← Адаб

Адаб · id 1601

أدب الكتاب للصولي

الصولي

Полный текст (236 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجزء الأول فضل الكتابة قال الله تعالى - وهو أول ما أنزل من القرآن: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ". فجعل تبارك اسمه

стр. 2

أول ما أنزل من القرآن ذكر التفضيل على عباده بخلقه لهم، وما ندبهم له بذلك، من البقاء الدائم والنعيم المتصل، لمن آمن به ووحده وصدق بنبيه ﷺ . ثم أتبع ذلك بذكر الأنعام عليهم بما علمهم من الكتاب الذي به قوام أمر دينهم ودنياهم، واستقامة معائشهم وحفظها. ولولا أن من لا يحسن الكتابة يجد ممن يحسنها معونة وإبانة عنه، لما استقام له أمر، ولا تم له عزم، ولحل محل الصور الممثلة، والبهائم المهملة. ومعنى قوله الذي علم بالقلم: الذي علم الكتابة بالقلم. وقال : " ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون " فأقسم في القرآن بما خلق من ذلك أعني القرآن وما يكتب به من حبر ومداد وما يكتب فيه من سفر وقرطاس وأشباههما. على أن نون ههنا، عند بعضهم، السمكة التي تحمل الأرضين. وقال بعضهم: يريد الحرف. وكذلك عند هؤلاء يس وطس وكل ما في القرآن من ذلك. وإنما هو افتتاح السور بهذه الأحرف

стр. 3

التي السور منها غير خارجة عنها. يقول هذا القرآن بهذه الحرف العربية، ليس فيها لسان أعجمي ولا حرف من حروف العجم ليبطل بهذا ما زعمه الكفار أن النبي ﷺ يتعلم القرآن من يهود ونصارى يقرأون بالعبراني وغير ذلك من الألسن. ألا تراه جل وعلا كيف بين ذلك فقال: " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ". وسأل رجل أحمد بن يحيى ثعلب، وأنا حاضر، عن قسم الله بالأشياء التي خلقها مثل قوله تعالى: " والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " فوقع القسم على الآية الأخيرة. فقال أحمد بن يحيى: رأيت الرؤساء من العلماء يقولون معناه: وخلقي الذي لا يقدر أحد أن يخلق مثله لقد كان كذا وكذا. وقال جل وعلا: " وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون " وقال: " بأيدي سفرة كرام بررة ". فالسفرة الكتبة،

стр. 4

الواحد سافر والجمع سفرة، مثل كافر وكفرة. ومعنى سافر كاتب يكتب في الأسفار، واحدها سفر، وهي الصحف وسفر إذا كتب من سفر فهو سافر. وكان المأمون وجد على بعض كتابه في شيء، فكتب إليه: ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا فعفا عنه. وبالكتابة جمع القرآن، وحفظت الألسن والآثار، ووكدت العهود، وأثبتت الحقوق، وسيقت التواريخ، وبقيت الصكوك، وأمن الإنسان النسيان، وقيدت الشهادات، وأنزل الله في ذلك آية الدين وهي أطول آية في القرآن. وقد سمعت بعض من حرم فضيلة الكتابة يقول: لو كانت الكتابة فضيلة، لكانت في رسول الله ﷺ . وهو لا يدري أن في ذلك فضلاً لرسول الله ﷺ ، ونقصاً لغيره، لأن الكفار إدعوا عليه أنه يحسن الكتابة، وأنه يتعلم ما يأتي به في القرآن من أهل الكتاب، وكتبه فهو يقرأه، ويأتي بتفسير شيء منه، ويشرحه بلسانه، وهو ﷺ ما قرأ ولا كتب قط، ولا هيأ الله له طلب ذلك، ولا عرف بتعلمه لما أراده جل وعز من الاختصاص بالرسالة، وإيضاح الحجة، على من زعم

стр. 5

أنه يكتب. ألا ترى إلى حكاية الله لقول الكفار: " اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً "، ما كذبهم وجعل من أفضل صفاته ﵊ قوله: " النبي الأمي "، فقال: " فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ". وقال: " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ". وليس هذا الكتاب والفوائد فيه معمولاً لتابع دون متبوع، ولا خامل دون نبيه، ولا محروم دون محظوظ. ولا ينبغي لمن رفعته حال، وساعده جد، وهو يؤنس من نفسه تقصيراً في الأدب، وتخلقاً عن صناعة الكتابة، أن يغتر بحظه، وإقبال الأيام عليه في وقت، فإنها دول منقلبة وأحوال متصرفة، وليتلاف ما ضيع، ويستدرك ما فرط، ولا يتكل على كفاءته، مشتغلاً بلذته، ومريحاً قلبه وجسمه، مستعيراً في كل وقت عليهم، ومتكلاً على كفاءتهم، ينام ويسهرهم، ويفرغ ويشغلهم. فإن هذا الفعل إنما يحسن بالرؤساء إذا أشرفوا على العلم، واستفلوا بالصناعة، وعرفوا ما يحتاجون إليه من أمر الكتبة وحفظوه. فعند ذلك تشرف عندهم أنفسهم، ويحسن بمن عندهم استقامتهم، حتى تحملوا عنه ما هو أعلم به منهم، ولا يكونوا أسراء في أيديهم، ولا مضطرين إلى ما عندهم. وقد قال بعض الحكماء: " كل شيء يمكن أن يستعار إلا اللسان " وقال: من خدم السلطان بلا علم واستقلال، وتجربة وكمال، كان بمنزلة راكب

стр. 6

فيل صعب، وسابح في بحر قد جف ". ومع ذلك فإن الأتباع إذا أحسوا من الرؤساء بتفويض إليهم، على قلة علم منهم، واضطرار إلى كفاءتهم، ولم يحس الأتباع منهم حسن مجازاة على جميل إفادتهم، سوء مكافأة على قبيح أفعالهم، حتى يستوي عندهم محسنهم، ومسيئهم وخائنهم وأمنهم، وكافئهم وعاجزهم؛ انتقل الأمين عن مر الوفاء إلى حلاوة الخيانة، وازداد الخائن بصيرة فآثر الإضرار، وقصر الكافي عن إتعاب النفس وكد الانتصاح؛ فقد يرى الأمين صنيعة فيخون، ويرى الخائن جرماً فيعف، فيضطرب عند ذلك الحبل، وينشر الأمر، وتنعكس مساوئ قوم محاسن آخرين. قال أبو بكر: وإنما ذكرت هذا الفصل، لأرغب أهل هذه الصناعة الشريفة، في الإقبال عليها، وإنفاق بعض العمر في طلبها، فإنها من أجل ما كد فيه الفكر، وقطعت به الأيام. وقد استعمل اللفظة التي حكيتها - أعني إنفاق بعض العمر - شاعر من الأزد فقال: هزئت عميرة إذ رأت ظهري انحنى ... وذؤابي علت بماء خضاب لا تهزئي مني عمير فإنني ... أنفقت فيكم شرتي وشبابي

стр. 7

وفيه غناء في طريق الثقيل الثاني. وليس يجب لمن صفر من هذه العلوم أن يدع التعلم آيساً من الاستفادة، مولياً عن الاستزادة. فربما كان الإنسان مهيأ الذهن لحمل العلم، قريب الخاطر، متقد الذكاء، فيضيع نفسه فإهمالها ويميت خواطره بترك استعمالها، فيكون كما قال علي بن الجهم: والنار في أحجارها مخبوءة ... ليست ترى إن لم يثرها إلا زند وإنما أخذه من قول الأول: أنا النار في أحجارها مستكنة ... متى ما يهيجها قادح تتوقد ومثل قوله: أنفقت فيكم شرتي وشبابي ما أنشدناه ابن ذكوان القاسم بن إسماعيل قال: أنشدنا أبو مجلي السعدي لحضرمي بن عامر يعاتب عوف بن عبد الله في أبيات: تجود أسباب المودة بيننا ... حديثاً وأسباب المودة تخلق لعلك يوماً أن يسؤك أنني ... قريب ودوني من حصى الأرض مخفق وتنظر في أسرار كفيك هل ترى ... لها خلفاً مما يفيد وينفق

стр. 8

هذا مثل يضرب للنادم قال الأعشى: فانظر إلى كف وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني ضائري ومنه قول الله : " فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ". وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " قريش أهل الله وهم الكتبة الحسبة ". وروي عن كعب الأحبار، أنه قال: " إنا لنجد قريشاً في الكتاب الكتبة الحسبة ملح الأرض ". وروي في تفسير قوله تعالى: " ويعلمهم الكتاب والحكمة " قال: يعني القرآن لا الخط قال الشاعر: إن الكتابة رأس كل صناعة ... وبها تتم جوامع الأعمال ما روي في أول من كتب الكتاب بالعربي قد ذكرت أن اختصر جميع ما أذكره، وألقي أسانيده ليقرب على طالبه ومستفيده، إلا ما لا بد منه، من ذكر نسبته وإسناده، وإنما أجري إلى ما ذكرته. روي عن كعب الأحبار، أنه قال: " أول من كتب الكتاب العبري والسرياني وسائر الكتب آدم ﷺ ، قبل موته بثلثمائة سنة، كتبها في طين ثم طبخه، فلما غرق الله جل وعز الأرض، أيام نوح، بقي ذلك فأصاب كل منهم كتابهم. وبقي الكتاب العربي إلى أن خص الله به إسماعيل فأصابها وتعلمها ". وروي عن ابن عباس " أن أول من وضع الكتابة العربية إسماعيل على لفظه ومنطقه، فعلمه موصولاً حتى

стр. 9

فرق بينه ولده ". وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعروة بن الزبير أنهما قالا: " أول من وضع الكتاب العربي قوم من الأوائل، نزلوا في عدنان بن أد بن أدد، أسماؤهم أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص قرشت، فوضعوا الكتاب العربي على أسمائهم ووجدوا حروفاً ليست من أسمائهم وهي الثاء والخاء والذال والظاء والضاد والطاء والغين قسموا بالروادف ". وقد روي أنهم كانوا ملوك مدين، وأن رئيسهم كلمن وأنهم هلكوا يوم الظلة مع قوم شعيب ﵇ فقالت أخت كلمن ترثيه: كلمون هد ركني ... هلكه وسط المحله سيد القوم أتاه آل ... حتف ناراً وسط ظله كونت ناراً فأضخت ... دار قومي مضمحله وقيل: إن هؤلاء أخذوا كتاب إسماعيل ﵇، فعملوا منه كتاباً يتعلم منه، لأن الأحاديث عنهم أنهم استعربوا وضعوا

стр. 10

الكتاب العربي والله أعلم. وروي عن ابن جعدة " أن أول من كتب العربية مرامر بن مرة. وأسلم بن الدرة، اجتمعا حتى وضعا مقطعه وموصله، وهما من أهل الأنبار ". قال: وسئل المهاجرون من أين تعلموا الكتاب فقالوا: من أهل الحيرة. فسئل أهل الحيرة من أين تعلموا، فقالوا: من أهل الأنبار. وقد أعرب الناس أبا جاد وسعفصاً، فقال معاذ الهراء يخاطب رجلاً عاب النحو والعربية: عالجتها أمرد حتى إذا ... شبت ولم تعرف أبا جادها سميت من يعلمها جاهلاً ... يصدرها من بعد إيرادها وقال آخر: وخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصاً وقريشات

стр. 11

حدثنا الحسين بن مرثد، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا يونس، قال: سمعت أبا عمرو يقول: العرب كلها أولاد إسماعيل فأصهر إليهم، والعربية التي روى محمد بن علي بن الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهم، أن أول من تكلم بالعربية إسماعيل ﵇ فإنما يعني اللسان الفصيح الذي نزل به القرآن وعربية حمير وبقايا جرهم، غير هذه ليست بفصيحة. أصل كتاب بسم الله الرحمن الرحيم وابتداؤه قال الصولي: سألت أبا خليفة بن حباب الجمحي عن ابتداء الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، فقال: سأل ابن عائشة عبيد الله بن محمد بن حفص عن ذلك، فقال: حدثني أبي أن قريشاً كانت تكتب في جاهليتها " باسمك اللهم "، وكان النبي ﷺ كذلك، ثم نزلت سورة هود وفيها " بسم الله مجراها ومرساها " فأمر النبي ﷺ بأن يكتب في صدر كتبه: " بسم الله "، ثم نزلت في سورة بني إسرائيل " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى "، فكتب: " بسم الله الرحمن "، ثم نزلت في سورة النمل: " إنه من سليمان وإنه بسم

стр. 12

الله الرحمن الرحيم ". فجعل ذلك في صدر الكتب إلى الساعة. وكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " في أول كل سورة من القرآن، إلا في أول سورة التوبة، فإنه يروى عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: لم يكتب بين الأنفال بسم الله الرحمن الرحيم والأنفال من أول ما أنزل الله في المدينة، وبراءة من آخره، إلا أنها تشبهها، وقصتها كقصتها. وكان النبي ﷺ ربما تلا الآيات فيقول: " هذه مكانها في سورة كذا، فاجعلها تليها ". وهذا بفضل من الله عليهم. كيف يفتتحون كلامهم ليبارك لهم فيما يحاولون ويؤجروا عليه والمعنى: اقرأ يا محمد بسم الله وقل بسم الله، ثم حذفت قل ليعلم المخاطب أن معناه الأمر. والباء صلة فعل محذوف حذف لعلم القارئ به وهو: أبدأ بسم الله وأقرأ بسم الله، لأن جبريل كان إذا نزل بالوحي قال: " اقرأ يا محمد، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ بسم الله ". والمعنى في الابتداء بها، في غير القرآن، بدأت بسم الله. ثم كثر ذلك وعلم حتى أسقطوا بدأت. وقال سيبويه: معنى الباء الإلصاق تقول: كتبت بالقلم، فالمعنى أن الكتابة ملصقة بالقلم. وهي مكسورة أبداً لأنه لا معنى لها إلا الخفض، فوجب أن يكون لفظها مكسوراً.

стр. 13

والله تبارك اسمه، اسم خاص للمعبود جل وعلا، لا يسمى به سواه. قال الله تعالى: " هل تعلم له سمياً ". قال المفسرون: لا يعلم من تسمى الله إلا الله ، ولا يعرف لهذا الإسم اشتقاق من فعل. ولا أحب ذكر ما قاله النحويون فيه لأنه يكلف لا يضر تركه. وأسماء الله ، بعد هذا، صفات: فالرحمن الرحيم ذو الرحمة، ولا يقال رحمن إلا لله تعالى. ويقال: فلان رحيم لأن رحمن في وزنه فعلان، من أسماء المبالغة في الرحمة وغيرها، والله تعالى نهاية في الرحمة وليس شيء كذلك، فلهذا لم يسم به غير الله. والرحمة من الله تجاوز عن ذنب، وإحسان عن حسنة، وإيصال الخير إلى عباده. والرحمة من العباد إشفاق ورقة، تحدث فيهم. وليس في الأفعال ما يبنى عليه ثلاثة أسماء مثل رحم فهو راحم، ورحيم ورحمان إلا سلم وسليم وسليمان، وندم فهو نادم ونديم وندمان، ولا يقال من الندمان: نادم إنما يقال: نادمته. والألف في بسم الله وصل لأن غيره تصغيره سمي. وحكى أبو زيد أن العرب تقول: هذا اسم وهذا سم وسم وأنشد: بسم الذي في كل سورة سمه ويروى سمه، وإنما ضموا السين وكسروها، لأنه سموت وسميت بمعنى ارتفعت وعلوت، فمن قال: سم فكسر فمن سميت

стр. 14

ومن قال سم فهو من سموت. ومعنى قولك: أسميت لفلان فلاناً، وإنما هو رفعت له صفته وما يعرفه به حتى عرفه. والاسم مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، وأصله سمو والجميع أسماء مثل حنوا وأحناء وقنو وأقناء. ومن قال الاسم مأخوذ من السمة، كأنك إذا قلت: أسميته لفلان، كان المعنى وسمته له بشيء عرفه به، حذفت منه فاء الفعل ودخلته ألف الوصل ألا ترى أن عدة وزنة أصلهما وعدة ووزنة، فإذا صغرتهما رجعت الواو، فقلت: وعيدة ووزينة. وكذلك تصغير صلة وصيلة، فلو كان اسم من سمة لكان تصغيره وسيمة، ولكن تصغيره سمي، فبطل أن يكون من السمة، فكان يجب أن يكون وسم وسمة، ووزن وزنة، كما قالوا صل صلة، ولكن وقعت الواو، ولذلك كان يجب أن يقال وزن يوزن، مثل عدل يعدل، فوقعت الواو بين ياء وكسرة، فحذفت فقيل وزن يزن، وإنما كرهت العرب أن تتكلم بضمة بعد كسرة، وكسرة بعد ضمة في الواو والياء، لأنه يصعب في اللفظ قليلاً. وإنما يتكلمون بما خف على ألسنتهم، ولذلك صحت لهم الأسماء في الثلاثي كله، إلا في صنفين. والثلاثي قولهم فعيل وقد سموا على فعل، فقالوا: عضد وسموا فعل فقالوا: عنب، وسموا بفعل فقالوا: إبل، وسموا بفعل فقالوا: طنب، وسموا بفعل فقالوا: حرد، ولم يسموا بفعل ولا بفعل كراهة لثقل ذلك ليس في أسمائهم دئل ولا شيء على وزنه، ولا مثل دول ولا شيء على وزنه.

стр. 15

حذف الألف من بسم الله وما ذكر من حذف السين أجمع القراء وكتاب المصاحف على حذف الألف من بسم الله الرحمن الرحيم في فواتح السور والكتب وعلى كتبهم إياها في قول: " فسبح باسم ربك العظيم "، لأنها وقعت موقعاً معروفاً لا يجهل القارئ معناه وكثرت فاستحق طرحها. إذ كان من شأن العرب التخفيف إذا عرف المعنى ولم يكثر ككثرته مع الله ، فحملهم كثرة الاستعمال ومعرفة المعنى لأنه يقال بدأت بسم الله فحذفت بدأت ثم حذفت الألف في الخط. وحذف قوم السين وذلك مكروه لأن حروف الزيادة والنقصان الألف والواو والياء فحذفت الألف وليست السين كذلك. روي أن كاتب عمرو بن العاص، كتب إلى عمر بن الخطاب، ﵁ " بم الله " باءً وميماً وحذف السين. فأمر عمر بضربه فضرب، فقيل: في أي شيء ضرب؟ فقيل: في سين. فضربت مثلاً. ويصير إذا حذفت السين كأنه " بم الله " وبم ولم يستفهم بهما. وألف اسم لا يحذف إذا أضيفت إلى غير الله، ولا تحذف في غير الله من الصفات مثل اللام في قولك: " لاسم الله حلاوة في القلوب " و " ليس اسم كاسم الله " لا بد من إثباتها. وأجاز الكسائي طرح الألف في قولهم: باسم الخالق وباسم الرحمن، وغيره يأبى ذلك، ولا يجيزه إلا في بسم الله وحده. وعلى

стр. 16

هذا العمل وهو الصواب. وكتبوا: الرحمن، بغير ألف لكثرة الاستعمال وإن المعنى لا يخل. رسوم الكتاب في كتابتهم بسم الله الرحمن الرحيم يختار الكاتب أن يبدأ بكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، من حاشية القرطاس، ثم يكتبون الدعاء من تحته مساوياً، ويستقبحون أن يخرج الكلام عن بسم الله الرحمن الرحيم، فاضلاً بقليل، ولا يكتبوها وسطاً، ويكون الدعاء فاضلاً، وإنما يفعل ذلك بالتراجم. ومن الكتاب من يرى أن يجعله وسطاً، في أسفل الكتاب، بعد انقضاء الدعاء الثاني والتاريخ، إذا احتاج إلى تبيين نسخة كتاب متقدم، أو حساب، ليفرق بين منزلته من صدر الكتاب وبين عجزه. وقد ذهب إليه قوم. ولا يفسح ما بين بسم الله الرحمن الرحيم وبين السطر الذي يتلوه من الدعاء ولكن يفسح ما بين الدعاء، إذا استتم، وبين سائر المخاطبة. ولا يتجاوز بالدعاء ثلاثة أسطر، ولا يستتم السطر الثالث، على المشهور من مذاهب أجلاء الكتاب. " أما بعد " وما جاء فيها قال الصولي: حدثنا زياد بن الخليل التستر، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد العزيز، عن عمر، عن أبيه، عن أبي سلمة، قال: " أول من قال أما بعد كعب بن لؤي. وكان أول من سمى الجمعة وكانت تسمى العروبة ".

стр. 17

ويروى أن أول من قال: أما بعد، داود النبي ﵇ وأن ذلك فصل الخطاب، الذي قال الله : " وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ". حدثنا زياد بن الخليل قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحراني، قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، عن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن أمه، عن جده أبي موسى، أنه قال ذلك. وقال الشعبي: فصل الخطاب الذي أعطيه داود ﵇: أما بعد. فمعنى فصل الخطاب، على هذا، أنه إنما يكون بعد حمد الله، أو بعد الدعاء، أو بعد قولهم: من فلان إلى فلان، فينفصل بها بين الخطاب المتقدم وبين الخطاب الذي يجيء بعد. ولا تقع إلا ما ذكرناه. ألا ترى قول سابق البربري لعمر بن عبد العزيز: باسم الذي أنزلت من عنده السور ... الحمد لله أما بعد يا عمر فإن رضيت بما تأتي وما تذر ... فكن على حذر قد ينفع الحذر والمعنى في أنها لا تقع مبتدأة، أن المراد بها أما بعد هذا الكلام، يعني الذي تقدم فإن الخبر كذا وكذا. وروي عن النبي ﷺ أنه كتب إلى بني أسد:

стр. 18

" بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بني أسد. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد فلا تقرين مياه طي ولا أرضهم فإنه لا يحل لكم ". فإذا كتب كاتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد كان كذا وكذا، فمعناه: أما بعد قولنا بسم الله، فقد كان كذا وكذا وأنه قد كان. فإنها لا تقع إلا بعد ما ذكرناه. ولابد من مجيء الفاء بعد أما لأن أما لا عمل لها إلا اقتضاء الفاء واكتسابها، فإن الفاء تصل بعض الكلام ببعض، وصلاً لا انفصال بينه ولا مهلة فيه. ولما كانت أما فاصلة، أتيت بالفاء لترد الكلام على أوله. وليست تدل الفاء على تأخير متقدم، ولا تقديم مؤخر، ولا يستوي معناهما فيها ولا معها. ومما أجمع أهل اللغة، على أن حالفاً لو قال: والله لآتين الكوفة والبصرة، فبدأ بالكوفة في لفظه، ثم أتى البصرة قبل الكوفة ثم أتى الكوفة، إنه غير حانث لأن الواو عندهم أتم حروف النسق، وإنها للإشراك تدخل الآخر فيما أدخلت فيه الأول لا فرق. وأجمعوا على أنه إذا قال: لآتين الكوفة فالبصرة أنه إن لم يأت الكوفة التي بدأ بها في لفظه، ثم يخرج منها إلى البصرة مسرعاً

стр. 19

مزعجاً، غير متلبث إلا لفكر في خروجه، أو إصلاح لطريقه، أنه فائت، لأن الفاء حرف إزعاج وإسراع. فإذا قال: لآتين الكوفة ثم البصرة، بدأ بالكوفة وأقام ما شاء بعد، لا ينقص عزمه في إتيانها، ولا تتغير نيته إلى وقت قصده إياها، لأن ثم عندهم حرف إمهال وتنفيس. والذي عليه أكثر الفقهاء، في فصل الخطاب، أنه فصل الحكم والقضاء. وقال الضحاك بن مزاحم: فصل الخطاب العلم بالقضاء. وروي عن شريح والحسن البصري، أنهما قالا: فصل الخطاب الشهود والأيمان، ذهب إلى أنه يجب بهما الحكم وتنفصل الأشياء. حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان، عن الأسود، عن قيس، عن ثعلبة، عن عباد، عن سمرة أن النبي ﷺ خطب حين كسفت الشمس فقال: " أما بعد ". تصدير الكتب وما يقع فيها فقد استعمل الناس قريباً من ترتيب الدعاء، وتكثيره وتقليله، أشياء كلفوا أنفسهم فيها، مؤونة المخاضة فيها والتحفظ فيها منها. وقد كان المتقدمون يسمحون في ذلك، ولا يتشاحون عليه إلى الرسوم في الكتب عن الأئمة فإنها على الأمثلة التي كانت تجري عليها الكتب، وتصدر بها في أيام النبي ﷺ كثيراً، لم تغير عما كانت تصدر به عن النبي ﷺ : يبدأ باسمه ويختم الكتاب باسم كاتبه. وكذلك هي عن الأئمة بإمرة المؤمنين

стр. 20

والإمامة، والتصدير في أول الكتاب، والدعاء في آخره للإمام وولي العهد والوزير واحد. إلا أنهم قالوا: سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وكذلك لولي العهد في التصدير والدعاء الأخير. ولم يقولوا للوزير وبركاته ليفرقوا بين المحلين. وقد كتب بعضهم في عجز الكتاب إلى الوزير وبركاته. فأما في التصدير فلا وذلك للفرق بين المحلين. وكان التصدير ينتهي إلى قوله: " فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. إلى أن أفضت الخلافة إلى الرشيد، فأمر أن يزاد فيه وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ ". فكتب بذلك إلى هذا الوقت. فكانت هذه من أفضل مناقب الرشيد. وكان الرشيد، قال ليحيى بن خالد: قد عزمت على أن يكون في كتبي من عبد الله هارون الإمام أمير المؤمنين عبد محمد رسول الله. فقال له يحيى: قد عرف الله نيتك في هذا يا أمير المؤمنين، وحان لك أجره، والتعبد إنما هو لله وحده لا لغيره. قال: فاكتب: " من هارون مولى محمد ". فقال: إن المولى عند العرب ربما كان ابن العم وجزى الله أمير المؤمنين خيراً وهداه إليه. وقد يزيد في الكتب، ذكر الصفات، التي اختص الله تعالى بها كالمنصور والمهدي والهادي والرشيد. والعجب أن قوماً يسمونها ألقاباً والألقاب مكروهة وإنما هي نعوت وصفات. وجعلوا مثل ذلك لولاة العهود، وخوطب بها الخلفاء، قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، يخاطب المعتضد بالله، في قصيدة ذكر فيها

стр. 21

ابنه علياً المكتفي بالله. المكتفي بالله صاحب عهدنا ... فاجعله نحلته من الأسماء فلما ولي المكتفي بالله الخلافة قال: قد سماني عبد الله باسم لا أريد غيره. ولم يكن يدعى للخلفاء على المنابر بالنعوت، فيقال: اللهم أصلح عبدك وخليفتك عبد الله المنصور أمير المؤمنين ولا المهدي. وكان أول من دعي له بذلك محمد الأمين أمير المؤمنين، وجرى على ذلك إلى اليوم. ولا يكاتب بالتصدير الإمام ولا ولي عهده ولا وزيره. فأما الإمام فيكتب بالتصدير إلى كل من خاطبهن من عامل حرب وخراج وقضاء، في الكتب المدونة المنعوتة، بالعهود والعقود وجباية الفيء، والحمول والنفقات والإقطاعات والإمارات والفتوح، وما جرى هذا المجرى، ويبدأ بنفسه. ولا يخاطب الإمام أحداً من هذه الطبقات بدعاء له في التصدير إلا ولي عهده، فإنه يدعي له بعد التصدير بالحفظ والحياطة. مقال الخط قال يحيى بن خالد البرمكي: " الخط صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصول ". وقال أبو دلف: " القلم صائغ الكلام، مفرغ ما يجمعه العلم ". وقال اقليدس: " الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية. أخذه النظام "، فقال: " الخط أصل في الروح وإن ظهر بآلة الجسد ".

стр. 22

ومن فضل حسن الخط، أن يدعوا الناظر إليه إلى أن يقراه وإن اشتمل على لفظ مرذول ومعنى مجهول. وربما اشتمل الخط القبيح، على بلاغة وبيان، وفوائد مستظرفة، فيرغب الناظر عن الفائدة التي هو محتاج إليها لوحشة الخط وقبحه. حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: كان مشايخ الكتاب وزهاد العمال يختارون أن يكون ما يرفعونه عن جماعاتهم، إلى دواوين السلطان بخط غير جيد، ومداد غير حالك، في صحف مظلمة، ليثقل على من يرد عليه من المتصفحين فيعدل عنها إلى غيرها مما لا يتعبه. وزعم صاحب المنطق أن الأشياء مجودة في أربعة مواضع: في الأشياء ذوات المعاني في أنفسها، وفي العقول، والقول، والخط. وإن الحظ دليل على ما في النفوس، وما في دليل على ما في الأشياء ذوات المعاني، وما في الأشياء ذوات المعاني مدلول عليه. وإن اثنين من هذه الأربعة طبيعيان، وهما الأشياء ذوات المعاني وما في النفوس لا يتغيران. واثنان وضعيان، يتغيران بتغير اللغات والبلدان، وهما القول والخط. ومثال ذلك أن الذي في الجسمين، من التدوير والتربيع، موجود فيهما إذا نظر إليهما ناظر، انطبعت صورتهما في نفسهما، فصارا موجودين في موضعين، وإذا أراد أن يخبر غيره عما وجده، احتاج إلى التعبير عما في نفسه باللفظ، فيكون اللفظ دالاً على ما في النفس، وإن كان المخبر حاضراً شافهه، وإن كان غائباً أداه إليه بالخط. واللفظ والخط من هذا الوجه ضروريان، لابد منهما في العبارة. ولو شاء قائل أن يفضل الخط على اللفظ، في هذه الحال،

стр. 23

من قول صاحب المنطق، لقال: فالخط أتم من اللفظ فائدة، لأنه قد بلغ مبلغ المنطق، إذ كنا قد نناجي الحاضر بهما جميعاً، فنفهمه بكل واحد منهما، مثل ما نفهمه بالآخر، ولا نستطيع إفهام الغائب إلا بالخط، فللخط فائدتان من هذه الجهة، وليس للفظ إلا فائدة واحدة. فإن قال معترض: فكيف يتهيأ أن يفهم الأعمى والأمي الخط؟ قيل له: ذلك من نقصان آلة، لا من نقصان آلتهما، الخط، وإنما قولنا على تمام الآلة وأصل البنية الصحيحة، والعمى عرض دخل على الطبيعة وليس بأصل فيها، والأمي ممكن أن يتعلم الخط، فالنقيصة فيه عن علمه من ميله. وقد رأينا الشديد الصمم لا يفهم إلا بالخط. ومن أحسن ما فضل به كلام المخاطب على الخط قول جالينوس " الكتاب كلام ميت، يتناوله قارئه كيف شاء، وكلام المخاطب حي، يمكن صاحبه أن يبصره حتى يبلغ به غرضه ". ومن الأعجوبة في الخطوط كثرة اختلافها والأصول واحدة كاختلاف شخوص الناس مع اجتماعهم في الصنعة، حتى إن خط الإنسان يصير كحليته ونعته في الدلالة عليه، واللزوم له والإضافة إليه، حتى يقضي به الكاتب له وعليه. وقد عجبت من بعض الكتاب قال: ادعى رجل من إلحاق الأنساب بالآثار والأشباه، فقال له القائف: أعجب والله من هذا ما يبلغنا من تمييزهم الخطوط وإلحاق كل خط بصاحبه أو ما ترى العازم على خيانة أو دفع حق، بغير خطه حتى إذا جحد لم ينسب عليه.

стр. 24

وحدثني الحسين بن يحيى الكاتب، قال: ادعى رجل على رجل مالاً، وأن معه به رقعة بخطه، فجحد الرجل الخط، وجعل يكتب بين يدي الناس فيحكمون أن الخط ليس خطه. ثم تراضيا بسليمان بن وهب، وما يحكم به في ذلك، فأحضر الخط والرجل، فقال: اكتب فأملي عليه كتاباً طويلاً، ردد فيه مثل الحروف التي في رقعته، فتبين سليمان أن الخط خطه، وأنه صنع في كتاب الرقعة، ولم يكتب على طبعه، بحروف دلته على ذلك، فحكم عليه سليمان، فاعترف الرجل بالخط، وأدى المال وعجب من ذلك. فقيل لسليمان: كيف وقفت على ذلك؟ فقال: إنه يصنع في الرقعة كلها إلا في أحرف قذفتها سجيته، ولم يحترس منها طبعه. ثم أنشد سليمان: ولما أبت عيناي أن تطعم الكرى ... وأن يمنعا ذر الدموع السواكب تثاءبت كي أبغي لدمعي علة ... وكم مع لوعاتي بقاء التثاؤب ومن مليح التعلل في الدم ما حدثنا به محمد بن دينار قال: حدثنا مهدي البهدلي، قال: قال يسار لأبي العتاهية: يا عتبي أنا والله أستحسن اعتذارك في دمعك حيث تقول: كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء فإذا تأمل لامني ... فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء فقال أبو العتاهية: والله يا أبا معاذ ما لذت في هذا إلا بمعناك، ولا اجتنيته إلا من غرسك في قولك:

стр. 25

فقالوا: لم بكيت فقلت: كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد ولكني أصاب سواء عيني ... عويد بدا له طرف حديد فقالوا: ما لدمعها سواد ... أكلتا مقلتيك أصاب عود والتشبيه يقع كثيراً بالخط الجيد الحسن، أما الخط الرديء فحكايته صعبة ممتنعة. وحدثني يحيى بن البحتري قال: حدثنا أبي عن ابن الترجمان - وكان الواثق أنفذه إلى ملك الروم بهدايا - قال: وافقت لهم عيداً فرأيتهم قد علقوا على باب بيعتهم كتباً بالعربية منشورة، فسألت عنها، فقيل: هذه كتب المأمون بخط أحمد بن أبي خالد الأحول استحسنوا صوره وتقديره فجعلوا هكذا. فحدثت أنا بهذا الحديث، أبا عبيد الله محمد بن داود بن الجراح، فقال لي: هذا حق قد كتب سليمان بن وهب كتاباً إلى ملك الروم، في أيام المعتمد، فقال: ما رأيت للعرب شيئاً أحسن من هذا الشكل! وما أحسدهم على شيء حسدي إياهم عليه. والطاغية لا يقرأ الخط العربي، وإنما راقه باعتداله وهندسته وحسن موقعه ومراتبه. ووصف أحمد بن إسماعيل خطاً حسناً فقال: " لو كان نباتاً لكان زهراً. ولو كان معدناً لكان تبراً. أو مذاقاً لكان حلواً. أو شراباً لكان صفواً ". وقالوا: " القلم قسيم الحكمة ". وقال أفلاطون: " الخط عقال العقل ". وقال أرسطاطاليس: " القلم العلة الفاعلة. والمداد العلة الهيولانية. والخط العلة الصورية. والبلاغة العلة النامية ". وقال بعض الملوك اليونانية " أمر الدين والدنيا تحت شيئين: قلم وسيف، والسيف تحت القلم ".

стр. 26

ما قيل في حسن الخط من المنظوم فمن مليح ما قيل في ذلك، قول أبي تمام للحسن بن وهب، وقد قرأ كتاباً له فاستحسن خطه ولفظه من كلمه: لقد جلى كتابك كل بث ... جو وأصاب شاكلة الرمي فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني وأحسن موقعاً عندي ومني ... من البشرى أتت بعد النعي وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي فكائن فيه من معنى بديع ... وكائن فيه من لفظ بهي وكم أنجزت من بر جليل ... به ووعدت من وعد سني كتبت به بلا لفظ كريه ... على أذن ولا خط قمي فأطلق من عقال في الأماني ... ومن عقل القوافي والمطي وأهدي بعض الكتاب غلاماً كاتباً، إلى رئيس له، وكتب إليه بصفة الخط وغيره - وسمعت من يحكي أن فاعل ذلك عيسى بن فرخانشاه بإبراهيم بن العباسي الصولي، وكان عيسى يكتب له ولا أدري كيف صحته، لأني لم أعتد بما لم أسمعه من أفواه الرجال: اقبل هدية شاكر ... تجزيه بالنزر الجليلا بدراً يضيء إذا نظرت إلي ... هـ لم يألف أفولا إني بعثت به وكن ... ت بحسن موقعه كفيلا لما رأيت بخطه ... حسناً يصيد به العقولا

стр. 27

كمنمنم الموشي قد ... سحب القيان به الذيولا أو كالرياض بكى الحيا ... فيها فاوسعها همولا وتراه للمعنى اللطيف ... إذا أشرت به قبولا لا مستعيداً منك إذ ... تملي عليه ولا ملولا عرف المبادئ والوصول ... من الحكاية والفصولا وصنوف ترنيب الدعاء ... وإن يقصر أو يطيلا والهمز والممدود والم ... قصور والمثل المقولا والفعل والأسماء وال ... مصروف منها والثقيلا فاستكفه وأضمر له ... أن لا تريد به البديلا يحمل بفضل لسانه ... وبيانه عنك الثقيلا وأنشد أحمد بن إسماعيل نطاحة لنفسه: أضحكت قرطاسكعن جنةأشجارها من حكم مثمره مسودة سطحاً ومبيضة ... أيضاً كمثل الليلة المقمره ولي من قصيدة مدحت بها الوزير أبا القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن يحيى: ينظم دراً في قراطيسه ... أفدي أبا العباس من ناظم

стр. 28

يطلع أنواراً بها غضة ... بوابل من نقشه واسم بنفسجاً أو مشبهاً لونه ... في أرض نسرين له فاحم كالدر في اللفظ وكالوش ... ي في الرقم أجادته يد الراقم فقال أحمد بن إسماعيل: وإذا نمنمت بناتك خطاً ... معرباً عن إصابة وسداد عجب الناس من بياض معان ... تجتنى من سواد ذاك المداد حدثنا محمد بن إبراهيم الأنصاري أبو الحسن، قال: وصف أحمد بن صالح جارية كاتبة فقال: " كأن خطها أشكال صورتها. وكأن مدادها سواد شعرها. وكأن قرطاسها أديم وجهها. وكأن قلمها بعض أناملها. وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها سيف لحاظها. وكان مقطها قلب عاشقها ". وأنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه يصف خطاً: فدونكه موشى نمنمته ... وحاكته الأنامل أي حوك بشكل يؤمن الإشكال فيه ... كأن سطوره أغصان شوك ومثل هذا لأحمد بن إسماعيل نطاحة: مستودع قرطاسه حكما ... كالروض ميز بينه زهره وكأن أحرف خطه شجر ... والشكل في أضعافها ثمره

стр. 29

أنشد محمد بن يزيد المبرد، قال: استعار محمد بن عبد الملك الزيات من الحسن بن وهب دفتراً فيه شعر أبي يعقوب الخريمي، وكان معجباً به، فوجه الحسن به إليه، وكان بخط حسن، ثم وجه الحسن يطلبه منه، فوجه إليه محمد بالنسخة التي كانت عنده واحتبس نسخة الحسن وكتب إليه: إني نظرت ولا صواب لناظر ... فيما يهيم به إذا لم ينظر فإذا كتابك قد تخير خطه ... وإذا كتابي ليس بالمتخير وإذا وسوم في كتابك لم تدع ... شكاً لمعتسف ولا لمفكر تنبيك عن رفع الكلام وخفضه ... والنصب فيه لحاله والمصدر وإذا كتاب أخيك من ذا كله ... خلو فبئس لبائع أو مشتري فاقبل كتاب أخيك غير منافس ... فيه وخل له كتابك واعذر واعلم بأنك لا تزال مؤخراً ... في العلم عند الناس ما لم تكسر إني أرى حبس السماع على الذي ... شاركته فيه وكسر الدفتر واستهدى أحمد بن إسماعيل دفتراً فيه حدود الفراء، فأهداه إلى مستهديه وكتب على ظهره: خذه فقد سوغت فيه مشبهاً ... بالروض أو بالبرد في تفويفه نظمت كما نظم السحاب سطوره ... وتأنق الفراء في تأليفه وشكلته ونقطته فأمنت من ... تصحيفه ونجوت من تحريفه بستان خط غير أن ثماره ... لا تجتنى إلا بشكل حروفه وللخط صفات وتركيبات وأسماء مختلفات، تحد وتصنف ما يقال ذلك في النغم واللحون. فمنه الرياشي المحقق والخفيف المطلق، وهو الذي يتعلق بعضه ببعض، ومنه منثور ومجموع.

стр. 30

وسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة، فقال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشبه راءه نونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى العقول ثمره، وقدرت فصوله واندمجت وصوله، وتناسب رقيقه وجليله، وخرج عن نمط الوراقين، وبعد عن تصنع المحدرين، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، كان حينئذ كما قلت في وصف خط: إذا ما تحلل قرطاسه ... وساومه القلم الأرقش تضمن من خطه حلة ... كنقش الدنانير بل أنقش حروف تعيد لعين الكليل ... نشاطاً ويقرأها الأخفش وقال آخر: أتاني كتابك يا سيدي ... فآنس نفساً به مبهجه وكان بما ساق من فرحة ... وسكن من لوعة مزعجه أبر وأمتع من ريطة ... على كل مائدة مدرجه قد ذكرت في هذا الكتاب ما استحسن من خط الجواري: وقد كره أهل النبل من الناس وذوو الرأي منهم أن يعلم النساء الخط، وجاء فيه النهي عن ابن عباس، أنه قال: " لا تسكنوا النساء

стр. 31

العلالي ولا تعلموهن الكتابة ". وقال حمزة بن أبي سلامة الكوفي: جاء خط كأنه شعرات ... وسط خط ولم يصله عذار أو كنقش الحناء في كف عذرا ... ء أباحتك لمحه الأستار يا كتاباً يكاد يضحك من جو ... هره في نظامه الطومار وقال علي بن الجهم: يا رقعة جاءتك مثنية ... فكأنها خد على خد نبذ سواد في عذار كما ... ذر فتيت المسك في الورد ساهمة الأسطر مصروفة ... من ملح الهزل إلى الجد يا كاتباً أسلمني عبثه ... إليه حسبي منه ما عندي

стр. 32

وقال أبو نواس: زجرت كتابكم لما أتاني ... بمر سوانح الطير الجواري نظرت إليه مجزوماً بزبر ... وفي ظهر ومختوماً بقار فعفت الظهر أحور قرطقياً ... تركب صداغه سين العذار وكان الشدو ذا زبر مصيب ... وكان الختم من رق العقار فكيف ترونني وترون زجري ... ألست من الفلاسفة الكبار ما قيل في قبح الخط قال الصولي أنشدني أحمد بن محمد بن إسحاق، قال: أنشدني علي بن محمد العلوي لنفسه: أشكو إلى الله خطاً لا يبلغني ... خط البليغ ولا خط المرجينا إذا هممت بأمر لي أزخرفه ... سدت سماجته عني التحاسينا وقالوا: " رداءة الخط زمانة الأديب ". ونظر عبد الله بن طاهر إلى خط بعض كتابه فلم يرضه، فقال: " نحوا هذا عن مرتبة

стр. 33

الديوان فإنه عليل الخط، ولا يؤمن أن يعدي غيره ". وقالوا: " رداءة الخط إحدى الزمانتين، كما أن حسنه إحدى البلاغتين ". حدثني طلحة بن عبد الله، قال: اعتذر رجل إلى محمد بن عبد الله بن طاهر من شيء بلغه عنه، فرأى خطه قبيحاً فوقع في رقعته: " أردنا قبول عذرك، فاقتطعنا عنه ما قابلنا من قبح خطك. ولو كنت صادقاً في اعتذارك لساعدتك حركة يدك. أو ما علمت أن حسن الخط يناضل عن صاحبه بوضوح الحجة. ويمكن له درك البغية ". وكان أبو هفان عبد الله بن أحمد المهزمي من أقبح الناس خطاً، وكان يبتدئ الخط من رأس الورقة ويعوج سطوره حتى يبقى آخر سطر في الورقة كلمة واحدة فرثاه يحيى بن علي فقال في مرثيه: مع خط كأنه أرجل البط ... أو الحط في ذوي الفتيان أنشدني العنزي الحسن بن علي في قبح الخط، وكان والله قبيح الخط والوجه، حسن العلم والعقل: جزعت من قبح خطي ... وفيه وضعي وحطي رجعت من بعد حذقي ... إلى تعلم حطي الوصاة بإصلاح الخط وآلته: قال بعض الرؤساء من الكتاب: " ارخوا ذوائب خطوطكم "، يريد بذلك الحروف المخطوطة، كالياء والنون والعين والحاء المنفصلات وما أشبههن.

стр. 34

قال الصولي: حدثني أبو الحسين محمد بن أحمد النيسابوري، قال: سمعت الحسين بن يحيى بن نصر الجرجاني يقول: قال إبراهيم بن العباس الصولي لغلام كان يكتب بين يديه: " ليكن قلمك صلباً بين الدقة والغلظ، ولا تبره عند عقدة، ولا تجعلن في أنبوبه أنبوبة، ولا تكتبن بقلم ملتو، ولا ذي شق غير مستو، واختر من الأقلام ما يضرب إلى السمرة. وأحد سكينك، ولا تستعملها لغير قلمك. وتعهده بالإصلاح يصلح. وليكن مقطك صلباً ليمضي الخط مستوياً لا مستطيلاً، وابر قلمك بين التحريف والاستواء. وإذا كتبت الدقيق فأمل قلمك إلى إقامة الحروف لإشباع الخط، وإذا جللت فإلى التحريف. واعلم أن تبطين القلم شؤم، وتحريفه حرف، وهما دمار الخط. واعلم أن وزن الخط مثل وزن القراءة، فأجود الخط أبينه، كما أن أحمد القراءة أبينها ". وقال بعض الكتاب: " الحذق بالخط أن يقدر الكاتب بقلمه أجزاء حروفه وكلمه، وخاصة في طول الحرف لا في عرضه، ويفرق بين الحرف والحرف على قياس ما مضى من شرطه في قرب مساحته وبعد سياقته. ولا يقطع الكلمة بحرف يفرده في غير سطره. ويسوي إصلاح خطوطه كتابته ولا يغيره فيحليه بما ليس من زينته، ولا يمنعه حقاً فيخلف حليته، ويفسد قسمته. ويستقبح أن يقع في الخط نوعان مختلفان، ويقوم في النفس من ذلك ما يقوم فيها من الشعر إذا اختلفت أعاريضه، وخلط فصيحه بمولده. وأحلى الخطوط المحقق اللطيف، المستدير الحروف، المفتوح الصادات والطاآت، المختلس التاآت والحاآت.

стр. 35

ولا يحسن أن يجمع في الحرف مشقتان، ولا بين يائين معروقتين ". قال الصولي: والمشتق مكروه، وخاصة في الكتاب إلى الرئيس، لأنهم يتأولون ذلك ضرباً من الاستخفاف بقدر المكاتب. كذلك قال إبراهيم بن العباس الصولي، وهو إمام من أئمة الكتاب يقتدى به فيها: وربما طغى القلم فوصل منفصلاً، وفصل متصلاً. وقد يمشق الكاتب في حالين متضادين في أشد ما يكون نشاطاً، لشوق يده إلى الخط، وبعد عهدها به، وتفلتها إليه، فتنازعه يده إلى ذلك، وتغلبه إلى الإسراع، فتجري على غلوائها، وتمضي على درتها، ولا تتمهل لرفع حرف ولا خفض آخر. وتستروح أيضاً في حال التعب والكلال إلى المشتق، لما يلحق الأنامل من مشقة التعطف والتلوي على القلم، بتقريب بعض الحروف من بعض، وعطف شيء على شيء. فإذا كانت الكلمة على أربعة أحرف جعلت المشقة واسطة بين حرفين أولين وحرفين آخرين، مثل مقيد ومخلب، وعنها وفيها. فإن كانت ثلاثة أحرف أوسطها ميم، كانت المشقة بين الميم والحرف. ولا يجوز أن يمشق بين حرفين أحدهما ميم. وإذا اتصلت باء وتاء ونون في كلمة، فكان على عدد أشكال السين والشين رفعت الوسطى، مثل بينك وبيتك. ولو لم تفعل

стр. 36

ذلك، وسويت بين الثلاث، لجاءت الكلمة كأنها شك أو سك، ويحتمل الإثنين السين والشين. وأن يمشقا ولا يحققا في كل المواضع؛ إلا في: بسم الله الرحمن الرحيم، لمعان أولها التعظيم لاسم الله ﵎، والثاني ليتبين تحقيقك لذلك وتحسينك له، ولأن بسم الله الرحمن الرحيم أول ما يبتدئ الكاتب به وهو وافر النشاط، غير حسير اليد، ولا جافي القلم؛ فليس له عذر في ترك التحقيق حينئذ ولا له حاجة إلى التروح. وكذلك يكره مشقهما منفصلتين، مثل الناس والباس، لا يكون معهما في هذه القسمة حرف يعضدهما. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة ". وأكثر سروات الكتاب يكرهون شق الكاف، وقد شقها بعضهم إذا كانت أول الحرف ومبتدأ السطر، ويستقبح شقها إذا كانت في آخر الكلمة منفصل أو متصلة، وذلك في مثل مالك وتارك. ويستقبح أن ينقطع دعاء فيقع أوله في آخر السطر وبعضه في أول السطر الآخر، وكذلك الكنية والمضاف وغير ذلك، وما عمل بعضه في بعض، وما جعل اسماً واحداً وهو اثنان في الأصل، وذلك مثل أعزه الله في الدعاء، وعبد الله في الأسماء، وغلام زيد في الإضافة، وتأبط شراً في العامل بعضه في بعض، وخمسة عشر فيما جعل الإسمان اسماً واحداً، ومعدي كرب وحضرموت وأيادي سبأ ويد الدهر ويد المسند وهو الدهر أيضاً،

стр. 37

وشذر مذر وقالي قلا، ومثل هذا كثير، وما ذكرناه منه يدل على سائره. ما قيل في النقط والشكل والخط الدقيق كره الكتاب الشكل والإعجام، إلا في المواضع الملتبسة من كتب العظماء إلى دونهم، فإذا كانت الكتب ممن دونهم إليهم ترك ذلك في الملبس وغيرهم، إجلالاً لهم عن أن يتوهم عنهم الشك وسوء الفهم، وتنزيهاً لعلومهم وعلو معرفتهم عن تقييد الحروف، ولولا أن الذي جددناه من ذلك في كتاب الرئيس إلى تابعه يجري مجرى الزيادة في الإيضاح له، ونفي الارتياب عنه، وإيجاب الحجة عليه فيما يؤمر به وينهى عنه، لكان الأحسن أن لا يستعمل في الحالتين معاً. وقد رأى قوم أن تكون كتبهم إلى سلطانهم بأكبر الخطوط وأجلها، واختاروا الشكل والإعجام فيها.

стр. 38

وحكوا عن بعض الخلفاء، أنه تأذى من إخلاء الكتب من ذلك في المؤامرات وغيرها. وقال الذين اختاروا ذلك لا نعرضهم للشكوك، ولا نكلفهم إعمال الفكر في المشكل، وأنه يجب أن نوضح لهم الشكوك ونضبط الحروف، بما يسبق معه المعاني إلى قلوبهم في أول وهلة. ونسبوا الأصل في هذا إلى المأمون، وهذا ما لا يجمع المميزون عليه، ولا يلتفتون إلى ما يتأول فيه، لأن الأمر لو كان على ما يختاره من يشكل وينقط، لما وقع من الكتاب تصحيف، في كثير مما قرأوه في مجالس الخلفاء، حتى أحصيت عليهم غلطات سقطوا بها في عصرهم، وبقي عارها عليهم، كالذي صحف من " حامرطي " جاضرطي، والذي صحف بين يدي المأمون " البريدي " فقال الثريدي، فأمر المأمون أن يطعم، وقال: أبو العباس جائع - يعني وزيره ابن أبي خالد - فغذوه. ثم قرأ فلان الحمصي فقال: الخبيصي، فقال المأمون: ما في طعام أبي العباس خبيص فأطعموه. وقرأ كاتب عبيد الله بن زياد كتاب عبيد الله بن أبي بكرة أنه وجد بعض الخوارج في شرب فقال عبيد الله: وكيف لي بأن أكون ممن يشرب هو ونظراؤه إنما هو في سرب أي سرداب. وكتب رجل من أغبياء الكتاب إلى صاعد بن مخلد كتاباً فصير العين غيناً ونقطعها من فوق ونقط الخاء من مخلد من أسفل فصيرها جيماً. فقرأ كتابه صاعد بن مخلد فلم يفطن لذلك، ووقع فيه فخرج إلى

стр. 39

الديوان فرآه الناس فقال فيه بعض الشعراء: رأيت الوزير كثير الشكوك ... بعيد الإفاقة من غفلته فما عرف الجد من والد ... ولا اسم ابنه الفذ من كنيته رأيت الكتابة قد عطلت ... ورسم البلاغة في دولته وأغفل كاتب سليمان بن عبد الملك الإعجام في كتاب كتبه إلى عامله بالمدينة يأمره بإحصاء المخنثين فقال له: احص من قبلك من المخنثين. فقرأه اخض، فخصى منهم جماعة حتى خصى الدلال، فقال: الآن والله أشبهنا النساء، هذا والله الختان الأكبر. وأخرج كتاب عبيد الله بن سليمان على عامل مالاً، فتظلم منهم، فوقع عبيد الله " هذا هذا " فقدر الرافع لبعد ذهنه أنه وقع هذا هذا أي حجة ثابتة كما تقول: أنت أنت، وأنا أنا، فأخرج التوقيع إليهم فقال: قد قبل حجتي، فلم يعرفوا ذلك، وجاءوا بالتوقيع إلى صاحب الديوان، فرده إلى عبيد الله بن سليمان واستأمره فيه، فما زاد عبيد الله على أنه شدد الذال، ووقع تحته: الله المستعان، كأنه نسب صاحب التوقيع إلى الهذيان. ومثل هذا كثير جداً وإنما جئنا بطرف منه. حدثني يعقوب بن بيان قال: حدثني علي بن الحسين قال: لما أخرج بغا إلى منبج وقلدها، كان معه كاتب فقراً عليه يوماً كتاب عامل بسمساط وأن فلاناً سقط عن برذونه، يريد عن برذونه، فقال له بغا: وما برذونه ويحك؟ فقال: جبل بين سمساط والروم وهو الحد بينهما، فلم يدر من أي شيء يتعجب! من تصحيفه أم من احتجاجه بما احتج به. وكتب بعض الكتاب إلى رجل كتاباً فدقق خطه فيه فكتب الرجل إليه: ما كاتبتني وإنما عوذتني! شبه كتابه بالتعويذ.

стр. 40

وكتبت إلى بعض إخواني كتاباً بقلم دقيق، فأنكر ذلك فكتبت إليه: أنكر الخط إذ رآه ضئيلاً ... قال: هلا كتبت خطاً جليلا قلت لا تسبقن باللوم عذري ... بخل الخط إذا رآني بخيلا وكذا الجسم إذ رأى علة الأل ... حاظ من مقلتيك صار عليلا وقال آخر في نحوه: يقول وقد كتبت دقيق خط ... إليه لم تجنبت الجليلا فقلت له: عشقت فصار خطي ... دقيقاً مثل صاحبه ضئيلا ومن مليح ما قيل في النقط والإعجام قول عبد الله بن المعتز: غلالة خده ورد جني ... ونون الصدغ معجمة بخال وقال أبو نواس يصف صغر أثافي قدر الرقاشي: رأيت قدور الناس سوداً من الصلى ... وقدر الرقاشيين بيضاء كالبدر يبينها للمعتفي بفنائها ... ثلاث كنقط الثاء من قلم الحبر وما رأيت النقط والإعجام وقعاً أصح من مكان أوقعهما عصابة الجرجاني يهجو الحسن بن رجاء فإنه قال: خوان الأمير معمى المكان ... له شبح ليس بالمستبان يرى بالتوهم لا بالمجس ... وبالخبر الفذ لا بالعيان دعا بالخوان على لؤمه ... لكيما يقال دعا بالخوان فأما غضائره الواردات ... فأسماه ليست لها من معان ونقط منها عراق عراق ... كم تعجم الصحف بالزعفران وتقول: قرمطت الخط أقرمطه قرمطة إذا قاربت بين حروفه.
следующие страницы →