Полный текст (147 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
إرشاد أولى البصائر والألباب لـ
نيل الفقه
بأقرب الطرق وأيسر الأسباب
العبادات
تأليف
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي
١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المصنف
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُه ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرشِداً.
وَصَلَّى الله عَلَى محمَّد وَعَلَى اله وَأَصحَابِه وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ: فَهَذَا تَألِيفٌ بَدِيعُ المنْزَع، سَهْلُ الأَلفَاظِ وَالْمَعَانِي، حَسَنُ الترتيب، يَحْتَوِي عَلَى مُهمَّات مَسَائِل الأَحكَام.
رتبته بصُورَةِ: السُّؤَال الْمُحَرَّر الْجَامِع، وَالجواب المفصَّل النَّافِع.
يَحتَوِي عَلَى: أُصُولٍ، وَضَوَابِطَ، وَتَقسِيمَاتٍ.
تُقُرِّبَ أشتات الْمَسَائِل، وتضم أَلنّظَائِرَ والفَوَارِقَ.
وَكَثِيرٌ مِن هَذِه الأَجوِبَةِ يتناول أَبوَابًا مِنَ الفِقهِ عَدِيدَةً، وَأصُولاً تَنْبَني عَلَيهَا أَحكَامٌ مُفِيدَةٌ.
وَتُعرِّفُ القَارِئَ مِن أَيِّ قَاعِدَةٍ أُخِذَتْ، وعلى أَيِّ أَساسٍ أُثْبِتَتْ.
وتُوَضِّح التَّعْلِيلات والحِكَمَ.
ولعل هذه الأُمُور أكثرُ فائدةً مِمَّا في الأَجوبةِ منَ التَّفْصِيلات الفقهية؛ لِعمُوم نَفعِهَا وحُسْنِ موقعها.
стр. 3
وعند ذِكْر الأحْكَام: أَذكُرُ الْمَشْهُور مِن مَذهَبِ الإِمَام أَحمَد عِند مُتَأَخرِي الأَصحَاب.
فَإِنْ كَانَ فِيه قَولٌ آخر أَصَحُّ مِنه عِندِي ذكرته وَصَحَّحْتُهُ.
وَأَشَرتُ إِشَارَة لطيفة إِلَى دَليلِ كُلّ مِنَ القولين وَمَأْخَذِهِمَا؛ إذ المقَامُ لا يقتضي البَسْطَ.
وأَسْتَطْرِدُ في الجَوَابِ بِذِكْرِ الأَشبَاهِ وَالنظَائِرِ؛ لِتَحْصُلَ الفَائِدَةُ الكَثِيرَةُ والأُنسُ بكثرةِ ما يدخلُ في الأَصلِ والضَّابطِ.
وأَذكر أيضا الفوارقَ بينَ المسائِلِ التي يَكْثُر اشْتباهُهَا؛ ليَحْصُلَ التَّمييزُ بينها.
وَأَسألُ اللَّهَ تَعَالَى: أَن يَكُونَ أَلدَّاعِي لَهُ إِرَادةُ وَجْهِه وثَوَابِه، وَقَصدِ اُلْتُفِعَ لِعِبَادِه، وأَن يَكُونَ مُوَافِقًا لمحبته وَرِضَاه، وأَن يُسَهِّل تَتمِيمَ مَا أَنعَمَ في ابتدائِه، إِنه جَوَادٌ كَرِيمٌ.
-
стр. 4
أسئلة في الطهارة
стр. 5
حكم الماء المتغير
١- سؤال: ما حُكم الماء المتَغيِّر؟
الجواب: وباللَّه التَّوفيقُ، ومِنْهُ أَسْتَمِدَُّ الهدايةَ والإِصَابةَ.
يدخلُ تَحتَ هذَا السؤَالِ أَنوَاعٌ كَثِيرَة، وأَفْرَادٌ متعدِّدةٌ، لكئها تَنْضَبِطُ بأُمورٍ:
(١) أَمَّا الماءُ الَّذي تَغيَّر لونُه أَوْ طَعْمُه أَو رِيحُه بالنَّجاسَةِ:
فهو '' نَجِسٌ '' بالإِجماعِ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا.
(٢) وأَمَّا الماءُ الَّذي تغيَّرَ بِمُكْثِه وَطُولِ إِقَامَته في مَقَرِّهِ، أَو تغيَّر بِمُرورِهِ عَلَى الطَّاهِرَاتِ، أَو بما يَشُقّ صَونُه عَنه، وَبما هُوَ مِنَ الأَرضِ كطِيبهَا وتُرَابِهَا:
فهذا '' طَهُورٌ '' لا كَرَاهة فِيهِ؛ قولاً واحدًا.
(٣) وأَمَّا الماءُ الَّذي تغيَّر بما لا يمازجُهُ كَدُهْنٍ ونَحوِه:
فهو مَكْرُوهٌ على المذهب.
غيرُ مَكْرُوهٍ عَلَى القَولِ الصَّحيحِ.
لأَن الكراهَةَ حُكْمٌ شَرْعيٌّ يحتاجُ إِلى دليلٍ؛ ولا دَليلَ على الكرَاهَةِ وَالأَصْلُ المياهِ الطَّهُورِيَّة، وعدمُ المنعِ.
فمن ادعى خِلافَ الأَصلِ فَعَلَيْهِ الدليلُ.
стр. 6
(٤) وأمَّا الماءُ المتغيرُ لَوْنُه أَو رِيحُهُ أَو طعمه بالطاهِرَاتِ كَالزعفرانِ ونحوِه:
إذَا كَانَ التغيرُ يَسِيرٌ ا: فهو طهورٌ قولاً واحدًا.
وَكَذلكَ إِن كانَ التَّغيرُ في مَحلِّ التَّطهيرِ: فهذا أَو نحوه لا بأْسَ بِه.
وإن كَانَ المتغيرُ بالطاهراتِ تغيرًا كثيرًا: فَهُو طَاهِرٌ غير مُطَهر عَلَى المشهور مِنَ الْمَذْهَب.
وعلى الفول الصَّحيحِ: هو طهورٌ:
لأَنَّه ماء؛ فيدخلُ في قولِه تَعَالى ? فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ? [المائدة:٥٦] .
ولعدم الدَّليلِ الدَّالّ على انتِقَالِه عَنِ الطهُورِية، فبقِيَ عَلَى الأَصلِ.
وذلك أَنَّ العُلَمَاءَ ﵏:
اتفقُوا عَلَى نوعين مِنْ أنوَاعِ الميَاهِ، واختَلَفُوا في النوعِ الثَّالِث.
اتَّفقُوا عَلَى أنَّ: كل ماء تغيرَ بالنجاسَةِ فهو نجس.
كما اتفَقُوا عَلَى أَن: الأصْلَ في المياهِ كُلِّها النازلةِ مِنَ السِّمَاء، والتَّابِعَةِ منَ الأَرضِ، والجارِيَةِ والرَّاكِدَةِ؛ أنها طاهرةٌ مطهِّرَةٌ.
стр. 7
واختلفوا في: بعضِ المياهِ الْمُتَغَيِّرةِ بالأَشياءِ الطاهرةِ أَو التي رُفِعَ فيها حَدثٌ ونَحوهَا هَل هِيَ باقيَةٌ على طهوريتهَا؟
وَإِنَّنَا تَسْتَصْحِبُ فِيهَا الأَصْلَ كما هُو الصَّحِيح؛ لأَدِلَّةٍ كَثِيرةٍ ليس هَذَا مَوضِعهَا، أَو أَنها صَارَتْ في مَرْتَبَة مُتَوَسِّطَةٍ بين الطهُورِ وَالنَّجَس فصَارَتْ طَاهِرَةً غيرَ مُطَهِّرةٍ.
والاستدلالُ بهذَا القَولِ ضَعِيفٌ جدًّا!!
فإِن إِثبات قِسْمٍ مِنَ المياهِ، لا طَهُورٌ وَلا نَجِسٌ؛ مما تعمُّ به البَلْوَى وتشتَدُّ الحاجَةُ والضرُورَةُ إِلى بيانه، فَلَو كَانَ ثابتًا؛ لبينهُ الشارع بَيانًا صَحِيحًا، قاطعًا للنِّزاعِ.
فَعُلِمَ أَنَّ الصَّوابَ المقطُوع به:
أَن الماءَ قِسمَانِ: طَهُورٌ، وَنَجِسٌ.
المَاء الْمُسْتَعْمَل
(٢) مَا حُكمُ الماءِ المستَعمَلِ؟
الجواب: يَدخُلُ تحتَ هَذَا أَنوَاعٌ متعدِّدَةٌ:
١- مُسْتعملٌ في: إزَالةِ النَّجَاسَةِ.
стр. 8
٢- ومُسْتعمَلٌ في: رفعِ الحدثِ.
٣- ومُسْتَعملٌ في: طَهَارَةٍ مَشْروعةٍ.
٤- ومُسْتَعملٌ في: نظافةٍ.
٥- ومُسْتَعملٌ في: رفعِ حَدَثِ أُنْثى.
٦- ومُستَعمَلٌ في: غَمْس يَدِ النَّائِم.
(١) أمَّا المستعمَلُ في إِزالةِ النَّجَاسَة:
فإِنْ كان مُتَغَيرَا: فهو نَجِسٌ.
وإِن لم يتغير وهو كثيرٌ: فهو طهورٌ قولاً واحدًا.
وإِن كان قليلاً والنجاسة لم تَزُلْ عنِ المحلِّ أو قبل السَّابِعَة: فهو نَجِسٌ على الْمَذْهَب.
وعلى الصَّحيح: طَهُورٌ لعدم تَغيرِه بالنجاسَةِ.
وإن كان آخرَ غسلةٍ زالَتْ بها النجاسَةُ: فهو طَاهِر على المذهب غَيرُ مُطَهِّرٍ.
وهو طهورٌ على القول الصَّحِيح، مِن بَابِ أَولَى مما قَبلَهَا.
(٢) وأَمَّا المستَعمَلُ في رَفع الحدَثِ:
فَإِنْ كَانَ يغترفُ خارجَ الإِناء: فالبَاقِي في الإِناءِ طَهُورٌ قليلاً كان أو كَثِيرًا؛ قولاً واحدًا.
стр. 9
وأن كَانَ يستَعمِلُه وهو في موضِعِه بأن كان يغتَسِل أو يَتَوَضَّأ في نفسِ الماءِ.
فإِنْ كَانَ الماءُ كَثِيرًا: فالماءُ طهورٌ قولاً واحدًا.
وإِن كَانَ يسيرَا: صَارَ طاهرًا غير مُطَهِّر عَلَى الْمَذْهَب.
وهو طَهُور عَلَى القَولِ الصَّحِيح؛ لعدم الدليلِ الناقِلِ لَهُ عَنْ أَصلِهِ.
(٣) وَإِنْ كَانَ مُستَعْملاً في طَهَارَةٍ مَشرُوعة:
كتَجدِيدِ وُضوء ونَحوِه: فهو طهُور، مَكْرُوه على المذهبِ.
غير مَكْرُوه، عَلَى الْقَوْل الصَّحِيح؛ لِعَدَمِ الذليلِ.
(٤) وإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلاً في طَهَارَةٍ غَيرِ مَشْرُوعةٍ:
فهو طَهُورٌ لا كراهةَ فيه قولاً واحدًا.
(٥) وإِن كان مُسْتَعْمَلا في حدثِ أُنثَى:
وهو كَثِير؛ فهو طهورٌ لا منع فيه مطلقاً، قولاً وَاحِدًا.
وإِن كان يَسِيرًا ولم تَخْلُ بِه: فَلا مَنعَ أَيضاً.
وإن خَلَتْ بهِ فَلا مَنْعَ في طَهَارَةِ النجَاسَةِ، وَلا في طَهَارَةِ المرأةِ قَولاً وَاحِدًا.
وَإِنما يُمْنَعُ مِنْهُ الرَّجُلُ في طَهَارَةِ الحدَثِ عَلَى المذهَب مع بَقَائِه عَلَى طُهُورِيَّته.
стр. 10
وعند عدم غيره: يُجمَعُ بين استعماله والتَّيمُّمِ احتِيَاطًا.
وأما الصَّحيحُ: فلا مَنْعَ فِيهِ مُطْلقًا.
لقوله ﷺ «إِن الْمَاء لا يَجنبُ» .
ومَا استُدِل به عَلَى المنْعِ فضعِيفٌ لا يدلُّ على المنْعِ.
(٦) وأَمَّا المستَعْمَلُ في غمس يد النَّائِمِ:
فإنْ كَانَ نهارًا أَو نَومًا لا ينقُضُ الوُضُوءَ: فَلا يَضُرْ مطلقًا.
وإِن كَانَ نومًا كَثِيرًا بالليلِ وغمسها كُلَّها.
فَإِنْ كَانَ الماء كَثِيرًا لم يضر قولاً واحدًا.
стр. 11
وإن كان دون القلتين صَارَ طَاهِرًا غَيرَ مُطَهِّرٍ، عَلَى الْمَذْهَب، ولكن عِنْد الاضطرارِ إِليه يُستَعْمَلُ مَعَ التَّيممِ.
وعَلَى القَولِ الصَّحيحِ في المذهَبِ: يبقَى عَلَى طَهُوريته،؛ لعدم الدليلِ عَلَى زَوَالِ طهوريته.
والحديثُ إِنما يَدُل عَلَى الأَمر بِغَسلِهِمَا قَبلَ إدخَالِهِمَا الإِناءَ؛ للعلَّةِ التي عَلَّل بها في الْحَدِيث: «... فإن أحدَكُم لا يَدْرِي أَينَ باتت يَدُهُ» .
стр. 12
الماءُ النَّجسُ مَتَى يَطهُر؟
٣-إِذَا كَانَ الماءُ نَجَسَا مَتَى يَطْهُرُ؟
الجواب: أما عَلَى القَولِ الصَّحيحِ: وَهُو رِوايَةٌ عَنْ أَحمدَ.
فمتَى زَالَ تَغَيّرُ الماءِ عَلَى أيِّ وجه كَانَ؛ بِنَزْحٍ، أو إضافةِ مَاءٍ إِليه، أو بزوالِ تغيّرِه بِنَفسِه؛ أو بمعالجتِه: طَهُرَ بِذَلِكَ.
وسواءَ كَانَ قليلاً أو كَثِيرًا؛ لأن الحكمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِه وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَلا عِلَّةَ للتنجِيسِ عَلَى التَّحقِيق إلا التَّغَيرُ بالنجَاسَةِ فما دَامَ التَّغَيرُ مَوْجُودًا، فَنَجَاسَتُه مَحْكُوم بِهَا، ومَتَى زَالَ التَّغَيرُ طَهُرَ.
وأما عَلَى المذهبِ: فَلا يخلو الماءُ: إِما أن يَكُونَ أَقَلَّ من قلَّتَينِ، أو يَكُونَ قُلَّتين فَقَط أو يَكُونَ أكثرَ منهُما.
فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ من قُلَّتينِ: لَم يَطْهُر إلا بِإِضَافَة طَهُورٍ كَثِيرٍ إِلَيهِ.
وإِنْ كَانَ قُلَّتَينِ فقط: طَهُرَ بأَحدِ أَمرين:
إِما بِإِضَافَة طَهُورٍ كثيرٍ إِليه مَعَ زَوَالِ التَّغَير.
وإِما بِزَوَالِ تَغَيرِهِ بِنَفسِهِ.
وإِن كَانَ أَكثرَ مِن قُلَّتَينِ: طَهُرَ بأَحدِ ثَلاثةِ أَشْيَاءَ:
هذينِ الأَمرينِ.
стр. 13
أَو بنَزحٍ يبقى بَعدَهُ كَثير غيرُ مُتَغَيِّر.
إلا إِذَا كان مُجْتَمَعًا مِن مُتَنَجّسٍ يسيرٍ: فَتَطهِيرُه بِإِضَافَة كَثِيرٍ إِلَيهِ مَعَ زَوَالِ التَّغَيرِ لابد مِنة في الأَحْوَال كُلِّهَا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ شيءٌ آخرُ مَعَه أم لا؟
قَد ذكرنَا تفصِيلَهُ الجَامِعَ.
حُكم عَدَمُ العلم بالنَّجاسة للإناء أَوْ البدن أَوْ الثوب!!
٤- إِذَا تطهَّر بالماءِ ثم وجَدَهُ بعد ذلك نجسًا أَو صلى ثم وَجَدَ عَلَى بَدَنِه أَوْ ثوبه نجاسة مَا حُكْمُ ذلك؟
الجواب: لا يَخْلُو الأَمرُ من حَالينِ أَو ثلاثة:
١- لأنه إما أَنْ يَعْلَمَ أن النجَاسَةَ قَبلَ طَهَارَتهِ وَصَلاتِه.
٢- أَو يَعْلَمَ أنها بَعْدَهُما.
٣- أَوْ يَجْهَلَ الأمر.
(١) فإن عَلِمَ أنها قبل طَهَارَتِه بسبب من الأَسْبَاب الموجِبَةِ للعلم؛ ومنه خبر الثِّقَةِ المتيقن، حيث عين السببِ: أَعاد طَهَارَتَهُ، وغسل ما أَصَابَ النجَاسَةَ من بدنٍ أو ثَوْب.
وكذلك يُعِيدُ الصَّلاة على المذهبِ.
وعلى الْقَوْل الصَّحِيح: إِن من نَسِي وصَلَّى في ثوبٍ نَجِسٍ أَو على
стр. 14
بدنه نجاسةٌ نَسِيَها أَو جهل ذلك، ولم يعلم حتَّى فرغ: صحَّت صَلاتُه وَلا إِعادةَ عَلَيه.
لأنه ﷺ خَلَعَ نعليه وَهُوَ في الصَّلاة، حِينَ أَخبره جبريلُ أَن فِيهِمَا قَذَرًا، وَبَنَى على صَلاتِه، ولم يُعِدْهَا.
فإِذا بنى عليها في أثنائها، فإِذا وجدَهَا بعد فَراغِ الصَّلاة فالحكْمُ كذلك.
ولأَن مِنْ قاعِدَةِ الشرِيعَةِ: إِذا فَعَلَ العِبَادَةَ وقد فَعَلَ مَحظُورًا فيها هو معذورٌ فلا إِعادَةَ عَلَيهِ؟ بخلافِ مَن تَرَكَ المأمُورَ.
стр. 15
فتارِكُ المأمورِ به لا تَبرَأُ ذمتُه إلا بفعله.
وفَاعِل المحظُور الذي هُوَ مَعذُورٌ: لا شَيءَ عَلَيهِ.
(٢) وإن عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ بعد الْفَرَاغ مِنْ طَهَارَتِه: فَهَذَا وَاضِحٌ لا شيءَ عَلَيه؛ لأنه توضأ بِمَاءٍ طَهُورٍ وَصَلَّى وَلَيسَ عَلَيهِ نجاسةٌ.
وإنما ذكرنا هذا لأَجلِ التَّقْسِيم.
(٣) وأَمَّا إن جهل الحالَ فلم يَدرِ هل نجاسةُ الماءِ قَبلَ استِعمَالِه أَو بَعدَهُ أَو النجاسَةُ قد أصابته قبلَ الصَّلاةِ أَو بَعدَها: فطهارَتُه وصَلاتُه صَحِيحَتَانِ قولاً وَاحِدًا لِبِنَائه عَلَى الأصلِ؛ لأَن الأَصْلَ عَدَمُ النَّجَاسَةِ.
اشتباه الماء الممنوع بغير الممنوع
هـ- إِذا اشتبه ماءٌ ممنوعٌ مِنْهُ بما ليسَ بِمَمْنوعٍ مَا حُكمُه؟
الجواب: إِن كَانَ المشتبه ماءً نجسًا بِطَهُورٍ أَوْ ماءً مُبَاحًا بمحرَّمٍ:
اجْتُنِبَ الجَمِيعُ وصارَ وُجُودُهُمَا واحدًا؛ لِعَدَمِ قُدرَته عَلَى الوُصُولِ إِلَى الماءِ الطهُورِ المبَاحِ، ويُعدَلُ إِلَى التَّيَمُّم.
إلا إِنْ تمكن من تطهير الماءِ النَّجسِ بالطهُورِ، بأَنْ يَكُونَ الطهُورُ كَثِيرًا وعنده إناءٌ يَسَعُهُمَا، فيَخلطهُمَا ويَصِيرَانِ مطهرين.
وعَلَى القَولِ الصَّحِيحِ: يَبعُد جِدًّا اشتباهُ النجس بالطهُورِ؛ لأنه لا ينجُسُ الماءُ إلا بالتَّغير.
ولكن مَتَى وَقَعَ الاشتبَاهُ في الصورِ النَّادِرَةِ: كُف عَنِ الجَمِيعِ.
стр. 16
وإِن كَانَ الاشتِبَاهُ بين ماءٍ طَهُورٍ وَمَاءٍ طاهرٍ غَيرِ مُطَهِّرٍ:
عَلَى المذهَبِ تَوضأَ مِنهُمَا وُضُوءًا واحدًا من كُلِّ واحِدٍ منهُمَا غَرفَة وصَحت طَهَارَتُه؛ لأَن الطهُورَ يطهره والطاهِرُ لا يَضرُّه. فَإِنِ احتاجَ أحدهُمَا للشُّربِ تَحَرَّى في هَذِهِ الحَالِ وتطهر بما غلب على ظَنِّه، ثم تَيَمَّمَ احتِيَاطًا.
وعَلَى الْقَوْل الصَّحيح: لا تَتَصَوَّر المسأَلة؛ لأن الصحيح أَن الماء إِمَّا نَجِس أَو طَهُور، كما تَقدمَ.
الشَّك في النَّجَاسَة
٦- إِذا شككنا في نجاسة شيء أو تَحرِيمهِ فما الطَّرِيق إِلى السَّلامَة؟
الجواب: الطريق إِلَى السَّلامَة: الرُّجُوع إِلى الأُصُولِ الشرعيةِ، والبناءُ عَلَى الأمور اليقِينيةِ.
فإن الأَصْلَ في الأشياء: الطهارةُ، والإِباحَةُ.
فما لم يَأْتنا أَمْز شَرعي يَقِينٌ؛ يُنْقلُ عَن هَذَا الأَصْلِ، وإِلا استَمسَكنَا به.
وأَدِلةُ هَذَا الأَصلِ مِن الكِتَابِ والسُّنة كثيرةٌ.
فعَلَى هَذَا الأَصلِ: إِذَا شَكَكْنَا في نَجاسَةِ مَاءٍ، أَو ثَوْب، أَو بَدَنٍ، أَو إِناءٍ، أَو غيرِ ذلكَ، فالأَصلُ الطهارةُ.
وكذلك: الأَصْل جوَازُ استعمَالِ الأَمْتِعَةِ، والأَواني، وَاللِّبَاس وَالالات، إلا مَا وَرَدَ تَحريمه عَن الشارِعِ.
стр. 17
وما أَنفَعَ هَذَا الأَصلَ وأكثرَ فائدته وأَجَلَّ عَائِدتَهُ على أَهلِ العِلمِ.
وهو مِن نِعَمِ اللَّه عَلَى عِبَادِهِ، وتيسِيرِهِ، وعَفْوِه، ونَفْيِهِ الْحَرِج عَنْ هذه الأمةِ، فلِلَّه الحمدُ وَالثِّنَاء.
حُكم استعمال الذهب والفضة
٧- مَا حُكمُ استِعمَالِ الذهَبِ والفِضةِ؟
الجواب: وباللَّهِ التَّوفِيقُ.
يتَحرَّرُ جَوَابُه بِأَنْوَاع الاستِعمَالاتِ ودَرَجَاتِهَا.
فبَابُ اللباسِ أَخَفُّ مِن بَابِ الآنِيَة، وأَثقَلُ مِن بَابِ لباسِ الحرَبِ.
أما استعمال الذهب والفضة في الأواني ونَحوِهَا مِنَ الالاتِ:
فَلا يَجُوزُ: لا للذكُورِ، ولا لِلإِنَاثِ.
لا القليل مِنه، ولا الكَثِيرُ.
للعُمُومياتِ الناهيَةِ عنه المتوعِّدَةِ عَلَيهِ، وعدم المخصص.
стр. 18
إلا أنه يُسْتَثْنَى الشيءُ القَلِيلُ مِنَ الفِضةِ إِذا اُحْتِيجَ إِلَيهِ.
لأنه: لما انكَسَرَ قَدَحُ النبي ﷺ ؛ اتخذ مكَانَ الشّعَبِ سِلْسِلةَ مِن فضة، والحديثُ صَحِيح.
فهذَا وَمَا أَشبَهَهُ مِنَ الفضة: جائزٌ، لا مِنَ الذَّهْب.
وأَمّا بابُ اللباس والعَتَادِ: فأُبِيحَ ذلك للنِّسَاءِ؛ لحاجتهن إِلَى التزين، ولتميّز النِّسَاءِ عن الرجَالِ.
فجميعُ أَنواعِ الْحُلي المستَعْمَلِ للنِّسَاءِ جائزٌ قَلِيلُه وكَثِيرهُ.
وأما الرَّجُل: فَلَم يبحْ لَهُ شَيءٌ مِن ذَلِكَ إلا:
خاتم الفضة.
وحلية المنطقةِ من الفضة.
وكذلك من الذهَبِ والفضة مَا دعتْ إِليه حاجَتُه من أَنفٍ، أَو رباطِ أَسنانٍ، ونحوها.
وأَما لباس الْحَرِب:
فهو أَخفُّ من ذَلِكَ كُلِّه.
стр. 19
فإنه يباحُ تَحلِيَةُ السيفِ، وَالرَّمْح، والبَارُودِ، ونحوها، بأَنواع الذَّهْب والفضَّةِ.
وكذلك الجوشنُ، والخوذَةُ، ونحْوُهَا.
وهذا التَّفصِيلُ المذكورُ في غيرِ الضَّرُورَة.
أَما الضَّرُورَة: فتُبِيحُ الذَّهْب والفِضةَ مطلقاً.
ما دَامَت الضرُورَةُ مَوجُودَةً؛ فإِن الضرُورَاتِ تُبِيحُ المحظُورَاتِ، كَما أبَاحَ اللَّهُ لَلْمُضْطَرّ أَكلَ الْميتَة، وَنَحْوِهَا.
حكم أجزاء الميتة
٨- مَا حُكْمُ أَجْزَاءِ الْميتَة؟
الجواب: الْميتَة نَوعَانِ:
مَيتَةٌ طَاهِرَةٌ:
١- كَالسَّمْكِ.
٢- وَالْجِرَاد.
٣- ومَالا نَفْسَ لَهُ سائلةٌ.
٤ - والآدَمي.
فهذِهِ أجزاؤها تَبَعٌ لها طَهَارَةً وحلاً.
والنَّوعُ الثَّانِي: الميتَةُ النَّجِسَةُ:
وهِيَ نوعانِ:
стр. 20
أحدُهُمَا: ما لا تفيد فِيهِ الذكاةُ كَالْكَلْبِ، والخنْزِيرِ، ونحوهما.
فهذه أجزاؤها كلها نَجِسَةٌ؛ ذكِّيَت أَمْ لا.
والثاني: ما تُفِيدُ فيه الذَّكَاةُ: كالإِبل والبقر والغَنَمِ والطيُورِ.
فَهَذِهِ أَجزاؤهَا ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ.
١- قِسمٌ نَجِسٌ مُطْلقًا: كاللَّحم والشحمِ والمصرَان ونَحوِهَا.
٢- وقِسْم طَاهِرٌ مُطلقًا: كالشعرِ والصُّوفِ والوَبَرِ والرَّيش.
٣- وقسم فِيهِ خِلافٌ: وهو الجِلْدُ بَعدَ الدَّبْغ والعِظَام وَنَحْوهَا.
وَالْمَشْهُور مِنَ المذهَبِِ: بَقَاؤُهَا عَلَى نَجَاسَتِهَا، إلا أن الجِلْدَ بَعدَ الدَّبْغ يخف أمرُه فيُستَعمَلُ في اليَابِسَاتِ دُونَ المائعات.
والصَّحِيحُ: أَن الجلْدَ يَطْهُرُ بالدِّبَاغِ؛ للأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصرِيحَةِ التي لا مُعَارِضَ لَهَا.
وكذَلِكَ الصَّحِيحُ: أن العِظَامَ طَاهِرَةٌ؛ لأَن العِلَّةَ في تَحرِيمِ الميتة - الذي هُوَ احتقان الفضولاتِ الخبيثَةِ فِيهَا - غَيرُ مَوجُودَة في العظَامِ واللَّهُ أعلم.
стр. 21
الأشيَاءُ الموجِبَةُ للطَّهَارَةِ وما يتطهَّرُ لَهُ؟
٩- مَا هي الأشياء الموجِبَة للطَّهَارَةِ الشرعية؟ وكيفية ذَلِكَ؟ وما يتطهَّر له؟
الجواب: الطهارَةُ نَوعَانِ:
١- كُبرى:
تُوجِبُ غَسْلَ البَدَنِ كُلِّهِ.
والَّذي يوجبها:
١- الجنَابَةُ: بوطء، أَو إِنزَالٍ، أَو بهما.
٢-والحيض.
٣- والنفاسُ.
٤- وإسلام الكَافِرِ.
٥- وموت غير الشهيدِ.
فهذه الأشياء، كُلّ وَاحِد منها يوجب غسلَ البَدَنِ كُلِّه.
٢- والنَّوع الثَّاني: الطَّهَارَةُ الصُّغرى:
والَّذي يُوجِبُهَا شيئان:
أَحدُهُمَا: يوجب الاستنجَاءَ والاستِجمَارَ مَعَ غَسلِ الأَعضاءِ الأَرْبَعةِ وهو: جَمِيعُ الخارجِ مِنَ السبيلين من بَولٍ، وغَائِطٍ، ونَحوهِمَا ممَّا له جرمٌ.
стр. 22
فَهَذَا إِذَا حَصَلَ أَوجَبَِ:
إِمَّا الاستجمارَ بِثَلاثِ مَسْحَاتٍ منقِّيَةٍ بأَحجَارٍ وَنَحْوهَا، غير الرَّوَثِ والعظَامِ، وَالأَشْيَاء المحترَمَة.
وإِمَّا الاستنْجاء بمَاءٍ يُزِيلُ الخارج حتَّى يعود المحلُّ كما كان قبل خروج الخارجِ.
والجمع بين الأَمرين أكمَلُ، ويجوز الاقتصار عَلَى أَحَدِهِمَا.
والشيء الثَّانِي: يُوجِب غَسْلَ الأَعْضَاءِ الأربعَةِ فَقَط، وذلك.
ا-كالريحِ.
٢- والنَّومِ الكَثِيرِ.
٣- ومسِّ الفَرجِ بِالْيَدِ.
٤- وَمسِّ المرأَةِ بشَهْوَةٍ.
٥- وأكلِ لحومِ الإِبِلِ.
وتجتمِع الأَحداثُ الكُبرَى بِالْمَنْعِ مِنَ:
ا - الصَّلاةِ.
٢- وَالطَّوَاف.
٣- ومسِّ المصحَفِ.
٤- وقراءَةِ القُرآنِ.
стр. 23
٥- واللبثِ في المسجِدِ.
وينفرد الحيضُ والنِّفاسُ منها بمَنْعِ:
ا- الصَّومِ.
٢- وَالطَّلاق.
٣- والوطءِ في الفَرجِ.
وتشاركُهَا الأحداثُ الصُّغْرَى في المنْعِ مِنَ الثلاثَةِ الاُوَُلِ.
وَمَتَى تَمتِ الطَّهَارَةُ بِنَوعَيْهَا: أُبيحَتْ جَمِيعُ الأَشيَاءِ المَمْنُوعَةِ.
وقد عُلِمَ بهذا التَّفصيلِ ما يُتَطَهَّرُ له وُجُوبًا. وَأَمَّا ما يُتَطَهَّرُ لَهُ استِحبَابًا:
فتُسْتَحَبُّ الطِّهَارَتَانِ الكُبرَى والصّغرَى لـ:
١- الأَذَانِ.
٢- وأَنواعِ الذَّكَر.
٣- وَالْخُطَب.
٤ - وللإِحرَامِ.
٥- وَدُخُولِ مَكَّةَ.
٦- والوقوفِ بعَرَفَةَ.
стр. 24
٧- وَلِلإِفَاقَةِ مِن: إِغْمَاء أَوْ جُنُون.
٨ - وَللأَكْلِ، ٩ - وَالنَّوْم.
الأَعضَاءُ المَمْسُوحَةُُُ في الطَّهَارَةِ وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ
١٠- مَا هِيَ الأَعضَاءُ الْمَمْسُوحَة فِي الطَّهَارَةِ؟ وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؟
الجواب:
أمَّا طَهَارَةُ التَّيمّمِ:
فتشترك الطَََََََّهَارَتَانِ الكُبرَى والصُّغرَى:
بِوُجُوب مسحِ المتيمِّمِ بِوَجْهِهِ جميعِه وَيَدْيه إِلَى الْكُوعَيْنِ.
حيث تعذَّرَ استِعمَالُ الماءِ؛ لعَدَمِهِ، ولضَرَرٍ يُلحَقُ بِاسْتِعْمَالِهِ؟ عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي بَابه، وَلكِنَّهُ رَاجِع إِلَى هَذَا الضابِطِ.
ومن الحِكمَةِ في أن الطَّهَارَتَيْنِ في التيمم تَسَاوَتَا في ذَلِكَ:
أَنَّ البَدَلَ لا يَجِبُ أَن يُسَاوِيَ الْمُبْدَل مِنْهُ، بل يَحْصُلُ فِيهِ من التَّخفِيفِ بِحَسَبِ الحَالِ المناسِبَةِ وهَذَا مِنْهُ.
ولأن القَصْدَ التَّعَبُّدُ لِلَّهُِ بتعفِيرِ الوَِجهُِ واليَدَينِ بالتُّرَابِ، وَلِيَسْ فِيَهُ نَظَافَة حِسِّيَّة فاشتَرَكَا.
وَأَمَّا طَهَارَةُ الْمَاء:
فالطَّهَارَةُ الكُبْرَى:
стр. 25
لا مَسْحَ فِيهَا لا عضو أَصْليّ، وَلا شَيء مِنَ الْحَوَائِل الْمَوْضُوعَة عَلَى الأعضَاءِ للحَاجَةِ إِليهَا.
إلا الْجَبِيرَة الْمَوْضُوعَة عَلَى كَسْرٍ أو جرحٍ؛ فإِنَّها تُمسَحُ كُلُّهَا في الطَّهَارَتَيْنِ للضرُورَةِ.
وَلِذَلِكَ لا تَوْقِيت لَهَا، بَل تُمسَحُ مَادَامَتْ عَلَى الْعُضْو المحتَاجِ إِلَيهَا.
وَأَمَّا الطهَارَةُ الصُّغرَى:
فَالْمَمْسُوح فيها نَوَعَان: أَصليٌّ وَحَوَائِل عَوَارِض.
أمَّا الأَصليُّ: فَهُوَ مَسحُ الرأس وَالأُذُنِينَ.
فَيَجِب مَسْحُ ذَلِكَ كُلِّهُ كلَّما وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ.
وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَة ببَقَاءِ الطَّهَارَةِ حَتّى وَلَوْ زَالَ شَعْرُ الرَّأْسِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ لم تَنتَقِضِ الطَّهَارَةُ إلا بِنَوَاقِضِهَا المعرُوفَةِ.
وَأَمَّا الْحَوَائِل العَوَارِضُِ: فالعمَامَةُ عَلَى الرَّأْسِ للرَّجُلِ.
- وَكَذَلِكَ الخمارُ للمَرْأَةِ، حَيثُ حَصَلَ نَوْع مشَقةٍ بنَزع ذَلِكَ.
- ومَا يُلْبَسُ في الرِّجلِ مِنْ خفّ وَنَحْوه للرَّجُلِ وَالْمَرْأَة، فَهَذِهِ للمَسْحِ عَلَيهَا شُرُوطٌ، وَهي تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بأَن يلْبِسَهَا وَهُوَ طاهرٌ كامل الطَّهارَةِ قَوْلاً وَاحِدًا في هذا كُلِّهِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيضًا عَلَى المذْهَبِِ: أَنْ يَكُونَ الخفُّ سَاتِرًا سترًا تَامًّا، لا فَتْقَ
стр. 26
فَيهَ وَلا خَرقَ، لا صغير وَلا كَبِير.
والصَّحِيحُ: عَدَمُ اعتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لعُمُوِمَاتِ النُّصُوص المبيحة للمَسْحِ عَلَيْها مِن دُون قَيدٍ، مَعَ أنه لوِ كَانَ شَرطًا لَبيّنَه الشَّارِع بيانًا وَاضحًا لشدَّة الْحَاجَة إِلَيْهِ.
ولأَنهُ يعلم أَن خفافَ الصَّحَابَةِ ﵃ لا تَخلُوِ مِنْ فَتقٍ أَو شَقّ، وَلِذَلِكَ عَفَا الأصحَابُ في العمَامَةِ عن بروز بَعضِ الرَّأْسِ الذي جَرَتْ بهُ العَادَةُ.
فَدَلّ عَلَى: أَن العَادَةَ لها حُكمٌ وَاعْتِبَار في هَذَا الْوَضْع.
وَأَمَّا كيفية مَسْحِ ذَلِكَ:
فلا يجبِ استِيعَابُهُ بَل يَكفِي فِيهَ أَكثرُ ظَاهِرِ الخفينِ وأَكْثَرُ العِمَامَةِ والخمار؛ لأنه لما انتقل إِلَى المسْحِ وَسهل فِيهَ زَادَتِ السُّهُولَة بعدم وُجُوب الاستيعاب.
وَهَذَا النَّوْع من المسْحِ مُخْتَصّ بالطَّهَارَةِ الصُّغْرَى.
وَلذَلِكَ وُقّتَ فِيهِ: لِلْمُقِيمِ يوم وَلَيْلَة، وَلَلْمَسَافِر ثَلاثةُ أَيامٍ بِلَيَالِيهَا.
стр. 27
وَالابْتِدَاء: مِنَ الحَدَثِ عَلَى الْمَشْهُور مِنَ الْمَذْهَب؛ لأَنَّهُ السَّببُ المُوجِبُ.
وَعلى الصَّحِيحِ: الابتداءُ مِن أَوَّلِ المسْحِ.
لأَن النَّبِي ﷺ جَعَلَ هَذِهِ المدةَ كُلَّهَا تمسحُ.
ثم ما كَانَ مَمْسُوحًا، لا يُشْرَعُ فِيهِ تكرارٌ، بل مرَّةٌ واحدةٌ كافيةٌ.
وهَذَا النَّوْع الأَخِيرُ هَل إذا زَالَ الْمَمْسُوح وَالطَّهَارَة باقِيَة تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ بِزَوَالِهِ كما هُوَ المذهبُ، أو الطَّهَارَةُ بَاقِيَةٌ ما لم يُوجَد ناقِضٌ شَرعيٌّ؟
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ: ولا فرقَ في الحقيقة بينَ زَوَالِ الخُفِّ وَزوَال شَعرِ الرَّأسِ.
وَكَذَلِكَ الخِلافُ إذا تمَّتِ المدةُ، هل تُنتقَضُ الطَّهَارَةُ أَوْ تَزُولُ مُدَّةُ المَسْحِ فَقَط، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وهَذَا الْقَوْلُ الصَّحِيح: في الْمَسْأَلَتَيْنِ هَذَا هُوَ أَحد القَوْلَينِ في الْمَذْهَبِ اختَارَهُ جماعَةٌ مِنَ الأصحَابِ وَاللْهُ أَعلَمُ.
إيصَالُ الطّهارَة إِلَى مَا تحَتَ الشَّعر كَاللِّحْيَةِ
١١- هَل يَجِبُ إِيصَالُ الطَّهارَةِ إِلَى مَا تَحتَ الشّعرِ كَاللِّحْيَةِ وَنَحوِهَا أَم لا؟
الْجوَاب:
стр. 28
أمَّا التيمم: فيكفي مَسْحُ ظَاهِرِ الشَّعْرِ، خَفِيفًا كَانَ أو كَثِيفًا، في الحَدَثِ الأَكْبَرِ والأَصْغَرِ.
وأما طَهَارَةُ الماء:
- فإن كَانَ الحَدَثُ أَكبر: فلابد من إِيصَال الْمَاء إِلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ كَظَاهِرِهِ [خَفِيفًا كَانَ أو كثيفًا.
- فإن] كَانَ الحَدَث أصغَرَ: فَيَجِب إِيصَاله إِلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ الخَفِيفِ، وَهَوّ الَّذِي تُرَى البَشرَةُ مِن وَرَائِهُ، ويَكْفِي ظَاهِرُ الشَّعرِ الكَثِيفِ.
وَيُسَنُّ: إِيصَاله إِلى بَاطِنِه في شَعْرِ الْوَجْه دُونَ شَعْرِ الرَّأْسِ.
كيفية تطير الأشياء المتنجسة
١٢- عَن كَيفِيَّةِ تَطهِيرِ الأشيَاءِ المتنجِّسَةِ وَهَل يَجِبُ للصَّلاةِ أَمْ لا؟
الْجوَاب: النَّجاسَاتُ ثلاثةُ أَنْوَاع:
١- خَفِيف ٢ - وثَقِيلٌ ٣- وَمُتَوَسَّط.
(١) فأَمَّا الخَفِيفُ مِنَ النَّجَاسَات:
فمثل: بَوْل الغُلامِ الصَّغِيرِ، الَّذِي لم يأكل الطَّعَامَ لشهوة.
стр. 29
فهذا يكفِي فيه غَمْرُهُ بِالْمَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ قَوْلاً وَاحِدًا في الْمَذْهَبِ.
كمَا صَحت به الأحادِيثُ.
و «قَيْؤُهُ» أَخَفُّ حُكمًا من «بَوْلِهِ» .
وَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحيحِ «المذي» : فإنَّهُ يكفي فِيهِ النَّضحُ.
كَما ثَبَتَ بِهِ الحَدِيث.
وَهُوَ الْمُوَافَق لحكمةِ المشقةِ.
- وَمِثْلُه: النَّجَاسَةُ عَلَى أَسفلِ الخُفِّ وَالحِذَاءِ وَنَحْوه فيكفي مَسْحُهَا بالأَرْضِ وَالتِّرَاب.
كما صَحتْ بِهِ الأحَادِيث.
وَهُوَ الْمُوَافَق للحكمَةِ الشرعية.
стр. 30
- ومِثلُ هَذَا: مسحُ السيفِ الصَّقيلِ وَسِكِّين الجزارِ ونَحوِهَا.
ولكن الْمَشْهُور من المذهَبِ في هذه الصَّوْر: لابد مِن غَسلِهَا.
وَقَد تَفْدِم مما هَوّ خفيف: النَّجَاسَةِ الخارِجَةِ من السبيلين عَلَيهِمَا أنهُ يَكفِي فِيهَا الاسْتِجْمَار بِالاتِّفَاقِ.
فكُلَّما شَقّ وَاشْتُدَّتْ الحاجَةُ إِِلَيهُِ سَهَّل فِيهِ الشَّارِع.
وكذَلِكَ النَّجاسَةُ إِذَا كانت على الأرض: فيكفِي فِيهَا غَسلَةٌ وَاحِدَةٌ تذهَب بُِعَينِ النَّجَاسَةِ.
كما: أَمَرَ النبي ﷺ في غَسلِ بَوْل الأعرابي، أَن يُصَبَّ عَلَيه ذَنُوبٌ مِن مَاءٍ.
- ومثلهِ: ما انَّصَلَ بالأرْضِ مِن الأحوَِاضِ والأحجَارِ وَنحوها، يكفِي فِيهَا مرَّةٌ واحِدَةٌ؛ قولاً واحِدًا في هذْا كُله.
وكذلك على الصَّحِيحِ: النَّجَاسًةُ الَّتي في ذيلِ المرأة.
كما ثبت به الحديث.
стр. 31
وَالمذْهَبُ: لابد مِن غَسْله.
وَكل هَذِهِ المسَائِلِ تُعَلَّلُ بِالْمَشَقَّةِ بل قَد تَكَون الْمَشَقَّة مُوجِبَةً لِعَدَمِ إِيجَاب غَسلِ المتنجِّسِ.
كَقَوْل الأَصحابِ ﵏: وَلا يَجِبُ غَسْلُ جَوَانِب بئرٍ نُزِحَتْ للمشَقةِ.
وكذلك الإِنَاءُ الذي تَخمَّرَ فِيهِ العصيرُ ثم تخلَّل: لا يجبِ غَسْله.
وَكَذَلِكَ الحفِيرَةُ الَّتي فيها مَاءٌ نجسٌ إِذا طهر.
وكُلُّ هذا: قَوْل وَاحِد في الْمَذْهَب.
وَكَذَلك عَلَى الصحيح: لا يَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَه فَم كَلْب الصَّيْد مِنَ الصَّيْد لعدم أَمرِ الشَّارعِ بِغَسْلِ مَحَلِّ ذَلِكَ.
وَالمذَْْهَبُِ: لابد مِنْ غَسْله وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَكَذَلِكَ النَّجَاسَةُ وَالْجَنَابَة في دَاخِلِ العَينِ لا يَجِب غسلُهَا.
وَكُلُّ هَذِهِ يُحْكَمُ لَهَا بِالطَّهَارَةِ مَعَ وُجُود سَبَب التَّنَجُّس للحكْمَةِ الَمَذْكُورَة.
وأمَّا الاضطِرَارُ عَلَى بقَاءِ النَّجَاسَةِ في بدنٍ أو ثَوْب أوبُقْعَة، وصحة الصَّلاةِ مَعَ ذَلِكَ: فتِلكَ مسألة أُخرَى ترجع إِلى أصلِ صَحَّة العبادةِ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهَا الْمَعْجُوزِ عنهُ كما يأتي.
стр. 32
(٢) وأَمَّا الثقِيلُ من النَّجَاسَات:
- فَنَجَاسَةُ الكلبِ.
- وَمَا أُلحِقَ به من الخنْزِيرِ.
فإنَّه لابِد فيهَا مِن: سَبعِ غَسلاتٍ، وأن يَكُون إِحْدَاهَا بِتُرَابٍ وَنَحْوه.
كما أمر به النَّبِيّ ﷺ في نجاسَةِ الْكَلْب.
وَأَلحَقَ العلماءُ فِيه: الخنْزِير؛ لأَنَّهُ شَرّ منْه.
(٣) وَالنَّوْع الثَّالِث: مَا سُوَى ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَاتِ عَلَى البَدَنِ، أو الثَّوْب، أو الأَوَانِي وَنَحْوهَا، فَلابدّ فِيهَا مِنْ زِوَال عينهَا قولاً واحدًا.
وهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا غَيرُه أَمْ لا؟
وَالصَّحِيح: أَن النَّجَاسَة مَتَى زَالَتْ عَلَى أَيِّ وَجَهَ كَانَ بأَيِّ مُزِيلٍ كَانَ فَإِن المحل ّ يطْهر، مِن غَيرِ اشتراطِ عددٍ وَلا مَاء.
وَهُوَ ظَاهِرُ النُّصُوص؛ حَيثُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِإِزَالَة النَّجَاسَةِ.
- وأزَالَهَا تَارَةً بِالْمَاءِ.
- وَتَارَة بِالْمَسْحِ.
стр. 33
- وَتَارَةً بِالاسْتِجْمَارِ.
- وتَارةً بِغَيرِ ذلك.
وَلْم يَأمُر بغَسْلِ النجاسات سَبعًا، سُوَى نَجَاسَةِ الكَلْب.
وكما أَنه مُقتَضَى النُّصُوص الشرعية فإِنهُ مناسب غايةَ المناسَبَةِ؛ لأن إِزالةَ النَّجَاسةِ من بَاب إِزالَةِ الأَشيَاءِ المَحْسُوسَة.
وَلِذَلِكَ قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّهَا مِنْ بَاب التُّرُوكِ؛ الَّتي القَصْدُ إِزَالَة ذَاتِهَا بقَطْعِ النَّظر عَنِ المُزيل لَهَا.
وَلِهَذَا لم يَشْتَرِطُوا فِيهَا نية ولا فِعْلَ آدميٌّ. فلوِ غسلَهَا مِن غَيرِ نية أو غَسَلَهَا غيرُ عَاقِلٍ أَو جاءَهَا الماءُ فانصبَّ عَلَيهَا: طَهُرَتْ.
بِخِلافِ طَهَارَةِ الحَدَث التي هِيَ عِبَادَة لابد مِن نيتها، واشتَرَطَ لَهَا الشَّارِعُ مِنَ التَّرْتِيب، وَالْمُوَالاة، وَالكَيْفِياتِ، والنية مَا يُوجَب أَن تَكَون عِبَادةً مَقْصُودَة.
وَلِهَذَا شُرِعَ في هَذَا النَّوْع: العَدَدُ، والتَّثليثُ في الوُضُوء.
وَفي الغُسلِ كله؛ عَلَى الْمَذْهَب.
وعَلَى الصَّحِيحِ: لا يُشْرَعُ إلا تثليثُ إِفَاضَة المَاء عَلَى الرَّأسِ.
حَيثُ وَرد فِيهِ الحَدِيثُ.
стр. 34
وأمَّا الْمَشْهُور من الْمَذْهَب فِي هَذَا النَّوْع: فَلابدّ مِنْ غَسْله بِالْمَاءِ سَبْعِ مرات؛ قِيَاسًا عَلَى نجاسَةِ الْكَلْب.
وَلكنَّهُ قَوْل في غايةِ الضَّعفِ وَالقِيَاسُ لابدّ فِيه منْ مُسَاوَاةِ الأَصْل للفرع وأَن يُحْكَمَ عَلَى الأمرَينِ بحكمٍ واحدٍ.
فَالْمُسَاوَاة مُنْتَفِيَة، بعدَمَا خص الشَّارِعُ الْكَلْب بذلك.
والحكم مختلف.
فعِندَ القائلين بهذا الْقِيَاس: لا يُوجِبُونَ التّرَاب، وَحَيثُ تبين كَيْفِيَّة إِزالَةِ النَّجَاسَةِ باختلافِ أَحْوَالهَا.
فكُلُّ نَجَاسَةٍ يَجِب إِزَالَتهَا، فإزَالَتُهَا من البَدَنِ والبُقْعَةِ وَالثَّوْب شَرط لَصَحَّة الصَّلاةِ لأمْر الشَّارِع بِتَطْهِير البَدَنِ وَالثِّيَاب.
وذَلِكَ لا يَجِب لِغَيرِ الصَّلاة، فتَعينَ وَجُوبه لَلصَّلاة.
وقولنَا: ''كُلُّ نَجَاسَة يجبُ إِزَالَتهَا احتراز مِن أَمرَينِ: أَحدهما: إِذَا اُضْطُرَّ الإِنسَانُ إِلَى بَقَائِهَا بأَنْ:
- عَجَزَ عَنِ الْمَاء الذي يزيلها وغيره.
- أو كَانَ تَضره إِزَالَتهَا.
стр. 35
- أَو لم يَجِدْ إلا ثَوْبًا نَجِسَا يُصَلِّي بِهِ.
- أو حُبِسَ بِبُقعةٍ نَجِسَةٍ لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوج مِنْهَا.
فهذا مُضْطَرّ، وَالمضطر معذور اتِّفاقًا، وَعَلَيْهِ أن يصلِّي في هَذِهِ الحالِ وَلا يُعِيدُ فِيهَا كُلِّها عَلَى القَولِ الصَّحِيحِ الذي تدل عَلَيهِ الأُصُول الَشَرْعِيَّة.
وأمَّا الْمَشْهُور مِنَ المذْهَب فيها: فإِنَّهُ أيضًا لا يُعِيدُ؛ إِذا حبِسَ ببقعَةٍ نَجِسَةٍ، وَلا إِذَا صَلَّى وَعَلَى بَدنه نَجَاسَةٌ يَعجَزُ أو يَتَضَرَّر بِإِزَالَتِهَا، لكن يتيمَّمُ عَنهَا إذا كَانَتْ عَلَى البَدَنِ، قِيَاسًا عَلَى التَّيمُّمِ للحَدَثِ.
وأمَّا نَجَاسَةُ الثوب والبُقعَةِ: فَلا يتيمم لَهُما قولا وَاحِدًا.
والصَّحِيحُ أيضًا: وَلا نَجَاسَةُ البَدَنِ؛ لأَن القِيَاسَ عَلَى الحَدَثِ غيرُ صَحِيحٍ.
وَلَوِ كَانَ صَحِيحًا؛ لَوَجَبَ أَنَّ يعم الذِي عَلَى البَدَنِ وَالثَّوْب والبُقعَةِ.
وَالشَّارِعُ إِنَّمَا شَرَعَ التَّيمُّمَ للأحدَاثِ فَقَط.
وأَمَّا إذا صَلَّى في ثوب نَجِسٍ: فَعَليهِ الإِعَادَة عَلَى الْمَذْهَب.
وَلَيسَ لِهَذَا الْقَوْل حَجَّة أَصْلاً.
وَالصَّوَاب كَما تَقدم: أَنْهِ يُصَلِّي وَلا يُعِيدُ.
فإِن اللَّهُ لم يُوجَب عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي الفَرْضَ مَرْتَيْنِ إِلا إِذَا أَخَلْ بمَا
стр. 36
يَقْدِرُ عَلَيْهِ منِ وَاجِبَاتهَا الشرعية.
الأمر الثاني: احترازٌ مِنَ النَّجاسَاتِ التي يُعفَى عَنهَا، أو يُعفَى عَن يَسِيرِهَا.
كالدَّمِ والقَيء ونَحْوِهما.
فإِذَا صَلَّى مَعَ وَجُودهَا حَيثُ عُفِيَ عَنهَا: فَإن صَلاته صَحِيحَة اتِّفَاقًا وهَذَا مَعنَى الْعَفْوَ عَنهَا واللَّهُ أَعلم.
الأشياء النجسة هل هِيَ محدودة أَوْ معدودة؟ وصفة ذلك؟
١٣- هَلِ الأشياء النَّجِسَةُ مَحْدُودَة أَو معدودة؟ وصفةُ ذلِكَ؟
الجواب: أَوَّلاً: يجب أَن يعلمَ أَن الأَصْل في جَمِيعِ الأَشْيَاء الطَّهَارَةُ فلا تَنْجُس، وَلا ينجس مِنهَا إلا ما دل عَلَيْه الشَرْع.
فَهَذَا أَصْلٌ مَحْدُود لا يَشِذَّ عَنْه شَيْء.
وأَمَّا مَا وَرَدَ أَنه نجس:
- فَمِنْهُ مَا هُوَ مَحدُودٌ، ومِنهُ صَوْر مَعدُودَة.
ويجمعُهَا جميعًا: أَنَّها كُلَّها خَبِيثَة.
ولكن محلّ الخبثِ قَد يَخفَى عَلِينَا، فَنَبّهنَا الشَّارِعُ عَلَى مَا يَدُلُّنَا وَيُرشِدُنَا إِلَى ذَلِكَ.
فمِنَ المحدُودِ: أَن الخَارجَ من السبيلين الَّذِي له جرم نجس إلا المني.
стр. 37
فَإِنَّهُ: صَح عن النبي ﷺ طَهَارَتُهُ.
وأَنهُ: يَنبَغِي فَرْكُ يَابِسه وَغَسْل رَطْبه.
وَمِنَ المحدُودَةِ:
- أَن مَا حَرُمَ أَكْله، وَهُوَ أَكْبَرُ من الهِرَّ خِلْقَة: فإنَّهُ نَجَس؛ كَالْكَلْبِ، والخنْزِيرِ، وسباعِ البَهَائِمِ.
فَهَذِهِ جَمِيعُ أَجْزَائِهَا، ومَا خَرَجَ مِنهَا: نَجِسٌ.
وَلا يستثنى مِنهَا شَيءٌ؛ عَلَى الْمَشْهُور من الْمَذْهَب.
والصَّحِيحُ: أَن الحِمَارَ والبَغْلَ ريقهُ وعرقُهُ وَشَعْره ومَا خَرَجَ من أَنْفِه
стр. 38
طَاهِر بِخِلافِ بوله وَرَوْثه وَأَجْزَائِهِ فإِنَّها خبيثةٌ نجسةٌ.
لأن النبي ﷺ كَانَ يركبهما وَالصَّحَابَة ﵃، وَلم يأمرْ بِتَوَقِّي عَرَقِهَا وَرِيقِهَا وَشَعرِهَا.
وهيَ أَوَلَى مِن طَهَارَةِ سُؤَرِ الهرّ الَّذِي ثَبتَتْ طَهَارَته.
وَعَلَله ﷺ : بـ «أنَّهُن من الطَّوَّافِينَ عَلَيكُم وَالطَّوَّافَات» .
ومشقة ملامَسَةِ الحَمِيرِ وَالبغَالِ، أشقُّ مِنَ الهِرّ بكَثِيرٍ، وَأُولَى بِالإِبَاحَةِ وَالتَّطْهِير.
- وَأَمَّا مُحَرَّمُ الأكلِ: مِمّا هُوَ مثل الهر أو أصغر مِنه:
فإِن سُؤْره وَرِيقَهُ وَعَرَقه طَاهِر.
وأَمّا بوله، وَرَوْثه، وَجَمِيع أَجْزَاء لحمِه: فَإِنَّهُ نَجَس.
стр. 39
سوَى مَا لَيْسَ لَهُ نَفْس سائِلَةٌ فإن جَمِيعَ أجزَائِهِ طَاهِرَة كـ: العَقرَبِ وَالذَّبَّاب ونحوِهمَا.
- وَأَمَّا مَأْكُول اللحمِ: فَكُلّ مَا مِنْهُ طَاهِر سوَى الدمِ، وَمَا تولد مِنَ الدمِ من قَيحٍ وصَدِيدٍ.
ومنَ المحدُودِ منَ النَّجَاسَات: جَمِيعُ الميتَاتِ سوَى مَيتَةِ الآدِمِي وَالسَّمك والجَرَادِ، وَمَا لا نَفسَ له سائِلَة: فَإنّهَا طَاهِرَةٌ.
ومن المحدُودِ أَيْضًا: كُلُّ مُسكِرٍ، مَائِعٍ نَجِسٍ مِنْ أَيِّ نَوْع كَانَ.
ومِنَ المحدُودِ أَيضًا: أَن جَمِيعَ الدِّمَاءِ نَجِسَةٌ إلا:
- دم مَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَة.
- ومَا يَبقَى بَعدَ الذبح في الْعُرُوق وَاللَّحْم فَهُوَ طَاهِرٌ
وإلا: دم الشهيدِ عَلَيهِ خَاصَّة.
وَلِهَذَا كَانَ الدمُ ثَلاثَةَ أَقسَامٍ:
١- طَاهِرٌ: كَهَذِهِ الْمَذْكُورَات.
٢- ونَجِسٌ لا يُعفَى وَلا عَن يَسِيرِه: كَدَمِ الكَلْبِ وَالسِّبَاع.
٣- ونَجِسٌ يُعفَى عَن يَسِيرِه: وَهُوَ مَا سُوَى هَذينِ.
فَصَارَ الْدم أَصْلُهُ النَّجَاسَةُ كمَا بيّنا.
وقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا ومما تقدم: أن الخَارِجَ مِنْ بَدَنِ الإنسَانِ ثَلاثَةُ أَقسَامٍ:
стр. 40
١- نجس يُعفَى عَنْ يَسِيرِهِ: كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِط.
٢- وَنَجَس يُعفَى عَن يَسِيرِهِ: كَالدَّمِ، ومَا تَوَلّد منْه، والقَيء عَلَى المَذْهَب.
وكذَا المذيُ عَلَى الصَّحِيحِ.
٣- وَمَا سُوَى ذَلِكَ، فَطَاهِر: كَالرَّيقِ، والبُصَاقِ، وَالنّخَامَة، والمخاط وَالعَرَقِ، وَمَا سالَ مَنْ الفَمِ وَقْت النَّوْمِ، وَصَمْغِ الأُذُنِينَ، وَغَير ذلك والله أعلم.
وَمِنَ النَّجِسِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ: الحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَة.
الفارق بين: دم الْحَيْض ودم الاستحاضة وَدَم النفاس
١٤- مَا هُوَ الفارق بَيْنَ دَمِ الحَيضِ وَدَم الاسْتِحَاضَة وَدَمِ النِّفَاس؟
الجواب: وَبِاللَّه التَّوْفِيق.
هَذِه الدِّمَاء الْمَذْكُورَة تَخْرُجُ من محَلّ وَاحِد.
ولكن تَختَلِفُ أَسْمَاؤُهَا، وَأَحْكَامهَا، بِاخْتِلاف أسبَابِهَا.
فَأَمَّا دَمُ النِّفَاس:
فسببه ظَاهِرٌ.
وَهَوّ: الدم الخَارِجُ مِنَ الأُنثَى بِسَبَبِ الْوِلادَة.
وَهُوَ: بقيَّة الدَّم المحتَبَسِ وَقْت الحَمْلِ في الرَّحِمِ.
следующие страницы →