Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فصل في الألف الناقص من الخط
كل ألف تكون في كملة لمعنى له تفصيل في الوجود إذا اعتبر ذلك من جهة ملكوتية أو صفة حالية أو أمور علوية مما لا يدركه الحس فإن الألف تحذف في الخط علامة لذلك.
وإذا اعتبر من جهة ملكية أو صفة حقيقية في العلم وأمور سفلية ثبت الألف.
واعتبر ذلك في لفظتي القرآن والكتاب. فإن القرآن هو تفصيل الآيات التي أحكمت في الكتاب. فالقرآن أدنى إلينا في الفهم من الكتاب وأظهر في التنزيل.
قال الله تعالى في هود: (الرَ كِتابٌ أُحكِمَت آَياتُهُ ثُمّ فُصِلَت مِن لَدُن حَكيمٍ خَبير) .
وقال في فصلت: (كِتابٌ فُصِلَت آَياتُهُ قُرءاناً عَرَبِياً لِقَومٍ يَعلَمون) وقال تعالى: (إِنّ عَلَينا جَمعَهُ وَقُرءَانَهُ فَإِذا قَرأَناهُ فاتَبِع قُرءانَه) ولذلك ثبت في الخط ألف القرآن وحذف ألف الكتاب.
وقد حذف ألف القرءان في حرفين هو فيهما مرادف للكتاب في الإعتبار. قال الله تعالى في يوسف: (إِنّا أَنزَلناهُ قُرءاناً عَرَبياً) .
وفي الزخرف: (إِنّا جَعَلناهُ قُرءاناً عَرَبِيا) والضمير في الموضعين ضمير الكتاب المذكور قبله.
стр. 37
وقال بعد ذلك في كل واحد منهما: (لَعَلَكُم تَعقِلونَ) فعربيته هي من الجهة المعقولة.
وقال في الزخرف: (وَإِنّهُ في أَُمِ الكِتابِ لَدينا لَعَليٌ حَكيم) .
وكذلك ثبت ألف الكتاب في أربعة أحرف هي مقيدة بأوصاف خصصته من الكتاب الكلي.
أحدها في الرعد: (لِكُلِ أَجلٍ كِتاب) هذا الكتاب هو كتاب الآجال فهو أخص من الكتاب المطلق والمضاف إلى إسم الله. وفي الحجر: (وَما أَهلَكنا مِن قَريَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعلوم) هذا الكتاب هو كتاب إهلاك القرى، وهو أخص من كتاب الآجال.
وفي الكهف: (وَاتلُ ما أُوحيَ إٍليكَ مِن كِتابِ رَبّكَ) هذا الكتاب هو أخص من الكتاب الذي في قوله تعالى: (اُتلُ ما أُوحِيَ إِليكَ مِن الكِتاب) لأنه أطلق هذا وقيد ذلك بالإضافة إلى الإسم المضاف
стр. 38
إلى معين في الوجود. والذي هو أخص أظهر تنزيلا.
وفي النمل (تِلكَ آَياتُ القُرآنِ وَكِتابٍ مُبين) هذا الكتاب جاء تابعا للقرآن والقرآن جاء تابعا للكتاب كما قد تبين لك. وكما جاء في الحجر: (تِلكًَ آَياتُ الكِتاب وَقُرآنٍ مُبين) فما في النمل له خصوص تنزيل مع الكتاب الكلي فهو تفصيل " الكتاب الكلي بجوامع " كليته " والله أعلم.
وكذلك حذفت الألف من (بِسمِ اللَهِ) تنبيها على علوه في أول رتبة الأسماء وانفراده، وأن عنه انفصلت الأسماء " فهو كليها " يدلك عليه إضافته إلى اسم الله الذي هو جامع الأسماء كلها وأولها. ولذلك لم يتسم بهذا الإسم غير الله. قال الله تعالى: (هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيّا) وسائر أسماء الله ظهرت التسمية بها في المخلوقات، فأظهر ألف الإسم معها تنبيها على ظهور التسمية في الوجود.
وحذف الألف الذي قبل الهاء من إسم (اللَهَ) وأظهرتب التي مع اللام من أوله دلالة على أنه الظاهر من جهة التعريف والبيان والباطن من جهة الإدراك والعيان.
وحذفت الألف التي قبل النون من اسمه (الرَحمن) حيث وقع بيانا لأنا نعلم حقائق تفصيل رحمته في الوجود فلا نفرق في علمنا بين الوصف والصفة. وإنما الفرقان في التسمية والإسم لا في معاني الأسماء المدلول عليها بالتسميةب بل نؤمن بها إيمانا مفوضا في علم حقيقتها إلى الله لا على ما يرتسم
стр. 39
في نفوسنا بالوهم الكاذب والخيال الشعري، لأنه لا يعلم الله إلا الله فلا " نشبه " لأنه ليس كمثله " شيء " ولا نعطل لأنه هو اللطيف الخبير، وهو السميع البصير. فلذلك كتب الإسم على العلم لا على التسميةس.
وكذلك حذفت ألف كثيرمن أسماء الفاعل مثل: (قادِر) و (عالِم) وذلك أن هذه الألف زائدة في وسط الكلمة فهي لمعنى في نفس معنى الكلمة.
فهذه الكلمة لها تفاصيل في معناها إلى وصف وصفة. ولذلك جعل الألف في وسط الكلمة. فما كان منها يدرك فرقانه حقا أو كان سفليا كتب بالألف، وما لا ندركه أو كان علويا شريفا يحذف ألفه.
وكذلك الألف الزائدة في الجموع السالمة والمكسرة. وفي مصار بعض الأفعال (مثل القانِتات والقانِتين) والأبرار والجلال والإكرام واختلاف واستكبر فإنها كلها وردت لمعنى مفصل اشتمل عليه معنى تلك اللفظة " فتحذف " حيث يبطن التفصيل وتثبت حيث يظهر.
وكذلك الألف الزائدة مع النون للمبالغة في الإسم مثل عمران دون الفعل السفلي في الملك " نحو الخسران فإن الفعل السفلي في الملك
стр. 40
ثقيل والإسم علوي خفيف وبعض الجموع والمصادر.
وكذلك ألف الأسماء العجمية مثل إبراهيم وإسماعيل لأنها زائدة لمعنى غير ظاهر في اللسان العربي. لأن العجمي بالنسبة إلى العربي باطن خفي لا ظهور له فحذف ألفه.
وقد تكون الصفة ملكوتية روحانية وتعتبر من جهة مرتبة سفلى ملكية هي أظهر في الاسم فيثبت الألف كالأواب والخطاب والعذاب و (أَم كُنتَ مِنَ العالين) و (الوَسواس الخَنّاس) .
وقد تكون ملكية جسمانية وتعتبر من جهة مرتبة عليا ملكوتية هي أظهر في الإسم وتحذف الألف كالمحراب ولأجل هذا التداخل يغمض ذلك فيحتاج إلى تدبر وفهم.
ومنه ما يكون ظاهر الفرقان كالأخير والأشرار يحذف من الأول دون الثاني.
ومنه ما يخفى (كالفَراش) و (يُطعِمونَ الطَعامَ) فالفراش محذوف والطعام ثابت وونهما واحد وهما جسمان لكن
стр. 41
يعتبر في الأول " مقام " التشبيه. فإن المشبه محسوس وصفة " التشبيه " غير محسوسة. المشبه به غير محسوس في حالة التشبيه إذ جعل جزءا من صفة المشبه به من حيث هو منفرش مبثوث لا من حيث هو جسم.
وأما في الطعام فهو المحسوس الذي يعطي للمحتاجين وكذلك: ((وَطَعامُ الَّذَينَ أُوتوا الكِتابَ حِلّ لَكُم وَطَعامُكُم حِلّ لَهُم) .
ثبت الألف في الأول لأنه سفلي بالنسبة إلى طعامنا لمكان التشديد عليهم فيه، وحذف من الثاني لأنه علوي بالنسبة إلى طعامهم كعلو ملتنا على ملتهم.
كذلك: ((كانا يَأكُلانِ الطَعام) محذوف لعلو هذا الطعام.
وكذلك (وَغَلّقَتِ الأَبواب) غلّقت فيه التكثير في العمل فيدخل فيه أيضا ما ليس بمحسوس من أبواب الإعتصام فحذف الألف من ذلك ويدل عليه (وَاستَبَقا الباب ... وألفيا سَيدَها لَدا الباب) .
فأفرد الباب المحسوس من تلك الأبواب.
стр. 42
وكذلك: (وَفُتّحَت أَبوابُها) محذوف لأنها من حيث فتحت ملكوتية علوية.
و (مُفَتِحَةٌ لَهُمُ الأَبواب) ملكية من حيث هي لهم فثببت الألف.
و (قيلَ اِدخُلوا أَبوابَ جَهَنّم) ثابت لأنها من جهة دخولهم محسوسة سفلية.
" كذا ": (لَها سَبعَةُ أَبواب) من حيث حصرها العدد في الوجود ملكية، فثبت الألف.
وكذلك " الجراد " و " الضفادع " الأول ثابت هو الذي في الواحدة المحسوسة، والثاني محذوف لأنه ليس في الواحدة المحسوسة.
والجمع هنا ملكوتي من حيث هو آية.
وكذلك (أَن نُبَدِلَ أَمثالَكُم) حذف ألف أمثال لأنها
стр. 43
أمثال كلية لم يتعين منها للفهم جهة التماثل فيها.
و (كَأَمثالَ اللُؤلُؤ) ثابت الألف تعين للفهم جهة التماثل وهو في البياض والصفاء.
كذلك: (يَضرِبُ اللَهُ للِناسِ أَمثالَهُم) حذف للعموم.
و (انظُر كَيفَ ضَرَبوا لَك الأَمثالَ) ثابت في الفرقان لأنها المذكورة ثمة حسية مفصلة ومحذوف في الإسراء لأنها غير مفصلة باطنة.
وكذلك: (فإذا نُفِخَ في الصورِ نَفَخَةً واحِدة وَحُمِلَتِ الأَرضُ وَالجِبالُ فَدُكّتا دَكَةً واحِدة) . الواحد الأولى محذوفة الألف لأنها روحانية لا تعلم إلا إيماناً، والثانية ثابتة لأنها جسمانية تتصور من أمثالها من الجزئي.
وكذلك: (كِتابِيه) " محذوفة " لأنه ملكوتي و (حِسابِيه) " ثابت " لأنه ملكي وهما معاف ي موطن الآخرة.
كذلك: (القاضِية) ملكوتية و (مالِيَة) ملكي محسوس. فحذف الأول وثبت الثاني.
стр. 44
وكذلك: (وَلَما بَرَزَوا لَجالوتَ وَجُنودِه) حذف لأنه الإسم.
٠و - َقَتَلَ داوودُ جالوتَ) ثابت لأنه مجسم محسوس.
وكذلك: (سُبحانَ) هو محذوف لأنه ملكوتي إلا حرف واحد اختلف فيه المصاحف وهو: (قُل سُبحانَ رَبّي) فمن أثبت الألف فلأن هذا تنزيه من مقام الإسلام وحضرة الأجسام وصدر به مجاوبة للكفار في موطن الرد والإنكار. ومن أسقط فلعلو " حال " المصطفى ﷺ لا يشغله عن الحضور بقلبه في الملكوت الخطاب في الملك.
وهذا أولى الوجهين.
وكذلك: (لَقَد كَفَرَ الَّذَينَ قالوا إِنّ اللَهَ ثالِثُ ثَلاثَة) ثبت ألف " ثالث " لأنهم جعلوه أحد ثلاثة مفصلة فثبت الألف علامة لإظهارهم التفصيل في " الإله " تعالى الله عن قولهم. وحذف ألف (ثَلاثَة) لأنهإسم العدد الواحد من حيث هو " جملة " واحدة وذلك فيه أجلى من التفصيل.
كذلك: (وَما مِن إلهٍ إِلاّ إِلَهٌ واحِد) حذف الألف من إله وثبت في الواحد " الصفة " لأنه إله في ملكوته تعالى عن أن تعرف صفته بإحاطة الإدراك
стр. 45
واحد في ملكه تنزه بوحدة أسمائه عن الإعتضاد و " الإشراك " ليس لسواه وجود إلا منه (الَّذي أَعطى كُلّ شيءٍ خَلَقَهُ ثُمّ هَدى) . هذا من جهة إدراكنا.
وأما من جهة ما هي عليه الصفة في نفسها فلا ندرك ذلك بل نسلم علمه إلى الله. فحذف الألف مثل (إِلهاً واحِداً وَنَحنُ لَهُ مُسلِمونَ) .
وكذلك ألف " الإثنين ": إن كانت التثنية اللازمة ظاهرة يثبت الألف مثل: (قالا) ، و (إِن تَتُوبا) و (لا يَبغيان) و (يَسجُدان) ، و (اِثنانَ) و (يَداهُ) .
وإن كانت غير ظاهرة في العلم حذف مثل: (قالَ رَجُلان) و (تُكَذِبانِ) .
وكذلك سقط " الألف " الزائدة لتطويل هاء التنبيه في النداء في
стр. 46
ثلاثة أحرف: (آَيُها المُؤمِنونَ) ، (أَيُّهَ الساحِرُ) (أَيُها الثَقَلان) إشارة إلى معنى الإنتهاء إلى غاية ليس وراءها في الفهم رتبة يمتد النداء إليها و " تنبيها " على الإقتصار والإقتصاد من حالهم والرجوع إلى ما ينبغي. فقوله تعالى: (وَتُوبوا إِلى اللَهَ جَميعاً) يدل على أنهم كل المؤمنين على العموم والإستغراق فيهم.
وقوله تعالى حكاية عن قول فرعون: (إِنّ هَذا لَساحِرٌ عَلَيم) .
وقول فرعون أيضا: (إِنّهُ لَكَبيرُكُمُ الَّذي عَلّمَكُمُ السِحر) يدل على عظم علمه عندهم ليس فوقه أحد.
وقول الله تعالى: (سَنَفرُغُ لَكُم أَيُها الثَقَلان) .
فإقامة الوصف مقام الموصوف يدل على عظم الصفة الملكية فإنها تتضمن جميع الصفات الملكوتية والجبروتية.
فليس بعدها رتبة أظهر في الفهم وعلى ما ينبغي لهم " من الرجوع " إلى اعتبار آلاء الله في بيان النعم ليشكروا وبيان النقم ليحذروا.
стр. 47
وكذلك حذفت الألف التي جاءت لمد الصوت بالحرف في النداء أو الإشارة مثل: (يا قَوم) (يا عباد) لأنها زائدة التوصيل بين المرتبتين. و١لك أمر باطن ليس بصفة محسوسة في الوجود.
فصل في الألف المنقلبة عن الياء أو الواو
اعلم أن هذه الألف تكتب في مواضع على موافقة اللفظ وتكتب في مواضع على موافقة الأصل و " تحذف في مواضع.
فما كتبت بالألف على اللفظ في أي كلمة كان فإنّه يدل على أن إستواء قسمي الوجود في معنى تلك الكلمة ظاهر الفهم في الإدراك.
وما كتب بالواو على الأصل في أي كلمة كان فإنه يدل على أن اعتبار المعنى من جهة قسم الملك من الوجه أظهر في الإدراك من استواء قسمي الوجود في ذلك المعنى.
وما كتب بالياء على الأصل فإنه يدل على أن اعتبار المعنى من جهة قسم الملكوت من الوجود أظهر في الإدراك من استواء قسمي الوجود في ذلك المعنىز وما حذف ولم يكتب فلخفاء أصله وتفصيله في الإدراك والله أعلم.
стр. 48
فمن ذلك: ثمانية أحرف كتبت بالواو على الأصل حيث تكون مفردة عامة. فإن اختصت بإضافة أو خصوص معنى كتبت على اللفظ. وهذه الثمانية أحرف هي جوامع قواعد الشريعة ومفاتح أبواب العلم وضروب الفقه.
فأولها: " الصلاة " وهي طهارة البدن الباطن والظاهر وهي قاعدة " الدين " ومفتاح ذكر رب العالمين. قال الله تعالى: (أَقِمِ الصَلاةَ لِذكري) فتشتمل على أبواب الطهارات والتقديس وأنواع النزاهات والتسبيح وهي جامعة لأصول وفروع " وأحكام " مرتبطة بالموجودات وبالأحياء والأموات.
فاعتبار الصلاة فيه اعتبار " جميع " أجزاء " العالم " فالصلاة كبيرة (وَلَذِكرُ اللَهِ أَكبَر) .
والحرف الثاني: (الزَكاة) وهي النماء والبركة الباطنة والظاهرة. وهي قاعدة النجاح، ومفتاح الأرباح. قال الله تعالى: (مَن ذا الَّذي يُقرِضُ اللَهَ قَرضا حَسَنا فَيُضاعِفُهُ لَهُ وَلَهُ أَجرٌ كَريم) فتشتمل على أبواب الحلال وأنواع الطيبات وهي أصل في الأموال جامع لوجوه المكاسب والاستفادات بالحرث والتجارة وغيرهما ولأقسام الصدقات والمغانم وغير ذلك.
والحرف الثالث: الربوا وهو الزيادة الظاهر والباطن، وهي قاعدة الأمان ومفتاح التقوى. قال الله تعالى: (ياأَيُها الَّذَينَ ءامَنوا اِتَقوا اللَهَ
стр. 49
وَذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِبوا إِن كُنتُم مُؤمِنينَ فَإِن لَم تَفعَلوا فَأَذَنوا بِحَربٍ مِنَ اللَهِ وَرَسولِهِ) ويشتمل على أبواب الحرام وأنواع الخبائث وضروب المفاسد وهو نقيص الزكوة. قال الله تعالى: (يَمحَقُ اللَهُ الرِبا ويُربي الصَدَقات والله لا) واجتنابه أصل في التصرفات المالية. ويرجع حاصله فيها إلى جنسين: ربا الفضل وربا النسيئة. ولذلك زيدت الألف فيه بعد الواو علامة على أنه جامع " لهذين " القسمين في الملك بالنسبة إلى قسم الملكوت.
وقد جاء حرف واحد بغير واو في سورة الروم: (وَماءَاتَيتُم مِن رِبا لِتَربوا في) لأن هذا الحرف ليس هو العام الكلي، لأن الكلي منفي في حكم الله عليه بالتحريم. وفي نفي " الكل نفي " جميع جزئياته فهو يعم جزئيائته في باب النفي. فإذا أتوا منها شيئا نقضوا الكلية وبطل العموم في الوجود بفعلهم لخروج ما أتوا منه. ونفي عموم الحكم ثابت أبدا.
واجتمع فيما أتوا النقيضان: النفي الحكمي والإثبات الفعلي. وليس يلزم من نفي الكلي إثبات الجزئي أصلا إنما يلزم نفيه قطعا. هكذا هي حقيقة
стр. 50
الحكم. فليزم منه أن ما أتوا من ربا منفي في حكم الله. وكذلك يلزم في حقيقة الحكم من إثبات الجزئي إثبات الكلي بالضرورة. فما أتوا من زكوة تضمن " كلية في حكم الله وكليه يتضمن كليه " وهلم جرا إلى ما لا نهاية له. ويدلك عليه قوله تعالى: (وَما ءأتَيتُم مِن رِبا لِتَربوا في أَموالِ الناسِ فَلا يَربوا عِندَ اللَهِ وَماءَاتَيتُم مِن زَكاة تُريدونَ وَجهَ اللَهِ فَأَُولَئِكَ هُم المُضعِفونَ) فلهذا كتب في هذه الآية الربا بالألف والزكاة بالواو. فافهم.
والحرف الرابع: الحياة وهي " باطنة وظاهرة " وهي قاعدة النفوس ومفتاح البقاء والخلود. قال الله تعالى: (وَلَكُم في القَصاصِ حَياةٌ يا أَُولي الألباب) .
فتشتمل على أبواب النكاح والولادة والرضاع والقصاصا والذبائح والصيد في البر والبحر والجهاد والعبيد والوصايا و " المواريث " وغير ذلك.
والحرف الخامس: النجاة وهي " باطنة وظاهرةس " وهي قاعدة الطاعات ومفتاح السعادات. قال الله تعالى حكاية عن المؤمن: (وَياقَومِ ما لي أَدعوكُم إلى النَجاةِ وتَدعونَنَي إِلى النار) فهو أصل يشتمل على أبواب
стр. 51
المنجيات وأنواع المهلكات في الحياة وبعد المماة وعلى أقسام البينات والمواعظ والآيات.
والحرف السادس: الغداوة وهي باطنة وظاهرة قاعدة الأزمان ومفتاح الحركات والأكوان ومبدأ تصرفات الإنسان يعلم ذلك بالعيان. قال الله تعالى: (وَاصبِر نَفسَك مَعَ الَّذَينَ يَدعونَ رَبّهُم بالغَداة والعشىّ يُريدونَ وَجهَهُ وَلا تَعد عَيناكَ عَنهُم تُريدُ زينَةَ الحَياةِ الدُنيا) وهي مشتقة من الغدو فتشتمل على أبواب الأعمال للدنيا والآخرة واختلاف الأزمنة والأيام. فيرجع إليها أوقات الزراعة والفلاحة واحتناء الفواكه والثمار واقتناء الأقوات وتركيب الأدوية واختيار الأغذية وضروب الأسفار وركوب البحار، وجميع ما يتصرف فيه بالليل والنهار. فإن الناس إنما يبتدئون التصرف في ذلك كله من الغداة.
ألا ترى كيف قال أصحاب الجنة: (أَن اِغدوا عَلى حَرثِكُم إِن كُنتُم صارِمينَ) .
والحرف السابع: المشكاة " وهي باطنة وظاهرة " وهي قاعدة الهداية ومفتاح الولاية. قال الله تعالى في الآية: (يَهدي اللَهُ لِنورِهِ مَن يَشاء) فمثلها يشتمل على مدارك العقول وأحكام الوجود ومعارف الملك والملكوت ومعارج الأفكار من الدلائل والآثار إلى ما غاب عن العيان ولا تقارنه الأزمان ولا تقاسم الأذهان، وعلى ضروب الدلائل والبرهان وإقامة القسط بالميزان وصريح الإيمان. فيندرج فيه كل العلوم وما شاء الحي القيوم.
стр. 52
والحرف الثامن: مناة: وهي ظاهرة وباطنة. هي قاعدة الضلال ومفتاح الشرك والإضلال قال الله تعالى في الآية (وَمَناةَ الثالِثَةَ الأَخرى) ووصفها بوصفين: أحدهما يدل على تكثيرهم الإله فمن " مُثَن، ومن " مثلث وغير ذلك.
والثاني يدل على الإختلاف والتغاير: فمن معطل، ومن مشبه، ومن مجسم، ومن مولد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وما وراء هذين الوصفين فيها باطل. (وَاللَهُ يَقولُ الحَقّ وَهُوَ يَهدي السَبيل) يدلك على ذلك قوله تعالى في السورة: (إِن يَتَبِعونَ إِلا الظَنّ وَما تَهوى الأَنفُس وَلَقَد جاءَهُمُ مِن رَبِهِمُ الهُدى) .
وقد جمعت هذه الأحرف التي تكتب بالواو في كلام فقلت: بهداية مثل المشكاة وإقام الصلاة بالعشي الغداة وإيتاء الزكاة وإجتناب الربا ومناة تحصل للعبد النجاة وطيب الجياة.
والحمد لله.
وظهور الواو في الخط يدل على أن معاني هذه الحروف ظاهرة في الإدراك من جهة إعتبار الملك.
стр. 53
وبطون الألف يدل على أن مساواة قسمي الوجود في المعنى باطن في الإدراك فافهم.
وكذلك كل كلمة ثلاثية لامها في اللفظ ألف فإنه إن كان أصلها الياء كتب بالياء لأن معناها يكون أبدا من جهة قسم الملكوت أظهر في الإدراك من استواء القسمين فيه.
وإن كان أصلها الواو كتبت بالألف لأن معناها يكون أبدا من جهة استواء القسمين ظاهرا في الإدراك مثلك رمى ودعا. فالياء من رمى تدل على أن معناه من جهة قسم الملكوت أظهر في الإدراك. وأن إستواء القسمين فيه باطن في الإدراك. والألف من دعا تدل على أن استواء قسمي الوجود في معنى الدعاء ظاهر في الإدراك وأن خصوصوه بقسم الملك منه باطن في الإدراك وإنما انقلب لأجل الغيبة. فإن الحضور أصل والغيبة حال عارضة ولهذا ترد الفعل إلى نفسك التي هي حاضرة. فإن ظهر الحرف بالياء فأصله الياء. وإن ظهر بالواو فأصله الواو.
وقد تكون كلمة من ذوات " الواو أو الياء " ويكون معناها من جهة استواء القسمين ظاهرا في الإدراك وفي تلك الكلمة بعينها يكون الأصل من جهة الملكوت أظهر في العلم فكتبت بالياء مثل حرفين كتبا بالياء على الأصل وهما: (ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأَى) و (ما زاغَ البَصَرُ وَما طَغى) فتأكدت في شهود الحق كما دل عليه حرف التحقيق والقسم (لَقَد
стр. 54
رَأَى) فهذان الحرفان على غير حال رؤية الأبصار مثل: (فَلَما رَءا قَميصَهُ) . (فَلَما رَءا أَيديهِم لا تَصِلُ إِليهِ نَكِرَهُم) فإِنها من جهة أصل معناها ملكوتية ومن جهة المشاهدة الحسية هي ملكية فاستبوى معناها في قسمين الوجود للإدراك فثبت الألف، فيجتمع ألفان، فيحذف الآخر لأنه لا يجتمع ألفان في الفم فلا يجتمعان في الخط كما ذكرناه قبل.
ومثل أحرف كتبت بالياء وأصلها الواو وهي: (والأَرضَ بَعدَ ذَلِكَ دَحاها) وذلك أن دحو الأرض وطحوها باطن لم ندركه حساحين الأثر لأنه قبل كوننا منها. فهو ملكوتي. وضحى الشمس كلي غير مختص بجزئي معين. وكذلك تلو القمر ليس ما نحس إذ نحس تلو كل واحد منهما الآخر فهو معتبر من جهة ملكوتية. فجهة الملكوت في هذه الأحرف في هذه المواضع بعينها أظهر في الإدراك.
стр. 55
ومثل: (إِنّا لَمّا طَغا الماءُ) كتب بالألف فظهور الألف فيه يدل على استواء قسمي الوجود في معناه فهو على خلاف حال فرعون (إِلى فِرعونَ إِنّهُ طَغى) لأن هذا يعتبر من جهة نفسه ومن جهة أفعاله وجهة النفس الباطن أظهر في الإدراك.
ومثل الزنا فإنه ملكي للمباشر ملكوتي لغيره. فاستوى معناه في قسمي الوجود وبطن في الفهم اختصاصه بالملكوت الذي هو أصله الياء وملكي من حيث ألفيا فيه سيدها عيانا. فاستوى معناه في القسمين فكتب بالألف فهو بخلاف (لَدى الحَناجِرِ كاظِمين) لأنه باطن.
وما زاد على الثلاثي مما كان اعتبار معناه من جهة قسم الملكوت أظهر في الإدراك من استواء القسمين في معناه فإنه يكتب بالياء وإن كان أصله الواو مثل: أعطى وأوصى ومصفى " واصطفاه "
стр. 56
والتورية. وما كان اعتبار معناه من جهة استواء القسمين فيه أظهر فإنه يكتب بالألف مثل: (فَأَحيا بِهِ الأَرضَ مِن بَعدِ مَوتِها) .
وفي سورة الأعلى: (ثُمّ لا يَموتُ فيها وَلا يَحيا) لأن ملكه وملكوته سواء في معناه فإنه خطاب الله تعالى وإخباره عن ملكه. وذلك لا يختلف فيه القسمان. فهو على خلاف الحرف الذي في طه: (فَإنّ لَهُ جَهَنَم لا يَموتُ فيها وَلا يَحيا) كتب بالياء لأنه ملكوتي حيث أخبروا به فرعون في موطن " الدنيا وهو " صفة أخروية.
وكل كلمة يكون عينها ألفا في اللفظ منقلبا عن ياء أو عن واو، فمنها ما يكتب بالألف لأن انقلابها يدل على أن معنى الكملة من جهة الملك الظاهر يتضمن كليها الملكوتي الباطن، فيجتمع على معناها قسما الوجود معا. مثل: الباب ومختال من الأسماء فأصلها: " بوب " و " مختيلط وكل واحد منهما يتضمن معناه قسمي الوجود معا.
ومثل: قال وكاد أطاع وأذاعوا من الأفعال. فإن الفعل الماضي يدل على على تحقق المعنى فيتضمن مصدره ويستلزم فاعله الضرورة،
стр. 57
وقد يخفى معنى الكلمة عن الإدراك فيحذف الحرف رأسا سواء كان عينا أو لاما، من ثلاثة أحرف كانت الكلمة أو من أكثر مثل (مَكاناً عَلِيا) حذف لأنه ملكوتي علوي بخلاف: (مَكاناً ضَيقاً) ثبت لأنه ملكي سافل.
ومثل: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) هو من جهة إضافته إلى ضمير الرب خفي أصله الملكوتي، ومن جهة اتباعه استوى فيه اتباع قسمي الوجود الملكي والملكوتي، ومن جهة الهداية هما معا باطنان فحذف الحرف رأسا.
ومثل: (أَمِ السَماءَ بَناها) هو خفي الملكوت (رَفَعَ سَمكَها فَسواها) ظاهر الملكوت.
ومثل (فَزادوهُم رَهَقاً) حذف لأنه فعل خفي باطن من فاعل خفي هو الجن. فأخفي ألفه لأجل ذلك.
ومثل: (فَأشارت إليه) هو فعل لا يدري كيفه فإنه إشارة فهموا منها أنها قالت لهم: كلموه. ولذلك قالوا: (كَيفَ نُكَلِمُ مَن كانَ في المَهدِ صَبِياً) .
ومثل: (وَالَّذَينَ اِستَجابوا لِرَبِهِم وَأَقاموا الصَلاة) حذف ألف الفعل لأنه جاء بلفظ الماضي، ومعناه الحصول والتحقق على العموم والإطلاق في كل الأزمان فيندرج تحته جزئيات الأزمان. فهو كلي ملكوتي الإعتبار. فاعلمه. وفيما ذكرته كفاية في التنبيه للطالب النبيه.
стр. 58
باب الواو
اعلم أن الواو في الخط على قسمين: قسم زائد وقسم ناقص.
فصل في الواو الزائد في الخط
وذلك يدل على ظهور معنى الكلمة في الوجود في أعلى طبقة وأعظم رتبة مثل: (سَأُريكُم دارَ الفاسِقين) ، (سَأُوريكُم آياتي) زيدت الواو تنبيها على ظهور ذلك بالفعل للعيان أكمل ما يكون. ويدل على هذا أن الآيتين جاءتا للتهديد والوعيد.
وكذلك أولي أولو، وأولات. زيدت الواو بعد الهمزة لقوة المعنى وعلوه في الوجود على معنى أصحاب فإن في أولي معنى الصحبة زيادة التمليك والولاية عليه.
стр. 59
وكذلك زيدت في " أَولئِكَ) و (أُولائِكُم) لأنه جمع مبهم يظهر منه معنى الكثرة الحاضرة في الوجود. وليس الواو للفرق بينه وبين (إٍليكَ) كما قال قوم لأنه قول منقوض بأولاء. فافهم.
وكذلك الواو التي زيدت لعضد الهمزة كما نبهنا عليه في باب " الهمزة ".
فصل في الواو الناقصة من الخط
وذلك علامة على التخفيف وموازاة العلم كما قد ذكرنا. فإذا اجتمع واوان والضم فتحذف الواو التي لا تكون عمدة في الكلمة وتبقى التي هي عمدة ثابتة، سواء كانت الكلمة فعلا مثل: ((لِيَسئوا وُجُوهَكُم) أو صفة مثل: (المَؤدَة) و (يَؤس) و (الغاوون) .
أو إسما مثل (داوود) إلا أن يقوي كل واحد منهما فيثبتان جميعا مثل: (تَبَؤءَو) فإن الواو الأولى تنوب عن حرفين لأجل الإدغام، فقويت في الكلمة، والواو الثانية ضمير الفاعلين، فثبتا جميعا.
وكذلك سقطت من أربعة أفعال دلالة على " سرعة وقوع " الفعل ويسارته على الفاعل وشدة قبول " المنفعل للتأثر به " في الوجود مثل (سَنَدعُ الزَبانِية) فيه سرعة الفعل وسرعة إجابة الزبانية وقوة البطش. وهو وعيد عظيم ذكر مبدؤه وحذف آخره. ويدل على هذا قوله تعالى: (وَما أَمرُنا إِلا واحِدةٌ كَلَمحِ بالبَصَر) .
стр. 60
وكذلك: (وَيَمحُ اللَهُ الباطِل) حذف منه الواو علامة على سرعة المحو وقبول الباطل له بسرعة. يدل على هذا قوله تعالى (إِنّ الباطل كانَ زَهوقاً) وليس (يَمحُ) معطوفا على (يَختُمُ) الذي قبله لأنه ظهر مع (يَمحُ) اسم الفاعل. وعطف على الفعل ما بعده وهو: (يَحِقُ الحَقَّ) .
وكذلك: (وَيدعُ الإنسانُ بالشَرِ دُعاءَهُ بالخَير) حذف الواو يدل على أنّه " ويسهل " عليه ويسارع فيه كما يعمل في الخير. وإتيان الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير.
وكذلك: (يَومَ يَدعُ) حذف الواو لسرعة الدعاء وسرعة الإجابة.
وهذه الأفعال الأربعة مباد لمعان " وراءها " لم تذكر. فحذف الواو يدل على كل ما ذلك.
стр. 61
باب الياء
اعلم أن الياء في الخط على قسمين: قسم زائد وقسم ناقص كقسمي الواو.
فصل في الياء الزائدة
وذلك علامة اختصاص ملكوتي مثل: (وَالسماءَ بَنيناها بِأَيَيدٍ) كتب بياءين فرقا بين الأيد الذي هي القوة وبين أيدي جمع يد.
ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي فزيدت الياء لاختصاص اللفظة بالمعنى الأظهر
стр. 62
في الإدراك الملكوتي في الوجود.
وكذلك زيدت بعد الهمزة في حرفين: (أَفَائِن ماتَ) ، (أَفَائِن متّ) وذلك لأن موته مقطوع به والشرط لا يكون في المقطوع به ولا ما رتب على الشرط هو جوابه لأن موته لا يلزم منه خلود غيره ولا رجوعه عن الحق.
فتقديره: أهم الخالدون إن متّ.
فاللفظ للإستفهام والربط، والمعنى لللإنكار والنفي. فزيدت الياء لخصةص هذا المعنى الظاهر للفهم الباطن في اللفظ.
وكذلك زيدت بعد الهمزة في آخر الكلمة في حرف واحد في الأنعام: (مِن نَبَإى المُرسَلين) تنبيها على أنها أنباء باعتبار أخبار باعتبار. وهي ملكوتية ظاهرة.
كذلك: (بأَييُكُم المَفتون) كتبت بياءين تخصيصا لهم بالصفة وحصول ذلك وتحققه في الوجود. فإنهم هم المفتونون دونه. فانفصل حرف أي بياءين لصحة هذا الفرق بينه وبينهم قطعا لكنه " باطن " فهو فهو ملكوتي.
стр. 63
وإنما جاء اللفظ بالإبهام على أسلوب المجاملة في الكلام والإمهال لهم ليقع التدبر والتذكار، كما جاء (وَإِنّا أَو إِياكُم لَعَلى هُدىً أَو في ضَلالٍ مُبين) ومعلوم أنّا على هدى وهم في ضلال.
فصل في الياء الناقصة في الخط
وهي ضربان: ضرب محذوف في الخط، ثابت في التلاوة.
وضرب محذوف فيهما.
فالضرب الأول: المحذوف في الخط دون اللفظ.
هو باعتبار ملكوتي باطن. وهذا الضرب قسمان: ما هو ضمير المتكلم، وما هو لام " الكلمة ".
فالقسم الأول: إذا كانت الياء ضمير المتكلم مثل: (فَكَيفَ كانَ عَذابي وَنُذُر) ثبتت الأولى لأنه فعل ملكي، وحذفت الثانية لأنه فعل ملكوتي.
وكذلك: (فَما ءاتني اللَهُ خَيرٌ مِمّا آتاكُم) حذفت الياء في الخط باعتبار ما آتاه الله من العلم والنبوة والخير فهو المؤتى الملكوتي الذي من قبيل الآخرة في ضمنه الجسماني الذي للدنيا
стр. 64
لأن الجسماني فإن والملكوتي ثابت.
وكذلك: (فَلا تَسأَلنَ ما لَيس لَكَ بِهِ عِلم) هذا المسؤول غيب ملكوتي يدلك عليه قوله تعالى: (ما لَيس لَك بِهِ عِلم) فهو على غير حال (فَلا تَسأَلني عَن شَيءٍ حَتى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكراً) لأن هذا سؤال عن حوادث الملك في مقام المشاهدة مثل: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقام الجدار.
وكذلك في البقرة: (أُجيبُ دَعوَةَ الداعِ إِذا دَعان) فحذف الضمير في الخط دلالة على الدعاء الذي من جهة الملكوت بإخلاص الباطن.
وكذلك: (فَقُل أَسلَمتُ وَجهِيَ لِِلهِ وَمَن اِتّبَعَن) هو الإتباع العلمي في دين الله وطريق الآخرة. يدل على ذلك قوله: (أَسلَمتُ وَجهِي لِله) فهو على غير حال: (فاتبِعوني يُحبِبكُمُ اللَهَ) فإن هذا في الأعمال الظاهرة بالجوارح المقصود بها وجه الله وطاعته.
وكذلك: (لِمَن خافَ مَقامي وَخافَ وَعيد) ثبت الياء في المقام لاعتبار المعنى من جهة الملك، وحذفت في الوعيد لاعتباره ملكوتيا. فخاف المقام من جهة ما ظهر للأبصار، وخاف الوعيد من جهة إيمانه بالأخبار.
стр. 65
وكَذلك: (لَئِن أَخَرتَني إِلى يَومِ القيامَة) هو التأخير بالمؤاخذة لا التأخير الحسي، فهو على خير حال: (لَولا أَخَرَتَني إِلى أَجلٍ قَريب) لأن هذا تأخير حسي في الدنيا الظاهرةس.
وكذلك: (وَقُل عَسى أَن يَهدِينِ رَبّي لأَقرَبَ مِن هَذا رَشَداً) سياق الكلام في أمور محسوسة، والهداية فيه ملكوتيةس، وقد هداه الله في قصة الغار وهو في العدد ثاني اثنين حين خرج بدينه عن قومه بأقرب من طريق أهل الكهف حين خرجوا بدينهم عن قومهم وعددهم على ما قص الله علينا فيه. وهذه الهداية على غير حال ما قال موسى ﵇ (عَسى رَبّي أَن يَهدِيَنَي سَواءَ السَبيل) فإنها هداية السبيل المحسوسة إلى مدين في عالم الملك. يدل عليه قول الله تعالى: (وَلَما تَوَجّهَ تِلقاءَ مَديَن) .
وكذلك: (عَلى أَن تُعَلِمَنِ مِمّا عُلِمتَ رُشدا) .
وكذلك: (ألا تَتَبِعَن) هو في طريق الهداية لا في مسير موسى إلى ربه. يدلك عليه: (أَفَعَصيتَ أَمري) .
ولم يأمره بالمسير الحسي إنما أمره بخلفه في قومه ويصلح. فهذا على غير حال قول هارون: (فاتبِعوني وَأَطيعوا أَمري) وهو لا أمر له إلا الحسي.
وكذلك: (فَكيفَ كانَ نَكير) حيث وقع لأن النكير يتعين من جهة الملكوت لا من جهة أثره المحسوس، فإن أثره قد انقضى، وأخبر الله عنه
стр. 66
بالفعل الماضي. والنكير اسم ثابت في الأزمان كلها. ففيه التنبيه على أنه كما أخذ أولئك يأخذ غيرهم.
وكذلك: (إِنّي أَخافُ أَن يُكَذّبون) خاف موسى ﵇ أن يكذبوه فيما جاءهم به من عند الله، وأن يكون سبب ذلك من قبله من جهة إفهامه لهم بالوحي، فإنه ﵇ كان عالي البيان فإنه كليم الرحمان. فبلاغته لا تصل إليها أفهامهم، فيصير إفصاحه العلي عند فهمهم الدني عقدة عليهم في اللسان تحتاج إلى ترجمان يقول لينا ويفصح لهم بينا.
فإن يقع بعد ذلك تكذيب فيكون من عند أنفسهم ليس من قبل موسى فيه شيء. وبذلك تتم حجة الله عليهم.
وكذلك: (إِن كِدتَ لَتُردينَ) هو الإرداء الأخروي الملكوتي.
وكذلك: (أَن تَرجمون) ليس هو الرجم بالحجارة، إنما هو ما يرمونه به من بهتانهم وأباطيلهم التي هو منزه عنها.
وكذلك: (فَحَقَ وَعيد) هو الأخروي الملكوتي و (مَن يَخافُ وَعيد) هو الأخروي الملكوتي.
وكذلك: (فَيَقولُ رَبي أَكرَمَن) ، (رَبي أَهانَن) هذا الإنسان يعتبر منزلته عند الله في الملكوت بما يبتليه به الله في الدنيا. وهذا من الإنسان خطأ، لأن الله يبتلي الصالح والطالح لتمام حجته على خلقة: (لِيُهلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَينَة وَيَحيَ مَن حَيّ عَن بَينة) .
стр. 67
والقسم الثاني من الضرب الأول: إذا كانت الياء لام الكلمة سواء كانت في الإسم أو في الفعل مثل: (أُجيبَ دَعوَةَ الداعِ إِذا دَعان) تنبيها على الداعي المخلص لله الذي قلبه ونهايته في دعائه في الملكوت والدار الآخرة لا في الدنيا.
وكذلك: (الداعِ إلى شَيءٍ نُكُر) هو دعاء ملكوتي من عالم الآخرة.
وكذلك: (يَوم يَأتِ لا تَكَلّمُ نَفسُ) هو إتيان ملكوتي في الآخرة، آخره متصل بما وراءه من الغيب.
وكذلك: المهتد هو الهدي الملكوتي المتصل بما وراءه وفوقه مما بطن عنه.
وكذلك: (وَالباد) حذف لأنه على غير حال الحاضر المشاهد. وقد جعله الله لهما سواء.
وكذلك: (كالجَواب) من حيث التشبيه فإنه ملكوتي إذ هو صفة نفسية لا ظهور لها في الإدراك الملكي.
стр. 68
وكذا (يَومَ التّلاق) و (المُناد) كلاهما ملكوتي أخروي.
وكذلك: (وَاللّيلِ إِذا يَسر) هو السري الملكوتي الذي يستدل عليه بآخره من جهة الإنقضاء وبمسير النجوم.
وكذلك: (الصّخرُ بالواد) يعتبر من جهة ملكوتية وهو اتصاله بما ذكر من جوب الصخر وبناء المباني وعمارته بهم لا من جهة كونه محسوسا ملكيا، فهو مثل (ذاتِ العِماد) في الاعتبار.
وكذلك (وَمِن آَياتِهِ الجَوارِ في البَحرِ كالأعلام) تعتبر من جهة هي آية يدل ملكها على ملكوتها. فآخرها في الإعتبار يتصل بالملكوت. ويدل عليه قوله تعالى: (إِن يَشَأ يُسكِن الريحَ فَيَظلَلنَ رَواكِدَ عَلى ظَهرِهِ) .
وكذلك حذفت ياء الفعل من يحيى إذا انفرد وثبت في الضمير مثل: (مَن يُحيي العِظامَ وَهيَ رَميم قُل يُحيِيها) لأن حياة البواطن أظهر في العلم من حياة الظاهر وأقوى في الإدراك.
والضرب الثاني الذي تسقط فيه الياء في الخط والتلاوة فهو باعتبار غيبه عن باب الإدراك جملة واتصاله بالإسلام لله في مقام الإحسان.
стр. 69
وهذا الضرب قسمان أيضا: منه ضمير المتكلم ومنه لام الفعل.
فالقسم الأول: إن كانت الياء ضمير المتكلم، فإنها: إن كانت للعبد فهو الغائب، وإن كانت للرب فالغيبة للمذكور معها فإن العبد هو الغائب عن الإدراك في ذلك كله فهو في هذا المقام مسلم مؤمن بالغيب مكتف بالدلائل والآثار فيقتصر في الخط لأجل ذلك على نون الوقاية والكسرة وفيه من جهة الخطاب به الحوالة على الإستدلال بالآيات دون تعرض لصفات الذات. ولما كان الغرض من آي القرآن جهة الإستدلال والإعتبار بالآثار وضرب الأمثال دون التعرض لصفة الذات كما قال تعالى: (وَيُحَذِرُكُمُ اللَهَ نَفسَه) وقال الله تعالى: (فَلا تَضرِبوا لِلهِ الأَمثال إِن اللَهَ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمون) كان الحذف في خواتم الآي كثيرا مثل: (فاتَقون) ، (فارهَبون) (وَما خَلَقتُ الجِنّ والإِنسَ إِلا لِيَعبُدونَ ما أُريدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَما أُريدُ أَن يُطعِمونَ) وهذا كثير جدا. وكذلك ضمير العبد مثل: (إِن يُردنِ الرَحمنُ) العبد غائب عن علم إرادة الرحمن، إنما علمه بها تسليما وإيمانا برهانيا عن الدلائل والآثار من مقتضى اسمه العزيز الغفار.
وكذلك قوله تعالى في العقود: (فَلا تَخشوا الناسَ واخشون) .
стр. 70
" الناس " كل لا يدل على ناس بأعيانهم ولا موصوفين بصفة فهم كل ولا يعلم الكل من حيث هو كل بل من حيث أثر البعض في الإدراك. ولا يعلم الكلي إلا من حيث أثر الجزئي في الإدراك.
والخشية هنا كلية لشيء غير معلوم الحقيقة. فوجب أن يكون الله أحق بذلك فإنه حق وإن لم نحط به علما كما أمر سبحانه بذلك ولا يخشى غيره لأنه توهم كاذب. فهذا الحرف على غير حال ما في البقرة. قال تعالى فيها: (فَلا تَخشَوهُم وَاخشون) ضمير الجمع يعود على الذين ظلموا من الناس فهو بعض لا كل ظهروا في الملك بالظلم. فالخشية هنا جزئية. فأمر الله سبحانه أن يخشى من جهة ما ظهر كما يجب ذلك جهة ما ستر فإنه سبحانه عزيز ذو انتقام.
وكذلك حذفت الياء من: (فَبِشِر عِبادِ الَّذين يَستَمِعون) و (قُل يا عِباد الَّذَينَ آمَنوا) هذا خطاب لرسوله ﵇ على الخصوص. فقد
стр. 71
توجه الخطاب إليه في فهمنا وغاب العباد كلهم عن علم ذلك. فهم غائبون عن شهود هذا الخطاب لا يعلمونه إلا بواسطة الرسول ﷺ فهو على غير حال ما في قوله تعالى: (يا عِبادِ لا خَوفُ عَلَيكُمُ اليَومَ وَلا أَنتُم تَحزَنون) وهذا خطاب لهم في يوم الآخرة يفهم منه أنهم غير محجوبين عنه.
جعلنا الله منهم إنه منعم كريمس.
وثبت حرف النداء، فإنه أفهمهم نداءه الأخروي في موطن الدنيا في يوم ظهورهم بعد عدمهم وفي محل أعمالهم إلى حضورهم يوم ظهورهم الأخروي بعد موتهم في محل جزائهم.
وكذلك: (يا عبادي الَّذيَنَ أَسرَفوا) ثبت الضمير وحرف النداء في الخط فإنه دعاهم من مقام إسلامهم وحضرة أعمالهم إلى مقام إحسانهم وحضرة آمالهم.
وكذلك (يا عبادىَ الَّذَينَ آَمَنوا) في العنكبوت ثبت الضمير وحرف النداء. فإنه دعاهم من حضرتهم في مقام إيمانهم إلى حضرتهم في مقام إحسانهم إلى ما لا يعلم من الزيادة بعد الحسنى.
وكذلك سقطت في الدعاء مثل: (رَبِ اِغفِر
стр. 72
لي) وذلك أن من مقتضى هذا الإسم العزيز بدأ التكوسي وبه قوامه. فهو أول اسم لنا أثره في الوجودن. فحذفت الياء علامة لعدم الإحاطة به عند التوجه إليه " لغيبنا " نحن عن الإدراك. وحذف حرف النداء لأنه أقرب إلينا من أنفسنا قال تعالى: (وَإِذا سَأَلَكَ عِباديَ عَنّي فَإِنّي قَريبٌ أُجيبُ دَعوَةَ الدَاعِ إِذا دَعانِ) .
وكذلك (وَقيلهِ يا رَبّ إِنّ هَؤلاءِ) أثبت حرف النداء لأنه دعا ربه من رتبة حضوره معهم في مقام الملك لقوله: (إِنّ هَؤلاءِ) وأسقط حرف ضميره لغيبه عن ذاته في توجهه في مقام الملكوت ورتبة إحسانه في إسلامه.
وكذلك في مثل: (ياقَوم) دلالة على أنه خارج عنهم في خطابه كما هو ظاهر في الإدراك وإن كان متصلا بهم في النسبة الرابطة بينهم في الوجود المعلومة من الدلائل والآثار.
والقسم الثاني: إذا كانت الياء لام الكلمة في الفعل وفي الإسم فإنها تسقط حيث يكون معنى الكلمة من مبدئه الظاهر شيئا بعد شيء إلى ملكوته الباطن إلى ما لا يدرك منه إلا إيمانا وتسليما فيكون حذف الياء منبها على ذلك وأنه لم يكمل اعتباره في الظاهر من ذلك الخطاب بحسب
стр. 73
غرض الخطاب مثل: (وَسَوفَ يُؤتِ اللَهُ المُؤمِنينَ أَجراً عَظيماً) هو: (ما تَشتَهيهِ الأنفس وَتَلَذُ الأَعيُن) وقد اِبتدأ ذلك لهم في الدنيا متصلا بالآخرة، كذلك إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وكذلك: (وَإِنّ اللَهَ لَهادِ الَّذَينَ آَمَنوا) حذفت لأنه يهديهم بما نصب في الدنيا من الدلائل والعبر إلى الصراط المستقيم برفع درجاتهم في هدايته إلى حيث لا إلى غاية. قال تعالى: (وَلَدَينا مَزيد) .
وكذلك: (وَماأَنتَ بِهادِ عَن ضلالَتِهِم) في الروم. هذه الهداية هي الكلية على التفصيل والتوالي التي ترقي العبد في هدايته من الآثار إلى ما لا يدركه العيان ليس ذلك للرسول ﵇ بالنسبة إلى العيان ويدل على ذلك قوله تعالى قبلها: (فانظُر إِلى آَثارِ رَحمَةِ اللَهِ كَيفَ يَحيي الأَرضَ بَعدَ مَوتِها) الآية. فهذا النظر من عالم الملك ذاهبا في النظر إلى عالم الملكوت إلى ما يدرك إيمانا وتسليما من يقين البرهان.
فهذا الحرف على غير حال الحرف الذي في النمل
стр. 74
قال فيه: (وَما أَنتَ بِهادِى العُمي عَن ضَلالَتِهِم) يثبت الياء وهي مثل تلك الآية في التلاوة.
ومعنى هذه الهداية هي الكلية العامة على التفصيل والإجمال وحصول الكمال. يدلك على ذلك قوله تعالى: (فَتَوَكَل عَلى اللَهِ إِنّكَ عَلى الحَقِ المُبين) .
وكذلك: (بِالوادِ المُقَدَس) و (الوادِ الأَيمَن) مبدأ التقديس واليمن الذي وصفا به اتصل التقديس واليمن منهما إلى الحال بهما ذاهبا إلى ما لا يحيط بعلمه إلا الله.
وكذلك: (وادِ النَمل) هو موضع لإبتداءِ سَماعِ الخِطاب مِن أَخفَضَ الخَلق وهو النملة إلى أَعلاهُم وَهُوَ الهدهد والطير. ومن ظاهر الإنس وباطن الجن إلى قول العفريت، إلى قول الذي عنده علم من الكتاب، إلى ما وراء ذلك من هداية " الكتاب " إلى مقام الإسلام لله رب العالمين.
стр. 75
وكذلك: (وَلَهُ الجَوارِ المُنشَآتِ في البَحرِ كالأعلام) سقطت الياء تنبيها على أنها لله من حين إنشائها بعد أن لم تكن إلى ما وراء ذلك مما لا نهاية له من صفاتها وأحوالها. جميع ذلك كله له لا لغيره. له الخلق والأمر.
وكذلك: (الجَوارِ الكُنّس) حذفت الياء تنبيها على أنها تجري من محل اتصافها منها بالحناس إلى محل اتصافها بالكناس. وذلك يفهمنا منها أنها اتصفت بالخناس عن حركة تقدمت. فالوصف بالجواري الظاهر يفهم منه وصف بالجواري في الباطن. وهذا الظاهر مبدأ نفهمه. فالنجوم الجارية داخل تحت معنى الكلمة. وكذلك كل جار. وينبه ذلك على أن خروجنا للدنيا خناس عن الآخرة وأن رجوعنا إليها جرى وأن إقامتنا بها كناس، فافهم. فكذلك يوم الدنيا خنس من يوم الآخرة وهو يجري إليه ويكنس فيه بعد ذلك.
ويوم الآخرة هو جامع الأيام وميقات الأكوان الظاهرة مع الأزمان. ولأجل هذه المعاني في هذه الكلمة حذفت لاماتها وصلت بما أضيفت إليه أو وصفت به في اللفظ وإن كان منفصلا في العلم وفي الخط. فإن الإنفصال يؤل إلى الإتصال. وكل مفترق يعود إلى إجتماع، وذلك من آية الحشر والنشر.
следующие страницы →