← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1594

عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل

ابن البناء المراكشي

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله عليه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الجليل أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المروكشي المعروف بابن البنا ﵀. الحمد لله منزل الكتاب وهادي الألباب وجاعل السبيل ومقيم الدليل ومجلي اليقين بالنور المبين وهو رب العالمين. والصلاة التامة على خاتم الرسل وموضح السبيل معلم الحكمة وهادي الأمة محمد النبي العربي الأمي صلاة تنيلنا الزلفى والمورد الأصفى وعلى آله الطيبين وصحبه

стр. 2

الأكرمين الذين سلكوا سبيله، وبينوا دليله وبالغوا في الإرشاد والنصيحة وضبطوا بخط المصحف لغته الفصيحة على أكمل بيان لتفهيم الفرقان المبلغ إلى مقامات الرضوان ومحل الإحسان وسلم كثيرا. وبعد فإنه لما كان خط المصحف الذي هو الإمام الذي يعتمده القارىء في الوقف والتمام ولا يعدو رسومه ولا يتجاوز مرسومه قد خالف خط الأنام في كثير من الحروف والأعلام. ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق، بحثت عن وجوه ذلك بمقتضى الميزان ووافي الرجحان ووقفت منه على عجائب ورأيت منه غرائب جمعت منها في هذا الجزء ما تيسر عبرة لمن يتذكر وسميته) عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل (هو لأولي الألباب مفتاح تدبر الكتاب بحول الله تعالى وقوته. ولا بد من تقديم ما لا بد من تقديمه في البيان ليكمل بذلك فيه العرفان وبالله التوفيق. فأقول: إن الخط المحسوس له صورة تدرك بالأبصار واللفظ المسموع له صورة

стр. 3

تدرك بالآذان ومحل اللفظ الصوت وهو من لدن محل الهمزة في أقصى الحلق إلى الشفتين ثم إلى حيث يبلغ في الوجود. وفي الصوت تحدث الحروف المقطعة المسموعة في اللف. وما وراء الهمزة في الصدر من الهواء المندفع في الحجاب الذي به يكون التصويت لا يسمع. والهمزة مبدأ الصوت، فلا صورة لها لأنها حد بين ما يسمع وما لا يسمع ولا يتأتى النطق بها ساكنة ولا شيء من الحروف الساكنة ابتداء إلا بتقديم الهمزة. فلا بد من حركتها بالضرورة. والحركات ثلاثة الرفع والنصب والخفض وأولها وأخفها في الحس على النفس فعل النصب لأنه على الإنفتاح الذي هو أصل للصوت ثم يعرض له الضم والكسر. وأثقلها فعل الرفع، ودونه فعل الخفض. والفتحة فعل بين الضمة والكسرة. وهذه الحركات الثلاثة التي هي في الأصل للهمزة بالاضطرار هي التي تلقى على سائر الحروف الساكنة بالاختيار. فإذا طولت الهمزة بمد الصوت حدثت حروف المد واللين الثلاثة تابعة للحركات الثلاثة فلها صورة ظاهرة في السمع وهي: الألف والواو والياء.

стр. 4

فهذه الحروف الثلاثة من حيث اتصلت بالهمزة كانت أول الحروف كلها لأنها في مقطع الهمزةن والحروف بعدها في مقاطع أنفسها. وإذا تحركت الحروف وطولت بالمد تبعتها هذه الحروف الثلاثة أيضا. فكانت بهذه الجهة آخر الحروف كلها. وهي مع كل حرف في مقطعه. فلأجل ذلك لم يجعل للهمزة صورة في الخط. وإذا عضدت في موضع في الخط فإنما تعضد بأحد هذه الحروف الثلاثة على ما نبينه بعد إن شاء الله. ويبدل بعضها من بعض لمعنى يوجبه. ولأحوال هذه الحروف مناسبة لأحوال الوجود حصل بها بينهما ارتباط به يكون الاستدلال. والألف تدل على الكون بالفعل في الوجود فهي مفصلة لأنها من حيث إنها أول الحروف في الفصل الذي بين ما يسمع وما لا يسمع متصلة بهمزة الإبتداء. ولذلك جعلت علامة الإثنين. والواو تدل على الظهور والإرتفاع والارتقاء فهي جامعة لأنها عن غلظ الصوت وارتفاعه بالشفة معا إلى أبعد رتبة في الظهور. والياء تدل على البطون فهي مخصصة لأنها عن رقة الصوت وانخفاضه في باطن الفم. وسيظهر لك ذلك كله فيما بعد بحول الله تعالى. ومما يوضحه لك عن قرب اعتبار حروف المد واللين ضمائر متصلة

стр. 5

بالفعل المضارع فتدبرها. ولما كانت المعاني تعتبر اعتبارين: تعتبر من باب الوجود بالفعل سواء كانت الآن محصلة لنا أو لم تكن وتعتبر من باب الإدراك والعلم سواء كانت في الوجود أو لم تكن. كما انقسم باب الوجود على قسمين: ما يدرك وما لا يدرك. والذي يدرك على قسمين: ظاهر ويسمى: الملك وباطن ويسمى: الملكوت. والذي لا يدرك نتوهمه على قسمين: ما ليس من شأنه أن يدرك فهو معاني أسماء الله وصفة أفعاله من حيث أسماؤه وأفعاله فإنه انفرد بعلم ذلك فهذا من هذا الوجه يسمى: العزة. وما من شأنه أن يدرك لكن لم نصله بإدراك وهو ما كان في الدنيا ولم ندركه ولا مثله، وما يكون في الآخرة وما في الجنة كما قال ﵇:) فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (وقال الله العظيم: (وَيَخلُقُ ما لا تَعلَمونَ) . وهذا من هذا الوجه يسمى الجبروت. وجاء ذلك كله مرتبا في الحديث في تسبيح الملائكة ﵈ وهو قولهم (سُبحانَ ذي المُلكِ وَالمَلَكوت، سُبحانَ ذي العِزَةِ وَالجَبَروت) . وانقسم أيضا باب الإدراك على قسمين:

стр. 6

- ما " مدركه " الضرورة والأخبار. - وما " مدركه " النظر والاعتبار. والتنزيل في الخطاب بين هذه الأقسام صارت اللفظة بحسب ذلك مشتركة في الاعتبار بين البابين وأقسام الوجود فاحتاجت إلى فرقان فيجعل الألف يدل على قسمي الوجود والواو على قسم الملك منه لأنه أظهر للإدراكز والياء على قسم الملكةت منه لأنه أبطن في الإدراك. فإذا بطنت حروف في الخط ولم تكتب فلمعنى باطن في الوجود عن الإدراك. وإذا ظهرت فلمعنى ظاهر في الوجود إلى الإدراك. كما إذا وصلت فلمعنى موصول وإذا حجزت فلمعنى مفصول. وإذا تغيرت بضرب من التغير دلت على تغير في المعنى في الوجود يظهر في الإدراك بالتدبر على ما نبينه بعد إن شاء الله. ولا تقف بالفهم عند أوائنل العلم، فإن معارف الملك والملكوت لا تنحصر فيما أقول. (وَاللَهُ يَقولُ الحَقّ وَهُوَ يَهدي السَبيل) ومبدأ الاعتبار لأولي الأبصار. (يُقَلِبُ اللَهُ اللَيلَ وَالنّهار) ونهايته التذكار بالعزيز الغفار. ولنقدم الكلام على هذه الحروف الأربعة فإنها أكثر تصريفا وتغييرا في الخط من غيرها كما ذلك في القول أيضا. ثم نتبعها بمفردات من سائر الحروف وبالله التوفيق.

стр. 7

باب الهمزة قد تقدم أنها لا صورة لها في الخط لأنها مبدأ الحروف، وأنها متحركة وأول الحركات الفتحة. فالهمزة من جهة الإبتداء من الألف الذي هو أول الحروف الثلاثة التي للمد واللين. ثم تعضد في مواضع بأحد هذه الحروف الثلاثة حيث تثبت ولا يتأتى سقوطها. فإن تأتي سقوطها خرجت عن أصالتها فلم تعضد إلا أن يكون في المعنى ما يقوي ظهورها، فتعضد على ما نذكره في فصول أربعة. فصل إذا كانت الهمزة أول الكلمة فإنه لا يتأتى سقوطها لأنها متحركة وليس قبلها غيرها. وهي من جهة المعنى مبدأ الحروف. وقد وقعت كذلك في أول الكلمة فظهرت ثابتة في كل وجه فعضدت بأول الحروف وهو الألف بأي حركة تحركت الهمزة.

стр. 8

فصل إذا وقعت الهمزة آخر الكلمة فقد " أخرجت عن أصالتها بحسب وضعها آخر الكلمة محل الوقف والسكون. فإذا كان ما قبلها متحركا مثل يستهزىء فإنه لا يتأتى سقوطها بإلقاء حركتها عليه لأنه متحرك. ويصح النطق بالهمزة ساكنة مثل: إن يشأ وهيىء أو في الوقف أن الكلمة إنما تكتب على الوقف. فلذلك تعضد بحرف من جنس حركة ما قبلها لأنها إن سكنت في الوقف لم يدبرها حركة نفسها إذ لا حركة لها، إنما يدبرها حركة ما قبلها ولولا حركة ما قبلها ما عضدت فلذلك وجب أن يدبرها حركة ما قبلها إلا أن يقوى معناها في الكلمة بحيث تكون له مرتبة ظاهرة أصلية في الإعتبار فتعضد بحرف حركتها مثل: الملو أربعة أحرف عضدت فيها الهمزة بالواو تنبيها على أن معنى الكلمة

стр. 9

ظاهر للفهم في قسم الملك من الوجود فهؤلاء الملوا هم أرفع الطبقات وهم أصحاب الأمر المرجوع إليهم في التدبير. فقوي معنى الهمزة فعضدت وزيدت الألف بعد الواو تنبيها على أنهم أحد قسمي الملأ فظهورهم هو بالنسبة إلى القسم الآخر في الوجود إذ منهم التابع والمتبوع قد انفصلا في الوجود. وسنتكلم على الألف في بابه. فزيادة هذه الحروف ونقصانها ينوب مناب ذكر صفات الوجود. ويدل على هذا التأويل ما جاء في قصة نوح في سورة " المؤمنون " في وصف الملأ بالذين كفروا وبعده نسبوا إلى قومه وقالوا في الآية: (يُريدُ أَن يَتَفَضّلَ عَلَيكُم) وآخرها (فَتَرَبَصوا بِهِ حَتى حين) . فلهم الأمر في قومهم ولا يرون أحدا من البشر فوقهم لقولهم (وَلَو شاءَ اللَهُ لأَنزَلَ مَلائِكَة) فهؤلاء الطبقة العليا يفي الملأ. ثم طبقة أخرى دون هؤلاء يدل عليها ما في قصة نوح

стр. 10

أيضا في سورة هود. فإنهم وصفوا بالذين كفروا و " بعدها " نسبوا إلى قومه مثل أولئك. وقال هؤلاء في الآية (وَما نَرى لَكُم عَلَينا مِن فَضلٍ بَل نَظُنُكُم كاذِبين) فهؤلاء جوزوا أن يكون غيرهم من البشر أفضل منهم فإنهم طبقة دون أولئك. ثم طبقة أخرى يدل عليها ما في قصة نوح أيضا في الأعراف لم يوصفوا ولم يذكروا تفصيلا فهم بمعنى " أشرف " قومه من غير مزيد اعتبار. فهم أخفض الطبقات في اعتبار الملأ. فأرفع طبقة وأظهرها في الوجود هم الذين عضدت همزتهم. وما في سورة النمل فظاهر بيّن أنهم أصل المشورة والفتوى لأنهم شووروا في أمر سليمان ﵇ وتعتبر ما لم نذكره بمثل ما ذكرته يحول الله. و" كذلك: (نَبوا الَّذينَ مِن قَبلِكُم) في سورة إبراهيم. (نَبوا الخَصم) و (نَبَوا عَظيم) في سورة " ص " عضدت

стр. 11

الهمزة لظهور تلك الأنباء وعظمها في الوجود، ولكن بالنسبة إلى ما قد وقع مفهوما من خبرها. ولذلك زيدت الألف. وكذلك (يَبدوا الخَلق) عضدت الهمزة لظهور الخلق في الملك بالنسبة إلى الملكوت. وهذه الكلمات جوامع جزئيات. وتعتبر ما لم نذكره بمثل ما " قد " ذكرته بحول الله. وإن كان ما قبل الهمزة ساكنا فإن كان الألف مثل: " هباء " وجفاء فإنها لا تعضد إلا أن يكون في المعنى ما يقويها مثل (أَو لَم يَكُن لَهُم آَية اَن يُعلِمَهُ عُلَماءُ بَني إِسرائيل) عضدت الهمزة تنبيها على علو درجتهم في العلم وظهورهم في الوجود في أرفع طبقة المرجوع إليهم في جزئيات العلم وكلياته ولذلك جعلهم الله آية. واختلفت المصاحف في حرف آخر وهو (إِنّما يَخشى اللَهَ مِن عِبادِهِ العُلَمؤا) . وكذلك جزاؤا: خمسة أحرف.

стр. 12

أحدها في العقود: (إِنّما جَزاوا الَّذَينَ يُحارِبونَ اللَهَ وَرَسولَهُ) . وفيها: (وَذَلِكَ جَزاؤا الظَالِمين) . وفي الشورى: (وَجَزاؤا سَيئَةٍ سيئَةٌ مِثلُها) . وفي الحشر: (وَذَلِكَ جَزاؤا الظَالِمين) . وفي الزمر: (ذَلِكَ جَزاؤا المُحسِنين) . وفي طه: (وَذَلِكَ جَزاؤا مَن تَزَكى) على اختلاف في هذا فهذه الحروف عضدت همزتها لظهورها وظهور مصالحها في الوجود لكن بالنسبة إلى تلك الأعمال التي هي " جزاء " عليها وهي جوامع الأصناف من يجازي في الدنيا والآخرة ولذلك زيدت الألف بعد الواو في آخر الكلمة. وكذلك شركاؤا: حرفان أحدهما في الأنعام (الَّذَينَ زَعَمتُم أنهُم فيكُم

стр. 13

شُركاؤا) عضدت الهمزة لأنهم زعموا ذلك وأظهروه في الوجود وبالغوا في التشريك في الملك. وهذا خطاب في مواطن الآخرة يظهر للكافرين عيانا باطل ما هم عليه. والحرف الثاني في الشورة (أَم لَهم شُرَكاؤا شَرَعوا لَهُم) عضدت الهمزة بيانا أن ما أظهروه شركاء لله في الملك مفقود منهم صفة توجب لهم شيئا من ذلك. وهو خطاب في موطن الدنيا يظهر منه للمؤمنين باطل ما عليه الكافرون. وهاتان الآيتان كافيتان في بيان الحق بحسب الفريقين وبحسب الدارسينس. واختلف في الحرف الذي في سورة القلم فمن عضد الهمزة فللتنبيه على ظهور باطلهم لهم في الدنيا في معرض " الإحتجاج " عليهم ومن لم يعضدها فلأنهم لا يعقلون " إذ لو كانوا يعقلون " ما أشركوا. وكذلك أنبؤا: حرفان في الأنعام وفي الشعراء جاء ذكر إتيانهما

стр. 14

معا بعد قوله تعالى: (فَقَد كَذبوا) فدل على أن هذا الإتيان هو بالفعل في الملك إذ قد أعرضوا على إتيانها بالقول على التفصيل والإجمال كما أخبر الله تعالى عنهم في الآيتين. وكذلك الضعفؤا: حرفان في إبراهيم وفي المؤمن يتحاجون في موضع ظهور ضعفهم على تفاصيله فهم ضعفاء في القول في احتجاجاتهم في الدنيا والآخرة، ضعفاء القوة لا ناصر لهم ولا راحم، ضعفاء العمل إذ هم تبع لغيرهم قد بلغوا غاية الضعف في الوجود. وكذلك البلؤا: حرفان في " و " الصافات وفي الدخان عضدت الهمزة لعظم البلاء في الوجود وارتقائه إلى أعظم رتبة، إما في الشر بذبح الأنبياء وهم أقرب الأحباء، وإما في الخير بالنجاة منه وظهورا الآيات البينات. وكله قد وقع في الوجود. وهما أصلان جامعان كما هو " ٥ب " مذكور في السورتين. وكذلك شفعاؤا: أفرد في الروم: (وَِلَم يَكُن لَهُم مِن شُرَكائِهِم شُفَعاؤا) والشفعاء أعظم رتبة يوم القيامة حين تظهر الشفاعة

стр. 15

بالفعل في الملك الأخروي وذلك مسلوب عن شركائهم. وكذلك: (وَما دُعاؤا الكافِرينَ) حرف واحد. وهو الدعاء الظاهر في الملك على ألسنتهم وليس في قلوبهم فإنهم كافرون أبدا بقلوبهم. ألا ترى كيف سألوا الخزنة فقالوا (اِدعوا رَبَكُم يُخَفّف عَنّا يَوماً مِنَ العَذاب) . وهم مقرون بأن الرسل أتتهم بالبينات وفي ما جاءت به الرسل إليهم أنهم لا ناصر لهم ولا شافع ولا راحم إذا دخلوا النار فسؤالهم الخزنة تكذيبهم لما جاءتهم به رسلهم فهم في ضلال في الدنيا والآخرة كافرون أبدا (وَلَو رُدوا لِما نُهوا عَنهُ) . وزيدت الألف تنبيها على ظهور دعائهم باللسان لا بالقلب فإن الذي ظهر باللسان غير ما في القلب والجنان. وكذلك: ما تشاؤا أفرد في هود عضدت الهمزة لأنهم قصدوا ذلك من حيث الوجود وإن مشيئتهم في أعلا رتبة. قالوه في مقابلة التحجير عليهم. فهذا أصل جامع لجزئيات الحلال والحرام من جهة الإقدام والإحجام بحسب المشيئة والأحكام. وكذلك: ابنؤا الله. " قالته " اليهود والنصارى يريدون أنهم أرفع

стр. 16

طبقة في الناس عند الله وأنهم مكرمون عنده يغذيهم وينعم عليهم ولا يؤاخذهم بذنب. وكذلك عضدت الهمزة بالياء في أربعة أحرف تنبيها على اختصاص معنى الكلمة بظهوره في المعنى الملكوتي. منها: في يونس (مِن تِلقائي نَفسي) هو التلقاء الخاص الذي يظهر من قبل النفس ورأيها. وفي النحل: (وَإِيتاي ذي القُربى) هو الإيتاء الخاص الذي بينه. وفي طه: (وَمِ، ءاناىء اللَيل) هي آناء خاصة ملكوتية غير معينة بالحس. وفي الشورى: (أَو مِن وَراىء حِجاب) هو الوراء الخاص بالملكوت الذي يظهر بالحجاب. وهذه جوامع كلمات تندرج تحتها جزئيات. وقد قال بعض المصنفين، إن هذه اآيات زائدة بعد الهمزة وهو ضعيف، وجهة " العضد " أول بها. والله أعلم. وإن كان الساكن قبل الهمزة غير الألف مثل الخبء وبرىء فإنها لا

стр. 17

تعضد لأنها مع الألف تحذف في الوقف لأنه لا يجتمع ساكنان ولا يتأتى إلقاء حركتها عليه لسقط. وأما مع غير الألف فيتأتى إلقاء حركتها عليه فتسقط من وجهين فلذلك تعضد حيث يقوى معناها. وأيضا يصح في الألف التطويل فيقوم فيه مقام الحركة: فقد يلتقي لأجل ذلك ساكنان نحو دابة والطامة. وفي قراءة ورش: (وَمَحياي وَأَرَأَيتَ) وشبه ذلك. فصل إذا وقعت الهمزة وسطا في الكلمة المفردة أو المركبة ونعني بالمركبة ما تألفت من كلمتين مثل: أنبائهم. وليس السين مع الفعل المستقبل بتركيب لأن السين مختصر من سوف. وسوف كلمة مستقلة لا تركب مع الفعل. تقول العرب: سوف أقوم وسوأ قوم وسأقوم. فهي كالحروف العامة فاعلم.

стр. 18

فإن كان ما قبل الهمزة ألفا عضدت الهمزة ودبرها حركة نفسها مثل: (عَطآَءَنا) و (مَلائِكَة) لأنها ليست في موضع الوقف فتسكن ولا يتأتى إلقاء حركتها على الألف فتثبت لأجل ذلك إلا أن تكون مفتوحة فلا تعضد لئلا يجتمع الفان (فهما (لا يجتمعان في الفم فلا يجتمعان في الخط نحو: أبناءهم و (تَساءَلَون بِهِ) . وإن كان ما قبل الهمزة ساكن غير الألف فتعضدن أيضا مثل موئلا عضدت إلا أن تكون مفتوحة فلا تعضد مثل: يسألون لأنها لم تعضد مع الألف التي لا يتأتى سقوطها معه بإلقاء حركتها عليه فكيف تعضد مع غيره الذي يتأتى سقوطها معه بإلقاء حركتها عليه إلا أن تقوى بالمعنى مثل: شطئة والنشأة حيث وقع لأنهما على معنى الهمزة وهو مبدأ الظهور في الوجود الحسي فعضدت الهمزة. وإن كان ما قبل الهمزة متحركا وهي ساكنة فإنها تعضد " إذ ليس " ثم

стр. 19

موجب لإسقاطها بوجه مثل: سولك، إلا أن يكون معنى الكلمة أمرا باطنا من عالم الملكوت فتبقى على الأصل ولا تعضد وذلك مثل الرءيا ورءياك ورءياي. فهذه على خلاف رؤية العين الملكية فإنها تعضد همزتها مثل: (تَرَونَهُم مَثلَيهِم رَاَيَ العَين) . وكذلك: (فَادارَأتُم فيها) هو شيء باطن. قال الله تعالى: (وَاللَهُ مُخرِجُ ما كُنتُم تَكتَمون) ولذلك حذف ألفه أيضا. وإن كانت الهمزة متحركة بعد متحرك فلا يتأتى إسقاها. فإن كانت مفتوحة دبرها حركة ما قبلها مثل: (فِئَتين) لأن حركتها أخت الألف فلو دبرها حركتها للزم الألف أن يكون قبلها ضمة أو كسرة وذلك لا يفهم فيقلب واوا أو ياء، فكذلك في الخط. فلذلك دبرها حركة ما قبلها. ولم تعضد في السيئات لأنها جماعة الدنيات فبعدت عن أصل

стр. 20

الملكوتيابت وظهور الثبوتيات. وإن كانت الهمزة المتحركة غير مفتوحة بعد المتحركة وكان بعدها واو الجمع أو ياؤه لم تعضد مثل: (يَستَهزِءُون) و (المُستَهزِءين) و (تَبوءو الدار) . كما لم تعضد أيضا في مثل النبيئن مما قبلها ساكن لأنها لو عضدت للزم اجتماع ثلاث ياءات والكسر وثلاث واوات والضم كما ترى في النبيئن وتبوءو. ولا ينبغي أن يسقط حرف الأعراب للتخفيف لما فيه من الإخلال بظهور المعنى: فقد سقط عضدها من وجه. وإن كانت الهمزة مضمومة بعد كسرة دبرتها الكسرة حركة ما قبلها مثل: (سَنُقرِئُكَ) لأنه لو دبرها حركة نفسها للزم أن يكون الواو

стр. 21

قبله كسرة فينقلب ياء. وإن كانت الهمزة بخلاف ذلك دبرها حركة نفسها مثل: (يَكلَؤُكُم) و (سُئِلَت) وإنما لا يصح اجتماع ثلاث واوات في الخط لأن الواو دليل الوجود الملكي ومدركاته قسمان: جوهر وعرض لا غير، فلا يجتمع في العلم ثلاث ظهورات فلا يجتمع في الخط ثلاث واوات. ولأن الجوهر والعرض ليسا بقسمين ظاهرين في الوجود الملكي لأن الجوهر لا ينفك عن العرض حسا فلا يظهر اثنين فلا يجتمع في الخط واوان في كلمة واحدة على ما نذكره في باب الواو. وإنما لا يصح أيضا إجتماع ثلاث ياءات في الخط لأن الياء دليل الوجود الملكوتي وهو ثلاث أقسام في الفهم ما يتصور من الجوهر وما يتصور من العرض وما يومن به من خلف علامة في الذهن شعرية فلا يجتمع في الفهم أربع بطونات ولأن ما يتصور من العلامة ليس هو ملكوتيا بل هو جبروتي نا لم ندركه فلا تكون الياء دالة عليه وإنما يدل عليه علامتها وهي الكسرة

стр. 22

الخارجة عنها كما دل على هذا شيء خارج عنه فلا يجتمع في العلم ثلاث ياءات فلا يجتمع في الخط فافهم تعلم. فصل في اجتماع همزتين في كلمة واحدة فإن كانت الأولى متحركة والثانية ساكنة فتحقق الأولى وتبدل الثانية " بحرف حركة " ما قبلها. فإن اجتمع ألفان حذف أحدهما والأضعف منهما أولى بالحذف وكذلك مثل أوتي " وإِيتاء "، و " إيمان " وء " امن " إلا حرف واحد في سورة قريش: (إِيلافِهِم) (رِحلَةَ الشِتاءِ وَالصَيف) لأنه إيلاف تدبير منتقل يدلك عليه عمله في الرحلة المضافة للزمانين المختلفين. وإن كانت الهمزة الأولى مفتوحة والثانية مضمومة أو مكسورة فتحقق الأولى

стр. 23

المفتوحة وتبدل المضمومة واوا والمكسورة ياء يسقطان في الخط في بعض الحروف مثل (أا. شَهِدوا) (أ. لَقي الذكر) (أ. نَزلَ عَلَيهِ) (أَبِفكاً) و (قالوا أ. ذا) ونحو ذلك. ويثبتان في بعض الحروف مثل (قُل أَُؤنَبِئُكُم) (لأن) الواو فيه بدل من (همزة المتكلم) وهو شيء موجود حاضر. فأظهرت الواو في الخط بخلاف الواو في أ. شهدوا وأخواتها لأنها بدل من " همزة " الفعل فهي ملكوتية. ومثل: (وَكانوا يَقولُونَ أَئِذا مِتنا) فرد في الواقعة ثبت فيه بدل الهمزة ظاهرا لأن الخطاب من موطن الآخرة وحضورها. ألا ترى كيف أخبر عنهم بماضي الكون فيها فقال تعالى: ((وَكانوا يَقولونَ أَئِذا مِتنا) ولم يخبر بماضي الكون في غيرها.

стр. 24

ومثل: (أَئِنَكُم لَتَشهَدون) ظهر الحرف المغير على حرف أصلي تنبيها على تحقق ظهور شهادتهم الباطلة في الوجود. وهي شهادة مغيرة عن أصل الشهادة " المحضة " ولذلك قال تعالى: (قُل لا أَشهَد) . كذلك فتدبر في أخواتها حيث وقع " إظهار " ياء الإبدال مثل: (أَئِِن ذُكّرِتُم) وغيره أظهرت الياء لظهور الذكر وتغييره " للغفلة " التي كانت أصلهم. وسنتكلم على الياء في بابها، وإنما هذه بدل من الهمزة. وقد لا تقرأ ياء محضة. وكذلك أئمّة فانّه يكتب بالياء عند الجميع لأن أصله أَأمِمة جمع إمام، على وزن أفعلة. نقلت كسرة الميم إلى الهمزة الساكنة قبلها لارتباط الحرفين باجتماع الطرفين تنبيها على رجوع حكم المأموم إلى الإمام كما رجعت غنة الميم إلى خلفها من إمام. فسكنت الميم فأدغمت في الميم في الثانية، وأبدلت الهمزة المسكورة ياء محضة لأنه قد لزم عضدها بحرف حركتها وهي ظاهرة في الواحد معضودة وقد انقلب معنى الواحد للجمع واختصاص المعنى بجهة الملكوت ظاهر في العلم.

стр. 25

فافهم. وإِن كانت الهمزتان مفتوحتينب فلاتعضد " إحداهما " لئلا يجتمع ألفان مثل (ءَأَنذَرتَهُم) (ءَأَنتُم تَزرَعونَهُ) ونحو ذلك. ولئن أبدلت الثانية ألفا لا يرسم في الخط ألفان. فهذا ضابط حكم الهمزة في خط المصحف.

стр. 26

باب الألف اعلم أن الألف على ثلاثة أقسام في الخط: منه ما يكون زائدا. ومن ما يكون ناقصا. ومنه ما يكون بدلا. وهذه الأقسام على أصل الثبوت في الخط والكلام إنما هو في هذه الثلاثة أقسام في ثلاثة فصول. فصل في الألف الزائدة وهي على ثلاث أضرب: ضرب تزاد من أول الكلمة. وضرب تزاد فيه من آخرها. وضرب تزاد فيه من وسطها.

стр. 27

فالضرب الأول الذي تزاد فيه من أول الكلمة. هذا يكون باعتبار معنى زائد بالنسبة إلى ما قبله في الوجود مثل: (أو لأَذبَحَنّه) أو (لأَاوضَعوا خِلالَكُم) زيدت الألف تنبيها على أن المؤخر أشد وأثقل في الوجود من المقدم عليه لفظا. فالذبح أشد من العذاب والإيضاع " أشد فسادا " ن من زيادة الخبال. وظهرت الألف في الخط لظهور القسمين في العلم. واختلف المصاحف في حرفين: (لا إٍلى الجَحيم) و (لا إِلى اللَهِ تُحشَرونَ) . فمن رأى أن مرجعهم إلى الجحيم أشد من أكل الزقوم وشرب الحميم وأن محشرهم إلى الله أشد عليهم من موتهم أو قتلهم في الدنيا أثبت الألف ومن لم ير ذلك لأنه غيب عنا فلم يستو القسمان في العلم بهما لم يثبته وهو أولى.

стр. 28

وكذلك (يايئس) (وَلا تايئسوا) (إِنّهُ لا يايئس) (أَفَلَم يايئس) لأن الصبر وانتظار الفرج " أخف " من " الإياس. والإياس لا يكون في الوجود إلا بعد الصبر والانتظار. والضرب الثاني الذي تزاد فيه من آخر الكلمة. هذا يكون باعتبار معنى خارج عن الكلمة فحصل في الوجود مثل زيادتها بعد الواو في الأفعال مثل (يَرجوا) (وَيَدعوا) وذلك أن الفعل " أثقل " من الإسم لأن الفعل يستلزم معناه فاعلا بالضرورة فهو جملة في الفهم منقسمة قسمين، والاسم مفرد لا يستلزم غيره. فالفعل أزيد من الإسم في الوجود، والواو أثقل حروف المد واللين، والضمة أثقل الحركات والمتحرك أثقل من الساكن وكل ذلك حاصل في الوجود يجده كل إنسان من نفسه ضرورة. وأصل يرجو يرجو اجتمع الفعل والواو والضمة وحركة الواو. فخففت الواو بالسكون لأنها في محل الوقف آخر الكلمة. وبقي ثقل الفعل والحرف

стр. 29

فزيدت الألف تنبيها على هذا " الثقل " الذي هو للجملة بالنسبة إلى الإسم المفرد الذي هو شيء خارج عن الفعل ولازم عن فهم الفعل بعده وفي الاعتبار. وكلاهما ظاهر في العلم فلذلك زيدت الألف من آخر الكلمة. فإذا كانت الألف تزاد فيه مع الواو التي هي لام الفعل فمع الواو التي هي ضمير الفاعلين أولى لأن الكلمة جملة مثل: قالوا وعصوا إلا أن يكون الفعل مضارعا وفيه النون علامة الإعراب فيتحصن الواو بالنون التي هي من جملة الفعل إذ هي إعرابه، فتصير كلمة واحدة وسطها واو، كالعيون والسكون. فإذا دخل ناصب أو جازم مثل: (فَإِن لَم تَفعَلوا وَلَن تَفعَلوا) ثبت الألف. وقد تسقط في مواطن حيث لا يكون ذلك على " الجهة المحسوسة من الفعل بل على أمر باطن في الإدراك مثل: (وَالَّذَينَ سَعَوا في آَياتِنا مُعاجِزِين) هذا سعي بالباطل ملكوتي لا يصح له ثبوت في الوجود من حيث هم

стр. 30

(مُعاجِزونَ) فسعيهم باطل في الوجود. وكذلك: (وَجاءَ بِسِحرٍ عَظيم) و (جاءوا ظُلماً وَزوراً) ، (وَجاءوا أَباهُم عِشاءَ) (وَجاءَوا عَلى قَميصِهِ) هذا المجيء ليس على وجهه من حالة الوجود الملكي الصحيحة. وكذلك: (فَإِنّ فاءَو) و " هو " في بالقلب والاعتقاد. وكذلك (تَبَوّءو الدارَ وَالأيمان) (اِختارُوهُما) مسكنا لكن لا على الجهة المحسوسة لأنه سوى بين الدار والإيمان، وإنما اختاروهما مسكنا " لمرضاة " الله تعالى. ويدل عليه وصفهم بالايثار مع الخصاصة. فهذا دليل على زجرهم في محسوسات الدنيا. وكذالك: (وَباءوا) لأنه رجوع معنوي. وكذلك: (عَسى اللَهُ أَن يَعفوَ عَنهُم) لا يتصور فيه التركيب في الفهم لأنا لا ندركه إنما تركيبه وهميّ شعري. فإن كيف هذا الفعل لا يعلم إذ هو ترك المؤاخذة فحذف ألفه لذلك.

стр. 31

وكذلك: (وَعَتَو عُتُوّاً كَبيراً) هذا عتو على الله لذلك وصفهم بالكبر فهو باطن باطل في الوجود. وكذلك سقطت من: (وَإِذا كالوهُم أَو وَزَنوهُم يُخسِرونَ) ولم تسقط من (وإِذا غَضِبوا هُم يَغفِرونَ) لأن " غضبوا " جملة بعدها أخرى والضمير " مؤكد للفاعل " في الجملة الأولى. و" كالوهم " جملة واحدة، الضمير جزء منها. وفرقانه ظاهر. وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة في " كلمتين ": (إِنّي أُريدُ أَن تَبُوأَ) و (ما إِنّ مَفاتِحَهُ لَتَنوأ) تنبيها على تفصيل المعنى " فإنه " يبوء " بإثمين " من فعل واحد. وتنوء المفاتح بالعصبة فهو نوآن " للمفاتح " لأنها بثقلها أثقلتهم فمالت وأمالتهم. وفيه تذكير بالمناسبة يتوجه به من مفاتح كنوز مال الدنيا المحسوس إلى كنوز العلم التي تنوء بالعصبة أولي القوة في بقيتهم إلى ما عند الله في الدار الآخرة من النعيم المقيم.

стр. 32

وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة " المعضودة " بالواو لبيان وقوع المعنى على تفاصيله بالنسبة إلى شيء خارج عنه كما ذكرناه في باب الهمزة. ومنه: (كَأمثالَ اللُؤلُؤ) . زيدت الألف بعد الهمزة المعضودة آخراً تنبيها على صفتي البياض والصفاء، وبالنسبة إلى ما ليس بمكنون وعلى تفصيل الأفراد. يدل عليه قوله تعالى: (كَأَمثالِ) وهو على خلاف حال: (كَأَنّهُم لُؤلؤٌ) " لم " تزد الألف للإجمال وخفاء التفصيل: يدل على ذلك قوله تعالى: (كَأَنّهُم لُؤلُؤٌ مَكنَون) . وكذلك زيدت الألف في الإسم المفتوح المنون علامة على أنه وسط بالنسبة إلى المرفوع والمخفوض وأنه كامل التمكن بالنسبة إلى غيره. وكذلك: (وَتَظُنونَ بِاللَهِ الظُنونا) و (فاضَلونا السَبيلا) (وَأَطعنا الرَسولا) . زيدت الألف لبيان القسمين واستواء الظاهر والباطن بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك. ولم تزد لتناسب رءوس الآي كما قال قوم. لأن في سورة الأحزاب (وَاللَهُ يَقولُ الحَقّ وَهُوَ يَهدي السَبيل) . وفيها:

стр. 33

(فَأَضلونا السَبيلا) ، وكل واحد منهما رأس آية، وثبت الألف في الثاني دون الأول. فلو كان لتناسب رؤوس الآي لثبت في الجميع. والضرب الثالث الذي تزاد فيه في وسط الكلمة. هذا يكون لمعنى في نفس بمعنى الكلمة ظاهر في الفهم مثل: (وَجاىء يَومَئِذٍ بِجَهَنّم) زيدت الألف دليلا على " أَنّ " هذا المجيء هو بصفة من الظهور ينفصل بها عن معهود المجيء. وقد عبر عنه بالماضي، ولا يتصوّر إلا بعلامة من غيره ليس مثله، فيستوي في علمنا ملكها وملكوتها في ذلك المجيء. ويدل على ذلك قوله تعالى في غير هذا الموضع (وَبُرَزَتِ الجَحَيمُ لِمَن يَرى) وقال: (إِذا رَأَتَهُم مِن مَكانٍ بَعيد سَمِعوا لَها تَغَيُظاً وَزَفيراً) فهو على خلاف حال: (وَجيء بِالنَبيينَ وَالشُهَداء) فإن هذا على معنى معروف المثل في الدنيا والآخرة. ومن تأوله بمعنى البروز في " المحشر " لعظيم حساب الخلق " أثبت الألف فيه أيضا. وكذلك: (وَلا تَقُولَنَّ لِشاىءٍ إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غداً) . الشيء هنا معدوم

стр. 34

وإنما علمناه من تصور مثله الذي قد وقع في الوجود فنقل له الإسم منه من حيث إنه بقدر أنه يكون مثله في الوجود. وعلى ذلك ثبت له الإسم لا من الجهة التي هو بها معدوم لأنه من تلك الجهة ليس بشيء. فانقسم في الإعتبار قسمين والجهة التي هو بها شيء غير الأخرى فزيدت الألف تنبيها على اعتبار المعدوم من جهة تقدير الوجود إذ هو موجود في الأذهان حقا معدوم في الأعيان حقا. وهذا على خلاف حال الحرف الذي في النحل: (إِنّما قَولُنا لِشيءٍ إِذا أَرَدناهُ أَن نَقَولَ لَهُ كُن فَيَكون) لأن الشيء هنا من جهة قول الله له: (كُن) لا نعلم كيف ذلك فلا ينقسم. ووما يرسم في نفوسنا من ذلك بالتوهم هو راجع إلينا حال شعرية كاذبة فنؤمن بالمعنى تسليما لله فيه لأنه سبحانه يعلم الأشياء بعلمه لا بها، ونحن إنما نعلم الأشياء بوجودها لا بعلمنا فلا نشبه ولا نعطل.

стр. 35

وكذلك: (إِلى فِرعَونَ وَمَلائِهِ) زيدت الألف بين اللام والهمزة المعضودة بالياء تنبيها على تفصيل في هذا الملإ ظاهر في الوجود. وقد جاء ذكر هامان وقارون منهم. وهذا تقسيم ظاهر في الوجود. وكذلك زيدت الألف في مائة لأنه في اسم اشتمل الوجود على كثرة مفصلة بمرتبتين آحاد وعشرات. وهو تضعيف العشرة عشرة أمثال الذي هو التضعيف الواحد عشرة أمثال إذا علم ذلك بالفعل في الوجود وكان حقا لا شك فيه. فالمائة أضعاف الأضعاف للواحد ففيها تفصيل الأضعاف مرتين لذلك زيدت الألف في مائتين أيضا تنبيها على المرتبتين في الأضعاف. وليس زيادة الألف في مائة للفرق بينها وبين " منه " كما قال قوم لأنه ينعكس بالمائتين إذ لا تلتبس فقد وجد الحكم وهو زيادة الألف في المائتين مع تخلف العلة. وينتقض قولهم أيضا بفئة فإنها تلتبس بفيه. فقد وجدت علة الإلتباس وتخلف حكم زيادة الألف للفرق. ولا يصح أيضا قول من قال للفرق بينها وبين مية لأن مية لم يأت في القرآن وينعكس قوله بالمائتين وينتقض بفية كما تقدم.

стр. 36

فصل في الألف الناقص من الخط كل ألف تكون في كملة لمعنى له تفصيل في الوجود إذا اعتبر ذلك من جهة ملكوتية أو صفة حالية أو أمور علوية مما لا يدركه الحس فإن الألف تحذف في الخط علامة لذلك. وإذا اعتبر من جهة ملكية أو صفة حقيقية في العلم وأمور سفلية ثبت الألف. واعتبر ذلك في لفظتي القرآن والكتاب. فإن القرآن هو تفصيل الآيات التي أحكمت في الكتاب. فالقرآن أدنى إلينا في الفهم من الكتاب وأظهر في التنزيل. قال الله تعالى في هود: (الرَ كِتابٌ أُحكِمَت آَياتُهُ ثُمّ فُصِلَت مِن لَدُن حَكيمٍ خَبير) . وقال في فصلت: (كِتابٌ فُصِلَت آَياتُهُ قُرءاناً عَرَبِياً لِقَومٍ يَعلَمون) وقال تعالى: (إِنّ عَلَينا جَمعَهُ وَقُرءَانَهُ فَإِذا قَرأَناهُ فاتَبِع قُرءانَه) ولذلك ثبت في الخط ألف القرآن وحذف ألف الكتاب. وقد حذف ألف القرءان في حرفين هو فيهما مرادف للكتاب في الإعتبار. قال الله تعالى في يوسف: (إِنّا أَنزَلناهُ قُرءاناً عَرَبياً) . وفي الزخرف: (إِنّا جَعَلناهُ قُرءاناً عَرَبِيا) والضمير في الموضعين ضمير الكتاب المذكور قبله.

стр. 37

وقال بعد ذلك في كل واحد منهما: (لَعَلَكُم تَعقِلونَ) فعربيته هي من الجهة المعقولة. وقال في الزخرف: (وَإِنّهُ في أَُمِ الكِتابِ لَدينا لَعَليٌ حَكيم) . وكذلك ثبت ألف الكتاب في أربعة أحرف هي مقيدة بأوصاف خصصته من الكتاب الكلي. أحدها في الرعد: (لِكُلِ أَجلٍ كِتاب) هذا الكتاب هو كتاب الآجال فهو أخص من الكتاب المطلق والمضاف إلى إسم الله. وفي الحجر: (وَما أَهلَكنا مِن قَريَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعلوم) هذا الكتاب هو كتاب إهلاك القرى، وهو أخص من كتاب الآجال. وفي الكهف: (وَاتلُ ما أُوحيَ إٍليكَ مِن كِتابِ رَبّكَ) هذا الكتاب هو أخص من الكتاب الذي في قوله تعالى: (اُتلُ ما أُوحِيَ إِليكَ مِن الكِتاب) لأنه أطلق هذا وقيد ذلك بالإضافة إلى الإسم المضاف

стр. 38

إلى معين في الوجود. والذي هو أخص أظهر تنزيلا. وفي النمل (تِلكَ آَياتُ القُرآنِ وَكِتابٍ مُبين) هذا الكتاب جاء تابعا للقرآن والقرآن جاء تابعا للكتاب كما قد تبين لك. وكما جاء في الحجر: (تِلكًَ آَياتُ الكِتاب وَقُرآنٍ مُبين) فما في النمل له خصوص تنزيل مع الكتاب الكلي فهو تفصيل " الكتاب الكلي بجوامع " كليته " والله أعلم. وكذلك حذفت الألف من (بِسمِ اللَهِ) تنبيها على علوه في أول رتبة الأسماء وانفراده، وأن عنه انفصلت الأسماء " فهو كليها " يدلك عليه إضافته إلى اسم الله الذي هو جامع الأسماء كلها وأولها. ولذلك لم يتسم بهذا الإسم غير الله. قال الله تعالى: (هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيّا) وسائر أسماء الله ظهرت التسمية بها في المخلوقات، فأظهر ألف الإسم معها تنبيها على ظهور التسمية في الوجود. وحذف الألف الذي قبل الهاء من إسم (اللَهَ) وأظهرتب التي مع اللام من أوله دلالة على أنه الظاهر من جهة التعريف والبيان والباطن من جهة الإدراك والعيان. وحذفت الألف التي قبل النون من اسمه (الرَحمن) حيث وقع بيانا لأنا نعلم حقائق تفصيل رحمته في الوجود فلا نفرق في علمنا بين الوصف والصفة. وإنما الفرقان في التسمية والإسم لا في معاني الأسماء المدلول عليها بالتسميةب بل نؤمن بها إيمانا مفوضا في علم حقيقتها إلى الله لا على ما يرتسم

стр. 39

في نفوسنا بالوهم الكاذب والخيال الشعري، لأنه لا يعلم الله إلا الله فلا " نشبه " لأنه ليس كمثله " شيء " ولا نعطل لأنه هو اللطيف الخبير، وهو السميع البصير. فلذلك كتب الإسم على العلم لا على التسميةس. وكذلك حذفت ألف كثيرمن أسماء الفاعل مثل: (قادِر) و (عالِم) وذلك أن هذه الألف زائدة في وسط الكلمة فهي لمعنى في نفس معنى الكلمة. فهذه الكلمة لها تفاصيل في معناها إلى وصف وصفة. ولذلك جعل الألف في وسط الكلمة. فما كان منها يدرك فرقانه حقا أو كان سفليا كتب بالألف، وما لا ندركه أو كان علويا شريفا يحذف ألفه. وكذلك الألف الزائدة في الجموع السالمة والمكسرة. وفي مصار بعض الأفعال (مثل القانِتات والقانِتين) والأبرار والجلال والإكرام واختلاف واستكبر فإنها كلها وردت لمعنى مفصل اشتمل عليه معنى تلك اللفظة " فتحذف " حيث يبطن التفصيل وتثبت حيث يظهر. وكذلك الألف الزائدة مع النون للمبالغة في الإسم مثل عمران دون الفعل السفلي في الملك " نحو الخسران فإن الفعل السفلي في الملك

стр. 40

ثقيل والإسم علوي خفيف وبعض الجموع والمصادر. وكذلك ألف الأسماء العجمية مثل إبراهيم وإسماعيل لأنها زائدة لمعنى غير ظاهر في اللسان العربي. لأن العجمي بالنسبة إلى العربي باطن خفي لا ظهور له فحذف ألفه. وقد تكون الصفة ملكوتية روحانية وتعتبر من جهة مرتبة سفلى ملكية هي أظهر في الاسم فيثبت الألف كالأواب والخطاب والعذاب و (أَم كُنتَ مِنَ العالين) و (الوَسواس الخَنّاس) . وقد تكون ملكية جسمانية وتعتبر من جهة مرتبة عليا ملكوتية هي أظهر في الإسم وتحذف الألف كالمحراب ولأجل هذا التداخل يغمض ذلك فيحتاج إلى تدبر وفهم. ومنه ما يكون ظاهر الفرقان كالأخير والأشرار يحذف من الأول دون الثاني. ومنه ما يخفى (كالفَراش) و (يُطعِمونَ الطَعامَ) فالفراش محذوف والطعام ثابت وونهما واحد وهما جسمان لكن
следующие страницы →