← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية (١)، وذهب الحنابلة إلى أن الزوج لا يستحب له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، بل يحرم عليه الأخذ إن عضلها ليضطرها إلى الفداء. (٢) وفصَّل الحنفية القول في ذلك فقالوا: إن كان النشوز من جهة الزوج كُره له كراهة تحريم أخذ شيء منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وإن كان النشوز من قبل المرأة لا يكره له الأخذ، ويتناول القليل والكثير، وإن كان أكثر مما أعطاها. (٣) قال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق. (٤) والذي يظهر والله تعالى أعلم ضعف دلالة هذه الآية على عدم جواز الفداء بأكثر من الصداق، والراجح قول جمهور أهل العلم بجواز الخلع على الكثير والقليل لعموم هذه الآية، فكل ما تم الاتفاق عليه قلَّ أو كثر جائز أن يكون عوضاً في الخلع. قال الشنقيطي موافقاً قول الجمهور: (ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق ; وذلك لأنه تعالى عبَّر بما الموصولة في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا

стр. 247

افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم (١) ; لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها). (٢) ونصُّ الحديث في قصة جميلة جاء بروايات فيها الزيادة (٣)، وهذا يدل على جواز الخلع بجميع ما أعطاها، وعموم القرآن يدل على جوازه بأكثر من ذلك، فكل ما كان

стр. 248

فداء فجائز على الإطلاق (١)، والله تعالى أعلم. عدم صحة تزويج المرأة نفسها. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أُسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ). (٢) وجه الاستنباط: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يدل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر، هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق. (٣) الدراسة: استنبط الخطيب من إشارة الآية دلالتها باللازم على اعتبار الولاية للمرأة في النكاح، وأنها لا تلي عقد النكاح بنفسها، إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل، ولا لنهي الولي عن العضل معنى (٤)، وهذا هو مذهب أحمد والشافعي

стр. 249

ومالك وجمهور فقهاء الإسلام (١)، وشذَّ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في النكاح. (٢) ووجه الدلالة في هذه الآية على أن الخطاب للأولياء (٣)، وهذا الذي عليه أكثر المفسرين (٤)، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عنه، فيكون دليلاً على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى. وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، وابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (٥) وقد تمسَّك الإمام الشافعي بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز، فقال: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف). (٦)

стр. 250

وقال: (فإن شُبِّه على أحد أن مبتدأ الآية على ذكر الأزواج، ففي الآية دلالة على أنه إنما نهى عن العضل الأولياء؛ لأن الزوج إذا طلّق فبلغت المرأة الأجل، فهو أبعد الناس منها فكيف يعضلها من لا سبيل ولا شرك له في أن يعضلها في بعضها؟ فإن قال قائل قد تحتمل إذا قاربن بلوغ أجلهن؛ لأن الله يقول للأزواج ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالآية تدل على أنه لم يُرد بها هذا المعنى وأنها لا تحتمله؛ لأنها إذا قاربت بلوغ أجلها، أو لم تبلغه فقد حظر الله تعالى عليها أن تنكح، لقول الله ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فلا يأمر بأن لا يمنع من النكاح من قد منعها منه، إنما يأمر بأن لا يمتنع مما أباح لها من هو سبب من منعها.) (١) وقد جاءت السنة بمثل ما جاء في القرآن، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها الصداق بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٢) قال ابن عطية: (هذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي، خلاف قول أبي حنيفة: إن الولي ليس من شروط النكاح.) (٣) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 251

وجوب الصلاة حال المقاتلة. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة، وإليه ذهب الشافعيّ (١)، وقال أبو حنيفة: لا يصلي حال المشي والمقاتلة ما لم يمكن الوقوف (٢)). (٣) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على وجوب الصلاة حال المقاتلة؛ لأنها نصَّت على الأمر بالصلاة في حال الخوف حيث عُطفت على قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فذكر تعالى وجوب الصلاة بشروطها وحدودها، ثم زادها تأكيداً بقوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمر فيها بالقيام والدوام على الخشوع والسكون، ثم بيَّن حكم هذه الصلوات المكتوبات في حال الخوف فقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، فأرخص في جواز ترك بعض الشروط، تعظيماً لأمرها، وتأكيداً لوجوبها؛ فأمر بفعلها في هذه الحال، ولم يعذر أحداً من المكلفين في تركها فدلَّ على وجوبها حال القتال. (٤)

стр. 252

وممن نصًّ على الوجوب بدلالة الآية: الكيا الهراسي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبو حيان، والسيوطي، والنيسابوري، والسعدي، وغيرهم. (١) وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي ما لم يمكنه الوقوف، بل يؤخر الصلاة ويقضيها (٢)؛ لأن النبي ﷺ أخَّر الصلاة يوم الخندق فصلَّى الظهر والعصر والمغرب بعد ما غربت الشمس فيُقتدى به. (٣) واحتج الشافعي بهذه الآية من وجهين الأول: قول ابن عمر: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. (٤) والوجه الثاني: أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال، فصار قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ يدل على الترخص في ترك التوجه، وأيضا يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأنه مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه، وإن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود. (٥)

стр. 253

قال القرطبي: (قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة، وحديث ابن عمر يردُّ عليه (١)، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، قال الشافعي: لما رخَّص ﵎ في جواز ترك بعض الشروط، دلَّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها (٢)). (٣) وعلى هذا فظاهر قوله: ﴿فَرِجَالًا﴾ أنهم يصلون في حال المشي، ويصلون على كل حال، والراكب يوميء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة. (٤) قال الشَّافعي: (ولا يجوز في صلاة مكتوبة، استقبال غير القبلة إلا عند إطلال العدو على المسلمين، وذلك عند المسايفة (٥) وما أشبهها، ودنو الزحف من الزحف (٦)). (٧) ويعضده ما أخرجه ابن جرير وغيره عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. (٨)

стр. 254

فهذا يدلُّ على وجوب الصلاة حال المسايفة والقتال كما عليه أكثر العلماء (١)، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أفضل بل أوجب من صلاتها مطمئناً خارج الوقت. (٢) وأجيب عن تأخير النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف وإنما نزل بعد، فلما نزلت صلاة الخوف لم يؤخر النبي ﷺ بعد ذلك صلاة قط. (٣) قال ابن العربي مستدلاً بهذه الآية: (وما قلناه أرجح؛ لأنا نحن أسقطنا صفة من صفات الصلاة للضرورة، وهو أسقط - أي أبا حنيفة - أصل الصلاة، فهذا أرجح) (٤) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 255

الفائدة من حكاية خبر الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] قال الخطيب الشربيني ﵀: (فائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثُّهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بُد، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة ذكر هذه القصة، وأن المقصود منها موعظة المسلمين بترك الجُبن، وتشجيعهم على الجهاد، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء؛ لأن الخوف من الموت لا يدفع الموت، فهؤلاء الذين ضُرِب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت (٢)، فلم يُغن خوفهم عنهم شيئاً، وأراهم الله الموت ثم أحياهم، ومحل العبرة من القصة هو: أنهم ذاقوا

стр. 256

الموت الذي فرُّوا منه، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئاً، ويعلموا أن الموت والحياة بيد الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦]. ففي هذه الآية دليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فالموت إذا لم يكن منه بد ومفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى، فإن كان قد حان الأجل فموت في سبيله تعالى خير سبيل، وإلا فنصرٌ وثواب. (١) قال الطبري مؤيداً هذه الدلالة: (وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية، على المواظبة على الجهاد في سبيله، والصبر على قتال أعداء دينه، وشجَّعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم، أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه دون خلقه، وأن الفرار من القتال، والهرب من الجهاد، ولقاء الأعداءإلى التحصن في الحصون، والاختباء في المنازل والدور، غير منجٍ أحداً من قضائه إذا حلَّ بساحته). (٢) وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة: الطبري، والزجاج، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (٣) قال الشنقيطي مبيناً غرض الآية: (المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن

стр. 257

فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان. .. ، وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال ; لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو فُرِض نجاته منه فهو ميت عن قريب (١)، وهذا هو المراد بالآيات المذكورة). (٢) فكان ذكر هذه القصة التي هي من عظيم آياته حث على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان، وتحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، وهي إشارة حسنة، من لطائف الاستنباط عند الخطيب، والله تعالى أعلم. (٣)

стр. 258

تفاوت الأنبياء ﵈ وجواز تفضيل بعضهم على بعض. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [لبقرة: ٢٥٣] قال الخطيب الشربيني ﵀: (الآية دليل على أنّ الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن بنصّ؛ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصِّ على مسألة عقدية، وهي أن الرسل يتفاضلون، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، وذلك في الجملة دون تعيين مفضول؛ حيث نصَّ تعالى على تفضيل بعض رسله على بعض فقال ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فدلَّ على جواز المفاضلة بينهم لكن بنصّ قاطع من غير ظن؛ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد؛ إذ لابد من اعتقاد التفاضل بين الأنبياء، واعتقاد فضل الرسل على الأنبياء، وفضل أولي العزم على بقية الرسل، وفضل محمد ﷺ على سائر الرسل والأنبياء، لقيام الأدلة الصحيحة على ذلك. وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية موافقاً الخطيب: ابن عطية، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عاشور، وابن عثيمين وغيرهم. (٢)

стр. 259

قال ابن عثيمين: (من فوائد الآية: أن الرسل ﵈ يتفاضلون؛ لقوله تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾). (١) وأما ما ثبت في السنة من النهي عن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، ونهيه عن تفضيله ﷺ خاصة على بعض الأنبياء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «لا تفضلوا بين الأنبياء» (٢)، وقال: «لا تخيروني على موسى» (٣)، وفي هذا يظهر إشكال بين الآية والأحاديث، وقد خرَّج بعض العلماء وجوهاً من القول في توجيهه (٤) منها: أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي ﷺ هذا (٥)، لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموماً، فإن الله حرَّم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ

стр. 260

اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فعُلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. (١) قال الخطابي (٢): (معنى هذا ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله سبحانه قد أخبر أنه قد فاضل بينهم فقال : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]). (٣) وذكر القرطبي أقوالاً أخرى في توجيه ذلك، ثم قال: (وأحسن من ذلك قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، وأولو عزم، ومنهم من اتُخذ خليلاً .. ثم قال: وهذا قول حسن؛ فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غيرنسخ). (٤)

стр. 261

ونفى الشوكاني المعارضة بين القرآن والسنة وتكلف الجمع بينهما، بعد أن عدَّ كلاماً لأهل العلم في وجه الجمع قال: (وفي جميع هذه الأقوال ضعف، وعندي أنه لا تعارض بين القرآن والسنة، فإن القرآن دلَّ على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلا عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً وهذا مفضولاً - إلى أن قال-: فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضَّل بعض أنبيائه على بعض، لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضَّل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرض للجمع بينهما زاعماً أنهما متعارضان فقد غلط غلطاً بيناً). (١) والذي يظهر من كلام أهل العلم والله تعالى أعلم هوجواز التفضيل إجمالاً، ومنع التفضيل على وجه الخصوص، فلا يجوزُ المفاضلة بين نبيٍّ ونبي على وجه التخصيص (فاضل ومفضول)، وهذا صريحُ نص السنة الصحيحة التي وردت بالنهي «لا تفضلوا بين الأنبياء»، يعني به النهي عن التفضيل التفصيلي، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال (٢)، وهو ما تُحمل عليه دلالة الآية كما وجهه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 262

إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: جياد ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ من المال والتجارة والصناعة، وفيه دلالة على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث؛ لأنه تعالى أمر بالإنفاق وخصصَّه بالطيبات من الكسب، فدلَّ على جوازه، ودلَّ تخصيص الطيبات منه على انقسامه إلى طيب وخبيث. وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والبغوي، والخازن، وحقي، وغيرهم. (٢) قال الجصاص: (فيه إباحة المكاسب وإخبار أن فيها طيباً). (٣)

стр. 263

والمذهب عند الفقهاء من السلف والخلف أن كسب المرء لنفسه مباح على الإطلاق بل هو فرضٌ عند الحاجة. (١) وقال قوم من جهال أهل التقشف والتصوف: إن الكسب حرام لا يحل إلا عند الضرورة، واستدلوا بأقوال باطلة وحجج واهية. (٢) قال الشاطبي (٣) منكراً عليهم: (ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أو أفضل من غيره، إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها.) (٤)

стр. 264

ويُردُّ عليهم بدلالة هذه الآية وغيرها، وما ثبت في السنة مما يدل على إثبات الكسب شرعاً، وأنه لا يقدح في التوكل، كما أن الاكتساب طريق المرسلين، والأنبياء في هذا ليسوا كغيرهم، فقد بُعثوا لدعوة الناس، فكانوا مشغولين بما بعثوا لأجله، ولم يشتغلوا عامة أوقاتهم بالكسب لهذا، وقد اكتسبوا في بعض الأوقات ليُبينوا للناس أن ذلك مما ينبغي أن يشتغل به المرء، وأنه لا ينفي التوكل على الله، كما ظنه هؤلاء الجهال، فلا منافرة بَين التوكل والكسب، ولو ترك النَّاس الْكسْب بالجملة لهلكت الأَرْض وَمن عليها، فلا يخفى ضرورته وفضله من الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو، والتعفف عن ذلة السؤال والحاجة إلى الغير (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 265

الإشارة إلى كمال عظمة الله، وعجز العبد. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لما وقع منكم من تقصير، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لما له من الإحاطة بصفات الكمال، ولما جبل عليه الإنسان من النقص). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من إشارة الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختمها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وذلك للإشعار بكمال ذاته تعالى وصفاته، وتقصير الإنسان وعجزه، حيث وعد تعالى عباده بالمغفرة، وهذا دليل كمال في جانب الله، وعجز وتقصير في جانب العبد، وأنه لا يقدر أحد مهما بلغ، أن يقدر الله حق قدره، لجلاله وكمال صفاته، فله المحامد والفضائل كلها، التي لا يبلغها ولا يجزي بها أحد، يشهد له قوله سبحانه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: البقاعي، وغيره. (٢) وهي إشارة حسنة؛ إذ جاء وعد الرحمن عباده بالمغفرة في مقابلة وعد الشيطان لهم بالفقر، إشعاراً بكماله تعالى وعظمة سلطانه، وحاجة عباده وفاقتهم دائماً وأبداً إلى العفو والمغفرة مهما بلغ بهم من الطاعة، فإن المرء محل الضعف

стр. 266

والغفلة والتقصير، وغلبة الهوى مهما بلغ وإن اجتهد في الطاعة، فلا يخلو من التفريط، ولا يسعه إلا رحمة الله وعفوه، ولهذا وعد عباده بالمغفرة ووعده تعالى الحق (١)، والله تعالى أجل وأعلم. جواز النيابة في الإقرار. قال الله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: متولي أمره من والد ووصيّ، وقيم، ووكيل، ومترجم ﴿بِالْعَدْلِ﴾ وفي هذا دليل على جريان النيابة في الإقرار. قال البيضاوي: ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل (٢)، أي: دون المترجم ودونهما فيما لم يتعاطياه). (٣) وجه الاستنباط: أمرُ الولي بالإملال (٤)، فلو لم يُقبل إقراره لما كان لإملاله معنى. (٥) الدراسة:

стр. 267

استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط حكم فقهي وهو جواز النيابة في الإقرار؛ حيث أمر الله تعالى ولي الذي عليه الحق بالإملال، فلو لم يقبل إقراره لما كان لإملاله معنى، فدلَّ على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه؛ لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه (١)؛ ولأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره (٢)، وقد نهاه الله تعالى أيضاً عن كتمان الحق بقوله ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فصار نظير أمره بأداء الشهادة ونهيه عن كتمانها، وقوله تعالى ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أي شاهد كما قاله ابن عباس ﵄ (٣) وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] والمراد به الإقرار (٤). وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الحكم من الآية: ابن العربي، والبيضاوي، والسيوطي، والألوسي، وغيرهم. (٥) قال السيوطي: (فيه أن السفية يحجر عليه، وتُلغى أقواله وتصرفاته وإقراره، وأنه لابد له من ولي أمره، وأن الولي يُقبل إقراره عليه). (٦) وقال ابن العربي: (وهذا يدل على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه؛ لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه). (٧)

стр. 268

والمراد بالولي في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي متولي أمره، وهو الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبياً أو مختل العقل، أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع (١)، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول، وفرق بينه وبين الإقرار على الغير. (٢) قال ابن عطية: (أمَر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره). (٣) وشهادة الوصي على من في حجره مقبولة عند المالكية والشافعية والحنابلة على الصحيح من المذهب، وعند الحنفية وأحمد في رواية عنه لا تقبل (٤)، فإذا شهد الوصي على من هو موصى عليهم، قُبلت شهادته، وإن شهد لهم لم تقبل إذا كانوا في حجره، لأنه قد صار بالنيابة عن ذي الحق متهماً. (٥) قال ابن قدامة في تحقيق ذلك: (أما شهادته عليهم فمقبولة، لا نعلم فيه خلافاً، فإنه لا يُتهم عليهم، ولا يجُرُّ بشهادته عليهم نفعاً، ولا يدفع عنهم بها

стр. 269

ضرراً، وأما شهادته لهم إذا كانوا في حجره، فغير مقبولة، وهذا قول أكثر أهل العلم (١)). (٢) وذلك لأنه قد قام مقامهم في النيابة عنهم، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وبهذا يتبين جواز النيابة في الإقرار كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم. جواز التكليف بما لا يطاق. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ﴾ أي: قوّة، ﴿لَنَا بِهِ﴾ من البلاء والعقوبة ومن التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية، وهو يدلّ على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سُئل التخلص منه). (٣) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة استنباطاً أصولياً، وهو جواز التكليف بما لا يطاق؛ إذ لو لم يكن جائزاً لما حسُن طلب تخفيفه بالدعاء من الله تعالى.

стр. 270

قال ابن جزي مؤيداً هذه الدلالة: (هذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يُدعى برفع ما لا يجوز أن يقع، ثم إن الشرع دفعَ وقوعه). (١) وممن نصَّ على هذه الدلالة موافقاً الخطيب: الرازي، والبيضاوي، وابن جزي، والخازن، والنيسابوري، والشهاب الخفاجي، وغيرهم. (٢) والقول بجواز تكليف ما لا يطاق عقلاً هو قول الأشاعرة (٣)، وهي من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفِرق وذلك تبعاً للخلاف الواقع في الاستطاعة والتحسين والتقبيح (٤)، وقد بنى الأشاعرة قولهم في هذه المسألة على أصلهم في منع التعليل في أفعال الله ومنع التحسين والتقبيح العقليين، ووجه استدلالهم بهذه الآية قولهم: لولا حسُن وقوع التكليف بما لايطاق ما سألوا دفعه، فلفظ «حُسن» هو على طريقة المعتزلة في التحسين والتقبيح، والأشاعرة

стр. 271

تقول بأن أصل أفعال العباد كلها ليست بقدرتهم، ومن ثَمَّ فكل تكاليف الشريعة من تكليف ما لا يطاق، ولهذا قالوا بجوازه. وهذا الاستدلال بالآية غير صحيح؛ إذ المراد بقوله تعالى ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ليس المستحيل، وإنما المراد به ما يكون شاقاً على العباد مع قدرتهم عليه (١)، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي الذي يشق عليهم مع أنهم يقدرون عليه. والصواب في هذه المسألة هو التفصيل كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن أبي العز في شرح الطحاوية (٣)، وغيرهم، وذلك بأن يُقال: إن تكليف ما لا يطاق ينقسم قسمين: أحدهما: ما لا يُطاق للعجز عنه، كتكليف الزمن السير، وتكليف الإنسان الطيران، ونحو ذلك فهذا غير واقع في الشريعة عند جماهير أهل السنة المثبتين للقدَر. والثاني: ما لا يُطاق للاشتغال بضده، كاشتغال الكافر بالكفر، فإنه هو الذي صدَّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائماً، والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر، وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب. ومثل هذا ليس بقبيح عقلاً عند أحد من العقلاء، بل العقلاء متفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي؛ لاشتغاله بضده إذا أمكن أن يترك الضد ويفعل الضد المأمور به، وهذا لا يدخل فيما لا يطاق، فإنه لا يقال

стр. 272

للمستطيع المأمور بالحج إذا لم يحج إنه كُلِّف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أُمر بالطهارة والصلاة فتَرك ذلك كسَلا أنه كُلِّف ما لا يُطيق. وهذا هو الحق في هذه المسألة (١)، أما إطلاق القول فيها فهو من البدع المحدثة، المخالفة للآيات الدالة على رفع الحرج وعدم التكليف بما لا يطاق، ويكفي في ردِّه أنه قول مبتدع لم يقل به أحدٌ من السلف بل هو من بدع المتكلمين المبنية على أصولهم الفاسدة، والله تعالى أعلم.

стр. 273

سورة آل عمران فضل علم أصول الدين. قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم الله تعالى هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ أُجيب: بأنّ المراد بهم أنهم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل (١) والتوحيد من الأنبياء والمؤمنين، وفيه دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران فضل علم أصول الدين، وشرف أهله، حيث قرن تعالى اسمه واسم ملائكته مع أولي العلم في الشهادة على وحدانيته وعدله، ولو كان أحدٌ أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، فدلّ على فضيلة أهل العلم عامة، وعلماء التوحيد وأصول الدين خاصة؛ لأنهم أهل إثبات وحدانيته سبحانه وقدرته دون غيرهم من أهل العلوم.

стр. 274

وقد دلّت هذه الآية على شرف العلم وأهله من وجوه كثيرة، حكاها السعدي وغيره، منها: أن الله خصّهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون سائر الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً، ثم جعلهم سبحانه أولي العلم، فأضافهم إلى العلم؛ إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، وكذلك جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونوا هم السبب في ذلك، ويكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن تزكيتهم وتعديلهم، وأنهم أُمناء على ما استرعاهم عليه. (١) والمراد بأولي العلم هنا: علماء الكتاب والسنة، وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب والسنة، أفاده الشوكاني. (٢) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، والشوكاني، والسعدي، وغيرهم. (٣) قال السعدي: (وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصاً في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه،

стр. 275

وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد، لأن الله شهد به بنفسه، وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين.) (١) ولا غرو فعلم التوحيد خاصة، وعلم أصول الدين عامة أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، وحاجة العباد إليه تفوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله أعلم.

стр. 276

نفي حبوط العمل، وخلود المؤمن في النار. قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت من خير أو شر، وفي ذلك دليل على أن العبادة لا تحبط، وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها؛ لأن توفية إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذاً هي بعد الخلاص إن دخلها). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على نفي حبوط العمل، وخلود المؤمن في النار. لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على توفية الإنسان عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وتوفية الإيمان والعمل الصالح للعبد لا تكون في النار، ولا قبل دخولها، فوجب أن تكون بعد الخلاص منها إن لم تدركه رحمة الله قبل دخولها. وقد نصَّ على هذه الدلالة من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وغيرهم. (٢) وهذه الآية يستدل بها القائلون بالوعيد (٣)، ويستدل بها أهل السنة

стр. 277

والجماعة القائلين بأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار (١)؛ لأن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلا بد وأن يوفى عليه ثوابه، لقوله تعالى ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ فإما أن يثاب في الجنة، ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع، وإما أن يعاقب بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبداً مخلداً وهو الصحيح، أفاده الرازي. (٢) وأهل السنة والجماعة على أن أصحاب الكبائر تحت مشيئة الله، إن شاء الله تعالى غفر لهم وأدخلهم الجنة برحمته كما قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨)، وإن شاء أدخلهم النار بعدله بقدر سيئاتهم، ثم أُخرجوا من النار بإيمانهم، وبعقيدتهم وتوحيدهم. قال الطحاوي: (وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكِرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته). (٣) وهذه الدلالة وإن كانت صحيحة، إلا أن استنباطها من هذه الآية ليس بظاهر كل الظهور، والله تعالى أعلم.

стр. 278

كرامة الأولياء. قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] قال الخطيب الشربيني – ﵀: (قوله تعالى ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك؟ ﴿قَالَتْ﴾ وهي صغيرة ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يأتيني به من الجنة، قيل: تكلمت في المهد وهي صغيرة كما تكلم ابنها عيسى وهو صغير في المهد، ولم ترضع ثدياً قط، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة (١)، وفي هذا دليل وأي دليل على كرامة الأولياء، وليس ذلك معجزة لزكريا كما زعمه جماعة (٢)؛ لأنّ ذلك مدفوع باشتباه الأمر عليه، حتى قال لها أنى لك هذا؟ ولو كان معجزة له لادّعاها وقطع بها؛ لأنّ النبيّ شأنه ذلك، ويدل عليها غير ذلك كقصة أصحاب الكهف، ولبثهم في الكهف سنين عدداً بلا طعام ولا شراب .. - إلى أن قال- وبالجملة فكرامات الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة). (٣)

стр. 279

الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كرامة الأولياء؛ حيث أخبر تعالى أن زكريا ﵇ كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقاً، فلمّا سألها عنه قالت: هو من عند الله، فحصول ذلك الرزق عندها على هذا الوجه أمرٌ خارق للعادة، وفيه تعظيم لشأن مريم، وكرامة لها. وهكذا فهم زكريا ﵇ هذا المعنى، وإلا لم يكن ليقتنع بجواب مريم: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهذا من الآية التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ويدل لذلك أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، مع أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته وكِبَر زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم، طمع في انخراق العادة في حقه هو أيضاً بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر. وقد تواترت الروايات (١) أن زكريا ﵇ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم ﵍ كان فعلاً خارقاً للعادة. (٢) وممن قال بهذا الاستنباط: الزجاج، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، والمظهري، والقاسمي، والسعدي وغيرهم. (٣)

стр. 280

وأهل السنة والجماعة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة، وما صحت به الرواية من كرامات الأولياء ويصدقون بها ولا ينفونها (١)، لأن في التصديق بها تصديقاً بما أخبر الله به في القرآن، وأخبر به النبي ﷺ في السنة، وإنما يُنكِرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، وهذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة؛ فقد ثبت في القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف، وقصة مريم، وثبت في السنة الصحيحة نزول الملائكة كهيئة الظلة فيها أمثال السرج (٢) لاستماع قراءة أسيد بن حضير (٣)، وسلام الملائكة (٤) على عمران بن حصين (٥)، وغيرها من الكرامات.

стр. 281

قال ابن تيمية: (من أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.) (١) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة، خلافاً لمن نفى ذلك، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم. عدم جواز لعن الكافر المعيَّن مادام حياً. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٧] قال الخطيب الشربيني – ﵀: (المراد بالناس: المؤمنون أو العموم؛ فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه، ولكن لا يعرف الحق بعينه. ثم قال: تنبيه: دلَّت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين، وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم). (٢) الدراسة:

стр. 282

استنبط الخطيب من الآية عدم جواز لعن الكافر المعيَّن، لأن الله تعالى لما خصّ الذين كفروا بعد إيمانهم بأن جزاءهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، دلّ بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز لعن غيرهم من عموم الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم. وقد حكَم تعالى في قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله من هدايته ويعذبهم في الآخرة، وأن الأمر غير مقصور عليه، بل وتلعنهم الملائكة كذلك، والناس أجمعين، مما يدل على قبح فعلهم وعظيم غوايتهم. ويُفهم من دلالة هذه الآية أنه يجوز لعن من كفر بعد إيمانه، أما من سواه من الكفار فلا يجوز لعنه، ولعل الفرق بينهم -كما حكاه البيضاوي - أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى آيسون من الرحمة بخلاف غيرهم. (١) ولذلك فإنه لا يجوز لعن الكافر المعيّن إن كان حيَّاً، لأن حاله عند الوفاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في إطلاق اللعنة الوفاة على الكفر، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، ولأنّا لا ندري ما يختم به لهذا الكافر. وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما. (٢) ويؤيده ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: لا تدعُ عليهم فلعلّ الله أن يتوب

стр. 283

عليهم (١)، ومنه أخذَ جَمعٌ من أهل العلم تحريم لعن الكافر المعين، وذلك لأن النبي ﷺ نُهي عن ذلك، وهذا ما عليه الجمهور، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، رحمهم الله تعالى. (٢) وعليه فلا يُلعَن الكافر مازال حياً، وهو ما دلّت عليه الآية، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 284

قبح كفر أهل الكتاب وتكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (تخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما). (١) الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية قبح كفر أهل الكتاب، وتكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل؛ حيث خصَّهم بالذكر دون سائر الكفار؛ لأن معرفتهم بآيات الله أقوى؛ لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة للرسول ﷺ والبشارة به، كما نصّ قوله تعالى ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ على تكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل، فدلّ على قبح كفرهم واستنكاره منهم. (٢) قال أبو السعود مشيراً إلى هذا المعنى: (وإنما خوطبوا بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يُصدقه من القرآن العظيم، مبالغة في تقبيح حالهم في كفرهم بها، وقوله ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب، وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية، والمراد بآياته تعالى:

стр. 285

ما يعم الآيات القرآنية التي من جُملتها ما تُلي في شأن الحج وغيره، وما في التوراة والإنجيل من شواهد نبوته ﵇. (١) وممن استنبط إشارة الآية إلى هذه الدلالة موافقاً الخطيب: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٢) وعليه فمفاد التخصيص التوبيخ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد ﷺ وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شهادتهم أن ما في كتبهم حق، وأنه من عند الله. (٣) وهذه الآية تحتمل أيضاً أن يكون تخصيصهم بالذكر لأنهم هم المخاطبون في صدر الآية، فأورد عليهم الدلائل من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد ﷺ ، وأجابهم عن شُبههم في ذلك، ثم خاطبهم بذلك. (٤) قال الرازي: (فإن قيل: ولم خصّ أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟ قلنا لوجهين: الأول: أنا بينَّا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد ﵊، ثم أجاب عن شُبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: يا أهل الكتاب، فهذا الترتيب الصحيح. الثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته). (٥) وعلى كلا الوجهين فدلالة الآية على عِظم الكُفر منهم وإنكاره عليهم ظاهرة؛ لعلمهم بما في كتابهم مما يُبشر بمحمد ﷺ ويُصدِّقه، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →