Полный текст (1 409 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله وكفى وصلاة وسلامًا على نبيه المصطفى ﷺ ، أما بعد:
فكان فضل الله علينا عظيمًا إذ وفقنا لإخراج هذا الكتاب النفيس لأول مرة منذ بضع سنوات، وقد تلقاه أهل العلم المنصفين بالقبول وأشادوا بالجهد المبذول فيه، وقد نفدت طبعته الأولى والحمد لله.
ولكن كما قال الإمام المُزَني: «لو عُورِض كتابٌ سبعين مرة لوُجِد فيه خَطأ، أبى الله أن يكون كتابٌ صحيحًا غير كتابه». وكما قال الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: «عارضت بكتاب لأبي ثلاث عشرة مرة، فلما كان في الرابعة خرج فيه خطأ، فوضعه من يده ثم قال: قد أنكرت أن يصح غير كتاب الله ».
ولأن العلم أمانة قُلِّدْناها في أعناقنا، فكان من حفظها أن نعيد النظر فيما أخرجناه قدر الطاقة، لذلك فقد عارضت الكتاب مرة أخرى بأصله الخَطِّي فوجدت أشياء قد ندت عني فأصلحتها، والله يغفر لنا تَقْصِيرنا وعَجزنا وعُجَرنا وبُجَرنا، إنه جواد كريم، فهذه طبعة ثانية مزيدة منقحة قدر الطاقة لكتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للإمام الكبير الحافظ الخطيب البغدادي، نقدمها لطلبة العلم سائلين مولانا ﵎ أن ينفع بها وأن يسترنا في الدارين.
أبو عاصم الشوامي
القاهرة- حدائق حلوان
في الثالث من ربيع الآخِر ١٤٤٤
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جَلالِه، اللهم إني أَبْرَأُ إليْكَ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ وقوة، وأستعينك وأستهديك، وأعوذُ برضاك من سَخَطِك وبمُعَافَاتِك من عُقُوبَتِك وأعوذ بك مِنك لا أُحْصِي ثناءً عليك، أنت كما أَثْنَيتَ على نفسِك، وأشهدُ ألا إله إلا أنت وَحْدَك لا شريك لك، أعْبُدُك وأشْكُرك فلا أكْفُرُك، وأؤْمِنُ بِك وأخْلَعُ وأَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك، اللهم إيَّاك أعْبُدُ، ولك أُصَلِّي وأَسْجُدُ، وإليكَ أَسْعَى وأَحْفِدُ، أخْشَى عَذَابَك وأَرجُو رَحْمَتَك، إنَّ عذابك بالكافرين مُلْحِق.
وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عَلى خَير خَلقِك نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، خَاتَم أَنبيائِك ورُسُلِك، المبعوثِ بالحق إلى الناس كافة، حتى قيام الساعة، صلاةً وسلامًا دائمين، أَسْتَمْطِرُ بهما جَمِيلَ عَفْوِكَ وسِترك وعَونِك، وعلى آله الأطهَار، وأصحابه الأبرار ما اخْتَلَف الليل والنهار.
أما بعد،
فهذا كتاب «المُؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للإمام الخطيب ﵀، أقدمه محققًا لأول مرة لطلبة العلم.
ولا ريب أني بإقدامي على تحقيق هذا الكتاب قد ارْتَقيت مرتقىً صعبًا، فالكتاب بعد توفيق الله تعالى كان يحتاج إلى جهد وإتقان وتيقظ.
وعهدي بالكتاب كان منذ ما يَقرُب من خمسة عشر عامًا، حين أطلعني
стр. 3
على اسمه شيخُنا وأستاذنا إبراهيم نجم الدين، كبير الباحثين في قسم الحديث بدار هجر -والتي كنت أعمل فيها كباحث آنذاك- وذلك في حواشي كتاب «المؤتلف والمختلف» للدارقطني ﵀، فقد أشار محققه الدكتور موفَّق بن عبد القادر إليه، بل ونقل منه بعض الفقرات، وأشار كذلك أنه محفوظ في «مكتبة الدولة ببرلين»، ومِن وقتئذ وأنا مشغوفٌ بذلك الكتاب الذي لا أَعرفُ عنه شيئًا، سوى أنه كتاب للإمام الخطيب ﵀ يستدرك فيه ويكمل ما فات الإمامَ الدارقطني، وأنه لم يطبع إلى الآن، وسعيت في تحصيله سعيًا، دون جدوى، وبعد زمن ليس بالبعيد أُتيحت نسخةُ الكِتاب الخَطية مُصورة على شبكة الإنترنت، وحصلتها بلهفة وشغف، وما أن تصفحتها حتى صُدِدتُ عنها، على الرغم مِنْ زَعْمِ مَنْ زَعَم أنها بخط صاحبها الإمام الخطيب ﵀، وذلك لِما وجدته من كبر حجمها، وكثرة حواشيها، وكثرة الوُرَيقات الملحقة بها (الطيارات) -والذي سنتكلم عنه تفصيلًا في مبحث وصف النسخة- وكونها نسخة فريدة أشبه بالمُسَودة التي لم تُبَيض فكم فيها من الإحالات، ورأيت أني غير كُفءٍ لتحقيقها، ولو فعلتُ لأرهقتُ نَفسي، ولربما مَلَلت منها، وما أن يسألني أحد من إخواني عن كتاب يستحق العمل فيه إلا دللته على «المؤتنف» بل وأعطيته النسخة التي عندي، ويبدو أن ما صَدَّني عنه قد صَدَّهُم، فلم يَقُم أحد منهم بالعمل فيه على الرغم من الشَغَف والإعجاب الذي أظهروه حال رؤية الكتاب.
وإن الله تعالى إذا أراد شيئًا هَيَّأ أسبابه، فمنذ ما يقرب من عامين طلب مني صاحبي وتلميذي أبو القاسم الكفافي -وهو من طلاب العلم المجتهدين الحريصين على التحصيل- أن أدرسه فن التحقيق والتعامل مع المخطوطات -لحسن ظنه فيَّ- فإذا «بالمؤتنف» يساورني ويجول في خاطري
стр. 4
مرة أخرى بعد طول غياب -وكنت أحقق وقتها كتاب الإمام البيهقي «أحكام القرآن» (١) وأَعُد العدة لكتاب آخر- فدفعت الكتاب إلى صاحبي أبي القاسم، وأسندت إليه نسخه، وكان قصدي أن يصير عنده مَلَكَة بكثرة مطالعة الأسانيد -لا سيما تلك النازلة كالتي في كتاب «المؤتنف» - وبطريقة العُلماء في كتابة مصنفاتهم، وكان أمر الله مفعولا؛ إذ قام أبو القاسم بنسخ الكتاب في عام كامل، كان يراجعني في أشياءَ فأصححها له، وأُرْجِيء أشياءَ أخرى لحين ينتهي، وما إن انتهى من نَسْخِه، حتى شرح الله صدري تمامًا لتحقيقه والعمل عليه، وقابلتُ معه جزءًا من الكتاب، فوجدته قد وُفِّق بقدر كبير في قراءة المخطوط، ولم يفته إلا ما يفوت مَنْ هو أعلم منه وأتقن وأخبر، ثم أكملت المقابلة وحدي بعون الله وتوفيقه كلمةً كلمةً، ناظرًا في المراجع التي استقى منها الخطيب ﵀، والمصادر التي اسْتَقَت منه كذلك، وباقي مصنفاته، مُنفِقًا في ذلك ما يقرُب من عَشرة أشهر كاملة، مستعينًا بالله تعالى على ذلك وبالعمل اليومي الذي لا يقل عن عشرة ساعات يوميًا، وقد عاينت من توفيق الله تعالى ما حَيَّر لُبِّي وما جَعلني أشعر أن الله أراد لي أن أحقق هذا الكتاب بعد ما يقرب من ألف عام على تصنيفه.
فالحمد لله الذي لا يُؤدَّى شُكرُ نِعمةٍ مِنْ نِعَمهِ إلا بنعمةٍ منه، تُوجِب على مُؤدِّي مَاضِي نِعَمِه، بأدَائِها: نِعمَةً حَادثَةً يَجب عليه شُكرُه بها (٢).
وفيما يلي عدة مباحث لا يسعني إلا أن أقدمها بين يدي كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للإمام الخطيب ﵀.
_________
(١) والذي صدر عن دار الذخائر سنة ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م.
(٢) صيغة الحمد هذه، من كلام الإمام الشافعي ﵀ في مقدمة كتابه «الرسالة».
стр. 5
المبحث الأول: التعريف بعلم المؤتلف والمختلف
لا يخفى على أهل العلم لا سيما المشتغلين بدراسة الأسانيد منهم ما خَصَّ اللهُ به هذه الأمة من خَصِيصة الإسناد، بل لم يَخف ذلك على أعدائها كذلك، فقد قال المستشرق اليهودي الأصل ديفيد صمويل مرجليوث (١): «ليفخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم» (٢).
وقد تفرع من علم الحديث ودراسة الأسانيد الكثيرُ مِنْ العلوم، وذلك لشدة التَحرِّي والتَوقِّي في الرواية -وما ذلك إلا بحفظ الله تعالى لدِينه وسُنَّة نبيه ﷺ فلم يَدَع أهلُ العلم ثغرةً يمكن أن يَلِج منها وَالِج إلى الخطأ، إلا وسدوها، فكان من تلك العلوم علم «المؤتلف والمختلف».
قال الإمام ابن الصلاح الشهرزوري ﵀: «النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب وما يلتحق بها.
وهو ما يأتلِفُ؛ أي يتفق، في الخط صورتُه ويختلف في اللفظِ صيغتُه، هذا فن جليل، من لم يعرفه من المحدِّثين كثُر عِثارُه ولم يعدم مُخَجِّلاً.
وهو منتشر لا ضابطَ في أكثره يُفزَع إليه، وإنما يُضْبَطُ بالحفظِ تفصيلًا، وقد صُنِّفتْ فيه كتبٌ مفيدة، ومن أكملها الإكمال، لأبي نصر بن ماكولا، على إعوازٍ فيه … » (٣).
ويقول الإمام الطيبي ﵀: «المُصَحَّف: هذا فَنٌّ جَلِيلٌ، إنما ينهض بأعبائه الحُذَّاق من الحُفَّاظ، والدَّاَرَقُطْنِي منهم وله فيه تصنيف مفيد، ويكون
_________
(١) والذي لا يخفى عداؤه وحقده على الإسلام. هلك سنة ١٩٤٠ م.
(٢) نقله الإمام المعلمي اليماني عنه في مقدمة تحقيقه لكتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم.
(٣) «مقدمة ابن الصلاح» (ص ٥٩٠ تحقيق بنت الشاطئ).
стр. 6
محسوسًا إما بالبصر أو بالسمع. والأول إما في الإسناد، كحديث شعبة، عن العوام بن مُرَاجِم بالراء والجيم، صَحَّفَهُ يحيى بن معين، فقال: مزاحم بالزاي والحاء.
وإما في المتن: كحديث مَنْ صَامَ رَمَضَان وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال.
فصحف أبو بكر الصولي فقال (شيئًا) بالشين المعجمة.
والثاني أيضًا إما في الإسناد: كحديث يُروى عن عاصم الأحول رواه بعضهم فقال واصل الأحدب، قال الدارقطني: هذا من تصحيف السَّمْعِ لا من تصحيف البصر، لأنه لا يشتبه في الكتابة.
وإما في المتن: كحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ في الكُهَّان (قر الزجاجة) بالزاي وإنما هو (الدجاجة) بالدال.
أو معنى: كما حَكَى الدارقطني عن أبي موسى محمد بن المُثنى العَنَزي أنه قال: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، صلى إلينا رسول الله ﷺ ، يريد ما ثبت في الصحيح: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى إلى عَنَزَة، وهي حربة صغيرة تُنْصَب بين يديه، فتوهم أنه ﷺ صلَّى إلى قبيلتهم بني عنزة، وهذا تصحيف عجيب، والله أعلم» (١).
ويقول الإمام الذهبي: «فَنٌّ واسعٌ مُهِمٌّ، وأهمُّه ما تكرَّر وكَثُر … » (٢).
قلت: وقد كان السلف من العلماء شديدي التحري والتوقي لذلك، ساعدهم على ذلك قوة حفظهم وتحقيقهم، وعلو أسانيدهم، فلما نزلت الأسانيد، وكثر في الشيوخ من يقل تحقيقه، وتساهل البعض في الرواية بالإجازة، والوجادة، والمناولة، والأخذ من الكتب دون سماع مباشر من
_________
(١) «الخلاصة في معرفة الحديث» (ص ٥٧).
(٢) «الموقظة» (ص ٩٢).
стр. 7
الشيوخ = وقع الخطأ والتصحيف، فقام الجهابذة النقاد يصنفون في هذا الفن بعينه، وغيره مما يشبهه كالمتفق والمفترق، وأوهام الجمع والتفريق، وغير ذلك، مما كان لصاحب كتابنا هذا الإمام الخطيب السبق فيه.
وسأذكر فيما يلي أشهر المصنفات التي طبعت ولها تعلق بهذا الفن.
стр. 8
المبحث الثاني: أشهر المصنفات في فن المؤتلف والمختلف (١):
فمن أشهر الكتب التي صنفت في هذا الفن:
١ - كتاب «مختلف أسماء القبائل ومؤتلفها» لأبي جعفر محمد بن حبيب بن أمية البغدادي ﵀ المتوفى سنة ٢٤٥ هـ وهو خاص بالمؤتلف والمختلف من أسماء القبائل، طبع قديمًا في مدينة جوتنجن، قام بنشره المستشرق وستنفلد سنة ١٨٥٠ م. ثم أعاد تحقيقه إبراهيم الإبياري، وطبعته دار الكتب الإسلامية، ودار الكتاب المصري - القاهرة، ودار الكتاب اللبناني -بيروت. ١٩٨٠ م.
٢ - كتاب «المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء» لأبي القاسم الآمدي ﵀ المتوفى سنة ٣٧٠ هـ. حققه الدكتور ف. كرنكو، وطبع في مكتبة القدسي مع كتاب معجم الشعراء للمرزباني، ثم أعاد تحقيقه عبد الستار أحمد فراج بعد خمس وعشرين سنة من طبعة كرنكو، في سنة ١٩٦١ م مستدركًا عليه أشياء، مُبَرِّئًا له ومُلْقِيًا باللوم على الناشر الذي اعترف أن كرنكو قد وافاهم بتصويبات واستدراكات أغفلوا كثيرًا منها. وفي طبعة فراج كذلك بعض الأخطاء إذ قد اعتمد نفس النسخة الخطية التي اعتمدها كرنكو.
وقد نقل الخطيب ﵀ الكثير من الأسماء والأشعار من هذا الكتاب مضبوطًا واضحًا، فصوبت أكثره ونبهت عليه، فليُنظر في موضعه.
٣ - كتاب «تصحيفات المحدثين» لأبي أحمد العسكري الحسن بن
_________
(١) ينظر كتاب «فتح المغيث» للسخاوي (٤/ ٢٢٩)، وكذلك مقدمة العلامة المعلمي اليماني لتحقيقه لكتاب «الإكمال» لابن ماكولا.
стр. 9
عبد الله بن سعيد بن إسماعيل ﵀ المتوفى سنة ٣٨٢ هـ. قام بتحقيقه الدكتور محمود أحمد ميرة سنة ١٩٨٢ م، ونشرته المطبعة العربية الحديثة بالقاهرة. وهو يذكر ما وقع للمحدثين والرواة من تصحيفات في الأسماء والكلمات. ويصوبها.
٤ - كتاب «المؤتلف والمختلف» لإمام الحديث والعلل الحافظ أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني ﵀ المتوفى سنة ٣٨٥ هـ. وهذا الكتاب أحد كتابين كملهما الخطيب البغدادي وصنف في تكميلهما كتابه «المؤتنف». وقد طبع عن دار الغرب الإسلامي سنة ١٩٨٦ م بتحقيق الدكتور موفق بن عبد القادر، وهو كتاب مرتب على حروف المعجم، يذكر في كل حرف من الأسماء التي يقع فيها الإتلاف، وهي مختلفة، ويقدم ترجمة مختصرة جدًا لكل راو، وأحيانا يسند له حديثًا.
وقد ضاع أول الكتاب كما ضاع أيضًا أول كتاب الخطيب، فالكتاب يبدأ من أثناء حرف الباء.
٥ - كتاب «المؤتلف والمختلف» لأبي محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي ﵀ المتوفى سنة ٤٠٩ هـ. وهو الكتاب الثاني الذي أكمله الخطيب واستدرك عليه مع كتاب الدارقطني الذي مر ذكره آنفا.
وقد طبع الكتاب عن دار الغرب الإسلامي أيضًا سنة ٢٠٠٧ م بتحقيق مثنى محمد حميد الشمري، وقيس عبد إسماعيل التَّمِيمي. وأشرف عليه وراجعه: الدكتور بشار عواد معروف. وهو ككتاب الدارقطني في ترتيبه، إلا أنه أخصر منه.
يقول الإمام السخاوي ﵀ في فتح المغيث (١): «والتصانيف فيه كثيرة -
_________
(١) (٤/ ٢٢٩).
стр. 10
يعني في المؤتلف والمختلف- فصنف فيه أبو أحمد العسكري، لكنه أضافه إلى كتاب التصحيف له، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد؛ ولذا كان أول من صنف فيه، وله فيه كتابان: أحدهما: في مشتبه الأسماء، والآخر: في مشتبه الأنساب، ثم شيخه الدارقطني … ».
لذا فقد خصهما الخطيب ﵀ دون غيرهما بالاستدراك والإكمال.
وكما مر آنفًا أنه وإن كان على نفس نهج الدارقطني في التصنيف فإنه أخصر منه فلا يطيل في الترجمة، ولا يكاد يسند فيها شيئًا إلا يسيرًا، وقد افتتح كتابه بقوله: «حدثنا أبو عمران موسى بن عيسى الحَنِيفي، قال: سمعت أبا إسحاق النَجِيْرَمِي إبراهيم بن عبد الله يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس؛ لأنه شيءٌ لا يدخله القياس ولا قَبله شَيءٌ يَدُلُّ عليه، ولا بعده شيءٌ يدل عليه».
٦ - كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للإمام الخطيب البغدادي ﵀ المتوفى سنة ٤٦٣ هـ. وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عنه بالتفصيل في مبحث مستقل.
٧ - كتاب «الإكمال في رفع عارض الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب» لسعد الملك، أبي نصر عليِّ بن هبة الله بن جعفر بن ماكولا الأمير ﵀ المتوفى سنة ٤٧٥ هـ. وهذا الكتاب من أجمع المصنفات التي وصلتنا في هذا الباب.
يقول الأمير ابن ماكولا في مقدمة كتابه الإكمال: «فإني لما نظرت في كتاب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الذي سماه «تكملة المؤتلف والمختلف» لكتاب أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني في المؤتلف والمختلف، ولكتابي عبد الغني بن سعيد الأزدي في المؤتلف والمختلف،
стр. 11
ومشتبه النسبة، وجدته قد أخل بأشياء كثيرة لم يذكرها، وكرر أشياء قد ذكراها، أو أحدهما ونسبهما إلى الغلط في أشياء لم يغلطا فيها، وترك أغلاطًا لهما لم يُنَبِّه عليها، ووهم في أشياء مما استدركه سَطَّرَها على الغلط.
فآثرتُ أن أعمل في هذا الفن كتابًا جامعًا لما في كتبهم وما شَذَّ عنها وأُسْقِط ما لا يقع الإشكال فيه مما ذكروه، وأذكر ما وَهِم فيه أحدهم على الصحة وما اختلفوا فيه وكان لكل قول وجه ذكرته … ».
ومن هنا يستبين لنا أهمية كتاب الأمير ابن ماكولا ﵀ في تحقيق كتاب الخطيب، إذ هو -أعني المؤتنف- مادته ومرجعه.
وقد رتب الأمير ابن ماكولا ﵀ كتابه على حروف المعجم فيقول: «ورتبته على حروف المُعجم، وجعلت كلَّ حرف أيضًا على حروف المعجم وبدأت في كل باب بذكر مَنْ اسمُه مُوافق لترجمته، ثم بمَن كُنيته كذلك، ثم أتبعته بذكر الآباء والأجداد، وقدمت في كل صِنف الصحابة، وأتبعتهم بالتابعين وتابعيهم إن كانوا في ذلك الباب، وإلا الأقدم فالأقدم من الرواة، ثم جعلت بعد ذكر من له رواية، الشعراء والأمراء والأشراف في الإسلام والجاهلية، وكل من له ذكر في خبر من الرجال والنساء، وختمتُ كلَّ حرف بمشتبه النسبة منه؛ ليقرب إدراك ما يطلب فيه ويَسْهُل على مبتغيه».
وقد ظهر لي بوضوح أثناء تحقيقي لكتاب المؤتنف ومراجعتي لكتاب الإكمال -إذ قد ربطت جميع تراجم المؤتنف التي ذكرها ابن ماكولا في الإكمال به- أن ابن ماكولا قد استقى التراجم من كتاب المؤتنف مع تصرف يسير في العبارة، دون إشارة إلى أنها من عند الخطيب إلا في مواضع يسيرة، وقد يُتَوهم أن المادة من جمع ابن ماكولا، والحق أنها من عند الخطيب.
ويمتاز كتابُ ابن ماكولا أنه من أجمع الكتب لهذا الفن، مع عنايته
стр. 12
لضبط الأسماء بالعبارة في مواضع كثيرة، إلا أنه أسقط أبوابًا ظنًا منه أن اللبس فيها مأمون. بالإضافة أنه جرد الكتاب من الأسانيد ولم يثقلها بذلك، مع ما في ذكرها وروايتها من الفوائد، والتي امتاز بها كتاب الخطيب أعني: المؤتنف.
٨ - هذا وقد صنف ابن ماكولا كتابًا آخر ذكر فيه الأوهام التي وقع فيها الأشياخ الثلاثة: الدارقطني، والأزدي، والخطيب وَسَمَه ب «تهذيب مستمر الأوهام على ذوي المعرفة والأفهام». وقد طبع سنة ١٤١٠ هـ عن دار الكتب العلمية. بتحقيق سيد كسروي حسن. وهي طبعة سقيمة اعتمد فيها المحقق على نسخة مكتبة فيض الله، وهي نسخة متوسطة الجودة، وبها سقط في بعض المواضع، وقد رجعت في مواضع كثيرة لنسخة تشستربيتي للخلل الموجود في المطبوعة المذكورة، ونسخة تشستربيتي أتقن وأتم.
وقد استفدت من هذا الكتاب إفادة جليلة وهي أن الأمير قد ذكر لنا في مقدمته: مقدمة الإمام الخطيب لكتابه المؤتنف -والتي فقدت مع ما فقد من الكتاب- وأبان لنا مقصد الخطيب ومنهجه في كتاب المؤتنف.
وقد ذكرت المواضع التي استدركها ابن ماكولا في تهذيبه في موضعها من كتاب المؤتنف.
٩ - كتاب «تكملة الإكمال» للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي المعروف بابن نقطة ﵀ المتوفى سنة ٦٢٩ هـ. وقد طبع بتحقيق الدكتور عبد القيوم عبد رب النبي سنة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م عن جامعة أم القرى- مكة المكرمة.
وهو استدراك على كتاب ابن ماكولا: «الإكمال» يقول ابن نقطة: «أما بعد فاعلم وفقك الله للخيرات أني نظرت في كتاب الأمير أبي نصر علي بن
стр. 13
هبة الله بن علي بن جعفر الحافظ المعروف بابن ماكولا، الذي جمع فيه كتب الحفاظ المتقدمين، وصار قدوةً وعَلمًا للمحدثين وعُمدة للحفاظ المتقنين وفاصلًا بين المختلفِين ومُزِيلًا لشُبه الشك عن قلوب المرتابين، فوجدته قد بَيَّض فيه تراجم، واسْتُشهِد ﵀ قبل أن يلحقها، ومواضع قد ذكر فيها قومًا وترك آخرين يلزمه ذكرهم، ولم يبيض لهم، وتراجم قد نقلها ثقةً بمن تقدَّمه من غير كشف، والصواب بخلافها، وأخرى كان الوهم مِنْ قِبَله فيها، ثم قد حَدَثَت مِنْ بَعدِه تَراجِمُ لها من أسماء المتقدمين ونسبهم ما يشتبه بها، فاستخرت الله في جمع أبواب تشتمل على ما وصل إليَّ من ذلك وسطرتها على وضع كتابه، وأتبعنا كل حرف بمشتبه النسبة فيه».
١٠ - كتاب «تكملة إكمال الإكمال» للحافظ جمال الدين أبي حامد محمد بن علي المحمودي المعروف بابن الصابوني المتوفى سنة ٦٨٠ هـ. وهو من مطبوعات المجمع العلمي العراقي - بتحقيق الدكتور مصطفى جواد. سنة ١٣٧٧ هـ.
وهذا الكتاب ذيل واستدراك على كتاب ابن نقطة المذكور قبله.
١١ - كتاب «المشتبه في الرجال: أسمائهم وأنسابهم» للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز المعروف بالذهبي ﵀ المتوفى سنة ٧٤٨ هـ. طبع سنة ١٨٨١ م بمطبعة بريل في ليدن، ثم طبع في الدار العلمية- الهند- سنة ١٩٦٣ م بتحقيق علي محمد البجاوي.
يقول الإمام الذهبي: «هذا كتاب مبارك، جَمُّ الفائدة في معرفة ما يشتبه ويُتَصَحَّف من الأسماء والأنساب والكنى والألقاب مما اتفق وَضْعًا، واختلف نُطقًا، ويأتي غالبه في الأسانيد والروايات، اخترته وقربت لفظه وبالغت في اختصاره بعد أن كنت علقت في ذلك كلام الحافظ عبد الغني بن
стр. 14
سعيد الأزدي، في المشتبه والمختلف، وكلام الأمير الحافظ أبي نصر ابن ماكولا، وكلام الحافظ أبي بكر ابن نقطة، وكلام شيخنا أبي العلاء الفرضي وغيرهم، وأضفت إلى ذلك ما وقع لي أو تنبهت له … ».
١٢ - كتاب «توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم» للإمام محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد القيسي الدِّمَشقِي الشافعي، شمس الدين، المعروف بابن ناصر الدين ﵀ المتوفى سنة ٨٤٢ هـ. وهو شرح حافل على مشتبه الذهبي المذكور قبله أصدرته مؤسسة الرسالة سنة ١٩٩٣ م - بتحقيق محمد نعيم العرقسوسي.
يقول ابن ناصر الدين: «فإن كتاب المشتبه في الرجال أسمائهم وأنسابهم، الذي ألفه في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة الإمام الحافظ الكبير، الثقة الحجة، شيخ المحدثين، عمدة المؤرخين، أبو عبد الله الذهبي ﵀، كتاب مشتمل على فوائد، محتو على نفائس فرائد، ليس له في مجموعه نظير، لكن اختصاره أدى إلى التقصير، وقد صرح بالمبالغة في اختصاره مؤلفه، وأحال فيه على ضبط القلم من خط من يتقنه ويعرفه … إلى أن قال: فأوضحت -ولله الحمد- ما أهمله، وبينت ما أجمله، وفتحت ما أقفله، وأفصحت عما أغفله، ورفعت في بعض الأنساب، ونبهت على الصواب مما وقع خطأ في الكتاب، غير أني لم أحول ترجمة من تبويبه، وإن كان نقلها إلى محلها أَفْيَد في ترتيبه؛ غَيْرةً على تغيير التصنيف، وفَرَقًا من تفريق التأليف، وفصلت ب (قلت) الزيادة، وب (قال) كلام المصنف ومراده، فصار الكتاب - ولله الحمد والمِنَّة - كافيًا في بابه، مُسعِفًا بغرض طلابه».
١٣ - كتاب «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» للحافظ الكبير قاضي القضاة شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر
стр. 15
الكناني العسقلاني ﵀ المتوفى سنة ٨٥٢ هـ. طبع الكتاب بتحقيق علي محمد البجاوي، عن الدار العلمية بالهند سنة ١٩٨٦ م الطبعة الثانية.
وهو أيضًا شرح لكتاب الذهبي «المشتبه» وفي ذلك يقول الحافظ: «فإنني لما علَّقت كتاب المشتبه الذي لخصه الحافظ الشهير أبو عبد الله الذهبيِّ ﵀ وجدتُ فيه إعوازاً من ثلاثة أوجه:
أحدها، وهو أهمّها: تحقيقُ ضَبْطه، لأنه أحال في ذَلِكَ عَلَى ضبط القلم، فما شفى من ألَم.
ثانيها: إجحافه في الاختصار، بحيث إنه يعمد إلى الاسمين المشتبهين إذا كَثَرَا فيقول في كل منهما: فلان وفلان وفلان وغيرهم، وهذا لا يَروِي الغُلَّة، ولا يَشْفِي العِلَّة، بل يُبقِي اللبس عَلَى المستفيد كما هو، وكان ينبغي أن يستوعب أقلّهما.
وثالثها -وفيه ما لا يرد عليه إلا أن ذَلِكَ من تَتِمَّة الفائدة-: ما فاته من التراجم المستقلَّة التي لم يتضَمَّنَها كتابُه مع كونها في أصل ابن ماكولا، وذَيل ابن نقطة اللذين لخَّصَهما، وزاد من ذَيل أبي العلاء الفرضي وغيره ما استُدرك عليهما، فاستخرْت الله تعالى في اختصار ما أسهب فيه، وبَسْط ما أجحف في اختصاره، بحيث يكون ما أقتصرُ عليه من ذَلِكَ أزيد من حجمه قليلاً. فأعان الله عَلَى ذَلِكَ، وله الحمد».
قال الشيخ المعلمي اليماني ﵀ في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن ماكولا، وهو يتحدث عن كتاب ابن حجر تبصير المنتبه-: «والكتابُ نفسُه فيه مواضع دون مستوى المؤلف؛ وذلك للاستعجال وكثرة الأعمال والحرص على الاختصار».
قلت: فهذه أشهر المصنفات المطبوعة في هذا الفن والتي عليها المُعَوَّل
стр. 16
والمرجع عند الحاجة. اقتصرت عليها دون غيرها، وإلا فهناك مصنفات أخرى لم تطبع إلى الآن، أحيل القارئ فيها على كتاب فتح المغيث في الموضع الذي ذكرته قبل ذلك في الحاشية، وعلى مقدمة الشيخ اليماني لكتاب الإكمال لابن ماكولا.
стр. 17
المبحث الثالث: التعريف بكتاب المؤتنف ومنهج الخطيب في تصنيفه وأهميته:
لقد تميز الإمام الخطيب عن علماء عصره، بل وعن من تَقدَّمه من علماء الحديث باهتمامه البالغ بالتصنيف في هذا الفن من فنون علم الحديث، والذي يُعنى برفع الالتباس والاشتباه والوَهَم الذي يمكن أن يقع في الرواية بسبب الكتابة والنقل من الكتب.
بل لا نبالغ إذا قلنا أنه لم يُصَنِّف أحدٌ من أهل العلم كتصانيف الخطيب ﵀ في هذا الباب، وقد صَنَّف في ذلك:
١ - المتفق والمفترق: والذي يقول في أوله: «فإني ذَاكرٌ في كتابي هذا نوعًا من عِلم الحَدِيث قد يَقَع الإشكالُ في مِثله على من لم تَرتفع في العلم رُتبتُه ولم تَعْلُ في تدبيره طبقته، وهو بيان أسماء وأنساب وردت في الحديث مُتَّفِقَة مُتَمَاثِلة، وإذا اعْتُبِرَت وُجِدَت مُفْترقَة مُتَباينة، فلم يُؤْمَن وقوعُ الإشْكَال فيها ولو في بعضها؛ لاشتباهِها وتَضَاهِيها، وقد وَهِم غَير وَاحِد مِنْ حَمَلة العِلم المعروفين بحسن الحفظ والفهم في شيء من هذا النوع الذي ذكرناه، فَحَدانا ذلك على أن شرحناه ولخصناه … ».
٢ - تلخيص المتشابه في الرسم: والذي تلى في التصنيف سابقه، فيقول الخطيب ﵀ في افتتاح التلخيص: «ثم إني رسمت في هذا الكتاب، بتوفيق الله وعونه من أسماء المحدثين وأنسابهم، ومن الأسماء والأنساب التي يُدَوِّنونها في كُتبهم ما تشتبه صورتُه في الخط دون اللفظ، مُفْرِدًا عما يقع الاتفاق فيه حال النطق به، والكتب له، إذ كنا قد فرغنا قبلُ من ذلك النوع في كتابنا الذي ألفناه في المتفق والمفترق.
وقد جعلت هذا المرسوم فصولا خمسة، كل فصل منها يشتمل على
стр. 18
أبواب عدة، يتضمن كل باب تراجم كثيرة. في الفصل الأول: ما تشتبه صورته في الخط وتتفق حروفه في الهجاء. وفي الفصل الثاني: ما يشتبه في الخط وهجاء بعض حروفه مختلف. وفي الفصل الثالث: ما كان في بعض حروفه تقديم على بعض مع اتفاقها في الصورة. وفي الفصل الرابع: ما يتقارب لإشتباهه وبعض حروفه مختلف في الصورة. وذكرت في الفصل الخامس: نوادر هذا الكتاب، ولخصت جميع ذلك وقيدته بذكر لفظ حروفه وشكلها، وتسمية شيوخ المذكورين الذين سمعوا منهم، وخَالِفِيهم الذين صحبوهم، ونقلوا عنهم، وسياق بعض رواياتهم وأخبارهم».
٣ - تالي تلخيص المتشابه: والذ يقول في مقدمته له: «ولما انتهى فراغي من كتاب التلخيص -يعني الذي مر آنفًا- أتبعته بذكر ما يتفق من أسماء المحدثين وأنسابهم، غير أن في بعضه زيادة حرف واحد وأفردت له هذا الكتاب، وجعلته فصلين، ذكرت في الأول منهما: الزيادة في الأبناء دون الآباء. وفي الثاني: الزيادة في الآباء دون الأبناء، وقدمت في كل ترجمة ذكر الزائد على ما نقص عنه … ».
٤ - غنية الملتمس في إيضاح الملتبس: يقول في تقدمته له: «ثم إني وقفت على ما ذكرتَ من منازعة من نَازَعك في سليمان بن المغيرة، وسليمان بن أبي المغيرة، وقوله: إنهما رجل واحد، كما أن مَعْدان بن طلحة، هو ابن أبي طلحة، وسيف بن سليمان، هو: ابن أبي سليمان.
وسألتَ أن أبين لك صواب القول في ذلك، وقد أجبتك إلى سؤالك مُتَحرِّيا بلوغ غرضك ونيل مرادِك، وجمعت من نظائر هذا النوع في كتابي هذا، ما فيه غُنيةٌ لِمُلْتَمِسه، وباغِيه، ومنفعةٌ لسامعه ودَاعيه، بعد تقديمي بيان ما وقع النزاع فيه».
стр. 19
٥ - الموضح أوهام الجمع والتفريق: والذي يقول في مقدمته: «قد أوردنا في هذا الكتاب ذكر جماعة كثيرة من الرواة انتهت إلينا تسمية كل واحد منهم وكنيته والأمور التي يُعْزى إليها، كنسبته على وجوه مختلفة في روايات مفترقة، ذُكِرَ في بعضها حقيقةُ اسمه ونسبه، واقْتُصِر في البعض على شهرة كنيته أو لقبه، غير في موضع اسمه واسم أبيه وموه ذلك بنوع من أنواع التمويه، ومعلوم أن بعض من انتهت إليه تلك الروايات، فوقوع الخطأ في جمعها وتفريقها غير مأمون عليه، ولما كان الأمر على ما ذكرته بعثني ذلك على أن بينته وشرحته … ».
وهذه الخمسة الكتب المذكورة آنفًا قد وصلتنا والحمد لله من تراث الخطيب ﵀ وطبعت.
ومما لم يصلنا من تصانيفه ويتعلق بهذا الأمر:
كتاب «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب»، وكتاب «المكمل لبيان المهمل».
هذان الكتابان ذكرهما ﵀ في كتابنا هذا المؤتنف وفي غيره من تصانيفه وأحال عليهما في بعض المواضع.
ويأتي كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» ليختم به الخطيب ﵀ تلك المكتبة المباركة التي تركها لأمته من بعده، وإن كنت لا أستطيع الجزم بأن المؤتنف هو آخر ما صنف الخطيب ﵀ غير أني على يقين من أنه آخر ما قُرئ عليه قبل أن يلقى ربه تعالى؛ فإن السماعات التي جاءت على نسخته الفريدة مؤرخة في رمضان من العام الذي قُبِض فيه، وقبض هو في ذي الحَجة من نفس العام بعد مرض ابتدأه من نصف رمضان.
стр. 20
فأما تسمية الكتاب بالمؤتنف:
يقول ابن فارس (١): «أنف: الهمزة والنون والفاء، أصلان منهما يتفرع مسائل الباب كلها، أحدهما: أخذُ الشَيء من أولِه، والثاني: أنف كُلِّ ذي أنف. وقياسه التَحديد. فأما الأصل الأول، فقال الخليل: اسْتَأنفتُ كذا، أي: رجعت إلى أوله، وائْتَنَفتُ ائْتِنَافًا. ومُؤْتَنَف الأمر: ما يُبْتَدَأ فيه. ومن هذا الباب قولهم: فَعل كذا آنِفًا، كأنه ابْتِدَاؤُه».
ومن هذا يتبين لنا أن الخطيب ﵀ كأنه أراد أن يبتدأ ذكر المؤتلف والمختلف متخذًا في ذلك كتابيْ «المؤتلف والمختلف» لأبي الحسن الدارقطني، وأبي محمد الأزدي -رحمهما الله- أصلًا يكمل به هذه المادة الواسعة.
ومما يُتَأسف له أن قد فُقِد أَولُّ الكِتَاب كما يأتي ذلك في وصف النسخة، وضاع معه مقدمةُ الخطيب التي يبين فيها عن مَقصده، غير أن الله تعالى قد ألهم الإمام ابن ماكولا لذكر طرفًا من هذه المقدمة في مفتتح كتابه «تهذيب مستمر الأوهام» فقال ﵀: «فإنَّ أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ﵀ وكان أحدَ الأعيان مِمَّنْ شاهدناه معرفةً وإتقانًا وحِفظًا وضَبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتَفَنُّنًا في عِلله وأسانيده، وخِبرةً برُواتِه ونَاقِليه، وعِلمًا بصحيحه وغريبه وفَرْدِه ومُنْكَره وسَقِيمه ومَطْرُوحِه.
ولم يكن للبَغْدَادِيين بعد أبي الحسن عَلِي بن عُمر الدارقطني مَنْ يَجْري مَجْرَاه، ولا قَام بَعده بهذا الشأن سِواه.
وقد استفدنا كثيرًا من هَذا اليَسِير الذي نُحْسِنُه، وبه وعنه تعلمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عَنَّا الخيرَ ولَقَّاه الحُسنى
_________
(١) «مقاييس اللغة» (١/ ١٤٦).
стр. 21
ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين.
كان قد عمل بالشام كتابًا سماه «المؤتنف تكملة المؤتلف» ولما عاد إلى بغداد قَرَأ عليَّ شيئًا من أوله، مُغْرِبًا عليَّ به ومُعرِّفًا لي بما ضَمَّنه إياه، ومُعرِّفًا لي قدر ما تَيَسَّر له، وأنه قد استدرك فيه على أئمة هذا العلم أشياء تَمَّ عليهم السهوُ فيها، ونَبَّه على أشياء غَفلوا عنها ولم يحيطوا بها معرفةً، ووجدته كبيرًا فظننتُ أنه قد استوعب ما يُحْتَاج إليه في هذا المعنى ولم يدع بعده لمُتَتَبِّع حُكمًا.
ولما دَعاهُ رَبُّه (١) فأجاب، قال لي بعض المُتَشَاغِلين والمُعْتَنين بهذا العلم: لقد تَعِب الخَطِيبُ وأَتْعَب وتَعِب بما جَمَعَه، وأَتْعَب مَنْ أراد أن يعرف الحقيقةَ في اسمٍ؛ لأنه يحتاج أن يَطلبَه في كتاب الدارقطني، فإن لم يجده ففي كتابيْ عبد الغَنِي، فإن لم يجده ففي كتاب الخطيب، ثم يحتاج أن يفسر طبقاته أيضًا، فيمضي زمانه ضَياعًا ويَصِير ما أريد مِنْ إرشاده تضليلًا.
فلو أنك جمعتَ شَمْل هذه الكتب وجعلتها كتابًا واحدًا حُزتَ الثَواب ويَسَّرتَ على مبتغي العِلم الطِلَاب، وراجعني في ذلك مُراجعةً تحريت لها وأوجبت له فيها رعايةً لِحقِّه ورغبةً في مساعدته واغتنامًا للأجر في إفادة مسترشدٍ وتَعليم جَاهِل ومعرفة طالبٍ.
وبدأت بالنظر في كتاب الخطيب فوجدته يذكر في أوله: أنه قد جَمَع فيه من مُؤتَلِف أسماءِ الرُواة وأنسابهم ومُخْتَلِفها -ومما تتضمن كتب أصحاب الحديث من ذلك، وإن لم يكن المذكور راويًا مَشُهورًا- ما شَذَّ عن كِتَابَي أبي الحسن علي بن عُمَر، وأبي محمد بن عبد الغني بن سعيد المُصَنفِين في
_________
(١) قوله: «دعاه ربه» في المطبوعة اعتمادًا على نسخة فيض الله: (دعى به). ولا معنى لها، والمثبت و الذي يقتضيه السياق والله أعلم. وهذه الجملة في الخرم الموجود في نسخة تشستربيتي.
стр. 22
المؤتلف والمختلف وفي مشتبه الِنسبة، وأنه يذكر ما رُسِم فيهما أو في أحدهما على الوهم، ودَخل على مُدَوِّنِه فيه الخَطأ والسَهو، ويبين فيه صوابَه ويُورِد شَواهِدَه، ويَذكُر صَحيحَ ما اختلفوا فيه مِمَّا انتهى إليه علمه، ويُقِر ما أشكل عليه من ذلك لينسب كل قول إلى صاحبه، وجعله خمسة فصول:
أورد في الأول منها: ما لم يَذْكُراه ولا وَاحِدٌ منهما.
وفي الثاني: أَوْهَامَ كُتُبِهم.
وفي الثالث: ما أَغفَلاه مِمَّا أَوْرَدَا له نَظَائِر.
وفي الرابع: أشياءَ ذَكَراها وقَصَّرَا في شَرْحِها وإيْضَاحِها، فَبَيَّنها، وأَتَمَّ نُقْصَانَها.
وفي الخامس: ما أَوْرَدَاه مِنْ الأحاديث ناَزِلَةً، ووقَعَت له عَالِيةً … ».
ثم أخذ ابن ماكولا يتعقب الخطيب فيما أخل به.
والذي يعنينا أن ابن ماكولا قد أبان لنا مقصد الخطيب، ومنهجه في هذا الكتاب، فأما الفصلين الأول والثاني -المشتملين على الرواة الذين لم يذكرهما الدارقطني والأزدي -رحمهما الله-، وكذلك الأوهام التي وقعت لهما- فقد ضاعا جميعًا في رحلة الكتاب الطويلة التي سنذكرها بعد ذلك في مبحث مستقل.
والذي تَبَقَّى من الكتاب يبدأ من أثناء حرف الجيم من الفصل الثالث، والذي كما وصف ابن ماكولا حقًا فهو يذكر فيه تراجم الرواة الذين لم يذكراهم في كتابيهما وقد ذكرا لهم نظائر، لكن منهج الخطيب يختلف عن منهج الشيخين أعني: الدارقطني والأزدي، فإن الخطيب ﵀ لا يُخلِي ترجمة من ذكر رواية مسندة لصاحبها أو أكثر، وربما ناقش علل بعض الروايات، كما أنه يذكر في ترجمة الشعراء منهم قدرًا مناسبًا من شعره إن
стр. 23
وُجِد، وذلك الذي لم يلتزم به الشيخان في كتابيهما.
هذا والخطيب له عناية فائقة بضبط الأشعار التي أوردها في كتاب المؤتنف، وأكثرها من كتاب (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء) لأبي القاسم الآمدي، وكذلك بضبط الغريب الذي ورد في بعض النصوص الأدبية، والتي لا يكاد يخطئ القارئ أبدًا أن الخطيب كان مولعًا بالأدب، وشعره هو نفسه خير من ينبئك عن ذلك، وسيأتي بعضه في أثناء ترجمته.
كما أنه لم يقتصر في الفصل الثالث على ذكر من أغفلا ذكره وله عندهما نظائر وحسب، بل ربما ذكر بابًا لم يذكراه أصلا. بقوله بعد أن ينتهي من ذكر ما أغفلاه في الباب: ويلحق بهذا الباب …
وهذا الفصل، أعني الثالث هو الذي استغرق أكثر من ثلثي الكتاب المتبقي.
ثم يأتي الفصل الرابع من الكتاب والذي افتتحه الخطيب ﵀ بقوله: «ذِكرُ الفَصْل الرَابع مِنْ الكِتَاب، ويَشْتَمِلُ عَلى أَشياءَ غَامِضَةٍ قَصَّرَ الشَّيْخَان في بيانها، فَشَرَحْنَاها وَأوْضَحناهَا، وأَشْياءَ كَانَا بَيَّنَاهَا، وعَرفْنا فِيها زِيادَةً يَسْتَفِيدُها طَلَبةُ العِلم فَذَكَرْنَاها».
ثم الفصل الخامس من الكتاب والذي عنونه بقوله: «ذِكْرُ الفَصْل الخَامِس مِنْ الكتاب، وهو المُشْتَمِل على الأَحَادِيثِ التي رَواها الشَّيخَان، أو أَحَدُهُما نَازِلَةً، وَوَقَعَتْ إِلَيْنَا عَالِيَةً، والأَحَادِيثِ التي لم يَذْكُرَاها، ويَسْتَفِيدُهَا الطَّلَبَة، لِعُلُوِّها أو ضِيْقِ طُرُقِهَا».
وبالفصلين الأخيرين تظهر موهبة الخطيب الإسنادية، ومعرفته بالعلل ومراتب نقد الروايات، والضبط العالي لألفاظ متون الحديث وذلك مع ضبط رواته.
стр. 24
وإني حقًا أستشعر في هذا الكتاب نضج الملكة العلمية عند الخطيب، والذي جعلني أرجح أنه من آخر الكتب التي صنفها ﵀، والله تعالى أعلى وأعلم.
وترجع أهمية كتاب المؤتنف إلى عدة أمور، منها:
- أنه حفظ لنا نصوصًا كثيرة من مصنفات عدة، إما فُقِدَت أو جاءت محرفة مصحفة، ككتاب المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء للآمدي، وكتاب جمهرة نسب قريش للزبير بن بكار، وكتاب المعرفة والتاريخ للفسوي، وكتاب الزهد لابن أبي حاتم، وعدة من كتب ابن أبي الدنيا، وكتاب الفوائد لتمام الرَّازِي، ومعاجم الطَّبَراني الثلاثة ومسند الشاميين له، وكتب شيخه أبي نعيم الأصبهاني، وغير ذلك مما أشرنا إليه في موضعه. والمفقود منها كتاريخ بخارى لغنجار، وبعض كتب الخطيب التي لم تصلنا.
- ضبط كثير من النصوص التي تميز الخطيب بعنايته بهذا الشأن سواء ظبطه للأعلام أو لألفاظ المتون.
- يعد كتاب الخطيب (المؤتنف) هو الأصل الذي اعتمد عليه ابن ماكولا في تصنيفه لكتاب الإكمال، بل لا أبالغ إن قلت: إنه صورة مختصرة من المؤتنف محذوفة الأسانيد.
- حفظ لنا كثيرًا من الأسانيد التي لا توجد في مكان آخر إلا عنده، فهو الإمام الرحالة المكثر.
- كون النسخة بخط مصنفها الإمام الخطيب، هذا وحده يجعل للكتاب أهمية فائقة، في الاطمئنان إلى ما جاء فيه.
стр. 25
المبحث الرابع: قصة كتاب المؤتنف ورحلته:
ولهذا الكتاب قصة لا يسعني إغفالها والحديث عنها، فهي قصة ذو شجون، تشبه قصة صاحب الكتاب، بل تشبه قصة أمتنا التي أضحت غريبة أسيرة.
فالخطيب البغدادي ﵀ خرج إلى دمشق بعد فتنة البَسَاسِيري كما سيأتي مُفَصَّلًا في ترجمته سنة أربعمائة وإحدى وخمسين، وأقام بدمشق مدة إلى أن اضْطُر للخروج منها أيضًا إلى صُور سَنة أربعمائة وتسع وخمسين، وأقام بصور إلى سنة أربعمائة واثنتين وستين، ثم حداه الشوق للرجوع إلى بلده بغداد وكأنه شعر بدنو أجله.
وكتاب المؤتنف -كما سيأتي في وصف نسخته الفريدة- أشبه بالمُسَوَّدة التي لم تُبَيَّض، والسماع الأول للكتاب والمدون على أواخر الأجزاء لم يكن إلا لرفيقه إلى بغداد في رحلة العودة الشيخ أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشِيحِي (١)، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج
_________
(١) قال الإمام الذهبي في «السير» (١٩/ ١٥٢): الإمام، المحدث، الجوال، الصدوق، أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن شهدانكه الشيحي، ثم البغدادي، الفقيه، المالكي، النصري، من محلة النصرية، التاجر، السفار. قال غيث بن علي: قال لي: ولدت في سنة ٤٢١ هـ، وسمعت في سنة ٤٢٧ هـ.
سمع: أبا بكر أحمد بن محمد بن الصقر، وأبا منصور محمد بن محمد بن السواق، وغيرهما، وكتب بخطه أكثر تصانيفه.
حدث عنه: الخطيب - شيخه - وأبو السعود المجلي، وغيرهما.
سئل عنه إسماعيل بن محمد الحافظ، فقال: شيخ جليل فاضل ثقة.
وقال أبو عامر العبدري: كان من أنبل من رأيت وأوثقه.
وقال أبو علي بن سكرة: كان فاضلا نبيلا كيسا ثقة، وكان عنده أصل أبي بكر الخطيب (بتاريخ بغداد)، خصه به. قال السمعاني: هو الذي نقل الخطيب إلى العراق، = =فأهدى إليه (تاريخه) بخطه.
وقال البرداني: كان أمينًا سريًا متمولًا، كتب كثيرًا، مات في جمادى الأولى، سنة تسع وثمانين وأربع مائة. اه بتصرف يسير من «سير أعلام النبلاء» للذهبي.
стр. 26
القارئ (١) البغداديان. وكاتب السماع هو الشيخ أبو منصور نفسه، وكان ذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائة بثغر صور.
ثم لما عاد إلى بغداد قرئ عليه الكتاب مرة أخرى في السنة التي مات فيها، بسماع أبي منصور وغيره الكثير مما سنورده عند ذكر السماعات.
فأرجح والله أعلم أن الخطيب ﵀ قد صنف «المؤتنف» في غربته الثانية بصور.
وما إن عاد إلى بغداد حتى وافته المنية بعد عام واحد من قدومه إليها، وكان أوصى بكتبه إلى الإمام، العالم، الحافظ، المسند، الحجة، أبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون البغدادي، المقرئ المتوفى سنة ٤٨٨ هـ ﵀ (٢). فكان يعيرها للطلبة للإفادة منها، فلما مات صارت إلى ابنه الفضل، واحترق بعضها في داره، ولعل القدر الناقص من أول كتاب المؤتنف -والذي سأذكر قدره تقريبًا عند الكلام عن وصف النسخة- قد احترق في هذه
_________
(١) قال الإمام الذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٨٢٤) -بتصرف يسير-: سمع أبا علي بن شاذان، وأبا محمد الخلال، وعبيد اللَّه بن عمر بن شاهين وأبا بَكْر الخطيب بدمشق؛ وعبد العزيز بن الحسن الضراب، وغيرهم. وخرج له الحافظ أبو بكر الخطيب خمسة أجزاء مشهورة مروِية.
روى عَنْهُ ابنه ثعلب، وإسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، وغيرهم. وكتب بخطّه الكثير، وصنَّف كتاب «مصارع العشاق»، وكتاب «حكم الصبيان»، وكتاب «مناقب السودان»، ونظم الكثير في الفقه، واللّغة، والمواعظ، وشعره حلو سهل في سائر فنون الشعر، وكان لَهُ اعتناء بالحديث، انتخب السِّلَفيّ من كتبه أجزاء عديدة.
وحدَّثَ ببغداد، ودمشق، ومصر. قال شجاع الذُّهْلي: كان صدوقًا، ألّف في فنون شتى. توفي سنة ٥٠٠ هـ في صفر.
(٢) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ١٠٥).
стр. 27
الحادثة (١).
ويلاحظ من السماعات المدونة على الكتاب أن الكتاب كان يتداول بين طلبة العلم آنذاك، فأكثر السماعات الموجودة كان على الإمام عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحَسَن بن بُنْدار، الحافظ، أبو البركات الأنْماطيّ المتوفى سنة ٥٣٨ هـ. وكذلك الورقة الأخيرة من الكتاب هي بخط الأنماطي ذكر هو ذلك كما سيأتي في وصف النسخة، فالكتاب إذن إلى هذه السنة كان في بغداد، فالأنماطي شيخ بغداد ومفيدها (٢).
ولا يزال الكتاب ببغداد، فيظهر لنا كذلك في السماعات أن الكتاب قرئ على أبي المعالي الفضل ابن سهل بن بِشر بن أحمد الإسفراييني المعروف بالأثير الحلبي المتوفى سنة ٥٤٨ هـ ببغداد.
وتشير وريقة من الوريقات -التي ملأ بها الخطيب كتابه، واستفاد عالم من العلماء فراغًا فيها فكتب استدراكًا على الخطيب (٣) - أن النسخة إلى سنة ٥٧٥ هـ كانت لا تزال في بغداد، وهي السنة التي توفي فيها ذلك العالم وهو: عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي أبو المحاسن القرشي الدِّمَشقِي الحافظ، فإن الذهبي ذكر في المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي (١٥/ ٢٨٣) أنه قال عن عمر بن علي هذا: «عالم ثقة عني بطلب الحديث وسماعه وكتابته وسمع بدمشق وحلب وحران والموصل … وقدم بغداد فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة فاستوطنها … ».
_________
(١) وهذا الظن قد راح هباءً إذ أن الحافظ ابن حجر قد نقل موضعًا في «لسان الميزان» (٢/ ٢٦١) من القدر المفقود، وذلك في القرن التاسع بمصر. فيبدو أن الكتاب سلم من الحريق وجاء مصر تاما.
(٢) ينظر: «تاريخ الإسلام» (١١/ ٦٨٥).
(٣) سأذكر ذلك في وصف النسخة.
стр. 28
وينقضي ثلاثة قرون لا نعلم عن الكتاب شيئًا، ولا إلى أين حط به رحله، فإذا بالحافظ أبي شهاب أحمد بن علي العسقلاني المصري المعروف بابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ يقول في كتابه «لسان الميزان» (٦/ ٣١٢) في ترجمة غياث بن كلوب (١): «وأبوه بالكاف ورأيته بخط الحسيني بالحاء المهملة والصواب بالكاف كذا قرأته بخط الخطيب في المؤتلف وكناه أبا المثنى، فالله أعلم».
وقال في (٧/ ٣٩): «ووجدت بخط الحافظ أبي بكر الخطيب في كتاب المؤتلف له: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمر بن عيسى البلدي … » (٢).
وقال في كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة» (٢/ ١٧٣) في ترجمة جحدم الحُمسي: «بضم المهملة، وسكون الميم بعدها مهملة، كذا قرأته بخط الخطيب في المؤتلف» (٣).
وقال في (٤/ ٤٨٦): «سنبر بوزن جعفر بنون وموحدة الإراشي بكسر الهمزة وتخفيف الراء وبالمعجمة رأيته بخط الخطيب مضبوطا … وذكره الخطيب في المؤتلف لكنه قال الأبواشي قرأت ذلك بخطه» (٤)
وقال في (١٠/ ٢٢٢) في ترجمة معاوية بن حزن: «كذا بخطه -يعني الخطيب- معاوية بن حزن مجودة وعمل على حزن ضبة» (٥).
وأكتفي بذكر هذه المواضع من كتب ابن حجر ﵀ وهناك مواضع أخرى لكن قد تمت الفائدة بذلك، فالكتاب إذن قد استقر بمصر إلى القرن التاسع كاملا.
_________
(١) ينظر ترجمته في هذا الكتاب رقم (١٠١٤).
(٢) ينظر حديث (١٠١٤).
(٣) وهذه الترجمة مما ضاع من الكتاب.
(٤) ينظر ترجمة (٦٧٥).
(٥) وهي في النسخة كذلك كما أشار الحافظ وينظر ترجمة رقم (٩٥٠).
стр. 29
ولا نعلم بعد ذلك مصير الكتاب إلى أن وقع أسيرًا في يد أعداء هذه الأمة من أجهزة الاستشراق، والكلام عن ذلك طويل الذيل واللصوص كُثُر، والذي يعنينا هنا هو لص واحد والذي حُفِظ كتاب الخطيب -بعد أن ضاع نصفه الأول تقريبًا- تحت اسمه.
ألويس اشبرنجر.
يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عنه في «موسوعة المستشرقين» (ص ٢٨): «مستشرق نمساوي الأصل، ثم تجنس بالجنسية الإنجليزية، واشتهر بكتابه عن حياة النبي محمد ﷺ .
ولد ألويس اشبرنجر، ابن كرستوفر اشبرنجر، في قرية ناسريت في منطقة التيرول جنوبي النمسا، في يوم ٣ سبتمبر سنة ١٨١٣ م.
وتلقى دراسته الثانوية في مدرسة في انسبروك، وانتقل منها إلى جامعة فيينّا في سنة ١٨٣٢ م، ودَرَس الطب واللغات الشرقية، وكان أساتذته في اللغات الشرقية هم همّر يورجشتل، وروزنتسفايج.
وفي سنة ١٨٣٦ م سافر إلى باريس، ومن هناك سافر في نفس السنة إلى لندن حيث اشترك في المشروع الذي اقترحه إيرل أوف مونستر عن علم الحرب عند المسلمين.
وفي سنة ١٨٣٨ م حصل على الجنسية البريطانية (١). وفي ١٢ يونيو سنة
_________
(١) يقول الدكتور عمرو حمزاوي في مقال نشر على الإنترنت: «وبعد التنقل لسنوات بين أكثر من مدينة أوروبية ونشر أكثر من بحث عن «لغات وشعوب الشرق»، غادر شبرنجر إلى الهند. غير أنه لم يأتها «معجبا بالصحوة الإسلامية ثم باحثا فيها»، بل وصلها لإعداد أطروحته للدكتوراه عن «الخدمة الطبية لشركة الهند الشرقية» وسرعان ما أسقط الأطروحة من حساباته والتحق مستغلا معارفه اللغوية بالإدارة الاستعمارية البريطانية فى الهند، تحديدا بإدارة التعليم الاستعمارية. كان شبرنجر إذا نمساويا ومستشرقا عمل في خدمة الاستعمار البريطاني فى الهند فى أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، علما بأنه جال فى السنوات الأولى من خمسينيات القرن التاسع عشر على مصر وسوريا والعراق وعمان جمعا للمخطوطات العربية النادرة. وعندما غادر «الشرق» فى ١٨٥٦ عاد إلى أوروبا والتحق كأستاذ بجامعة برن السويسرية وبها درس الأدب العربى ومعارف اللغة العربية والأوردية بين ١٨٦١ و ١٨٨١ قبل أن يقضى سنوات عمره الأخيرة في ألمانيا ومنها واصل كتاباته عن الشرق ودينه ولغاته … ».
стр. 30
١٨٤١ م حصل على درجة الماجستير في اللاهوت. من جامعة ليدن (بهولنده) برسالة عنوانها: (أوليات الطب العربي في عهد الخلافة).
وفي سنة ١٨٤٢ م ترجم (مروج الذهب) للمسعودي (لندن سنة ١٨٤١ م) لكن لم يصدر إلاّ مجلد واحد فقط.
وعُيِّن في القسم الطبي لشركة الهند الشرقية في كلكتا، التي وصلها في مستهل سنة ١٨٤٣ م.
وفي سنة ١٨٤٤ م عين عميداً للكلية الإسلامية في دلهي، وظل في هذا المنصب أربع سنوات، أصدر خلالها الكتب التالية:
تحقيق كتاب (اصطلاحات الصوفية) لعبد الرزاق الكاشاني (كلكتا، سنة ١٨٤٤ م)، وغيره.
وفي ٦ ديسمبر سنة ١٨٤٧ م عين مقيماً مساعداً إضافياً في مدينة لوكنو. فتوفر ها هنا على فهرسة المخطوطات الموجودة في مكتبات ملك أود. لكنه لم يصدر غير المجلد الأول، وفيه فهرست مخطوطات الشعر الفارسي والهندوستاني (كلكتا، سنة ١٨٥٤ م في قطع الربع).
وقام بترجمة (كلستان) للشاعر الفارسي العظيم مشرف الدين سعدي. وصدرت هذه الترجمة في ١٨٥١ م، وتدل على تمكّنه التام من ناصية اللغة الفارسية. وتقديراً له على هذا العمل أهدى إليه الشاه فيلاً.
وشرع اشبرنجر في التحضير لمؤّلفه الرئيسي وهو «حياة محمد». فسافر إلى مصر، والشام، والعراق للاطلاع على المخطوطات المتعلقة بسيرة النبي العربي.
стр. 31
وقد صدر القسم الأول من كتابه عن سيرة النبي تحت عنوان: في مدينة الله أباد في سنة ١٨٥١ م.
وكان اشبرنجر قد ترك لوكنو في أول يناير سنة ١٨٥٠ م، ثم أمضى سنوات ١٨٥١ م ١٨٥٤ م في كلكتا مترجماً من اللغة الفارسية إلى الإنجليزية لدى حكومة البنغال، وعميداً للكلية الإسلامية في هوجلي ولما يسمى (المدرسة) في كلكتا.
وعمل بضع سنوات واحداً من السكرتيرين في جمعية البنغال الآسيوية، وظل عضواً شرفيِّا فيها حتى وفاته.
ثم ترك الهند نهائياً في ١٨٥٧ م، واستقر به المقام أولاً في فاينهيم، ثم في هيدلبرج في ألمانيا. وفي أثناء مقامه في فاينهيم صنف فهرساً لمكتبته بعنوان: المكتبة الشرقية الإشبرنجرية (١)، ويشتمل على وصف حوالي ألفي كتاب، وقد طبع هذا الفهرس في مدينة جيسن سنة ١٨٥٧ م.
وأراد التصرف في هذه المكتبة الثمينة للمكتبة الإمبراطورية في فيينا، لكنه نظراً لتقاعس هذه المكتبة، استطاعت مكتبة الدولة البروسية في برلين الحصول عليها، وذلك في سنة ١٨٥٨ م.
وبعد ذلك بقليل دُعي اشبرنجر ليكون أستاذاً للغات الشرقية في جامعة برن (عاصمة الاتحاد السويسري). وفي أثناء عمله في برن أصدر كتابين باللغة الألمانية هما:
(حياة محمد وتعاليمه)، برلين في ٣ أجزاء، سنة ١٨٦١ م - ١٨٦٥ م، باللغة الألمانية.
(الجغرافيا القديمة للجزيرة العربية) (برن سنة ١٨٧٥ م).
وفي سنة ١٨٨١ م عاد إلى هيدلبرج، حيث توفي في ١٩ ديسمبر سنة
_________
(١) والتي من بينها كتابنا هذا المؤتنف، ترى من أين حصلها؟
стр. 32
١٨٩٣ م وهو في الحادية والثمانين من عمره.
حياة محمد وتعاليمه
أهم إنتاج علمي لاشبرنجر هو كتابه: (حياة محمد وتعاليمه، وفقاً لمصادر معظمها لم تستخدم حتى الآن) (١).
تقويم:
على الرغم من أن كتاب اشبرنجر: (حياة محمد وتعاليمه) هو أول كتاب أوروبي استغل معظم المصادر العربية المتعلقة بسيرة النبي ﷺ ، وعلى الرغم من أنه عاش قرابة أربعة عشر عاماً بين المسلمين في الهند، فإن كتابه هذا حافل بالأحكام السابقة، والتصورات الزائفة، والأحكام المبالغ فيها ابتغاء المناقضة:
١ فهو متحامل على النبي محمد ﷺ ، يعزو إلى سياسته مع القبائل السبب في انتقاضها بعد وفاته فيما عرف باسم «الردّة»، زاعماً أن النبي كان متسرعاً في الثقة بوفود القبائل الذين وفدوا عليه لإعلان إسلامهم.
وينساق وراء الرأي القديم عند من كتبوا عن النبي من الأوروبيين، القائل بأن النبيّ ﷺ كان مصاباً بهستيريا الأعصاب، ومن أعراضها انتشار الأعصاب وتقلصها، وارتجاف الشفتين واللسان، ودوران الأعين مرة إلى هذا الجانب وأخرى إلى الجانب الآخر. وزعم أيضاً أنه كان مصاباً بهستيريا الرّأس التي تؤدي إلى السقوط على الأرض، واحمرار الوجه، وصعوبة النفس، والشخير. ويفيض اشبرنجر في هذا الهذيان الذي انتشر في القرن التاسع عشر لدى بعض «المؤرخين» لتفسير عبقرية العظماء، والذي بلغ أوجه من السخف عند ماكس نورداو في كتابه «الانحلال» (سنة ١٨٩٢ م في جزءين) وهذه الدعوى تجنّبها حتى أشد المستشرقين عداوة للنبي ﷺ
_________
(١) بعد ذلك شرع الدكتور عبد الرحمن بدوي في تلخيص الكتاب، فحذفته خشية الإطالة.
стр. 33
والإسلام، وهو مرجوليوث في المادة التي كتبها عن «محمد» في «دائرة معارف الدين والأخلاق»، ولم يعد يأخذ بها أحد (١).
ويقارن بين اسويدنبورج (١٦٨٨ - ١٧٧٢) صاحب الرؤى السويدي، وبين النبي في مسألة الرؤى التي كانت تتراءى للنبي، حسبما تجد في كتب السيرة: مثل رؤيته لجبريل في صورة دِحية الكلبي، إلخ.
ويبالغ في حكاية ما زعم من أن النبي ﷺ ترضّى على آلهة العرب بأن أضاف: (تلك الغرانيق العُلَى، وإن شفاعتهنّ لترتجى).
٢ ويحاول الحط من دور النبي محمد ﷺ في انتصارات الإسلام الهائلة واتساع رقعة دار الإسلام في فترة وجيزة جداً، بأن يبالغ في تمجيد الشيخين: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. فيقول عن أبي بكر: «خليفته أبو بكر استخدم الوسائل التي كان واجباً وممكناً للنبي ﷺ أن يستخدمها لإخضاع العرب فعلاً وحقاً، لا بحسب الظاهر فحسب. ولولا تصرف أبي بكر الحازم لكان الإسلام قد انحلّ، أو لبقي مجرد فرقة دينية لا أهمية لها.
ويقول عن عمر بن الخطاب: عُمَر هو المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية. وفي نظري أن عمر أسمى من النبي في كل ناحية. فهو خلو من كل ألوان الضعف والتساهل التي وصمت أخلاق الأخير، وكان رجلاً مملوءاً بالجد والعزم الرجوليين. وبعد وفاة النبي استطاع الظفر بثقة كل الأطراف وكل القبائل بفضل إيثاره، وصراحته وسلامة نظريتة، وكانت كلمته هي كلمة الجميع. وأثناء حياة النبي أدى من الخدمات لانتصار الإسلام، بل ولطهارة تعاليمه، أكثر من محمد هو نفسه، وقد صان معلّمهَ (النبي) من الوقوع في أخطاء فاحشة بفضل إقدامه الحازم. وكان لعقله الفائق تأثير متواصل على نفسية محمد الضعيفة الهستيرية.
_________
(١) هذا هو رأي اللص سارق كتاب الخطيب وغيره من تراثنا، ألا لعنة الله على الكافرين.
стр. 34
وهذا نموذج كافٍ للحكم على فساد الرأي، وتغلغل الحقد، والشطط في التقدير عند اشبرنجر. وهذه العيوب تسود كل كتاب (حياة محمد وتعاليمه)، حتى في التفاصيل الجزئية التي يتسع فيها المجال لإلقاء الأحكام» اه.
قلت: قد أطلت في الحديث عن اللص الهالك، ولكن ليعلم الناشئة أين ذهب تراثنا، ومن الذي سرقه، فبين يدي هذا وأمثاله من الكفرة الفجرة الحاقدين المحترقين على الإسلام وأهله = وقع تراثنا أسيرًا حبيسًا في مكتباتهم، أو إن شئت قل زنازينهم، فلم أستطع أن أحصل على المخطوط ملونًا -وذلك بعد ما طلبت من أخي وصديقي الدكتور عمرو مبروك الذي كان يتردد على ألمانيا أن يصوره لي- إلا بعد أن أذكر لهم الاسم الذي حفظ المخطوط تحته ألا وهو شبرنجر والمختوم به على صفحات المخطوط. فكم بين أيديهم من تراثنا وعلومنا، سرقوها؛ لعلمهم أنها كانت سر قوتنا في يوم من الأيام، فاللهم ردنا إلى دينك ردًا جميلًا ورد إلينا ما سلب منا واجعل الدائرة لنا عليهم مرة أخرى.
стр. 35
المبحث الخامس:
وصف النسخة الخطية للكتاب:
ليس لكتاب المؤتنف فيما أعلم سوى نسخة واحدة ضاع ما يقرب من نصفها الأول تلك التي أشرنا إلى سارقها آنفًا والتي حفظت في مكتبة الدولة ببرلين تحت رقم ١٠١٥٧/ ٢٩٠ Sprenger.
والمتبقي من المخطوط مائتين وثلاثون ورقة، وجهان في كل ورقة يعني ما يقرب من خمسمائة وجه، في كل وجه زهاء ثمانية وعشرين سطرًا، وفي كل سطر زهاء ثماني عشرة كلمة، ولا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من حواشي في رأسها وذيلها وجانبيها، إضافة إلى الوريقات التي بلغت -سوى المفقود منها- سبعين وريقة، وجهان في كل وريقة، يعني مائة وأربعين وجه ويتفاوت حجمها وعدد سطورها تفاوتا كبيرًا، فبعضها يكون في حجم الصفحة الكاملة تقريبا، وبعضها على النصف من ذلك وبعضها أقل من ذلك بكثير.
هذا وأصل الكتاب كان مجزءًا إلى أربع وعشرين جزءًا، ضاع منه اثنا عشر جزءًا من أول الكتاب، وتبقى لنا من أول الجزء الثالث عشر-سقط من أوله ورقة واحدة- إلى نهاية الجزء الرابع والعشرين كاملا.
وأقدر عدد أوراق الأجزاء التي ضاعت بمائتي وخمسين ورقة تقريبا، فالخطيب ﵀ قد جعل جميع الأجزاء على قدر واحد وهو تسعة عشر ورقة، والمفقود اثنا عشر جزءًا، إذا ضُرب في العدد المذكور جاء الناتج الذي ذكرناه تقريبا.
هذا وقد سقط من الجزء الثالث والعشرين ما يقرب من خمسة عشر ورقة، وقد أشرت إلى موضعه في الكتاب.
стр. 36
ولا يوجد على المخطوط ما يؤرخ نسخه (١)، ولا ناسخه، غير أني جازم بأن النسخة بخط مصنفها الإمام الخطيب ﵀ وذلك لعدة قرائن، منها:
١ - بمطابقة خط النسخة بخط الخطيب المدون على بعض الكتب، ككتاب تقييد العلم له، وكالسماع المدون على كتاب غريب الحديث للأبي عبيد بخط الخطيب وتوقيعه، نجد أنه نفس الخط تمامًا (٢).
٢ - طريقة النسخ والتي تعد كأنها مسودة، فكثرة الإحالات والحواشي التي لا تكاد تخلو منها صفحة والوريقات الملحقة لا يمكن أن تكون إلا من صاحب الكتاب ومصنفه، هذا لا مجال للنقاش فيه.
٣ - عادة ما يترضى النساخ عن صاحب الكتاب والترحم عليه وخلع الألقاب العظيمة عليه عند كتابة عنوان الكتاب واسم مصنفه، أما كتاب المؤتنف هذا في أجزائه المتبقية لا يزيد الخطيب على قوله: «الجزء … من كتاب المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب نفعه الله به».
فالمتأمل للاسم وهو خلو من الألقاب حتى من لقب شيخ، وكذلك الدعاء في آخره والذي يوحي أن المصنف حيٌّ يرزق، ليتيقن أن الكلام بخط مؤلفه.
٤ - جاء مكتوبًا على ذيل إحدى الوريقات: قال عمر بن علي القرشي: أنا ضببت على سعيد الدِّمَشقِي، وهو وهم من الخطيب ﵀، وصوابه: أحمد بن سليمان الطوسي، وهو راوية كتاب النسب ومنه خرجه. والمُخَلِّص
_________
(١) وإن كنت أزعم أن الخطيب هو الذي نسخها أثناء مقامه بصور، يعني ما بين سنة ٤٥٩ هـ وسنة ٤٦٢ هـ.
(٢) وقد أرفقت مثالين لخط الخطيب من كتاب تقييد العلم له، وكتاب غريب الحديث لأبي عبيد، في آخر أمثلة صور المخطوط.
стр. 37
والدُّوري لم يسمعا من ابن سعيد شيئًا، وابن سعيد متوفى سنة ست وثلاثمائة، والمُخَلِّص وُلِد في سنة خمس وثلاثمائة، وذكر أن سماعه سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة … ). قلت وعمر بن علي هذا متوفى سنة ٥٧٥ هـ.
فقوله أنا ضببت … وقوله وهو وهم من الخطيب: يشعر أن الناسخ هو الخطيب نفسه.
٥ - قول الحافظ ابن حجر في كتاب «الإصابة» (٤/ ٤٨٦): «سنبر بوزن جعفر بنون وموحدة الإراشي بكسر الهمزة وتخفيف الراء وبالمعجمة رأيته بخط الخطيب مضبوطا … وذكره الخطيب في المؤتلف لكنه قال الأبواشي قرأت ذلك بخطه» (١).
وقال في (١٠/ ٢٢٢) في ترجمة معاوية بن حزن: «كذا بخطه -يعني الخطيب- معاوية بن حزن مجودة وعمل على حزن ضبة».
فالموضع الأول في المخطوط كما ذكر الحافظ تمامًا.
وكذلك الموضع الثاني قد رسم الخطيب فوق كلمة حزن ضبة كما أشار الحافظ ابن حجر.
هذا، والسببان الأولان اللذان ذكرتهما كانا كافيين لإثبات أن الناسخ هو المؤلف الإمام الخطيب ﵀، وفي الزيادة إفادة والله تعالى أعلم.
إلا أن الورقة الأخيرة فقط من الكتاب كُتِبت بخط مُغَاير لخط الخطيب، وجاء في نهايتها ما يلي: «نقل هذه الورقة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي من خط الشيخ أبي بكر ابن الخاضبة (٢) ﵀، وذكر أن ذلك من
_________
(١) ينظر ترجمة (٦٧٥).
(٢) هو: محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور، الحافظ أبو بكر ابن الخاضبة، البغداديّ الدّقّاق مفيد بغداد، والمشار إليه في القراءة الصّحيحة مع الصّلاح والورع. حدَّث عن أبي بكر الخطيب، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي الحسين ابن النّقّور وغيرهم. وقال ابن طاهر: ما كان في الدنيا أحسن قراءةً للحديث من ابن الخاضبة في وقته، لو سمع بقراءته= = إنسانٌ يومين لَمَا ملَّ من قراءته. توفي سنة ٤٨٩ هـ. ينظر: «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٠/ ٦٣٤).
وهذا يدل على أن للكتاب نسخا أخرى لا ندري ما آلت إليه.
стр. 38
الأصل وفيه سماع الشيخين أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج من الشيخ أبي بكر الخطيب ﵀ … سنة اثنين وستين وأربعمائة».
فيبدو أن الورقة الأخيرة قد ضاعت أو تلفت، فاستدرك الأنماطي ذلك من نسخة ابن الخاضبة، والله أعلم.
ذكر السماعات التي وردت على أوائل الأجزاء وآخرها:
١ - «سمع جميعه من لفظ الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر الخطيب ﵁ الشيخُ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي، وجعفر بن أحمد بن الحسين السراج القارئ البغداديان، وعارض عبد المحسن بكتابه، وذلك في جمادى الآخرة من سنة اثنين وستين وأربعمائة، بثغر صور حماها الله» (١).
قلت: وهذا هو السماع الأول المدون على الكتاب، من لفظ الخطيب ﵀ والذي يدل على أنه الإسماع الأول للكتاب.
٢ - «سَمِع جميع هذا الجزء من الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت الخطيب أدام الله سعادته، بقراءة أبي منصور الناصر ابن محمد ابن علي: الشيوخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، وأبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي، وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، وأبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسن بن الفراء، وأبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله الآبنوسي، وأبو المعالي ناصر بن علي بن
_________
(١) تكرر هذا السماع في جميع الأجزاء في نفس الشهر.
стр. 39
الحسين البني، وأبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البرداني، وأبو سعد أحمد ابن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، وعبد الله بن عمر بن عبيد الله الخواص، وأبو محمد بديل بن علي البرزندي وابنه صالح، وأبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن أحمد الواسطي، وأبو العز المبارك بن الحسن بن إبراهيم الديلمي، وأبو زيد عبد الله بن عبد الملك بن أحمد الأصبهاني، وأبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق، وأبو الفضل حمدون بن علي بن محمد السامري، وابن أخته أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي السامري، وشجاع بن فارس بن الحسين الذهلي. وسمع بن باب حجير وحجين إلى آخره: عبد السيد بن محمد بن أحمد بن الزيات. وسمع من الورقة التاسعة إلى آخره: أبو محمد عبد الله بن سبعون القيرواني في رجب من سنة ثلاث وستين وأربعمائة يوم الجمعة ثامن عشر الشهر» (١).
وهناك سماعات أخرى للكتاب قرئت على الإمام عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحَسَن بن بُنْدار، الحافظ، أبو البركات الأنْماطيّ المتوفى سنة ٥٣٨ هـ.
وكذلك على الإمام أبي المعالي الفضل بن سهل بن بِشر بن أحمد الإسفراييني المعروف بالأثير الحلبي المتوفى سنة ٥٤٨ هـ.
_________
(١) تكرر هذا السماع باختلاف يسير في آخر الجزء الخامس عشر، وتاريخه في ثالث شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ثم تكرر في آخر الجزء الثامن عشر، وتاريخه في يوم الجمعة ثامن شهر رمضان من سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ثم على أول الجزء التاسع عشر، في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من نفس السنة.
ثم على آخر الجزء العشرين، وتاريخه في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من نفس السنة.
стр. 40
اكتفيت بما قرئ على صاحب الكتاب، ولم أشأ أن أثقل الكتاب بمزيد من السماعات المتأخرة عن صاحب الكتاب.
следующие страницы →