Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
توجه الخطاب إليه في فهمنا وغاب العباد كلهم عن علم ذلك. فهم غائبون عن شهود هذا الخطاب لا يعلمونه إلا بواسطة الرسول ﷺ فهو على غير حال ما في قوله تعالى: (يا عِبادِ لا خَوفُ عَلَيكُمُ اليَومَ وَلا أَنتُم تَحزَنون) وهذا خطاب لهم في يوم الآخرة يفهم منه أنهم غير محجوبين عنه.
جعلنا الله منهم إنه منعم كريمس.
وثبت حرف النداء، فإنه أفهمهم نداءه الأخروي في موطن الدنيا في يوم ظهورهم بعد عدمهم وفي محل أعمالهم إلى حضورهم يوم ظهورهم الأخروي بعد موتهم في محل جزائهم.
وكذلك: (يا عبادي الَّذيَنَ أَسرَفوا) ثبت الضمير وحرف النداء في الخط فإنه دعاهم من مقام إسلامهم وحضرة أعمالهم إلى مقام إحسانهم وحضرة آمالهم.
وكذلك (يا عبادىَ الَّذَينَ آَمَنوا) في العنكبوت ثبت الضمير وحرف النداء. فإنه دعاهم من حضرتهم في مقام إيمانهم إلى حضرتهم في مقام إحسانهم إلى ما لا يعلم من الزيادة بعد الحسنى.
وكذلك سقطت في الدعاء مثل: (رَبِ اِغفِر
стр. 72
لي) وذلك أن من مقتضى هذا الإسم العزيز بدأ التكوسي وبه قوامه. فهو أول اسم لنا أثره في الوجودن. فحذفت الياء علامة لعدم الإحاطة به عند التوجه إليه " لغيبنا " نحن عن الإدراك. وحذف حرف النداء لأنه أقرب إلينا من أنفسنا قال تعالى: (وَإِذا سَأَلَكَ عِباديَ عَنّي فَإِنّي قَريبٌ أُجيبُ دَعوَةَ الدَاعِ إِذا دَعانِ) .
وكذلك (وَقيلهِ يا رَبّ إِنّ هَؤلاءِ) أثبت حرف النداء لأنه دعا ربه من رتبة حضوره معهم في مقام الملك لقوله: (إِنّ هَؤلاءِ) وأسقط حرف ضميره لغيبه عن ذاته في توجهه في مقام الملكوت ورتبة إحسانه في إسلامه.
وكذلك في مثل: (ياقَوم) دلالة على أنه خارج عنهم في خطابه كما هو ظاهر في الإدراك وإن كان متصلا بهم في النسبة الرابطة بينهم في الوجود المعلومة من الدلائل والآثار.
والقسم الثاني: إذا كانت الياء لام الكلمة في الفعل وفي الإسم فإنها تسقط حيث يكون معنى الكلمة من مبدئه الظاهر شيئا بعد شيء إلى ملكوته الباطن إلى ما لا يدرك منه إلا إيمانا وتسليما فيكون حذف الياء منبها على ذلك وأنه لم يكمل اعتباره في الظاهر من ذلك الخطاب بحسب
стр. 73
غرض الخطاب مثل: (وَسَوفَ يُؤتِ اللَهُ المُؤمِنينَ أَجراً عَظيماً) هو: (ما تَشتَهيهِ الأنفس وَتَلَذُ الأَعيُن) وقد اِبتدأ ذلك لهم في الدنيا متصلا بالآخرة، كذلك إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وكذلك: (وَإِنّ اللَهَ لَهادِ الَّذَينَ آَمَنوا) حذفت لأنه يهديهم بما نصب في الدنيا من الدلائل والعبر إلى الصراط المستقيم برفع درجاتهم في هدايته إلى حيث لا إلى غاية. قال تعالى: (وَلَدَينا مَزيد) .
وكذلك: (وَماأَنتَ بِهادِ عَن ضلالَتِهِم) في الروم. هذه الهداية هي الكلية على التفصيل والتوالي التي ترقي العبد في هدايته من الآثار إلى ما لا يدركه العيان ليس ذلك للرسول ﵇ بالنسبة إلى العيان ويدل على ذلك قوله تعالى قبلها: (فانظُر إِلى آَثارِ رَحمَةِ اللَهِ كَيفَ يَحيي الأَرضَ بَعدَ مَوتِها) الآية. فهذا النظر من عالم الملك ذاهبا في النظر إلى عالم الملكوت إلى ما يدرك إيمانا وتسليما من يقين البرهان.
فهذا الحرف على غير حال الحرف الذي في النمل
стр. 74
قال فيه: (وَما أَنتَ بِهادِى العُمي عَن ضَلالَتِهِم) يثبت الياء وهي مثل تلك الآية في التلاوة.
ومعنى هذه الهداية هي الكلية العامة على التفصيل والإجمال وحصول الكمال. يدلك على ذلك قوله تعالى: (فَتَوَكَل عَلى اللَهِ إِنّكَ عَلى الحَقِ المُبين) .
وكذلك: (بِالوادِ المُقَدَس) و (الوادِ الأَيمَن) مبدأ التقديس واليمن الذي وصفا به اتصل التقديس واليمن منهما إلى الحال بهما ذاهبا إلى ما لا يحيط بعلمه إلا الله.
وكذلك: (وادِ النَمل) هو موضع لإبتداءِ سَماعِ الخِطاب مِن أَخفَضَ الخَلق وهو النملة إلى أَعلاهُم وَهُوَ الهدهد والطير. ومن ظاهر الإنس وباطن الجن إلى قول العفريت، إلى قول الذي عنده علم من الكتاب، إلى ما وراء ذلك من هداية " الكتاب " إلى مقام الإسلام لله رب العالمين.
стр. 75
وكذلك: (وَلَهُ الجَوارِ المُنشَآتِ في البَحرِ كالأعلام) سقطت الياء تنبيها على أنها لله من حين إنشائها بعد أن لم تكن إلى ما وراء ذلك مما لا نهاية له من صفاتها وأحوالها. جميع ذلك كله له لا لغيره. له الخلق والأمر.
وكذلك: (الجَوارِ الكُنّس) حذفت الياء تنبيها على أنها تجري من محل اتصافها منها بالحناس إلى محل اتصافها بالكناس. وذلك يفهمنا منها أنها اتصفت بالخناس عن حركة تقدمت. فالوصف بالجواري الظاهر يفهم منه وصف بالجواري في الباطن. وهذا الظاهر مبدأ نفهمه. فالنجوم الجارية داخل تحت معنى الكلمة. وكذلك كل جار. وينبه ذلك على أن خروجنا للدنيا خناس عن الآخرة وأن رجوعنا إليها جرى وأن إقامتنا بها كناس، فافهم. فكذلك يوم الدنيا خنس من يوم الآخرة وهو يجري إليه ويكنس فيه بعد ذلك.
ويوم الآخرة هو جامع الأيام وميقات الأكوان الظاهرة مع الأزمان. ولأجل هذه المعاني في هذه الكلمة حذفت لاماتها وصلت بما أضيفت إليه أو وصفت به في اللفظ وإن كان منفصلا في العلم وفي الخط. فإن الإنفصال يؤل إلى الإتصال. وكل مفترق يعود إلى إجتماع، وذلك من آية الحشر والنشر.
стр. 76
فصل
ويلتحق بهذا القسم من جهة المعنى حرف النون الذي هو لام فعل يكون فإنه يحذف في بعض الكلمة تنبيها على صغر مبدأ الشيء وحقارته، وأن منه ينشأ ويزيد إلى ما لا يحيط بعلمه " إلا الله " مثل: (أَلَم يَكُ نُطفَة) حذفت النون تنبيها على مهانة مبدأ الإنسان وصغر قدره " بحسب ما يدرك " هو من نفسه ثم يترقى في أطوار التكوين (فَإِذا هُو خَصيمٌ مُبين) فهو حين كانَ نطفة كان ناقص الكون.
كذلك كل " رتبة " ينتهي إليها كونه هي ناقصة الكون بالنسبة إلى ما بعدها.
فالوجود " الدنيوي " كله ناقص الكون عن كون الآخرة، كما قال تعالى: (وَإِنّ الدارَ الآَخِرَةَ لَهِيَ الحَيوانُ لَو كانوا يَعلَمون) .
وكذلك: (وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفها) حذفت النون تنبيها
стр. 77
على أنها وإن كانت صغيرة المقدار حقيرة في الإعتبار فإن الله يربيها ويضاعفها إلى ما لا يعمله سواه.
وكذلك: (إِن تَكُ مِثقالَ حَبَةٍ مِن خَردَل) حذف النون لأن هذا المثقال " أصغر مقدارا " وأحقره في الإعتبار منه الإبتداء إلى القنطار. فإذا كان ذلك الذي لا خطر له عندنا يأتي به الله، فما ظنك بأكبر من ذلك، هو أولى أن يأتي به الله.
وكذلك: (أَوَ لَم تَكُ تَأتيكُم رُسُلُكُم بالبَينات) جاءتهم الرسل من أقرب شيء في البيان الذي هو أقل مبدأ فيه وأصغره وأضعفه وأحقره وهو الحسن إلى العقل إلى الذكر. ورقوهم من أخفض رتبة وأحقرها وهي الجهل إلى أرفع درجة في العلم والإدراك وهي اليقين.
وهذا على غير حال الحرف الذي في قوله تعالى: (أَلَم تَكُن آَياتي تُتلى عَلَيكُم) فإن كون تلاوة الآيات قد كمل كونه وتم.
كذلك: (ألم تكن أرض الله واسعة) هذا قد تم كونه.
كذلك (لَم يَكُنِ الَّذَينَ كَفَروا مِن أَهلِ الكِتاب) الآية.
هذا قد تم كونهم غير منفكين إلى تلك الغاية التي جعل الله لهم، وهي مجيء البينة.
وكذلك: (فَلَم يَكُ يَنفُعُهُم إِيمانُهم لَمّا رَأَوا بَأسَنا) . انتفى عن إيمانهم مبدأ الإنتفاع وأقله فانتفى لأجل ذلك كله.
стр. 78
فحذف اللامات في هذه الكلمة دليل على هذه البدايات وعدم النهايات. وظهر من ذلك أن هذه الحروف يختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها في العلم لا في اللفظ. وفيها التنبيه على العوالم ومراتب الوجود والمقامات.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 79
باب مد التاءات وقبضها
وهذا جاء في الإسم المفرد المضاف الذي فيه علامة التأنيث.
وذلك أن هذه الأسماء لما كانت يلازمها الفعل صارت تعتبر اعتبارين: أحدهما من حيث هي أسماء وصفات. فهذا تقبض فيه التاء.
والثاني من حيث يكون مقتضاها فعلا وأثرا ظاهرا في الوجود. فهذا تمد فيه التاء كما تمد في: قالت: وحقت. و " جهة " الفعل والأثر ملكية ظاهرة، وجهة الإسم والصفة ملكوتية باطنة.
فمن ذلك: (الرَحمَة) مدت في سبعة مواضع للعلة التي ذكرت. يدل عليه ما جاء في أحدها: (إنّ رَحمَتَ اللَهِ قَريبٌ مِنَ المُحسِنينَ) .
فوصفها على التذكير فهو الفعل. وكذلك: (فانظُر إِلى آثارِ رَحمَتِ
стр. 80
الله. والأثر هو بالفعل ضرورة.
ومن ذلك: (النعمة) مدت في أحد عشر موضعا. أحدها في سورة إبراهيم: (وَإِن تَعُدوا نِعمَتَ اللَهِ لا تُحصوها) الآية. فهذه بمعنى الحاصلة بالفعل في الوجود. يدلك عليه قوله تعالى: (إِنّ الإِنسانَ لَظَلومٌ كَفّار) فهذه نعمة متصلة بالظلوم " الكفار " في تنزلها وقال تعالى في سورة النحل: (وَإِن تَعُدوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصوها) وهذه قبضت تاؤها لأنها بمعنى الإسم. يدلك عليه قوله تعالى: (إِنّ اللَهَ لَغَفورٌ رَحيم) فهذه نعمة وصلت من الرب الغفور فهي ملكوتية ختمها باسمه وختم الأولى باسم الإنسان.
ومن ذلك: (الكلمة) قد مدت في موضعين.
أحدهما في الأعراف: (وَتَمَت كَلِمةُ رَبِكَ الحُسنى عَلى بَنَيهِ إِسرائيل) هو ما تم لهم في الوجود بالفعل الذي أظهره لهم في ملكه.
стр. 81
وفي هود: (وَتَمَت كَلِمَةُ رَبّكَ لأَملأَنّ جَهَنّمَ مِنَ الجِنّةِ وَالناسِ أَجمَعين) ، " هو ما تم " لهم في الوجود الأخروي بالفعل الذي ظهر دليله في الملك، وهو الاختلاف وتمامها. وهو أن لها نهاية تظهر في الوجود بالفعل فمدت التاء.
ومن ذلك: (السنة) مدت في خمسة مواضع حيث تكون بمعنى الإهلاك والانتقام الذي ظهر في الوجود.
أحدها في الأنفال: (فَقَد مَضَت سُنّتُ الأَولين) يدل على أنها للإنتقام قوله تعالى قبلهاك (إِن يَنتَهَوا يُغفَر لَهُم ما قَد سَلَف) الآية. وبعدها: (وَقاتِلوهُم حَتى لا تَكونَ فِتنَة) .
وفي فاطر: (فَهَل يَنظُرونَ إِلاّ سُنَتَ الأَولين فَلَن تَجِدَ لِسُنّتَ اللَهِ تَبديلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللَهِ تَحويلاً) يدلك على أنها كلها بمعنى الإنتقام قوله تعالى قبلها: (وَلا يَحيقُ المَكرُ السَيءُ إِلاّ بِأهلِهِ) وسياق ما بعدها.
وفي المؤمن (فَلَم يَكُ يَنفَعُهُم لِما رَأَوا بَأسَنا سُنّتَ اللَهِ التَي قَد خَلَت في عِبادِهِ) .
стр. 82
فإذا كانت السنة بمعنى الشريعة والطريقة المتبعة فهي ملكوتية بمعنى الإسم تقبض تاؤها كما في الأحزاب: (سُنّةَ اللَهِ في الَّذَينَ خَلَوا مِن قَبل) فهذه بمعنى حكم الله و " شرعه " فيهم.
وكذلك: (سُنَةَ مَن قَد أَرسَلنا قَبلَكَ مِن رُسُلِنا) فهذه بمعنى الشريعة والطريقة المتبعة.
ومن ذلك (بَقيّتُ اللَهِ) فرد مدت تاؤه لأنه بمعنى ما يبقى في أموالهم من الربح المحسوس. لأن الخطاب إنما هو فيها من جهة الملك.
ومن ذلك (فِطرَتُ اللَهِ) فرد وصفها الله بأنها فطر الناس عليها فهي فعل حصل في الوجود كما جاء: كل مولود يولد على الفطرة.. الحديث.
ومن ذلك: (قُرّت عَينٍ لي وَلَك) فرد مدت تاؤه لأنه بمعنى الفعل. إذ هو خبر عن موسى وهو موجود حاضر في الملك. وذلك
стр. 83
على غير حال: (قُرَةُ أَعيُن) فإن هذا الحرف هو بمعنى الإسم وهو ملكوتي إذ هو غير حاضر.
ومن ذلك ((مَعصِيتُ الرسول) مدت في موضعين في سورة المجادلة لأن معناها الفعل إذ تقديرها: لا تتناجوا بأن تعصوا الرسول ونفس هذا النجوى الواقع منهم في الوجود هو فعل معصية لوقوع النهي عنه.
ومن ذلك: " اللعنى " مدت في موضعين: في آية المباهلة وفي آية اللعان، وكونهما بمعنى الفعل ظاهر.
ومن ذلك: (الشَجَرَة) مدت في موضع واحد: (إِنّ شَجَرَت الزَقومِ طَعامُ الأَثيم) فهذه بمعنى الفعل اللازم لها وهو تزقمها بالأكل ويدلك عليه قوله تعالى: (في البُطون) فهذه صفة فعل كما قال تعالى في الواقعة: (ثُمّ إِنّكُم أَيُها الضالُون المُكَذّبون لأَكِلون مِن شَجَرٍ مِن زَقوم) . فهذا الحرف على غير حال الذي في قوله تعالى: (أَذلِكَ خَيرٌ أَم شَجَرَةُ الزَقوم) فإِنّ هذه وصفها بأنها فتنة للظالمين، وأنها شجرة تخرج في أصل الجحيم فهي جلية
стр. 84
للإسم. فلذلك قبضت تاؤها.
ومن ذلك: (الجَنّة) مدت تاؤها في موضع واحد في الواقعة: (وَجَنّاتِ نَعيم) يدل على أنها بمعنى فعل التنعم بالنعيم اقترانها بالروح والريحان. وتأخرت عنهما وهما من الجنة. فهذه جنة خاصة بالمنعم بها.
وأما: (مِن وَرَثَةِ جَنّةِ النّعيم) و (أَن يَدخُل جَنَةَ نَعيم) فإن هذا بمعنى الإسم الكلي.
ولم تمد (تَصلِيةَ جَحيم) لأنها اسم ما يفعل بالمكذب في الآخرة " أخبرنا الله بذلك. فالمؤمن يعمله تصديقا به " ولا يجده بالفعل أبدا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال تعالى: (وَنادى أَصحابُ الجَنَةِ أَصحابِ النارِ أَن قَد وَجَدنا ما وَعَدَنا رَبُنا حَقاً فَهَل وَجَدتُم ما وَعَد رَبّكُم حَقّا قالوا نَعَم) فكلمة العذاب إنما حقت على الكافرين هم الذين يجدون ذلك بالفعل. وما المؤمن فلا يجد منها إلا الإسم دون الفعل.
стр. 85
والخطاب إنما هو " للمؤمن " فلذلك كانت (تَصليَةَ جَحيم) بمعنى الإسم في حق المؤمن. وإن كانت بمعنى الفعل في حق الكافر " فهي " على خلاف " جنة " نعيم فإنما يجده المؤمن بالفعل.
وكذلك " جميع " ما لم تمدن تاؤه فهو بمعنى الإسم مثل: (زَهرَة الحَياة الدُنيا) و (صَبغَةَ اللَهِ) و (زَلزَلَةَ الساعَة) و (تَحِلَةَ أَيمانَكُم) و (رَحلَةَ الشِتاءِ وَالصَيف) و (حَمّالةَ الحَطَب) .
ومن ذلك: (اِبنَت عِمران) مدت " التاء " تنبيها على معنى الولادة والحدوث من النطفة المهينة.
ولم يضف في القرآن ولد إلى " والد " ووصف به اسم الولد الاّ عيسى وأمه ﵉ " لما اعتقد " النصارى فيهما أنهما " إلهان "
стр. 86
فنبه سبحانه بإضافتهما للولادة على جهة حدوثهما بعد عدمهما حتى أخبر الله تعالى في موطن بصفة الإضافة دون الموصوف. قال تعالى: (وَجَعَلنا اِبنَ مَريمَ وَأُمّهُ آَيَة) لما غلو في إلاهيته أكثر من أمه.
كما نبه الله تعالى على حاجتهما وتغير أحوالهما في الوجود يلحقهما ما لحق البشر. قال تعالى (كانا يَأكلانِ الطَعام) .
ومن ذلك: (يا أبتِ) مدت تاؤه لأنه اسم النسبة المأخوذة من فعل الأبوين وهو فعل التربية والتغذية وهي جهة فعل وأثر ظاهر.
ومن ذلك: (اِمرَأَة) هي في القرآن في سبعة مواضع وهن: خمس من النساء: (اِمرأَتُ عِمران) و (اِمرَأَت العَزيز) و (اِمرَأتُ
стр. 87
فِرعَون) و (اِمرَأَةُ نوح) و (أاِمرَأتُ لوط) .
كلها ممدودة التاء حيث وقعت تنبيها على فعل التبعل والمحبة وشدة المواصلة والمخالطة والإئتلاف في الوجود المحسوس.
وأربع منهن منفصلات في بواطن أمرهن عن بعولتهن بأعمالهن.
وواحدة خاصة هي التي واصلت بعلها ظاهرا وباطنا وهي: امرأت عمران فجعل الله لها بذلك ذرية وأكرمها بذلك وفضلها على نساء العالمين كما قص علينا في كتابه.
وواحد من الأرعبة انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله وتوكلا عليه وخوفا منه فنجاها وأكرمها وهي: امرأة فرعون.
واثنان منهن انفصلتا بباطنهما عن أزواجهما كفرا بالله
стр. 88
فأهلكهما الله ودمرهما ولم ينتفعا بالوصلة الظاهرة مع أنها أقر وصلة بأفضل أحباب الله كما لم يضر فرعون وصلها الظاهر بأخبث عبيد الله.
وواحدة انفصلت عن بعلها بالباطن اتباعا للهوى وشهوة نفسها فلم تبلغ من ذلك مرادها مع تمكنها من الدنيا واستيلائها عما مالت إليه بحدبها وهو في بيتها وقبضتها فلم يغن ذلك عنها شيئا.
وقوتها بها وعزتها إنما أتت لها من بعلها العزيز. ولم ينفعها ذلك في الوصول إلى إرادتها مع عظيم كيدها. كما لم يضر يوسف ﵇ ما امتحن به منها ونجاه الله من السجن ومكن له في الأرض، وجعل من شأنه ما قص علينا، وذلك بطاعته لربه. فلا سعادة إلا بطاعة الله ولا شقاوة إلا بمعصية الله واعتماد النفوس على الحيل جهالة والعمل بها بطالة.
فهذه كلها عبر واقعة بالفعل في الوجود من شأن كل اِمرأة منهن. فلذلك مدت تاءاتهن. فافهم والله أعلم.
стр. 89
باب الوصل والحجز
اعلم أن الموصول في الوجود توصل كلمته في الخط كما توصل حروف الكلمة الواحدة والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط كما تفصل كلمة عن كلمة.
فمن ذلك: (إِنّما) بكسر الهمزة. كله موصول إلا حرف واحد. (إنّ ما توعَدونَ لآت) فصل حرف التوكيد لأن حرف " ما " يقع على مفصل فمنه خير موعود به لأهل الخير، ومنه شر موعود به لأهل الشر فمعنى " ما " مفصول في الوجود والعلم.
ومن ذلك (إِنّما) بفتح الهمزة كلها موصول إلا حرفان.
стр. 90
(وَأَنّ ما يَدعونَ مِن دونِهِ هُوَ الباطِل) ، (وَأَنّ ما يَدعونَ مِن دونِهِ الباطِل) وقع الفصل عن حرف التوكيد إذ ليس لدعوى غير الله فعل في الوجود إنما وصلها في العدم والنفي.
ويدلك عليه قوله تعالى عن المؤمن: (لا جَرمَ أَنّما تدعونَنَي إِليهِ لَيسَ لَهُ دَعووَةٌ في الدُنيا وَلا في الآَخِرَة) .
فوصل أنما في النفي وفصل في الإثبات لانفصاله عن دعوة الحق.
ومن ذلك (كُلَما) كله موصول إلا ثلاثة أحرف: أحدها في النساء (كُلُ ما رُدوا إِلى الفِتنَةِ اُركسوا فيها) .
فما ردوا إليه ليس شيئا واحدا في الوجود بل أنواع مختلفة في الوجود وصفة ردهم ليست واحدة بل متنوعة فانفصل ما لأنه لعموم شيء مفصل في الوجود.
وفي سورة إبراهيم: (وآتاكُم مِن كُلِ ما سَأَلتُمُوه) فحرف ما وقع على أنواع مفصلة في الوجود.
стр. 91
وفي قد أفلح: (كُلّ ما جاءَ أُمَةٌ رَسُولُها كَذّبوه) .
والأمم مختلفة في الوجود فحرف " ما " وقع على تفاصيل موجودة ففصل: وهذا على خلاف حال الحرف الذي قال فيه تعالى: (كُلّما جاءَهُم رَسولٌ بِما لا تَهوى أَنفُسُهُم فَريقاً كَذبوا وَفَريقاً يَقتلون) فإن هؤلاء هم بنو إسرائيل أمة واحدة. يدلك عليه قوله تعالى: (فَلِمَ تَقتُلونَ أَنبِياءَ اللَهِ مِن قَبلُ إِن كُنتُم مُؤمِنين) والحاضرون على عهد رسول الله ﷺ لم يباشروا قتل الأنبياء من قبل إنما باشره آباؤهم، لكن مذهبهم في ذلك واحد ورأيهم فيه سواء. فحرف " ما " إنما شمل تفاصيل الزمان. وهو تفصيل لا مفصل له في الوجود إلا بالعرض والتوهم، لا بالحس. فوصلت كل لإتصال الأزمنة في الوجود وتلازم أفرادها المتوهمة.
وكذلك: (كُلَما رُزِِقوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزقاً قالوا) هذا موصول لأن حرف " ما " جاء لتعميم الأزمنة. ولا تفصيل فيها في الوجود. وما رزقوا هو غير مختلف لقوله تعالى: (وَأَتَوا بِهِ مُتَشابِهاً)
стр. 92
ومن ذلك: (أَينَما) موصول حيث تكون " ما " غير مختلفة الأقسام في الفعل الذي بعدها مثل: (أَينَما يُوجّهِه) (فَأَينَما تُولَوا) . (أَينَما ثُقِفوا أُخِذوا) ، (أَينَما تَكونوا يُدرككمُ المَوت) .
فهذه كلها لم تخرج عن الأين الملكي، وهو متصل حسا ولم يختلف فيه الفعل الذي مع " ما ".
ويفصل " أين " حيث تكون " ما " مختلفىة الأقسام في الوصف الذي بعدها مثل: (أَينَ ما كُنتُم تَعبُدونَ) (وَهُوَ مَعَكُم أَينَ ما كُنتُم) ، (أَينَ ما ثُقِفوا إلا بِحَبلٍ مِنَ اللَهِ وَحَبلٍ مَنَ الناس) .
فهذه وأمثالها أينات بعضها ملكي، وبعضها ملكوتي، وبعضها غير معلوم فهو مفصول في الوجود.
ومن ذلك: (بِئسَما) موصول ثلاثة أحرف: اثنان في البقرة: (بِئسَما اِشتَروا بِهِ أَنفُسَهُم) ، (بِئسَما يَأمُرُكُم بِهِ إِيمانُكُم إِن كُنتُم مُؤمِنين) وفي الأعراف: (بِئسَما خَلَفتموني مِن بَعدي) فحرف " ما " ليس فيه تفصيل لأنه
стр. 93
معنى واحد في الوجود من جهة كونه باطلا مذموما. فهو على خلاف حال ما في العقود: (وَتَرى كَثيراً مِنهُم يُسارِعونَ في الإثمِ والعُدوان وَأَكلِهِمُ السُحت لَبِئسَ ما كانوا يَعملون) فحرف ما " مشتمل " على الأقسام الثلاثة المذكورة قبله.
وكذلك: (لَبِئسَ ما قَدّمَت لَهُم أَنفُسُهُم) حرف " ما " مفصول لأنه يشمل ما بعده من الأقسامز ومن ذلك: (يَوم هُم عَلى النارِ يُفتَنونَ) ، (يَوم هُم بارِزون) حرنفان فصل الضمير فيهما لأنه مبتدأ. وأضيف اليوم إلى الجملة المنفصلة عنه.
(وَيومَهُمُ الذي فيهِ يُصعَقون) و (يَومَهُم الذي يوعَدون) وصل الضمير لأنه مفرد فهو جزء الكلمة المركبة من اليوم المضاف والضمير المضاف إليه.
ومن ذلك: (في ما) محجوز في أحد عشر حرفا.
стр. 94
أحدها في البقرة: (في ما فَعَلنَ في أَنفُسِهنّ مِن مَعروف) حرف " ما " يقع على حرف واحد من أنواع تنفصل بها المعروف في الوجود على البدلية أو على الجمع. يدل على ذلك تنكير المعروف ودخول حرف التبعيض عليه. فهو جنس مقسم. وحرف " ما " واقع على كل واحد منها على البدلية أو على الجمع كما ذكر.
وأما قوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيكُم فيما فَعَلَنَ في أَنفُسِهِنّ بالمَعروف) فهذا موصول لأن " ما " واقعة على شيء واحد غير مفصل. يدلك عليه وصفه بالمعروف والمعرفة.
وكذلك: (في ما اِشتَهَت أَنفُسُهُم خالِدون) هو مفصول لأن شهوات النفوس مختلفة مفصلة في الوجود. وكذلك فتدبر في سائرها. فافهم.
ومن ذلك: (لَكَي لا) موصول في ثلاثة أحرف وسائرها منفصل. وإنّما توصل حيث يكون حرف النفي دخل على معنى كلي فيوصل لأن نفي الكل نفي لجميع جزئياته. فعلة نفيه هي علة نفي أجزائه. وليس للكلي المنفي أفراد في الوجود وإنما ذلك فيه بالتوهم الكاذب والخيال الشعري وتفصيل حيث يكون حرف النفي دخل على جزئي. فإن نفي الجزئي لا يفهم منه نفي الكلي فلا تكون علته علته.
стр. 95
ففي الحج: (لِكَيلاَ يَعلَم مِن بَعدِ عِلمٍ شيئاً) .
وفي الأحزاب: (لِكَيلا يَكونَ عَلَيكَ حَرَج) .
وفي الحديد: (لِكيلا تَأسوا) .
فهذه هي الموصولة وهي على خلاف حال: (لِكي لا يَعلمَ بعدَ عِلمٍ شَيئاً) في النحل لأن الظرف في هذا خاص الاعتبار. وهو في الأول عام الإعتبار لدخول حرف " من " عليه وهذه مثل قوله تعالى عن أهل الجنة: (إِنّا كُنا قَبلُ في أَهلِنا مُشفِقين) اختص المظروف بقبل في الدنيا فيها كانوا مشفقين خاصة.
وقال تعالى عنهم: (إِنا كُنّا مِن قَبلُ نَدعوهُ إِنّهُ هُوَ البَرّ الرَحيم) فهذا الظرف عام لدعائهم ذلك في الدنيا والآخرة ولم يختص المظروف ب (قبل) في الدنيا.
وكذلك: (لكي لا يَكونَ عَلى المُؤمِنينَ حَرَجٌ في أَزواج أَدعِيائِهِم إِذا قَضوا مِنهُنّ وَطَرا) فهذا المنفي هو حرج مقيد بظرفين.
وكذلك: (كي لا يكون دُولَةً بَينَ الأَغنياءِ مِنكُم) فهذا النفي هو كون (ما أفاءَ اللَهُ عَلى رَسولِهِ مِن أَهلِ القُرى) دولة بين الأغنياء من المؤمنين وهذه قيود كثيرة.
ومن ذلك: (هُم) ونحوه من المضمرات توصل ولا تفصل مثل:
стр. 96
حسبهم وعنكم لأن الضمير يدل على جملة المسمى من غير تفصيل فالإضمار حال لا صفة وجود فلا يلزمها التقسيم الوجودي إلا الوهمي الشعري. والخط إنما يرسم على العلم الحق.
ومن ذلك: " مال " أربعة أحرف محجوزة وذلك أن اللام وصلة إضافية فقطعت حيث تقطع الإضافة في الوجود.
فأولها في سورة النساء (فَمالِ هَؤلاءِ القَوم) . " هؤلاؤء القوم المشار إليهم في الآية هم الفريق الذين نافقوا من القوم الذين قيل لهم: (كُفوا أَيدِيَكُم وَأَقيموا الصَلاة) قطعوا وصل السيئة بالحسنة في الإضافة إلى الله ففرقوا بينهما كما أخبر الله سبحانه عنهم. والله قد وصل ذلك وأمر به في قوله: (قُل كُلٌ مِن عِندِ اللَه) فقطعوا في الوجود ما أمر الله به أن يوصل بقطع لام وصلهم في الخط علامة لذلك وفيه تنبيه على أن الله يقطع وصلهم بالمؤمنين وذلك في يوم الفصل. (يَومَ يَقولُ المُنافِقونَ وَالمُنافِقاتُ لِلذَينَ آَمنوا انظرونا نَقتَبِس مِن نورِكُم) .
والثاني في سورة الكهف: (وَيقولونَ يا وَيلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً) هؤلاء قطعوا بزعمهم وصل جعل " الموع " لهم بوصل إحصاء الكتاب وعدم مغادرته لشيء من أعمالهم في إضافتها إلى الله.
стр. 97
فلذلك ينكرون على الكتاب في الآخرة. ودليل ذلك ظاهر من سياق خبرهم في تلك الآيات من الكهف.
والثالث في سورة الفرقان: (وَقالوا مالِ هَذا الرَسولِ يَأكُلُ الطَعام) قطعوا وصل الرسالة بأكل الطعام. فأنكروا فقطعوا قولهم: (هَذا الرَسول) عَن اعتقادهم أنه رسول فقطع " اللام " علامة لذلك.
والرابع في المعارج: (فَمالِ الَّذَينَ كَفَروا قِبَلَكَ مُهطِعين) هؤلاء الكفار تفرقوا جماعات مختلفات كما يدل عليه قولهم: (عنِ اليَمينِ وَعَنِ الشِمالِ عَزيز) . وقطعوا وصلهم في قلوبهم بمحمد ﷺ . فقطع الله طمعهم في دخول الجنة. ولذلك قطعت اللام علامة عليه.
ومن ذلك: ابن أمّ في الأعراف مفصول على الأصل وفي طه: (يابنَؤُمّ) موصول. وذلك علامة تعريف لمعنى لطيف. وهو أنه لما أخذ موسى برأس أخيه اعتذر له فناداه من قرب على الأصل الظاهر في الوجوه. ولما تمادى ناداه بحرف النداء ينبهه لبعده عنه في الحال لا في المكان مؤكدا لوصلة الرحم بينهما بالرباط فلذلك وصل في الخط. ويدلك عليه نصب الميم ليجمعهما الإسم بالتعميم.
ومن ذلك ستة أحرف لا توصل بما بعدها وهي: الألف والواو والدال والذال والراء والزاي لأنها علامات لانفصالات ونهايات. وسائر الحروف توصل في الكلمة الواحدة.
стр. 98
فصل من ذلك في حروف الإذغام: (عَن ما نُهُوا عَنه) فرد أظهر فيه النون وقطع عن الوصل، لأنّ معنى " ما " عموم كلي تحته أنواع مفصلة في الوجود غير متساوية في حكم النهي عنها.
ومعنى " عن " المجاوزة والمجاوزة للكلي مجاوزة لكل واحد من جزئياته. ففصل علامة لذلك.
ومن: (مِن ما) ثلاثة أحرف مفصولة لا غير.
أحدها في النساء: (فمِن ما مَلَكَت أَيمانُكُم) .
وفي الروم: (هَل لَكُم مِن ما مَلَكَت أَيمانُكم) .
وفي المنافقين: (وَأنفِقوا من ما رَزقناكُم) .
وحرف " ما " في هذه كلها مقسم في الوجود بأقسام منفصلة غير متساوية في الأحكام.
فهذه على غير حال: (مِمّا كُتِبَت أَيديهِم) فإنها وإن كانت تحتها أقسام كثيرة فهي غير مختلفة في وصفها بكتب أيديهم فهو نوع واحد يقال
стр. 99
على معنى واحد من تلك الجهة هو في أفراده بالسوية. فافهم وتدبر القول.
وكذلك: (أَم مَن) بالحجز أربعة أحرف لا غير.
في النساء: (أَم مَن يكونُ عَلَيهِم وَكيلا) .
وفي التوبة: (أَم مَن أُسّس بنيانه) .
وفي الصافات: (أَم مَن خَلَقنا) .
وفي السجدة: (أَم مَن يَأتي آمَنا) .
فهذه الأحرف الأربعة حرف " من " فيها مقسم مفصول في الوجود بأنواع مختلفة في الأحكام.
وليس كذلك غيرها مثل: (أَمَن يَمشي سَويا) .
فهذا من موصول أن " من " نوع واحد من حيث يمشي على صراط مستقيم.
كذلك: (أَمّن جَعَل الأَرضَ قَراراً) لا تفاصيل تحتها في الوجود. فافهم.
وكذلك: (عَن مَن) مفصول حرفان.
في النور: (عَن مَن يَشاء) .
وفي النجم: (عَن مَن تَولّى) .
стр. 100
حرف " مَن فيهِما كلي " وحرف عن للمجاوزة.
والمجاوزة عن الكلي مجاوزة عن جميع جزئياته دون العكس. فلا وصلة بين الحرفين في الوجود، فلا يوصلان في الخط.
وكذلك: (من من) متصل كله لا ينفصل لأن من بفتح الميم جزئي بالنسبة إلى " ما " فمعناه أزيد من جهة المفهوم ومعنى " ما " أزيد من جهة العموم، والزائد من جهة " العموم " ينفصل وجودا بالحصص، والحصة منه لا ينفصل والزائد من جهة المفهوم لا يتفصل وجودا. فافهم.
وكذلك: (وَإِن ما نُريَنّكَ بَعضَ الذي نَعِدُهُم) في سورة الرعد، فرد محجوز ظهر منه حرف الشرط في الخط، لأن
стр. 101
الجواب " المترتب " عليه بالفاء ظاهر في مواطن الدنيا، وهو البلاغ فهذا الحرف على غير حال الحرف الآخر: (فَإِمّا نُرينّكَ) فإنه اخفي فيه حرف الشرد في الخط لأن الجواب المترتب عليه بالفاء خفي عنا. وهو الرجوع إلى الله تعالى فهذا وجه.
وله وجه آخر في الاعتبار وهو أن القضية الأولى متصلة من الشرط وجوابه. وانقسم الجواب إلى قسمين.
أحدهما المترتب بالفاء وهو البلاغ.
والثاني المعطوف عليه وهو الحساب.
وأحدهما في الدنيا والآخرة في الآخرة.
والأول ظهر لنا والثاني خفي عنا.
وهذا الإنقسام صحيح في الوجود فقد انفصلت هذه الشرطية إلى شرطيتين لانفصال جوابهما إلى قسمين متغايرين، ففصل حرف الشرط علامة لذلك.
وإذا انفصل لزم كتبه على الوقف. والشرطية الأخرى لا تنفصل بل هي واحدة لاتحاد جوابها فاتصل حرف الشرط علامة لذلك. وهاتان الشرطيتان الجواب فيهما هو من باب الوجود فاعلمه.
وكذلك: (فَإِن لَم يَستَجيبوا لَكَ) في القصص ثابت النون.
وفي هود: (فإِلَّم يَستَجيبوا لَكُم) فرد بغير نون وأظهر
стр. 102
حرف الشرط لأن جوابه المرتب عليه بالفاء هو علم متعلق بشيء بملكي ظاهر سفلي وهو اتباعهم أهواءهم. وأخفي في الثاني لأن جوابه المرتب عليه بالفاء هو علم متعلق بشيء ملكوتي خفي علوي وهو إنزال القرآن بالعلم والتوحيد.
فهذا وجه مثل الوجه الأول في الشرطيتين المتقدمتين.
إلا أن هاتين الشرطيتين الجواب فيهما هو من باب الإدراك والعلم.
وله وجه آخر في الاعتبار مثل الوجه الثاني المتقدم.
وهو أن جواب الشرطية الأولى من هاتين ينفصل في الوجود بقسمين: أحدهما اتباعهم أهواءهم، وهو جزئي له علم يخصه.
والثاني ما عطف على القسم الأول وهو: (وَمَن أَضَلُ مِِمَن اِتّبع هواهُ) .
وهذا كلي وله علم يخصه فانفصل العلم بهما في الوجود إلى
стр. 103
علمين. فإن الجزئي إذا حصل في الوجود حصل الكلي في ضمنه في الوجود، وانقسم علمنا بهما في الوجود إلى علمين صحيحين لأن علمنا " تابع " لوجود الموجودات على ما هي عليه في الوجود. فانفصل حرف الشرط. وإنما لزم دخول المعطوف في جواب هذه الشرطية لأنه نفي اشتمل عليه العلم جاء على لفظ الإستفهام وهذا الأسلوب من البيان إنما يقع في خطاب الله تعالى على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك المنفي حاصل يستفهم عنه نفسه يخبره به إذ قد وضعه الله عندها. وجاء عليه كثير من الآيات مثل قوله تعالى: (وَمَن أصدَقُ مِنَ اللَهِ حَديثا) ويكون في ال اثبات كما يكون في النفي. قال تعالى: (هَل أَتى عَلى الإنسانِ حينٌ مِنَ الدَهرِ لَم يَكُن شيئا مَذكورا) و (فَهَل أَنتُم مُسلِمون) ومعنى ذلك أنه قد حصل لكم العلم بذلك الذي تجدونه عندكم إذا استفهمتكم بأنفسكم عنه. فإن الرب لا يستفهم خلقه عن شيء شيء جهله وإنما يستفهم بفهم يقررهم ويذكرهم أنهم قد علموا حق ذلك الشيء.
فهذا أسلوب بديع انفرد به القرآن. وهو في كلام البشر يختلف. فاعلم.
стр. 104
وجواب الشرطية الثانية إذا اعتبر في قوله تعالى: (وإِن لا إلهَ إِلا هو) معطوف على: (إِنّما أُنزِلَ بِعِلمِ اللَه) فيكون العلم في هذا الاعتبار يتعلق بمعلومين. لكن انفصاله بقسمين إن توهم فهو بخيال شعري من قبل النفس لم يحصل لها من جهة عين المعلوم في الوجود. لأنا لم ندرك حقيقة في الوجود إلا إيمانا وسلمنا لله علمه. فعلمنا من جهة الوجود علم واحد إسلامي بالضرورة حصل لنا الإيمان به من جهة اللزوم عن الأدلة والآثار كما ختم سبحانه الآية به. قال تعالى (فَهَل أَنتُم مُسلِمون) فافهم. وجل بسرك السفير في موارد معاني التفسير. (وَما يَستوي الأَعمى وَالبَصير) .
وكذلك: (أَن لَن) كله مفصول إلا حرفين: (أَلَن نَجعَلَ لَكُم مَوعِداً) في الكهف. (أَلَنن نَجمَع عِظامَه) في القيامة. سقط النون منهما في الخط علامة على أن ما زعموا وحسبوا هو باطل في الوجود وحكم بما ليس بمعلوم نسبه للحي القيوم. فأدغم حرف توكيدهم الكاذب في حرف النفي السالب. فهو على خلاف حال قوله تعالى: (زَعَمَ الَّذَينَ كَفَروا أَن لَن يُبعَثوا) .
فهؤلاء لم ينسبوا ذلك الفاعل إذا ركب الفعل مما لم يسم فاعله وأقيموا فيه مقام الفاعل.
стр. 105
فعدم بعثهم تصوروه من أنفسهم وحكموا به عليها توهما. فهو كاذب من حيث حكموا به على مستقبل الآخرة. فلكونه حقا بالنسبة إلى دار الدنيا الظاهرة ثبت التوكيد ظاهرا، وأبدل وأدغم في حرف النفي من حيث الفعل المستقبل الذي هو فيه كاذب.
وكذلك: (أَن لا) تثبت النون منها في عشرة أحرف. وذلك حيث ظهر في الوجود صحة توكيد القضية ولزومها.
أولها في الأعراف: (أَن لا أَقولَ عَلى اللَهِ إِلاّ الحَقّ) و (أن لا يَقولوا عَلى اللَهِ إِلا الحَق) .
وآخرها في سورة القلم: (أَن لا يَدخُلَنّها اليَومَ عَلَيكُم مِسكين) فتأمل كيف صح في الوجود هذا التوكيد الأخير، فلم يدخل عليهم مسكين لكن على غير ما قصدوا وتخيلوا معه. فافهم.
وكذلك لام التعريف المدغمة في اللفظ في مثلها أو في غيرها لما أتت للتعريف وشأن المعرف أن يكون أبين وأظهر لا أخفي وأستر أظهرت في الخط ووصلت بالكلمة لأنها صارت جزءا منها من حيث هي معرفة بها
стр. 106
هذا هو الأصل.
وقد حذفت حيث يخفى معنى الكلمة مثل " اليل " فإنه معنى ظلم لا يوضح الأشياء بل يسترها ويخفيها وكونه واحدا إما " لجزئي وإما للجنس " فأخفى حرف تعريفه مثله، فإن تعين الجزئي بالتأنيث رجع إلى الأصل.
ومثل: (الذي) و (التي) وتثنيتهما وجمعهما. فإنه مبهم في المعنى والحكم لأن واحدة للجزئي وللجنس وكثيره لثلاثة أو غيرها. ففيه ظلمة الجهل كاليل.
ومثل: (ألاّ) في الإيجاب. فإن لام التعريف دخلت على لا النافية وفيها ظلمة العدم كالليل. ففي هذه الظلمات يخفى حرف التعريف فافهم.
وكذلك ": (الأيكة) نقلت حركة همزتها على لام التعريف وسقطت همزة الوصل " التحريك " اللام وحذف الألف عند الهمزة ووصل اللام فاجتمعت الكلمة فصارت (ليكة) علامة على اختصار و " تلخيص " وجمع في المعنى وذلك في حرفينز أحدهما في الشعراء، جمع فيه قصتهم مختصرة موجزة في غاية من البيان وجعلها جملة واحدة وهي آخر قصة في السورة. يدلك عليه قوله تعالى في آخرها: (إنّ في ذلك لآية) فأفرد الآية.
стр. 107
والحرف الثاني في ص، جمع الأمم فيها بألقابهم وجعلهم جملة واحدة وهم آخر أمة فيها ووصف الجملة. قال تعالى: (أَولِئِكَ الأحزاب) . وليس الأحزاب وصفا لكل منهم، بل هو وصف لجميعهم.
وجاء بالانفصال على الأصل حرفان نظيرا هذين الحرفينز أحدهما في الحجر: (وإِن كانَ أَصحابُ الأَيكَةِ لَظالِِمين) أفردهم بالذكر والوصف.
والحرف الثاني في " ق ": (وَأَصحابَ الأَيكَة) . جمعوا فيه مع غيرهم ثم حكم على كل منهم " لا " على الجملة فقال تعالى: (كُلٌ كَذّبَ الرُسُلَ) فحيث يعتبر فيهم التفصيل فصل لام التعريف. وحيث يعتبر فيهم التوصيل وصل للتخفيف.
وكذلك: (لَتّخَذتَ عَلَيهِ أَجراً) حذف الألف ووصل لام التعريف لأن العمل في الجدار قد حصل في الوجود. فلزم عليه الأجر، واتصل به حكما بخلاف لاتّخَذوكَ خَلَيلاً) ليس في وصلة " اللزوم " فافهم.
стр. 108
باب حروف متقاربة تختلف في اللفظ لاختلاف حال المعنى.
مثل (وَزادَه بَسطَةً في العِلمِ وَالجِسم) .
(وَزادَكُم في الخَلقِ بَصطَة) .
(اللَهُ يَبسُطُ الرِزقَ لِمَن يَشاءُ) .
(واللَهُ يَقبِضُ وَيَبصُطُ) .
فبالسين السعة الجزئية. يدلك عليه التقييد.
وبالصاد السعة الكلية. ويدل عليه معنى الإطلاق وعلوا الصاد مع الجهارة والأطباق.
وكذلك: (فأتوا بِسُورَة) .
و (في أي صورة) .
(فَضُرِبَ بَينَهُم بِسور) .
(وَنُفِخَ في الصور) .
стр. 109
بالسين ما " يحصن " الشيء خارج عنه.
وبالصاد ما يضمه منه.
وكذلك: (يَعلَمُ ما يُسِرونَ وَما يُعلٍنونَ) .
(وكَانوا يُصرونَ) . بالسين من السر.
وبالصاد من التمادي.
وكذلك: (يُسحَبونَ في النار) .
و (مِنّا يَصحبون) . بالسين من الجر.
وبالصاد من الصحبة.
وكذلك: (نَحنُ قَسَمنا بَينَهُم مَعيشَتَهُم) .
(وَكَما قَصَمنا) .
بالسين تفريق الأرزاق والإنعام.
وبالصاد " تفريق " بالإهلاك والإعدام.؟ وكذلك: (وُجوهٌ يَومَئذٍ ناضِرَة إِلى رَبِها ناظرِة) .
بالضاد منعمة بما تشتهيه الأنفسز وبالظاء منعمة بما تلذ الأعين.
стр. 110
وهذا الباب كثير يكفي منه اليسير.
وقد كمل هذا العنوان من علم البيان لمرسوم خط القرآن. فإن يك ذلك حدهم فقد وافقت. قصدهم، وإن لم يكن ذلك فهو مضمن فيه ولازم عنه. ولم أقص إلا خبرهم ولا قفوت إلا أثرهم. والعبارة باللازم عن الملزوم حكم جائز معلوم. والحمد لله رب العالمين.