قال ابن تيمية: (من أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.) (١)
وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة، خلافاً لمن نفى ذلك، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.
عدم جواز لعن الكافر المعيَّن مادام حياً.
قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٧]
قال الخطيب الشربيني – ﵀: (المراد بالناس: المؤمنون أو العموم؛ فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه، ولكن لا يعرف الحق بعينه.
ثم قال: تنبيه: دلَّت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين، وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم). (٢)
الدراسة:
стр. 282
استنبط الخطيب من الآية عدم جواز لعن الكافر المعيَّن، لأن الله تعالى لما خصّ الذين كفروا بعد إيمانهم بأن جزاءهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، دلّ بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز لعن غيرهم من عموم الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم.
وقد حكَم تعالى في قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله من هدايته ويعذبهم في الآخرة، وأن الأمر غير مقصور عليه، بل وتلعنهم الملائكة كذلك، والناس أجمعين، مما يدل على قبح فعلهم وعظيم غوايتهم.
ويُفهم من دلالة هذه الآية أنه يجوز لعن من كفر بعد إيمانه، أما من سواه من الكفار فلا يجوز لعنه، ولعل الفرق بينهم -كما حكاه البيضاوي - أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى آيسون من الرحمة بخلاف غيرهم. (١)
ولذلك فإنه لا يجوز لعن الكافر المعيّن إن كان حيَّاً، لأن حاله عند الوفاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في إطلاق اللعنة الوفاة على الكفر، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، ولأنّا لا ندري ما يختم به لهذا الكافر.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما. (٢)
ويؤيده ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: لا تدعُ عليهم فلعلّ الله أن يتوب
стр. 283
عليهم (١)، ومنه أخذَ جَمعٌ من أهل العلم تحريم لعن الكافر المعين، وذلك لأن النبي ﷺ نُهي عن ذلك، وهذا ما عليه الجمهور، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، رحمهم الله تعالى. (٢)
وعليه فلا يُلعَن الكافر مازال حياً، وهو ما دلّت عليه الآية، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 284
قبح كفر أهل الكتاب وتكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[آل عمران: ٩٨]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (تخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية قبح كفر أهل الكتاب، وتكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل؛ حيث خصَّهم بالذكر دون سائر الكفار؛ لأن معرفتهم بآيات الله أقوى؛ لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة للرسول ﷺ والبشارة به، كما نصّ قوله تعالى ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ على تكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل، فدلّ على قبح كفرهم واستنكاره منهم. (٢)
قال أبو السعود مشيراً إلى هذا المعنى: (وإنما خوطبوا بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يُصدقه من القرآن العظيم، مبالغة في تقبيح حالهم في كفرهم بها، وقوله ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب، وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية، والمراد بآياته تعالى:
стр. 285
ما يعم الآيات القرآنية التي من جُملتها ما تُلي في شأن الحج وغيره، وما في التوراة والإنجيل من شواهد نبوته ﵇. (١)
وممن استنبط إشارة الآية إلى هذه الدلالة موافقاً الخطيب: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٢)
وعليه فمفاد التخصيص التوبيخ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد ﷺ وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شهادتهم أن ما في كتبهم حق، وأنه من عند الله. (٣)
وهذه الآية تحتمل أيضاً أن يكون تخصيصهم بالذكر لأنهم هم المخاطبون في صدر الآية، فأورد عليهم الدلائل من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد ﷺ ، وأجابهم عن شُبههم في ذلك، ثم خاطبهم بذلك. (٤)
قال الرازي: (فإن قيل: ولم خصّ أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟
قلنا لوجهين: الأول: أنا بينَّا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد ﵊، ثم أجاب عن شُبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: يا أهل الكتاب، فهذا الترتيب الصحيح.
الثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته). (٥)
وعلى كلا الوجهين فدلالة الآية على عِظم الكُفر منهم وإنكاره عليهم ظاهرة؛ لعلمهم بما في كتابهم مما يُبشر بمحمد ﷺ ويُصدِّقه، والله تعالى أعلم.
стр. 286
إجماع هذه الأمة حجة.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (اُستدل بهذه الآية على أنّ إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر؛ إذ اللام فيها للاستغراق (١)، فلو أجمعوا على باطل، كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك). (٢)
الدراسة:
نصَّ الخطيب على دلالة هذه الآية على استنباط أصولي، وهو أن إجماع أمة محمد ﷺ حجة، بدلالة اللازم من الآية، حيث أخبرتعالى عن خيرية هذه الأمة بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، وهذا يقتضي كون قولهم حقاً وصواباً في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقاً لكان ضلالاً، فإذا اجتمعوا على مشروعية شيء كان ذلك الشيء معروفاً، وإذا اجتمعوا على عدم مشروعية شيء كان ذلك الشيء منكراً، فيكون إجماعهم حجة. (٣)
стр. 287
قال الجصّاص في تقرير ذلك: (في هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجوه: أحدها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ولا يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى غير ضالين، والثاني: إخباره بأنهم يأمرون بالمعروف، فما أُمروا به فهو أمر الله تعالى؛ لأن المعروف هو أمر الله، والثالث: أنهم ينكرون المنكر، والمنكر هو ما نهى الله عنه، ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى (١)، فثبت بذلك أن ما أنكرته الأمة فهو منكر، وما أمرت به فهو معروف، وهو حكم الله تعالى، وفي ذلك ما يمنع وقوع إجماعهم على ضلال، ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هو حكم الله تعالى.) (٢)
وممن استنبط حجية إجماع الأمة من هذه الآية: الجصّاص، والرازي، والبيضاوي، والنيسابوري، والشهاب الخفاجي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (٣)
قال السعدي مؤيداً دلالة الآية من جملة أدلته: (ووجه الدلالة منها - أي الآية -: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه فهو مما أُمروا به، فيتعيَّن بنص الآية أن يكون معروفاً ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء فهو مما نهوا عنه فلا يكون إلا منكراً، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
стр. 288
ثم قال: فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة.) (١)
فالإجماع بدلالة هذه الآية وغيرها حُجة مقطوع به عند عامة المسلمين (٢)، وهي عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه (٣)، وخير القرون الذين بُعث فيهم ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. (٤)
وقد عصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، أما اجتهاد المجتهدين فإنه غير معروف مطلقاً؛ إذ المجتهد يخطيء ويصيب ولكنه معروف في حقه، بمعنى أنه يلزمه العمل به مالم يتبين خطؤه، فالمعروف المطلق ما يجتمعون عليه (٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 289
الجنة مخلوقة الآن.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيئت
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لله بعمل الطاعات وترك المعاصي، وفي ذلك دليل على أنّ الجنة مخلوقة الآن). (١)
وجه الاستنباط:
أن المعدوم لايقال له: (أُعِدّ) فهو مُعَد.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة اللازم من الآية أن الجنة مخلوقة موجودة الآن؛ لأنه تعالى قال ﴿أُعِدَّتْ﴾ بصيغة الماضي، والماضي يدل على وجود الشيء، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة عند قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. (٢)
فقوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقوله سبحانه ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وغيرهما من الآيات، تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان كما دلت عليه
стр. 290
الأحاديث كحديث الإسراء (١) وغيره، مما يقتضي أن ثمة جنة قد خُلِقت، وهو ماعليه أهل السنة والجماعة (٢) وخالفهم المعتزلة والقدرية، فأنكروا ذلك.
وممن استنبط خلق الجنة من موضع هذه الآية: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عاشور، وغيرهم من المفسرين. (٣)
وقد ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (٤)، وغيرها من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذا المعنى. (٥) وهي دلالة ظاهرة، والله تعالى أعلم.
стр. 291
سورة النساء
القيّم لا يُصدّق في دعوى الدفع إلا ببينة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿فَأَشْهِدُوا﴾ ندباً ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بأنهم قبضوها، فإنّ الإشهاد أنفى للتهمة، وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى البينة، وهذا يدلّ على أنّ القيم لا يصدّق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة، وهو مذهب الشافعيّ (١)، ومالك (٢)، خلافاً لأبي حنيفة (٣)). (٤)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص أنّ القيم لا يُصدّق في دعواه الدفع إلا ببينة، لأن الله تعالى أمر بالإشهاد فقال ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وهذا أمر من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال للأيتام إذا بلغوا الرشد، حتى إذا وقع اختلاف أمكن أن يقيم الوصي البينة على أنه ردَّ المال.
فالإشهاد أنفى للتهمة، وأقطع للشر وأحسم للنزاع، وهذا يدلّ على أنّ القيم على اليتيم لا يُصدّق في دعواه الدفع إلا بالبينة؛ إذ ظاهر الأمر للوجوب (٥)، وبه
стр. 292
السلامة من الضمان والغرم على تقدير إنكار اليتيم، والاحتراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة، أو من وجوب الضمان إذ لم يُقِم البينة. (١)
وممن نصّ على هذه الدلالة من الآية، وأن ظاهر الأمر فيها للوجوب: الزمخشري، والكيا الهراسي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (٢)
وممن حمل الأمر فيها على الندب: السمرقندي، والسمعاني، والبغوي، وابن جزي، والسيوطي، وغيرهم. (٣)
وهذا الحكم محل خلاف بين العلماء، فإذا ادَّعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل يُصدَّق؟
قال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية عنه (٤): يُصدَّق بيمينه كسائر الأُمناء. (٥)، وقال مالك والشافعي: لا يُصدَّق إلا بالبينة (٦)؛ لأنه تعالى نصَّ
стр. 293
على الإشهاد فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب، لكن يُصدَّق في قدر النفقة، وفي عدم التقتير والإسراف، لعسر إقامة البينة على ذلك، وتنفيره الناس عن قبول الوصاية. (١)
قال ابن الفرس: (لولا أنه يضمن إذا أنكره المحجور، لم يكن للأمر بالتوثق فائدة). (٢)
وقال القرطبي: (وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء، فإن القول قول الوصي، لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض، وهو ظاهر الآية، وليس بأمين فيُقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد ردَّ ما دفع إليه، أو المودع). (٣)
ووافق أبا حنيفة في قبول قول الوصي بيمينه دون بينة من المفسرين: أبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٤)
والأظهر والله تعالى أعلم أن في أمر الله تعالى أولياء الأيتام بالإشهاد عليهم بعد البلوغ من الحِكم ما لا يخفى، ويكفي فيها الاحتياط لكلٍ من اليتيم ووالي ماله، لأن الأحوال تتبدل، والرشد يتفاوت، فالأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يُقبل عند الخصام إلا ببينة عفَّ عنه، واحترز منه. وكذلك الحال بالنسبة لليتيم فإنه إذا قامت عليه البينة بقبض المال كان أبعد أن يدعي ما ليس له (٥)، وعليه فالأولى والأحوط أن يُشهد عليه (٦)، كما دلَّت عليه هذه الآية، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 294
فضل إصلاح النية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه). (١)
وجه الاستنباط:
أنه تعالى جعل نية الإصلاح سبباً في التوفيق.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى؛ إذ المعنى: إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين، على الصحيح في عود الضمير، كما هو ظاهر سياق الآية، وهو ماعليه أكثر المفسرين. (٢)
فإن قصد الحكمين إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة بُورك في وساطتهما وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في
стр. 295
نفوسهما المودة والاتفاق (١)، وهذا يدل على عظم شأن النية في صلاح العمل حيث جعلها تعالى سبباً في التوفيق.
وممن استنبط هذا المعنى من الآية: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢)
ولاشك أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له، فإن النية عليها مدار الأعمال ولا يتم أمر ولا تحصل بركته إلا بصلاح القصد والنية.
والأصل في ذلك قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٣)
وقد عظّم سبحانه أمر النية الصالحة فقال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، فدل على عظم أمر النية، وأنه متى ما صلحت وابتغى العبد بها وجه الله والدار الآخرة في كل ما يتقرب به إليه تعالى، وفي كل نفع يعود على الناس، أعطي عليها أعظم الأجر، بل قد يبلغ بنيته
стр. 296
مالم يبلغه بعمله، ومن ذلك قوله ﷺ : «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل» (١) ففيه تعظيم ثواب النية الصادقة، وهذا مما يشهد لصحة هذه الدلالة، وهي لطيفة من لطائف الاستنباط عند الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 297
التيمم لا يرفع الحدث.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غيّاه بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾) (١).
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل فقال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فلا يقوم مقامه الوضوء، وفيه ردٌ على من أباح جلوس الجنُب في المسجد مطلقاً إذا توضأ، حيث أفادت الآية جواز عبور الجنب في المسجد دون لبث فيه، وبهذا قال الجمهور (٢)؛ خلافاً لأبي حنيفة فإنه لم يُجز للجنب المرور في المسجد، إلا أن لا يجد بُداً فيتيمم ثم يمر. (٣)
стр. 298
ووافق الخطيب في استنباط هذا الحكم من الآية: الرازي، والبيضاوي، وابن العربي، والسيوطي، والسعدي، وغيرهم. (١)
وفي معنى هذه الآية خلاف بين المفسرين، فحمل بعضهم الآية على ظاهرها، وقال المراد: إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا، فمُنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم. (٢)
وقال آخرون: بل المراد من الصلاة مواضع الصلاة وهي المساجد (٣)، كقوله تعالى: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه، ولا يقيم (٤). (٥)
قال الطبري بعد حكايته لهذين القولين: (والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عُدم الماء وهو جُنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] إلى آخره. فكان معلوماً بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان معنياً به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في
стр. 299
قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنباً حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل). (١)
قال ابن كثير معقباً على كلام ابن جرير: (وهذا الذي نصره هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية). (٢)
وفائدة هذا الخلاف تظهر في حكم فقهي، وهو أنه على تقدير أن يكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنباً إلا عابري سبيل، على هذا الوجه يكون الاستثناء (٣) في قوله ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ دالاً على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد، وأما على معنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوها حال كونكم جنباً إلا عابري سبيل، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلاً على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء (٤). (٥)
стр. 300
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن التيمُّم يرفع الحدَث رفعاً مؤقتاً إلى حين وجود الماء، وهو ما عليه الحنفيَّة، وقول طائفة من المالكيَّة (١)، ورواية عن أحمد (٢).
واختار هذا القول ابن تيميَّة، والشِّنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم (٣)
قال ابن تيمية: (فمن قال: إن المتيمم جنب أو محدث فقد خالف الكتاب والسنة، بل هو متطهر). (٤)
وقال ابن باز: (التيمم يرفع الحدث مادام الماء غير موجود، أو كان المكلف غير قادر عليه من أجل مرض ونحوه). (٥)
وعليه فدلالة الآية على أن التيمم لا يرفع الحدث كما قاله الخطيب وغيره لا تظهر كل الظهور، بل الأظهر أن التيمم يرفعه، والله تعالى أعلم.
стр. 301
وجوب الهجرة لأجل إقامة شعائر الدين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه). (١)
وجه الاستنباط:
في الوعيد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، دليل أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب، وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره تجب عليه الهجرة منه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على وجوب الهجرة على من كان في موضع لا يتمكن فيه من إقامة دينه، فكل من كان بدار الشرك أو بدار يُعمل فيها بمعاصي الله جهاراً إذا كان قادراً على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين تلزمه الهجرة بدلالة هذه الآية؛ لما فيها من العموم وإن كان سببها خاصاً (٢)، فالوعيد الشديد في هذه الآية يدل على الوجوب؛ لأن القيام بواجب دين المسلم واجبٌ
стр. 302
على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (١)
وممن نصّ على هذا الاستنباط من الآية: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبوحيان، والسيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي والسعدي، وغيرهم. (٢)
قال القرطبي: (في هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي). (٣)
وحكم الهجرة باقٍ لا ينقطع إلى يوم القيامة على الصحيح من أقول أهل العلم. (٤) وأما قوله ﷺ «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (٥)، فمعناه: لا هجرة من مكة بعد فتحها لأنها صارت دار إسلام، ومثلها كل بلد فُتح لأنه لم يبق بلد كفر. (٦)
стр. 303
وعليه فمن قدر على إقامة شعائر دينه، وعلِم أنه يتمكن من إقامة حدود الله كما تجب، وإلا فعليه أن يفرّ بدينه من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد المعصية إلى بلد الطاعة، ويشهد لصحة هذه الدلالة: قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
قال السعدي في معنى هذه الآية: (﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثّرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم .. ثم قال (وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر). (١) وهي دلالة صحيحة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.
стр. 304
جواز قصر الصلاة دون وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: من أربع إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، يدل على جواز القصر دون وجوبه، ويؤيده أنه ﵊ أتمَّ في السفر (١)). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النص جواز القصر دون وجوبه؛ لأن ظاهر السياق يدل عليه حيث قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ولفظ ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ إنما يستعمل في الرُخص لا فيما يكون حتماً واجباً (٣)، فنفي الحرج فيه يدل على جوازه دون وجوبه، وقد علّق القصر على الخوف؛ لأن غالب أسفاره ﵊ لم تخل منه. (٤)
стр. 305
ويؤيد هذا الاستنباط أنه ﷺ أتمَّ في السفر كما تقدم، وقال فيه ﷺ «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١)، وكان عثمان ﵁ يُتمّ ويقصر، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه. (٢)
وهذه الدلالة مبنية على قول الجمهور (٣) أن المراد بالقصر في الآية: هو قصر عدد ركعاتها، لا قصر الكيفية في صلاة الخوف كما قال به بعض المفسرين. (٤)
ووافق الخطيب في النصَّ على جواز القصردون وجوبه جمهور المفسرين. (٥)
قال السمعاني في حكاية الخلاف مرجحاً اختيار الشافعي: (اختلفوا في القصر على قولين: أنه إباحة، أم واجب، قال بعضهم: هو إباحة، وهو اختيار الشافعي (٦)، وهو أصح؛ لقوله عز ذكره: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾). (٧)
وقال الشوكاني: (قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور (٨)، وذهب الأقلون (٩): إلى أنه واجب.) (١٠)
стр. 306
ويدل له أن جميع رُخص السفر شُرعت على سبيل الجواز رفعاً للمشقة، لا على سبيل التعيين جزماً فكذلك هنا (١)؛ إذ هو تخفيف أُبيح للسفر، فجاز تركه كالمسح ثلاثاً للمسافر.
وخالف الحنفية الجمهور فقالوا بوجوب القصر؛ ووافقهم من المفسرين: الجصاص، والنسفي، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم. (٢)
والراجح هو جواز القصر دون وجوبه كما نص عليه الخطيب، ولعل القصر أفضل (٣)؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه داوموا عليه، وعابوا من تركه (٤)، والله تعالى أعلم. (٥)
стр. 307
رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية، وتصفية القلب من الالتفات إلى الدنيا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: هذا المذكور ﴿ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلب ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لا غيره من أمور الدنيا؛ لأنّ الأعمال بالنيات، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ أي: الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وفي هذه الآية دلالة على أنّ المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية، وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض دنيوي). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى عرض الدنيا هو أعظم مطلوب، لأنه تعالى وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله، فدلّ على فضلها لما فيها من
стр. 308
المنافع، إلا أن الثواب لا يحصل إلا عن فعلها ابتغاء مرضاة الله (١)، فإذا فعل المرء ذلك خالصاً لوجه الله نفعه، وإن فعله لتحصيل غرض دنيوي، أو رياء وسمعة لم ينفعه، كما جاء عنه ﷺ في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى» (٢)، فهذا يدل على عظم شأن النية في الأعمال، وأن مدار قبول العمل على إخلاص النية، وتطهير القلب من الالتفات إلى الدنيا.
وهي إشارة حسنة من الآية، وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة: أبوحيان، والبقاعي، والخازن، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (٣)
قال أبو حيان: (في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ دليل على أنه لا يجزي من الأعمال إلا ما كان فيه رضا الله تعالى، وخلوصه لله دون رياء ولا سمعة). (٤)
وقال البقاعي: (هذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد). (٥)
وكمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص، ولهذا كان أعظم مقصود هو رضا الله تعالى، وإخلاص العمل له في الأمر كله؛ إذ النية روح العمل وقوامه،
стр. 309
واستحضار النية الصالحة في الأمور المباحة يُصيّرها قُربات لله يثاب عليها العبد وهذا من فضله سبحانه.
والإخلاص عزيز، وهو أشد شيء على النفس، ولهذا كان على العبد أن يتعاهد إخلاصه، ويحاسب نفسه، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، سواء تمّ مقصوده أم لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 310
النهي للتحريم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ﴾ أي: والحال إنهم قد ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراة، فكان محرماً عليهم كما هو محرّم علينا؛ لأنه قبيح في نفسه، مُزر بصاحبه، وفي الآية دليل على أنّ النهي للتحريم). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ النهي للتحريم؛ حيث دلّت على أن الله تعالى حرّم على اليهود الربا في التوراة كما حرّمه علينا في القرآن بقوله ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وقد قال تعالى قبلها: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. قال ابن القيم: (ويستفاد كون النهي للتحريم من ذمه لمن ارتكبه وتسميته عاصيا وترتيبه العقاب على فعله). (٢)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما من المفسرين. (٣)
стр. 311
وهذه المسألة: هل النهي المطلق للتحريم؟ فيها خلاف بين أهل العلم على أقوال مبسوطة في كتب الأصول (١)، والذي عليه الجمهور أن الأصل في النهي هو التحريم،
стр. 312
ولا ينتقل من التحريم إلى الكراهة إلا بدليل يدل على ذلك، فإذا نهى ﷺ عن شيء ثم فعله دلَّ على أن النهي للكراهة، كما نهى عن الشرب قائماً ثم شرب ﵊ قائماً، فدلَّ على أنه ليس نهي تحريم، وأنه يجوز الشرب قائماً وقاعداً، لكن الشرب قاعداً أولى.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهذا يقتضي وجوب الانتهاء عن الفعل الذي نهى عنه النبي ﷺ .
كذلك ما ثبت من فعل الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- في غزوة خيبر لما نفد الطعام واشتد بهم الجوع، أخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، وغلت القدور بها، فجاء الصارخ فقال: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فكفئوا القدور بما فيها» (١)، مع حاجة الناس إلى هذا الطعام، فلو كان هذا النهي على الكراهة لأكل الناس، فدلَّ على أن الأصل في النهي التحريم، كما هي دلالة هذه الآية، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.
стр. 313
سورة المائدة
كل طالب علم ونحوه، عليه أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأحذقهم فيه.
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذا فائدة جليلة، وهي أنّ على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به، وأشدّهم دراية له، وأغوصهم على لطائفه، وحقائقه، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ من غير مُتقِن قد ضيّع أيامه، وعضّ عند لقاء النحارير (١) أنامله.) (٢)
وجه الاستنباط:
لمّا كان الكلب المُعلَّم ترك حظّه، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلَّت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق في ذلك حكم خساسته، فكذلك حال من كانت أعماله وأحواله لله سبحانه مختصة، ولا يشوبها حظّ من الدنيا، تجِلّ رتبته، وتعلو حالته. (٣)
الدراسة:
стр. 314
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنَّ على كل طالب شيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به، وأشدّهم دراية له، فإن للعالِم الحاذق من الفضيلة ما ليس للجاهل، فالكلب إذا عُلِّم ودُرِّب وأتقن يكون له فضيلة على سائر الكلاب، وكذلك الإنسان إذا كان له علم وبصيرة أولى أن يكون له فضل على سائر الناس.
قال سبحانه: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وهذا يُشعِر ويدل على فضل العلم وشرفه؛ إذ ذكر ذلك في معرض الامتنان، والمعنى: إن تعليمكم إياهن ليس من قِبَل أنفسكم، وإنما هو من العلم الذي علّمكم الله وألهمكم إياه، وهو أن جعل لكم رويّة وفكراً بحيث قبلتم العلم. (١)، فكذلك الجوارح يصير لها إدراك وشعور بحيث يقبلن الائتمار والانزجار؛ فيتبع الكلب الصيد بإرسال صاحبه له، وينزجر بزجره، وينصرف بأمره، ويمسك الصيد عليه، ولا يأكل منه.
قال الزمخشري: «(المكلِّب) (٢) مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك، بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف. واشتقاقه من (الكلب) لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه، أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به.
وانتصاب (مُكلّبينَ) على الحال من (عَلّمتم). فإن قلتَ: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ (عَلّمتم)؟ قلتُ: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه، مدرّيا فيه، موصوفاً بالتكليب». (٣)
стр. 315
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: السمرقندي، والزمخشري، والنسفي، وأبوحيان، وأبو السعود، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (١)
قال أبو السعود: (وانتصابه - يعني (مُكلبين) - على الحالية من فاعل (عَلّمتم)، وفائدتها: المبالغة في التعليم، لما أن الاسم المكلّب لا يقع إلا على النحرير في علمه). (٢)
ومن المعلوم - كما هي دلالة الآية الكريمة - أنه كلما زاد علم المرء، زادت بصيرته وحذِق في فنونه، فكان أولى أن ينصرف الناس إليه، وكان أحرى أن ينتفع الناس بعلمه، فكم من جاهل قد أفنى عمره، وضيّع أوقاته في مجالسَ يُزعم أنها للعلم، والباطل فيها أكثر من الحق، والبدعة فيها أولى من السُنّة، فضاعت أيامه، وفرَّط في حظ كبير من العلم.
فأفادت هذه الآية أنه حريٌ بطالب العلم في أي فنٍ من فنونه أن يلتمسه عند أهله، وهم أهل الدراية والمعرفة الحاذقين فيه، المتمكِّنين منه، ولو بَعُدت بينهم المسافات، وفرقتهم الديار والأمصار.
وهذه الدلالة من الآية من لطائف الاستنباط عند الخطيب، ويؤيد صحتها ماجاء في فضل أهل العلم وجلالة قدرهم، وعلو رتبتهم على من سواهم من سائر الخلق، ويكفي أن أجر العالم المتصدي للخلق وفضله مُقدّم على أجر العابد بل الزاهد المنقطع للعبادة، كما أخبر ﷺ «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 316
أقل الصداق لا يتقدر.
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: قوله تعالى: (﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهنّ، فتقييد الحلّ بإتيانها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى، وأنّ من تزوّج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة الزاني، وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حدّ لأقلّه كما أن أقل الأجر في الإجارة لا يتقدّر). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن أقل الصداق لا يتقدر، إذ سماه أجراً، قياساً على الأجر في الإجارات فإنه لا يتقدر. فقال تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، وسميت هنا (أجورا) مجازاً في معنى الأعواض عن المنافع الحاصلة من آثار عقدة النكاح، لأن المهر أجر البِضع، ولو كانت المهور أجوراً حقيقة لوجب تحديد مدة الانتفاع ومقداره وذلك مما تنزه عنه عقدة النكاح. (٢)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، وغيرهما. (٣)
стр. 317
أما أقل الصداق فاختُلِف فيه فذهب أحمد والشافعي إلى أنه لا تقدير لأقله بل ما جاز أن يكون مبيعاً أو ثمناً جاز أن يكون صداقاً (١)، وقال مالك وأبوحنيفة: يتقدر بنصاب السرقة. (٢)
والصحيح أنه لا يتقدر، ويدل لذلك قوله ﷺ للرجل الذي لم يجد ما ينفقه صداقاً: «التمس ولو خاتماً من حديد»، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال ﷺ : «هل معك من القرآن شيء»؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها- فقال النبي ﷺ : «قد زوجتها بما معك من القرآن» (٣)
فدلّ على أن لا تقدير لأقل الصداق، لأنه قال: «التمس شيئاً» وهذا يدل على جواز أي شيء كان من المال، ولأنه قال: «ولو خاتماً من حديد»، ولا قيمة لخاتم الحديد إلا أقل القليل.
ويدلّ له أيضاً قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فسمى المهر أجراً، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات؛ لأن حكم الإجارة ثبت في المنفعة وكذلك حكم النكاح.
وهذا قول جمهور أهل العلم وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها (٤)، كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره، كما هو الظاهر من دلالة هذه الآية، والأحاديث الصحيحة تؤيده، والعلم عند الله تعالى.
стр. 318
وجوب الترتيب في الوضوء.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح، فيه دليل على وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء، وعليه الشافعيّ (١) رضي الله تعالى عنه). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على وجوب الترتيب في الوضوء؛ لأن إدخال الممسوح وهو (الرأس) بين المغسولات (الأيدي والأرجل) قرينة على أنه أريد به الترتيب (٣)، فالعرب لا تقطع النظير عن النظير إلا لفائدة (٤)، والفائدة هنا الترتيب. (٥)
стр. 319
ويدل له أنه ﷺ لما طاف بالبيت، خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به» (١)، فدلّ على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كون الآية دالّة على الترتيب شرعاً (٢)، ويعضد هذا أنه ﷺ توضأ عمره كله مرتباً ترتيب القرآن، وفعله هذا بيان مجمل كتاب الله تعالى. (٣)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية موافقاً الخطيب: ابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم. (٤)
وعلى وجوب الترتيب في الوضوء الشافعي (٥)، وأحمد (٦). وذهب أبو حنيفة (٧)، ومالك في المشهور عنه إلى أنه سنة. (٨)
قال الخازن: (احتج الشافعي على وجوب الترتيب بهذه الآية، وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، ثم بغسل اليدين، ثم بمسح الرأس، ثم بغسل الرجلين، فوجب أن يقع الفعل مرتباً كما أمر الله تعالى، ولقوله ﷺ في حديث حجة الوداع «ابدأ بما بدأ الله
стр. 320
به»، وهذا الحديث وإن ورد في قصة السعي بين الصفا والمروة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن أفعال النبي ﷺ في الوضوء ما وردت إلا مرتبة كما وردت في نص الآية، ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن غيره من الصحابة أنه توضأ منكساً أو غير مرتب، فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما أمر الله تعالى، ونصّ عليه في هذه الآية واجب.) (١)
واحتج أبو حنيفة وأصحابه ومالك بهذه الآية أيضاً، وقالوا: الواو المذكورة في الآية للجمع لا للترتيب، ولو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص، وذلك غير جائز (٢). وأجيب عنه بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه توضأ إلا مرتباً، وبيان الكتاب إنما يؤخذ من السنة. (٣)
والذي يظهر والله تعالى أعلم صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، وأن الترتيب في الوضوء واجب؛ لأن الأمر في قوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ للوجوب، ولأن الآية ما سِيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن.
ويدل له أيضاً الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وكلهم وصَفُوه مرتباً مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفةٌ غير مرتَّبة، وفعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات. (٤)
قال ابن القيم: (وكذلك كان وضوءه مرتبًا متواليًا، لم يُخلّ به مرة واحدة). (٥) والله تعالى أعلم.