Полный текст (236 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ذلك، وسويت بين الثلاث، لجاءت الكلمة كأنها شك أو سك، ويحتمل الإثنين السين والشين. وأن يمشقا ولا يحققا في كل المواضع؛ إلا في: بسم الله الرحمن الرحيم، لمعان أولها التعظيم لاسم الله ﵎، والثاني ليتبين تحقيقك لذلك وتحسينك له، ولأن بسم الله الرحمن الرحيم أول ما يبتدئ الكاتب به وهو وافر النشاط، غير حسير اليد، ولا جافي القلم؛ فليس له عذر في ترك التحقيق حينئذ ولا له حاجة إلى التروح.
وكذلك يكره مشقهما منفصلتين، مثل الناس والباس، لا يكون معهما في هذه القسمة حرف يعضدهما.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة ". وأكثر سروات الكتاب يكرهون شق الكاف، وقد شقها بعضهم إذا كانت أول الحرف ومبتدأ السطر، ويستقبح شقها إذا كانت في آخر الكلمة منفصل أو متصلة، وذلك في مثل مالك وتارك.
ويستقبح أن ينقطع دعاء فيقع أوله في آخر السطر وبعضه في أول السطر الآخر، وكذلك الكنية والمضاف وغير ذلك، وما عمل بعضه في بعض، وما جعل اسماً واحداً وهو اثنان في الأصل، وذلك مثل أعزه الله في الدعاء، وعبد الله في الأسماء، وغلام زيد في الإضافة، وتأبط شراً في العامل بعضه في بعض، وخمسة عشر فيما جعل الإسمان اسماً واحداً، ومعدي كرب وحضرموت وأيادي سبأ ويد الدهر ويد المسند وهو الدهر أيضاً،
стр. 37
وشذر مذر وقالي قلا، ومثل هذا كثير، وما ذكرناه منه يدل على سائره.
ما قيل في النقط والشكل والخط الدقيق
كره الكتاب الشكل والإعجام، إلا في المواضع الملتبسة من كتب العظماء إلى دونهم، فإذا كانت الكتب ممن دونهم إليهم ترك ذلك في الملبس وغيرهم، إجلالاً لهم عن أن يتوهم عنهم الشك وسوء الفهم، وتنزيهاً لعلومهم وعلو معرفتهم عن تقييد الحروف، ولولا أن الذي جددناه من ذلك في كتاب الرئيس إلى تابعه يجري مجرى الزيادة في الإيضاح له، ونفي الارتياب عنه، وإيجاب الحجة عليه فيما يؤمر به وينهى عنه، لكان الأحسن أن لا يستعمل في الحالتين معاً.
وقد رأى قوم أن تكون كتبهم إلى سلطانهم بأكبر الخطوط وأجلها، واختاروا الشكل والإعجام فيها.
стр. 38
وحكوا عن بعض الخلفاء، أنه تأذى من إخلاء الكتب من ذلك في المؤامرات وغيرها. وقال الذين اختاروا ذلك لا نعرضهم للشكوك، ولا نكلفهم إعمال الفكر في المشكل، وأنه يجب أن نوضح لهم الشكوك ونضبط الحروف، بما يسبق معه المعاني إلى قلوبهم في أول وهلة.
ونسبوا الأصل في هذا إلى المأمون، وهذا ما لا يجمع المميزون عليه، ولا يلتفتون إلى ما يتأول فيه، لأن الأمر لو كان على ما يختاره من يشكل وينقط، لما وقع من الكتاب تصحيف، في كثير مما قرأوه في مجالس الخلفاء، حتى أحصيت عليهم غلطات سقطوا بها في عصرهم، وبقي عارها عليهم، كالذي صحف من " حامرطي " جاضرطي، والذي صحف بين يدي المأمون " البريدي " فقال الثريدي، فأمر المأمون أن يطعم، وقال: أبو العباس جائع - يعني وزيره ابن أبي خالد - فغذوه. ثم قرأ فلان الحمصي فقال: الخبيصي، فقال المأمون: ما في طعام أبي العباس خبيص فأطعموه.
وقرأ كاتب عبيد الله بن زياد كتاب عبيد الله بن أبي بكرة أنه وجد بعض الخوارج في شرب فقال عبيد الله: وكيف لي بأن أكون ممن يشرب هو ونظراؤه إنما هو في سرب أي سرداب. وكتب رجل من أغبياء الكتاب إلى صاعد بن مخلد كتاباً فصير العين غيناً ونقطعها من فوق ونقط الخاء من مخلد من أسفل فصيرها جيماً. فقرأ كتابه صاعد بن مخلد فلم يفطن لذلك، ووقع فيه فخرج إلى
стр. 39
الديوان فرآه الناس فقال فيه بعض الشعراء:
رأيت الوزير كثير الشكوك ... بعيد الإفاقة من غفلته
فما عرف الجد من والد ... ولا اسم ابنه الفذ من كنيته
رأيت الكتابة قد عطلت ... ورسم البلاغة في دولته
وأغفل كاتب سليمان بن عبد الملك الإعجام في كتاب كتبه إلى عامله بالمدينة يأمره بإحصاء المخنثين فقال له: احص من قبلك من المخنثين. فقرأه اخض، فخصى منهم جماعة حتى خصى الدلال، فقال: الآن والله أشبهنا النساء، هذا والله الختان الأكبر.
وأخرج كتاب عبيد الله بن سليمان على عامل مالاً، فتظلم منهم، فوقع عبيد الله " هذا هذا " فقدر الرافع لبعد ذهنه أنه وقع هذا هذا أي حجة ثابتة كما تقول: أنت أنت، وأنا أنا، فأخرج التوقيع إليهم فقال: قد قبل حجتي، فلم يعرفوا ذلك، وجاءوا بالتوقيع إلى صاحب الديوان، فرده إلى عبيد الله بن سليمان واستأمره فيه، فما زاد عبيد الله على أنه شدد الذال، ووقع تحته: الله المستعان، كأنه نسب صاحب التوقيع إلى الهذيان. ومثل هذا كثير جداً وإنما جئنا بطرف منه.
حدثني يعقوب بن بيان قال: حدثني علي بن الحسين قال: لما أخرج بغا إلى منبج وقلدها، كان معه كاتب فقراً عليه يوماً كتاب عامل بسمساط وأن فلاناً سقط عن برذونه، يريد عن برذونه، فقال له بغا: وما برذونه ويحك؟ فقال: جبل بين سمساط والروم وهو الحد بينهما، فلم يدر من أي شيء يتعجب! من تصحيفه أم من احتجاجه بما احتج به. وكتب بعض الكتاب إلى رجل كتاباً فدقق خطه فيه فكتب الرجل إليه: ما كاتبتني وإنما عوذتني! شبه كتابه بالتعويذ.
стр. 40
وكتبت إلى بعض إخواني كتاباً بقلم دقيق، فأنكر ذلك فكتبت إليه:
أنكر الخط إذ رآه ضئيلاً ... قال: هلا كتبت خطاً جليلا
قلت لا تسبقن باللوم عذري ... بخل الخط إذا رآني بخيلا
وكذا الجسم إذ رأى علة الأل ... حاظ من مقلتيك صار عليلا
وقال آخر في نحوه:
يقول وقد كتبت دقيق خط ... إليه لم تجنبت الجليلا
فقلت له: عشقت فصار خطي ... دقيقاً مثل صاحبه ضئيلا
ومن مليح ما قيل في النقط والإعجام قول عبد الله بن المعتز:
غلالة خده ورد جني ... ونون الصدغ معجمة بخال
وقال أبو نواس يصف صغر أثافي قدر الرقاشي:
رأيت قدور الناس سوداً من الصلى ... وقدر الرقاشيين بيضاء كالبدر
يبينها للمعتفي بفنائها ... ثلاث كنقط الثاء من قلم الحبر
وما رأيت النقط والإعجام وقعاً أصح من مكان أوقعهما عصابة الجرجاني يهجو الحسن بن رجاء فإنه قال:
خوان الأمير معمى المكان ... له شبح ليس بالمستبان
يرى بالتوهم لا بالمجس ... وبالخبر الفذ لا بالعيان
دعا بالخوان على لؤمه ... لكيما يقال دعا بالخوان
فأما غضائره الواردات ... فأسماه ليست لها من معان
ونقط منها عراق عراق ... كم تعجم الصحف بالزعفران
وتقول: قرمطت الخط أقرمطه قرمطة إذا قاربت بين حروفه.
стр. 41
وحكى التنوخي: قرمط خطوه إذا قارب بينه.
ومن مليح ما قيل في النقط والشكل قول أبي نواس:
يا كاتباً كتب الغداة يسبني ... من ذا يطيق براعة الكتاب
لم ترض بالإعجام حين كتبته ... حتى شكلت عليه بالإعراب
أخشيت سوء الفهم حين فعلته ... أم لم تثق بي في قرأة كتاب
لو كنت قطعت الحروف فهمتها ... من غير وصلكهن بالأنساب
وأردت إفهامي فقد أفهمتني ... وصدقت فيما قلت غير محاب
وقال التنوخي: يقال: " كتاب نزل الخط " إذا كانت الكتابة كثيرة فيه. ويقال: " رجل ذو نزل " حبر كثير. " " وطعام له نزل " أي ريع كثير. والعامة تقول: نزل وذلك خطأ قال لبيد:
ولن تعدموا في الحرب ليثاً مجربا ... وذا نزل عند العطية نازلا
ذا نزل ذا عطاء.
ونحو قول أبي نواس، قول العباس بن الأحنف:
فإذا الذي كتب الكتاب يسبني ... قصداً فبالغ في الكتاب وأعجما
فإذا أردت هديت من إعجامه ... إني أراك حسبت أن لا أفهما
وتقول: شكلت الكتاب أشكله شكلاً. وشكلت الطائر شكولاً وشكلت الدابة شكالاً. وشكلت المرأة شكلاً. وأشكل الأمر إشكالاً التبس. والقوم أشكال أي أشباه.
الحروف التي شبهت الشعراء بها
أنشدنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن إسماعيل لأبي
стр. 42
النجم العجلي الراجز، وكان له صديق، يقال له زياد يسقيه الشراب، فينصرف أبو النجم من عنده ثملاً:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف
كأنما قد كتبنا لام ألف
وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف كما عيب ذو الرمة في وصف ناقته:
كأنما عينها فيها وقد ضمرت ... وضمها السير في بعض الأضاميم
يريد كأن عينها دارة ميم لتدويرها، والأضاة الغدير، يقال أضاة وأضا مثل قطاة وقطا وأضأة وآضاء مثل أكمة وآكام. فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف الميم.
وحدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدي، قال: قرأ حماد الراوية على ذي الرمة شعره قال: نراه قد ترك في الخط لاماً، فقال له ذو الرمة: اكتب لاماً فقال له حماد: وإنك لتكتب! قال: اكتم علي فإنه كان يأتي باديتنا خطاط، فعلمنا الحروف تخطيطاً في الرمال، في الليالي المقمرة، فاستحسنتها، فثبتت في قلبي، ولم تخطها يدي. ومن مليح ما قيل في التشبيه بلام ألف قول بكر بن النطاح:
يا من إذا درس الإنجيل ظل له ... قلب التقي عن القرآن منصرفا
إني رأيتك في نومي تعانقني ... كما يعانق لام الكاتب الألفا
فقيل: قلب لحال القافية، لأن المعنى كما تعانق ألف الكاتب اللام لأن الألف تعطف على اللام. والذي عندي أنه صواب لأن كل شيء عانق شيئاً، فإن ذلك الشيء أيضاً قد عانقه. وقال آخر في التشبيه بالهاء:
стр. 43
تنزو إذا مسها قرع المزاج كما ... تنزو الجنادب أوقات الظهيرات
وتكتسي لؤلؤات في تقلبها ... من الحباب شبيهات بهاءات
وفي مثله يقول أبو نواس:
ثم شجت، فأدارت ... فوقها طوقاً فدارا
كاقتران الدر بالد ... ر صغاراً وكبارا
خلته في جنبات ال ... كاس واوات صغارا
وقال عبد السلام بن رغبان الحمصي:
فاصرف بصرفك وجه الماء يومك ذا ... حتى ترى نائماً منهم ومنصرفا
فقام مختلفاً كالبدر مطلعاً ... والظبي ملتفتاً والغصن منعطفا
كأن قافاً أديرت فوق وجنته ... واختط كاتبها من فوقها ألفا
وقال عبد الله بن المعتز:
وكأن السقاة بين الندامى ... ألفات بين السطور قيام
وقال أبو مقاتل الديلمي واسمه صالح:
شهدت لها لام الطراز بأنها ... كتبت وكانت قبل عند مهندس
فإذا أدارت قاف صدغ خلتها ... أخذت قوام الشكل من إقليدس
وقال أحمد بن إسماعيل:
وسال عذاره من تحت صدغ ... فصارت لام ذاك الصدغ عينا
وقال بعض الأعراب يصف طوق القمرية:
كأن بنحرها والجيد منها ... إذا راقت عيون الناظرينا
مداداً لاقه قلم لطيف ... فصاغ به لطوق النحر نونا
وقال أبو نواس يصف ريش الصقر:
واجتاب من طرازه تفويفاً ... وشياً ترى بسيطه مكفوفا
стр. 44
مثل استراق الكاتب الحروفا
وقال أيضاً يصف منسراً:
في هامة علياء تهدي منسرا ... كعطفة الجيم بكف أعسرا
يقول من فيها بعقل فكرا ... لو زادها عيناً إلى فاء ورا
فاتصلت بالجيم فصارت جعفراً
وقال غيره:
له من عيون الوحش عين مريضة ... ومن خضرة الريحان خضرة شارب
كأن غلاماً ماهراً خط خطه ... فجاء كنصف الصاد من خط كاتب
وقال غيره:
صدغ على خدك أبكاني ... ورد لي همي وأحزاني
كأنما قومه صائغ ... وخطه كاتب ديوان
وقال آخر:
وقد بدا صدغه من فوق وجنته ... كمشقة عطفت من نقطة الراء
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
ماذا تواري ثيابي من أخي دنف كأنما الجسم منه بقة الألف
وقال الثرواني الكوفي:
أما ومطال ذي خلف ... به أمسيت ذا شغف
وحرمة من خضعت له ... بلا ميل ولا لطف
стр. 45
خضوع فتى لمالكه ... بذل الرق معترف
لقد أصبحت ذا كلف ... بخال غير ذي كلف
كأن معاقد الزنا ... ر قد عقدت على ألف
ولي من آخر قصيدة إلى بعض الرؤساء أساله حاجة:
سبقتما في حلاب المجد بينكما ... فرط التجارب ميمون لميمون
فأتبع النون عيناً في المقال ولا ... تؤخر الميم عن عين وعن نون
وقال عبد الصمد بن المعذل لعلي بن عيسى بن جعفر وقد شرب دواء:
وقد أهديت ريحاناً ظريفاً ... به حاجيت مستمعي مقالي
وريحان النبات يعيش يوماً ... وليس يموت ريحان المقال
ولم تك مؤثراً ريحان شم ... على ريحان أسماع الرجال
وقال هشام بن عبد الملك لأعرابي: أنظر كم على هذا الميل من عدد الأميال؟ وكان الأعرابي لا يحسن أن يقرأ، فمضى ونظر ثم عاد فقال: رأيت كرأس المحجن، متصلاً بحلقة صغيرة، تتبعه ثلاثة كأطباء الكلبة، تفضي إلى هنة كأنها رأس قطاة بلا منقار. ففهم بصفته أنها خمسة.
وقال أبو نواس يشبه نحوله بقلة حروف لا:
يا عاقد القلب مني ... هلاً تذكرت حلا
تركت جسمي عليلاً ... من العليل أقلا
стр. 46
يكاد لا يتجزا ... أقل في اللفظ من لا
وقال الصولي وأنشدني ابن الخراساني:
مستهتر بالصدود موصوف ... مؤلف للحاظ مألوف
كأنه في اعتداله ألف ... ليس لها في الكتاب تحريف
وقال أبو الهندي، وهو أشعث اليربوعي، يخاطب خمارة كانت تبيعه الخمر، فإذا أعطته كوزاً خطت عليه خطاً، فرآها تزيد عليه فقال:
إذا ما بعتني كوزاً بخط ... فخطي ما بدا لك أن تخطي
وزيدي ثم زيدي ثم زيدي ... على وغلظي بالله شرطي
وصبي في أبيريق صغير ... كأن الأذن منه رجع خطي
وقال يهجو ابن حجام:
يا ابن من يكتب في الأ ... رقاب من غير دواة
لم يكن يكتب فيها ... غير خط الألفات
ما جاء في وصف القلم من الكلام المنثور
قد ذكرنا من فضل القلم، في أول الكتاب، ما يغني عن إعادته.
وقال أحمد بن يوسف: " القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع، إذا نسخ حلله، وأودعها حكمه ".
стр. 47
وقال ابن المقفع: القلم بريد القلب " وقال أبو دلف: " القلم صائغ الكلام ويفرغ ما يجمعه العلم ".
وقال الجاحظ: " الدواة منهل، والقلم ماتح، والكتاب عطن ".
وقال سهل بن هارون: " القلم أنف الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره ".
وقال عمرو بن مسعدة: " الأقلام مطايا الفطن ".
وقال المأمون: " لله در القلم، كيف يحوك وشي المملكة ".
وقال جالينوس: " القلم طبيب المنطق " فوصفه من جهة صناعته.
وقال أحمد بن عبد الله: " القلم راقد في الأفئدة. مستيقظ في الأفواه ".
وقيل: " عقول الرجال تحت أقلامها ".
وقال آخر: " القلم أصم يسمع النجوى. وأخرس يفصح بالدعوى. وجاهل يعلم الفحوى ".
وقال أحمد بن يوسف: " عبرات الأقلام في خدود كتبتها أحسن من عبرات الغواني في صحون خدودها.
стр. 48
وقال العتابي: " الأقلام مطايا الأذهان ".
وقال عبد الحميد: " القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة ".
وقيل: " بري القلم تروى القلوب الظمئة ".
وقال ابن المقفع: " القلم بريد القلب يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر ".
وقال ابن أبي دؤاد: " القلم سفير العقل، ورسوله الأنبل، ولسانه الأطول وترجمانه الأفضل ".
وقال ابن أبي دؤاد: " القلم الدنيا والآخرة ".
وقال آخر: " بنوء القلم تصوب الحكمة ".
وقال ابن ميثم: " من جلالة شأن القلم أنه لم يكتب لله تعالى كتاب قط إلا به ".
وحدثني الحسين بن عمر ويعقوب بن بيان، قالا: حدثنا علي بن الحسين بن عبد الأعلى، قال: كتب عبد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم، من خراسان إلى بغداد أن يوجه إليه بأقلام قصبية، كتاباً نسخته.
стр. 49
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التي غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوشي، فحلت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب. وجدنا الأقلام القصبية أسرع في الكواغد وأمر في الجلود. كما أن البحرية منها أسلس في القراطيس، وألين في المعاطف، ولكل عن تمريقها والتعلق بما ينبو من شظاياها ونحن في بلاد قليلة القصب رديء ما يوجد منها، فأحببت أن تتقدم في اختيار أقلام قصبية، وتتنوق في انتقائها قبلك، وطلبها من مظانها، ومرامها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم. وأن تتيمم باختيارك منها الشديدة المحبس، الصلبة المغص، النقية الجلود، الغليظة الشحوم، المكتنزة الجوانب، الضيقة الأجواف، الرزينة الوزن فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من الحفاء. وأن
стр. 50
تقصد بانتقائك الدقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقومات الأود، الملمس العقد، " فلا يكون فيه التواء عوج ولا أمت. وضم الصافية القشور، الخفيفة الأتن، الحسنة الاستدارة "، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، يكاد أسفلها يهتز من أعلاها، لاستواء رؤوسها بأصولها، المستحكمة يبساً، القائمة على سوقها، قد تشربت الماء في لحائها، وانتهت في النضج منتهاها، لم تعجل عن تمام مصلحتها، وإبان ينعها، ولم تؤخر إلى الأوقات المخوفة عاهاتها من خصر الشتاء، وعفن الأنداء. فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعاً ذراعاً قطعاً دقيقاً تتحرز معه من أن تتشعث رؤوسها وتنشق أطرافها. ثم عبأت منها حزماً فيما يصونها من الأوعية، وعليتها الخيوط الوثيقة، ووجهتها مع من يحتاط في حراستها وحفظها وإيصالها، إذ كان مثلها يتوانى فيه لقلة خطرها. واكتب معه بعدتها وأصنافها، وأجناسها وصفاتها، على الاستقصاء؛ من غير تأخير ولا توان ولا إبطاء، إن شاء الله.
فأجابه إسحاق - ووجه إليه بالأنابيب - وليس بالجواب مما سمعته، إنما وجدته في كتاب:
стр. 51
أتاني كتاب الأمير بما أمر به، ولخصه من البعثة إليه، بما شاكل نعته، وضاهى صفته، من أجناس الأقلام. فتيممت بغيته قاصداً لها، واستنهجت معالم سؤاله آخذاً بها، فأنفذت منها حزماً نشأت بليف السقيا، وحسن التعهد والبقيا. لم تعجل بأخداجها، ولا بودرت قبل إنضاحها. فهي مستوية الأنابيب معتدلتها، متفقة الكعوب مقومتها. لا يرى فيها أمت زور، ولا وسم صعر. وقد رجوت أن يجدها الأمير عند إرادته، وحسب بغيته. إن شاء الله.
حدثنا أحمد بن إسماعيل قال: أهدى مهد أقلاماً وكتب: أنه لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وزينة الرياسة، وعمود المملكة، وأعظم الأمور الجليلة غايةً؛ أحببت أن أتحفك من آلتها بما يخفف عليك محمله، وتقل مع ذلك قيمته، ويكثر نفعه، ويصغر خطره. فبعثت إليك أقلاماً من القصب النابت في الأعذاء، المغذوة بماء السماء. كاللآلي المكنونة
стр. 52
في الصدف، والأحجار المحجوبة بالسدف. تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان. قد كستها طبائعها جوهراً كالوشي الخطير، وفرند الديباج المنير. فهي كما قال الكميت:
وبيض رقاق صفاح المتون ... تسمع للبيض فيها صريرا
مهندة من عتاد الملوك ... يكاد سناهن يغشي البصيرا
وكقداح النبل في ثقل أوزانها، وقضب الخيرزان في اعتدالها، ووشيج الخطي في أطرادها، كأنما خرطت في شهر لاستدارتها. تمر في القرطاس كالبرق اللامح، وتجري في الصحف كالماء السائح. أحسن من العقبان، في رقاب القيان.
وقيل: المختار من بري القلم أن تطيل السنين وتسمنهما، وتحرف القطة وتيمنها، وتفرق بين السطور، وتجمع بين الحروف منها. ولا تقط مبلولاً حتى يجف لئلا يتشظى.
حدثنا الحسين بن يحيى، قال: انكسر قلم لبعض الكتاب فرثاه بأبيات فقال:
ما عيب طولاً ولم يعب قصراً ... عري من دقة ومن عظم
كان إذا ما تضايقت سبل ال ... لفظ كفاني مخارج الكلم
لا حصر القول عند خطبته ... وليس في قوله بمتهم
وجاء يوماً عبد الله بن المعتز في المسجد الجامع إلى أبي العباس أحمد بن يحيى ليسلم عليه، فقام له وأجلسه مكانه، فداس ابن
стр. 53
المعتز قلماً فكسره فلما جلس قال لمن حوله:
لكفي وتر عند رجلي لأنها ... أثارت قتيلاً ما لأعظمه جبر
فعجب الناس من سرعة بديهته!.
أهدى رجل إلى إبراهيم بن المدبر قلماً وكتب إليه: قد وجهت إليك - أعزك الله - بمفاتح العلوم باد جمالها، تام كمالها، فهي كما قال الشاعر:
ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أن ذا كملا
كل جزء من محاسنها ... كائن من حسن مثلا
حدثنا أبو العباس الربعي، قال: حدثنا الطلحي، قال: حدثنا أبو العباس الربعي، قال: حدثنا الطلحي، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم قال دخل إلى الرشيد أعرابي فأنشده ارجوزة - واسماعيل بن صبيح يكتب بين يديه كتاباً، وكان أحسن الناس خطاً، وأسرعهم يداً - فقال الرشيد للأعرابي: " صف هذا "، فقال: " ما رأيت أطيش من قلمه. ولا أثبت من حلمه ". ثم قال:
رقيق حواشي الحلم حين تثوره ... يديك الهوينا والأمور تطير
له قلما بؤسى ونعمى كلاهما ... سحابته في الحالتين ذرور
يناجيك عما في ضميرك لحظه ... ويفتح باب النجح وهو عسير
فقال الرشيد " قد وجب لك يا أعرابي عليه حق هو يقضيك إياه، وحق علينا فيه نحن به. ادفعوا إليه دية الحر "، فقال له: " على عبدك دية العبد ".
ومن مليح ما في القلم ما أنشدناه محمد بن زياد الزيادي، لعمر بن إبراهيم بن حبيب العدوي يرثي قلماً له سرق:
стр. 54
يا عين جودي بواكف سجم ... جودي بدمع مشبع بدم
لا تطعمني عقدة وكيف وقد ... أسيت حرى لفجعة القلم
جودي على الناطق البليغ إذا اس ... تنطق من غير منطق وفم
لا حصر القول عند خطبته ... وليس في حكمه بمتهم
حلت عرى الحزم منه جانحة ... ضمت بها عربها إلى العجم
أصفر في حمرة كأن على ... جلدته بردة كلون دم
إذ أنها والقرطاس لاح له ... مج عليه حنادس الظلم
ما عيب طولاً ولم يعب قصراً ... عري من دقة ومن عظم
إن قدح العائبون فيه بأن ... صم فأكرم به أخا صمم
كان إذا ما تضايقت سبل ال ... لفظ كفاني مخارج الكلم
حسبك منه لسان مطلع آل ... ناظر في ظاهر ومكتتم
ينبيك إن لجلج الغبي بما ... أضمر من خبر عالم فهم
فاذهب حميداُ كما قد فقدت وما ... فقدت منا مناعت الكرم
حدثني يعقوب بن بيان الكاتب قال: قال بعض الكتاب: " القلم الرديء كالولد العاق ".
وقالوا: " القلم أحد اللسانين، والعلم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعيد أحد الضربين، والإصلاح أحد الكسبين، والرواية أحد الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين ".
وقال: " القلم لسان اليد ".
стр. 55
وفاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: " أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر ". فقال صاحب السيف: " القلم خادم السيف، فإن بلغ مراده وإلا فإلى السيف معاده. أما سمعت قول أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
وقال آخر: " مساق أمر الدنيا بسين وقاف فيقال سق " يريد السيف والقلم.
حدثني وكيع قال: حدثني جعفر بن كوال قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: " لسان الإنسان قلم ملكه الموكل به ومداده، وقرطاسه جلده، يملي عليه كتاباً إلى ربه. فلينظر الإنسان قبل فوت النظر ماذا يملي ".
ذكر ما قيل في القلم من الشعر
قال أبو تمام:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
стр. 56
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقه طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
اطاعته أطراف الرماح وقوضت ... لنجواه تفويض الخيام الجحافل
стр. 57
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي سوافل
وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الأنامل
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهف ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحل
وقال أحمد بن إسماعيل: أحسن قدود القلم، أن لا يجاوز به الشبر بأكثر من خلقته، وأن تبعد منه الأنامل الثلاث، ويؤخذ من أوسطه لأنها إذا أدنيت منها لم تؤمن أن يماس القرطاس بها فتسوده.
وقد مدح الشاعر بعض الكتاب بنحو من وصفه هذا فقال:
شريف الصناعة محمودها ... تساعده الكف والمقول
يقيم من الخط أشكاله ... ويأخذ أقلامه من عل
وقال غيره يصفه بمقدار الشبر:
стр. 58
له ترجمان يطرب اللفظ أخرس ... على حذو شبر أو يزيد على الشبر
له منخر في غير وجه ويهتدى ... بمر جناحين استعيرا من الفكر
إذا خر يوماً ساجداً عند وحيه ... تضعضع أصحاب المثقفة السمر
يدمر أقواماً وينعش معشراً ... ويصدر آراء الملوك وما يدري
قال أبو بكر: ولي من قصيدة في بعض الرؤوساء أذكر هذا المعنى:
يتفادى أعداؤه من خطيب ... بيديه يروض عقلاً وفكرا
ناحل الجسم ليس يعرف من كا ... ن نعيماً وليس يعرف ضرا
ناطق في الورى بلفظ سواه ... مذهب اللون قد تطرف جرا
قلم يجلب السواد ويجري ... مع جري المداد نفعاً وضرا
ضامر الكشح مخطف الجيد م ... ذ حذف شابوره وقدر شبرا
ويد ما تزال تنتشر وشياً ... في قراطيسه وتنثر درا
وقال الفضفاضي:
في كفه أخرس ذو منطق ... بقافه واللام والميم
شبر إذا قيس ولكنه ... في فعله مثل الأقاليم
محرف الرأس ومسوده ... كإبرة الروس من الريم
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قلت قول عدي بن الرقاع العاملي، في صفة طرف قرن الرشا، وهو ولد الظبي، وتشبيهه
стр. 59
بالقلم قال عدي:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
ويروى أن جريراً قال - وكان حاضراً - لعدي وهو ينشد هذه القصيدة، لما أنشد صدر البيت: " تزجي أغن كأن إبرة روقه ". رحمته وقلت هلك فلما قال: " قلم أصاب من الدواة مدادها " حالت الرحمة حسداً. وأخذ البيت الثاني من هذه الثلاثة أبيات ابن الرومي فقال يهجو ويصف هن امرأة:
يملأ السبعة الأقاليم طراً ... وهو في إصبعين من إقليم
ولحمدان الدمشقي من أبيات:
أهدت له الحية الرقشاء جلدتها ... لما استعارت لساناً منه مقدودا
وله في نحو هذا البيت:
الأيم نفثته وشق لسانه ... وله إذا لم تجره اطراقه
فكأنه النضناض إلا أنه ... من حيث يجري سمه ترياقه
وقال غيره من أبيات:
ولأقلامهم زئير مهيب ... يزدري عنده زئير الأسود
أرغبتهم عن القنا قصبات ... مغنيات عن كل جيش مقود
والقراطيس خافقات بأيد ... يهم كمرهوب خافقات البنود
стр. 60
وكتبت إلى أبي علي محمد بن علي في أيام ابن الفرات الأولى بقصيدة منها:
مشف على الرأي نظار عواقبه ... إذا تشابه وجه الرأي واجتجبا
في كفه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغباً إن شاء أو رهبا
السيف والرمح حدام له أبداً ... لا يبلغان له جداً ولا لعباً
يرمي فيرضيهما عن كل مجترم ... ويعصيان على ذي النصح إن غضبا
تجري دماء الأعادي بين أسطره ... ولا يحس له صوت إذا ضربا
فما رأينا مداداً قبل ذاك دماً ... ولا رأينا حساماً قبل ذا قصبا
وقد شككنا فما ندري لشربته ... أنظم الدر في القرطاس أن كتبا
وقال آخر في سفر طويل:
وعاشق تحت رواق الدجى ... أغرى به الحيرة فقدان
أعرب عن مكنون إضماره ... أحوى لطيف الكشح خمصان
يتيح غدراً لثرى جادها ... من باكر الوسمي هتان
يحوك وشياً نقش ديباجه ... بلاغة تسدى وبرهان
وفيه للناظر أعجوبة ... يكسو عراة وهو عريان
كأنما الدنيا بأقطارها ... له إذا ما أجبت ميعان
تجري به خمس مطايا له ... مختلفات القصد أقران
كأنها من ضم تركيبها ... من خالص الفضة قضبان
له لسان مرهف خده ... من ريقة الكرسف ريان
في دقة المعنى إذا أغرقت ... القول في التدقيق أذهان
كأنما يفتر عنه إذا ... ما افتر للمنطق ثعبان
ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصاً له حد وجثمان
стр. 61
كالحلي إلا أنه أحرف ... بيض المعاني وهي سودان
كأنما يسحب في إثرها ... ذيلاً من الحكمة سحبان
لولاه ما قام منار الهدى ... ولا سما بالملك ديوان
وقال أبو يزيد عتاب بن ورقاء:
لك القلم الذي لم يجري إلا ... أبان لك العدو من الولي
إذا استرعفته ألقى سواداً ... على القرطاس أبهر من حلي
فيا طوبى لمن أدلى إليه ... بإحسان وويل للمسي
شباة سنانه في الحرب أمضى ... وأنفذ من شباة السمهري
فقال: سلاح مثلك وهو يعزى ... سلاح الفارس البطل الكمي
وأنشدني عون:
وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق ... له ذملان في بطون المهارق
إذا استمطرته الكف جاد سحابه ... بلا صوت إرعاد ولا صوت بارق
كان اللآلي والزبرجد نظمه ... ونور الأقاحي في بطون الحدائق
كان عليه من دجى الليل حلة ... إذا ما استهلت مزنة للصواعق
إذا ما امتطى غر القوافي رأيتها ... مجللة تمضي أمام السوابق
وأنشدني عون للفضفاضي:
لك القلم الذي لم يجر يوماً ... لغاية منطق فكبا لعي
ومبتسم من القرطاس يأسو ... ويخرج وهو ذو بال رخي
فما المقدار أمضى من شباه ... ولا الصمصام سيف المذحجي
قال أبو بكر: ولي من قصيدة، مدحت بها ابن الفرات، في
стр. 62
وزارته الأولى:
في يديه محكم في ذوي اللب ... وما فيه إن تبينت لب
شهد السيف أنه السيف حقاً ... ناقص القدر زائد الحد عضب
وسيوف العداة انفذ جداً ... حين تعدى بدرة الموت حرب
من رأى مثل ما وصفت حساماً ... نافذ ضربه وما منه ضرب
كل يوم له ولم يلق كيداً ... من دماء العصاة ولع وخضب
قال أبو بكر: ولي من قصيدة طويلة مدحت بها بعض الرؤساء:
في يدك الأعلى محلى به ... تواصل الضرب مع الطعن
إن نبه السيف لأمر له ... جاء إليه مرعد المتن
ينظر ما يهوى بلا ناظر ... ويسمع السر بلا أذن
يذري دموع العاشق المبتلى ... يطعن من يهواه في الطعن
فيضحك الملك بكاء له ... لم يك من غم ولا حزن
ترى لديه فصحاء الورى ... إذا امتطى القرطاس كاللكن
سيف على الأعداء لكنه ... لم يغتمضه ظلم الجفن
وأنشدني أحمد بن محمد بن إسحاق:
ما ضر من أضنى بهجرانه ... قلب كئيب القلب حرانه
لو فرج الكربة عن مدنف ... تشقه لوعة أحزانه
برقعة ينظمها كفه ... نظم لآليه ومرجانه
بمرهف الأحشاء ذي حلة ... موشية ترفع من شانه
لعابه عيش وموت إذا ... جاد به تفليج أسنانه
стр. 63
إذا امتطاه بشبيهاته ... كشف أسراراً بإعلانه
يركض في ميدان قرطاسه ... ركض جواد وسط ميدانه
حدثنا أحمد بن أبي الموج البازي قال: أنشدني الحسين بن عبد الله العبدي الهمداني لنفسه:
حين نادى حاديهم بانطلاق ... وجرى بالفراق طير الفراق
ورأى العاشقون أن لا معين ... هو أجدى من عبرة واحتراق
ظلت أشكو صبابتي وإنني ... متحل بحيلة العشاق
ناحل جسمه كأن يد البي ... ن سقته منه بكأس دهاق
أخرس في لسانه للعطايا ... والمنايا عتاد ريق مراق
فإذا مجه أتى بلعاب ال ... ليل حلو الخطاب مر المذاق
وشبيهاته ثلاث حوته ... هن منه مفاتح الأرزاق
يمتطيهن ثم يرتجل القول ... لفصل الخطاب في الآفاق
فتراه بمصر يحكم ما شا ... ء وبالصين وهو خلف العراق
وله في صفة القلم أبيات من قصيدة في بعض الرؤساء:
له القلم الأعلى الذي سار عدله ... وتدبيره ما بين بر إلى بحر
يشابه حد السيف رقة حده ... وينسب لوناً في المثقفة السمر
ويبلغ ما لم يبلغا في عدوه ... إذا رد من طي الدواة إلى النشر
تصرفه منه ثلاث أصابع ... وكف براها الله للنفع والضر
стр. 64
إذا ما حوته وامتطى بطن مهرق ... تسطر نوراً فوق أرض من الدر
إذا أظلم الدهر الخؤون بصرفه ... أبان له إحسانه وضح الفجر
قال أبو بكر: وكنت أنشدت العباس بن الحسن قصيدة استحسنها الناس، ووصفوا بيتاً فيها عنده أخذه ذكرويه:
المستبيح سن القرامط راية ... لما استباحوا حرمة الإسلام
أجرى المداد بكيدهم فكأنما ... أجرى دمائهم على الأقلام
حدثني محمد بن أحمد الأنصاري، قال: دخل عيسى بن فرخانشاه على جارية وهي تكتب خطاً حسناً فقال:
سريعة جري الخط تنظم لؤلؤاً ... وينثر دراً لفظها المترشف
وزادت لدنيا حظوة ثم أقبلت ... وفي إصبعيها أسمر اللون مرهف
أصم سميع ساكن متحرك ... ينال جسيمات المدى وهو أعجف
وقال بعض الوراقين يصف قلمه ويمدحه ويذكر استغناءه:
يا مجيري من سطوة الأمراء ... وعميدي في نوبة اللأواء
والذي صان حر ديباجة الوج ... هـ عن الأسخياء والبخلاء
والذي لا أزال أنعت في الشعر وأطريه غاية الإطراء
وسفيري بما أريد من الأم ... ر إلى إخوتي من الأدباء
стр. 65
والذي لا يزال يخبر في المهرق عن سالف الأنباء
وإذا ما ابتعثته استن كالثا ... قب يفري دجنة الظلماء
وقال عبد الله بن المعتز في القاسم بن عبيد الله:
قلم ما أراه أو فلك يج ... ري بما شاء قاسم ويدور
راكع ساجد يقلب قرطا ... ساً كما قلب البساط شكور
وفيه يقول:
عليم بأعقاب الأمور كأنه ... لمختلفات الظن يسمع أو برى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... يفتح نوراً أو ينظم جوهرا
وقال ابن الرومي فأحسن:
لعمرك ما السيف سيف الكمي ... بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأملته ... ظهرت على سره الغائب
أراه المنية من جاني ... هـ فمن مثله رهبة الراهب
ألم تر في صدره كالسنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب
وقال أبو أسامة الكاتب كاتب عياض:
وأعجف مشتق الشباة مقلم ... موشي القرى طاوي الحشا أسود الفم
تبين خفي السر آثاره لنا ... ويعرب عن غير الضمير المكتم
يؤدي صحيح القول عنه مخاطباً ... به العين دون السمع لا بالتكلم
إذا استغزرته الكف فاضت سجاله ... من الفكر فيض الرايح المتغيم
وقال صالح بن عبد الملك بن صالح يخاطب كاتب أبيه:
أجريت فوق صدور كتبك دامغاً ... يبكيه ضحك الفكر والأوهام
ميتاً تشافهه القلوب بعلمها ... يبدي ضمائرها بغير كلام
стр. 66
مستعجماً فإذا اللواحظ ترجمت ... عنه أتى بفصاحة الأعجام
تجري سناكب بغير حوافر ... فيديرنا ورداً بغير لجام
قال: ودخل محمد بن ذؤيب العماني الراجز على الرشيد، فأنشده أرجوزة يصف فيها فرساً شبه أذنيه فيها بقلم محرف:
كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلماً محرفا
فقال له الرشيد: دع كأن، وقل: " تخال أذنيه إذا تشوفا " حتى يستوي الإعراب.
ما قيل في القلم وبريه
حدثنا أحمد بن إسماعيل بن الخصيب قال: من كلام مسلم بن الوليد الأنصاري، في صفة بري القلم قوله: " حرف قطة قلمك قليلاً ليتعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليرد ما استودعته إلى مقصده، وشق في رأسه شقاً غير عاد ليحتبس الاستمداد عليه، ورفع من شعبتيه ليجمعا حواشي تصويره. فإذا فعلت ذلك استمد القلم برشفه بمقدار ما احتملت ظبته فحينئذ يظهر به ما سداه العقل، وألحمه اللسان، وبلته اللهوات، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، وقبلته القلوب ".
ويقال: بريت القلم أبريه برياً فأنا بار له والقلم مبري. وكذلك بريت القدح والمغزل وهو أخذك منهما حتى يتقوما على إرادتك قليلاً قليلاً، لأنك إن لم تفعل ذلك برفق قطعته.
стр. 67
وقال عبد الله بن مصعب:
قد طالما قد بروا بالجود أعظمنا ... بري الصناع قداح النبع بالسفن
وقلما يلبث شيء على البري إذا لم يك صلباً قوياً في جنسه، فلذلك يستجاد للقلم القصب. ألا ترى إلى قول كثير:
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا ... إذا لم يكن صلباً على البري عودها
ويقال لجميع ما يسقط من قلم وسهم ومغزل إذ بري البراية.
وقال أوس بن حجر يصف صانعاً لقوس يبريها بمبراته:
على فخذيه من براية عودها ... شبيه سفى البهمى إذا ما يفتلا
ويقال لما بين العقدتين من القصب أنبوب، والجمع أنابيب.
وكان بعض الكتاب يجيد الخط ولا يجيد برى القلم، فيبرى له. وبعضهم يرى أن في ذلك مهنة يترفع عنها. وقال بعض الكتاب:
لم ترني قط بارياً قلماً ... في بريه كل مهنة وضعه
ما كل من يحمل الحسام لكي ... يردي به سنه ولا طبعه
وقد عيب بعض الكتاب بأنه لا يجيد بري القلم فقيل فيه:
دخيل في الكتابة ليس منها ... فما يدري دبيراً من قبيل
إذا ما رام للأنبوب برياً ... تنكب عاجزاً قصد السبيل
فكائن ثم من قطع رحيب ... لأصبعه ومن قلم قتيل
وكأن اشتقاق القلم من التقليم، وهو القطع ومنه تقليم حافر الدابة ومنه قلمت ظفري.
стр. 68
وكل شيء تبري به شيئاً وتقطعه فهو مبراة والجمع مبار، والمبراة السكين الذي يبرى به القوس ثم جعلوا ما يقطع مبراة. وقال امرؤ القيس يصف قرن ثور:
فكر إليه بمبراته ... كما خل ظهر اللسان المجر
المجر الفاعل، وأصل الإجرار أن يشق طرف السان لسان الفصيل حتى لا يرضع أمه، وخله جعل فيه خلالاً. وذكر امرؤ القيس أن الثور طعن كلب الصيد ففعل به هكذا. وكان الوجه أن يقول: فكر إليه بمبراته فخله كما خل، فاستغنى عن قوله " فخله " لعلم المخاطب بما يريد.
والبراية ما سقط من القلم إذا بريته والليطة ما كان من قشر الأنبوب والجمع ألياط مثل عنب وأعناب وليط وألياط مثل جمل وأجمال. والشظية ما تشظى من الأنبوب والجمع شظايا وشظي القلم يشظى شظاً إذا صارت مع أحد سنيه شظية عنه. وأصل التشظي في اللغة " التفرق والتشقق " وشظي الفرس تفرق عصبه وتشقق. وقالوا: شظية وشظايا مثل بلية وبلايا وشظاة مثل نواة ونوى لا يكتب إلا بالألف لأنه يقال ثلاث شظايا وشظوات. وحفى القلم يحفى وحفاء وحفاية وكذلك في غيره.
стр. 69
ومن وصف الكتاب
حدثني القاسم بن إسماعيل قال: رأى ابن شبل البرجمي إبراهيم بن العباس وهو يكتب فقال:
ينظم اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدر بالأقلام في الكتب
حدثنا الحسن بن علي الكاتب قال: حدثني سليمان بن وهب قال: رآني أبو تمام وأنا أكتب كتاباً فقال: " يا أبا أيوب كلامك ذوب شعري ". وأنشدني محمد بن الفضل بن الأسود:
إذا شئت يوماً أن ترى بهم الوغى ... بلا هز طي ولا سل قاضب
فحرك عنان الطرف نحو معاشر ... وجوههم في الملتقى كالكواكب
يهزون صفر الحطيات كأنها ... أنامل ربات الحدور الكواعب
إذا أرعفوها زينت برعافها ... قراطيس تحكى واضحات الترائب
وشبيه بالبيت الثالث قول القصافي يصف جارية كاتبة:
أفدي البنان وحسن الخط من علم ... إذا تقمص بالحناء فالكتم
كأنما قابل القرطاس من يدها ... شبها ثلاثة أقلام على قلم
حدثنا الحسين بن علي البامطاني لسليمان بن وهب قال، وكان قلمه يصر من شدة اعتماده عليه:
стр. 70
إذا ما حددنا وانتضينا قواطعا ... أصم الذكي السمع منها صريرها
تظل المنايا والعطايا شوارعاً ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها
يساقط في القرطاس مها بدائعاً ... كمثل الآلي نظمها ونثيرها
يقود أبيات البنان بفطنة ... تكشف عن وجه البلاغة نورها
إذا ما الخطوب الدهم أرخت ستورها ... تجلت بنا عما تسر ستورها
وأنشدنا يعقوب بن بيان:
لك حزم يلقى الخطوب بعزم ... مستفل بكل أمر جليل
ولسان في الحفل غير كليل ... بالغ في جوامع وفضول
ويد لم تزل من العز والسل ... طان بين التوقيع والتقبيل
стр. 71
الجزء الثاني
ما قيل في الدواة
أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق، قال: أنشدني أبو هفان:
آلة المجلس الظريف إذا ما ... كنت فيه الدواة والأقلام
يتهادى فيه البلاغة والآ ... داب منثورها معاً والنظام
قال أبو بكر: أما المشهور مما قيل فيها فشعر بعض الكتاب، وقد أهدى دواة محلاة بذهب، وهي من الأبنوس:
قد بعثنا إليك أم المنايا ... والعطايا نجية الأحساب
تتزيا بصفرة وكذا الزنج تزيا عجباً بصفر الثياب
ريقها ريق نحلة مع صاب ... حين يجري لعابها في الكتاب
في حشاها لغير حرب حراب ... هن أمضى من مرهفات الحراب
وقال غيره:
وما أم أولاد ولما تلدهم ... عقام إذا ما استنجدت لم تكلم
стр. 72
وأولادها خرس ويأتيك عنهم ... أحاديث من أيام طسم وجرهم
إذا استعجلوا في حالة أرقلت بهم ... أثافي من لحم كريم ومن دم
وشكا بعض الكتاب أن دواته بلا مداد، فقال لبعض أخوانه يطلب منه مدداً:
أنا أشكو إليك أن دواتي ... وهي عوني في حاجتي وعتادي
عطلت من مدادها واستعاضت ... يقق اللون من حلوك السواد
لم تزل من بنات حام فصارت ... من بني يافث بغير ولاد
أنت للحادثات عدة صدق ... خلق أن تمدها بمداد
وأنشدنا علي بن الصباح:
دواة حديد زين الله خلقها ... بكف فتى حلو الكتابة حاذق
تدير العطايا والمنايا حرابها ... إذا طعنت في شاكلات المهارق
ولأحمد بن إسماعيل في وصف الدواة، إلا أن وصف القلم يتقدمها في أبياته:
في كفة مثل سنان الصعده ... أرقش بز الأفعوان جلده
стр. 73
يلتهم الجيش اللهام وحده ... كأنه متشح ببرده
لو صادم الطرد المنيف هده ... أو صافح السيف الحسام قده
يأوي إلى طير له معده ... يمزج فيه صبر بشهده
ترضعه من مقلة مسوده ... يمدها جار كثيف العده
كأنه الليل إذا استمده ... مقلتها مكحولة بنده
قوله: " كأنه الليل إذا استمده " ن يشبه قول ابن الرومي يصف حبر أبي حفص الوراق:
كأنه ألوان دهم الخيل ... حبر أبي حفص لعاب الليل
يسيل للإخوان أي سيل ... بغير ميزان وغير كيل
وعلى ذكر الخبر فإنا نذكر قول بعض الوراقين:
ولجة بحر أجم العباب ... بادي تياره يزخر
تثور إذا جاش من قعرها ... بذورتها حمم تفطر
فأكرم ببحر له لجة ... جواهرها حكم تنثر
وقال بعضهم: إنما سمي الحبر حبراً لأنه تحبر به الأخبار. أنشدني الحمدوني لنفسه:
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوي عما رمت من وهممي
أما الدواة فأودى حملها جسدي ... وقلم المال مني حرفة القلم
وحبرت في صحف الحرف محبرة ... تذود عني سوام المال والنعم
ونحوه، وليس هو، مما قصدناه في كتاب الكتاب، ولكنه
стр. 74
اعترض فجئت بما أحفظ فيه لغير الحمدوني:
جمعت حروف الحرف في الحبر كلها ولول شقائي ما عرفت المحابرا
وقد زاد بي الإخفاق في كل موطن ... لحملي في كمي إليه الدفاترا
وسطر في أثناء قلبي تعللا ... طلابي لما أن عرفت المساطر
وفي مثله:
لما أخذت حروف الخط حرفني ... عن كل حظ وجاءت حرفة الأدب
أقوت منازل مالي حين أوطنها ... منحيا سفط الآداب والكتب
وقال آخر:
أدمى البكا جفني والمآقي ... وظلت ذا هم وذا احترق
ما أن أرى في الأرض والآفاق ... أدنى ولا أشقى من الوراق
إذا أتى في القمص الأخلاق ... رايته مطنزة العشاق
يفرح بالأقلام والأوراق ... كفرحة الجندي بالأرزاق
قال أبو بكر: حدثني أحمد بن محمد الأنصاري، قال: قيل لوراق: ما تشتهي؟ قال: قلماً مشاقاً، وحبراً براقاً، وجلوداً رقاقاً.
وقال بعض المحدثين في محبرة:
ولقد غدوت إلى المحدث آنفاً ... فإذا بحضرته ظباء رتع
وإذا ظباء الأنس يكتب كل ما ... يملى وتحفظ ما يقال وتسمع
يتجاذبون الحبر من ملمومة ... بيضاء تحملها علائق أربع
стр. 75
من خالص البلور غير لونها ... فكأنها سبج يلوح ويلمع
إن نكسوها لم تمل ومليكها ... فيما حوته عاجلاً لا يطمع
ومتى أمالوها ارشف رضابها ... أداه فوها وهي لا تتمنع
فكأنها قلب رصين سره ... أبداً ويكتم كل ما يستودع
يمتاحها ماضي الشباة مذلق ... يجري بميدان الطروس فيسرع
رجلاه رأس عندها لكنه ... تلقاه برجفاة ساعة يطلع
فكأنه والحبر خضب رأسه ... شيخ لوصل خريدة يتصنع
لم لا ألاحظه بعين جلالة ... وبه إلى الله الصحائف ترفع
وقد قال بعض الكتاب: حكم الدواة أن تكون متوسطة في قدرها، نصفا في قدها، لا باللطيفة جداً فتقصر أقلامها، ولا بالكبيرة فيثقل حملها. لأن الكاتب - ولو كان وزيراً مائة غلام مرسومون بحمل دواته - مضطر في بعض الأوقات إلى حملها ووضعها ورفعها بين يدي رئيسه، حيث لا يحسن أن يتولى ذلك منها غيره، ولا يتحملها عنه سواه. وأن يكون عليها من الحلية أخف ما يتهيأ أن يتحلى الدوي به من وثاقة ولطف صنعة، ليأمن أن تنكسر أو تنفصم منها عروة في مجلس رياسة أو مقام محنة. وأن تكون الحلية ساذجة، لا حفر ولا ثبات فتحمل القذى والدنس، ولا نقش عليها ولا صورة لأن ذلك من زي أهل التوضع، لا سيما في آلة يستعان بها مثل هذه الصناعة الجليلة المستولية على تدبير المملكة، وإن أحرقت الفضة حتى يكون سوادها أكثر من بياضها، فإن ذلك أحسن وأبلغ في السرو وأشبه بقدر من لا يتكثر بالذهب والفضة.
следующие страницы →