← Адаб

Адаб · id 1593

عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري

النيسابوري، ابن حبيب

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثم يعود إلى دكان الطحان ويلقي عصاه ويتمثل: وألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر قال علي بن ظبيان مررت يوماً بالكوفة فلما صرت في سكك همدان إذا أنا بعليان المجنون وفي يده قصبة فارسية مثل القناة وفي رأسها كبة قطن وعليها خرقة، وإذا هو يشد على الصبيان، فإذا أدركهم قالوا القصاص يا علي، ثم يلقي القصبة من يده، فلما رأيته تهيبت أن أمر بين يديه، فقال لي مر يا علي فلست منهم فمررت فلما حاذيته قلت من نوقش في الحساب عذب قال كلا يا علي ربنا أكرم من ذلك فإنه إذا قدر عفا، قلت له من العاقل؟ قال من حاسب نفسه وخاف ربه. قال علي بن محمد الكناني كنت بمكة وعليان المجنون بها، وضربه الصبيان، وضربه بعض الفسقة بسكين فقطر منه الدم، فكنت أنظر إلى الدم يقطر على الأرض وبكيت له فبصرت ذلك في تسعة عشر موضعاً. قال الإمام أبو يوسف القاضي ﵀ كنت ماراً في طرقات الكوفة وإذا أنا بعليان المجنون فلما بصر بي سلم علي وقال لي أيها القاضي مسئلة قلت هات، قال أليس قال الله تعالى في كتابه العزيز " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ". قلت بلى قال أليس قال الله : " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير "، قلت بلى، قال فما نذير الكلاب، قلت لا أدري فأخبرني، قال لا والله لا أقول إلا بمن رقاق من شواء ونصف من فالوذج، فأمرت من جاء بها، ودخلت معه مسجداً فأكلها حتى أتى على آخرها، فقلت هات الجواب فأخرج من كمه حجراً وقال هذا نذير الكلاب! وقال له بعض الناس يوماً يا مجنون، فقال مهلاً إنما المجنون من عرفه ثم عصاه.

стр. 72

قال عطاء السلمي مررت ذات يوم في بعض أزقة الكوفة فرأيت عليان المجنون واقفاً على طبيب يضحك منه ومالي عهد كان بضحكه، فقلت له ما أضحكك؟ قال هذا السقيم العليل الذي يداوي غيره وهو مسقام، قلت فهل تعرف له دواء ينجيه مما هو فيه؟ قال شربة ان شربها رجوت برأه، فقلت صفها، قال خذ ورق الفقر وعرق الصبر واهليلج التواضع وبليلج المعرفة وغار يقون الفكرة، فدقها دقاً ناعماً بهاون الندم واجعله في طنجير التقى، وصب عليه ماء الحياة وأوقد تحتها حطب المحبة حتى ترمي الزبد ثم أفرغها في جام الرضا وروحها بمروحة الحمد واجعلها في قدح الفكرة وذقها بملعقة الاستغفار، فلن تعود إلى المعصية أبداً. قال ذو النون المصري رأيت في منامي كأن قائلاً قال لي إن في دير هرقل حكيماً من الحكماء أفلا تقصده؟ فقلت شأنك، قال أفلا اكترى لك حماراً أو بغلاً قلت لا، قال امش معي فإن الله سبحانه يقوينا على ذلك، وكان بيننا وبين الدير عشرون فرسخاً، فمشيت معه نتحدث، فأصبحنا ونحن على باب الدير كأنا لم نمش إلا يسيراً، فدخلنا الدير فسألنا عنه فقالوا لا نعرف إلا معتوهاً أو ممروراً أو مريضاً، قال ذو النون إنه وصف لنا ها هنا حكيم، قال صاحب الدير أيكما أحق بالحبس وشرب الدواء من هؤلاء؟ ما يصنع الحكيم في دير هرقل؟ قلنا فاذن لنا في النظر إليهم، قال شأنكما، فما من محبوس إلا تعرضنا له فما سمعنا ما دل على غرابة عقولهم حتى بلغنا إلى أقصى مقصورة فيها، فرأينا رجلاً مغلولاً مقيداً قد شد بسلسلة إلى حجر كبير، قال ذو النون فتعرضت له فقال قل خيراً تغنم أو اسكت تسلم، فسلمت عليه، فرد، فقلت له ما اسمك قال اسمي علي وأعرف بعليان الكوفي، قلت له أنت عليان الكوفي؟ قال نعم، قلت فمن حبسك ها هنا؟ قال الحب ينطق والحياء يسكت والحرق يقلق، فتغير لوني وارتعدت فرائصي، فقلت يا علي ما طيب العيش قال إذا قذف بك في عين الأنس فكلك معه، قلت يا علي فما بلغ بك ما أرى؟ قال كنت عاقلاً ظريفاً وكان المدبر والسايس غيري وأنا منبوذ بين كنفه وعطفه فإن شاء عفا وإن شاء عاقب وإن شاء أبلى وإن شاء عافى وهو الفعال لما يريد، وان الطبيعة النقية يكفيها من العظمة اللمحة ومن الحكم الإشارة إليها، قلت فإن أسترشدك، قال إن

стр. 73

كان همك طلب الدلالة فإن ذلك أمر لا نهاية له وإن كان همك وجوده فهو موجود في أول خطرة ولو احتملت الزيادة لزدناك، قال ذو النون فكنت رأيت كثيراً من العباد، فما هبت أحداً قط منهم كهيبته. قال علي بن ظبيان: أتاني عليان ذات يوم وأنا في داري فقلت له: ما تشتهي؟ قال: فالوذج فأمرت أهل الدار فاتخذوا له فالوذجاً وقدم إليه فأكله. ثم قال: يا علي! هذا فالوذج العام. فهل لك في فالوذج العارفين؟ قلت نعم. قال: خذ عسل الصفا، وسكر الوفا، وسمن الرضا، ونشا اليقين. ثم القها في طنجير التقى، ثم صب عليه ماء الخوف، وأوقد تحتها نار المحبة، ثم حركها باصطام العصمة، ثم اجعلها في جام الذكر، ثم روحها في مروحة الحمد حتى تبرد، ثم كلها بملعقة الاستغفار. فإنك إن فعلت ذلك ضمنت لك أن لا تعصي ربك أبداً. قال زهير بن حرب: أمر الخليفة موسى الهادي باحضار بهلول وعليان فأحضرا. فلما دخلا عليه قال لعليان: ايش معنى عليان؟ قال عليان: وايش معنى موسى اطبق؟ فغضب الهادي وقال: خذوا برجل ابن الفاعلة. فالتفت عليان إلى بهلول وقال خذها إليك. كنا اثنين فصرنا ثلاثة. قال أبو جعفر السباح: لقيت عليان يوم العيد على شدة شوقي إليه، وقصد مقبرة فلما توسطها رفع رأسه وقال: اللهم بك صام الصائمون؛ ولك قام القائمون، وقربوا قربانهم، ودخلوا منازلهم، وأنسوا بأهاليهم. وقد قربت قرباني. فليت شعري! ما صنعت بقرباني؟ اللهم! إني أصبحت لا منزل لي، ولا عندي طعام. فاجعل قرباني منك بالمغفرة. فلما رآني أرمقه؛ وثب هارباً على وجهه. وقال أبو علي السيرافي: اشتقت إلى عليان لما كان بلغني عنه، ودخلت الكوفة في

стр. 74

طلبه فقالوا: هو في المقبرة، فدخلت المقبرة فلما رآني هرب، فدخل مسجداً ورد الباب، فدخلت عليه فإذا هو في صلاة. فلما فرغ أقبل على مناجاته فقال: إليك توجه الطالبون وأرادوك، وإياك قصد المحبون واشتاقوك فآثروك. فدنوت منه وقلت: أحب أن تجيبني. فقال: نعم فجئت إلى منزلي به وقلت ما تشتهي؟ فقال: ما اشتهيت منذ أربعين سنة إلا المولى. قلت: الا اتخذ لك عصيدة جيدة؟ قال هذا إليك. فاتخذت له عصيدة بالسكر ووضعت بين يديه. فقال: لا أُريد مثل هذا ولكني أُريد على الصفة التي أصفها لك، قلت صفها لي. قال: خذ تمر الطاعات، واخرج منه نوى العجب، وخذ دقيق العبودية، وزعفران الرضا، وسمن النية، واجعل ذلك في طنجير التواضع، وصب عليه ماء الصفا، وأوقد تحتها نار الشوق، بحطب التوفيق، وحركه باصطام الحمد، واجعله على طبق الشكر، وضعه بين يدي. فمن أكل منه ثلاث لقمات كان شفاءً لصدره، وشفاءً لذنوبه، ثم قام ونفض ذيله وأنشأ يقول: أفلح الزاهدونا والعابدونا ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أقرحوا الأعين الغزيرة شوقاً ... فمضى ليلهم وهم ساجدونا حيرتهم مخافة الله حتى ... زعم الناس إن فيهم جنونا أبو الديك قال عبد الله بن محمد الفقيه: أرسل إلي عمران بن إسحاق بن الصباح فأتيته، وإذا أبو الديك عنده، وكان حسن البديهة، جيد الجواب. فإذا هو يحلب ويشير إلى الحائط. كأنه تكلم شيئاً، وكان لا يعتريه إلا عند الجوع، فقال عمران: علي بالمائدة. ثم قال: هلم وقال: هذه التي قال الله تعالى في كتابه حكاية عن نبيه ﵇ " ربنا أنزل علينا مائدة من السماء " قال لي: يا عبد الله! هذه فطن العقلاء، وأذهان الحكماء. ثم أقبل على عمران وقال: أيها الأمير! ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. فأنا مسكين يتيم أسير في حبس شيطان قد وكل بي، أعاذني الله منه. ثم أقبل على الطعام فإذا فتى ينشد شعراً: إن الصنيعة لا تكون صنيعةً ... حتى يصاب بها طريق المصنع

стр. 75

فقال أبو الديك: كذب الشاعر لا يكون المعروف معروفاً حتى يصرف في أهله، وفي غير أهله، ولو كان لا يصرف إلا في أهله، كيف كان ينالني منه شيء. وأنا معتوه، وكنيتي أبو الديك. عبد الرحمن الأشعث قال سيف بن سوار قاضي واسط: كان عبد الرحمن بن الأشعث الكوفي جاراً لنا، وكان جميلاً وسيماً من أمثل أهل زمانه، وكان يقدم أبا بكر وعمر ﵄ وكان أهله على غير ذلك ثم غلبت عليه المرة فأحرقته وطيرته وكان إذا خرج من بيته أولع به الصبيان يؤذونه ويقولون: يا ذحموية فلا يجيبهم. وإذا قيل له يا عبد الرحمن قال لبيتكم أنا عبد الرحمن. فرأيته يوماً والصبيان يرمونه بالحجارة فقلت له ارميهم وكفهم عنك قال لا أفعل يمنعني من ذلك خصلتان خوف الله وأن أكون مثلهم. فمر بي ذات يوم وأنا جالس أقرأ كتاب الصلوات لمحمد بن الحسن وكان أخي إلى جنبي وكان مكتوفاً أسن مني وكان أحد الصالحين فقلت يا عبد الرحمن لو جلست فسمعت. فقال وكيف يا ابن جابر إنما يصيد كل طائر قدره. ثم قال يا ابن جابر لئن أعجبت بحالك عندها ولا الذين حولك ليعجبني أخوك هذا يوم القيامة بمكانه من الله إن شاء الله تعالى. فبكى أخي حتى سقط على وجهه وهو واقف ينظر إليه. ثم قال يا ابن جابر لأني أنظر إلى استبشار الملائكة ببكائك. فغشي على أخي فحمل. ثم قال يا سيف بن جابر اخزن لسانك، كما تخزن دراهمك. وإذا أعجبك الكلام فاصمت. قال: فقلت له اجلس وما أقول لك إلا لآنس بك. قال: أقول يا ابن جابر ما قال نبيه أيوب ﵇ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فما بقي منا واحد إلا بكى!

стр. 76

فقال: ما يبكيكم؟ أليس يكفي لي خيراً مما أخذ مني حبه وحب أنبيائه وصالح عباده وتقديم أبي بكر وعمر ﵄ ثم ولى هارباً. قال سيف بن جابر خرجت يوماً إلى الجبانة في جنازة فلما دفناها جعلت أدور في المقابر فإذا أنا بعبد الرحمن بن الأشعث جالس بين قبرين واضع خده على ركبتيه وهو يقول: شردتني في البلاد، وطيرتني في الجبانين، وآنستني في القبور. ثم قال: استغفر الله أما اني أعلم أنك مأمورة ولو عصيت الله سلط عليك من هو شر منك علي. قال فقلت يا عبد الرحمن من تكلم؟ قال هذه المسلطة علي. قلت ومن هي؟ قال المرة. قلت فلو دعوت الله سبحانه رجوت أن يذهبها عنك. قال يا ابن جابر! ربما دعوت الله وربما سمع. وهو الفعال لما يشاء فإما دعائي فاستغاثة بالله وإما إمساكي فتسليم لأمر الله ورضى بقضائه. قلت أفلا أجلس معك أُؤنسك؟ قال لي لا. قد جعل الله تعالى أُنسي في الوحدة. كما جعل أُنسك في حلق الفقه. ثم قال يا سيف ابن سوار! أليس يروى أن مورقاً العجلي قال أني لأسأل الله تعالى حاجة منذ عشرين سنة، ما أُعطيتها، وما يئست منها. قلت بلى. قال لي وهو مغضب بارفع صوته يا سيف والله لو قطعني جذاماً وبرصاً لعلمت إن ذلك له وإنه الحكم العدل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فليت قال محمد بن عبد الرحمن الكوفي كان لنا جار يقال له فليت وكان معتوهاً. وكانت له خالة وهي عجوز كبيرة قد أدركت عجائز الحي. فكنت أتحدث عندها وكان لها عقل ودين فكنت عندها ذات يوم، إذ دخل فليت فقلت له يا فليت: أيسرك أنك أمير المؤمنين؟ فقال لا فقلت ولم؟ قال يثقل ظهري، ويكبر همي، وتنسيني النعم ذكر ربي. قلت وفي الأرض عاقل لا يتمنى إنه خليفة! قال وفي الأرض عاقل يتمنى أنه خليفة. قال محمد بن ثابت لقيت فليتاً فقلت له ما تشتهي؟ قال عصيدة فجئته بها وأدخلته

стр. 77

بعض المساجد فأكل حتى أتى على آخرها فظننت إن به جوعاً فقلت أتحتاج الزيادة؟ فقال لا يا أخي هذا زادي إلى عشرة أيام. قال عمرو العسكري رأيت فليتاً يوماً والصبيان يرمونه بالحجارة وهو يقول فلمن صبر وغفران ذلك من عزم الأمور. قال ومر بي يوماً فقال لي كم بقي من الشهر؟ فقلت ثلاثة أيام. قال واويلاه! انقضى الشهر ولم أتزود فيه لمعادي. قديس البصري قال رجل من الأنصار لقديس البصري وكان موسوساً ذاهب العقل: يا قديس الا تعدو من الصباح إلى الرواح أيوجعك جسدك إذا جاء الليل؟ فقال: إذا الليل البسني ثوبه ... ثقلت فيؤنسني الموجع رأيت التصبر ستر الهوى ... إذا اشتملت قوة الأضلع وكيف يطيق فتى كتمه ... وأجفانه أبداً تدمع فقلت أسألك عما يشتكي جسدك، فتنشدني الشعر. فقال: يا ابن الفاعلة! قد أجبتك. فقلت: لا تسبني وأنا سيد من سادات الأنصار؟ ثم قال. وإن لقوم سوّدوك لحاجة ... إلى سيد لا يظفرون بسيد قال صالح السري: قدم علينا محمد بن السماك العابد فقال: اروني عبادكم؟ فذهبت به إلى قديس وقرأت إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون فشهق شهقةً وخر مغشياً عليه فخرجنا من عنده وتركناه على هذا الحال.

стр. 78

أبو سعيد الضبعي قال سعيد بن عامر مر بي أبو سعيد الضبعي ذات يوم فقلت له ألا تجلس عندي ساعة؟ قال بلى متزيناً بمجالستك فجلس فقلت: يا أبا سعيد ما أفضل الكلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ﷺ . قلت وأي الأعمال أفضل؟ قال إقام الصلاة. وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى بيت الله الحرام، وبر الوالدين. قلت فأي الرجال أحب إليك؟ قال أحسنهم خلقاً. قلت فأي النساء أحب إليك؟ قال المتحببة النقية وإن كانت قبيحة. قال بكار بن علي قلت لأبي سعيد يوماً كيف أصبحت؟ قال أصبحت مؤمناً بالله لا أقول بقول القدرية ولا المرجئة ولا بقول الجهمية ولا الرافضة فأما القدرية فتزعم أن العبد لو لقي الله بمثل حبة خردل من المعاصي مصراً عليها كان في نار جهنم مخلداً. وأما المرجئة فتقول من لقي الله بشهادة لا إله إلا الله فهو في الجنة وإن زنى وإن سرق. وقالت الجهمية علم الله مخلوق فكفرت بالخالق. وقالت الرافضة بعث جبريل ﵇ إلى علي فغلط فجاء إلى محمد. فكفرت بالله وجحدت محمداً ﷺ . قلت فما تقول أنت؟ قال: أقول خلق الله الخلق كما يشاء لا كما يشاؤون فمن عذبه منهم عذبه غير ظالم. ومن رحمه فرحمته وسعت كل شيء أن يقال له لم وكيف فقد قال تعالى في كتابه العزيز " لا يُسأل عما يفعل وهم يُسالون ". ثم قال يا ابن عامر هل أنكرت شيئاً؟ قلت لا. قال سعيد بن عامر كان بالبصرة وال يقال له محمد بن سليمان وكان كلما صعد المنبر أمر بالعدل والاحسان. فاجتمع قوم من نساك البصرة فقالوا أما ترون ما نحن فيه من هذا الظالم الجائر وما يأمر به. فأجمعوا ان ليس له إلا أبا سعيد الضبعي. فلما كان يوم الجمعة احتوشوا أبا سعيد وهو لا يتكلم حتى يحرك فلما تكلم محمد بن سليمان حركوه. وقالوا يا أبا سعيد، محمد يتكلم على المنبر يأمر بالعدل والاحسان. فقال يا محمد بن سليمان إن الله يقول في كتابه العزيز " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا يفعلون كبر مقتاً

стр. 79

عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. يا محمد بن سليمان ما بينك وبين ان نتمنى أنك لم تخلق إلا أن يدخل ملك الموت بيتك. قال فخنقت محمد بن سليمان العبرة ولم يقدر على الكلام. فقام أخوه جعفر بن سليمان إلى جانب المنبر فتكلم عنه. قال فأحبته النساك من حين خنقته العبرة. فقالوا مؤمن مذنب. قال سعيد بن عامر: كان لجعفر بن سليمان جارية اسمها الخيزران وكان مفتوناً بها وشهر ذلك بالبصرة. فركب يوماً في جماعة من الموالي يريد الجمعة فمر بأبي سعيد الضبعي فلما حاذاه قيل لأبي سعيد هذا جعفر. فرفع رأسه وقال يا جعفر تحب خيزران قال نعم. فقال أبو سعيد: نبئتها عشقت حشاً فقلت لها ... لا يعشق الحش إلا كل كناس قال فضرب جعفر وجه دابته ومضى حياءً من الناس. وله حكايات اكتفينا منها بهذا القدر. جعيفران قال محمد بن جعفر الدينوري لقيت جعيفران الموسوس وقد جاء إلى علي ابن إسماعيل الهاشمي المقلب بالظاهرية وكانت له هيئة فوقف بين يديه فقال أعطني درهماً فرماه الغلمان ونحوه. فقال:

стр. 80

قد زعم الناس ولم يكذبوا ... إنك من غير بني هاشم فقال علي بن إسماعيل فضحني والله وهم بقتله. ثم قال يا جعيفران! ما تريد؟ قال درهماً صحيحاً، ورغيفاً حواري، وفالوذجاً، فجيء بها وقعد وأكله أجمع، وأخذ الدرهم وقال: فكذب الله أحاديهم ... يا هاشمي الأصل من آدم قال عبد الله بن عثمان أبطأ عند جعيفران يوماً. ثم عاد إلينا وهو عريان يشتد والصبيان يرمونه بالحجارة فسلم علي وقال يا عبد الله: رأيت الناس يدعوني ... مجنوناً على حال ولو كنت كقارون ... وفرعون باقبال وماذا عليّ حق ... ولكن هيبة المال قلت أيحضرك شيء على غير هذه القافية في هذا المعنى حتى نعلم أنك شاعر فقال: رأيت الناس يدعوني ... بمجنون على عمد وما بي اليوم من حسن ... ولا لبس ولا عقد ولو كنت كقارون ... ووالي رحبة الجند رأوني راجح العقل ... جميلاً حسن القد وما ذاك على حقٍ ... ولكن هيبة النقد فقلت أعندك مزيد على هذا؟ فإن جئت بالثالثة اقررت لك بأنك شاعر. فأطرق ثم قال قم بنا إلى المنزل فقمنا معه فقال: رأيت الناس يرموني ... بوسواس لأيامي وما كنت أخا موق ... قديماً قبل تهيامي ولكني أرى ذاك ... لإدقاعي وإعدامي ولو كنت أخا ملكٍ ... وإسراج وإلجام

стр. 81

إذا أكرمني الناس ... ولم أُرم بالمام وكانوا كل أوقات ... يباهون باكرامي قال فأدخلته منزلي وغذيته وقعدت أنا وقوم من أصحابنا ثم عاتبناه على ما صنع بنفسه ووبخناه بأنواع اللوم فأنشأ يقول: رأيت الناس أحياناً ... ليروموني بوسواس ومن يضبط يا هذا ... مقال الناس في الناس فدع ما قاله الناس ... وعجّل صفوة الكاس فإن الناس يفرون ... بأمثالي وأجناسي ولو كنت أخا ملكٍ ... أتوني بين جلاسي يقومون ويفدون ... على الرجلين والراس! ثم قال يا فتى هذه أربعة وقام قومه فقال لي أحد أصحابي لو جئنا بقينة قلت ومن يجيء بقينة بين يدي مجنون دعونا اليوم نلهو فقد حل علينا فقال: وندامي أكلوني ... إن تغيبت قليلا زعموا إني مجنون ... أرى العري جميلاً كيف لا أرعى وما لب ... صر في الناس مثيلاً باسطاً للجود كفاً ... قائلاً خيراً فعولاً انثي أهوى كرام ... الناس لا أهوى البخيلا إن أكن سؤتكم اليوم ... فخلوا لي سبيلا وابتغوا غيري نديماً ... لكم مني بديلاً وأتموا يومكم ح - ياكم الله طويلاً قال فندمنا على ما كان منا فقلنا له معك نلذ ونفرح فأتيناه بثوب فطرحناه عليه وأتيناه بقينة فأنشدت له: لا تزوّج فتهلكا ... حذرك اليوم حذركا إن للعرس مرجعاً ... عينها يورث البكا لا يغرنك سقف بي ... تت وفرش ومتكا

стр. 82

عن قليل يشكي الي ... ك فترثي لمن بكا قال محمد بن مهدي الكاتب أتى جعيفران إلى بعض الولاة وهو يأكل فدعي إلى طعامه فأكل معه فلما كان من الغد حجب فقعد على الباب ثم كتب إليه شعراً: عليك إذن فانا قد تغذينا ... لسنا نعود فقد كنا تسقينا بأكله سلفت أنقت حرارتها ... ماذا بقلبك قد صمنا وصلينا قال أبو العباس الأسدي لقيت جعيفران فقلت له أتجيز لي هذا البيت الشعر؟ قال نعم بدرهم صحيح. قلت له نعم. قال هات فأعطيته وأنشدته. وما الحب إلا لوعة قدمت بها ... عيون المها باللحظ بين الجوانح فتفكر ثم قال: ونار الهوى تطفي عن القلب فعلها ... كفعل الذي جادت به كف قادع وأنشد أيضاً: يا واعد الوعد ليس ينجزه ... أُفٍ لمن لا يتم كا وعدا أُفٍ لمن لا يزال صاحبه ... في تعب من عذابه أبدا أكلّ طول الزمان أنت إذا ... جئتك في حاجة تقول غدا لا جعل الله إليك ولا ... عندك ما عشت حاجة أبدا وله أيضاً: لا تيأس إن كنت ذا فاقة ... تتعب في نزر من الرزق بين الفتى في شر أحواله ... صاحب خلقان على الطرق صار أميراً إن ذا عبرة ... وقدرة الله في الخلق وذكر ابن أبي خالد قال كان بعض أصحابنا لقي جعيفران فقال له مصراع بيت إن أتممته فلك درهم قال هات قال ألا عجزت عن الصبر العقول فقال بالبداهة! لان سبيله مر ثقيل هات الدرهم.

стр. 83

سهل بن أبي مالك الخزاعي قال عبد الله بن ادريس مررت بابن أبي مالك فقال اسكت وغضب. وانقلبت عيناه فإن أعمالك كلها حادات. قال فوالله لقد داخلني من الفرق منه أمر عظيم. فلما كان يوم الجمعة حملت معي ثلاثة دراهم فأمرت انساناً يطلبه فوجدته. فدفعت له الدراهم فتبسم يحسبني إني أُكلمه فوقفت حيث أراد ثم أقبل علي فقال لي قل. قلت يا ابن أبي مالك ما تقول في النبيذ؟ قال حلال. قلت تشربه؟ قال إن شربته فقد شربه، وكيع وهو قدوة. قلت تقتدي بوكيع في تحليله ولا تقتدي في تحريمه. وأنا أسن منه. فقال إن قول وكيع مع اتفاق أهلب البلد. معه أحب إلي من مقالتك مع اختلاف أهل البلد عليك. وقلت له ما تقول في الغناء؟ قال قد غنى البراء بن مالك وعبد الرحمن بن رواحة. وسمع الغناء ابن عمر. وكان عبد الله بن جعفر من التابعين. وأمسك فقلت له سميت جماعة من الصحابة وأمسكت عن عبد الله بن جعفر. فقال لأنك سألتني عن الغناء ولم تسألني عن ضرب العيدان. قال بكار بن علي كان سهل بن أبي مالك الخزاعي المجنون عالماً بالشعر. قال رجل من أصحابنا ما أجود الشعر؟ فقال ما لا يحجبه عن القلب حاجب. مثل قول جميل: ألا أيها النوّام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب قال عبد الله بن ادريس خرجت من عند عيسى بن موسى فانا عند طاق

стр. 84

المخامل. إذا أنا بابن مالك المجذوب جالس قد نكس رأسه كالمغشى عليه فوقفت على رأسه فقلت يا ابن أبي مالك! فانتبه فزعاً. فقال ما تشاء؟ قلت أي شيء أعجب معنى؟ قال لو قلت من أي النساء لقلت بيضاء شقراء مجدولة شهلاء. ولو قلت أي الرجال أعجب إليك؟ لقلت أصحهم جواباً وأحسنهم مسألة. فغير مسألتي إياه. ومدح إجابته إياي. قال فلما وليت سمعته يقول انظروا إلى ابن ادريس. أبا خالد لا زلت سبّاح غمرة ... صغيراً فلما شبت خيمت بالشاطي كسنور عبد الله بيع بدرهم ... صغيراً فلما شبّ بيع بقيراط! قال فقبعت رأسي ودخلت في أضعاف الناس. ولم أعد بعدها إلى مسألته. قال ابن ادريس مررت ذات يوم جمعة بابن أبي مالك فقلت له متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول فيها باعلم من السائل. غير إن من مات فقد قامت قيامته. والموت أول عدل الآخرة. فقلت له المصلوب يعذب؟ قال إن كان مستحقاً فروحه يعذب. وما أدري لعل البدن في عذاب من عذاب الله. لا تدركه عقولنا. ولا أبصارنا. فإن الله سبحانه لطفاً لا يدرك. وكان جالساً في موضع رماد ومعه قطعة جص يخط بها فيستبين بياض الجص في سواد الرماد. فقلت له يا ابن أبي مالك! ايش تصنع؟ قال ما كان يصنع صاحبنا. قلت ومن صاحبكم؟ قال مجنون بني عامر. قلت وما كان يصنع؟ قال أسمعه يقول: ومالي بها من حيلة غير انني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع قلت ما سمعته فضحك وقال أما سمعت قول الله سبحانه؟ " ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل " فهل رأيته؟ هذا يا ابن ادريس كلام العرب. قال ومر بي وأنا في المسجد فصحت به ليعطف فقال: أقبل عليّ ان أنت بين يدي ... فأنت بين يدي رب العالمين قال ابن أويس فأفزعني والله.

стр. 85

أبو نصر الجهني قال ابن أبي فديك كان عندنا رجل يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل. وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله ﷺ . وكان إذا سئل عن شيء أجاب. فأتيته ذات يوم ودفعت إليه شيئاً كان معي. فقال قد صادفت منا حاجة. فقلت يا أبا نصر! ما الشرف؟ قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها. والقبول من محسنها. والتجاوز عن مسيئها. قلت فما المروءة؟ قال إطعام الطعام. وإفشاء السلام. وتوقي الأدناس والآثام. قلت فما السخاء؟ قال جهد المقل. قلت فما البخل؟ قال أُف. وحول وجهه عني. قلت لم؟ قال لا تجيبني قلت قد أجبتك. قال ابن أبي فديك قدم علينا يوماً هارون الرشيد سنة ثلاث فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول الله ﷺ . وعلى منبره. وفي موقف جبريل ﵇. واعتنق اسطوانة التربة. ثم قال قفوا بي على أهل الصفة فلما أتاهم حرك أبو نصر وقيل له هذا أمير المؤمنين. فرفع رأسه إليه وقال أيها الرجل إنه ليس بين عباد الله وأُمه رسول الله ﷺ وبينك وبين رعيتك وبين الله خلق غيرك. وإن الله سائلك عنهم فأعد للمسألة جواباً. فقد قال عمر بن الخطاب لو ضاعت سخلة على شاطيء الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة. فبكى هارون. ثم قال يا أبا نصر؟ إن رعيتي ودهري غير رعية عمر ودهره. قال دع عنك هذا. والله غير مغن عنك فانظر لنفسك فإنك وعمر لتسألان عما خولكما الله. قال ودعا هارون بمئة دينار فقال ادفعوها إلى أبي نصر. فقال أبو نصر ما أنا إلا رجل من أهل الصفة فادفعوها إلى فلان يفرقها بينهم. ويجعلني رجلاً منهم. قال ابن أبي فديك أجدبت المدينة في سنة واشتد حال أهلها وانكشف حال قوم كانوا مستورين بها. فخرجوا يدعون وإذا أبو نصر جالس. قد نكس رأسه فقلت يا أبا نصر! أما

стр. 86

ترى ما في أهل حرم رسول الله ﷺ ؟ قال بلى. قلت أفلا تدعو؟ لعل الله ان يفرج عنهم. قال بلى. وحول وجهه إلى القبلة. وقال اجلس بجنبي فجلست. فانكب وعفر وجهه في التراب. ثم رفع رأسه وقال: يا فارج الهم. وكاشف الغم. ومجيب دعوة المضطرين. رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. ﵌ على محمد وعلى آل محمد. وفرج ما أصبح فيه أهل حرم نبيك. ثم غلب فذهب. فقمت من عنده فوالله ما خرجت من السوق حتى رأيت الشمس قد تغطت. فرفعت رأسي فإذا رجل من جراد أرى سوادهن في الهواء فما زلن يسقطن وأنا واقف انظر حتى ملأت المدينة. فاشتغل كل قوم ما في دارهم من الجراد فحشوا الأجواب وطحنوا وملحوا وملأ الناس الجرار والجناب والقواصير والبواقي جانب بيوتهم. ثم باض بعد ثلاثة أيام فانتشر في أعراض المدينة لم يخرج منها إلى غيرها ثم ما مرت بنا ثلاثة إلى أن جاءنا عشر سفاين إلى التجار فإذا هي في الوقت الذي دعا فيه أبو نصر. فرجع السعر إلى أرخص ما كان. ورجعت حال الناس إلى أحسن ما كانت. فأتيت أبا نصر وهو في مسجد رسول الله ﷺ . فقلت يا أبا نصر! ألا ترى إلى بركة دعائك؟ فقال لا آله إلا الله هذه رحمة الله التي وسعت كل شيء. وقال ابن أبي فديك كان أبو نصر يخرج كل جمعة فيدخل السوق فيقف على مربعة ويقول أيها الناس! اتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله. فإذا وضع في قبره رجع أهله وماله وبقي عمله فاختروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم رحمكم الله. ثم لا يزال يفعل ذلك في مربعة مربعة حتى يأتي مصلي رسول الله ﷺ ثم يمضي إلى الجمعة فلا يخرج إلا للطهور حتى يصلي العشاء الأخيرة.

стр. 87

حيان بن خيثم المجنون قال عطاء السلمي: مررت ببعض أصدقائي ظاهر البلد فناداني وسألني ان أبر قسمة وناولني سكراً وسمناً ونشاءً وقال اصلحه لي. فأمرت من أصلحه. ثم أخذته تحت كسائي أمر به إليه، إذا أنا بحيان بن خيثم المجنون فقال ما معك؟ فقلت شيء اصلحته لبعض رفقائي. فقال اكشف عنه فكشفت فقال ارفعه فان نفوسنا نفرت من أن تأكله. قلت فما تريد؟ قال فالوذج العارفين قلت وما هو؟ قال خذ قند الصفا. وسمن البها. وزعفران الرضا. وماء المراقبة. وانصب طنجير القلق. وأوقد تحتها حطب الحرق. واعقده باصطام الحياء. ونار الشوق. حتى يزيد زبد الصبر. وترغو رغوة التوكل. ثم ابسط على صحاف الأنس. ثم كله. قلت فإذا أكلته. قال تضج أوجاع القلوب إلى مداويها. وتشكو ألم الضمير إلى مبليها. وتبكي العيون عن محبة مبكيها شوقاً إلى تأنسه محبتها. ثم أنشد فقال: فهام بحب الله في القفر سابحاً ... وحطت على سوق القدوم رواحله نهاه النهى فارتاح للخوف باطنه ... وخاف وعيذ الله فالحق شاغله فلما جرى في القلب ماء يقينه ... فأنبت زرعاً لم تجف سنابله طوى دهره بالصوم حتى كأنما ... عليه يمينٌ إنه لا يزايله فعاد بحزن قد جري في ضميره ... تنوح به أعضاؤه ومفاصله يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقى ... إذا عرف الداء الذي هو قاتله قال عطاء: ومررت به يوماً وهو في المقبرة واقف على قبر يخاطبه، فقلت من تخاطب؟ قال: صاحب هذا القبر فإنه كان صديقي ورفيقي، قلت: وما قلت؟ قال أقول. يا صاحب القبر يا من كان يأنس بي ... وكان يكثر في الدنيا موآتاتي قلت وما جاوبك؟ قال قال: شغلت عنك بشيءٍ لست واصفه ... من الغموم ولوعاتٍ وبرحات

стр. 88

قال عطاء: مر بي يوماً في أزقة البصرة فقلت له كيف أصبحت؟ قال أصبحت لا أعرف ما صباحي ... من الهموم لا ولا رواحي أفرط في جرمي وفي اجتراحي ... فصرت كالبازي بلا حناح همام قال قاضي أرجان كان أبو همام يقول بلاعتزال وكان همام ولده يقول بقوله. فغلب على عقله فتاه، فقيد وشدت يده إلى عنقه. قال: فدخلت عليه فجلست بعيداً خوفاً منه. وقلت له: يا همام! كيف تجدك؟ فقال لي أسكت يا قدري، فقلت له يا سبحان الله! ما هذا الجواب؟ أليست مقالتنا ومقالتك واحدة؟ قال: لا ولا كرامة لك يا ابن الفاعلة. إني نظرت في مقالتك ومقالة عمك الضال المفتون فوجدتكما كافرين بالله تعالى فقلت: كيف؟ قال انكما تزعمان أن الله سبحانه جعل فيكما استطاعة، تغلبان بها؛ استطاعة الله تعالى، وأنت يا ابن الفاعلة تزعم أن الله لم يقض عليك الزنا، وأنت قضيته على نفسك، فتبارك الله في حكمه، وزعمت أن الله لو قال لك افعل، فلعنك الله ولعن عمك. قلت: فأي قول أخذت لنفسك؟ قال رددت الأمر إلى مدبرها وخالقها. وعلمت أن خيرها وشرها ونفعها وضرها منه. قلت ليتك مت قبل هذا الوقت، فقال لي: يا ابن الفاعلة الله سبحانه أرحم بي أمهلني إلى هذا الوقت الذي عرفت فيه رشدي. قال شعيب بن مخلد الدهان: دخلت عليه يوماً فقلت له يا همام! ما هذا الذي يبلغنا عنك؟ قال وما يبلغكم عني؟ قلت بلغنا أنك انتقلت من القول بالعدل إلى القول بالجور، قال همام يا ابن الفاعلة! لو كنت تقول بالعدل لرددت الأمور إلى مدبرها وخالقها وبعد فأنت تقول بالعدل وتغشى الاثم، فرماه بحجر، فلم يزل يعرج منها. قال واجتمعت به يوماً فقلت له: يا همام! أي شيء تأمر في ميراثك لأبيك؟ فنظر إلي مغضباً وقال: أيتوارث أهل ملتين مختلفتين؟ قلت له أو نحن ملتان مختلفتان؟ قال نعم: أنتم تزعمون أن الله قضى الخير، ولم يقض الشر، وأنا

стр. 89

أقول: أن الله قضى الخير والشر. وإن من عذبه عذبه غير ظالم، ومن رحمه فرحمته وسعت كل شيء، رحمه الله تعالى. بعيل أو جعيل قال عبد الله بن محكم الحمصي سألت بعيلاً وكان من أهل المحبة. متى يصح للعبد الولاية؟ قال: إذا سبقت له العناية، وكان من مولاه في كفاية. قال وسمعته يقول وقد سئل عن العارفين: قوم لهم همم تسمو بهم أبداً ... إلى جليل عظيم القدر غفار قال جعفر بن عبد القادر المقدسي: سألت جعيلاً عن حد الزهد، فقال: استصغار الدنيا. فلما وليت، دعاني فقال: هو محو الدنيا من القلب، قال وسمعته في بعض الخرابات وقد خنقته العبرة وهو يقول: يا رجائي وعصمتي ومنائي ... إلاحم اليوم ذلتي وبكائي يا حبيبي ومؤنسي وعمادي ... وغياثي ومعقلي ورجائي يوحنا قال محمد بن عبد الرحمن: كنت أنا ووكيع بن الجراح بفناء دار بن صالح بالجبانة فطلع علينا عبادي على حمار وهو من أهل الحيرة يقال له يوحنا، وكان ممروراً، وكانت مرته تعيج تارة، وتسكن أُخرى. فقلت لوكيع اسمع جواب العبادي. فلما حاذانا، قال له وكيع: يا يوحنا! لو نزلت وتحدثت معنا في هذا الفناء الكثيب. قال يوحنا: يا أبا سفيان نعم المجلس لمن كفى أهله مصالحهم. فقال له

стр. 90

وكيع: ناولني خاتمك فناوله، فإذا عليه مكتوب العزة لله. محمد خير البرية، قال له وكيع يا يوحنا! ما تقول في تقدمة أبي بكر وعمر؟ قال أقدمهما في الإمامة، ولا أُقدمهما في المحبة. ثم أقبل على وكيع وقال: يا أبا سفيان وفي المحبة. أبو علقمة قال أبو زيد النحوي كنت أنا ورجل من قيس ومعه ابن له نريد الجمعة. وأبو علقمة على باب المسجد جالس. فقال الغلام لأبيه: أُكلم أنا أبا علقمة. فقال لا، فأعاد عليه الغلام ثلاثاً فقال له أبوه: أنت أعلم، فقال الغلام يا أبا علقمة! ما بال لحى قيس قليلة خفيفة المؤنة، ولحى اليمن كبيرة عريضة شديدة المؤنة؟ قال: من قول الله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته ... والذي خبث لا يخرج إلا نكدا مثل لحية أبيك! قال فجذب القيسي يده من ابنه ودخل في غمار الناس حياءً وتستراً. نمير قال علي بن ظبيان كان نمير من نساك أهل الكوفة، وكان قد سمع سماعاً حسناً. وكان مواظباً على العبادات. فعرض له، فذهب عقله، وكان لا يأوي سقف بيت. فإذا كان النهار فهو في جبانة القبور، وإذا كان الليل فهو في وسط السطح قائماً على رجليه في البرد والمطر والرياح. وكنا في بعض ما هو فيه من البرد والمطر والرياح، فنزل بكرة ذات يوم يريد المقابر فقلت يا نمير! تنام؟ قال لا، قلت: وما العلة التي منعتك من النوم؟ قال هذا البلاء الذي تراه بي. قلت له: يا نمير! ما تخاف الله تقول البلاء؟ قال: أليس قد جاء في الخبر أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فقلت أنت أعلم مني قال كلا ومضى. سلمة قال الحسن بن صالح قلت لسلمة يوماً من الأيام: يا سلمة! أتؤمن بالمعاد؟ ففتح عينيه وغضب وقال: نعم يا حسن كأني أنظر إلى القيامة وقد قامت، وإلى

стр. 91

كرسي القصاص وقد وضع كما شاء الله، وإلى الموازين قد نصبت، وإلى الصحف قد نشرت كما شاء، وكأني أنظر إلى فريق في الجنة، وفريق في السعير، ولكن يا حسن اتق الله ولا ترد أمر الله. فقال له الحسن: وكيف أرد أمر الله؟ فقال: انكم معاشر الشيعة تزعمون أن أبا بكر وعمر إماما عدل وقد قال الله في كتابه العزيز أن الله يأمر بالعدل والاحسان فتولية أبي بكر وعمر من عدل الله الذي أمر به فإن لقيت الله بهذه المقالة لقيته وأنت من الخاسرين. قال عثمان وقلت له يوماً: ادع الله لي. فقال: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ". ثم قال يا عثمان! إن الله سبحانه لم يخص أحداً، ولم يحصرها عن أحد، فيا من أمر بذلك هب لنا ولعثمان العافية في الدنيا والآخرة. عشرة المدني كان رجلاً عجمياً وكان يجلس تحت دار سعيد بن العاص فمر به يوماً إبان بن عثمان متولي الشرطة. فقال لصاحب بابه: احجب الناس من بين يدي، ومن خلفي. ودنا إلى عشرة المدني وكان إذا قيل له يا عشرة، تجرد. فقال له إبان بن عثمان: يا عشرة! فلم يتكلم فألح عليه فمسك لحيته بيده وتكلم بالفارسية: يا ريش كان اللحم إذا فسد داويناه بالملح، فإذا فسد الملح بأي شيء يداوى؟

стр. 92

قال إبان بن عثمان: إذا كان الأمر على ذلك. فمن عاد صالح له بهذا الاسم يعني عشرة جلدته بكذا وكذا سوطاً. سابق قال أبو هاشم إسرائيل بن محمد القاضي: كان بالمهرجان معتوه يقال له: سابق، وكان متوحشاً مأواه الخرابات والمقابر والغياض. وكنت أحب أن أراه وأُكلمه، فأتيته يوماً بالمقابر وقد وضع رأسه على قبر، فلم يشعر بي حتى سلمت عليه. فقال: وعليكم السلام. ثم هبته، فرفع رأسه إلي وقال لي: يا إسرائيل! خف الله خوفاً لا يشغلك عن الرجاء. فإنك إن ألزمت قلبك الرجاء يشغلك عن الخوف. وفر إلى الله، ولا تفر منه، فإنه يدركك ولن تعجزه، ولا تطع المخلوق في معصية الخالق. واعلم أن لله يوماً تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. ثم قام فدخل الخرابات. فعدت إليه بعد شهر، فلما أبصرني هرب، فقلت له يا سابق لا أعود إليك بعدها، فوقف فقلت: علمني كلمات أدعو بهن. فقال: أفضل الأعمال ما أُكرهت عليه النفوس، ثم قال: قل اللهم اجعل نظري عبرة، وسكوني فكرة، وكلامي ذكراً. ثم تخطى حائطاً من الخراب ومضى. قال خلف بن سالم: قلت لو يوماً يا أبا علي ألك مأوى؟ قال نعم: قلت فأين هو؟ قال دار يستوي فيها العزيز والذليل. قلت وأين هذه الدار؟ قال المقابر. قلت له: يا أبا علي أما تستوحش في ظلمة الليل ووحشته؟ قال: إني أذكر ظلمة اللحد ووحشته، فيهون علي ظلمة الليل ووحشته. فقلت له: فهل ترى في المقابر شيئاً تكرهه؟ قال: أرى، ولكن في هول ما يشغل عن هول المقابر أعاذنا الله تعالى.

стр. 93

أبو جوالق قال بعضهم: خرج أبو جوالق يوماً فلقيه بعض أصدقائه فقال: إلى أين يا أبا جوالق؟ فقال أشتري حماراً. فقال له صديقه: قل إن شاء الله فقال: ما هذا موضع إن شاء الله. الدراهم في كمي، والحمار في السوق. قال ومضى إلى السوق فسرقت منه دراهمه. فعاد فرآه صديقه حزيناً فقال له: اشتريت الحمار؟ فقال له: سرقت الدراهم إن شاء الله. ثوبان القرميني قال إسماعيل بن وهب: ركبت يوماً في مركب من البصرة أُريد سيراف. فهاج البحر بريح شديدة، وكان معنا في المركب ثوبان القرميني، فلحظ السماء بطرفه وقال: أقسمت عليك يا مأوى همم العارفين، ألا كشفت عنا الأذى. فما استتم الكلام حتى سكنت الريح، ونجونا. وروي عنه أنه كان إذا جنة الليل، يناجي ربه ويقول: يا سروري ومنيتي وعمادي ... وأنيسي وبغيثي ومرادي أنت روح الفؤاد أنت رجائي ... أنت لي مؤنس وشوقك زادي أبو الصقر قال بكر بن سليمان: مررت يوماً بأبي الصقر فقال لي: أمعك سيورجه قلت وما تريد؟ قال أملي عليك شيئاً قلت نعم. فأخرجت لوحاً كان معي فقال أكتب:

стр. 94

أنّا إلى الله وأنّا به ... يرتفع الناس وأنحط قد صرت نطوا في فراش الهوى ... كأني من فوقه خط سلمة الموصلي قال نعيم الخشاب: كان سلمة الموصلي أديباً ظريفاً قبل أن خولط. فماتت له زوجة فخولط. فمررت به ذات يوم وهو يقول لبعض أصدقائه: عليك بقصر الأمل، والاختلاع من الحول والقوة والقدرة، وكل الأمور إلى خالقها ومدبرها تسترجع وإياك والكسل فإن أخذه أليم شديد. وسمعته يوماً ينشد وهو واقف على قبر: حسب الخليلين أن الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي قال نعيم: وكان يجلس عندي في بعض الأحيان فأُطعمه وأُشهيه، فقلت له يوماً: يا سلمة ما الفرق بين الفعال والفعال؟ فقال الفعال العيار في المصنوعات وهي عام، والفعال في المكارم وهي خاص. قال وكان عندي ليلة فأراد الخروج فهبت ريح شديدة فقال يا غلام هات الهلة قلت وما الهلة قال بيت المستراح. ولهان المجنون كان مجنوناً ذاهب العقل قال ذو النون المصري: رأيت ولهان يوماً وهو يطوف حول البيت وهو يقول: شوقك قتلني، وحبك أقلقني، والاتصال بك أسقمني، فقدت قلباً يحب غيرك، وثكلت خواطراً تسر بسواك. وحكى أحمد بن إبراهيم الدوري قال: كان ولهان المجنون مهيباً، ذا هيبة،

стр. 95

وكان كل من يراه يهابه من سلطان أو غيره. وكان يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، وكان يقول: يا أيها الناس تزودوا ليوم الدين، يوم تنشر فيه الدواوين، وتنصب فيه الموازين، وينتصف فيه المظلومون من الظالمين. اعملوا، في الأيام تراخ، وفي النفس مهلة، قبل أن تؤخذوا على غرة. بكار المجنون قال إدريس بن عبد الرحمن: خرجت يوماً من الجامع أُريد الرجوع إلى منزلي، وإذا أنا ببكار المجنون وهو قائم في السوق يقول: " واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ". فلا يزال كذلك في مربعة مربعة حتى إذا أفلت الشمس نادى: " ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ". ثم أنشأ يقول: ولهت قلوب العارفين يجبه ... فتناشروا وتبايعوا الأعمالا قال علي بن بكار: سمعت بكار المجنون في جامع البصرة يقول: يا أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء، ولا تعبدوه رهباً من نيرانه، ولا طمعاً في جنانه، بل عبوديةً واستحقاقاً. نقرة المجنون قال عبد الله بن محمد العتبي: بينا أنا ذات يوم في صحن داري إذ هجم علي

стр. 96

نقرة المجنون، فخفت منه وقلت: أنا بين ضربة ولطمة. فوقف في جواري وأنشأ يقول: نظرت إلى الدنيا بعين مريضة ... وفكرة مغرور وتأميل جاهل فقلت هي الدار التي ليس مثلها ... ونافست فيها في غرور وباطل وضيعت أيامي أمامي طويلة ... بلذة أيام قصارٍ قلائل ثم ولى هارباً، فوثبت إلى الدواة وكتبت الأبيات، وأغلقت الباب. سمنون قال ابن فاتك: قلت لسمنون أي منزل إذا نزله العبد قام مقام العبادة؟ قال: إذا ترك التدبير. قال وقلت له يوماً: يا سمنون أسألك عن المحبة، قال عن محبة الله إياك تسأل أو عن محبتك إياه؟ قلت عن محبة الله لي. قال: لا تطيق الملائكة أن تسمع ذلك. فكيف تطيق أنت وأنشد سمنون: لا لأني أنساك أُكثر ذكرا ... ك ولكن بذاك يجري لساني أنت في النفس والجوانح والفك ... ر وأنت المنى وفوق الأماني فإذا أنت غبت عني عياناً ... أبصرتك المنى بكل مكاني وقال له بعض الخلفاء: يا سمنون كيف وصلت إليه؟ قال ما وصلت حتى عملت ستة أشياء. أمت ما كان حياً وهو النفس، وأحييت ما كان ميتاً وهو القلب، وشاهدت ما كان غائباً وهي الآخرة، وغيبت ما كان شاهداً وهي الدنيا، وأبقيت ما كان فانياً وهو المراد، وأفنيت ما كان باقياً وهو الهوى، واستوحشت مما تستأنسون، وأنست مما تستوحشون. ثم أنشد: روحي إليك بكلّها قد أجمعت ... لو أن فيك هلاكها ما أقلعت تبكي عليك بكلها في كلها ... حتى يقال من البكاء تقطعت انظر إليها نظرةً بمودةٍ ... فلربما منّعتها فتمنعت

стр. 97

وله أيضاً: لطائف برّك ما تنقضي ... وطاعات خلقك ليست تضي تقاضوك برّاً فأوفيتهم ... ولم يقتضوا لك ما يقتضي وما تبصر العين يا سيدي ... سوى ما تحب وما ترتضي قال سمنون: أقمت مطروحاً على باب بني شيبة سبعة أيام مهموماً، فهتف بي هاتف في آخر ليلي. من أخذ من الدنيا فوق ما يجزيه، أعمى الله عيني قلبه، وأنشد: أجلك أن أشكو الهوى منك انني ... اجلّك ان تومي إليك الأصابع فأصرف طرفي نحو غيرك عامداً ... على أنه بالرغم نحوك راجع قال: سئل سمنون أي الطعام أطيب؟ قال لقمة من ذكر الله، في فم النفس بتوحيد الله، رفعتها من مائدة الرضا عن الله، عند حسن الظن بكرامة الله وأنشد: حرام على قلب تحرم بالهوى ... يكون لغير الحق فيه نصيب تفرد فيه فانفردت بحبه ... فصار عليّ شاهد ورقيب قيل له ما علامة من بقي له ربه. قال يا هذا اجعل قبرك خزانتك، واحسنها من كل عمل صالح، فإذا وردت على ربك سرك ما ترى. وقال سمنون: رأيت إبليس في المنام ولا شك أنه إبليس، فأخذت عصاي لأضربه، فهتف بي هاتف: هو لا يهرب من عصاك، وإنما يهرب من نور القلب وأنشد: بين المحبين سرٌّ ليس ينسبه ... قول ولا قلم في الخلق يحكيه سرٌّ يمازجه انس يقابله ... نور تحيّز في جوٍّ من التيه وله أيضاً: الحب شيءٌ لطيف ليس يدركه ... عقل لإدراكه عزّ وتدبير لكنه في مجاري السرّ بعرفه ... أهل الإشارة عزّ لا كيف وتقدير قال محمد بن عبد الله: سألت سمنون عن قول النبي ﷺ ، روحوا القلوب تعي

стр. 98

الذكر. فقال: معناه روحوا القلوب من هموم الدنيا تعي اذكار الآخرة. قال إبراهيم بن فاتك: سئل سمنون عن معنى قول النبي ﷺ ، المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء. فقال واحد منها طبع، وستة حرص، فالمؤمن يأكل بمعى الطبع، والكافر يأكل بأمعاء الحرص، وأنشد في المعنى: لئن أمسيت في ثوبي عديم ... لقد بليا على حرٍّ كريم فلا يحزنك ان أبصرت حالاً ... مغيرة عن الحال القديم فلي نفس ستذهب أو سترقى ... لعمرك بيّ في أمر جسيم قال سمنون رأيت راهباً في صومعة. فقلت له كم لك في هذه الصومعة؟ فقال منذ ثلاثين سنة. فقلت ما أفادتك الخلوة. قال ويحك! هل رأيت وزيراً يخرج سر أميره؟ ومما أنشد سمنون: يا من فؤادي عليه موقوف ... وكل همي إليه مصروف يا حسرة حسرة أموت بها ... ان لم يكن لي لديك معروف وله أيضاً: ألست لي عوضاً مني كفى شرفاً ... مما وراءك لي حظ ومطلوب رأيت أسباب راحاتي بها عطفي ... عن العزاء فصبري فيّ مغلوب لو أن أيوب لاقى بعض ضرك لي ... لضج من بعض ما لاقيت أيوب وله أيضاً: أفسدتني بهواك هل أصلحتني ... لم أرض بعدك كائناً من كانا من ودّني قد كان ودّك فوقه ... فتركتني أتسخط الأخوانا قال أبو نعيم الحافظ: سمنون هو ابن حمزة الخواص أبو الحسين، وقيل أبو بكر البصري سكن بغداد ومات قبل الجنيد وسمى نفسه سمنون الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها:

стр. 99

فليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فامتحنّي فحصر بوله من ساعته فسمى نفسه سمنون الكذاب. ومن شعره قوله: وكان فؤادي خالياً قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح رميت ببنين منك إن كنت كاذباً ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني بعيني يملح فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح عبيد المجنون قال ذو النون أردت الخروج إلى بيت الله الحرام، فإذا أنا في الطريق بفتى قد افترش التراب وتوسده، وهو يئن أنيناً شديداً، فقلت لرفيق كان معي: مر بنا نعود هذا العليل، فقال ما هو عليل، بل هو عبيد المجنون، فعدلت إليه، فإذا عليه جبة صوف خلق: قد أدخل رأسه في جيبها، وهو يبكي ويقول: يا طبيب السقام داوي اعتلالي ... فعليل الفؤاد ليس يعاد حلف السقم لا يزايل قلبي ... أيزور الفؤاد مني اللحادا ثم قال عجبت ممن خلقه الله بشرياً سوياً، وجعل له عقلاً سنياً، وبصراً مضياً، كيف تهدي جوارحه، وكيف لا تنوح جوانحه، ثم بكر وقال: قطعوا الليالي في الظلام فأعقبوا ... يوم المعاد تحيةً وسلاما

стр. 100

عبدان قال عمرو بن مدرك مر عبدان المجنون يوماً بقوم من بني تيم الله بن ثعلبة، فعبثوا به وآذوه، فقال يا بني تيم الله، ما أعلم ما في الدنيا خير منكم. قالوا: وكيف ذاك؟ قال بنو أسد ليس فيهم مجنون غيري وقد قيدوني وسلسلوني. وكلكم مجانين ليس فيكم مقيد واحد. صباح الموسوس قال محمد بن المغيرة وقف صباح الموسوس على قوم فسألهم شيئاً فردوه فولى وهو يقول: أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس قال محمد بن المغيرة: مر صباح بقوم فظن بهم خيراً فردوه وكانوا سبعة. فسأل أحدهم فقال ما اسمك؟ قال غليظ، وقال للثاني ما اسمك؟ فقال الخشن، فقال للثالث وأنت؟ فقال وعر، فقال للرابع وأنت؟ فقال شداد، فقال للخامس وأنت؟ فقال رداد، فقال للسادس وأنت؟ فقال ظالم، فقال للسابع وأنت؟ فقال لاطم. قال صباح وأين مالك؟ قالوا ومن مالك؟ يا مجنون! قال ألستم خزنة النار؟ الغلاظ الشداد!. شقران المجنون قال أبو عثمان الواسطي خرجنا غزاةً في الصائفة، فنحن في بعض الثغور، إذ

стр. 101

رأيت الناس مزدحمين. فجئت فإذا أنا بمجنون يقال له شقران، وهو يقول الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يعمرها. والآخرة دار عمران وأعمر منها قلب من يطلبها. وسمعته مرة أُخرى يقول الدنيا دار زوال وانتقال واضمحلال. والآخرة دار جلال وجمال وكمال. قال وسألته من الحكيم؟ فقال من لا يتعرض للعذاب الأليم. قلت وما العذاب الأليم؟ قال البعد عن الكريم. هتاهية قال محمد بن إبراهيم قال لي أبي كان عندنا مجنون يقال له هتاهية. يجن ستة أشهر ويفيق ستة أشهر، فيكون في إفاقته ساكناً، وإذا هاج أكثر الكلام وصعد إلى السطوح. ويقول يا نيام! انتبهوا من رفدة الغفلة، قبل انقطاع المهلة، واعملوا في إعداد العدة، قبل انقضاء المدة، واعلموا أن أحبالكم مقصوصة، وأعمالكم محفوظة، والموت يأتي بغتة. بكار العريان قال أبو يعقوب السوسي رأيت ببلد مجنوناً يقال له بكار العريان. على سوءته خرقة، وبيده قصبة على رأسها كالعلم، وهو يعدو ويقول: كفى حزناً إني مقيم ببلدة ... أحباي عنها نازحوي بعيد أقلب طرفي في البلاد ولا أرى ... وجوه أحبائي الذين أُريد قال قلت ومن أحباؤك؟ فأخذ بيدي وأدخلني المقابر وأشار إليها، وقال هؤلاء. شيبان المجنون قال سالم خادم ذي النون بينا أنا أسير مع ذي النون في جبل لبنان، إذ قال لي مكانك

стр. 102

يا سالم لا تبرح حتى أعود إليك، فغاب عني ثلاثة أيام، وأنا أتعيش في نبات الأرض وبقولها، وأشرب من غدرانها. ثم عاد بعد ثلاثة أيام مغبر اللون حائراً، فلما رآني عادت إليه نفسه. فقلت له أين كنت؟ قال إني دخلت كهفاً من كهوف الجبل، فرأيت رجلاً أغبر أشعث، نحيلاً نحيفاً. كأنما أُخرج من حفرته وهو يصلي، فلما قضى صلاته سلمت عليه، رد علي السلام وقام إلى الصلاة، فما زال يركع ويسجد حتى قرب العصر، فصلى العصر واستند إلى حجر بحذاء المحراب فسبح. فقلت يرحمك الله توصيني بشيء أو تدعو لي بدعوة. فقال يا بني آنسك الله بقربه وسكت. فقلت زدني. فقال يا بني من آنسه الله بقربه أعطاه أربع خصال. عزاً من غير عشيرة، وعلماً من غير طلب، وغنىً من غير مال، وأُنساً من غير جماعة. ثم شهق شهقة فلم يفق إلى الغد حتى توهمت أنه ميت. ثم أفاق فقام فتوضأ. وقال يا بني كم فاتني من الصلاة؟ قلت ثلاث فقضاها. ثم قال إن ذكر الحبيب هيج شوقي، وأزال عقلي، قلت إني راجع فزدني. قال أحب مولاك، ولا ترد لحبه بديلاً. فإن المحبين لله هم تيجان العباد، وزين البلاد، ثم صرخ صرخةً فحركته فإذا هو ميت. فما كان إلا بعد هنيهة إذ بجماعة من العباد منحدرين من الجبل، فصلوا عليه وواروه. فقلت ما اسم هذا الشيخ؟ قالوا شيبان المجنون. قال سالم فسألت أهل الشام عنه. فقالوا كان مجنوناً هرب من أذى الصبيان. فقلت هل تعرفون من كلامه شيئاً؟ فقالوا نعم كان إذا خرج إلى الصحراء يقول: فإذا لم أجن يا إلهي فبمن؟ وربما قال فإذا لم أجن بك فبمن؟ عفان الموسوس قال الأصمعي قيل لعفان الموسوس لم لا تتعالج لما بك؟ فقال قصر الرشا، وطالت البئر، وأين الملتقى؟.

стр. 103

لقيط المصري قال ذون النون المصري مررت ذات يوم بلقيط المصري، وهو يخط على الأرض باصبعه، فتأملت فإذا هو قد كتب: فلّ حياء الناس من ربهم ... وكلهم يظهر تقواه ليس ينال المرء من دينه ... ما نال في عاجل دنياه يخاف أن يمقته أهله ... ولا يبالي مقت مولاه وعابد الله يرى برّه ... في كل ما سرّ وما ساه همته في كل أسبابه ... رضوان ذي العزة مولاه ميمون الواسطي قال المسيب بن شريك بلغني ان ميمون الواسطي المجنون أُدخل على الحجاج ابن يوسف وكان ميمون بليغاً عابداً فقال له الحجاج: أتجنن أهل مثل هذا الكلام وتسمى مجنوناً؟ فقال يا حجاج! إن أهل البطالة إذا نظروا لأهل المحبة سموهم مجانين وقد سبق القول منهم، لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا: لا تضمنون بيوم الحساب، وأنت يا حجاج! لو كنت تؤمن بالله واليوم الآخر بكلية قلبك، لشغلك عن أكل الطيب، ولبس اللين، ولكنه استقذرك، فطردك، ولو أرادك لاستعملك. إن الله عباداً مطهرين مطيعين، بالعبادة مشتغلين، وهم ثلاثة أصناف: فقوماً عبدوه شوقاً إليه، فقلوبهم لا تشتغل بغيره، لأن قلوبهم قد ألفت، وسقاهم ربهم بكأس الوداد شربةً فقاموا شوقاً، فلا تحط رحالهم إلا في قرب الله. فهم خاصته في أرضه. وقوماً عبدوه خوفاً من النار، لما سمعوا قوله تعالى: " قووا أنفسكم وأهليكم ناراً " فحذروا وبادروا واجتهدوا

стр. 104

خوفاً من النار من تحتهم ومن فوقهم وعن أيمانهم، وعن شمائلهم. فالأفاعي تلسعهم، والعقارب تلذعهم، كلما استغاثوا جدد لهم العذاب، وهو عدل من الرحمن. وقوماً عبدوه طمعاً في الجنة دار أوليائه، محل أصفيائه. لما سمعوا قوله تعالى " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " فصبروا على الألم، حتى استوجبوا الرضى، والعفو عما مضى، فقلوبهم تحن إلى جوار الله سبحانه، ليسكنهم في قصور من فضة، وخيام مزينة، ومجالس متخذة، والحور أزواجهم، والطير يظلهم، والملائكة تخدمهم. فقال الحجاج يا ميمون! وصفت الجنة ولم تصف أزواجها، فهل لك أن أُريك شيئاً يذهل عقلك، ويلجلج لسانك؟ ثم نادى الحجاج يا أملس! فخرجت جارية معتدلة القامة، في حسن تام، عليها قباء رقيق وهي تمشي وتخطر، ولها ذوائب قد جللت أكتافها. فلما نظر إليها ميمون قال: ويحك يا حجاج! ما تصنع بهذه الجارية ولها أجل مسمى، وأيام محصاة؟ ثم اخرج من كمه رغيفاً يابساً فقال يا حجاج! انظر إلى هذا الرغيف ويبوسته، إن أطعمته جائعاً ملهوفاً رجوت الله أن يزجني جارية كأن الشمس تطلع من بين عينيها، وكأن الغنج يجري في حركاتها فأُطرب، وتكلمني فأُنعم، وأرجو أن أكون قد استوجبتها في هذا الوقت لقولي الحق، وتركي الهوى. قال الحجاج يا ميمون: امدحني فأُحسن جائزتك. قال يا حجاج! والله ما أعرف فيك خيراً فأقوله. وإن قلت ما أعرف فيك ذممتك، ولكن ما أذم الناس، لأن في نفسي ما شغلني عن عيب غيري. قال الحجاج: قد أمرت لك بأربعة آلاف درهم. قال: المال فرده إلى الموضع الذي سرق منه، ولا تكن لصاً جواداً تجود به على من ان ذمك لا يضرك، وإن مدحك لا ينفعك. خلي سبيلي أسأل الله بقوت يغني عن نوالك ونوال أضرابك. فخلى سبيله. وسيجيء باقي قصة ميمون معه. طيورية المجنون كان يحيى بن متمم الدوسي يقول: كان بدير العاقول مجنون يقال له طيورية

стр. 105

وأخذه الشرط وهو يبول على باب المسجد فضربوه. فقال: أرأيتم لو بال ههنا حمار أكنتم تضربونه؟ فهبوني حماراً فتركوه. غورك المجنون قال أبي إسحاق بن إبراهيم الابلي: رأيت غورتا المجنون يوماً خارجاً من الحمام والصبيان قيام يضربونه ويؤذونه وهو يبكي فقلت له: ما خبرك يا أبا محمد؟ قال قد أذاني هؤلاء الصبيان، أما يكفيني ما أنا فيه من العشق والجنون؟ قلت: ما أظنك مجنوناً. قال بلى والله وبي وعاشق شديد. قلت: هل قلت في عشقك شيئاً؟ قال: نعم ثم أنشد: جنون وعشق ذا يروح وذا يغدو ... فهذا له حدٌّ وهذا له حدّ هما استوطنا قلبي وجسمي كلاهما ... فلم يبق لي قلب صحيح ولا جلد وقد سكنا تحت الحشا وتحالفا ... على مهجة أن لا يفارقها الجهد وأي طبيب يستطيع بحيلة ... يعالج من داءين ما منهما يدّ قال الأيلي: فوليت عنه فقال قف واستمع ما أقول فإن شرح غرامي على الخلى يطول فوقفت فأنشد. قال محمد بن الزراد: قلت لغورك ما حيرك؟ قال جنون وعشق قد بليت بهما، والذي بليت به من هؤلاء الصبيان أشد. وقال: جنون ليس يضبطه الحديد ... وحبٌّ لا يزول ولا يبيد فجسمي بين ذاك وذا نحيل ... وقلبي بين ذاك وذا عميد ثم قال لي إنصرف ما سمعته يكفيك وأخذ يوماً بيد المتهم بعشقه فقال له المعشوق كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت منك على شفا جرفٍ ... متعرضاً لموارد التلف

стр. 106

وأراك نحوي غير ملتفٍ ... محرفاً عن غير منحرف يا من أطال بهجرة أسفي ... أسفي عليك أشد من تلفي قال: وقلت لغورك يوماً أخبرني باحسن ما قلت في الحب؟ قال: كتمت جنوني وهو في القلب كامنٌ ... فلما استوى والحب أغلبه الحبّ وقلبي والجسم الصحيح مذيبه ... فلما ذاب الجسم ذلّ له القلب فجسمي نحيل للجنون وللهوى ... فهذا له نهب وهذا له نهب قال جعفر بن إسماعيل: أُتى غورك بطبيب يعالجه، فقال الطبيب: لو تركتني لعالجتك وأصلحتك. فأنشأ غورك يقول: إعلم وأيقن أيها المتكلم ... ما بي اجلّ من الجنون وأعظم أنا عاشق فإن استطعت لعاشق ... برءاً مننت به فأنت محكم حسبي عذابي في الهوى حسبي به ... إذ من أهيم به يصدّ ويصرم هيهات! أنت بغير دائي عالم ... وسواك بالداء الذي بي أعلم دائي رسيس قد تضمنه الهوى ... تحت الجوانح ناره تتضرم وله أيضاً: هلموا انظروا ما أورث الحبّ انله ... أُحذركم شرّ الهوى وعواقبه وأغرى بنفسي الشوق والهم والاسى ... فأرقني بالليل أرعى كواكبه عباس المجنون قال محمد بن المبارك: صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جبة من صوف مكتوب عليها: لا يباع ولا يوهب. قد ائتزر بمأزر الخشوع، وارتدى برداء

стр. 107

الورع، وتعمم بعمامة التوكل. فلما رآني استخفى وراء شجرة بلوط، فناشدته الله أن يظهر فظهر. فقلت كيف تصبر على الوحدة في هذه القفار؟ فضحك وأنشأ يقول: يا حبيب القلوب من لي سواكا ... إرحم اليوم مذنباً قد أتاكا أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا يا مرادي وسيدي واعتمادي ... طال شوقي متى يكون لقاكا ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير اني أريدها لأراكا ثم غاب، وعدت مراراً فلم أره. فسألت عنه فقيل لي إنه العباس المجنون له اكلتان في كل شهر من ثمر الشجر والعشب. مان الموسوس واسمه محمد بن القاسم قال بكار بن علي: عزم صاحب الشرطة علي فالتمس مني من يناديه فأشرت إليه بمان الموسوس فأُحضر، فأمر به فأُدخل الحمام، وأُلبس ثياباً ثم أُدخل عليه. فقال السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله. فقال وعليك السلام يا مان! قد آن لك أن تزورنا على شوقنا إليك. فقال أصلح الله الأمير الشوق شديد والمزار بعيد والود عنيد، والحجاب صعب والبواب فظ، ولو سهل لنا لأذن لسهلت علينا الزيارة. فقال محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب الشرطة للحسن بن طالوت: ما أحسن ما يلفظ في تسهيل الاذن! فأمره بالجلوس فجلس. ودعا محمد بجارية تسمي بنوسة جارية ابن المقري وكان يحب سماعها، وكان أول ما غنت به: ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الخدين من شدة الوجد وقولي وقد زالت بعيني حمولهم ... بواكر تحدي لا تكن آخر العهد فقال مان: أتأذن لي يا سيدي؟ قال في أي شيء يا مان؟ قال في استحسان ما

стр. 108

أسمع، فقال أذنت لك فقل ما أحببت، فقال أحسنت! بحق الأمير إلا زدت هذين البيتين: وكيف أُناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوف على الصبر والجهد ولم يعدني هذا الأمير بعدله ... على ظالم قد لج في الهجر والصدّ فقال له محمد: ومن أي شيء استعديت يا مان؟ فاستحيا وقال: لا من ظلم أيها الأمير ولكن الطرب حرك شوقاً كامناً فظهر. وهل بعد الشيب من صبوة؟ ثم غنت بنوسة بشعر أبي العتاهية: حجبوها عن الرياح لأني ... قلت للريح بلغيها السلاما لو رضو بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما فقال مان ما كان على قائل هذا الشعر لو زاد فيه هذين البيتين: فتنفست ثم قلت لطيفي ... ويك لو زرت طيفها إلماما حبها بالسلام سرّاً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما قال محمد: أحسنت يا مان! ثم غنت بنوسة بشعر أبي نواس: يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما ما مررنا بقصر زينب إلا ... فضح الدمع سرّي المكتوما فقال مان: والله لولا رهبة الأمير، لأضفت إلى هذين البيتين بيتين، لا يردان على سمع ذي لب فيصدرا إلا عن استحسان منه لهما. فقال الأمير محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن كل رهبة فقال ما بدا لك. فقال: ظبية كالهلال لو تلحظ الصخ ... ر بطرفٍ لغادرته هشيماً وإذا ما تبسمت خلت ما يب ... دو من الثغر لؤلؤاً منظوما قال محمد: أحسنت يا مان! فأجز هذين البيتين: لم تطب اللذات إلا بما ... دارت به ألفاظ بنّوسة

стр. 109

غنت غناءً عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة وكيف صبر النفس عن غادة ... تظلمها إن قلت: طاووسة وجرت ان شبهتها بائةً ... في جنة الفردوس مغروسة وغير عدل ان عدلنا بها ... لؤلؤةً في البحر مغموسة جلّت عن الوصف فما فكرة ... تدركها بالنعت محسوسة فقالت بنوسة: قد وجب شكري يا مان! فاعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ولك من ببقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا. ثم قال مان: مدمن الإغضاء موصول ... ومديم المتب مملول ليس لي خلّ فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل أنا موسول بنعمة من ... حبله بالحمد موسول أنا مشمول بمنة من ... منّه في الخلق مبذول أنا مغبوط بزورة من ... ربعه بالجود مأهول ثم أومأ إليه الحسن ان قم، فنهض وهو يقول: ملك عز النظير له ... زانه الغرّ البهاليل طاهري في مواكيه ... عرفة في الناس مبذول دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول فلما خرج قال محمد: ليست خساسة المرء باتضاع حاله، ولا ينبو العين عن ناظره، بل يهذبه جوهره الذي الأدب مركب فيه. وما أخطأ صالح ابن عبد

стр. 110

القدوس حيث يقول: لا يعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول ولربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول وأنشد أبو محمد بن الحسين الوضاحي لمان: لما رأيت البدر في ... أُفق السماء قد استقلا ورأيت قرن الشمس في ... أُفق الغروب وقد تدلى شبهت ذاك وهذه ... فأرى شبيههما أجلا وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولى رزام المجنون قال علي بن عبد الملك: كان بطرسوس مجنون اسمه رزام. وكان إذا خرج المعسكر خرج مع الناس وأخذ سيفاً ودرقة، ولا يزال يلقي أعداء الدين، فإذا حصل في الحرب زال عنه جنونه، فإذا انقضى القتال، فعاد إلى البلد، رجع إلى جنونه.
следующие страницы →