Полный текст (236 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والوجه الخامس: ما يؤخذ من تجارات المشركين الذين يدخلون بلاد الإسلام بعهد. يؤخذ من تجارات أهل الذمة نصف العشر، ومن تجارات المشركين العشر.
والمال الثاني: الخمس ووجوهه أربعة فأولها الركاز، وهو دفن الجاهلية والكفار القدماء، إذا وجده إنسان أدى إلى السلطان خمسه وكانت له أربعة أخماسه.
والثاني: المعدن وهو الموضع الذي يوجد فيه الذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد، وقد اختلف فيه، فقال أهل العراق: فيه الخمس كالركاز، وقال أهل الحجاز فيه الزكاة معجلة.
والثالث: ما استخرج من البحر من العنبر واللؤلؤ، وقد اختلف فيه، فقال أهل العراق: لا شيء فيه وهو بمنزلة المسك. وروي عن عمر ﵁ أن يعلى بن منبه كتب إليه، وهو على اليمن، أن رجلاً وجد عنبرة على ساحل البحر، فكتب إليه عمر أنها سيبة من سيب الله، فيها وفي كل ما أخرج البحر، من حليه الخمس. وقال ابن عباس ﵁: ذاك رأيي.
والرابع: كل ما غنمه المسلمون من مال المشركين فيه الخمس.
والمال الثالث: الصدقة وهي في العين من كل عشرين ديناراً نصف دينار، وفي الورق من كل مائتي درهم وهو ربع العشر، والحلي ما كان منه جوهراً، فلا شيء فيه، وما كان ذهباً أو فضة ففيه ربع العشر، وكذلك كل ما يركب لا زكاة فيه.
والمماليك لا زكاة فيهم إلا زكاة الفطر. فإن كانوا للتجارة، كانت
стр. 177
فيهم الزكاة، ولم يكن فيهم زكاة الفطر، وزكاة هذا كله أن يقوم ويؤخذ ربع عشر قيمته.
وفي الإبل، إذا بلغت خمساً، شاة، وإذا بلغت عشراً شاتان، وإذا بلغت خمس عشرة ثلاث شياه، وإذا بلغت عشرين ففيها أربع، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بني مخاض، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، ثم يكون في كل أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقة.
وبعض الفقهاء يقول: تستأنف الفريضة بعد المائة والعشرين كما كانت في الابتداء لكل خمس شاة.
وفي الغنم، في كل أربعين شاة، ثم ليس فيها شيء، حتى تزيد على عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة ثم يكون في كل مائة شاة، ولا يؤخذ من الزيادة شيء حتى تكمل مائة ويحول عليها الحول وهي على هذا التمام.
وفي البقر وجواميسها في ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، وهو جذع أو جذعة، وفي كل أربعين مسنة، وليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين شيء، وفي كل سبعين تبيع أو تبيعان، وليس فيما بين الأربعين والستين شيء، وحسابها بعد في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، ولا زكاة في شيء مما ذكرنا حتى تكون سائمة، والسائمة الراعية التي ترعى في كلأ المسلمين، الذين هم فيه
стр. 178
سواء، فأما من لم يجد شيئاً من ذلك يعلفه ويمونه من ماله، فلا زكاة فيه وإن كثر.
وقال أهل الحجاز: لا زكاة في خيل ولا رقيق، إلا زكاة الفطر التي تلزم الأحرار، ولا في شيء من دواب الوحش، ولا زكاة في لؤلؤ ولا ياقوت ولا مرجان ولا لباس ولا في شيء من العروض، إلا زكاة التجارة، فهي على ما سميت لك فقس على ذلك.
وصدقة الأرض العشر مما يخرج الله منها، إذا بلغت خمسة أوسق. والوسق ستون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث بالرطل البغدادي في قول أهل الحجاز. وهو في قول أهل الكوفة خمسة أرطال بهذا الرطل، إذا كانت الأرض تشرب سيحاً أو ماء السماء، وإن كانت تشرب بدولاب وما أشبهه ففيه نصف العشر.
والفيء للمقاتلة والذرية وذوي الغناء عن الإسلام.
والخمس لمن قال الله : " واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى "، يعني قرابة النبي ﷺ ، وهم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب ابن عبد مناف خاصة من سائر بني عبد مناف، لأن النبي ﷺ جعل ذلك لهم، فكلمه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف في أن يجعلهم في أسهم القربى مثل إخوتهم بني المطلب بن عبد مناف إذ كانوا في القربى مثلهم، فقال النبي ﷺ : " لا أفعل إن بني المطلب ما فارقونا
стр. 179
في جاهلية ولا إسلام وكانوا معنا كذا " وشبك بين أصابعه. وإنما رعى لهم النبي ﷺ فعلهم، لما أدخلت قريش بني هاشم شعباً وقالوا: لا نكلمهم ولا نبايعهم، فدخل بنو عبد المطلب معهم وقالوا: لا نفارق إخواننا. واليتامى ليتامى سائر الناس ليس فيهم يتامى بني هاشم ولا يتامى بني المطلب.
والمساكين مساكين الناس عامة ليس فيهم مساكين بني هاشم ولا مساكين بني المطلب. وقد قال قوم: اليتامى والمساكين يتامى هؤلاء ومساكينهم. وابن السبيل الضيف الفقير.
واختلف الناس في الله وسهم الرسول ﷺ ، فقال قوم: المعنى في قول الله : " فإن لله خمسه " مفتاح كلام، كما يقال: هذا لله ولك وقد أعتقك الله وأعتقتك.
والخمس مقسوم على خمسة كما قال الله : وقال قوم: كان رسول الله ﷺ ، إذا أتي بالغنيمة، ضرب فما وقع فيها من شيء جعله للكعبة وهو سهم الله. هذا قول مالك. ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم: فسهم للنبي ﷺ ، ولذي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل سهم سهم.
وقال ابن عباس: كان الخمس يقسم على أربعة: فربع للنبي ﷺ ولذي القربى، فما كان لله وللرسول، فهو لقرابة رسول الله ﷺ ، ولم يأخذوا من الخمس شيئاً، والربع
стр. 180
الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل.
وقال قوم: كان خمس الله وخمس رسوله ﷺ واحداً، فكان النبي ﷺ يعطي بعضه ويصرف الباقي فيما أسماه الله له، وفيما يراه صلاحاً للمسلمين، والعدل قسمته والحق ما فعله ﵊.
وقد اختلف في سهم رسول الله ﷺ وسهم ذي القربى بعد وفاته، فقال قوم: سهم ذي القربى لقرابة النبي ﵊، وقال قوم: لقرابة الخليفة. وقال قوم: ما يكون سهم النبي ﷺ للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والغزو، وفي سبيل الله ومصلحة المسلمين، فكانا يصرفان في ذلك أيام أبي بكر ومن بعده من الأئمة ﵃.
والصدقات للأصناف التي ذكرها الله فقال: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ".
فالفقراء في اللغة هم الذين لهم قوت مجهودة أن يكفيهم لا فضل لهم ولا عندهم. واحتجوا في ذلك بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
стр. 181
فقالوا: والمسكين الذي لا قوت له وقول الله : " أما السفينة فكانت لمساكين "، يوجب خلاف ما حده أهل اللغة في المسكين.
واختلف الناس في سهم المؤلفة قلوبهم، فقال قوم: قد انقطع اليوم سهم بقوة الإسلام وأهله فسهمهم يرجع على الباقين. وقال قوم: بل للإمام أن يتألف من يراه هذا السهم له.
وأما سهم العاملين في الفريضة فأمرهم إلى الإمام يفرض لهم ما أراد.
وفي الرقاب قيل: هو أن يشترى العبد فيعتق. وقال بعضهم، وهو الشافعي: لا يشترى من الصدقة عبد فيعتق، ولكن يعان المكاتب منها.
و" الغارمين ": وهم قوم أدانوا ديناً في غير معصية.
وفي سبيل الله: في الغزو. وقال بعضهم: في سبيل الله في الذين يقاتلون عليها أهلها، إذا منعوها حتى يؤدوها.
وابن السبيل: المسافر الذي تنقطع به نفقته يعطى منها ما يبلغه إلى بلده من الصدقة.
стр. 182
اللغة في أسنان الإبل وتعريفها
يقال لولد الناقة، ساعة تضعه أمه: " سليل " و " حوار " قبل أن يعلم أهو ذكر أو أنثى. فإن كان ذكراً فهو " سقب " وإن كان أنثى فهو " حابل ". فلا يزال حواراً حتى يفصل عن أمه، فيقال له: " فصيل ".
فإذا كان في الوقت الذي يحمل عليه فيه، وهو عند تمام سنة ودخول الثانية، فهو " ابن مخاض "، يجوز في الصدقة لأن أمه قد تمخضت بحمل بعده، فلا يزال ابن مخاض حتى تدخل السنة الثالثة، فيصير " ابن لبون " لأن أمه قد صار لها لبن من غيره، فلا يزال ابن لبون، والأنثى ابنة لبون حتى تدخل السنة الرابعة فهو حينئذ " حق " والأنثى حقة.
فإذا كان في السنة الخامسة فهو " جذع " والأنثى " جذعة " والجذوعة وقت من الزمن ليست بسن. فإذا تمت ودخلت السنة السادسة فهو " ثني " والأنثى " ثنية ". فإذا ألقى رباعيته في السنة السابعة فهو " رباع " والأنثى " رباعية ". فإذا ألقى السن الذي بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة فهو " سديس " و " سدس "، الذكر والأنثى سواء. وهو في كل هذا " بكر " والأنثى " قلوص ".
فإذا فطر نابه، أي انشق للخروج وذلك في السنة التاسعة، فهو " بازل "، والأنثى بازل و " بازلة " يقالان جميعاً، وهو عند ذلك " جمل " و " ناقة " للأنثى. وليس بعد ذلك سن إنما يقال: " مخلف عام " و " مخلف عامين " وما زاد. فإذا كبر وعظم نابه فهو " عود " والأنثى " عودة " ويسميان بأسماء كثيرة في الكبر.
стр. 183
أسنان الغنم
يقال لولد الشاة، حين تضعه أمه، من الضأن كان أو من المعز، ذكراً كان أو أنثى: " سخلة " و " بهمة ". فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، فما كان من أولاد المعز فهو " جفر " والأنثى " جفرة ". فإذا قوي فهو " عريض " ثم " عتود " والذكر في هذا كله " جدي " والأنثى " عناق " وإن كان من أولاد الضأن فالذكر " حمل " و " خروف "، والأنثى " رخل " و " خروفة "، وتكون في السنة الثانية " جذعا " والأنثى " جذعة ". قال الأصمعي: يكون جذعاً من يأتي عليه ثمانية أشهر وتسعة ونحو ذلك. وفي السنة الثالثة " ثني " والأنثى " ثنية "، وفي السنة الرابعة " رباع " والأنثى " رباعية "، وفي الخامسة هو " سدس " و " سديس "، وفي السنة السادسة هو " صالغ " و " سالغ " و " صالغة " بالسين والصاد، ويقال لما كان ذكراً من المعز عند الإجذاع " تيس " والأنثى " عنز ".
أسنان البقر
يالق لولد اليقرة حين تضعه أمه " عجل " ثم " تبيع " وهو الجذع، وبعضهم يقول: هو تبيع إلى ثمانية أشهر وتسعة، ثم "
стр. 184
جذع " إذا تمت له سنة، ثم في الثانية هو " ثني " والأنثى " ثنية "، وفي السنة الثالثة " رباع " والأنثى " رباعية "، وفي الرابعة " سدس " و " سديس "، الذكر والأنثى فيه سواء، وفي السنة الخامسة " ضالع " والأنثى " ضالعة ". ومنهم من يجعله في السنة الثانية جذعاً، وفي الثالثة ثنياً، وفي الربعة رباعياً، وفي الخامسة سديساً وسدساً، وفي السادسة ضالعاً مثل الغنم.
أسنان الخيل
وإنما ذكرتها ها هنا لأن الكاتب لا يستغني عن علمائها، يقال لولد الفرس، حين تضعه أمه " مهر " والأنثى " مهرة "، ويقال له: " خروف " فإذا فصل عن أمه فهو " فصيل ". فإذا استتم نبات رواضعه فهو " فلو " يقال: فليت وأفليت، فإذا أتى عليه حول فهو " حولى "، فإذا استتم حولين فهو " جذع "، فإذا أسقطت ثنيتاه وخرج مكانهما، وذلك في العام الثالث فهو " ثني "، وفي الرابع هو " رباع " وذلك إذا سقطت رباعيتاه، وخرج مكانهما، فإذا سقط قارحاه وخرج مكانهما فهو " قارح "، وليس بعد القارح سن، ولكن يقال: " قارح عام " و " قارح عامين " إلى ثمانية أعوام، ثميقال له: " مذل " والجميع " مذال ".
ومن ألوان الخيل: أدهم وأخضر وأحوى وكميت وأشقر. والفرق بين الكميت والأشقر أن يسود عرفه وذنبه فيكون كميتاً وإلا فهو أشقر. وأصفر وأشهب وأبلق وأبرش وملمع
стр. 185
وهو أيضاً بلقة. وكذلك المدنر والأشيم والمولع، كل هذه شيات اللون يخالف لون الفرس يتشكل فيه، فيسمى مدنراً إذا كان فيه دارات؛ وإذا كان فيه لونان متساويان فهو أبلق، وقس على هذا. وفرس لطيم، إذا أصابت غرته عينيه أو أحدهما أو خديه أو أحدهما، فإذا ابيضت أشفاره فهو مغرب فإذا لم تصب العينين والخدين واتسعت في جبهته فهي شادخة، وإذا دنت في جبهته وقصبة أنفه فهي شمراخ، فإذا عرضت في الجبهة فهي سائلة.
والقرحة كل بياض كان في جبهته ثم انقطع قبل الأنف؛ والرثم كل بياض أصاب الجحفلة العليا قل أو كثر فهي رثمة.
واللمظة كل بياض في الجحفلة السفلى. والفرس المظ وأرثم. فإذا شاب الناصية بياض فهو أسعف، فإذا خلصت بياضاً فهو أصبغ، فإذا انحدر البياض إلى منبت الناصية فهو المعمم.
والتحجيل بياض يكون في قوائمه، أو في ثلاث أو اثنتين قل أو كثر. يقال: محجل أربع، فإذا كان البياض في ثلاث، قيل: هو محجل ثلاث مطلق يد أو رجل، والتحجيل مأخوذ من الحجل وهو الخلخال كأنه صار البياض موضعه، فإذا كان البياض برجليه قيل: محجل الرجلين، فإذا كان برجل واحدة قيل: أرجل، ويتشاءم به، لأن الحسين صلوات الله عليه قتل وهو على فرس أرجل.
стр. 186
فإذا كان البياض في اليد اليمنى والرجل اليسرى مخالفاً فهو مكسور، وإذا كان في اليد اليمنى والرجل اليمنى فهو مطلق الأيامن ممسك الأياسر، وإذا كان بوجهه وضح وبإحدى يديه فهو اعصم، فإذا كان أبيض البطن، ولم يتصل ببياض التحجيل فهو أصبغ، وإذا صار في عرض الذنب بياض فهو أشعل، فإذا كان في أصل ذنبه فهو أصبغ، وإذا صار في عرض الذنب بياض فهو أشعل، فإذا كان في أصل ذنبه فهو أصبغ، فإذا بلغ البطن فهو أنبط فإذا ظهر من البطن فهو أبلق.
أحكام الأرضين
قال الصولي في الأرض ثلاثة أحكام: فأرض عشر غنمها المسلمون، فخمسها للإمام وتجعل أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها ويبقى خمسها لمن سمى الله، فهي أرض عشر. وكل أرض استحياها إنسان، وقد كانت مواتاً قبل ذلك، فاستنبط لها ماء أو استخرج عيوناً فهي أرض عشر، إلا أن يكون الماء الذي أجراه إليها من ماء الخراج فتكون أرض خراج. فهذه الأرضون كلها لأهلها ملك إيمانهم لا شيء عليهم فيها غير العشر إن كانت تشرب سيحاً أو من ماء السماء، وإن كانت تشرب بالدالية وأشباه ذلك مما يعتمل فيه، ففيها نصف العشر.
وأرض افتتحت صلحاً على خراج معلوم، فأهلها على ما صولحوا عليه إلا أن يلزمهم غيره، والأرض ملك لهم.
وأرض افتتحت عنوة، ففيها اختلاف؛ زعم بعضهم أن سبيلها سبيل الغنيمة تخمس وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططاً بين الذين افتتحوها خاصة، والخمس الباقي لمن سمى الله تعالى، كما فعل
стр. 187
رسول الله ﷺ بخبير. وقال بعضهم: حكمها والنظر فيها إلى الإمام، فإن رأى أن يجعلها فيئاً، فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا كما فعل عمر بالسواد؛ فإنه لما افتتح المسلمون السواد قالوا: أقسمه بيننا، فقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضهم الطبق، وهو الخراج، ومعنى الطبق والخراج واحد.
القطائع
قال أبو بكر: يروى عن طاوس أن رسول الله ﷺ قال: " عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم " يعني أنها تقطع للناس.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه أقطع جماعة من المهاجرين والأنصار من أموال بني النضير وكانت صفياً لرسول الله ﷺ خالصة. فكان فيمن سمي ممن أعطى أبو بكر ﵁ أعطاه بئر حجر؛ وعمر ﵁ أعطاه بئر جرم، وعبد الرحمن بن عوف سؤالة، وأقطع صهيباً الصراطة، وأقطع الزبير وأبا سلمة بن عبد الأسد البريلة، وأقطع أبا دجانة وسهل بن حنيف مالاً يقال له حرسة، وأقطع رجلاً من الأنصار أرضاً، فكان يخرج إليها فيرجع فيقال: نزل بعدك من القرآن كذا أو قضى رسول الله ﷺ بكذا. فقال: يا رسول الله إن هذه أرض تشغلني، فاقبلها مني فلا حاجة لي
стр. 188
فيها فقبلها منه رسول الله ﷺ . فقال: أقطعينها فأقطعه إياها، وأقطع الزبير أيضاً بخيبر أرضاً فيها شجر ونخل، وقصرها، وكتب له بذلك كتاباً، وأقطع عتبة بن فرقد موضع داره بمكة مما يلي المروة.
ولما أسلم تميم الداري قال: يا رسول الله إن الله يظهرك على الأرض كلها فهب لي قريتين من بيت لحم، قال: " هي لك "، وكتب له بها كتاباً فلما ظهر عمر ﵁ على الشام جاءه بكتاب رسول الله ﷺ فقال عمر: " أنا شاهد ذلك فإعطاه إياها ". وبيت لحم هذه من القرية التي ولد فيها عيسى ﵇.
واستقطعه أبيض بن جمال المازني الملح الذي بمأرب، فأقطعه إياه، فلما ولى قال رجل: إنما أقطعته الماء العد، فرده ولم يمضه له كأنه ﵊، لما قال له: الماء العد، رأى أنه شيء بين الناس جميعاً. ولم يكن ﷺ يقطع حق مؤمن ولا معاهد. فبهذا جرت السنة في الإقطاعات.
وأقطع أبو بكر الزبير الجرف أيضاً مواتاً، وأقطع طلحة أرضاً، وكتب له كتاباً وأشهد له ناساً فيهم عمر، فأتى طلحة عمر بالكتاب ليختمه فقال: هذا كله لك دون الناس! لا أختم هذا. فرجع طلحة مغضباً إلى أبي بكر، فقال: أنت الخليفة أم عمر؟ فقال عمر ولكنه أبى وأبطل الإقطاع.
وأقطع أبو بكر لعيينة بن حصن الفزاري قطيعة، وكتب له بها كتاباً، فأتى عيينة عمر فأعطاه الكتاب، فبصق فيه ومحاه وسأل
стр. 189
عيينة أبا بكر أن يجدد له الكتاب فقال: لا أجد شيئاً رده عمر.
وأقطع عمر بن الخطاب الزبير العقيق أجمع.
وخرج رجل من أعل البصرة، يقال له نافع إلى عمر فقال: إن قبلنا أرضاً بالبصرة وليست من أرض الخراج ولا بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعينها أتخذ فيها قضاء لخيلي، فكتب له أبي موسى: إن نافعاً سألني أرضاً على شاطئ دجلة، فإن لم تكن أرض جزية ولا خراج ولا أرضاً يجري إليها ماء جزية فأعطه إياها.
وأقطع عثمان خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : الزبير، وسعداً، وابن مسعود، وأسامة بن زيد، وخباباً، من صوافي كسرى ومما جلا عنه أهله. ثم أقطع الخلفاء بعد ذلك.
حدثنا فهد بن إبراهيم الساجي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن نافع قال: قدم المهدي البصرة، وقاضيه عليها عبيد الله بن الحسن العنبري، فقال له: انظر بيني وبين أهل المرعات نهر من أنهار البصرة، فجلس لهم وحضر المهدي وحضر من يناظره، فقال عبيد الله: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: المسلمين كافة وفي مصالحهم إذا إقطاع من إمام فلا سبيل لأحد عليه. فقال رسول الله ﷺ لأنه قال: " من أحيا أرضاً مواتاً فهي له " وهذه موات. فقال: فوثب المهدي ووثب الناس حتى ألصق خده بالتراب عند ذكر النبي ﷺ ، وقال: قد سمعت
стр. 190
وأطعت. ثم عاد فقال: نفي أن يكون مواتاً والماء محيط بها من جوانبها، فإن أقاموا البينة على هذا سلمت لهم. فلم يأتوا ببينة. وأحب عبيد الله أن يتحدث الناس بأنه حكم على المهدي بحكم، فخلط حكماً بسؤال فضج المهدي ووثب، وتفرقوا. فعزله المهدي وقال: والله ما أردت إلا أن يقول الناس حكم على المهدي وإلا علمت أن الحق معي!.
وبلاد المسلمين عامر وموات، فالعامر لأهله والموات شيئان: شيء ملكه الناس فأحيوه ثم خرب ومات، فهذا الموات لأهله لا يملكه عليهم أحد، إلا بإذنهم وهو كالعامر. والموات الثاني ما لم يملكه أحد قط، فهذا الذي قال رسول الله ﷺ : " من أحيا أرضاً مواتاً فهي له "، والإحياء أن يأتي إلى موضع لا ينازعه فيه أحد ولا لأحد فيه أثر فيحوزه ويسوق إليه بكلفة ومشقة أو يبني فيه بناء.
والعروق أربعة: عرقان ظاهران وهما البناء والغرس، وعرقان باطنان كالبئر والنهر.
وقيل: من أقطع معدناً ملكه ملك الأرض وقيل: لا يملكه ملك الأرض إلا إن عمل فيه وإلا دفع إلى من يعمل فيه.
جزية رؤوس أهل الذمة
قال أبو بكر بن يحيى الصولي: قدم النبي ﷺ المدينة مهاجرة من مكة، والناس أخلاط مسلمون ويهود
стр. 191
ومشركون ومنافقون. فوادع يهود المدينة كلهم، على أن يكفوا عنه ويكف عنهم. فلما غزا تبوك، أمره الله بوضع الجزية، فصالح أهل أيلة، وأدرح، ووادي القرى، وتيماء، ووضع عليهم الجزية، وقدم المدينة فوضع الجزية على من بالمدينة ومكة وخبير واليمن ونجران، من أهل الذمة، ووضع الجزية على رقابهم: على الرجل ديناراً ونحوه، وليس في ذلك النساء ولا الصبيان، وفي تجاراتهم نصف العشر، فلما فعل ذلك بهم صارت لهم ذمة وعهد وجب عليه ﷺ أن يمنعهم ممن ظلمهم، ويقاتل عنهم، ولم يكن لهم، وهم موادعون، أن يمنعهم ويقاتل عنهم وإن ظهر عليهم عدوهم.
وقال قوم: أول من أدى الجزية أهل نجران. وقبل ﷺ من المجوس الجزية.
حدثنا محمد بن يونس الكديمي وإبراهيم بن عبد الله اللجي، واللفظ للكديمي، قلا: حدثنا أبو عاصم قال: رأيت جعفر بن محمد ﵁ بمكة، فقلت: يا ابن رسول الله حدثني قال: أفي هذا الموضع؟ فقلت: إن رأيت ولو حديثاً، فقال: سمعت أبي يقول: قال عمر بن الخطاب: لست أدري ما أصنع بالمجوس! فقام إليه عبد الرحمن بن عوف، فقال: سمعت رسول الله ﷺ ، وسئل عنهم فقال: " استنوا بهم سنة أهل الكتاب ". فقلت: يا ابن رسول الله زدني فضرب بغلته وسار.
стр. 192
وكانت الجزية أيام رسول الله ﷺ ، على كل حالم ديناراً، وليس على النساء ولا الصبيان شيء. ثم ضرب عمر على أهل الشام - وبعضهم يقول على أهل الذهب - على الرجل أربعة دنانير وحنطة وزبيباً. ثم زالت الحنطة والزبيب. وضرب على أهل السواد ديناراً، والصرف اثني عشر درهماً بدينار على الطبقة السفلى، وعلى الوسطى دينارين أربعة وعشرين درهماً، وعلى العليا أربعة دنانير بثمانية وأربعين درهماً، وأسقط ذلك عن النساء والصبيان. وإنما فعل عمر ذلك على قدر اليسار والطاقة.
فالذين يؤخذ منهم الجزية اليهود والنصارى والمجوس والصابئون وقد أخذ عثمان ﵁ من البربر.
واستيداء الجزية بغير ضرب ولا عنف. ويقبل منهم مكان الدنانير والدراهم الثياب وما أشبهها. وروي عن علي ﵇ أنه كان يأخذ في الجزية من صاحب المال مالاً، ومن صاحب الحبال حبالاً. ولا يأخذ فيها خمراً ولا خنازير.
ولا يباع في الجزية بقرهم ولا حميرهم ولا مواشيهم. واختلف الناس في قوله : " عن يد وهم صاغرون "، فقال سعيد بن المسيب: يتعبون عند أخذها. قال أبو عبيد: لم يرد تكليفهم فوق طاقتهم، إنما أراد أن لا يعاملوا عند طلبها بالإكرام لكن بالإستخفاف. وكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة، وأن تجز نواصيهم، وأن يركبوا الأكف عرضاً ولا يركبوا كما يركب المسلمون، وأن يربطوا الكستجات في أوساطهم ليعرف زيهم من زي المسلمين.
وقيل: وهم صاغرون يعطيها قائماً والذي يأخذها قاعد. وليس على عبد جزية. وإذا أخذت الجزية منهم لم يكن لهم أن يظهروا شركهم حتى يسمعوا المسلمين، ولم
стр. 193
يكن للمسلمين أن يتتبعوهم فيما أخفوه عنهم. وعلى المسلمين أن يجروا عليهم أحكام المسلمين، قال: فهذا معنى وهم صاغرون.
حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال: حدثنا العباس بن بكار قال: حدثنا أبو بكر الهذلي قال: سمعت الحسن يقول: " كراء الدار جزية المؤمن؛ ولا يلزم الرهبان أصحاب الصوامع جزية، لفقرهم وتخليهم عن الدنيا ".
مبلغ ما كان يرتفع من الخوارج
ارتفع خراج الشام على عهد عمر بن الخطاب ﵁ خمسمائة ألف دينار، فلما أفضى الأمر إلى معاوية، قطع الوظائف على أهل المدن فوظف أهل قنسرين أربعمائة وخمسين ألف دينار، على الجماجم من ذلك الثلثان. وعلى أهل دمشق أربعمائة
стр. 194
وخمسين ألف دينار، على الجماجم من ذلك الثلثان. وعلى الأردن مائة وثمانين ألف دينار، على الجماجم من ذلك الثلثان. وعل فلسطين مثل ذلك، ثم جعل بعد ذلك يصطفي الأرض الجيدة ويدفعها إلى الرجل بخراجها وعلوجها، والخراج على أصله لا ينقص منه شيء.
ذكر مصر
دخل عمرو بن العاص مصر بصلح وعهد، فوضع عليهم من الجزية، على كل إنسان دينارين وثلاثة أرادب قمحاً، والأردب عند أهل مصر ست ويبات، والويبة كيل يكون ما فيه من الحنطة ثلاثون رطلاً بالبغدادي، إذا كانت الحنطة ثقيلة، فإذا خفت كانت سبعة وعشرين رطلاً، وجعل عليه مع الثلاثة أرادب قسطين زيتاً وقسطين خلاً وقسطاً من عسل. والقسط كيل عندهم يكون ما فيه أربعة أرطال.
ولهم من الشرط: أن لا تباع نساؤهم، ولا أولادهم، ولا أرضوهم ولا ديارهم، ولا تباح كنوزهم، ولا يزاد عليهم في جزيتهم.
فلم يزل ذلك على ذلك حتى ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان إلى أيام عبد الملك بن مروان ألفي ألفي دينار، فإنه ولى أخاه عبد العزيز مصر فخط الأرضين، وذلك أنها كانت كثيرة فاقتطع أقواماً، وزاد ذلك على الجماجم فكانت تستأدى ألف ألف دينار، فرحلوا إلى عبد الملك يشكون، فلما رجعوا زاد عليهم عبد العزيز.
стр. 195
ذكر السواد
اختلف الناس في خراج السواد، فروى بعضهم أن عمر ﵁، بعث عثمان بن حنيف لمساحة السواد، فمسح الأرض وجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين. وروي أيضاً أنه جعل على كل جريب غامراً وعامراً، درهماً وقفيزاً، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم. وعلى جريب الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ولم يذكر النخل. وقيل: جعل على كل جريب عامر وغامر يناله الماء بدلو أو غيره عطل أو زرع درهماً وقفيزاً وألقى لهم النخل عوناً لهم. وجعل على كل جريب كرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطبة ستة دراهم، وعلى جريب السمسم خمسة دراهم، وعلى جريب الخضر من غلة الصيف، من كل جريب ثلاثة دراهم، وعلى جريب القطن خمسة دراهم.
وروي عن الشعبي أن عثمان بن حنيف مسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً ولم يذكر غير ذلك.
وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء أن عمر ﵀، إنما أوجب الخراج على أهل الأرض خاصة، بأجرة مسماة، لأن مخرج الخراج مذهب الكراء، فكأنه أجرى كل جريب بدرهم وقفيز في السنة، وألقى من ذلك الشجر والنخل، فلم يجعل لها أجرة، لأن قبالتها لا تطيب حتى تسمن، فيكون ذلك مع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وقبل أن يجعلوا. قال: وهذا الذي كرهه الفقهاء. وفي هذا الحديث
стр. 196
حجة لمن قال: السواد فيء للمسلمين، وإنما أهله عمال للمسلمين بكراء معلوم.
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: وهذه الأحاديث كلها تدل على أن جعل الخراج على الأرضين، التي تغل من ذوات الحب والثمار، وعطل من ذلك الدور والمساكن التي ينزلونها فلم يجعل عليهم فيها شيئاً.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وابن أبي ذئب: إذا عمرت الأرض رأينا أن يزاد عليها، وإذا نقصت رأينا أن يوضع عنها. وقالوا ليس على الغامر شيء وإن بلغه الماء.
وحد السواد التي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل ماداً مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة هذا طوله. فأما عرضه فحده من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بعذيب.
فأما خراجه فإن الواقدي ذكر أنه سال عبد الحميد بن جعفر كم مبلغ خراج سواد الكوفة على عهد عمر؟ قال: سبعون ألف ألف درهم.
وروي عن محمد بن كعب القرظي، قال: أخبرني أهل الأرض بالعراق، أنه بلغ الخراج على عهد عمر وعثمان رحمهما الله مائة ألف ألف. فلما ولي معاوية صار إلى خمسين ألف ألف وهدايا النوروز والمهرجان خمسون ألف ألف لنفسه، وكان قد اصطفى أموال كسرى فكان يقطع فيها ويصل ويجيز من يشاء.
ثم بلغ الخراج في فتنة ابن الزبير ستين ألف وهدايا النوروز والمهرجان وصواف نحو عشرين ألف ألف، فلما ولي الحجاج صار
стр. 197
إلى أربعين ألف ألف، وما كان يصل إلى ذلك إلا بضرب الأبدان، فلما قتل ابن الأشعث، قال الحجاج: الآن فرغت لأهل السواد فعمد إلى رؤسائهم، وأهل بيتوتاتهم من الدهاقين، فقتلهم صبراً وجعل كلما قتل من الدهاقين رجلاً، أخذ ماله وأضر بمن بقي منهم إضراراً شديداً، فخرجت الأرض فمات الحجاج والخراج خمسة وعشرون ألفاً، فكان الأمر على ذلك حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فولى عبد الحميد بن عبد الرحمن السواد، وتقدم إليه أن يرجع إلى ما وضع عليهم عمر بن الخطاب ﵁ في أرضهم ورقابهم، ولا يقبل من ألطافهم شيئاً في أعيادهم.
وأول من أحدث هدايا النوروز والمهرجان الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم سعيد بن العاص بعده، فضج الناس إلى عثمان ﵁ فكتب إليه فنهاه عن ذلك، فبلغ الخراج بعد هدية النيروز في أيام عمر بن عبد العزيز ستين ألف ألف فكان يخرج أعطيات الناس وينفذ إلى عمر بعشرة آلاف ألف درهم.
حدثنا القاضي عمرو بن تركي قال: حدثنا الوليد بن هشام القحذمي، قال: قال الحجاج يوماً للدهاقين - وقد اجتمعوا عنده: كم كان عمر بن الخطاب يجبي السواد؟ قالوا: مائة ألف ألف درهم. قال: فكم جباه زياد؟ قالوا: مائة ألف ألف. قال: فكم نجيبه نحن اليوم؟ قالوا: ثمانين ألف ألف. قال: فلم ذلك؟ فقال له ابن جميل بن بصبهري دهقان الفلوجيين: هذا كله لبيتين قالهما شاعركم الحارث بن حلزة. قال: وما هما قال لقوله:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
وأصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج
стр. 198
فاستعمل عمالكم هذا فخربت الدنيا. ومعنى البيتين أن العرب كانت إذا أخصبت عاماً، لم تستقص الحلب، وتركت في الضروع بقية، وكسعت الضروع بالماء البارد ليتراد اللبن، فيكون أقوى لظهورها، فإن كان في العام المقبل جدب، كان فيها فضل وقوة حتى لا ينقطع اللبن، فقال هذا الشاعر: " لا تكسع الشول " وهي النوق، بأغبارها وهي بقايا ألبانها، إنك لا تدري من الناتج أي لعله أن يغار عليك فتؤخذ أو تموت، فيأخذها الوارث. فالصواب أن تتعجل منفعتها. أي فعمل العمال هذا وأخذوا العاجل، ولم يعمروا للعام المقبل فتقص الخراج لذلك.
وهو الخراج والخرج. قرأ أهل الكوفة خراجاً بالألف في كل القرآن إلا عاصماً فإنه قرأها هو وأهل المدينة وأبو عمرو خرجا بغير ألف، وكذا قرأ ابن عباس ﵁.
والخراج في اللغة الأجر، ومنه خراج الأرضين. وقال الفراء: الخراج أعم والخرج أقل، كأنه شيء من الخراج. ويقال للذمي: أد خرج رأسك فخراج ربك خير. قال الكلبي: فرزق ربك خير.
وقال الحسن - وهو الصواب: فأجر ربك خير لك في الآخرة من أجورهم في الدنيا، إذ كان أكثر الناس على أن الخراج الأجر وأخرجه. وحكى التوجي أن أعرابياً قال: ما مواعيدكم إلا أسربة فجمع سراباً أسربة، وخرج وخروج مثل فلس وفلوس.
القبالات
قال أبو بكر: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء قال: حدثني الأصمعي عن أبي الأشهب عن الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵀ فقال: أتقبل منك الأبلة بمائة ألف؟ فضربه ابن عباس وصلبه.
стр. 199
وروي أن عبد الرحمن بن زياد قال: أنا قلت لابن عمر: إنا نتقبل الأرض فنصيب من ثمارها يعني الفضل، فقال: ذلك الربا العجلان. وقال ابن عباس ﵁ القبالات حرام.
وقال سعيد بن جبير: لا خير في القبالة، وإنما كرهوها لأنها بيع ثمر لم يخلق بعد، ولم يبد صلاحه، وزرع نابت لم يستحصد، ومن قبل أن يزرع فهذا هو الغرر المنهي عنه.
وقال بعض الفقهاء فيها: إنه يحكم على الله أن يصير الأمر على ما يريد، فإذا كان الشيء معلوماً جازت القبالة والإجارة، كأنه قول الرجل: قد أجرتك هذه الدار بعشرة دراهم شهراً معلوماً، فإن كانت الإجارة أربعة، أو جهل منها واحد جاز، فقد عرفت الدار وعرفت المدة ووصفت، وعرفت الدراهم، فهذه ثلاثة إن كانت قد عرفت، ولم يعرف هل يسكن الدار وحده أو هو وعياله؟ ولا يعرف عدد عياله، فهو جائز.
ما يفضل من المال
قال محمد بن يحيى: حدثنا عبد العزيز بن معاوية القرشي، قال: حدثنا جعفر بن عون قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: " اجتمعوا لهذا المال فانظروا لمن ترونه، إني سمعت الله : يقول: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم "، والله ما لهؤلاء وحدهم. " والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ". والله ما هو لهؤلاء
стр. 200
وحدهم. " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ". والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال، أعطي منه أو منع حتى راع بعدن ".
وقال عمر يوماً: قد أعطيت الناس حقوقهم، وفضل عندي مال ما ترون فيه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين لك حاج، وتنوبك نوائب لا تنوب غيرك، فخذه إليك لذلك فإن أنفسنا طيبة لك به. وعلي ﵁ ساكت، فقال: ألا تتكلم يا أبا الحسن؟ فقال: قد أشار عليك القوم، فقال: لتقولن. فقال: لم يجعل علمك ظناً ويقينك شكاً، قال: قد قلت قولاً لتخرجن منه، قال: أما تذكر حين بعثك رسول الله ﷺ على الصدقة، فأتيت العباس فمنعك الصدقة، فأتيتني فقلت: إن العباس منعني الصدقة، فانطلق معي إلى رسول الله ﷺ فانطلقت معك فوجدناه مهموماً، فرجعنا ولم نقل شيئاً له، ثم رجعنا وقد طابت نفسه، فقال: " إن كان عندي ديناران فكأنهما يهمانني حتى وجهتهما ". فقلت: إن العباس قد منعني الصدقة، فقال: " إن عم الرجل صنو أبيه " قال: لا جرم إني أشكر لك المرتين جميعاً قال: فأشر علي. قال: فإني أشير عليك أن تقسمه، فدعا عمر عبد الله بن الأرقم، فقال: كم في بيت المال؟ قال: كذا وكذا، قال: " لولا أني أرى أن أقرب لمنفعته أن يكون معاً، لقسمت الأول فالأول "، فقام رجل من ثقيف فقال: يا أمير المؤمنين أعده للبوائق فقال: " كلمة شر يستن بها أمراء السوء من بعدي، أعطاني الله جوابها، بل أعد لها ما أعده لها رسول الله ﷺ تقوى الله وطاعته ".
стр. 201
ولما حبس معاوية على الناس أعطياتهم، قام إليه أبو مسلم الخولاني وهو يخطب فقال: يا معاوية إن هذا المال ليس لك ولا لأبيك وأمك، فلم حبست على الناس العطاء؟ فغضب ثم نزل فدخل وأومأ إلى الناس أن تثبتوا ولا تتفرقوا، ثم خرج فعاد إلى المنبر فقال: أيها الناس إن أبا مسلم الخولاني قد قال ما قال فوجدت لذلك، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا غضب أحدكم فليغتسل "، وصدق أبو مسلم فاغدوا على أعطياتكم فخذوها على بركة الله. ثم كانت فضول الأموال تحمل إليه فيصل بها من أحب وينفق كيف يريد.
مكاتبة المسلم وغيره
مضت السنة في المكاتبة أن يبتدئ المكاتب نفسه على المكتوب إليه.
يروى أن العلاء بن الحضرمي كتب إلى رسول الله ﷺ فبدأ بنفسه. وروى الربيع بن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكتبون إليه من فلان بن فلان إلى محمد رسول الله.
стр. 202
وقد رخص في تقديم المكاتب. روي عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: " إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه إلا إلى والد ووالدة أو إمام ". وروى يحيى بن أبي كثير أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية.
قالوا: والكتاب إلى المسلم: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. وإلى غير المسلم: والسلام على من اتبع الهدى. كذا كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم وإلى كسرى وإلى مسيلمة الكذاب. وقد روي أنه رخص في رد السلام على الكافر، وأن رجلاً منهم كتب في آخر كتابه إلى النبي ﷺ : سلام عليك. فأمر النبي ﷺ الكتاب أن يرد ﵇.
وإنما كتبوا في أول الكتاب سلام عليك، لأن النكرات أوائل الأشياء والمعارف الثواني، فافتتحوا بالنكرة فإذا ردوه عرفوا فقالوا: السلام عليك فعرفوه بألف ولام أي هذا ذلك الأول. كقولك في الكلام مر بي رجل فكان من أمره كذا وكذا، ثم قال لي الرجل: كذا، فعرفت أنه ذلك الذي ابتدأت بذكره.
وقال بعضهم إذا كان الشيء مهماً لا ينفصل بعضه من بعض تكلموا به مرة بالألف واللام، ومرة بطرحها كقولهم: قلت خيراً، وقلت الخير، وكسبت مالاً وكسبت المال، ولا أراك الله سوءاً ولا أراك السوء.
ما في الإنسان وغيره
وهذا شيء لا يسع الإنسان الثنايا، وهي أربع: اثنتان من فوق واثنتان من أسفل. ثم الرباعيات الواحدة رباعية مخففة الياء، وهن أربع
стр. 203
ويقال لهذه الثمان الثغر. ثم الأنياب وهن أربع، ثم الضواحك والنواجذ، وهن ثمان، ويقال لهن العوارض، ثم الأرحاء وهي الأضراس: أربعة من فوق وأربعة من تحت في جانبي الفم، وهي الطواحن. واللحي مركب الأسنان وهو الفك، واللثة: اللحم الذي فيه الأسنان، والدردر مغارز الأسنان في اللثة، والعمور اللحم الذي بين الأسنان الواحد عمر، وأضراس الحلم ضرسان: ثنتان في آخر الأضراس من أسفل لا من أعلى إذا صار الإنسان رجلاً.
وما كان له خف مثل الجمل والنعامة، فإنه يقال لفمه: مشفر وما كان له ظلف قيل له: المرمة والمقمة والجحفلة للحافر والخراطيم للسباع والمنسر والمنقار للطائر.
الأطعمة
يقال: الوليمة، ولطعام الأبنية الوكيرة، ولطعام الولادة الخرس، لأن ما تطعم النفساء خرسة، وطعام الختان إعذار، وطعام القادم من سفر نقيعة.
ويقال: قرمت إلى اللحم قرمة، وعمت إليه عيمة. ويقال: يدي من اللحم غمرة وزهمة لأن الزهم الشحم، ومن الزبد واللبن وضرة،
стр. 204
ومن السمك سهكة. وربما حمل بعض هذا على بعض.
ويقال: أرغم الله أنفه، خص الأنف لأنه اطلع ما في الوجه، والرغام التراب يراد كبه الله على وجهه فإن أول ما يلصق منه التراب بالأنف، وقالوا: على رغم أنفه، ثم كثر حتى قالوا: على رغمه فألقوه الأنف.
وقمقم الله عصبه جمعه حتى لا يحرك يداً لا رجلاً، والبحر قمقام من ذلك لأنه مجمع الماء. قالوا: والشأفة قرحة تخرج بالقدم فتكوى فتذهب، فإذا قالوا: استأصل الله شأفته، فكأنما قالوا: أذهبه الله كما أذهب الشأفة. وإذا أصابه ذلك قيل: شفيت رجله شافاً.
أسكت الله نأمته، النئيم الصوت الضعيف مخففة، ونامته مشددة ما ينم عليه من حركته.
سخم الله وجهه سوده من السخام وهو سواد القدر.
وأسخن الله عينه أي غمه وحزنه، لأن دمعة الحزن حارة، ودمعة الفرح باردة، فلذلك يقال: أقر الله عينك مأخوذة من القر.
وأباد الله خضراءهم أي سوادهم يريد أشخاصهم، ويقال للروضة الخضراء سوداء، ومنه صفة الجنتين " مدهامتان " وقال الأصمعي: أباد الله غضراءهم أي غضارتهم. والغضراء طينة خضراء علكة.
وفي جنبي الإنسا أربعة وعشرون ضلعاً، الواحدة ضلع وهي مؤنثة ويقال للمؤخرة منها ضلع الخلف.
وههنا شيء يكثر في كلام الناس فذكرناه: تقول للرجل إذا أمرته بأخذ الشيء: ها يا رجل، وللإثنين هاؤما، وللجمع هاؤم وهاءيا امرأة فتكسر الهمزة للمؤنث، وللمرأتين هاؤما، كما للمذكر في
стр. 205
الإثنين وفي الجمع هاؤن تدخل النون لجمع المؤنث. فإذا أدخلت الكاف، قلت: هاك يا رجل، وهاك يا امرأة، وهاكاً للذكرين والأنثيين، وإن جمعت قلت للذكران: هاكم وللإناث هاكن. وإن أمرت بإعطائك شيئاً قلت للذكر: هات يا هذا، وهاتيا وهاتوا، وللمؤنث هاتي وهاتيا وهاتين. وإذا سألت رجلاً عن رجل قلت: كيف ذاك الرجل؟ وكيف ذاكما وكيف ذاكم؟ وإذا سألت رجلين عن رجلين، قلت: كيف ذانكما وكيف أولئكم.
وإذا سألت رجلاً عن المرأة، قلت: كيف تلك المرأة الخطاب للرجل وأول الكلام للمرأة، وفي التثنية كيف تانكما؟ وفي الجمع كيف أولئكم؟ فإذا سألت امرأة عن رجل، قلت: كيف ذاك الرجل؟ أول الكلام للرجل وآخره للمرأة. وكيف ذانكما وكيف أولئكن؟ بالنون لأن آخر الكلام للمؤنث. فإن سألت امرأة عن امرأة، قلت: كيف تلك المرأة وكيف تانكما وكيف أولئكن؟.
مدح الإيجاز في ابتداء المكاتبة والجواب
قال محمد بن يحيى: حدثنا الحسين بن يحيى الكاتب قال: حدثنا إسحاق قال: سمع جعفر بن يحيى يقول لكتابه: " إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا ".
وقال بعض الكتاب: الإيجاز في الابتداء أمكن منه في الجواب، ما لم يكن منه في إعذار وإنذار، وعود وبدء، وفتوح وعهود.
قال أبو بكر: والذي عندي أنه يحتاج الكاتب والخاطب والشاعر، إلى أن يخرجوا معانيهم في أقواتها من الألفاظ، على الاختصار، ما لم يحتج إلى إكثار، فإن احتيج إلى ذلك جيء به بما
стр. 206
لا بد منه. وأكثر ما يقع ذلك في الرغبة والرهبة، ألا ترى إلى كتاب الله وكلامه المعجز، كيف يكون فيه ذكر الجنة والنار، وقصة الأنبياء ﵈، والنقمة ممن كذبهم، والأمر بالاعتبار بما نزل بهم، فكانت الحكمة في تقرير ذلك مما يفعل العرب، وسنأتي بفعلهم بعد. ولأن الإنسان قد يقرأ بعض القرآن ويحفظ شيئاً منه دون شيء، فلم يخل الله : كل موضع منه من ترغيب وترهيب، وإذكار واعتبار تفضلاً منه على عباده، واستدعاء لطاعتهم، ونهياً عن عصيانهم فوقع التكرير لذلك.
وقد حدثني محمد بن يزيد المبرد النحوي قال: حدثني أبو محمد التوجي عن أبي عمر الأسدي، قال: قيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم ليسمع منها، قيل: فهل كانت توجز قال: نعم ليحفظ عنها.
وقد روي في هذا لأبي دؤاد الإيادي:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
واحتج من زعم أن الجواب ينبغي أن يكون أكثر من السؤال، لأن السؤال عنده استعلام، والجواب إعلام، وقد قال الله : " وما تلك بيمينك يا موسى "، فاقتضى الجواب أن يقول: " هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ". ثم رأى
стр. 207
أن منافعه بها كثيرة فاختصر ذكرها وقال: " ولي فيها مآرب أخرى ".
وقالوا: " البلاغة لمحة دالة ". وقالوا: " لا تنفق كلمتين إذا كفتك كلمة " وأنشدني أحمد بن إسماعيل الكاتب لنفسه:
خير الكلام قليل ... على كثير دليل
والعي معنى قصير ... يحويه لفظ طويل
وفي الكلام فضول ... وفيه قال وقيل
أولا ترى إلى موضع الإيجاز بذكر الحجة في القرآن كيف أتى مختصراً معجزاً وهو فيه كثير، فمنه قوله ﵎: " وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " ثم قال في مكان آخر يذكر هذا: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ". ثم قال في مكان آخر، وقد أمرهم أن يعتبروا، فقرب ذلك عليه فقال: " وفي أنفسكم لأفلا تبصرون " ففي كل شيء من خلق الله : للإنسان عبرة إلا أن أقربها وأخصرها أمر نفسه.
ثم اختصر أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، واستثنى في الذي أحل، ما نذكره بعد من حرامه، وفي الذي أحل وقتاً يحرم فيه كل ذلك. إذا كتب أجزأه فيه سطرواحد، وهو قوله : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتل عليكم غي محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد " فأمر بأن نوفي بعقوده ثم أحل بهائم الأنعام، واستثنى ما يحرم منها ما يجيء بعد، ثم ذكر أن هذا الحلال يحرم على المحرم. ولو أراد أبلغ الكتاب أن يجيء بهذه في أسطر كثيرة ما أمكنه على عجزه في
стр. 208
حسن اللفظ والنظم. وهذا كثير يطول به الكتاب ذكرت ههنا طرفاً منه.
قال وأنشدني محمد بن يزيد المبرد في وصف خاطب:
إذا ما انتدى خاطباً لم يقل ... له أطل القول أو قصر
انتدى تكلم في النادي وهو مجلس القوم، وقد روي إذا ما ابتدا
طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعي يوماً ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمقل على المكثر
وحكى سيبويه أن امرأة من العرب كانت بغيا، فكان يقول لها القائل: خطب، فتقول: نكح وتمضي معه.
وحكي أن رجلاً كان عود رجلاً أن يجيئه في وقت من الزمان، فيمضي معه إلى موضع معروف، حتى ألفا ذلك وعرفاه فكان يأتيه فيقول " ألا تا " فيقول: " بلى فا " يريد ألا تمضي؟ فيقول: بلى فامضي. وهذا كله إنما يجوز مع الإفهام والمعرفة.
وأنشدني الحسين بن عمر الكاتب قال: أنشدني علي بن الحسين الإسكافي عن أبي محلم للأحيمر السعدي في كلمة:
وحاذر جواب المصمتين إذا سمت ... عيون العدى فالقول تبدو شواكله
стр. 209
من القول ما يكفي المصيب قليله ... ومنه الذي لا يكتفي الدهر قائله
يصد عن المعنى فينزل ما تحاً ... ويذهب في التقصير منه تطاوله
فلا تك مكثاراً تزيد على الذي ... عنيت به في خطب أمر تزاوله
وكلم رجل سقراط في أمر بكلام أطاله وزاد فيه على ما احتاج إليه فقال له سقراط: " أنساني أول كلامك بعد آخره، وطول عهده مع تقارب أقطاره ".
وقال آخر: الكلام أوعية والمعاني أمتعة، وقد يجمع في الوعاء الواحد ضروب من الأمتعة.
وقالوا: السؤال بغي والجواب نصير.
وقال آخر: البلاغة في الجواب أوحد وأظهر.
وقالوا: الأجوبة أمهات الفوائد، تلدها بتلقيح السؤال.
وقالوا: " الجوابات المستكة " ولم يقولوا: المسائل المستكة.
وقالوا: لكل كلام جواب.
وقال سهل بن هارون: من فضل الجواب على الابتداء أن الابتداء يوجد في الجواب ولا يوجد جواب في ابتداء.
وقال آخر: " إني أدع الكلام خوفاً من الجواب، أنه يقع ولم
стр. 210
يذكر "، يريد قولهم: السكوت جواب.
قال الصولي: حدثنا يونس بن محمد الكديمي، قال: حدثنا عبد الله بن داود الحذيمي، قال: سمعت الأعمش يقول: " السكوت جواب "، وهذا إنما أخذه من قول رسول الله ﷺ .
قال الصولي: حدثني محمد بن يونس الكديمي قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها ". وحدثني إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا مالك بن أنس وذكر مثله.
وقال آخر:
يا من بنا يرتاب ... ترك الجواب جواب
وقال بشار وذكر أن السكوت يعفي من لا ونعم:
وإذا قلت لها جودي لنا ... خرجت بالصمت من لا ونعم
وأنشدني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه:
وإبأبي مفحم بعزته ... قلت له إذ خلوت مكتتما
تحب بالله من يخصك بالحب ... فما قال لا ولا نعما
ثم تثنى بمقلتي خجل ... أراد رجع الجواب فاحتشما
فكنت كالمبتغي بحيلته ... برءاً من السقم فابتدا قسما
стр. 211
وقال بعض الكتاب: أكثر حيل الكاتب في بلاغته يقصد شيئاً فيأتي بغيره ويدرجه فيه.
قال محمد بن يحيى الصولي: ومن ذلك ما حدثنا الحسين بن فهم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن يوسف عن أبيه قال: دخلت على المأمون وفي يده كتاب ورد من عمرو بن مسعدة وهو يردد النظر فيه مرات، ثم قال لي: أظنك قد أفكرت في تردادي النظر في هذا الكتاب. قلت: قد أفكرت في ذلك. قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده كتب: كتابي إلى أمير المؤمنين، أعزه الله، ومن قبلي من قواده وأجناده، في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم " ألا ترى يا أحمد إلى إدماجه الخلة في الأجناد وإعفاء سلطانه من الأكثار، ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر.
ونحوه هذا ما حدثني به أبو علي السجزي قال: لما ولي عبد الله بن سليمان الوزارة أوصلت إليه كتاباً من عبيد الله بن عبد الله وفيه شعر له:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم
فلما قرأ عبد الله هذا الشعر قال: ما أحسن ما احتال في شكوى حاله، بين أضعاف مدحه، فأوصل رقاعه إلي فقضى كل حاجة كانت له.
وحدثني علي بن الصباح، عن حماد، عن الهيثم بن عدي، قال: كان الحجاج يستبطئ المهلب في حرب الأزارقة والمهلب، محسن مجتهد يستحق مكان الذم الشكر. فكتب إليه المهلب:
стр. 212
" إن من البلاء أن يكون الرأي لمن تملكه دون من تبصره " فلما قرأ الحجاج هذا أقصر عن مكاتبته بمثل ذلك.
وحدثني الحسين بن علي العنبري قال: حدثني محمد بن معاوية الأسدي، قال: لما ظفر المهلب بالخوارج وفرغ من أمرهم قال الحجاج: الآن يرد كتاب المهلب طويلاً بوصفه، جامعاً لوصف يشرح أحواله، وإنه لحقيق بكل وصف، وأهل لكل مدح. قال فورد كتابه.
" بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكافيء بالإسلام فقد ما سواه، المعجل النقمة لمن بغاه، الذي يزيد من شكره، ويرزق من كفره.
أما بعد فقد كان من أمرنا ما أغنت جملته عن تفصيله. وكنا نحن وعدونا في مدة هذا التنازع على حالتين مختلفتين: يسرنا منهم أكثر مما يسوؤنا ويسوؤهم منا أكثر مما يسرهم؛ على شدة شوكتهم، واجتماع كلمتهم، وانزعاج القلوب لمخافتهم؛ حتى نوم بذكرهم الرضيع، وأصم لخوفهم السميع. فانتهزت منهم الفرصة عند إمكانها، بعد أن تنظرت وقت إبانها؛ واستدعى النهل علله، وبلغ الكتاب أجله. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ".
ونحو هذا، إلا أنه في التهدد، ما حدثني به عبد الواحد بن العباس الهاشمي، قال: سمعت الرياشي يقول: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يتهدده فيه فأمر بجوابه. فلما قربت الأجوبة عليه لم يرضها وقال للكاتب: " اكتب " فأملى عليه:
стр. 213
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك. والجواب ما ترى لا ما تسمع. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ".
وكتب أحمد بن يوسف إلى إسحاق الموصلي يدعوه ويعلمه أن عنده قلماً " المعنى أنا وقلم وأنت أعلم ".
وكتب عبد الملك إلى الحجاج: " أما بعد فقد بلغني سرفك في سفك الدماء، وتبذير الأموال في الباطل، ومنعك الحق؛ فلا يؤنسنك بي إلا طاعتك، ولا يوحشنك مني إلا معصيتك ".
قال: فكتب إليه الحجاج: " أما بعد فقد وصل كتاب أمير المؤمنين، وما قتلت إلا فيه، ولا أعطيت إلا له. فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي لي سالفي، ويأمر لي بما أحب في مستأنفي؛ فعل إن شاء الله ".
قال الصولي: حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني العتبي قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى بعض ولده، وقد خالفه في شيء: " أما بعد فإني أمرتك بأمر فأتيت غيره، ووصيتك بوصية فأبيت إلا عصته. وخفت أنك بمنزلة الصبي الذي إذا أمر بشيء أباه، وإذا نهي عن شيء أتاه؛ فيحتال له فيما ينفعه بأن ينهى عنه، وفيما يضره بأن يؤمر به. ويا سوأتي لمن هذه حاله والسلام ".
مكاتبة الإخوان
قال الصولي: حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: سمعت الحسن بن وهب يقول: كاتب رئيسك بما يستحق، ومن دونك بما يستوجب، واكتب إلى صديقك كما تكتب إلى حبيبك.
وقال بعض الكتاب: غزل المودة أرق من غزل الصبابة.
стр. 214
وقال غيره: إني لألذ للمؤانسة كلذتي للملامسة.
وحدثنا أبو العيناء قال: حدثنا الأصمعي قال: قال هشام: قد مرت لذات الدنيا كلها على يدي وفعلي، فما رأيت ألذ من محادثة صديق ألقى التحفظ بيني وبينه.
قال الصولي: أو ما ترى حذق أبي تمام في قوله لآل وهب:
كل شعب كنتهم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب
إن قلبي لكم لكالكبد الحر ... ى وقلبي لغيركم كالقلوب
وهو القائل:
واجد بالخليل من برحاء الشو ... ق وجدان غيره بالحبيب
وأنشدنا أحمد بن إسماعيل لنفسه:
صدود الحبيب دعاء الغلي ... ل وأغلظ منه صدود الخليل
صددت فاشمت بي حاسداً ... عليك وحققت قول العذول
وقال أبو تمام إلى ابن الهيثم:
سلام الله عدة رمل خبت ... على ابن الهيثم الملك اللباب
ذكرتك ذكرة جذبت ضلوعي ... إليك كأنها ذكرى تصابي
وقال إبراهيم بن العاس الصولي:
أميل مع الذمام على ابن عمي ... وأقضي للصديق على الشقيق
وإما تلفني حراً وطاعاً ... فإنك واجدي عبد الصديق
وقالوا: طرف الصداقة أملح من طرف العلاقة.
стр. 215
ذكر الحساب
قال الصولي: لم نرد بذكر الحساب أن نذكر الضرب والقسمة والمعاملة، إما أردنا أن نذكر اللغة فيه ووصف الكتاب به إذ كان الحساب قد عملت فيه كتب يزيد بعضها على جملة كتابنا هذا، ولئلا يخلو هذا الكتاب من ذكره إذ كان أصلاً لا يستغني عنه الكاتب ولا بد لكل أحد منه.
يقال: حسب يحسب حساباً وحسباناً مثل بنى يبني بناء وبنياناً والفعلان في مصدر فعل وفعل قد جاءا، وإن لم يكثرا قالوا: رفع رفعاناً وخسر خسراناً وغنى غنياناً. قال الحارث بن خالد:
أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شاننا شانها
والحسبان العذاب، ومنه قول الله : " ويرسل عليها حسباناً من السماء "، والحسبان الاتكال، ولم نسمعه إلا مع ذكر الله : يقال على الله حسباني وتكلاني قال الشاعر:
على الله حسباني إن النفس أشرفت ... على طمع أو خاف شيئاً ضميرها
وقال الله تعالى: " الشمس والقمر بحسبان " أي يطلعان ويغيبان بأوقات وقتها اله لا تزيد ولا تنقص، فكانت كصحة ما يحسب. قال الله : " وجعلنا الليل والنهار أيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ".
وأجمع الحساب من كل جنس وملة، بكل خط ولغة، على
следующие страницы →