← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة وإلا كان ذكره ضائعاً). (١) وممن نصّ على هذه الدلالة من المفسرين موافقاً الخطيب: الزجاج، والواحدي، والسمعاني، والبغوي، وابن العربي، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبوحيان، والنسفي، والنيسابوري، وحقي، والشوكاني، والقاسمي، وغيرهم. (٢) قال الزجاج: (هذه الآية توجب قتل الذمي إذا طعن في الإسلام؛ لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث). (٣) وقال السمعاني: (قوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهراً لا يبقى له عهد، ويجوز قتله). (٤) ولا خلاف بين المسلمين أن الذمي إذا سبّ الله والرسول، أو عاب الإسلام علانية، عوقب على ذلك بما يردعه، فعُلم أنه لم يعاهدنا عليه؛ إذ لو كان معاهداً

стр. 457

عليه لم تجز عقوبته عليه كما لا يعاقب على شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك، وإذا كنا عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن فقد نكث يمينه من بعد عهده، فيجب قتله بنص الآية. (١) قال شيخ الإسلام: وهذه دلالة قوية حسنة. (٢) والمعاهد له أن يُظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا، والذمِّي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئاً من دينه الباطل وإن لم يؤذِنا فحاله أشد، وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ذمة فلو فُرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد -كما يقول المخالف - لم يكن الذمي كذلك. (٣)، وبهذا يتبين صحة هذه الدلالة وقوتها، والله تعالى أعلم.

стр. 458

ترجيح مصالح الدين على الدنيا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ .. وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا). (١) وجه الاستنباط: الوعيد الشديد لمن قدَّم محبَّة أحد هذه المذكورات على محبة الله ورسوله وطاعتهما، وآثر مصلحة نفسه على مصلحة دينه. الدراسة: أمر الله تعالى بمباينة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا اختاروا الكفرعلى الإيمان، وتوعد على ذلك الوعيد الشديد (٢)، ومنه استنبط الخطيب دلالة هذه الآية باللازم على أنه لابد من تقديم محبة الله ورسوله على كل محبوب.

стр. 459

قال ابن القيم: (فكل من قدّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه، على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحدهم على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه). (١) وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (٢) قال السعدي مؤكداً صحة هذه الدلالة: (وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. وعلامة ذلك أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يفوت عليه محبوباً لله ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدّم ما تهواه نفسه، على ما يحبه الله، دلّ ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه). (٣) وممن استنبط إشارة هذه الآية إلى أن مصالح الدين مقدّمة على مصالح الدنيا والمعاش: الرازي، والقرطبي، والخازن، وابن القيم، وأبو حيان، وابن عادل،

стр. 460

والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والمراغي (١)، وغيرهم. (٢) قال ابن عاشور: (فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجُرّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه). (٣) والمقرر في الأصول أنه إذا تعارضت مصلحتان وازدحتما بحيث لم يمكن الجمع بينهما وكان لا بد من ترك واحدة منهما للإتيان بالأخرى؛ فالمتعين فعل ما مصلحته أرجح وترك ما مصلحته أقل. (٤) ولا أعظم من مصالح الدين لأن المقصود إنما هو العبادة، فيقدم ما هو الأهم في نظر الشرع. قال الشاطبي: (المصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية على الإطلاق) (٥)، وبهذا يظهر صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 461

وجوب الجهاد في كل حال. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت؛ لأنّ الله تعالى نصَّ على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن الجهاد واجباً لما عاتبهم الله على التثاقل، ويؤكد هذا الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩]. (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص وجوب الجهاد في كل حال؛ لأن قوله تعالى ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾: توبيخ من الله على ترك الجهاد، وعتاب في التقاعد عن المبادرة إلى الخروج (٢)، فلو لم يكن النفير للجهاد واجباً لما عاتبهم الله على التثاقل، ويدل له قوله تعالى في الآية التي تليها متوعداً بالعذاب الأليم: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩].

стр. 462

وظاهر كلام الخطيب (١) في وجوب النفير للجهاد حال الاستنفار؛ إذ لا خلاف في وجوب الجهاد وفرضيته، فإن ظاهر الآية في وجوب النفير على من يُستنفر وقال في آية أخرى بعدها ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، فأوجب النفير مطلقاً غير مقيد بشرط الاستنفار، وهذا يقتضي وجوب الجهاد على كل مستطيع له. (٢) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والكيا الهراسي، والرازي، والخازن، والنيسابوري، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣) وفي وجوب هذا النفير خلاف بين أهل العلم: فقال بعضهم بوجوب النفور إلى الإمام أو نائبه إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح (٤). وقال آخرون: إن المراد به عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. (٥) قال القرطبي: (وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء، فعلى هذا لا يتجه حملها على وقت ظهور المشركين، فإن وجوب ذلك لا يختص

стр. 463

بالاستدعاء، وإذا ثبت ذلك، فالاستدعاء والاستبقاء يبعُد أن يكون مُوجباً شيئاً لم يجب من قبل، إلا أن الإمام إذا عيَّن قوماً وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عنه، وله ولاية التعيين، ويصير بعينه فرضاً على من عيَّنه لا لمكان الجهاد، ولكن لطاعة الإمام) (١). فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب. (٢) والجهاد فرض كفاية على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد يصير فرض عين على كل مسلم إذا استنفرهم الإمام، وهو ما يعرف بالنفير العام (٣)، فإذا استنفر الإمام قوماً لزمهم النفير معه وتعيَّن عليهم (٤)، وعلى ذلك الجمهور (٥)، ومن جملة أدلتهم هذه الآية كما نصَّ عليها الخطيب وما بعدها؛ وهي دلالة ظاهرة، لقوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (٦)، وذلك لأن أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك. (٧) والله تعالى أعلم.

стр. 464

تفضيل أبي بكر ﵁. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. ذكر الخطيب الشربيني ﵀ عند هذه الآية تنبيهاً فقال: (دلَّت هذه الآية على تفضيل أبي بكر ﵁ من وجوه: منها: أنّ الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله ﷺ جماعة من المخلصين، وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله ﷺ أقرب من أبي بكر ﵁، فلولا أنّ الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين. ومنها: قوله ﷺ «لا تحزن إنّ الله معنا» ولا شك أنّ المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وقد شرَّك ﷺ بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفاً. ومنها: أن قوله: (لا تحزن) نهى عن الحزن مطلقاً، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أنه لا يحزن أبو بكر ﵁ بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.

стр. 465

ومنها: إطباق الكل على أنّ أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله ﷺ ، وعلى أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر (١)، وأسماء بنت أبي بكر (٢) هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام). (٣) الدراسة: استنبط الخطيب وكثير من المفسرين فضيلة أبي بكر ﵁ على غيره بدلالة اللازم من هذه الآية من وجوه اتفقوا في أغلبها (٤)، ومن هذه

стр. 466

الوجوه: أنّ الله تعالى أذِن لنبيه ﷺ بالهجرة، ولولا أنّه تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الحاسمة، وإلا لم يخصّه بهذه الصحبة من بين أهله وقرابته، فتخصيص الله تعالى له بهذا تشريف له. والحق أن الفضيلة والشرف حصل لأبي بكر من وجوه أخرى كثيرة غير هذا الوجه؛ إذ لم يثبت أن الله تعالى أمره بذلك، وحاصل الروايات في هذا كما في صحيح البخاري وغيره، أن أبا بكر سأل النبي ﷺ الصحبة، فقال ﵊: نعم. (١) أما قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ففيه النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ ، ولم يثبت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ سواه، فحقق الله تعالى له وصف الصحبة في كتابه متلواً إلى يوم القيامة. (٢) قال السعدي: (وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصِّيصَة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدّوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي ﷺ كافراً، لأنه منكر للقرآن الذي صرّح بها (٣)). (٤)

стр. 467

وممن استنبط فضيلة أبي بكر ﵁ من هذا الوجه: ابن العربي، والرازي، والقرطبي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (١) كما تضمنت هذه الآية تسلية النبي ﷺ لصاحبه أبي بكر بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، وتعليل ذلك بمعيّة الله سبحانه الخاصة المستفادة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فالرسول ﷺ شرَّك بينه وبين أبي بكر في هذه المعيّة، فدلَّ على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه من المتقين المحسنين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ولم يثبت مثل ذلك في غيره، بل لم يُثبِت نبيٌ معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه، وكأن في ذلك إشارة إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر الصديق ﵁. (٢) وممن نصَّ على هذا الوجه من المفسرين: ابن العربي، والرازي، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (٣) أما قوله ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ فنهاه عن الحزن مطلقاً، والنهي يقتضي الدوام والتكرار (٤) فدلّ - والعلم عند الله تعالى - على أنه لا يحزن أبداً قبل الموت وبعده، وهذا من فضل الله تعالى على عبده.

стр. 468

وممن استنبط هذه الإشارة: الرازي، والنيسابوري، والألوسي، وغيرهم. (١) وأيضاً من أوجه دلالة هذه الآية على فضيلته: إجماع الكل على أنّ أبا بكرهو الذي اشترى الراحلة لرسول الله ﷺ كمافي الصحيح وغيره، وعلى أنّ ابنه عبد الرحمن وابنته أسماء هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام (٢)، وهذا دليل أيضاً على شرف هذا البيت، فليس في الصحابة مَن أسلم أبوه وأمُّه، وأولاده وأولاد أولاده، وأدركوا النبي ﷺ سواه. قال شيخ الإسلام ﵀: (فهم أهل بيت إيمان، ليس فيهم منافق، ولا يُعرف هذا لغير بيت أبي بكر، وكان يقال: للإيمان بيوت، وللنفاق بيوت، وبيت أبي بكر من بيوت الإيمان.) (٣) وممن نصّ على هذا الوجه من المفسرين: الرازي، والنيسابوري وغيرهما. (٤) وفي الجملة ففي الآية فضائل عدّة مختصّة به ﵁ لم تكن لغيره، وقد دلّ على أنه أفضل الأمة بعد النبي ﷺ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين (٥)،

стр. 469

قال ﷺ : «إنه ليس من الناس أحد أمنَّ علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خُلة الإسلام أفضل، سُدّوا عني كل خوخة (١) في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكر» (٢) ولما سُئِل ﵊ «أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قيل: من الرجال؟ فقال: «أبوها» (٣) قال شيخ الإسلام: (هذه الخصائص لم يشركه فيها أحد). (٤) وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر ﵁، ومن فضَّل عمر أو غيره من الصحابة على أبي بكر الصديق فقد أخطأ، وابتدع ما لم يرد عليه دليل من كتاب ولا سنة. (٥) والله تعالى أجلّ وأعلم.

стр. 470

مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] قال الخطيب الشربيني ﵀: (وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ في موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: طريق إلى ذمهم أو لومهم، والمعنى أنه سدّ بإحسانه طريق العتاب، ومن أعظم الإحسان من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، مخلصاً من قلبه فإن ما عليه من سبيل في نفسه وماله؛ لإباحة الشرع بدليل منفصل؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله و (غفور) أي: محاء للذنوب، (رحيم) أي: بجميع عباده، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى عجز الإنسان وتقصيره، وإن اجتهد في الطاعة؛ فإنه لا يسعه إلا رحمة الله وعفوه، فهو تذييل مؤيد لمضمون قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي لا إثم عليهم بسبب القعود عن الجهاد، ثم أشارإلى

стр. 471

حاجتهم إلى المغفرة، وإن كان تخلفهم عن الجهاد بعذر، فقال ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يسعهم إلا عفوه ومغفرته. (١) وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: حقي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (٢) قال القاسمي مؤكداً هذه الدلالة: (قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تذييل مؤيد لمضمون ما ذُكر، مشير إلى أن بهم حاجة إلى المغفرة، وإن كان تخلفهم بعذر- أفاده أبو السعود (٣) - أي لأن المرء لا يخلو من تفريطٍ ما، فلا يقال إنه نفى عنهم الإثم أولاً، فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب؟). (٤) ولهذا حسُن ختم الآية بقوله ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشعاراً بحاجة العبد وفاقته دائماً إلى العفو والمغفرة، مهما بلغ به من الطاعة وزال عنه العذر، فإن المرء محل الضعف والتفريط، وغلبة الهوى مهما بلغ، فهو في حاجة رحمة الله وعفوه، والتي من دلائلها هنا أن عفا عن العاجزين، وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين. (٥) والله تعالى أعلم.

стр. 472

الغافل غير مكلف. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ أي: ما يجب اتقاؤه للنهي، أمّا قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه (١)، وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك، وفي الجملة دليل على أنّ الغافل غير مكلف). (٢) وجه الاستنباط: قوله تعالى ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ حيث دلّ على استصحاب البراءة الأصلية، وأنه لا مؤاخذة قبل العلم والبيان. (٣) الدراسة: استنبط الخطيب أن الغافل غير مكلف (٤) بدلالة اللازم من هذه الآية؛ فإن النبي ﷺ لمّا استغفر لعمه أبي طالب، واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين،

стр. 473

وأنزل الله عتابه لهم بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣] ندموا على استغفارهم للمشركين، فبيّنت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية لا إثم عليهم فيه، ولا حرج حتى يبين لهم ما يتقون. (١) قال الطبري في معنى هذه الآية: (وما كان الله ليقضي عليكم، في استغفاركم لموتاكم المشركين، بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا الانتهاء عنه. فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه). (٢) وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم. (٣)

стр. 474

وهي دلالة صحيحة ظاهرة، فالإتيان بالفعل على سبيل القصد والامتثال يتوقف على العلم به وهو ضروري، وعليه يمتنع تكليف الغافل كالنائم والناسي لمضادة هذه الأمور الفهم، فينتفي شرط صحة التكليف. (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 475

الآثار المترتبة على أفعال العباد تُكتب لهم لأن أفعالهم كانت سبباً فيها. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته وسكونه، كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى، وكذا القول في طرف المعصية؛ فإنّ حركته فيها كلها سيئات، فما أعظم بركة الطاعة، وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى (١)). (٢) وجه الاستنباط: إذا كان ما أصاب أهل المدينة في سبيل الله من الظمأ والمخمصة والنصب يُكتب لهم، دلّ على أن الآثار المترتبة على أفعال العباد كلها مكتوبة؛ لأن أفعالهم كانت سبباً فيها. (٣)

стр. 476

الدراسة: في هذه الآيات أشدّ ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقة، وأنها لهم رفعة في الدرجات، إذ دلّت الآية بالنصّ على أن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير، إذا أخلص فيها، ونصح فيها لله، كما نصَّ عليه الخطيب، وهي دلالة حسنة قوية الظهور. (١) قال ابن تيمية في بيان وجه اختلاف هذه الآية عن التي تليها: (والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم، فقال فيها: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ فإنها نفسها عمل، فنفس كتابتها يحصل به المقصود، بخلاف الظمأ والنصب والجوع الحاصل بغير الجهاد، وبخلاف غيظ الكفار بما نيل منهم؛ فإن هذه ليست نفس أفعالهم، وإنما هي حادثة عن أسباب منها: أفعالُهم؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾. فتبيّن أن ما يحدث من الآثار عن أفعال العباد لهم بها عمل؛ لأن أفعالهم كانت سبباً فيها). (٢) وقال في موضع آخر: (فالإنفاق وقطع الوادي نفس عملهم، فكُتِب، وما تقدّم أثر عملهم الصالح، فكُتِب لهم به عمل صالح، كدعاء الولد فإنه أثر عمل الوالد، وإن كان الوالد لم يقصد دعاءه، كما لم يقصد هؤلاء ما حصل من الظمأ والمخمصة والنصب). (٣)

стр. 477

وممن نصّ أيضاً على هذه الدلالة من الآية: الواحدي، والزمخشري، والرازي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، والألوسي، والسعدي، وغيرهم. (١) وهذا من سعة رحمة الله تعالى بعباده ومن بركة الطاعة؛ فإن من قصد بعمله وعلمه وجه الله بارك الله له، وضاعف له الحسنات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أما العاصي فلا يجد في حياته بركة ولا نفعاً، ولا يرى بعد رحيله عن الدنيا أثراً، وذلك هو شؤم المعصية وفقدان بركة الطاعة والإيمان، والله تعالى وأعلم. فضل الجهاد والإنفاق فيه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ الآية [التوبة: ١٢١] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ تمرة فما دونها ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ﴾ أي: يجاوزون ﴿وَادِيًا﴾ أي: أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ذلك من الإنفاق وقطع الوادي، ثم قال: تنبيه: في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه، ويدل عليه أشياء: منها: ما روي عن ابن مسعود (٢)، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله،

стр. 478

فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلها مخطومة» (١)، ومنها ما روي عن زيد بن خالد (٢) أنّ رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في سبيل الله فقد غزا» (٣)). (٤) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم الموافقة فضل الجهاد في سبيل الله والإنفاق فيه، حيث نصَّ تعالى في هذه الآية على أنهم لا ينفقون نفقة، والمقصود بها هنا النفقة في الجهاد، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، قليلة أو كثيرة، بل حتى ولا يقطعون وادياً من الأودية مقبلين إلى العدو، أو مدبرين إلا كتب لهم ثوابها؛ ليجزيهم الله بأعمالهم، وأحسن منها، لأنه تعالى يعطي بالحسنة الواحدة عشرة حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يدرك حسابه. (٥) وهذا يدل على فضيلة الجهاد، والنفقة فيه سبيل الله، ويدل له ماجاء في القرآن في آيات كثيرة في الحض على الجهاد ويبان فضله، كما أخبر سبحانه في سورة

стр. 479

النساء قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وجاء عنه ﷺ في الحث على الجهاد، وفضله، والإنفاق فيه أحاديث كثيرة نصَّ على بعضها الخطيب كما تقدم، ومنها قوله ﷺ «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها». (١) وقال ﷺ «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في سبيل الله فقد غزا». (٢) وهذه دلالة قوية ظاهرة من الآية، نصَّ عليها غير الخطيب: الخازن، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٣) كما نصَّ على فضيلة الجهاد والنفقة فيه، غيرهم من المفسرين في غير موضع هذه الآية. (٤) ولا شك أن الجهاد بالمال نوع من أنواع الجهاد المأمور به، وفضله عظيم فهو بمثابة التجارة الرابحة مع الله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

стр. 480

﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. وقدَّم تعالى ذكر الأموال على الأنفس في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] قال الشوكاني في بيان علة ذلك: (لأنها هي التي يُبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد). (١) وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب الجهاد بالمال لمن عجز عن الجهاد ببدنه لمن كان من الموسرين (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 481

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فيه دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية (١)، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم، لا الترفع على الناس وصرف وجوههم إليه، والتبسط في البلاد، ليدخل في قوله ﷺ "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (٢)، وفي قوله ﷺ "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم") (٣). (٤) استنبط الخطيب من هذه الآية دلالتان، الدلالة الأولى: التفقه والتذكير من فروض الكفاية. وجه الاستنباط: ما تضمَّنته الآية من الأمر بنفير طائفة من كل فِرقة للتفقُّه، وأمر الباقين بالقعود.

стр. 482

الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة النص من هذه الآية أن الفقه في الدين من فروض الكفاية؛ حيث دلّت على أنه لا يسع المؤمنين كلهم الخروج للجهاد؛ إذ لو اشتغل الكل بالتفقه فى الدين لتعطل عليهم المعاش، فجُعل ذلك فرضاً على الكفاية. (١) ولأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجاً إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار، وكانت التكاليف أيضاً تحدث، والشرائع تنزل، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يقيم مع الرسول ﷺ فيتعلم تلك الشرائع، ويحفظ تلك التكاليف ويبلّغها إلى الغائبين. فكان الواجب انقسام أصحاب رسول الله ﷺ إلى قسمين، أحدهما: ينفر إلى الغزو والجهاد، والثاني: يقيم مع الرسول ﷺ ، فالطائفة النافرة إلى الغزو تنوب عن المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة تنوب عن النافرين في التفقه، وبهذا يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين. (٢) وهذه من القواعد الجليلة ومن السياسة الشرعية الحكيمة، فإن كثيراً من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها، فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، أن يقوم بالجهاد طائفة كافية، وبالعلم طائفة أخرى، وأن الطائفة القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت. (٣)

стр. 483

وقد وافق جمهورالمفسرين الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية منهم: الشافعي، والجصّاص، والكيا الهراسي، والقشيري، والقرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والنيسابوري، والسيوطي، وأبو السعود، وحقي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (١) قال القرطبي: (هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم، لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي ﷺ مقيم لا ينفر فيتركوه وحده .. ، ثم قال: وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان). (٢) وقد يكون طلب العلم فرض عين على المسلم إذا كان يتوقف عليه معرفة عبادة تلزمه (٣)، أما ما عدا ذلك من العلم فهو فرض كفاية. وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 484

الدلالة الثانية: الغرض من التفقه في الدين الاستقامة والإرشاد. وجه الاستنباط: قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ حيث بيّن تعالى الغاية من التفقه في الدين وهي النذارة. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن الغرض المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم، لأنه تعالى بيّن غاية العلم مشيراً إلى أن من جعل له غاية غيرها فقد ضلّ الطريق، فأمر سبحانه بالتفقه في الدين؛ لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق، وكل من تفقّه

стр. 485

وتعلّم لهذا الغرض كان على المنهج القويم، ومن عَدَل عنه وطلب الدنيا بالدين فقد ضل سعيُه في الحياة الدنيا وخاب وخسِر. (١) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، والبقاعي، وأبو السعود، وحقي، ومحمد رشيد رضا، وغيرهم. (٢) قال الزمخشري: (﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي وليجعلوا غرضهم ومرمى همّتهم في التفقه: إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه بعض الفقهاء من الأغراض الخسيسة ويؤمونها من المقاصد الركيكة، من التصدر والترؤس والتبسط في البلاد، والتّشبه بالظلمة في ملابسهم، ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضاً، وفُشوّ داء الضرائر بينهم، وانقلاب حماليق (٣) أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شِرذمة جثوا بين يديه، وتهالُكَه على أن يكون موطأ العقِب دون الناس كلّهم، فما أبعد هؤلاء من قوله : ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾) (٤).

стр. 486

وعلى هذا فالواجب أن تكون غاية المتعلم رضى الله والدار الآخرة، وأن يطلب بعلمه إزالة الجهل عن نفسه وعن غيره، وإحياء الدين، فمن فهِم هذه الغاية من العلم دلّه العلم على كل خير، وهي فائدة حسنة، والله تعالى أعلم.

стр. 487

سورة يونس القرآن معجز خارق للعادة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ سنين أربعين، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل أن يوحى إليَّ هذا القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، ففي ذلك إشارة إلى أنّ هذا القرآن معجز خارق للعادة). (١) وجه الاستنباط: أن كفار مكة كانوا قد شاهدوا رسول الله ﷺ قبل مبعثه، وعلموا أحواله، وأنه كان أمياً لم يُطالع كتاباً، ولا تعلّم من أحد مدة عمره قبل الوحي، ثم جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس العلوم وأخبار الماضين. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية الإشارة إلى إعجاز القرآن، فهذه الآية حجة واضحة على كفار مكة ; لأنه ﷺ لم يُبعث إليهم رسولاً حتى لبث فيهم عمراً من الزمن، فقد لبث بينهم أربعين سنة، يطّلعون على أحواله، ولا يخفى عليهم شيء من أمره، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد أن يكون كاذباً على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله

стр. 488

حجراً بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]. (١) فمثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأولين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته إذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يُطالع كتاباً، يُعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل. (٢) قال الزجاج مؤيداً هذه الدلالة: (قد لبثت فيكم من قبل أن يوحى إلي، لا أتلو كتاباً، ولا أخطه بيميني، وهذا دليل على أنه أوحي إلي؛ إذ كنتم تعرفونني بينكم، نشأت لا أقرأ كتاباً، وإخباري إياكم أقاصيص الأولين من غير كتاب ولا تلقين، يدل على أن ما أتيتُ به من عند الله وحي.) (٣) وممن استنبط هذه الإشارة من الآية: الزجاج، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (٤) وهي دلالة صحيحة قوية الظهور، ولو أعمَل هؤلاء الضالّون عقولهم، وتدبّروا حال النبي ﷺ وحال هذا الكتاب، لجزموا جزماً لا يقبل الشك بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، والله تعالى أعلم.

стр. 489

إثبات كسب العبد وأنه ليس مسلوب الاختيار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] قال الخطيب الشربيني ﵀: (لما حكم تعالى على أهل الشقاوة بالشقاوة بقضائه وقدره السابق فيهم، أخبر تعالى أنّ تقدير الشِقوة عليهم ما كان ظلماً منه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ أي: لأنه تعالى في جميع أحواله متفضل وعادل، فيتصرّف في ملكه كيف يشاء، والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرّف في ملكه بالفضل والعدل لا يكون ظالماً، وإنما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنّ فعلهم منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله تعالى وقدره فيهم، ففي ذلك دليل على أنّ للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة (١)). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب دلالة هذه الآية باللازم على كسب العبد، وأنه ليس مسلوب الاختيار؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فدلَّ على أن فعلهم منسوب إليهم بكسبهم إياه، لأنه تعالى قال: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ففيه رد على الجبرية في زعمهم أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية.

стр. 490

والحق أن هذا الاستنباط جارٍ على مذهب الأشاعرة في دعواهم كسب العبد لا فعله، وهو استنباط باطل لأنه مبني على أصل باطل، فهو قائم على نظرية الكسب التي أحدثها الأشاعرة، حيث أرادوا التوفيق بين مذهب الجبرية والقدرية فجاءوا بنظرية الكسب التي هي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير. (١) فالجبرية سلبوا عن العبد قدرته وإرادته، وتأثر بهم الأشعرية حيث قالوا إن العبد غير مختار في فعله (٢)، فالأشاعرة وافقوا أهل السنة في مسألة خلق أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية، فقالوا: إنها مخلوقة لله تعالى، ولم تختلف عبارتهم في ذلك، ولكنهم خالفوا أهل السنة في: هل العبد فاعل لفعله حقيقة أو لا؟ فنسبوا فعل الإنسان الاختياري إليه كسباً لا خلقاً، واضطربوا في هذا الكسب الذي أثبتوه للعبد واختلفت عبارتهم فيه، والذي استقر عندهم هو أن الكسب مقارنة القدرة الحادثة للفعل من غير تأثير. (٣) وقالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل فراراً من قول المعتزلة وتحقيقاً لوحدانية الأفعال فلا مؤثر إلا الله وحده، ولا يوجد تأثير للأسباب في مسبباتها!

стр. 491

ولاشك أن قولهم هذا باطل؛ وتفسيرهم الكسب بالاقتران مخالف للغة العرب واستعمال القرآن الكريم، فالكسب في اللغة بمعنى: الطلب والجمع (١)، وهو في القرآن لم يخرج عن هذا المعنى، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو يستعمل في فعل الصالحات والسيئات. (٢) أما معنى الكسب عند أئمة السنة فهو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فبيَّن سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها. (٣) فالكسب يرجع إلى ما يكسبه الإنسان من عمل القلب أو عمل الجوارح، وهو المعبر عنه بالاجتراح والعمل، وتفسير الأشعرية للكسب بالمقارنة قول لم يُسبقوا إليه. (٤) كما أن إثباتهم قدرة للعبد غير مؤثرة فراراً من القول بأن ذلك يفضي إلى إثبات مؤثر غير الله تعالى، فيستلزم القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم بقدرتهم ضعيف؛ فإنه إذا تبين أن الله قد خلق العبد وخلق صفاته التي بها يقع الفعل من القدرة والإرادة، وهما من أسباب العمل، وخلق أيضاً عمله على وفق سنته من

стр. 492

تأثير الأسباب في مسبباتها، فلا حرج بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون الأسباب هي الخالقة للفعل. (١) وممن استنبط دلالة هذه الآية على كسب العبد على قول الأشاعرة: الواحدي، وابن عطية (٢)، وابن الجوزي، والرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، وحقي، والمظهري، وغيرهم. (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية حكاية عن الكسب عند الأشاعرة: (وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثراً في حصول المقدور، فإنّهم يُفرّقون بين ما كان في محل القدرة فيجعلونه مقدوراً للعبد، وما كان خارجاً عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدوراً للعبد. وأكثر من نازعهم يقول: إنّ هذا كلام لا يُعقل؛ فإنّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلّ القدرة، وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقاً في محلّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير، وتسمية هذا مقدوراً دون هذا تحكّم محض، وتفريق بين المتماثلين.) (٤)

стр. 493

وقال في موضع آخر: (جمهورهم قالوا: هي كسب العبد لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. - إلى أن قال ﵀: والتحقيق الذي عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد، وهي مفعول للرب) (١). وبهذا التفصيل يتبين غلط الأشاعرة حين جعلوا الفعل هو المفعول، فأوقعهم هذا في مأزق الكسب الذي اشتهروا به، ولم يستطيعوا تخلصاً منه (٢)، والله تعالى أجل وأعلم.

стр. 494

سورة هود قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: ٦٠) قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد وفائدته: تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم، والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود). (١) استنبط الخطيب ﵀ من عطف البيان بقوله تعالى (قوم هود) في الآية دلالته على فائدتين: أولاهما: تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية عاد إرم. وجه الاستنباط: أن قوله تعالى (قوم هود) عطف بيان لعاد، وهذا البيان حاصل مفهوم بما قبله، فدلّ على أن لذكره مزيد فائدة وتنبيه. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية مناسبة عطف البيان بقوله تعالى ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ وهي: دلالتها باللازم على تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية، لأن عاداً كانوا قبيلتين: عاد الأولى القديمة التي هي قوم هود، وعاد الثانية، وهم إرم ذات العماد

стр. 495

(١)، فأتى بقوله: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ ليزول الاشتباه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]، فتحقق أن الدعاء على عاد هذه، ولم تلتبس بغيرها. (٢) قال الزمخشري: («قوم هود» عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان، والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتُجعل فيهم أمراً محققاً لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأن عاداً عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم.) (٣) وممن نصّ على هذه الفائدة أيضاً من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (٤) وخالف بعض المفسرين كالألوسي، وابن عاشور في دلالة هذه الآية على هذا المعنى، قال الألوسي: (وليس ذلك لدفع اللبس؛ إذ لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود ﵇ للتصريح باسمه وتكريره في القصة). (٥) وقال ابن عاشور: (وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرم، كما جوَّزه صاحب «الكشاف»؛ لأنه لا يعرف في العرب عاد غير قوم هود وهم إرم). (٦)
следующие страницы →