Полный текст (1 409 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ولا يوجد على المخطوط ما يؤرخ نسخه (١)، ولا ناسخه، غير أني جازم بأن النسخة بخط مصنفها الإمام الخطيب ﵀ وذلك لعدة قرائن، منها:
١ - بمطابقة خط النسخة بخط الخطيب المدون على بعض الكتب، ككتاب تقييد العلم له، وكالسماع المدون على كتاب غريب الحديث للأبي عبيد بخط الخطيب وتوقيعه، نجد أنه نفس الخط تمامًا (٢).
٢ - طريقة النسخ والتي تعد كأنها مسودة، فكثرة الإحالات والحواشي التي لا تكاد تخلو منها صفحة والوريقات الملحقة لا يمكن أن تكون إلا من صاحب الكتاب ومصنفه، هذا لا مجال للنقاش فيه.
٣ - عادة ما يترضى النساخ عن صاحب الكتاب والترحم عليه وخلع الألقاب العظيمة عليه عند كتابة عنوان الكتاب واسم مصنفه، أما كتاب المؤتنف هذا في أجزائه المتبقية لا يزيد الخطيب على قوله: «الجزء … من كتاب المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب نفعه الله به».
فالمتأمل للاسم وهو خلو من الألقاب حتى من لقب شيخ، وكذلك الدعاء في آخره والذي يوحي أن المصنف حيٌّ يرزق، ليتيقن أن الكلام بخط مؤلفه.
٤ - جاء مكتوبًا على ذيل إحدى الوريقات: قال عمر بن علي القرشي: أنا ضببت على سعيد الدِّمَشقِي، وهو وهم من الخطيب ﵀، وصوابه: أحمد بن سليمان الطوسي، وهو راوية كتاب النسب ومنه خرجه. والمُخَلِّص
_________
(١) وإن كنت أزعم أن الخطيب هو الذي نسخها أثناء مقامه بصور، يعني ما بين سنة ٤٥٩ هـ وسنة ٤٦٢ هـ.
(٢) وقد أرفقت مثالين لخط الخطيب من كتاب تقييد العلم له، وكتاب غريب الحديث لأبي عبيد، في آخر أمثلة صور المخطوط.
стр. 37
والدُّوري لم يسمعا من ابن سعيد شيئًا، وابن سعيد متوفى سنة ست وثلاثمائة، والمُخَلِّص وُلِد في سنة خمس وثلاثمائة، وذكر أن سماعه سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة … ). قلت وعمر بن علي هذا متوفى سنة ٥٧٥ هـ.
فقوله أنا ضببت … وقوله وهو وهم من الخطيب: يشعر أن الناسخ هو الخطيب نفسه.
٥ - قول الحافظ ابن حجر في كتاب «الإصابة» (٤/ ٤٨٦): «سنبر بوزن جعفر بنون وموحدة الإراشي بكسر الهمزة وتخفيف الراء وبالمعجمة رأيته بخط الخطيب مضبوطا … وذكره الخطيب في المؤتلف لكنه قال الأبواشي قرأت ذلك بخطه» (١).
وقال في (١٠/ ٢٢٢) في ترجمة معاوية بن حزن: «كذا بخطه -يعني الخطيب- معاوية بن حزن مجودة وعمل على حزن ضبة».
فالموضع الأول في المخطوط كما ذكر الحافظ تمامًا.
وكذلك الموضع الثاني قد رسم الخطيب فوق كلمة حزن ضبة كما أشار الحافظ ابن حجر.
هذا، والسببان الأولان اللذان ذكرتهما كانا كافيين لإثبات أن الناسخ هو المؤلف الإمام الخطيب ﵀، وفي الزيادة إفادة والله تعالى أعلم.
إلا أن الورقة الأخيرة فقط من الكتاب كُتِبت بخط مُغَاير لخط الخطيب، وجاء في نهايتها ما يلي: «نقل هذه الورقة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي من خط الشيخ أبي بكر ابن الخاضبة (٢) ﵀، وذكر أن ذلك من
_________
(١) ينظر ترجمة (٦٧٥).
(٢) هو: محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور، الحافظ أبو بكر ابن الخاضبة، البغداديّ الدّقّاق مفيد بغداد، والمشار إليه في القراءة الصّحيحة مع الصّلاح والورع. حدَّث عن أبي بكر الخطيب، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي الحسين ابن النّقّور وغيرهم. وقال ابن طاهر: ما كان في الدنيا أحسن قراءةً للحديث من ابن الخاضبة في وقته، لو سمع بقراءته= = إنسانٌ يومين لَمَا ملَّ من قراءته. توفي سنة ٤٨٩ هـ. ينظر: «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٠/ ٦٣٤).
وهذا يدل على أن للكتاب نسخا أخرى لا ندري ما آلت إليه.
стр. 38
الأصل وفيه سماع الشيخين أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج من الشيخ أبي بكر الخطيب ﵀ … سنة اثنين وستين وأربعمائة».
فيبدو أن الورقة الأخيرة قد ضاعت أو تلفت، فاستدرك الأنماطي ذلك من نسخة ابن الخاضبة، والله أعلم.
ذكر السماعات التي وردت على أوائل الأجزاء وآخرها:
١ - «سمع جميعه من لفظ الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر الخطيب ﵁ الشيخُ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي، وجعفر بن أحمد بن الحسين السراج القارئ البغداديان، وعارض عبد المحسن بكتابه، وذلك في جمادى الآخرة من سنة اثنين وستين وأربعمائة، بثغر صور حماها الله» (١).
قلت: وهذا هو السماع الأول المدون على الكتاب، من لفظ الخطيب ﵀ والذي يدل على أنه الإسماع الأول للكتاب.
٢ - «سَمِع جميع هذا الجزء من الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت الخطيب أدام الله سعادته، بقراءة أبي منصور الناصر ابن محمد ابن علي: الشيوخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، وأبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي، وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، وأبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسن بن الفراء، وأبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله الآبنوسي، وأبو المعالي ناصر بن علي بن
_________
(١) تكرر هذا السماع في جميع الأجزاء في نفس الشهر.
стр. 39
الحسين البني، وأبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البرداني، وأبو سعد أحمد ابن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، وعبد الله بن عمر بن عبيد الله الخواص، وأبو محمد بديل بن علي البرزندي وابنه صالح، وأبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن أحمد الواسطي، وأبو العز المبارك بن الحسن بن إبراهيم الديلمي، وأبو زيد عبد الله بن عبد الملك بن أحمد الأصبهاني، وأبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق، وأبو الفضل حمدون بن علي بن محمد السامري، وابن أخته أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي السامري، وشجاع بن فارس بن الحسين الذهلي. وسمع بن باب حجير وحجين إلى آخره: عبد السيد بن محمد بن أحمد بن الزيات. وسمع من الورقة التاسعة إلى آخره: أبو محمد عبد الله بن سبعون القيرواني في رجب من سنة ثلاث وستين وأربعمائة يوم الجمعة ثامن عشر الشهر» (١).
وهناك سماعات أخرى للكتاب قرئت على الإمام عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحَسَن بن بُنْدار، الحافظ، أبو البركات الأنْماطيّ المتوفى سنة ٥٣٨ هـ.
وكذلك على الإمام أبي المعالي الفضل بن سهل بن بِشر بن أحمد الإسفراييني المعروف بالأثير الحلبي المتوفى سنة ٥٤٨ هـ.
_________
(١) تكرر هذا السماع باختلاف يسير في آخر الجزء الخامس عشر، وتاريخه في ثالث شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ثم تكرر في آخر الجزء الثامن عشر، وتاريخه في يوم الجمعة ثامن شهر رمضان من سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ثم على أول الجزء التاسع عشر، في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من نفس السنة.
ثم على آخر الجزء العشرين، وتاريخه في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من نفس السنة.
стр. 40
اكتفيت بما قرئ على صاحب الكتاب، ولم أشأ أن أثقل الكتاب بمزيد من السماعات المتأخرة عن صاحب الكتاب.
стр. 41
المبحث السادس:
ترجمة الإمام الخطيب صاحب الكتاب:
هو: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ.
ولد: سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة.
وكان أبوه أبو الحسن خطيبًا بقرية دَرْزِيجَان، وممن تلا القرآن على أبي حفص الكَتَّاني، فَحَضَّ ولدَه أحمد على السماع والفقه، فسمع وهو ابن إحدى عشرة سنة، وارتحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، وإلى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وإلى الشام وهو كَهل، وإلى مكة، وغير ذلك.
وكتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنف وصَحَّح وعَلَّل، وجَرَّح وعَدَّل، وأَرَّخ وأَوْضَح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق (١).
ولعل لقب الخطيب انتقل إليه من والده.
وذكر الخطيبُ نفسُه في ترجمة هلال بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الطِّيْبي: أنه مؤدبه، وقال: كتبت عَنْهُ، وكان سماعه صحيحًا. وقال: مات مؤدبي أَبُو عَبْد الله الطيبي فِي سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة (٢).
أما الحديث وسماعه فكان مبدأه سنة ثلاث وأربعمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة على أول شيوخه محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، يعرف بابن رزقويه، المتوفى في سنة أربعمائة واثني عشر، كتب عنه مجلسًا
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٠).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٦/ ١١٧).
стр. 42
واحدًا، ثم انقطع عنه، ثم عاد بعد ثلاث سنوات يعني سنة ست وأربعمائة، فلزمه حتى مات، وكان قد كف بصره ﵀ (١).
ويبدو أنه في هذه السنوات الثلاث التي انقطع فيها عن ابن رزقويه كان قد استهواه الفقه، يقول الأستاذ يوسف العش في كتابه المبهر عن الخطيب: «فإن هجر كتابة الحديث ثلاث سنوات فهو لا يفتأ يتردد إلى مجالس كبار الفقهاء كأبي حامد الإسفراييني، يراه غير مرة ويحضر تدريسه بمسجد عبد الله بن المبارك في صدر قطيعة الربيع» (٢).
ويموت الإسفراييني سنة ست وأربعمائة، فينتقل الخطيب إلى تلميذه أبي الحسن أحمد بن محمد الضبي المحاملي، فيقول الخطيب في ترجمته من التاريخ: «أحد الفقهاء المجودين عَلَى مذهب الشافعي، وكَانَ قد درس عَلَى أَبِي حامد الإسفراييني، وبرع في الفقه، ورزق من الذكاء وحسن الفهم ما أربى بِهِ عَلَى أقرانه، ودرس في حياة أَبِي حامد، وبعده، واختلفت إليه في درس الفقه، وهو أول من علقت عنه» (٣).
ويموت المحاملي سنة ٤١٥ هـ، ويلزم الخطيب شيخه الحقيقي في الفقه الذي اشتهر بتلمذته له القاضي أبا الطيب الطَّبَري طاهر بن عبد الله بن طاهر ابن عمر المتوفى سنة ٤٥٠ هـ، فيقول في ترجمته: «اختلفت إليه وعلقت عنه الفقه سنين عدة … ويقول: كان أبو الطيب الطَّبَري ثقة، صادقًا دينًا، ورعًا، عارفًا بأصول الفقه وفروعه، محققًا في علمه، سليم الصدر حسن الخلق، صحيح المذهب، جيد اللسان، يقول الشعر على طريقة الفقهاء» (٤).
_________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٢).
(٢) «الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها» ليوسف العش (ص ١٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٩٢).
стр. 43
لكنه لا يلبث حتى يعود مرة أخرى إلى مبتغاه الأول: الحديث الذي لم يتركه حتى وافته المَنية، ويدلك على ذلك رحلته في طلبه، والإكثار من السماع من شيوخه، يقول الإمام الذهبي ﵀: «سمع: أبا عمر بن مهدي الفارسي، وأحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي، وأبا الحسين بن المتيم، وحسين بن الحسن الجواليقي ابن العريف يروي عن ابن مخلد العطار، وسعد بن محمد الشيباني، سمع من أبي علي الحصائري، وعبد العزيز ابني محمد الستوري، حدثه عن إسماعيل الصفار، وإبراهيم بن مخلد بن جعفر الباقرحي، وأبا الفرج محمد بن فارس الغوري، وأبا الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التَّمِيمي، وأبا بكر محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي، ومحمد بن عمر بن عيسى الحطراني، حدثه عن أحمد بن إبراهيم البلدي، وأبا نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي، وأبا القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر، والحسين بن عمر بن بَرْهَان، وأبا الحسن بن رزقويه، وأبا الفتح هلال بن محمد الحفار، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وأبا العلاء محمد بن الحسن الوراق، وأبا الحسين بن بشران.
وينزل إلى أن يكتب عن عبد الصمد بن المأمون، وأبي الحسين بن النقور، بل نزل إلى أن روى عن تلامذته كنصر المقدسي، وابن ماكولا، والحميدي، وهذا شأن كل حافظ يروي عن الكبار والصغار.
وسمع بعكبرا من: الحسين بن محمد الصائغ حدثه عن نافلة علي بن حرب.
ولحق بالبصرة أبا عمر الهاشمي شيخه في السنن، وعلي بن القاسم الشاهد، والحسن بن علي السابوري، وطائفة.
وسمع بنيسابور: القاضي أبا بكر الحِيْري، وأبا سعيد الصَيرفي، وأبا
стр. 44
القاسم عبد الرحمن السراج، وعلي بن محمد الطرازي، والحافظ أبا حازم العبدوي، وخلقًا.
وبأصبهان: أبا الحسن بن عبدكويه، وأبا عبد الله الجمال، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نعيم الحافظ (١).
وبالدينور: أبا نصر الكسار.
وبهمذان: محمد بن عيسى، وطبقته.
وسمع بالري والكوفة وصور ودمشق ومكة.
وكان قدومه إلى دمشق في سنة خمس وأربعين، فسمع من محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر التَّمِيمي، وطبقته.
واستوطنها، ومنها حج، وقرأ صحيح البخاري على كريمة في أيام الموسم.
وأعلى ما عنده حديث مالك، وحماد بن زيد، بينه وبين كل منهما ثلاثة أنفس» (٢).
وكان الخطيب ﵀ نهما في قراءة الكتب والأجزاء على الشيوخ، شديد
_________
(١) قلت: وبواسطة الأخيرين يروي عن الطَّبَراني سليمان بن أحمد، وكان شيخه البرقاني كتب له إلى أبي نعيم قائلا: «وقد نفذ إلى ما عندك عمدًا متعمدًا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- أيده الله وسلمه- ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن. وقد رحل فيه وفي طلبه وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورّع والتحفظ وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته. وأنا أرجو إذا صحت منه لديك هذه الصفة أن يلين له جانبك، وأن تتوفر له وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقديما حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحقّ منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلّ منهم». ينظر «معجم الأدباء» لياقوت (١/ ٣٩٥).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧١).
стр. 45
الجلد في ذلك، فيقول في ترجمة شيخه إسماعيل بن أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن الضَّرِير الحيري النيسابوري: «ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازمًا على المجاورة بمكة وكانت وِقْر بَعير وفي جملتها (صحيح البخاري)، وكان سمعه من أبي الهيثم الكُشْمِيْهَنِي، عن الفِرَبْرِي، فلم يُقْض لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة؛ لفساد الطريق ورجع الناس فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور، ولما كان قبل خروجه بأيام، خاطبته في قراءة كتاب (الصحيح) فأجابني إلى ذلك فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدأ بالقراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عبر الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب، ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة» (١).
أما تلاميذه والآخذين عنه فنذكر جملة ما ذكره الإمام الذهبي في ترجمته، فيقول:
«حدث عنه: أبو بكر البَرْقاني؛ وهو من شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا، والفقيه نصر، والحميدي، وأبو الفضل بن خَيرون، والمبارك بن الطيوري، وأبو بكر بن الخَاضِبة، وأُبَيٌّ النرسي، وعبد الله بن أحمد بن السمرقندي، والمرتضى محمد بن محمد الحسيني، ومحمد بن مرزوق الزعفراني، وأبو القاسم النسيب، وهبة الله بن الأكفاني، ومحمد بن علي بن أبي العلاء المِصِّيصي، وغيث بن علي الأرمنازي، وأحمد بن أحمد المتوكلي، وأحمد
_________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣١٨).
стр. 46
ابن علي بن المجلي، وهبة الله بن عبد الله الشُروطي، وأبو الحسن بن سعيد، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وبركات النجاد، وعبد الكريم بن حمزة، وأبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس المالكي، وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، وقاضي المارستان أبو بكر، وأبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن السمرقندي، وأبو بكر محمد بن الحسين المَزْرَفي، وأبو منصور الشيباني؛ راوي تاريخه، وأبو منصور بن خيرون المقرئ، وبدر بن عبد الله الشِيْحِي، والزاهد يوسف بن أيوب الهمذاني، وهبة الله بن علي المجلي، وأخوه أبو السعود أحمد، وأبو الحسين بن أبي يَعْلى، وأبو الحسين بن بُويه، وأبو البدر الكرخي، ومفلح الدومي، ويحيى بن الطراح، وأبو الفضل الأرموي، وعدد يطول ذكرهم» (١).
رحلته إلى الحج:
يقول الخطيب في ترجمة شيخه عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد ابن أحمد أبو القاسم الأصبهاني المعروف بالرقاعي: «مات أبو القاسم الرقاعي ببغداد في شهر رمضان من سنة خَمس وأربعين وأربع مائة، وكنت إذ ذاك في برية السماوة قاصدًا دمشق، لما خرجت إلى الحج».
فهذا يعني أنه خرج إلى الحج وعمره ثلاث وخمسين سنة، وفي مكة التقى بأبي عبد الله القضاعي المصري محمد بن سلامة بن جعفر مصنف مسند الشهاب، وصحبه من مكة إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وروى عنه في طريقهما إلى المدينة، وفي المدينة لما وصلا في مسجد النبي ﷺ (٢).
وقرأ في هذه الرحلة «صحيح البخاري» مرة أخرى على كريمة بنت
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٣).
(٢) ينظر: حديث رقم (١٦٩٨) من كتابنا هذا المؤتنف، وحديث رقم (١٧١٩).
стр. 47
أحمد المروزية في خمسة أيام (١).
ولا نستطيع هنا أن نغفل دعوته التي استجيبت في مكة، فيروي ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢) بسنده إلى ابن خيرون: «أن أبا بكر الخطيب كان يذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ثلاث حاجات آخذًا بقول رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب له، فالحاجة الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية: أن يُمْلِي الحديثَ بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدْفَن إذا مات عند قبر بشر الحافي.
فلما عاد إلى بغداد حدث بالتاريخ بها ووقع إليه جزء فيها سماع الخليفة القائم بأمر الله فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة وسأل أن يؤذن له في قراءة الجزء، فقال الخليفة هذا رجل كبير في الحديث وليس له إلى السماع مني حَاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته فَسُئِل فقال: حاجتي أن يؤذَن لي أن أملي بجامع المنصور، فتقدم الخليفة إلى نَقِيب النقباء بأن يُؤْذَن له في ذلك، فحضر النقيب وأملى الخَطِيبُ في جامع المنصور، ولما مات أرادوا دفنه عند قبر بشر، فَجَرى في ذلك ما ذكر شيخنا أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي المعروف بشيخ الشيوخ قال: لما توفي أبو بكر الخطيب الحافظ أوصى أن يدفن إلى جانب بشر بن الحارث ﵀ وكان الموضع الذي بجنب بشر قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطُرَيْثِيثي قبرًا لنفسه، وكان يمضي إلى ذلك الموضع ويختم فيه القرآن ويدعو، فمضى على ذلك عدة سنين فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فامتنع، وقال: هذا قبري قد حفرته وختمت فيه عدة ختمات، لا أُمَكِّنُ أحدًا
_________
(١) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٢٩).
(٢) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٤).
стр. 48
مِنْ الدفن فيه، وهذا مما لا يتصور، فانتهى الخبر إلى والدي ﵀ فقال له: يا شيخ لو كان بشر بن الحارث الحافي في الأحياء، ودخلت أنت والخطيب عليه، أيكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا بل الخطيب. فقال كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات، فإنه أحق به منك، فطاب قلبه ورَضِي بأن يدفن الخطيب في ذلك الموضع فدفن».
ويستجيب الله دعاءه في الثلاث دعوات التي دعا بهن في حجه عند شربه من ماء زمزم.
عاد الخطيب مرة أخرى إلى بغداد، وصار له مكانة عند الوزير أبي القاسم ابن المُسلمة وذلك أن بعض اليهود أظهر كتابًا وادَّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأن خط علي بن أبي طالب فيه، فعرضه رئيس الرؤساء ابن المسلمة على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مُزَوَّر. قيل: من أين لك؟ قَالَ: في الكتاب شهادةُ معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات يوم الخندق. فاستحسن ذلك منه (١).
حتى أنه تقدّم إلى القصّاص والوعّاظ أن لا يورد أحد حديثًا عن رسول الله ﷺ حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بايراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه (٢).
محنته:
لكن لم تدم تلك المكانة والوجاهة للخطيب، فقد قتل الوزير بن المسلمة، قتله أَبُو الحارث البساسيري التركي، وصلبه فِي يوم الإثنين الثامن
_________
(١) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٢٩).
(٢) ينظر: «معجم الأدباء» لياقوت (١/ ٣٨٦).
стр. 49
والعشرين من ذي الحجة سنة خمسين وأربع مائة (١).
وبموت الوزير ابن المسلمة، لم يعد للخطيب أمن في بغداد، إذ طمع في أعداؤه من الحنابلة وتجرءوا عليه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: «كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابُنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة، وآذوه» (٢).
خروجه من بغداد:
فاضطر الخطيب للخروج من بغداد، يقول: «وخرجت من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين» (٣).
يقول ابن كثير: «ولما وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين، خرج منها إلى الشام، فأقام بدمشق بالمئذنة الشرقية من جامعها وكان يقرأ على الناس الحديث النبوي» (٤).
وطاب له المقام بدمشق حتى بعد أن قُضي على البساسيري في آخر السنة التي خرج فيها الخطيب من بغداد، فكما مر آنفًا فإنه أقام بالمئذنة الشرقية من جامع دمشق يقرأ على الناس الحديث، وكان ﵀ جهوري الصوت يسمع صوته من أرجاء الجامع كلها.
يقول أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي اللغوي: «لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين، كان بها إذا ذاك الإمام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بُكْرة كلِّ يوم فيقرأ لهم، وكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مر في كتابه شيءٌ يحتاج إلى إصلاح يصلحه
_________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٧).
(٢) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٢).
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ٥١).
(٤) «البداية والنهاية» (١٦/ ٢٩).
стр. 50
ويقول: أنت تريد مني الرواية وأنا أريد منك الدراية، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليّ يومًا وسط النهار وقال: أحببت أن أزورك في بيتك، وقعد عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسًا فيه شيء وقال لي: الهدية مستحبّة وأسألك أن تشتري به الأقلام، ونهض ففتحت القرطاس بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية، ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليِّ ذَهَبًا وقال لي: تشتري به كَاغدًا، وكان نحوًا من الأول أو أكثر، قال: وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معربًا صحيحًا» (١).
خروجه من دمشق:
ويظل مقامه آمنا في دمشق ينعم فيها بالدرس والإقراء زهاء ثماني سنين، حتى تعرض له محنة أخرى تضطره إلى الخروج من دمشق التي ألفها وطاب له المقام بها.
قال ابن طاهر في المنثور: «حدثنا مكي بْن عَبْد السلام الرُمَيلي قال: كان سبب خروج أَبِي بَكْر الخطيب من دمشق إِلَى صور أنه كان يختلف إليه صبي مليح، سماه مكي، فتكلم الناس فِي ذلك. وكان أمير البلد رافضيًا متعصبًا، فبلغته القصة، فجعل ذلك سببًا للفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله. وكان صاحب الشرطة سُنِّيا، فقصده تلك الليلة مع جماعة ولم يمكنه أن يخالف الأمير فأخذه، وقال: قد أُمِرتُ فيك بكذا وكذا، ولا أجدُ لك حيلةً إلا أني أعبر بك عند دار الشريف ابن أبي الجن العلوي، فإذا حاذيت الباب، اقفز وادخل الدار، فَإِنِّي لا أطلبك، وأرجع إِلَى الأمير، فَأَخْبَرَه بالقصة. ففعل ذَلِكَ، ودخل دار الشريف، فأرسل الأمير إِلَى الشريف أن يبعث به، فقال: أيها الأمير، أنت تعرف اعتقادي فِيهِ وَفِي أمثاله، وليس فِي
_________
(١) «معجم الأدباء» لياقوت (١/ ٣٩٢).
стр. 51
قتله مصلحة، هَذَا مشهور بالعراق، إن قتلته قتل به جماعة من الشيعة، وخربت المشاهد. قال: فَمَا ترى؟ قال: أرى أن يخرج من بلدك. فأمرَ بإخراجه، فراح إِلَى صور، وبقي بها مدّة» (١).
وكان خروجه من دمشق في يوم الاثنين الثامن عشر من صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة قاصدًا إلى صور وأقام بها وكان يسافر إلى القدس ويعود إليها ثم خرج من صور في أواخر شهور سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوجه إلى طرابلس وإلى حلب وأقام في كل واحد من البلدين أيامًا يسيرة ثم انتقل إلى بغداد (٢).
رجوعه إلى بغداد:
أقام في صور ثلاث سنوات لا يمل ولا يفتر من الإقراء والتحديث، والسماع المدون على كتابنا هذا المؤتنف شاهد على ذلك، ثم حداه الشوق إلى الرجوع إلى وطنه والذي شرب من ماء زمزم ودعا ربه أن يحدث بتاريخه فيه = بغداد، فخرج من صور سنة اثنتين وستين وأربعمائة بصحبة تلميذه وصاحبه أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشيحي، وقد ذكرت ترجمته فيما مضى، فهو الذي نقل الخطيب إلى بغداد وتعهده وكان عديله في سفرته وقال: كنت عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة، لذلك خصه الخطيب بأصل تاريخه بخطه (٣).
ويعود إلى بغداد قبل وفاته بسنة واحدة (٤) ويحدث بتاريخ بغداد فيها،
_________
(١) «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٠/ ١٨٣).
(٢) «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥/ ٤٠).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٩)، و (١٩/ ١٥٣).
(٤) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٢).
стр. 52
ويُسمِع الحديث بجامع المنصور وذلك الذي دعا به في حجه.
مرضه ووفاته:
ويقول مَكِّي الرُمَيْلي: مرض الخطيب في نصف رمضان (١)، إلى أن اشتد الحال به في غرة ذي الحجة، وأوصى إلى ابن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرق جميع ماله في وجوه البر وعلى المحدثين (٢).
وتوفي في رابع ساعة من يوم الاثنين سابع ذي الحجة من سنة ثلاث وستين، ثم أخرج بكرة الثلاثاء، وعبروا به إلى الجانب الغربي، وحضره القضاة والأشراف والخلق، وتقدم في الإمامة أبو الحسين بن المهتدي بالله، فكبر عليه أربعًا، ودفن بجنب قبر بشر الحافي (٣) وقال ابن خيرون: مات ضحوة الاثنين، ودفن بباب حرب. وتصدق بماله وهو مئتا دينار، وأوصى بأن يتصدق بجميع ثيابه، ووقف جميع كتبه، وأخرجت جنازته من حجرة تلي النظامية، وشَيَّعه الفقهاء والخلق، وحملوه إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يَذُبُّ عن النبي ﷺ الكَذِب، هذا الذي كان يحفظ حديثَ رسول الله ﷺ . وخُتِم على قبره عدة ختمات (٤).
_________
(١) قلت: وهو مع مرضه لا يفتر عن الإسماع، ويظهر ذلك في السماع المدون على كتابنا هذا المؤتنف والذي استمر إلى يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان.
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦).
(٣) في قصة مرت معنا.
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦).
стр. 53
مصنفات الخطيب:
يقول الحافظ السلفي:
تصانيف ابن ثابت الخطيب … ألذ من الصبا الغض الرطيب
يراها إذ رواها من حواها … رياضا للفتى اليقظ اللبيب
ويأخذ حسن ما قد صاغ منها … بقلب الحافظ الفطن الأريب
فأية راحة ونعيم عيش … يوازي كتبها بل أي طيب (١)
وحق له أن يقول ذلك، فتصانيف الخطيب قد أبهرت حتى خصومه والغاضين من شأنه.
يقول الذهبي: تناكد ابن الجوزي ﵀ وغض من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة (٢).
وها هو ابن الجوزي يقول بعد ذكره قائمة من مصنفات الخطيب: «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره».
ويقول ابن الجوزي أيضا: «وكان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة، وعارفًا بالأدب، يقول الشعر الحسن.
أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم الصائغ قَالَ: أنبأنا أبو بكر الخطيب أنه قال لنفسه:
لعمرك ما شجاني رسم دار … وقفت به ولا ذِكر المغاني
ولا أثرُ الخِيام أراق دمعي … لأجل تذكري عهدَ الغَواني
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٩٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٩).
стр. 54
ولا مَلَك الهوى يومًا قِيادِي … ولا عاصيته فثنى عَنانِي
عرفت فعاله بذوي التَّصَابِي … وما يلقون من ذل الهوانِ
فلم أُطْمِعْهُ فيَّ وكم قتيلٍ … له في الناس ما يحصى وعانِ
طلبت أخًا صحيح الود مَحضًا … سليم الغيب مأمون اللسان
فلم أعرف من الإخوان إلا … نفاقًا في التباعد والتداني
وعالِم دهرنا لا خير فيه … ترى صورًا تروق بلا معاني
ووصف جميعهم هذا فما أن … أقول سوى فلان أو فلان
ولما لم أجد حُرًّا يواتي … على ما ناب من صرف الزمان
صبرت تكرمًا لفراغ دهري … ولم أجزع لما منه دهاني
ولم أك في الشدائد مُستَكينًا … أقول لها ألا كُفِّي كَفَانِي» (١).
وبمثل هذه النفس التي تناءت عن الرذائل والصغائر والدنايا من أمور الدنيا يكون العالم الذي يصنف كما صنف الخطيب ويملأ الدنيا علمًا حتى يصير من بعده عيالًا عليه في العلم الذي تخصص فيه كما يقول ابن نقطة ﵀.
وهاك ما ذكروه من تصانيفه جملة دون تفصيل لكي لا نطيل:
يقول ابن الجوزي ﵀ (٢): وصنف فأجاد، فله ستة وخمسون مصنفًا بعيدة المثل منها: «تاريخ بغداد»، «وشرف أصحاب الحديث»، و «كتاب الجامع لأخلاق الراويّ وآداب السامع»، و «الكفاية في معرفة أصول علم الرواية»، و «كتاب المتفق والمفترق»، و «كتاب السابق واللاحق»، و «تلخيص المتشابه في الرسم»، و «كتاب باقي التلخيص» (٣)، و «كتاب الفصل والوصل»،
_________
(١) «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣١).
(٢) «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٠).
(٣) يعني: تالي تلخيص المتشابه.
стр. 55
والمكمل في بيان المهمل»، و «الفقيه والمتفقه»، و «كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس»، و «كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة»، و «كتاب الموضح أوهام الجمع والتفريق»، و «كتاب المؤتنف تكلمة المختلف والمؤتلف»، و «كتاب لهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب»، و «كتاب الجهر بالبسملة»، و «كتاب رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والألقاب»، و «كتاب القنوت»، و «كتاب التبيين لأسماء المدلسين»، و «كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و «كتاب من وافق كنيته اسم أبيه»، و «كتاب من حدّث فنسي»، و «كتاب رواية الآباء عن الأبناء»، و «كتاب الرحلة»، و «كتاب الرواة عن مالك»، و «كتاب الاحتجاج عن الشافعي فيما أسند إليه والرد على الطاعنين بجهلهم عليه»، و «كتاب التفصيل لمبهم المراسيل»، و «كتاب اقتفاء العلم بالعمل»، و «كتاب تقييد العلم»، و «كتاب القول في علم النجوم»، و «كتاب روايات الصحابة عن التابعين»، و «كتاب صلاة التسبيح»، و «كتاب مسند نعيم بن همار»، و «كتاب النهي عن صوم يوم الشك»، و «كتاب الإجازة للمعدوم والمجهول»، و «كتاب البخلاء».
وغيرها من التصانيف النافعة ذكرها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١)، وغيره.
يقول الحافظ ابن نقطة: «وله مصنفات في علوم الحديث لم يسبق إلى مثلها ولا شبهة عند كل لبيب أن المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب … ومات عن نيف وخمسين مُصَنَّفًا سوى ما وُجِد في الرقاع غير مفروغ منه وانتهى إليه الحفظ والإتقان والقيام بعلوم
_________
(١) (١٨/ ٢٨٩).
стр. 56
الحديث» (١).
ويقول الحافظ الذهبي: «وكتابة الخطيب مليحة مفسرة، كاملة الضبط، بها أجزاء بدمشق رأيتها» (٢).
قلت: وقد بقي لنا كتابنا هذا المؤتنف شاهد على ما ذكره الإمام الذهبي.
عقيدة الإمام الخطيب:
كان ﵀ على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في الأصول، وقد مات أبو الحسن الأشعري ﵀ وعقيدته في الصفات إثباتها وعدم تأويلها، متبعا مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل ﵀، وفي ذلك يقول الخطيب نفسه: «أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف: إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه.
والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول:
_________
(١) «تكملة الإكمال» لابن نقطة (١/ ١٠٣ - ١٠٤).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٥).
стр. 57
إنها جوارح. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]» (١).
أقوال بعض أهل العلم في الثناء على الخطيب:
يقول تلميذه ومعاصره الأمير أبو نصر ابن ماكولا: «فإن أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ﵀ وكان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وإتقانًا وحفظًا وضَبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتَفَنُّنًا في عِلله وأسانيده وخبرةً برواته ونَاقِليه، وعِلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره، وسقيمِه ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يَجْري مَجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه» (٢).
وقال أبو إسحاق الشيرازي الفقيه: «أبو بكر الخطيب يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه.
وقال أبو الفتيان الحافظ: كان الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رأيت مثله» (٣).
وقال السمعاني: «والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة وكان مهيبًا وقُورًا نبيلًا خطيرًا ثِقةً صدوقًا متحريًا حُجةً فيما يُصَنِّفُه ويقوله وينقله ويجمعه، حسنَ النَقل والخَط، كثير الشكل والضبط، قارئًا للحديث فصيحًا وكان في
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٤).
(٢) «تهذيب مستمر الأوهام» لابن ماكولا (ص ٥٧).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٦).
стр. 58
درجة الكمال والرتبة العُليا خُلُقًا وخَلْقًا وهَيئةً ومَنْظَرًا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه وختم به الحفاظ ﵏» (١).
وقد رؤي له ﵀ بعد موته منامات صالحة، تدل إن شاء الله على قبوله، فيقول الذهبي: «قال أبو الفضل بن خيرون: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لما مات الخطيب أنه رآه في النوم، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في روح وريحان وجنة نعيم.
وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن جَدَّا: رأيت بعد موت الخطيب كأن شخصًا قائما بحذائي، فأردت أن أسأله عن أبي بكر الخطيب، فقال لي ابتداءً: أُنْزِلَ وَسَط الجنة حيث يتعارف الأبرار. رواها البرداني في كتاب (المنامات) عنه.
قال غيث الأرمنازي: قال مكي الرميلي: كنت نائمًا ببغداد في ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربع مائة، فرأيت كأنا اجتمعنا عند أبي بكر الخطيب في منزله لقراءة التاريخ على العادة، فكأن الخطيب جالس، والشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي عن يمينه، وعن يمين نصر رجل لم أعرفه، فسألت عنه، فقيل: هذا رسول الله ﷺ جاء ليسمع التاريخ. فقلت في نفسي: هذه جلالة لأبي بكر إذ يحضر رسول الله مجلسه، وقلت: هذا ردٌ لقول من يعيب التاريخ، ويذكر أن فيه تحاملا على أقوام.
قال أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني: حدثني الفقيه الصالح حسن بن أحمد البصري قال: رأيت الخطيب في المنام وعليه ثياب بيض حسان وعمامة بيضاء، وهو فرحان يتبسم، فلا أدري قلت: ما فعل الله بك؟ أو هو بدأني. فقال: غفر الله لي، أو رحمني، وكل من يجيء - فوقع لي أنه
_________
(١) «الوافي بالوفيات» (٧/ ١٢٩).
стр. 59
يعني بالتوحيد - إليه يرحمه، أو يغفر له، فأبشروا، وذلك بعد وفاته بأيام» (١).
فَرَحِمَ اللهُ الإمامَ الخَطِيبَ، وجَزاه خَيرًا عَمَّا بَذَل وقَدَّم لأمَّتِه مِنْ عُلوم نافِعة، وعَلى صَبره على الإيْذَاء، والتَّغْرِيب في سبيل الله تعالى.
وأسألُه سبحانه أن يَجْمَعَني به ونَبِيِّنا محمدٍ ﷺ في مَقْعَدِ صَدْقٍ عِند مَلِيكٍ مُقْتَدِر.
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٨).
стр. 60
المبحث السابع:
منهجي في تحقيق كتاب المؤتنف:
لا يَخفى على كل مُشْتَغِل بصَنعَة التحقيق: أن العمل على نسخة خَطِّية واحدة هو من الصعوبة بمكان، بحيث أنه إذا أُشكِل شيء في المخطوط، فلا سبيل يُرجع إليه لحل ذلك الإشكال، وكتاب «المؤتنف» -فيما نعلم- لا يوجد منه سوى تلك النسخة الفريدة التي وصفناها قبل ذلك، والتي تمثل النصف الأخير من الكتاب، غير أنها امتازت بأن ناسخها هو مصنفها الإمام الخطيب الذي قيل عنه وهو كذلك: «وكتابة الخطيب مليحة مفسرة، كاملة الضبط».
وأنه «حسن النقل والخط، كثير الشكل والضبط».
فلم أجد عناءًا في ذلك مطلقًا، لكن طريقة نسخ الخطيب للكتاب وكونه أشبه بالمسودة فكثرت فيه الحواشي والإحالات، -ومعلوم أن أول ما يتلف من ورق المخطوط حواشيه-، فقد صعب علي في كثير من الأحيان قراءة ما في الحواشي، لكني عاينت من توفيق الله الكثير في حل ألفاظ تلك الحواشي.
ثم إن منهجي في تحقيق هذا الكتاب يتمثل فيما يلي:
١ - بعد أن قام أخي أبو القاسم بنسخ الكتاب على ما ذكرت في أول المقدمة، طابقت المنسوخ على المخطوط، طابق معي أبو القاسم جزءا منه، ثم طابقت الباقي بمفردي مستعينًا بالله تعالى كلمة كلمة.
٢ - أثبت جميع ضبط الخطيب الذي ضبط به الكتاب وزدت عليه بنفسي ما رأيت في زيادته فائدة، فخرج الكتاب بنسبة كبيرة مضبوطًا بالشكل أجمع.
٣ - وحيث أن الكتاب لا نُسخ له غير هذه، فإني قمت بمطابقة كل
стр. 61
النصوص التي نقلها الخطيب من مصنفات قبله وهي مطبوعة، وأشرت إلى ذلك في موضعه. واضعًا بذلك إشارة الحاشية عند المصنف الذي ورد ذكره في السند، كالطيالسي، والبخاري في التاريخ الكبير، ويعقوب بن سفيان، وتمام الرَّازِي، والطَّبَراني، وأبي نعيم الأصبهاني، والمحاملي، وابن بشران، والبغوي، والإسماعيلي، وغيرهم.
٤ - كذلك رجعت إلى المصادر التي نقلت من الخطيب وطابقت ما نقلوه بما عندي في المخطوط كتاريخ ابن عساكر مثلا والذي نقل جملة لا بأس بها من الكتاب.
وكذلك رجعت إلى كتب الخطيب الأخرى التي كرر فيها ما ذكره في كتاب المؤتنف.
٥ - خرجت جميع ما وقفت عليه من أسانيد الكتاب، من المصادر الأخرى، التي شاركت الخطيب في رواية ما روى، بادئا بالنازل منها، فأبدأ أولا بذكر من أخرج ذلك من طريق الخطيب، ثم بمن شاركه عن شيوخه كالبيهقي مثلا، ثم بمن أخرجه من طريق شيوخ شيوخه وهكذا أبدأ بالمصدر النازل.
٦ - كان توثيق الكتاب يمثل عندي الجانب الأهم، لذلك خرجت الكتاب بالصورة التي ذكرت آنفًا، ولم أتعرض لتصحيح أو تضعيف، فليس هذا من شأن هذا الكتاب، ولا غيره ممن صنف لأجله. لذلك فأنا لم أخرج المتن، فلو أن المتن في الصحيحين ولكن من غير هذا الطريق الذي أخرجه الخطيب فإني أتجنب تخريجه منهما.
٧ - أما بخصوص تراجم الكتاب والتي بلغت ألفا وخمسمائة وإحدى عشرة ترجمة فقد ربطتها جميعًا بكتاب ابن ماكولا «الإكمال»، سوى التي
стр. 62
تنكبها ابن ماكولا فلم يذكرها في كتابه، فربطتها ببعض الكتب التي أخرجتها كتاريخ البخاري الكبير، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات والمجروحين لابن حبان وغيرها من كتب التراجم، وقد اكتفيت في كثير من الأحيان بذكر مصدرين أو ثلاثة خشية الإطالة، وانتقيت المصادر التي ذكرتها انتقاءًا إما لصلتها بالكتاب، وإما لتقدمها على غيرها وشهرتها.
٨ - كذلك خرجت من كتابي الشيخين أعني: الدارقطني والأزدي كل ما عزاه لهما أثناء استدراكه عليهما.
٩ - قد ذكرت أني ضبطت أكثر الكتاب بالشكل، لكني أوليت الأنساب العناية الأكبر في ذلك، فلن تجد -بإذن الله- نسبة في هذا الكتاب إلا مضبوطة، قد رجعت في ضبطها -حتى وإن ضبطها الخطيب- إلى كتب الأنساب والبلدان وغيرها ممن له عناية بضبط ذلك.
١٠ - وضعت أرقامًا للأعلام المترجمين في الكتاب لسهولة الرجوع إليها والتي بلغت ١٥١١ ترجمة، كا وضعت أرقاما أيضًا للأسانيد والتي بلغت ١٨٧١ إسنادًا.
١١ - صنعت مجموعة من الفهارس الفنية التي تعين على الوصول إلى الفائدة من الكتاب كفهرس للآيات، وآخر للأحاديث والآثار، والأعلام المترجمين، وأسماء الكتب الواردة في الكتاب، والأشعار وغير ذلك. ساعدني في بعضها أخي وتلميذي أبو القاسم الكفافي حفظه الله ونفع به.
١٢ - ما مر من عمل -سوى نسخ المخطوط وصناعة بعض الفهارس- قمت به بمفردي مستعينًا بالله تعالى على ذلك، ولا أقول ذلك تبجحًا ولا فخرًا ولا رياءًا عياذًا بالله ربي، ولكنه الواجب الذي قصر فيه كثير من المشتغلين بهذا الأمر، فصار أحدهم لا يقوم بشيء من العمل في الكتاب
стр. 63
سوى النظر فيه النظرة الأخيرة -إن فعل- قبل أن يخرج للناس، فيكل المطابقة لشخص، والضبط لآخر، والتخريج ربما لامرأته، والتنسيق لمكتب التنضيد، … فهذه كلها أشياء يربأ الإمام المحقق بنفسه أن يخوض فيها! ثم إن هذا سيضيع وقته الثمين الذي تحتاجه الأمة ليغشها بكتاب آخر من تحقيقه!! ألا فليتق الله من يفعل ذلك، ويعلم أنه داخل تحت قول النبي ﷺ «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» أخرجه البخاري.
ولا يعفيه من ذلك كتابة قائمة بأسماء المشاركين له في العمل في طيات المقدمة، فقليل من الناس من يقرأ مقدمات التحقيق، ألا وليعلم أن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.
وإني لأحمد ربي حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه أن وفقني لتحقيق هذا الكتاب النافع الماتع الذي ما استفدت من كتاب حققته كما استفدت من هذا الكتاب، وأحمده تعالى أن وفقني لصحبة الإمام الخطيب ما يقرب من عام كامل، فتحقيق كتاب بخط صاحبه يشعرك أنك معه يحادثك وتحادثه، ويفيدك وتستفيد منه، ويؤنسك وتؤنسه، فاللهم لك الحمد على ما وفقت.
وعملا بحديث رسول الله ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» الذي أخرجه أبو داود والترمذي.
فإني أوجه شكري أولا للشيخ الكريم أبي عاصم إبراهيم نجم الدين أستاذنا في دار هجر الذي دلني على الكتاب قبل خمسة عشر عامًا فاللهم بارك له في عمره وعلمه وأهله.
وصديقي وخليلي الدكتور عمرو مبروك الذي سعى لي في تصوير الكتاب ملونا من مكتبة الدولة ببرلين، فجزاه الله عني خيرًا وسدد خطاه وألهمه رشده.
стр. 64
ثم أشكر تلميذي وصاحبي أبا القاسم إسلام الكفافي الذي نسخ الكتاب، وراجعه معي دون كلل أو ملل، وكان له نظر صائب في مواضع شتى، فجزاه الله خيرًا ونفع به ورزقه العلم النافع والعمل الصالح.
ولا أزال، ولن أزال إن شاء الله تعالى أشكر ولا أنسى فضل شيخي الكريمين العالمين أبي إسحاق الحويني، والدكتور أبي محمد أحمد معبد عبد الكريم حفظهما الله وفَسَح في مدتهما ومتعنا ببقائهما ونفع بهما البلاد والعباد، فمنهما تعلمت وبكلامهما تأثرت فأنتجت، وأنا أسأل الله بعد رضاه، أن يرضيهما عني وعن عملي، وأن يجعلني عند حسن ظنهما.
وإني في الختام لا أَدَّعي لنفسي عِصمة، ولا أُسَلِّم قولي عن وَصْمة، فالمعصوم السالم هو كتاب الله المجيد الذي لا ريب فيه، وكل كتاب سواه عرضة للريب والتحريف.
فأسأل الله تعالى أن يقبل مني صوابه، ويتجاوز لي عن خطئه؛ إنه بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله أولا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.
وكَتبهُ
أبو عاصم الشَّوَامِي محمد بن محمود بن إبراهيم.
القاهرة.
في الثامن عشر من شهر الله المحرم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف
من هجرة النبي ﷺ .
стр. 65
نَمَاذج مِنْ صُوَر المَخطُوطَات
стр. 66
الورقة الأولى من المخطوط بعد ترتيبها.
стр. 67
الورقة الثانية بعد ترتيبها وكانت الأولى في التصوير قبل الترتيب.
стр. 68
مثال لأول وريقة في الكتاب، الوجه والظهر.
стр. 69
مثال آخر لوريقة أكبر من سابقتها، الوجه والظهر.
стр. 70
مثال لضرب المصنف على بعض المواضع.
стр. 71
آخر الجزء الثالث عشر، وتظهر عليه بعض السماعات.
стр. 72
أول الجزء الخامس عشر ويظهر عليه العنوان، وبعض السماعات.
стр. 73
آخر الجزء السادس عشر ويظهر فيه التداخل والإحالات التي أشرت إليها في المقدمة.
стр. 74
يظهر في آخِر هذه الوريقة خط عمر بن علي القرشي مستدركًا على الخطيب وهمه، وقد أشرت إلى ذلك في وصف النسخة.
стр. 75
صورة أول الجزء الرابع والعشرين والأخير من الكتاب.
следующие страницы →