فقال اجلسوا ها هنا فجلسنا حتى ارتفع النهار والسماء لا تزداد إلا صحوا فقال يا بطالين لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم ثم توضأ وصلى ركعتين ولحظ السماء بطرفه وتكلم بكلام لم نسمعه فما استتم كلامه حتى أرعدت وأبرقت وأمطرت مطراً جواداً فسألناه عن الكلام الذي تكلم به فقال إليكم عني إنما هي قلوب حنت فرنت فعاينت فعلمت فعملت وعلى ربها توكلت، وأنشأ يقول: أعرض عن الفخر والتمادي ... وارحل إلى سيد جواد ما العيش إلا جوار قوم ... قد شربوا صافي الوداد قال: ورأيت مكتوباً على جبته: يا ذنوبي عليك طال بكائي ... صرت لي مأتماً فقل عزائي في كتابي عجائب مثبتات ... ليتني ما لقيتها في بقائي نظر العين قادني للخطايا ... إذ أذنت اللحوظ للأهواء تالياً للقرآن يتلو المعاصي ... اسمه في السماء عبد مرائي قال ذو النون المصري: خرجت بكرة إلى مقابر عبد الله بن مالك فإذا أنا بشخص مقنع كلما رأى قبراً منخسفاً وقف عليه فقصدته، فإذا هو سعدون، فقلت سعدون، فقال سعدون فقلت ما تصنع ها هنا؟ فقال إنما يسال عما أصنع من أنكر ما أصنع وأما من عرف ما أصنع فما معنى سؤاله؟ فقلت يا سعدون تعال نبكي على هذه الأبدان قبل أن تبلى، فتأوه ثم قال البكاء على القدوم على الله أولى بنا من البكاء على الأبدان، فإن يكن عندها شر أبلاها في القبور فسوف يبعثها ربها للعرض والنشور. يا ذا النون إنك إن تدخل النار فلا ينفعك دخول غيرك الجنة وإن تدخل الجنة لا يضرك دخول غيرك النار، ثم قال يا ذا النون وإذا الصحف نشرت، ثم صاح واغوثاه ماذا يقابلني في الصحف قال: فغشي علي

стр. 53

فلما أفقت إذا هو يمسح وجهي بكمه ويقول يا ذا النون من أشرف منك إن مت مكانك هذا: قال محمد بن الصباح قرأت على قميص سعدون: عيني أبكي علي قبل انطلاقي ... بدموع منها تسيل المآقي واندبي مصرعي فقد مضني الشوق ... ونوحي علي قبل الفراق قال مالك بن دينار دخلت جبانة البصرة فإذا أنا بسعدون فقلت له كيف حالك وكيف أنت فقال يا مالك كيف يكون حال من أمسى وأصبح يريد سفراً بعيداً بلا أهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل، ثم بكى بكاء شديداً، قلت ما يبكيك، قال والله ما أبكي حرصاً على الدنيا ولا جزعاً من الموت لكني بكيت ليوم مضى من عمري لم يحسن فيه عملي، أبكاني والله قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكؤود ولا أدري بعد ذلك أصير إلى الجنة أو إلى النار، فسمعت منه كلام حكيم، فقلت له إن الناس يزعمون أنك مجنون. فقال وأنت قد اغتررت بما اغتر به بنو الدنيا زعم الناس أنني مجنون وما بي جنة ولكن حب مولاي قد خالط قلبي وأحشائي وجرى بين لحمي ودمي وعظمي فأنا والله من حبه هائم مشغوف، قلت فلم لا تجالس الناس وتخالطهم؟ فأنشد الأبيات المشهورة: خذ عن الناس جانباً ... كي يظنوك راهبا وأنشد أيضاً: ولو لم يكن شيئاً سوى الموت والبلى ... وتفريق أعضاء ولحم مبدد لكنت حقيقاً يا ابن آدم بالبكا ... على نائبات الدهر مع كل مسعد قال عبد الله بن خالد الطوسي: لما خرج هارون الرشيد إلى مكة فرش له من جون العراق إلى مكة لبد مرعزي وكان حلف على أن يحج راجلاً فاستند يوماً إلى ميل

стр. 54

وقد تعب، فإذا سعدون قد عارضه وهو يقول: هب الدنيا تواتيكا ... أليس الموت ياتيكا فما تصنع بالدنيا ... وظل الميل يكفيكا ألا يا طالب الدنيا ... دع الدنيا لشانيكا فما أضحكك الدهر ... كذاك الدهر يبكيكا فشهق الرشيد شهقة فخر مغشياً عليه ثم أفاق بعد أن فاته ثلاث صلوات. قال ذو النون بينا أنا في أزفة مصر إذا أنا بسعدون المجنون وعليه جبة صوف جديدة مكتوب عليها خطوط قد أدخل رأسه فيها، فسلمت عليه فرد السلام، فقلت: قف يا أبا سعيد حتى أنظر ما على جبتك، فوقف، فقرأت على كمه الأيمن سطرين: عصيت مولاك يا سعيد ما هكذا تفعل العبيد وعلى كمه الأيسر سطرين: تباً لمن قوته رغيف ... يأتي به السيد اللطيف يعصي إلهاً له جلال ... وهو به راحم رؤوف ومن خلفه سطران: كل يوم يمر يأخذ بعضي ... يذهب الأطيبان منه ويمضي نفس كفي عن المعاصي وتوبي ... ما المعاصي على العباد بفرض ومن بين يديه سطران: أيها الشامخ الذي لا يرام ... نحن من طيبة عليك السلام إنما هذه الحياة متاع ... ومع الموت يستوي الاقدام وعلى عكازه مكتوب: اعمل وأنت من الدنيا على وجل ... واعلم بأنك بعد الموت مبعوث

стр. 55

واعلم بأنك ما قدمت من عمل ... محصى عليك وما خلفت موروث قال: فقلت له أنت حكيم ولست بمجنون، قال أنا مجنون الجوارح ولست بمجنون القلب ثم ولى هارباً. قال ذو النون: بينا أنا أطوف ذات ليلة حول البيت وقد هدأت العيون إذ أنا بشخص قد حاذاني وهو يقول: رب عبدك المسكين الطريد الشريد من بين خلقك، أسألك من الأمور أقربها إليك وأسألك بأصفيائك الكرام من الأنبياء إلا سقيتني كأس محبتك وكشفت عن قلبي أغطية الجهل حتى أرقى بأجنحة الشوق إليك فأناجيك في أركان الحق بين رياض بهائك، ثم بكى، ثم ضحك وانصرف، فتبعته حتى خرج من المسجد فأخذ خرابات مكة فالتفت إلي وقال: مالك ارجع أمالك شغل؟ قلت ما اسمك رحمك الله، قال عبد الله، قلت ابن من أنت؟ قال ابن عبد الله، قلت قد علمت أن الخلق كلهم عبيد الله وبنو عبيد الله فما اسمك؟ قال أسماني أبي سعدون، قلت المعروف بالمجنون؟ قال نعم، قلت فمن القوم الذين سألت الله بهم؟ قال أولئك قوم ساروا إلى الله سير من قد نصب المحبة بين عينيه وتخوف تخوف من أخذت الزبانية بقلبه ثم التفت إلي فقال ذا النون! قلت نعم، قال يا ذا النون بلغني أنك تقول فقل لي شيئاً اسمع في أسباب المعرفة، فقلت أنت الذي يقتبس من علمك، فقال حق السائل الجواب ثم أنشأ يقول: قلوب العارفين تحن حتى ... تحل بقربه في كل راح صفت في ود مولاها فما أن ... لها من وده أبداً براح؟ قال موسى بن يحيى كان سعدون إذا اشتد به الجوع يرمي بطرفه إلى السماء ويقول: أتتركني وقد آليت حلفاً ... بأنك لا تضيع من خلقتا وأنك ضامن للرزق حتى ... تؤدي ما ضمنت وما قسمتا وإني واثق بك يا إلهي ... ولكن القلوب كما علمتا قال عيسى بن علي رأيت سعدون ذات يوم، والصبيان يؤذونه، فطردت عنه

стр. 56

الصبيان فقال بعض الصبيان هو يزعم أنه يرى ربه، فقلت له أما تسمع ما يقول الصبيان، قال وما هو، قلت يقولون أنك ترى الله ، فقال يا أخي مذ عرفت الله ما فقدته، ثم أنشأ يقول: زعم الناس أنني مجنون ... كيف أسلو ولي فؤاد مصون علق القلب بالبكا في الدياجي ... وهو بالله مغرم محزون قال وقرأت على فروة له: نغص الموت ريحه كل طيب ... ودهاني بفقد كل حبيب ولكم أذ رأيت من حدث السن ... غريراً كغصن بان رطيب حسن بالموت فانثنى بانكسار ... واضعاً خده بذل عجيب قائلاً اخوتي سلام عليكم ... آذنت شمس مدتي بالمغيب قال مالك بن دينار كنت حاجاً فغلبتني عيناي فرقدت عند الكعبة فوقف سعدون على رأسي، فقال: يا أيها الراقد كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من الليل وساعاته ... فازدد إذا ما سجد السجد كتب سعدون المجنون إلى جعفر المتوكل: يا أخي، أما بعد، فإنك قد طمعت بالحياة ونسيت تراصف الأقدام وتطاير الصحف في الشمائل والإيمان، فاذكر حسراتك عند انكشاف الغطاء واقرأ فلا أنساب يومئذ بينهم ولا يتساءلون. عطية بن إسماعيل الموكل على زمام المأمون قال كتب سعدون إلى المأمون وقد بنى قصراً: يا من بنى القصر في الدنيا وشيده ... أسست قصرك حيث السيل والغرق لو كنت تغني بذخر أنت ذاخره ... أسسته حيث لا سوس ولا حرق

стр. 57

والموت مصطبح منكم ومغتبق ... فاحتل لنفسك قبل الورد يا حمق واذكر ثموداً وعاداً أين أنفسهم ... فلو بقي أحد من بعدهم لبقوا ثم كتب عنوان الكتاب " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ". عطاء بن سعيد قال كتب سعدون إلى والينا وكان قد آذانا: أما بعد. يا هذا فإنك إن لم تستح من نفسك فاستحي من ربك لا يغرك بسطه عليك فإنه إن غاقصك أهلكك وهتكك ثم كتب عنوانه إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا. عبد الله بن سهل قال كتب سعدون إلى بعض الخلفاء. أما بعد فإن الله أخذ على السماوات والأرض والجبال عهداً فأودعه إياهن فأما السماوات فتناثر أنجمها وانطمس شمسها واضمحل قمرها وتراصدت أقدام سكانها وارتعدت أكنافها، وأما الأرض فانزوى أطرافها واكدودر ماؤها وتناثر أوراق شجرها وأغصانها وثمارها، وأما الجبال فتحلمد شوامخها وسالت أوديتها ارتعاداً وانتقاضاً من شدة الأمانة التي كلفتها، وأنت في ضعف حياتك وبلادة خواطرك وعجزك مذ كلفت الأمانة فما تحرك عليك عضو ولا بذعر منك مفصل قد ركبت مجانب مخادعك وجعلت الدنيا نزهة بطالتك فانتبه من رقدة الوسن قبل أن يكشفك الحزن والسلام. قال عبد الصمد بن إسرائيل كتب سعدون إلى بعض إخوانه. أما بعد يا أخي جعلنا الله وإياك من الذين غاصوا في بحار الشوق فاستخرجوا صدف اللطف فسقط عنهم الأذى والأسف ثم كتب عنوانه من بعث راح ومن راح استراح.

стр. 58

قال نصر بن خالد كتب سعدون إلى بعض إخوانه. أما بعد يا أخي جعل الله قلبك سماوياً معلقاً بجلال مودته حتى تنصب إليك ينابيع الدلائل فتسمو إليه بموارث الطاعة ثم كتب عنوانه ميراث صفاء القلوب ودوام الشبع يميت القلوب. وديعة الواسطي قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه: أما بعد فارحل قبل أن يرحل بك وتزود قبل المسير إلى ربك فإنك تريد قطع مفاوز لا يقطعها البطالون، قطع الله عنك الطمع وجعلك ممن وصف في كتابه لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين. سعيد بن أبي عبيد الله الآجري قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه: أما بعد فقد بلغني أنك تركت الآخرة وأقبلت على الدنيا، وإذا كان العبد من الله على كفاية ومال إلى الدنيا سلبه الله ﷻ حلاوة الطاعة عنه فيظل حيران فيقبل بعد ذلك عليه فيقول عبدي ارجع إلى ما كنت عليه. إسماعيل بن عبد الله قال كتب سعدون إلى بعض اخوانه: أما بعد من استعمل معول الفهم قوي على حفر خنادق الكد ومن أتى جب المعرفة استسقى بدلو الجد ومن نظر في مرآة الفكر سقطت عنه لذة الكرى ثم أنشأ: ومن الناس من يعيش شقياً ... جاهل القلب غافل اليقظه فإذا كان ذا وفاء ورأي ... حفظ الوقت واتقى الحفظه إنما الناس راحل ومقيم ... فالذي بان للمقيم عظه عبد الله بن سهل قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه أما بعد يا أخي فانه من تعرض لعقوبة الله هوى وشقي ومن تعرض لرضاء الله كفي ووقى فاجعل حظك من دنياك الاشتغال بطاعة مولاك والسلام.

стр. 59

قال وكتب بهذا الشعر إلى بعض إخوانه: تحب الصالحين بزعم قلبك ... وتخلو إن فقدتهم بذنبك فمن حب الخليل تفر منه ... وهذا كله من كذب حبك ستندم حين لا ندم بمجد ... وتعلم ما يحل غدا بجنبك قال مالك بن دينار مات بعض قراء البصرة، فخرجنا في جنازته، فلما انصرفنا من دفنه صعد سعدون تلا ونادى: إلا يا عسكر الأحياء ... هذا عسكر الموتى أجابوا الدعوة الصغرى ... وهم منتظروا الكبرى يقولون لكم جدوا ... فهذا غاية الدنيا سلمة بن عقيل قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه: جعلنا الله وإياك من الذين ادبوا أنفسهم بدرة الجوع وردموا خندق الأحزان وجاوزوا عقاب الشدائد وقطعوا جسر الأهوال ثم كتب عنوانه ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إبراهيم بن سعيد النجيبي قال: كتب المتوكل إلى عامله بالبصرة إن قبلك رجلاً أديباً ظريفاً ذا حكمة فوجه به إلي على أحسن صفة غير مروع. فحمله إليه فلما ورد الباب قال له الحاجب سلم على الخليفة سلامك على الخلفاء، فدخل، ثم سلم عليه وقال: أنت المتوكل؟ قال نعم، قال فلم سميت بالمتوكل ولم تسم بالمتواضع؟ ثم قال: للهوى كأني السلام عليك يا من استوى على سرة الغنى وتقمص بقميص الخيانة متبعاً مقاصير علائك فلم يوقد أتاك فظ غليظ فجذبك عن سرير بهائك وأخرجك عن اللحد وفراق الأهل والولد، فلو عليك حاجباً ولا قهرمانا حتى أخرجك إلى ضيق في صحيفة بطالتك، يا من احتوى على

стр. 60

أموال الضعفة بظلمه، غداً تبكي سرائرك بين يدي من لا تخفى عليه السرائر فتحمل على دقيق المسئلة جواباً وعلى الصراط جوازاً فستعلم وتستقرئ كل ما قد أحصى عليك بالتحقيق. قال: فغاظه ذلك، فأمر بحبسه، فلما كان في اليوم الثاني أمر بإخراجه، فلما وقف بين يديه قال: بلغني أنك قدري تقايس في العظمة وتداخل في التكوين، فقال: يا متوكل يا من له عقل موجود وفهم غير مفقود إن مثلي لا يتكلم في القدر قال فنظر إليه مغضباً ورده إلى السجن. فلما كان في اليوم الثالث أخرجه، فوقف بين يديه وقال: يا سعدون أنك ثنوي تقول السماء خالية بلا مدبر. فقال له: يا متوكل أسألك عن شيء تخبرني به؟ قال: نعم، قال: من جعل سطح الهامة منبت الشعر وسقاها من حرارة الدماغ؟ قال: الله، قال: أخبرني من مد حاجبيك فأنبت عليهما الشعر؟ قال: الله تعالى، قال: فأخبرني من فتق العينين وجعل للحدقة بياضاً وجعل وسطها سواداً؟ قال: الله، قال: فمن جعل فيهما ماء عذباً ولحا؟ قال الله، قال: فأخبرني من خرق السمعين فجعل فيهما سماعا قال الله، قال: فمن ألزم القدم من الساقين فجعلهما اسطوانة للركبتين؟ قال الله، قال فمن شد الحقوين بالوركين؟ قال، الله قال: فمن عرفك أن تقول الله؟ قال الله، قال: فكيف أقول السماء بلا إله؟ قال المتوكل: بلغني أنك تقول القرآن مخلوق، قال يا متوكل ارض عن الله وثق بالله وكل شيء بقضاء الله ما يبلغ الفطنة كنه الله ولا يفوت الخلق رزق الله، الله لا يشبه خلق الله، القبض والبسط فعال الله، والجود والفخر أيادي الله، يا أيها القائل بالله بالحق والصدق عرفت الله، فلا تكن مبتدعاً في الله، ارض بدين الله، عبد الله لا شيء أحلى من كلام الله، يكون مخلوقاً كلام الله يقولها؟ مبتدع والله! قال: فأمر به إلى الحبس ثم اتخذ مقصورة وأمر بفرش الزرابي من الحرير

стр. 61

الأخضر والخز والديباج ثم دعا به، فلما نظر إليه ضحك، ثم قال: يا متوكل هذا ملكك الدنيء الحقير الفاني، فقال المتوكل بلغني أنك حروري تطعن في السلطان، فقال إني لست كذلك ولكنني أصف لك مرجا أحسن من مرجك وقصراً أحسن من قصرك، قال هات، قال في الجنة مرج من ورق الآس في وسط المرج قصر من درر وشقائق وفي وسط القصر قبة من ورق السوسن والقصر والقبة مبنيان على نبات القرنفل لها حدود أربعة الحد الأول ينتهي إلى ناحية الوجلين والحد الثاني ينتهي إلى نعيم المشتاقين والحد الثالث ينتهي إلى طريق المريدين والحد الرابع ينتهي إلى غرف مملوءة بتحف وصنائع ووصائف ورفارف وإلى خيام وخدام وإلى ميدان يطوف في ساحته الولدان، أرضها من الفضة ورمالها من اللؤلؤ وقضبانها من العنبر وشرفها من الياقوت الأحمر، العرش سقفها والرحمة حشوها والأنبياء سكانها والملائكة عمارها والولدان خدامها، الزعفران حشيشها والقرنفل نباتها والسندس ثيابها، مطردة أنهارها دائمة ظلالها دانية قطوفها مطهرة أزواجها خضر رياضها لذيذ عيشها ذكي مسكها وكافورها، فهي دار العيش والنعيم المقيم، فساكن هذه الدار في نعيم لا يزول، لا غل في صدور سكانها، قد رفعت عنهم الأسقام وزالت الآلام وصاحب هذه الدار أبداً معانق الأبكار في مرافقة الأخيار وجوار الملك الجبار. ثم قام يخطر في مشيته ويقول: قبة من جواهر الخ ... اد بالدر رصعت جوف قصر من الزبير ... جد بالنور وشعت مذ بناها الجليل في ... داره ما تزعزعت لو عليها تساقطت ... أرضها ما تصدعت حجبت كاعب من الح ... ور فيها فابدعت عجب الحسن والجما ... ل إذا ما تطلعت منع الحب بالحبيب ... كما قد تمنعت قال المتوكل أحسنت بارك الله فيك، من زعم أنك مجنون؟ ثم أمر له

стр. 62

بجائزة، فردها وقال حبي الله الذي جعل خزائن عطائه مفتوحة لمؤمليه وحسبي من جعل مفاتيحها حجة الطمع فيه. بهلول قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك سمعت بهلولاً في بعض المقابر وقد دلى رجله في قبر وهو يلعب في التراب فقلت له ما تصنع ها هنا؟ فقال أجالس أقواماً لا يؤذونني وإن غبت عنهم لا يغتابونني، فقلت قد غلا السعر فهلا تدعو الله فيكشف، فقال والله لا أبالي ولو حبة بدينار، إن الله تعالى أخذ علينا أن نعبده كما أمرنا وعليه أن يرزقنا كما وعدنا، ثم صفق بيديه وأنشأ يقول: يا من تمتع بالدنيا وزينتها ... ولا تنام عن اللذات عيناه شغلت نفسك فيما لست تدركه ... تقول لله ماذا حين تلقاه علي بن ربيعة الكندي قال: خرج الرشيد إلى الحج فلما كان بظاهر الكوفة إذ بصر بهلولاً المجنون على قصبة وخلفه الصبيان وهو يعدو فقال من هذا، قالوا بهلول المجنون، قال كنت أشتهي أن أراه فأدعوه من غير ترويع، فقالوا له أجب أمير المؤمنين، فعدا على قصبته، فقال الرشيد السلام عليك يا بهلول، فقال وعليك السلام يا أمير المؤمنين، قال كنت إليك بالأشواق، قال لكني لم أشتق إليك، قال عظني يا بهلول، قال وبم أعظك هذه قصورهم وهذه قبورهم، قال زدني فقد أحسنت، قال يا أمير المؤمنين من رزقه الله مالاً وجمالاً فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار فظن الرشيد أنه يريد شيئاً فقال قد أمرنا لك أن تقضي دينك، فقال لا يا أمير المؤمنين لا يقضى الدين بدين أردد الحق على أهله واقض دين نفسك من نفسك، قال فإنا قد أمرنا أن يجري عليك، فقال يا أمير المؤمنين أترى

стр. 63

الله يعطيك وينساني؟ ثم ولى هارباً. وروي بإسناد آخر أنه قال للرشيد يا أمير المؤمنين فكيف لو أقامك الله بين يديه فسألك عن النقير والفتيل والقطمير، قال فخنقته العبرة فقال الحاجب حسبك يا بهلول قد أوجعت أمير المؤمنين، فقال الرشيد دعه، فقال بهلول إنما أفسده أنت وأضرابك، فقال الرشيد أريد أن أصلك بصلة فقال بهلول ردها على من أخذت منه، فقال الرشيد فحاجة، قال ان لا تراني ولا أراك، ثم قال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة ابن عبد الله الكلابي قال رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد، ثم ولى بقصبته وأنشأ يقول: فعدّك قد ملأت الأرض طراً ... ودان لك العباد فكان ماذا ألست تموت في قبر ويحوي ... تراثك بعد هذا ثم هذا عبد الرحمن الأسلمي قال: قال أبي لبهلول أي شيء أولى بك؟ قال العمل الصالح. بعض الكوفيين قال: حج الرشيد فذكر بهلولاً حين دخل الكوفة فأمر بإحضاره وقال ألبسوه سواداً وضعوا على رأسه قلنسوة طويلة وأوقفوه في مكان كذا ففعلوا به ذلك وقالوا إذا جاء أمير المؤمنين فادع له، فلما حاذاه الرشيد رفع رأسه إليه وقال يا أمير المؤمنين اسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك من فضله، فضحك الرشيد وقال آمين، فلما جازه الرشيد دفعه صاحب الكوفة في قفاه وقال أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون، قال بهلول اسكت ويلك يا مجنون فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم، فبلغ ذلك الرشيد فضحك وقال والله ما كذب. قال الحسن بن سهل بن منصور سمعت بهلولاً وقد رماه الصبيان بالحصى وقد أدمته حصاة فقال: حسبي الله توكلت عليه ... ونواصي الخلق طراً بيديه

стр. 64

ليس للهارب في مهربه ... أبداً من روحة إلا إليه رب رام لي بأحجار الأذى ... لم أجد بداً من العطف عليه فقلت له تعطف عليهم وهم يرمونك، قال اسكت لعل الله يطلع على غمي ووجعي وشدة فرح هؤلاء فيهب بعضنا لبعض. ولبهلول: حقيق بالتواضع من يموت ... وحسب المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا اهتمام ... وشغل لا تقوم له النعوت صنيع مليكنا حسن جميل ... وما أرزاقنا مما يفوت فيا هذا سترحل عن قريب ... إلى قوم كلامهم السكوت قال عبد الرحمن الكوفي لقيني بهلول المجنون فقال لي اسألك، قلت اسأل، قال أي شيء السخاء قلت البذل والعطاء، قال هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين؟ قلت المسارعة إلى طاعة الله، قال أفيريدون منه الجزاء؟ قلت نعم بالواحد عشرة، قال ليس هذا سخاء هذه متاجرة ومرابحة، قلت فما هو عندك؟ قال لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئاً بشيء. قال عمر بن جابر الكوفي مر بهلول بصبيان كبار فجعلوا يضربونه فدنوت منه فقلت لم لا تشكوهم لآبائهم؟ فقال لي اسكت فلعلي إذا مت يذكرون هذا الفرح فيقولون رحم الله ذلك المجنون! قال صباح الوزان الكوفي لقيت بهلولاً يوماً فقال لي أنت الذي يزعم أهل الكوفة أنك تشتم أبا بكر وعمر؟ فقلت معاذ الله أن أكون من الجاهلين، قال إياك يا صباح فإنهما جبلا الإسلام وكهفاه ومصباحا الجنة وحبيبا محمد ﷺ وضجيعاه وشيخا المهاجرين وسيداهم ثم قال: جعلنا الله من الذين على الأرائك يسمعون كلام الله إذا وفد القوم إلى سيدهم. علي بن الحسين قال: لما مات أبو بهلول خلف ستمائة درهم، فأخذها

стр. 65

القاضي وحجز عليها، فأتاه بهلول فقال أصلح الله القاضي وتزعم أني مصاب في عقلي فأنا جائع فادع لي بمائتي درهم حتى اقعد في أصحاب الحلقات أبيع وأشتري فإن رأيت مني رشداً ضممت إليها الباقي وان تلفت فالذي اتلفت أقل مما بقي، فدعا القاضي بالكيس ووزن له مائتي درهم، فأخذها بهلول ولزم الحيرة حتى أنفدها، ثم جاء إلى القاضي وهو في مجلس الحكم فقال يا بهلول ما صنعت؟ فقال أعز الله القاضي أنفقتها فإن رأى القاضي ان يزن من ماله مائتي درهم ويردها إلى الكيس حتى يرجع الكيس إلى ما كان، قال القاضي فتجحد لي ما أخذت؟ قال كلا ولكنني ما أقمت عندك شاهدين بأني موضع لها، قال صدقت، ودعا بمائتي درهم وردها إلى الكيس. قال عباس البناء نظر بهلول إلي وأنا أبني داراً لبعض أبناء الدنيا، فقال لي لمن هذه الدار؟ فقلت لرجل من نبلاء الكوفة، فقال أرنيه فأريته إياه فناداه يا هذا لقد تعجلت الحماية قبل العناية اسمع إلى صفة دار كونها العزيز أساسها المسك وبلاطها العنبر اشتراها عميد قد ازعج للرحيل كتب على نفسه كتاباً وأشهد على ضمائره شهوداً، هذا ما اشترى العبد الجافي من الرب الوافي اشترى منه هذه الدار بالخروج من ذل الطمع إلى عز الورع فما أدرك المستحق فيما اشتراه من درك فعلى المولى خلاص ذلك وتضمينه أراه شهد على ذلك العقل وهو الأمين والخواطر وذلك في ادبار الدنيا وإقبال الآخرة أحد حدودها ينتهي إلى ميادين الصفا والحد الثاني ينتهي إلى ترك الجفا والحد الثالث ينتهي إلى لزوم الوفا والحد الرابع ينتهي إلى سكون الرضا في جوار من على العرش استوى، لها شارع ينتهي إلى دار السلام وخيام قد ملئت بالخدام وانتقال الاسقام وزوال الضر والآلام، يا لها من دار لا ينقضي نعيمها ولا يبيد، دار اسست من الدر والياقوت شرفك تلك الخدور وجعل بلاطها في البهاء والنور، قال فترك الرجل قصره وهام على وجهه، وأنشأ بهلول يصيح خلفه ويقول: يا ذا الذي طلب الجنان لنفسه ... لا تهربن بإنه يعطيكا قال عبد الخالق سمعت أبي يقول سمعت بهلولاً يقول من كانت الآخرة أكبر همه أتته الدنيا وهي راغمة، ثم أنشأ يقول:

стр. 66

يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... تنح عن خطتها تسلم ان التي تخطب غدارة ... قريبة العرس من المأتم قال كثير بن روح رأيت بهلولاً ذات يوم يتمثل وهو يقول هذه الأبيات: يا طالب الرزق في الآفاق مجتهداً ... اعتبت نفسك حتى شفك الطلب تسعى لرزق كفاك الله بغيته ... اقعد فرزقك قد يأتي به السبب كم من دنيء ضعيف العقل تعرفه ... له الولاية والأرزاق والذهب ومن حسيب له عقل يزينه ... بادي الخصاصة لا يدري له سبب فاسترزق الله مما في خزائنه ... فالله يرزق لا عقل ولا حسب قال بعض أهل الكوفة ولد لبعض أمراء الكوفة ابنة فساءه ذلك فاحتجب وامتنع من الطعام والشراب فأتى بهلول حاجبه فقال إئذن لي على الأمير، هذا وقت دخولي عليه، فلما وقف بين يديه قال: أيها الأمير ما هذا الحزن أجزعت لذات سوى هيأته رب العالمين أيسرك أن لك مكانها ابنا مثلي؟ قال: ويحك فرجت عني فدعا بالطعام وأذن للناس. قال عبد الواحد بن زيد مر بهلول برجل قد وقف على جدار رجل يكلم امرأته، فأنشأ يقول: كن حبيباً إذا خلوت بذنب ... دون ذي العرش من حكيم مجيد؟ أتهاونت بالإله بديا ... وتواريت عن عيون العبيد أقرأت القرآن أم لست تدري ... أنّ ذا العرش دون حبل الوريد ثم ولى وهو يقول من نوقش في الحساب غفر له، فقلت له من نوقش الحساب عذب، فقال اسكت يا بطال إن الكريم إذا قدر غفر. ولبهلول: إذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل ثم ويل ثم ويل ... لأهل الأرض من أهل السماء

стр. 67

قال الحسين الصقلي نظرت وقد زار سعدون بهلولاً ورأيتهما فسمعت سعدون يقول لبهلول أوصني وإلا أوصيك فناداه بهلول أوصني يا أخي فقال سعدون أوصيك بحفظ نفسك ومكنها من حبك فإن هذه الدنيا ليست لك بدار، قال بهلول أنا أوصيك يا أخي، فقال قل، فقال: اجعل جوارحك مطيتك واحمل عليها زاد معرفتك واسلك بها طريق متلفك فإن ذكرتك ثقل الحمل فذكرها عاقبة البلوغ. فلم يزالا يبكيان جميعاً حتى خشيت عليهما الفناء. قال علي السيرافي حمل الصبيان يوماً على بهلول، فانهزم منهم فدخل دار بعض القرشيين ورد الباب، فخرج صاحب الدار فأحضر له طبقاً فيه طعام فجعل يأكل ويقول فضرب لهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. قال نعيم الخشاب كتب بهلول إلى الواثق: أما بعد فإن المراء قد لعب بدينك والأهواء قد أحاطت بك ومقالات أهل البدع قد سلخت عنك عقلك وابن أبي داود المشئوم قد بدل عليك كلام ربك، اقرأ فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى، إلى قوله فاعبدني أيكون هذا الكلام مخلوقاً، فرماك الله بحجارة من سجيل مسومة عند ربك وما هو من الظالمين ببعيد ثم كتب عنوانه من الخائف الذليل إلى المخالف لكلام ربه تعالى. قال سالم بن عطية كتب بهلول إلى ابن أبي داود: أما بعد فإنك قد ميزت كلام الله من الله وزعمت أنه مخلوق فإن يك ما ذكرت باطلاً فرماك الله بقارعة من عنده، ويلك أكنت معه حين كلم موسى، فإن كنت راداً عليه فاقرأ: عليها غبرة ترهقها فترة أولئك هم الكفرة الفجرة ثم كتب عنوانه من الصادق المتواضع إلى الكاذب المتجبر. قال عبد الرحمن الهاشمي لما ولي الخلعي على شرطة بغداد وكان يرى برأي ابن أبي داود كتب إليه بهلول:

стр. 68

أما بعد فإن السماء بأكنافها ونور كواكبها وضياء شمسها وقمرها وصفوف ملائكتها والعرش والملائكة المقربين وافحجب المزدلفة بقدرة خالقها والنار وزبانيتها والجنة وسندسها والأرضين وجبالها والجبال وكهوفها والحيتان في بحارها والوحش في قفارها والجن في أقطارها والطير في أوكارها والسباع في وجارها والأشجار وثمارها يسبحون له في الغدو والآصال. ولبهلول في الترقيق: اضمر من اضمر حبي له ... فيشتكي اضمار اصمار رق فلو مرّت به ذرة ... لخضبته بدم جاري وله أيضاً في أرق منه: اضمر أن يأخذ المراة لكي ... ينظر تمثاله فأدناها فجاء وهم الضمير منه إلى ... وجنته في الهوى فأدماها وله أيضاً: شبهته قمراً إذ مر مبتسما ... فكاد يجرحه التشبيه أو كلما ومر في خاطري تقبيل وجنته ... فسلبت فكري من عارضيه دما قال محمد بن عبد الله بينا أنا في مسجد الكوفة يوم الجمعة والخطيب يخطب، إذ قام رجل به لمم وجنون فقال: أيها الناس إن رسول الله إليكم جميعاً، فقام بهلول فقال " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل ربّ زدني علماً ". قال علي بن خالد بت ليلة على سور طرسوس فمر بهلول فلكزني برجله ثم أنشأ يقول:

стр. 69

يا طالب الحور ألا تستحي ... يحملك النوم على السور وخاطب الحور طويل البكا ... مقيد الأعضاء محصور لا يطعم الغمض وما إن له ... راحة جسم أو يرى الحور في جنة زخرفها ذو العلى ... ينعم فيها كل محبور قال فانتبهت فزعاً ولم أنم بعد ذلك في الحرس. وسئل بهلول عن رجل مات وخلف ابناً وابنة وزوجة ولم يخلف من المال شيئاً كيف تكون القسمة، فقال للإبنة الثكل وللزوجة خراب البيت وما بقي من الهم فللعصبية! قال محمد بن خالد الواسطي أنشدني بهلول يقول: دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع ولا تجمع من المال ... فما تدري لمن تجمع فإن الرزق مقسوم ... وسوء الظن لا ينفع فقير كل ذي حرص ... غني كل من يقنع عليان قال عبد الملك بن أبجر لقيت عليان المجنون وكان اسمه عندي عليان فقلت له يا عليان فقال: لا إله إلا الله قل خيراً يا ابن أبجر ولد لأبي مولود قبلي فسماه محمداً ببركات رسول الله ﷺ ثم ولدت فسماني علياً ببركات وصي رسول الله ﷺ فمن صغرني فقد صغر وصي رسول الله ﷺ ومن طيبت به للتصغير بي فما طيبت بك يا ابن أبجر، فجعلت لا أسميه إلا علياً أو كنيته. قال حفص بن غياث القاضي مررت في طاق السراجين فإذا عليان جالس، فلما جزته سمعته يقول من أراد سرور الدنيا وحزن الآخرة فليتمن ما هذا فيه

стр. 70

فوالله لقد تمنيت لو كنت مت قبل أن ألي القضاء. قال الحسن الكوفي قال رجل لعليان أجننت؟ قال أما عن الغفلة فنعم وأما عن المعرفة فلا، قال كيف حالك مع المولى؟ قال ما جفوته مذ عرفته، قال ومذ كم عرفته؟ قال مذ جعل اسمي في المجانين! قال السري مولى ثوبان أدركت بالكوفة مجنوناً يقال له عليان وكان يأوي إلى دكان طحان وكانت معه عصى لا تفارقه، وكان الصبيان قد علموا وقت مسيره إلى الدكان فيجتمعون ويعبثون به، فإذا بلغت أذيتهم منه قال للطحان قد حمي الوطيس وطاب اللقاء وأنا على بصيرة من أمري فما ترى؟ فيقول شأنك، فيثب وهو يقول: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... وأعرض عن ذكر العواقب جانباً ثم يشد مئزره ويقول: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت باظهار ثم يتناول العصا ويشد عليهم ويقول: أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها والصبيان يهربون، فإذا أرهقهم طرح الصبيان أنفسهم وكشفوا عن عوراتهم، فيعرض عنهم بوجهه ويقول عورة المؤمن حمى لولا ذلك لتلف عمرو بن العاص يوم صفين والأخذ بكلام علي ﵁ أولى بنا أمرنا أن لا نتبع مولياً ولا نذفف على جريح، ثم يرجع ويقول: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد

стр. 71

ثم يعود إلى دكان الطحان ويلقي عصاه ويتمثل: وألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر قال علي بن ظبيان مررت يوماً بالكوفة فلما صرت في سكك همدان إذا أنا بعليان المجنون وفي يده قصبة فارسية مثل القناة وفي رأسها كبة قطن وعليها خرقة، وإذا هو يشد على الصبيان، فإذا أدركهم قالوا القصاص يا علي، ثم يلقي القصبة من يده، فلما رأيته تهيبت أن أمر بين يديه، فقال لي مر يا علي فلست منهم فمررت فلما حاذيته قلت من نوقش في الحساب عذب قال كلا يا علي ربنا أكرم من ذلك فإنه إذا قدر عفا، قلت له من العاقل؟ قال من حاسب نفسه وخاف ربه. قال علي بن محمد الكناني كنت بمكة وعليان المجنون بها، وضربه الصبيان، وضربه بعض الفسقة بسكين فقطر منه الدم، فكنت أنظر إلى الدم يقطر على الأرض وبكيت له فبصرت ذلك في تسعة عشر موضعاً. قال الإمام أبو يوسف القاضي ﵀ كنت ماراً في طرقات الكوفة وإذا أنا بعليان المجنون فلما بصر بي سلم علي وقال لي أيها القاضي مسئلة قلت هات، قال أليس قال الله تعالى في كتابه العزيز " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ". قلت بلى قال أليس قال الله : " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير "، قلت بلى، قال فما نذير الكلاب، قلت لا أدري فأخبرني، قال لا والله لا أقول إلا بمن رقاق من شواء ونصف من فالوذج، فأمرت من جاء بها، ودخلت معه مسجداً فأكلها حتى أتى على آخرها، فقلت هات الجواب فأخرج من كمه حجراً وقال هذا نذير الكلاب! وقال له بعض الناس يوماً يا مجنون، فقال مهلاً إنما المجنون من عرفه ثم عصاه.

стр. 72

قال عطاء السلمي مررت ذات يوم في بعض أزقة الكوفة فرأيت عليان المجنون واقفاً على طبيب يضحك منه ومالي عهد كان بضحكه، فقلت له ما أضحكك؟ قال هذا السقيم العليل الذي يداوي غيره وهو مسقام، قلت فهل تعرف له دواء ينجيه مما هو فيه؟ قال شربة ان شربها رجوت برأه، فقلت صفها، قال خذ ورق الفقر وعرق الصبر واهليلج التواضع وبليلج المعرفة وغار يقون الفكرة، فدقها دقاً ناعماً بهاون الندم واجعله في طنجير التقى، وصب عليه ماء الحياة وأوقد تحتها حطب المحبة حتى ترمي الزبد ثم أفرغها في جام الرضا وروحها بمروحة الحمد واجعلها في قدح الفكرة وذقها بملعقة الاستغفار، فلن تعود إلى المعصية أبداً. قال ذو النون المصري رأيت في منامي كأن قائلاً قال لي إن في دير هرقل حكيماً من الحكماء أفلا تقصده؟ فقلت شأنك، قال أفلا اكترى لك حماراً أو بغلاً قلت لا، قال امش معي فإن الله سبحانه يقوينا على ذلك، وكان بيننا وبين الدير عشرون فرسخاً، فمشيت معه نتحدث، فأصبحنا ونحن على باب الدير كأنا لم نمش إلا يسيراً، فدخلنا الدير فسألنا عنه فقالوا لا نعرف إلا معتوهاً أو ممروراً أو مريضاً، قال ذو النون إنه وصف لنا ها هنا حكيم، قال صاحب الدير أيكما أحق بالحبس وشرب الدواء من هؤلاء؟ ما يصنع الحكيم في دير هرقل؟ قلنا فاذن لنا في النظر إليهم، قال شأنكما، فما من محبوس إلا تعرضنا له فما سمعنا ما دل على غرابة عقولهم حتى بلغنا إلى أقصى مقصورة فيها، فرأينا رجلاً مغلولاً مقيداً قد شد بسلسلة إلى حجر كبير، قال ذو النون فتعرضت له فقال قل خيراً تغنم أو اسكت تسلم، فسلمت عليه، فرد، فقلت له ما اسمك قال اسمي علي وأعرف بعليان الكوفي، قلت له أنت عليان الكوفي؟ قال نعم، قلت فمن حبسك ها هنا؟ قال الحب ينطق والحياء يسكت والحرق يقلق، فتغير لوني وارتعدت فرائصي، فقلت يا علي ما طيب العيش قال إذا قذف بك في عين الأنس فكلك معه، قلت يا علي فما بلغ بك ما أرى؟ قال كنت عاقلاً ظريفاً وكان المدبر والسايس غيري وأنا منبوذ بين كنفه وعطفه فإن شاء عفا وإن شاء عاقب وإن شاء أبلى وإن شاء عافى وهو الفعال لما يريد، وان الطبيعة النقية يكفيها من العظمة اللمحة ومن الحكم الإشارة إليها، قلت فإن أسترشدك، قال إن

стр. 73

كان همك طلب الدلالة فإن ذلك أمر لا نهاية له وإن كان همك وجوده فهو موجود في أول خطرة ولو احتملت الزيادة لزدناك، قال ذو النون فكنت رأيت كثيراً من العباد، فما هبت أحداً قط منهم كهيبته. قال علي بن ظبيان: أتاني عليان ذات يوم وأنا في داري فقلت له: ما تشتهي؟ قال: فالوذج فأمرت أهل الدار فاتخذوا له فالوذجاً وقدم إليه فأكله. ثم قال: يا علي! هذا فالوذج العام. فهل لك في فالوذج العارفين؟ قلت نعم. قال: خذ عسل الصفا، وسكر الوفا، وسمن الرضا، ونشا اليقين. ثم القها في طنجير التقى، ثم صب عليه ماء الخوف، وأوقد تحتها نار المحبة، ثم حركها باصطام العصمة، ثم اجعلها في جام الذكر، ثم روحها في مروحة الحمد حتى تبرد، ثم كلها بملعقة الاستغفار. فإنك إن فعلت ذلك ضمنت لك أن لا تعصي ربك أبداً. قال زهير بن حرب: أمر الخليفة موسى الهادي باحضار بهلول وعليان فأحضرا. فلما دخلا عليه قال لعليان: ايش معنى عليان؟ قال عليان: وايش معنى موسى اطبق؟ فغضب الهادي وقال: خذوا برجل ابن الفاعلة. فالتفت عليان إلى بهلول وقال خذها إليك. كنا اثنين فصرنا ثلاثة. قال أبو جعفر السباح: لقيت عليان يوم العيد على شدة شوقي إليه، وقصد مقبرة فلما توسطها رفع رأسه وقال: اللهم بك صام الصائمون؛ ولك قام القائمون، وقربوا قربانهم، ودخلوا منازلهم، وأنسوا بأهاليهم. وقد قربت قرباني. فليت شعري! ما صنعت بقرباني؟ اللهم! إني أصبحت لا منزل لي، ولا عندي طعام. فاجعل قرباني منك بالمغفرة. فلما رآني أرمقه؛ وثب هارباً على وجهه. وقال أبو علي السيرافي: اشتقت إلى عليان لما كان بلغني عنه، ودخلت الكوفة في

стр. 74

طلبه فقالوا: هو في المقبرة، فدخلت المقبرة فلما رآني هرب، فدخل مسجداً ورد الباب، فدخلت عليه فإذا هو في صلاة. فلما فرغ أقبل على مناجاته فقال: إليك توجه الطالبون وأرادوك، وإياك قصد المحبون واشتاقوك فآثروك. فدنوت منه وقلت: أحب أن تجيبني. فقال: نعم فجئت إلى منزلي به وقلت ما تشتهي؟ فقال: ما اشتهيت منذ أربعين سنة إلا المولى. قلت: الا اتخذ لك عصيدة جيدة؟ قال هذا إليك. فاتخذت له عصيدة بالسكر ووضعت بين يديه. فقال: لا أُريد مثل هذا ولكني أُريد على الصفة التي أصفها لك، قلت صفها لي. قال: خذ تمر الطاعات، واخرج منه نوى العجب، وخذ دقيق العبودية، وزعفران الرضا، وسمن النية، واجعل ذلك في طنجير التواضع، وصب عليه ماء الصفا، وأوقد تحتها نار الشوق، بحطب التوفيق، وحركه باصطام الحمد، واجعله على طبق الشكر، وضعه بين يدي. فمن أكل منه ثلاث لقمات كان شفاءً لصدره، وشفاءً لذنوبه، ثم قام ونفض ذيله وأنشأ يقول: أفلح الزاهدونا والعابدونا ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أقرحوا الأعين الغزيرة شوقاً ... فمضى ليلهم وهم ساجدونا حيرتهم مخافة الله حتى ... زعم الناس إن فيهم جنونا أبو الديك قال عبد الله بن محمد الفقيه: أرسل إلي عمران بن إسحاق بن الصباح فأتيته، وإذا أبو الديك عنده، وكان حسن البديهة، جيد الجواب. فإذا هو يحلب ويشير إلى الحائط. كأنه تكلم شيئاً، وكان لا يعتريه إلا عند الجوع، فقال عمران: علي بالمائدة. ثم قال: هلم وقال: هذه التي قال الله تعالى في كتابه حكاية عن نبيه ﵇ " ربنا أنزل علينا مائدة من السماء " قال لي: يا عبد الله! هذه فطن العقلاء، وأذهان الحكماء. ثم أقبل على عمران وقال: أيها الأمير! ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. فأنا مسكين يتيم أسير في حبس شيطان قد وكل بي، أعاذني الله منه. ثم أقبل على الطعام فإذا فتى ينشد شعراً: إن الصنيعة لا تكون صنيعةً ... حتى يصاب بها طريق المصنع

стр. 75

فقال أبو الديك: كذب الشاعر لا يكون المعروف معروفاً حتى يصرف في أهله، وفي غير أهله، ولو كان لا يصرف إلا في أهله، كيف كان ينالني منه شيء. وأنا معتوه، وكنيتي أبو الديك. عبد الرحمن الأشعث قال سيف بن سوار قاضي واسط: كان عبد الرحمن بن الأشعث الكوفي جاراً لنا، وكان جميلاً وسيماً من أمثل أهل زمانه، وكان يقدم أبا بكر وعمر ﵄ وكان أهله على غير ذلك ثم غلبت عليه المرة فأحرقته وطيرته وكان إذا خرج من بيته أولع به الصبيان يؤذونه ويقولون: يا ذحموية فلا يجيبهم. وإذا قيل له يا عبد الرحمن قال لبيتكم أنا عبد الرحمن. فرأيته يوماً والصبيان يرمونه بالحجارة فقلت له ارميهم وكفهم عنك قال لا أفعل يمنعني من ذلك خصلتان خوف الله وأن أكون مثلهم. فمر بي ذات يوم وأنا جالس أقرأ كتاب الصلوات لمحمد بن الحسن وكان أخي إلى جنبي وكان مكتوفاً أسن مني وكان أحد الصالحين فقلت يا عبد الرحمن لو جلست فسمعت. فقال وكيف يا ابن جابر إنما يصيد كل طائر قدره. ثم قال يا ابن جابر لئن أعجبت بحالك عندها ولا الذين حولك ليعجبني أخوك هذا يوم القيامة بمكانه من الله إن شاء الله تعالى. فبكى أخي حتى سقط على وجهه وهو واقف ينظر إليه. ثم قال يا ابن جابر لأني أنظر إلى استبشار الملائكة ببكائك. فغشي على أخي فحمل. ثم قال يا سيف بن جابر اخزن لسانك، كما تخزن دراهمك. وإذا أعجبك الكلام فاصمت. قال: فقلت له اجلس وما أقول لك إلا لآنس بك. قال: أقول يا ابن جابر ما قال نبيه أيوب ﵇ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فما بقي منا واحد إلا بكى!
следующие страницы →