← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به عُلم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى. (١)) (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة مذهب أهل السنة في خلق الله تعالى أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها، خلافاً لمن زعم غير ذلك؛ لأنه تعالى قال ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ فبيّن أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار (٣)، واللام في ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ للتعليل، أي خلقنا كثيراً لأجل جهنم (٤)، وهم الذين حقت عليهم

стр. 422

الكلمة الأزلية بالشقاوة، ولا مزيد على بيان الله تعالى، فمن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها. (١) وقالت المعتزلة: ليس هذا مراد الآية، لأن كثيراً من الآيات دلَّت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وجعلوا اللام في هذه الآية للعاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار، والمعنى: خلقناهم للطاعة فآل أمرهم إليها – أي إلى جهنم- (٢). وقول المعتزلة هذا بأن اللام للعاقبة هو فرار عن إرادة الله المعاصي، وهو عدول عن ظاهر الآية الكريمة (٣)؛ لأنه يلزم منه كون الكفر مراد الله تعالى وهو خلاف مذهبهم. قال الرازي: (واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دلَّ عليه ظاهر اللفظ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثاً. وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة، فهي معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ

стр. 423

فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] وهو صريح مذهبنا، وما بعد هذه الآية وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣]، ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفاً جداً.» (١) وممن استنبط دلالة هذه الآية على صحة مذهب أهل السنة في خلق الله أفعال العباد خيرها وشرّها: السمعاني، والرازي، والنسفي، والخازن، وابن عادل، والنيسابوري، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) قال ابن أبي العز: (اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية، فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي (٣) أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية، .. وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟!

стр. 424

وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه. فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلاً، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات، فشبهوا. والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا «مجوس هذه الأمة»، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس أثبتوا خالقَين، وهم أثبتوا خالقِين! وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، .. وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له، مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى، وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته. فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم). (١)

стр. 425

وهذا لا يعني أن العبد مجبور على فعله لا اختيار له، بل إن الله تعالى خلقه على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه. (١) فخلق أفعال العباد واختراعها، خيرها وشرها، نفعها وضرها، لا يخرجها عن كونها مقدورة للعبد، يخلق الله له قدرة يقوى بها على الاكتساب، فهو تعالى خالق المسببات والأسباب، خلق القادر والمقدور معاً، وخلق الاختيار والمختار جميعاً. (٢) والأدلة على أن أفعال العباد مخلوقة لله كثيرة (٣)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يدل على أن اقتتالهم بمشيئة الله، ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ففعلهم منسوب إلى الله خلقاً كما أنه منسوب إلى الله تعالى إرادة وتقديراً.

стр. 426

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فأضاف فعلهم إلى الله، وأنه واقع بمشيئته. وأما إضافته إلى العبد فكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، فقوله: آمنوا وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، أضاف الفعل في ذلك كله إليهم. وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١]، فأضاف الله تعالى الأفعال والكسب إلى الفاعل المكتسب، وجعل ذلك بمشيئته وتقديره كما تقدم. وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب إذ وافق الأشاعرة أهل السنة في هذا الباب، والله تعالى أعلم.

стр. 427

إنكار عبادة الأصنام. قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (وقد تعلق بعض الجهال بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى (١)، فقال: إنّ الله تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية، وذلك باطل فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. أجيب: بأن المقصود من هذه الآية بيان أنّ الإنسان أفضل وأحسن حالاً من الصنم؛ لأنّ الإنسان له رجل ماشية ويد باطشة وعين باصرة وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية ويده غير باطشة وعينه غير مبصرة وأذنه غير سامعة، فكان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، فاشتغال الأفضل الأكمل بحال الأخس الأدون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال.) (٢) وجه الاستنباط:

стр. 428

أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلهاً، ولمَّا بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له كما زعمت المشبهة. (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على إبطال مذهب المُشبِّهة (٢) ورد حجتهم في إثبات هذه الأعضاء المذكورة لله تعالى ببيان الغرض من هذه الآية وهو: إنكار عبادة هذه الأصنام، وبيان أنّ الإنسان أفضل وأحسن حالاً من الصنم، ولذلك جاء الخطاب بصغية الاستفهام الإنكاري (٣)، والمقصود: إن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات المذكورة، فأنتم مفضلون عليهم بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين البصيرة والآذان السامعة، والمُعظَّم من الأشياء إنما يُعظَّم لما يرجى منه من المنافع، فما وجه

стр. 429

عبادتكم للأصنام، وهي خالية من كل ما يتوصل به إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟ وفي هذا بيان جهالتهم، وذلك أن قدرة المخلوقين إنما تكون بهذه الآلات والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، فكيف يعبدون من هم أفضل منه؟. (١) قال السمرقندي: (وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلهاً. ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك.) (٢) وقال ابن عطية: (وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ الآية، الغرض من هذه الآية: ألهم حواس الحي وأوصافه؟ فإذا قالوا لا، حكموا بأنها جمادات، فجاءت هذه التفصيلات لذلك المجمل الذي أريد التقرير عليه، فإذا وقع الإقرار بتفصيلات القضية لزم الإقرار بعمومها، وكان بيانها أقوى ولم تبق بها استرابة.) (٣) وممن أشار إلى مقصود الآية دون تكلف إثبات هذه الصفات: السمرقندي، والواحدي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والخازن، والنيسابوري، وأبو حيان، وابن عادل، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (٤)

стр. 430

قال القاسمي: (الظاهر أن ملحظ مثبتيها هو أن عدمها يدل على النقص، وهو محال على المولى تعالى، إذ له كل صفة كمال. ومعلوم أن في إثباتها له تعالى من آيات أخر، وأحاديث مشهورة، ما يغني عن تكلف استثباتها له تعالى من مثل هذه الآية، ولكن على المنهاج السلفيّ، وهو إثبات بلا تكييف، إذ من كيّف فقد مثل، ومن نفى فقد عطّل. فالمشبهة كالمعطلة، والحق وراءهم، والمسألة شهيرة). (١) والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى كما جاءت، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وعلى هذا مضى أئمة السلف يُجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله ، ويمرونها كما جاءت. (٢) ويدل له قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فهو سبحانه مباين لخلقه، له يدان لا كأيدي المخلوقين، وله قدرة لا كقدرة المخلوقين، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أي: لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً وأمثالاً (٣)، والمشبهة عندما يزعمون أن يدي الله كأيديهم وسمعه كسمعهم وغير ذلك فقد جعلوا لله أمثالاً وأشباهاً - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي مثيلاً أو

стр. 431

شبيهاً، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وهذه الآية أثبتت الكمال المطلق لله تعالى من جميع الوجوه. (١) ويجدر التنبيه هنا إلى أن معطلة الصفات يطلقون لقب المشبهة على السلف، فالمعطلة من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، ومن تبعهم، يطلقون هذا الوصف على كل من خالفهم في إثبات ما ينكرونه من الصفات؛ وذلك أن أهل السنة يصفون الله بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وعند هذه الفِرق لا بد من تأويل النصوص الواردة في باب الصفات؛ لأن ظاهرها يوهم التشبيه عندهم؛ لذا عدُّوا كل من أثبت لله ما أثبتته النصوص من غير تأويل، مشبهًاً (٢)، فالمعتزلة يصفون كل من أثبت شيئاً من الصفات، أو أثبت الرؤية، أو لم يقل بخلق القرآن أنه مُشبِّه (٣)، فيدخل في ذلك السلف، كما يدخل فيه أيضاً الأشعرية الذين يثبتون بعض الصفات. أما الأشعرية (٤)، فيطلقون هذا الوصف على كل من أثبت شيئاً من الصفات الذاتية التي ينكرونها مثل الوجه واليد والقدم. وكذلك الصفات الفعلية التي ينكرونها أيضا جملة وتفصيلاً مثل العلو والاستواء والغضب والرضى،

стр. 432

ويزعمون أن من وصف الله بشيء من ذلك فقد جسَّم الله ومثَّله، وشبَّهه ووصفه بصفات الحدوث والنقص. (١) ولا شك أن كل ذلك من الضلال والانحراف؛ لأن الله قد أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ ، ونفى عن نفسه التمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فعُلِم أن المُثبِت إنما وافق القرآن، ثم إنه إذا صرَّح بنفي التمثيل والتشبيه بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فبأي وجه يطلق عليه أنه مشبه أو ممثل وهو ينفيه ويرده ويبطله، كما نفاه الله وأبطله؟ لا ريب أن ذلك من الكذب على مثبتة الصفات من السلف، ومن الاعتداء والظلم لهم، والتشنيع عليهم بالباطل، بل المعطلة أحق بهذا التشنيع والوصف. (٢) ومن هنا يظهر صحة دلالة هذه الآية على فساد مذهب المشبهة، وأنه خارج عن نطاق الشرع والعقل؛ إذ وقعوا في محظور لم يسبقوا إلى مثله حيث شبهوا الخالق بالمخلوق - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وإنما أطلت التفصيل في هذه المسألة نظراً لأهميتها في بيان منهج الخطيب في باب الصفات، وللإحالة عليها فيما سيأتي من مسائل، والله تعالى أعلم.

стр. 433

حضور القلب عند الاستعاذة أنفع وأوقع في القلب. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للقول ﴿عَلِيمٌ﴾ بالفعل، وفي الآية دليل على أنّ الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، واستحضر معنى الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك). (١) وجه الاستنباط: في ختم الآية بقوله ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارة إلى علمه سبحانه بما في الضمائر فلا يكفي مجرد التلفظ باللفظ دون استحضار المعنى. الدراسة: استنبط الخطيب من هذه الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختم الآية بقوله تعالى ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وهي التنبيه إلى حضور القلب عند الاستعاذة؛ حيث جرى مجرى التعليل لطلب الاستعاذة بالله، والمعنى: لا تستعذ بغيره، فإنه هو (السميع) لما تقول سبحانه، أو السميع لما تقوله الكفار فيك، (العليم) بقصدك في الاستعاذة، أو العليم بما انطوت عليه ضمائرهم من الكيد لك فهو ينصرك عليهم ويجيرك منهم. (٢)

стр. 434

وفي هذا إشارة إلى حضور القلب أثناء التلفظ بالاستعاذة، فالمستعيذ بالله عند تفوهه بلفظ الاستعاذة يستشعرمعنى الاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه، ولا يكتفي بمجرد اللفظ، بل يتيقن كل اليقين أنه متعرض لشر عظيم، ومن ثمّ فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويمتنع به ويعتصم؛ ليجيره من هذا الشر ويحميه منه، أما التلفظ بالاستعاذة مجرد قول وذكر، مجرداً من غير حضور قلب ولا شعور، فإنه لا يحصل للمستعيذ ما يرجوا من النجاة من شر إبليس وكيده، ووسوسته، وكما أن حضور القلب مطلوب في الصلاة والدعاء وغيرها من الطاعات، فكذلك في الاستعاذة. وهذه إشارة لطيفة، حسُن التنبيه عليها، وقد وافق الخطيب في استنباطها من الآية: الرازي، وابن القيم، وأبوحيان، والنيسابوري، وغيرهم. (١) قال ابن القيم مشيراً لهذا المعنى: ( .. والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك، ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ، والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة). (٢) وقال أبو حيان: (وختم بهاتين الصفتين لأن الاستعاذة تكون بالنسيان ولا تجدي إلا باستحضار معناها فالمعنى سميع للأقوال، عليم بما في الضمائر). (٣) ولهذا فإن الاستعاذة من شر هذا العدو مُتأكدة، استعاذة متيقن أنه بصدد خطر يوشك أن يحيط به، ويحاول جهده أن يعتصم بالله الذي يحول بينه وبين هذا

стр. 435

العدو، ولامُعين له على إدراك هذا المعنى إلا دفع الخواطر الشاغلة وقطع سُبلها، والله أعلم.

стр. 436

سورة الأنفال بيان العلة في مجادلة بعض المؤمنين للرسول ﷺ ، وكراهيتهم القتال يوم بدر. قال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليه أي: يكرهون القتال كراهة من يُساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وذلك أنّ المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم يعلمنا أنا نلقى العدوّ فنستعد للقائهم، وإنما خرجنا لطلب العير، إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان (١)، وفيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على علة مجادلة بعض الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ وكراهيتهم تلقي النفير يوم بدر (٣)، وذلك كان بسبب شدة فزعهم ورعبهم وعدم تأهبهم للقتال، بدلالة الإشارة في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حيث أفادت علة هذه المجادلة، لأن أشد حال من يُساق إلى الموت أن يكون ناظراً إليه، وعالماً به، فشبَّه حالهم في فرط هذا الفزع والرعب، بحال من يُساق صاغراً إلى الموت المحقق، وهو مُشاهد

стр. 437

لأسبابه، ناظر إليه لا يشك فيه؛ فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العدد، وهم في قلة، إرجاء بهم إلى الموت المحقق. (١) وكان جدالهم أن قالوا: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا أخبرتنا لنستعد ونتأهب؟ وذلك لأنهم لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال، فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي ﷺ طلباً للرخصة في ترك القتال، وكرهوا لقاء عدوهم. والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خاصة بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر الله به ورضيه، فهذه الحال ليست حال جدال؛ لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان. (٢) وممن استنبط هذه الإشارة من الآية: البيضاوي، والألوسي، وغيرهما. (٣) قال الألوسي: (فيه إيماء إلى أن مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم؛ لأنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً في قول (٤)). (٥) وقيل: أنهم كانوا رجالة. وأنه ما كان فيهم إلا فارسان. (٦)

стр. 438

وهذه الإشارة من الآية إشارة ظاهرة، وذلك أن مجادلة الصحابة كانت ولابد لسبب ظاهر ومبرر قوي، فلا يليق بهم رضوان الله عليهم الاعتراض، بل كان ديدنهم المتابعة وعدم المخالفة لشيء من أمره ﷺ ، وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله. فجاء قوله تعالى بعدها ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كالتبرير لمجادلتهم وعدم إذعانهم للحق لعلة الهلع وتيقن الهلاك، ثم انقادوا بعد ذلك للجهاد، وثبّتهم الله، وقيّض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم، والله تعالى أعلم.

стр. 439

التوكل على الله مسبب الأسباب سبحانه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: لا من عند غيره، وأما إمداد الملائكة وكثرة العدد والأُهب ونحوها فهي وسائط لا تأثير لها، فلا تحسبوا أن النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها، وفي ذلك تنبيه على أنّ الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله تعالى في جميع أحواله، ولايثق بغيره، فإنّ الله تعالى بيده النصر والإعانة). (١) وجه الاستنباط: من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر، فنبّه تعالى إلى أنه مسبب الأسباب. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ دلالتها باللازم على الإعراض عن الأسباب والإقبال على مسبب الأسباب سبحانه، حيث نبّه تعالى عباده أن لا يركنوا إلى الملائكة، وأن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة الذين أُمدّوا بهم، فأعلمهم أنهم وإن قاتلوا معهم فليس للملائكة في ذلك أثر، إذ لم يكن النصر بالملائكة والجند وكثرة العدد، وإنما النصر من عند الله لا من عند غيره، فهو

стр. 440

الناصر على الحقيقة، وليست الملائكة إلا سبباً من أسباب النصر التي سبّبها الله لهم،، فذكّرهم ما يُوجب عليهم التوكل مما يسّر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حال قلة وذلة. (١) حكى هذا المعنى المستنبط من الآية: الطبري، والواحدي، والبغوي، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (٢) وهذا ما عليه أهل السنة في وجوب الاعتماد على الله مسبب الأسباب سبحانه، وعدم التعويل على الأسباب وحدها. (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن فهم معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون إلا عليه، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فالنصر المطلق - وهو خلق ما يغلب به العدو - لا يقدر عليه إلا الله). (٤)

стр. 441

وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم. فوائد تكرار قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤] قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟ أجيب: بأنّ فيها فوائد: منها: أنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني: ذكر إغراقهم وذلك تفصيل. ومنها: أنه ذَكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها ومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وبيان ما أخذ به آل فرعون. ومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم). (١) الدراسة:

стр. 442

استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فوائد تكرار قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥٤] بعد أن ذُكرت قبل ولم يفصل بينهما إلا آية واحدة، وذلك التكرير إنما جاء لأغراض متنوعة، إذ أن التكرار من أبرز وجوه البيان القرآني، وهو من مظاهر التحدِّي في كتاب الله المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلَق من كثرة الردّ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب فـ «المتشابه» في النظائر المتماثلة، و «المثاني» في الأنواع. وتكون التثنية في المتشابه أي هذا المعنى قد ثني في القرآن لفوائد أخر). (١) وقد ذكر الخطيب في وجه تكرار هذه الآية أربعاً من الفوائد: الفائدة الأولى: التفصيل وبيان المعنى. ووجه بيانه من الآية: أن الآية الأولى قبلها ذكرفيها أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر نوع هذا الأخذ وهو: إغراقهم، وذلك تفصيل، وفيه أيضاً تفسير وبيان للأولى؛ ففي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب. (٢) وهي فائدة ظاهرة من السياق، وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية: الرازي، والنسفي، والخازن، وأبوحيان، والنيسابوري والشوكاني، وغيرهم. (٣)

стр. 443

الفائدة الثانية: الزيادة في المعنى. ووجه ذلك: أنه خولف بين الجملتين تفنناً في الأسلوب، وزيادة للفائدة بذِكر التكذيب هنا بعد ذِكر الكفر هناك، وهما سببان للأخذ والإهلاك. (١) وممن نصَّ على هذه الفائدة من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) وهذه الفائدة قريبة محتملة، لكنها ليست ظاهرة كظهور غيرها من الفوائد. الفائدة الثالثة: التأكيد. ووجه ذلك: كون التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها. قال ابن قتيبة: (من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز). (٣) فقوله سبحانه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تفسير لدَأبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم، وأُشير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفران نعمه تعالى، لما فيه من الدلالة على أنه مُربيهم والمنعم عليهم، وقوله سبحانه: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ تفسير لدأبهم الذي فَعَل بهم من تغييره تعالى ما بهم من نعمته سبحانه. (٤)

стр. 444

فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه ربَّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل ربوبيته وإحسانه مع كثرتها وتواليها عليهم، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق، وذلك تأكيد ودلالة على أن لكفران النعمة أثر عظيم في حصول الهلاك والبوار. (١) قال السيوطي عن أسلوب التكرير: (وهو أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة، خلافاً لبعض من غلط). (٢) وهي فائدة حسنة، يشهد لها تكرار المعاني في كثير من الآيات بغرض التأكيد، وممن نصَّ على هذه الفائدة: القشيري، والزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣) الفائدة الرابعة: اختلاف السبب وعليه اختلف التشبيه. ووجه ذلك كما قال ابن عطية: (وهذا التكرير هو لمعنى ليس للأول، إذ الأول دأبَ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا الثاني دأبَ في أن لم تُغيّر نعمتهم حتى غيّروا ما بأنفسهم). (٤)

стр. 445

قال البيضاوي: (قيل الأول لتشبيه الكفر والأخذ به، والثاني لتشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم). (١) وهذه الفائدة قريبة من سابقتها، وممن نصَّ عليها من المفسرين غير البيضاوي وابن عطية: القرطبي، والنسفي، وأبو حيان، والقاسمي، والألوسي، وغيرهم. (٢) وعلى هذا ففيه إشارة إلى دفع ما يُتوهم من التكرار في الآيتين، بتغاير التشبيهين فيهما، فلا يحتاج إلى دعوى التأكيد. فمعنى الأول: حال هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر،

стр. 446

فأخَذهم وآتاهم العذاب. ومعنى الثاني: حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه أغرقهم (١). وهي إشارة وجيهة حسنة. وقيل في وجه الجمع بين تكرار الآيتين وفائدته (٢) غير ذلك من الفوائد مما لا يخلو من بُعد وتكلف، والله تعالى أعلم. فضل الإخلاص في العمل والترغيب فيه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ أي: آمنوا وأقاموا بمكة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: فلا إرث بينكم وبينهم، ولا نصيب لهم في الغنيمة ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ أي: إلى المدينة ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: ولم يهاجروا ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فيجب عليكم أن تنصروهم على المشركين ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في ذلك ترغيب في العمل بما حثَّ عليه من الإيمان والهجرة، وغير ذلك مما تقدّم وترهيب من العمل بأضدادها، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً، ففيه مزيد حث على الإخلاص). (٣)

стр. 447

الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختم الآية بقوله ﴿بَصِيرٌ﴾ وهي الترغيب في العمل بما حثَّ الله عليه من الإيمان والهجرة، والتحذير من تركها، كما أن فيه الإشارة إلى العلم بما يكون من النصرة في الدين المأمور بها في الآية إلا على أهل العهد والذمة، أو التخاذل عن هذه النصرة، وفي هذا إشارة إلى الإخلاص في ذلك كله لله سواء في النصرة، أو حفظ الميثاق والعهد، فالله تعالى بصير مطلع على أعمالهم وقلوبهم. والمعنى كما حكاه الطبري: (فلا تغدروا ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، فالله بما تعملون بصير فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر، ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم ﴿بَصِيرٌ﴾، فيراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء). (١) وفي هذا مزيد تأكيد وحثّ على الإخلاص في الأعمال كلها، وهو ما أشارت إليه الآية كما استنبطه الخطيب، وذلك أن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة، كما أن موالاتهم على غيرهم تجر إلى مفاسد؛ فاستنصارهم يوقع بين مفسدتين: ترك نصرة المؤمن، ونقض العهد وهو أعظم (٢). ولا شك أن معنى هذه الدلالة صحيح؛ فإن الله تعالى أمر بالإخلاص، وحث عليه في مواطن كثيرة من الكتاب وكذلك جاءت به السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ

стр. 448

بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥]. وفي الصحيح عنه ﷺ «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١). (٢) ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، وتأكيده هنا لئلا تحملهم الشفقة والعطف على إخوانهم المسلمين على قتال قوم بينهم وبينهم ميثاق، فالله تعالى بصير بهم، وهي إشارة حسنة، لم أقف على من أشار إليها وربط هذه الآية بالإخلاص سوى الخطيب (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 449

سورة التوبة تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيلهما وتنفذ فيهما الأحكام. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلّى سبيله؛ لأنه إن كان جاحداً لوجوبهما فهو مرتدّ، وإلا قُتل بترك الصلاة، وأُخذت منه الزكاة قهراً، وقوتل على ذلك). (١) الدراسة: هذا الاستنباط مبني على القول بمفهوم الشرط حيث لم يكتف تعالى في تخلية السبيل بالتوبة من الشرك حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فدلَّ بمفهوم المخالفة على أن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مدخلاً في تخلية سبيلهم، كما أن للتوبة مدخلاً في ذلك، وأنهم إن لم يقيموا الصلاة ومنعوا الزكاة لم يخلَّ سبيلهم، فاستُدل به على قتل تارك الصلاة وقتال مانع الزكاة، واستَدل به من قال بتكفيرهما. (٢) وممن نصّ على هذه الدلالة من المفسرين موافقاً الخطيب: الكيا الهراسي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنيسابوري، وابن كثير، والسيوطي، وحقي، والشهاب الخفاجي، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي وغيرهم. (٣)

стр. 450

أما تارك الصلاة فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر بالإجماع، وإن تركها عمداً تهاوناً وتكاسلاً مع اعترافه بوجوبها، فاختُلف في حكمه فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك، وإن لم يتب قُتِل كفراً، وهذا مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه. (١) وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه غير كافر، ويُقتل حداً - كالزاني المحصن - لا كفراً، وهو مذهب مالك وأصحابه (٢)، ومذهب الشافعي وجمهور أصحابه. (٣) ومن أدلتهم على أنه يقتل: هذه الآية، بدلالة مفهوم المخالفة -كما تقدم- وأيضاً استدلوا بما رواه الشيخان عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا

стр. 451

بحقها» (١) فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أنهم لا تُعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وذهب أبو حنيفة وبعض أهل العلم إلى أنه لا يُكفّر ولا يقتل بل يُعزّر ويحبس حتى يصلي (٢) واحتجوا لعدم قتله بأدلة منها حديث ابن مسعود ﵁: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣)، قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه، صرّح فيه النبي ﷺ أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة، فدلّ ذلك على أنه غير موجب للقتل. (٤)

стр. 452

قال الخطيب الشربيني في «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» في الكلام عن تارك الصلاة: «(فإن تاب) بأن امتثل الأمر (وصلّى) خُلّي سبيله من غير قتل ... (وإلا) أي وإن لم يتب (قُتِل بالسيف) إن لم يُبد عذراً (حداً) لا كفراً.» (١)، وهو موافق لمذهبه الشافعي. والذي يظهر أن تارك الصلاة بلا عذر كافرٌ، كفراً مخرجاً من الملة بمقتضى الأدلة التي تشهد بذلك (٢)، كما هي دلالة هذه الآية، وهو ما ذهب إليه أحمد، وأحد قولي الشافعي (٣)، ويؤيد صحة هذه الدلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فمفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنه أُخوة المؤمنين فهو من الكافرين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] (٤) وأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة فقوله ﷺ : «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». (٥) والمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة لأن النبي ﷺ جعل الصلاة فصلاً

стр. 453

بين المؤمنين والكافرين، ومعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين. (١) أما الزكاة فقد صحَّ أن أبا بكر الصدّيق ﵁ قاتل مانعي الزكاة، لا من جحَد وجوب الزكاة فقط، بل من قال: لا أؤديها إليك، وبهذه الآية وفِعل أبي بكر ﵁ استدلّ العلماء على قتال مانعي الزكاة، لأن الله تعالى شرط أمورا ثلاثة في ترك القتال وتخلية سبيلهم، فذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما، بل لا بد من وجودها جميعاً، وقال ﷺ : «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (٢) فلم تثبت العصمة بمجرد الإسلام، وذكر أن الزكاة من حقها (٣)، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 454

طعن أهل الذمة في دين الإسلام ينقض عهدهم. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (فيه دليل على أنّ الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده). (١) وجه الاستنباط: أن الله أمر بقتال من نكث يمينه وجعل ذلك علّة قتاله، وعطَف الطعن في الدين على نكث العهد، وخصَّه بالذكر؛ لبيان أنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة النص أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة. (٣)

стр. 455

قال ابن تيمية: (والدلائل على انتقاض عهد الذمي بسبّ الله أو كتابه أو دينه أو رسوله، ووجوب قتله وقتل المسلم إذا أتى ذلك: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار، أما الكتاب فيستنبط ذلك منه من مواضع - ذَكَر منها موضع هذه الآية - فقال: وهذه الآية تدلّ من وجوه: أحدها: أن مجرد نكث الأيمان مقتضٍ للمقاتلة وإنما ذَكَر الطعن في الدين وأفرده بالذكر تخصيصاً له بالذكر وبياناً؛ لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال، ولهذا يُغلّظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين -إلى أن قال ﵀: ذَكَر الطعن في الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين جاز أن يُؤمَّن ويُعاهد، وأما من طعن في الدين فإنه يتعين قتاله، وهذه كانت سنة رسول الله ﷺ فإنه كان يهدر دماء من آذى الله ورسوله وطعن في الدين وإن أمسك عن غيره (١)، وإذا كان نقض العهد وحده موجباً للقتال وإن تجرد عن الطعن، عُلِم أن الطعن في الدين إما سبب آخر، أو سبب

стр. 456

مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة وإلا كان ذكره ضائعاً). (١) وممن نصّ على هذه الدلالة من المفسرين موافقاً الخطيب: الزجاج، والواحدي، والسمعاني، والبغوي، وابن العربي، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبوحيان، والنسفي، والنيسابوري، وحقي، والشوكاني، والقاسمي، وغيرهم. (٢) قال الزجاج: (هذه الآية توجب قتل الذمي إذا طعن في الإسلام؛ لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث). (٣) وقال السمعاني: (قوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهراً لا يبقى له عهد، ويجوز قتله). (٤) ولا خلاف بين المسلمين أن الذمي إذا سبّ الله والرسول، أو عاب الإسلام علانية، عوقب على ذلك بما يردعه، فعُلم أنه لم يعاهدنا عليه؛ إذ لو كان معاهداً

стр. 457

عليه لم تجز عقوبته عليه كما لا يعاقب على شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك، وإذا كنا عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن فقد نكث يمينه من بعد عهده، فيجب قتله بنص الآية. (١) قال شيخ الإسلام: وهذه دلالة قوية حسنة. (٢) والمعاهد له أن يُظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا، والذمِّي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئاً من دينه الباطل وإن لم يؤذِنا فحاله أشد، وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ذمة فلو فُرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد -كما يقول المخالف - لم يكن الذمي كذلك. (٣)، وبهذا يتبين صحة هذه الدلالة وقوتها، والله تعالى أعلم.

стр. 458

ترجيح مصالح الدين على الدنيا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ .. وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا). (١) وجه الاستنباط: الوعيد الشديد لمن قدَّم محبَّة أحد هذه المذكورات على محبة الله ورسوله وطاعتهما، وآثر مصلحة نفسه على مصلحة دينه. الدراسة: أمر الله تعالى بمباينة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا اختاروا الكفرعلى الإيمان، وتوعد على ذلك الوعيد الشديد (٢)، ومنه استنبط الخطيب دلالة هذه الآية باللازم على أنه لابد من تقديم محبة الله ورسوله على كل محبوب.

стр. 459

قال ابن القيم: (فكل من قدّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه، على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحدهم على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه). (١) وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (٢) قال السعدي مؤكداً صحة هذه الدلالة: (وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. وعلامة ذلك أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يفوت عليه محبوباً لله ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدّم ما تهواه نفسه، على ما يحبه الله، دلّ ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه). (٣) وممن استنبط إشارة هذه الآية إلى أن مصالح الدين مقدّمة على مصالح الدنيا والمعاش: الرازي، والقرطبي، والخازن، وابن القيم، وأبو حيان، وابن عادل،

стр. 460

والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والمراغي (١)، وغيرهم. (٢) قال ابن عاشور: (فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجُرّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه). (٣) والمقرر في الأصول أنه إذا تعارضت مصلحتان وازدحتما بحيث لم يمكن الجمع بينهما وكان لا بد من ترك واحدة منهما للإتيان بالأخرى؛ فالمتعين فعل ما مصلحته أرجح وترك ما مصلحته أقل. (٤) ولا أعظم من مصالح الدين لأن المقصود إنما هو العبادة، فيقدم ما هو الأهم في نظر الشرع. قال الشاطبي: (المصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية على الإطلاق) (٥)، وبهذا يظهر صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →