← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومن الأمثلة على ذلك: - عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] قال الخطيب ﵀: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بيَّن باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى). (٢)

стр. 72

المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية . اعتنى الخطيب ﵀ بالاستنباط في أصول الفقه، وتميَّز بدقة هذه الاستنباطات وقوّتها، وتأتي استنباطاته الأصولية في المرتبة الرابعة (١) من إجمالي مجموع الاستنباطات عنده. ومن أمثلة الاستنباطات الأصولية عند الخطيب: - عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بيَّنوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة) (٢). - وعند قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قال الخطيب ﵀: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (٣) - وعند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف ٢٠] قال الخطيب ﵀: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات) (٤).

стр. 73

المطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية: استنبط الخطيب ﵀ كثيراً من الأحكام في الفقه والقواعد الفقهية، مما ينُمُّ عن غزارة علمه وسعة فقهه، وقد جاءت استنباطاته الفقهية في المرتبة الثانية من حيث الاستنباطات الأكثر وروداً عنده (١). ويمكن تقسيم استنباطاته الفقهية إلى قسمين: القسم الأول: استنباطات فقهية كلية، وهي ما يعرف بالقواعد الفقهية . ومن أمثلة استنباطاته في القواعد الفقهية: حجية سد الذرائع: - عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال الخطيب ﵀: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ أي: اعتداءً وظلماً ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلاً منهم بالله وبما يجب أن يذكر به، وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر). (٢)

стр. 74

الأصل في الأشياء الإباحة: - عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] قال الخطيب ﵀: (دلّت الآية على أنّ الأصل في الملابس وأنواع التجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأنّ الاستفهام في من للإنكار). (١) القسم الثاني: استنباطات لمسائل فقهية فرعية متنوعة، وهذا هو الأغلب في استنباطات الخطيب الفقهية . ومن أمثلة هذه الاستنباطات: - عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها؛ إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ) (٢). - وعند قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢] قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة) (٣).

стр. 75

المطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية . برزت ذائقة الخطيب وظهرت جلية في تفسيره، واستنباطاته اللغوية والبلاغية، حيث برع في علوم اللغة والبلاغة وفنون المعاني، وتميز في جانب النحو والإعراب، فنجده يعتني بالقواعد اللغوية، ويُوجه ويُرجح أحياناً، معتمداً على حصيلته اللغوية، وإجادته للعربية. وتأتي استنباطاته اللغوية في المرتبة السادسة من بين مجموع الاستنباطات، وهي الاستنباطات الأقل وروداً عنده؛ إذ بلغت ثمانية استنباطات. ومن أمثلة الاستنباطات اللغوية عند الخطيب: عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قال الخطيب ﵀: (فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأنّ عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر تحسيناً للكلام وتنشيطاً للسامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام فتعدِل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما). (١)

стр. 76

- وعند قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٣٥] قال الخطيب ﵀: (﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه يطوف به فيها ويفاخرهُ بها، وأفرد الجنة لإرادة الجنس، ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها؛ لأنه لا حظّ له في الآخرة). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] قال الخطيب ﵀: (قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ نُصب على الظرف، والإسراء سير الليل، وفائدة ذكره: الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته؛ فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل). (٢)

стр. 77

المطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية . يظهر للمتأمل في الاستنباط عند الخطيب عنايته بموضوع التربية، والسلوك، وكذلك الرِقاق التي تحمِل المرء على استشعار مراقبة الله تعالى، والحث على مكارم الأخلاق، والتحذير من سفاسف الأمور، ودنيء الطباع. وتأتي هذه الاستنباطات التربوية في المرتبة الثالثة من حيث الاستنباطات الأكثر وروداً عند الخطيب بعد الاستنباطات العقدية، والفقهية. (١) ومن أمثلة الاستنباط عند الخطيب في التربية والسلوك ما يأتي: - عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] قال الخطيب ﵀: (أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه). (٢) - وعند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]

стр. 78

قال الخطيب ﵀: (في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته، وسكونه، كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى، وكذا القول في طرف المعصية، فإنّ حركته فيها كلها سيئآت، فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت ٢٣] قال الخطيب ﵀: (﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن مِن حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن عليه من الله تعالى عيناً كالئة، ورقيباً مهيمناً، حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشاماً، وأوفر تحفُظاً، وتصوراً منه مع الملأ، ولا يتبسَّط في سره، مراقبةً من التشبه بهؤلاء الظانين). (٢) هذا ما تيسر الإشارة إليه من هذه الموضوعات، وهناك بعض الاستنباطات العامة التي لا تندرج تحت الأقسام الآنفة الذكر، وهذا النوع كثير عند الخطيب (٣).

стр. 79

المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه . الظهور والخفاء هنا متعلق بالنص القرآني المُستنبَط منه، لا المعنى المُستنبَط إذ الأصل في المعنى المستنبَط خفاؤه. ويمكن تقسيم الاستنباط من نصوص القرآن إلى قسمين: ١ - الاستنباط من نص ظاهر المعنى لا حاجة لتفسيره؛ لظهوره ووضوحه، فتُغني تلاوته عن تفسيره. ٢ - الاستنباط من نص يحتاج إلى تفسير، فلا يكون الاستنباط منه إلا بعد فهم معناه. (١) قال الزركشي (٢): (ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بيِّن بنفسه بلفظٍ لا يحتاج إلى بيانٍ منه ولا من غيره وهو كثير، ... وإلى ما ليس ببيِّن بنفسه فيحتاج إلى بيان، وبيانه إما فيه في آية أخرى، أو في السنة). (٣) والاستنباط لا يختص بالآيات الظاهرة المعنى فحسب، بل يشملها كما يشمل الآيات غير الواضحة التي يمكن الاستنباط منها بعد فهم معناها. (٤)

стр. 80

وفي هذا المبحث مطلبان: المطلب الأول: الاستنباط من ظاهر النص . وهو: استخراج ما خفي من النص القرآني الظاهر المعنى. والاستنباط هنا مباشر من النَّص؛ إذ المعنى المراد من الآية ظاهر لا يحتاج إلى إيضاح، وهذا ما عليه أكثر القرآن. (١) ومن أمثلة الاستنباط من نص ظاهر المعنى: - عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه). (٢) - وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] قال الخطيب ﵀: (فيها دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويُقيم، لا الترفع على الناس، وصرف وجوههم إليه، والتبسط في البلاد). (٣)

стр. 81

المطلب الثاني: الاستنباط من نص غير ظاهر المعنى . والاستنباط هنا يتوقف على الرجوع للتفسير؛ لأن النص فيه غير ظاهر المعنى، فعلى المُستنبِط معرفة معنى الآية وتفسيرها الصحيح أولاً قبل الاستنباط منها. قال القرطبي (١): (فمن لم يُحكِم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثُر غلطُه، ودخل في زمرة من فسَّر القرآن بالرأي، والنقلُ والسماع لا بُدَّ له منه في ظاهر التفسير أولاً، ليتَّقِي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، .. ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر). (٢) وقد يكون الاستنباط في هذا القسم صحيحاً أو غير صحيح، وذلك يعود إلى الخلاف في التفسير الذي ينبني عليه بطلان الاستنباط فيما لو ترجّح أحد المعنيين على الآخر، أو على غيره من المعاني. ومن أمثلة الاستنباط من نص غير ظاهر المعنى: - عند قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]

стр. 82

قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَأَصْبَحَ﴾ أي: عقب الليلة التي حصل فيها فراقه ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ أي: قلبها الذي زاد احتراقه شوقاً وخوفاً وحزناً، وهذا يدل على أنها ألقته ليلاً). (١) وللمفسرين في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار. والثاني: أنها ألقته نهاراً، ومعنى أصبح: أي صار. والأظهر أن لفظ «أصبح» بمعنى: صار، كما عليه عموم المفسرين، وهو الأغلب في استعماله. (٢) - عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] قال الخطيب ﵀: (وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غيّاه بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾). (٣) وفي معنى هذه الآية خلاف بين المفسرين، فحمل بعضهم الآية على ظاهرها وقال المراد: إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدوا الماء فتيمموا، فمُنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم، وقال آخرون: بل المراد من الصلاة: مواضع الصلاة وهي المساجد، كقوله تعالى: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه، وعليه فلا يقيم.

стр. 83

المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب . ينقسم الاستنباط من حيث إفراد النص أو تركيبه إلى قسمين: الأول: الاستنباط من نص واحد. الثاني: الاستنباط بالربط بين نصَّين أو أكثر، وهو ما يمكن تسميته بدلالة التركيب. (١) قال الزركشي عند تقسيمه لآيات الأحكام: (والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط. ثم هو على قسمين: أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى، ... والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى) (٢) وفي هذا المبحث مطلبان: المطلب الأول: الاستنباط من الآية الواحدة . وغالب الاستنباط عند الخطيب هو من هذا القسم، وأكثر ما سبق من الأمثلة يصلح أن يكون مثالاً عليه؛ لذا سأقتصر على مثال واحدٍ له. ومن أمثلته: - عند قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج ٧٨]. قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة). (٣)

стр. 84

المطلب الثاني: الاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر . وهو ما يسمى بدلالة التركيب أو الجمع بين الآيات، وهذا النوع من الاستنباط من أدقَّ أنواع الاستنباط وألطفه. قال ابن القيّم بعد أن ذكر دلالة الإفراد: (أو بدلالة التركيب، وهو ضم نصٍ إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح). (١) والاستنباط بدلالة التركيب هو الأقل وروداً عند الخطيب ﵀ من بين مجموع الاستنباطات. ومن الأمثلة على الاستنباط بدلالة التركيب عند الخطيب: - عند قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] قال الخطيب ﵀: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ

стр. 85

يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] قال الخطيب ﵀: (في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنّ الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين). (٢)

стр. 86

الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص. المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم. المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. المبحث السادس: الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص.

стр. 87

الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره. المقصود بالدلالة في هذا المبحث هو: كون الشيء بحالة يلزم من العِلم به، العِلم بشيء آخر. (١) أما طريق الاستنباط فهو أعم من الدلالة إذ يشمل الدلالة كما يشمل غيرها من قواعد الاستنباط وأوجهه المختلفة. والذي يعنينا في مقام الاستنباط من القرآن هو الدلالات الخفية، كما تقدَّم في تعريف الاستنباط. ولا تخفى أهمية معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط؛ إذ الجهل بهذه الطرق قد يؤدي إلى سلوك طرق غير صحيحة في الاستنباط، مما يترتب عليه الخطأ فيما يستنبط من معاني (٢). (٣)

стр. 88

وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة) . دلالة النص (مفهوم الموافقة) هي: ما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهاداً ولا استنباطاً. (١) ومحل الاستنباط هنا بالنظر إلى مقصد الشارع المعلوم باللغة. (٢) ويمكن تعريفها بمعنى آخر وهو: أن يكون المسكوت عنه موافقاً للمنطوق به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساوياً فيسمى لحن الخطاب. (٣) قال الزركشي عن هذه الدلالة: (اعلم أن هذا النوع البديع يُنظر إليه من ستر رقيق، وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام كما في آية التأفيف، فإنا نعلم أن الآية إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما، ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب ولو لم يُفهم المعنى لا يلزم ذلك). (٤) وتُسمى أيضاً بدلالة الدلالة؛ لأن الحُكم المُستنبَط يؤخذ من معنى النصّ لا من لفظه. وهذه التسمية (دلالة النص) هي للحنفية، وتُسمى عند غيرهم (مفهوم الموافقة)، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب. (٥)

стр. 89

ومن أمثلة دلالة النص (مفهوم الموافقة) عند الخطيب: - عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال الخطيب ﵀: (فيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذِكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطاً في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضاً منها فيها، فتعين كونها شرطاً لصحة الاعتكاف). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأنّ إذا تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه، فكأنه قيل: بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجباً). (٢) - وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قال الخطيب ﵀: (قوله تعالى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، فالضمير يعود على المضاف إليه؛ لأنّ اللحم دخل في قوله ﴿مَيْتَةً﴾، وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى). (٣)

стр. 90

المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة) . تُعرف دلالة المفهوم في الاصطلاح بأنها: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه. (١) ومعنى ذلك: أن يُعطى المسكوت عنه عكس ما أُعطي المذكور. وسمي مفهوم مخالفة: للمخالفة بين الحكم المذكور وغير المذكور. (٢) ويسمى: دليل الخطاب، وتنبيه الخطاب، لأن الخطاب هو الذي دلَّ عليه بواسطة انتفاء القيد من الوصفية أو الشرطية أو غيرها. (٣) ومفهوم المخالفة حجة عند جمهور العلماء بجميع أقسامه (٤)، ويستثنى منها مفهوم اللقب؛ إذ التحقيق عدم الاحتجاج به. (٥) ومن أمثلة دلالة مفهوم المخالفة عند الخطيب: - عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ٥]

стр. 91

قال الخطيب ﵀: (في هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله؛ لأنه إن كان جاحداً لوجوبهما فهو مرتدّ، وإلا قتل بترك الصلاة وأخذت منه الزكاة قهراً وقوتل على ذلك). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨] قال الخطيب ﵀: (﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين). (٢)

стр. 92

المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام . دلالة الالتزام هي: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصوداً باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود، فكأنَّه مقصود بالتبع لا بالأصل. (١) فهذه الدلالة تدل على المعنى المقصود من جهة اللزوم العقلي، إذ لابد من تلازم عقلي بين المعنى المُستنبَط وبين النّص، فإذا لم يوجد هذا التلازم فلا يصح كون المعنى مستنبَطاً بهذه الدلالة (٢). ودلالة الإشارة، والتنبيه، والإيماء، كلها داخلة في دلالة الالتزام، وهي الدلالة الأغلب في الاستنباط عند الخطيب. ومن أمثلة دلالة الالتزام: - عند قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود ٦٠] قال الخطيب ﵀: (قوله تعالى: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد، وفائدته تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم، والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود). (٣) - وعند قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]

стр. 93

قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على أنّ إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] قال الخطيب ﵀: (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في ذلك ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة، وغير ذلك مما تقدّم وترهيب من العمل بأضدادها، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً، ففيه مزيد حث على الإخلاص). (٢) المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن . تُعرف دلالة التضمن بأنها: دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له. (٣) وقد بين بعض علماء الأصول أن دلالة التضمن تكون لفظية، بخلاف دلالة الالتزام فإنها تكون عقلية، وقد سميت دلالة التضمن بذلك لتضمن المعنى لجزء المدلول. (٤)

стр. 94

وهي الدلالة الأقل وروداً عند الخطيب بل هي نادرة، فلم أقف إلا على مثال واحد لها. ومن أمثلة هذه الدلالة: عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] قال الخطيب ﵀: (﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة لسارة ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: بيت إبراهيم، وأهل منصوب على المدح أو النداء، .. ثم قال: وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته). (١)

стр. 95

المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران . دلالة الاقتران: هي الاستدلال بالجمع بين شيئين أو أكثر في سياق واحد على اتحاد حكمهما. (١) وهذه الدلالة قليلة الورود عند الخطيب في تفسيره. ومن أمثلة هذه الدلالة: عند قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٢٥] قال الخطيب ﵀: (وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأنّ السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإنّ الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع تام بأس لا بناء عليه، ولذلك قلَّما ذكرا مفردين، وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان؛ إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه). (٢) - وعند قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال الخطيب ﵀: (﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذٍ دليل على وجوبهما). (٣)

стр. 96

المبحث السادس: الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص . (١) وهي ما يُسمَّيها ابن القيّم دلالة التركيب. قال ﵀: (أو بدلالة التركيب، وهو ضم نصٍ إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح). (٢) وقال: (وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نصٍ آخر، مُتعلِقٍ به فيُفهم من اقترانه به قدراً زائداً على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا ينتبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقه به.) (٣) وهذا المنهج في الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص تعلَّمه الصحابة من رسول الله ﷺ . (٤) ومن أمثلة الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص: عند قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وقال تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ

стр. 97

يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر). (١) - وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب؛ لأنه لو لم يَذكُر هذا الاستثناء، وادَّعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله تعالى المخلصين، وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فليس يليق بالمسلم، وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف ﵇ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه من القبائح كذب وافتراء). (٢)

стр. 98

الفصل الثالث: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته . وفيه مبحثان: المبحث الأول: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره. المبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.

стр. 99

المبحث الأول: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره . وأعني بالأسلوب: النمط والطريقة التي اعتمدها الخطيب في غالب استنباطاته. وقد نهج الخطيب في استنباطاته عدة أساليب، منها: - بيان معنى الآية أولاً، ثم الاستنباط ثانياً، مما يسهل للقارئ ويعينه على فهم الاستنباط مباشرة. - التنوع في صيغ الاستنباط: فقد ذكر الخطيب مجموعة من الصيغ التي توحي بأن ما يعقبها استنباطاً، ومن تلك الصيغ: قوله: (وفي الآية، أو في هذه الآية دليل) (١)، (وخصَّ بالذكر، أو: وخصَّها بالذكر) (٢) وغالب ذلك في مناسبات الألفاظ، و (ظاهر الآية يدلّ) (٣)، و (استدَّل بهذه الآية) (٤)، و (دلّت هذه الآية الكريمة) (٥)، و (وفي هذه الآية دلالة) (٦)، و (في الآية إشارة) (٧)، و (في الآية إيماء) (٨)، (وفي الآية تنبيه) (٩)، وكثيراً ما يشير إلى الاستنباط بقوله: (تنبيه) (١٠)، ثم يذكره، وأحياناً يورد الصيغة

стр. 100

مؤكدة كقوله: (وفي هذا دليل وأي دليل، وهذا أدل دليل) (١)، إلى غير ذلك من الصيغ، وقد يذكر الاستنباط مباشرة من دون ذكر هذه الصيغ. - سلك الخطيب في استنباطاته مسلكين، هما: مسلك العرض، وهو الأكثر في استنباطاته وذلك بعرض الاستنباط فقط مع بيان وجهه في الأغلب. ومسلك الرد، وهو أقل من الأول، وأكثر ما يكون في الاستنباطات العقدية والفقهية، وذلك بالرد على القول المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، أو منتصراً لعقيدة الأشاعرة، إذا كان الاستنباط في العقيدة، أو لمذهبه الشافعي، مؤيدً له إذا كان استنباطاً فقهياً وكان الصواب في المسألة حليف الشافعي. - كثيراً ما يطرح الخطيب الاستنباط على طريقة السؤال والجواب كقوله ﵀: (فإن قيل: ... أجيب:) (٢) وهذا مما يعين على ترسيخ المعنى المستنبط لدى القارئ، وجمع ذهنه وأفكاره. - قد يستنبط الخطيب من الآية الواحدة استنباطين أو أكثر. وهذا كثير الورود عنده. - تكرار الاستنباط للتأكيد. ويظهر ذلك للمتتبِع لاستنباطاته، إذ كثيراً ما يكرر المعنى المُستنبَط في مواضع مختلفة في كثير من الآيات، وذلك بغرض تأكيد هذا المعنى المُستنبَط وتقريره، ويتجلى ذلك واضحاً في استنباطاته العقدية أكثر من غيرها. - لا يُصرِّح الخطيب غالباً بنوع الدلالة التي يستنبِط بها، كما هو ظاهر في كثير من استنباطاته. - كثيراً ما يستفتح استنباطاته بقوله: تنبيه، ثم يذكر الاستنباط، ويبين وجهه في الغالب. - قد يسمي الاستنباط فائدة، فيقول: في الآية فائدة، أوفوائد ثم يُّسمِّيها (٣). وأكثراستنباطاته يذكرها دون النصِّ على كونها من الفوائد.

стр. 101

المبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره . تميَّز الاستنباط عند الخطيب الشربيني، واتَّسَم بما يأتي: أولاً: وضوحه وسهولة عبارته، ويظهر ذلك في أكثراستنباطاته، فلا يتكلف العبارة، أو يتشدَّق بغريب الكلام، بل يستنبط الحُكم أو المعنى والفائدة بعبارة سهلة واضحة، تصل إلى فهم القارئ مباشرة دون أدنى كُلفة. ثانياً: دِقَّة ملحظِه، فقد امتاز الاستنباط عند الخطيب بدِقَّة الملحظ، ولطافة المأخذ في مواضع كثيرة، فنجده يقع على لطائف من الاستنباط ونُكات قلَّ أن يُنبِّه عليها غيره، لدقّتها وقوة ملحظها. ثالثاً: الإيجاز فيه وعدم الإطناب، حيث جاءت استنباطات الخطيب في أكثر أحوالها موجزة اللفظ مختصرة، تفي بالغرض من بيان المعنى المُستنبَط ووجهه، بلا إطالة وتفصيل، إلا فيما دعت الحاجة إليه، من بيان للحكم أو استدلال عليه، أو إيضاح لما قد يدِقُّ ويخفى ملحظه على عامة من قرأه. رابعاً: قوته ووجاهته. تميَّز الخطيب بقوة الاستنباط ووجاهته في أكثر استنباطاته، ولاغرو فالخطيب - كما تقدم - فقيه مفسر نحوي، اجتمعت فيه مصادر قوة قلَّ أن تجتمع في غيره، وقد أثَّر ذلك في اختياراته، كما أنه قد اعتمد على تفاسير من سبقه، ممن كانت لهم عناية خاصة بهذا الجانب، فجاءت استنباطاته قوية الدلالة، مُذيلة بالتوجيه في أكثرها. خامساً: عنايته الخاصة بالاستنباطات العقدية، فقد اعتنى الخطيب بالاستنباطات في العقيدة، وأولاها الكثير من التحرير والتدليل، سواء ما وافق فيه أهل السنة والجماعة، أو ما كان منها على مذهب الأشاعرة، مما قد يجعله مصدراً من مصادر

стр. 102

عقيدتهم في التفسير، وهذه وإن لم تكن بطبيعة الحال مِيزة إلا أنها سِمة من سِمات تفسيره. سادساً: توظيفه علوم اللغة في الاستنباط، فالخطيب -كما تقدم - إمام في العربية، ولذا نجده كثيراً ما يحتكم إلى لغة العرب وقواعدها أثناء الاستنباط. سابعاً: توظيفه السياق القرآني في الاستنباط، فأحياناً يقول: (وظاهر الآية يدلّ على كذا)، ولا شك أن إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده، أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له كما هي القاعدة المعروفة في ذلك (١)، وكثيراً ما يستنبط مناسبات الألفاظ، وأسرار التقديم والتأخير، بدلالة السياق. ثامناً: شمولية استنباطاته لكثير من الفنون والموضوعات، في العقيدة، واللغة، وعلوم القرآن وبلاغته، وإعجازه، والفقه وأصوله، والتربية والأخلاق والسلوك، وغيرها. (٢) تاسعاً: التنوع في طرق الاستنباط، فقد يستنبط أحياناً بدلالة مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو بدلالة الاقتران أو دلالة الالتزام - وهي الغالبة على استنباطاته- أو غيرها من الدلالات. عاشراً: عدم تعصبه في اختياراته واستنباطاته لمذهبه الفقهي الشافعي رغم ميله له، أو لأي مذهب من المذاهب الفقهية الأخرى بل يحتكِّم إلى الدليل. الحادي عشر: تفرد الخطيب وسبقه لبعض الاستنباطات، فقد وقفت له على بعض الاستنباطات التي لم أجدها عند غيره. (٣)

стр. 103

الفصل الرابع: مصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني: وفيه مبحثان: المبحث الأول: المصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالباً. المبحث الثاني: المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلاً أو نادراً.

стр. 104

تمهيد: اعتمد الخطيب ﵀ في تفسيره على تفاسير من سبقه من المفسرين، وكان لها أثر مباشر على الاستنباط عنده؛ إذ جاءت أكثراستنباطاته نقلاً عن هذه التفاسير، وإن انفرد ببعض الاستنباطات إلا أنها قليلة جداً مقارنةً بالمنقول عن غيره. وقد صَّرح الخطيب بذلك في مقدمة تفسيره فقال: (وقد تلقّيت التفسير بحمد الله من تفاسير متعدّدة رواية ودراية، عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، واشتهرت وانتشرت مآثرهم، جمعني الله وإياهم والمسلمين في مستقر رحمته بمحمد وآله وصحابته). (١) كما أشار إلى ذلك في خاتمة تفسيره بقوله: (فدونك تفسيراً كأنه سبيكة عسجد، أو درٌ مُنضَّد، جمع من التفاسير معظمها) (٢) وتجدر الإشارة إلى أن نسبة هذه الاستنباطات إلى غير الخطيب نسبة إنشاء، لا تنفي جواز نسبتها إليه نسبة تأييد وموافقة، فهي بهذا الاعتبار تصلح أن تُعدَّ استنباطاتٍ له.

стр. 105

وفيما يأتي بيان هذه المصادر وفق اعتماده عليها وتأثره بها: المبحث الأول: المصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالباً . وأعني بالمصدر الأصلي أي: الأوّلي والأساسي في نقله وتحريره، وهي المصادر التي اعتمد عليها كثيراً في نقولاته في الاستنباط. وممن يُعدُّ مصدراً أصلياً للاستنباط عند الخطيب: أولاً: الرازي: اعتمد الخطيب في أكثر استنباطاته على التفسير الكبير للرازي كمصدر رئيس في الفوائد واللطائف، ويمكن تصنيفه أول الكتب في هذا المقام، إذ بلغت مجموع الاستنباطات المستفادة من هذا التفسير أكثرمن نصف استنباطات الخطيب. ولا يخفى اهتمام الرازي بهذا الجانب، وعنايته بكل ما يتعلق بالآية من دقائق المسائل ولطيفها، والتي أَولاها جُلَّ اهتمامه وتحريره واستدلاله. وقد يُصرِّح الخطيب بالاستفادة من الرازي والنقل عنه، فينُصُّ على اسمه (١) وكثيراً لا يُصرِّح (٢)، وغالباً ما ينقُل عنه الاستنباط كاملاً بنصِّه دون حذف من كلامه، أو زيادة عليه.

стр. 106

ثانياً: البيضاوي: يُعدُّ تفسير أنوار التنزيل للبيضاوي ثاني أهم المصادر التي اعتمد عليها الخطيب في استنباطاته، فقد استفاد الخطيب من هذا التفسير كثيراً (١)، وحافظ على عبارة البيضاوي في النقل عنه في غالب استنباطاته، وأحياناً يُصرِّح باسمه، وكثيراً لا يُصرِّح، بل يستقي عبارته ويستفيد منها بأسلوبٍ لطيف يوحي وكأنه من أسلوب الخطيب لتشابه وتقارب عبارتيهما، ويظهر أثر هذه الاستفادة ملحوظاً في النصف الأول من القرآن أكثر من غيره، كما سيتبين قريباً بمشيئة الله خلال الدراسة. ثالثاً: الزمخشري: استفاد الخطيب من تفسير الكشاف للزمخشري في كثير من الآيات، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والبلاغي في الاستنباط والتفسير، لما تميَّز به هذا التفسير ومُؤلِفه من تمكُّنٍ لغوي وبلاغي فاق به غيره، منبِّهاً على ما فيه من دسائس الاعتزال فيما يتعلَّق بجانب العقيدة من الآيات، مُعقباً عليه بالرد والاستدلال في مواضع ليست بالقليلة (٢).

стр. 107

رابعاً: القرطبي: استفاد الخطيب من تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي في استنباط آيات الأحكام، فنقل عنه بعض الأحكام الفقهية، وبعض الفوائد. (١) والقرطبي كما لا يخفى مفسر، فقيه مالكي، متمكن، له دقائق لطيفة في الاستنباط الفقهي تميز بها عن غيره، ولهذا كانت استفادة الخطيب منه أكثر من غيره من كتب تفاسير آيات الأحكام. (٢) خامساً: البغوي: اعتمد الخطيب على تفسير معالم التنزيل للبغوي كمصدر أوّلي فيما يتعلق بجانب التفسير بالمأثور (٣)، وظهرت عنايته الواضحة بهذا التفسير، وتمييزه له عن غيره، وإن كانت المواضع المستفادة منه ليست بالكثيرة مقارنة بغيره ممن سبق، إلا أنه في جانب التفسير بالمأثور يعد من أكبر المصادر المعتمدة عند الخطيب كما سيظهر ذلك خلال الدراسة.

стр. 108

المبحث الثاني: المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلاً أو نادراً . (١) أولا: الخازن (٢) تأثر الخطيب بتفسير لباب التأويل للخازن، فنقل عنه بعض النقولات (٣)، والتي غالباً ما تكون نقلاً عن الرازي في تفسيره، لكنه يستفيد من الخازن في تلخيص كلام الرازي وتحريره، فينقل عن الخازن نصَّ كلامه، وإن كان الاستنباط في أصله للرازي. ثانياً: أبو حيان (٤): يعدُ تفسير البحر المحيط لأبي حيان أحد المصادرالفرعية المعتبرة عند الخطيب في استنباطاته، يستفيد منه بين الفينة والأخرى (٥)، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والنحوي في بعض الاستنباطات، ولا يخفى ما لأبي حيان من باع طويل في هذا الفن. ثالثاً: ابن عادل الحنبلي (٦): استفاد الخطيب من تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل في مواضع محدودة من استنباطاته، وأورد في ثنايا تفسيره استنباطات لطيفة دقيقة نقلها عنه (٧). خاصة ما يتصل بجانب اللغة ومرسوم الخط، لكنها تُعدُّ قليلة مقارنة بغيره من الكتب والتفاسير، مما يمكن تصنيفه كمرجع ثانوي غير أساسي من مصادر الاستنباط عند الخطيب.

стр. 109

رابعاً: البقاعي (١) اعتمد الخطيب في استنباطاته على نظم الدرر في تناسب الآي والسور، واستفاد منه في بعض المواضع (٢)، خاصة فيما يتعلق بمناسبة الآيات والألفاظ، وأسرار التقديم والتأخير، وبعض الإشارات الدقيقة، واللطائف. هذا والمتتبع لتفسير الخطيب- ﵀ واستنباطاته يقف على مصادر أخرى غيرها، ولا شك أن كثرة مصادر الخطيب في استنباطاته تبين مدى الجهد الذي بذله في جمع هذا التفسير وإخراجه، مما يدلُّ على سعة اطلاعه، واجتهاده ﵀. كما تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس مجرد ناقل وملخص بل هو ناقد مدقق، وكان هذا واضحًا في موقفه من الأقوال والآراء التي أخذها عن مصادره المختلفة، حيث ظهرت براعته في عرض الآراء ونقدها، فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة والأجر.

стр. 110

الباب الثاني: جمع ودراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس .
следующие страницы →