المسألة الرابعة
من قال بأن الكفر يكون بالقول، أو بالعمل؛ فقد فارق المرجئة
وذلك أنهم لا يعدون الأعمال من الإيمان، فالعمل - عندهم - لا يؤثر على الإيمان قوةً ولا ضعفاً، وعليه: فلا طريق للكفر - عندهم - إلا بالاعتقاد.
قال ابن تيمية ﵀ عمن يشترط الاستحلال في تكفير من سب النبيَّ ﷺ : " رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم ... فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهم الذين يقولون الإيمان هو الاعتقاد والقول " (الصارم المسلول ٣/ ٩٦٤).
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز ﵀ تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه): " هذا الحصر فيه نظر ... وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بيّنها أهل العلم في باب (حكم المرتد)، من ذلك طعنه في الإسلام أو في النبي ﷺ " (الفتاوى ٢/ ٨٣).
стр. 107
وقال الألباني - مُلخِّصاً مُقرّاً كلامَ ابن القيم - رحمهما الله: " لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد، وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمانَ وإلى ما لا يضاده؛ فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان " (السلسلة الصحيحة ٧/ ١٣٤، تحت الحديث رقم ٣٠٥٤).
وقال ابن عثيمين ﵀ مُعدِّداً شروط التكفير -: " دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر " (القواعد المثلى ص ١٤٩).
المسألة الخامسة
من قال بوجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ولو جاروا؛ فقد فارق المرجئة
وذلك أنهم لا يرون لولاة الجور سمعاً ولا طاعة، بل يرون السيف.
قال عبد الله بن طاهر ﵀ عن المرجئة: " لا يرون للسلطان طاعة " (" عقيدة السلف وأصحاب الحديث "
стр. 108
للصابوني ﵀ ص ٦٨).
وقال سفيان بن عيينة والأوزاعي رحمهما الله: " إن قول المرجئة يخرج إلى السيف " (" السنة " لعبد الله بن أحمد رحمهما الله ١/ ٢١٨/٣٦٨).
وقال سفيان الثوري ﵀: " يرون السيفَ على أهل القبلة " (" الشريعة " للآجري ٢٠٦٢، وانظر " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي ١٨٣٤ رحمهما الله).
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز ﵀: " ويجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعصية، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكنْ لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها " (الفتاوى ٨/ ٢٠٣).
وقال الألباني ﵀ مُعلِّقاً على ما في العقيدة الطحاوية (ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة): " ومِن الواضح أن ذلك خاص بحُكام المسلمين منهم، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩] " (الطحاوية ١/ ٥٨).
стр. 109
وقال ابن عثيمين ﵀: " مهما فسق ولاة الأمور: لا يجوز الخروج عليهم. لو شربوا الخمر , لو زنوا , لو ظلموا الناس: لا يجوز الخروج عليهم " (شرح رياض الصالحين ١/ ٧٠٢).
* أقول: فهذه هي أصول المرجئة التي حكاها عنهم ونقضها أهلُ السنة، والتي غابت عن كثير من طلاب العلم؛ فأصبحوا يرمون بالإرجاء من خالفهم ولو لم يكن متلبِّساً بشيء من آراء المرجئة! فترى آثار السلف تبرِّئ الرجلَ من الإرجاء؛ ثم يأتي من أهل عصرنا مَن يرميه به! فمَن أعلم بالإرجاء وأصوله؟ أئمة السلف؟ أم طلاب العلم هؤلاء؟!
* ثم أقول: وأشد من هذا؛ أن بعض طلاب العلم عمدوا إلى اختياراتهم الاجتهادية في بعض المسائل فجعلوها أصلاً من أصول السنة! واعتبروها من الفروق بين أهل السنة والمرجئة! فرموا مخالفهم فيها بالإرجاء! كمسألة تارك الصلاة تهاوناً، والتي - وإن كنتُ مع القول بأن تاركها كافر كفراً أكبر - إلا أنها محل خلاف بين المتقدمين من أهل السنة، ولا علاقة لها بالإرجاء لا من قريب ولا من بعيد ما دام
стр. 110
الخلاف فيها مبنيّاً على الأدلة (١).
فليُتنبَّه لهذا.
стр. 111
المبحث الرابع
الجواب عن أهم أدلة المخالفين .. وهي أربعة عشر دليلاً
الدليل الأول
قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] .
فإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر بنص الآية.
فالجواب: أن الكفر هنا هو الكفر الأصغر لا الأكبر، وبرهان ذلك ثلاثة أمور:
١. إجماع أهل السنة على أن الآية ليست على ظاهرها، وقد تقدم (ص ٢٤).
٢. تفسير ابن عباس ﵄، وقد تقدم (ص ٤٢).
стр. 112
٣. تفسير بعض التابعين (١) (= أصحاب ابن عباس ﵁ ورحمهم)، وقد تقدم (ص ٤١)، ولا يعلم لهم مخالف من عصرهم.
ثم إن قيل: الأصل عند الإطلاق انصراف الكفر للكفر الأكبر.
فالجواب: أن هذا الإيراد لا ثمرة منه؛ لأنه جاء ما يجعل المراد بالكفر في الآية: الكفر الأصغر، وهو تفسير ابن عباس وبعض أصحابه.
ثم إن قيل: قد استقرأ ابن تيمية ﵀ لفظ (الكفر) المعرَّف بـ (أل) فوجد أنه لا يأتي إلا أريد به الكفر الأكبر، فقال:
стр. 113
" والكفر المعرَّف: ينصرف إلى الكفر المعروف، وهو المخرج عن الملة " (" شرح العمدة "، قسم الصلاة ص ٨٢).
فالجواب: أن استقراءه ﵀ جاء على المصدر (الكفر) بينما جاءت الآية باسم الفاعل (الكافر) وفرق بينهما؛ إذ المصدر يدل على الفعل وحده، أما اسم الفاعل فهو دال على الفعل وعلى من قام بالفعل (= الفاعل).
لذلك فقد جعل ابنُ تيمية - نفسه - القولَ بأن المراد بالكفر في الآية هو الكفر الأصغر؛ قولاً لبعض أئمة السنة، بل لعامة السلف، وتقدم كلامه (ص ٤٤).
قال ابن عثيمين ﵀: " مِن سوء الفهم قول مَن نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال (إذا أُطلق الكفر فإنما يراد به كفر أكبر)؛ مستدلاً بهذا القول على التكفير بآية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]! مع أنه ليس في الآية أن هذا هو (الكفر)! وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام فهو تفريقه ﵀ بين (الكفر) المعرَّف بـ (أل) و (كفر) مُنكّراً. فأما الوصفُ فيصلح أن نقول فيه (هؤلاء كافرون) أو (هؤلاء الكافرون) بناءً على ما اتصفوا به من الكفر الذي
стр. 114
لا يخرج من الملة، ففرْق بين أن يوصف الفعل وأن يوصف الفاعل " (فتنة التكفير ص ٢٥، حاشية ١).
الدليل الثاني
قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] .
فإن قيل: إن الله نفى الإيمان عمن لم يحكّم الشريعة، وهذا يقتضي الكفر.
فالجواب: أن المنفي هو كمال الإيمان لا أصله (= لا كله)، فالآية تحكم بنقص الإيمان لا بزواله.
وبيان ذلك: أن نفي الإيمان جاء في الشريعة وأريد به نفي الكمال لا نفي الأصل.
ومن أمثلة ذلك: قوله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (البخاري ١٣، مسلم ١٦٨). و قوله ﷺ : " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ". قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: " الذي لا يأمن جاره بوائقه " (البخاري ٦٠١٦).
стр. 115
* أقول: فإذا عرفت أن نفي الإيمان يأتي في الشريعة ويراد به نفي الكمال، وعرفت أن هذا الاحتمال يوجب التأنّي في التكفير بهذه الآية؛ فاعلم أنه جاء ما يصرف الإيمان المنفي في الآية من الأصل إلى الكمال، ومن هذه الصوارف صارفان اثنان:
الصارف الأول: أن نفي الإيمان في الآية جاء في حق ثلاثة:
١. من لم يحكّم الرسول ﷺ .
٢. من وجد في نفسه شيئاً على حكم الرسول ﷺ .
٣. من لم يسلّم بحكم الرسول ﷺ .
* أقول: فمن جعل المنفي هو أصل الإيمان (= كله!) لزمه أن يكفر هؤلاء الثلاثة، مع أنه جاء ما يدل على عدم كفر الثاني والثالث، ومن هذه الأدلة دليلان ظاهران:
أما أولهما فما قال أنس بن مالك ﵁: لمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب! إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم! فبلغ ذلك
стр. 116
رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: " ما الذي بلغني عنكم؟ ". قالوا: " هو الذي بلغك "، وكانوا لا يكذبون. قال: " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس وادياً أو شِعْباً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار " (البخاري ٣٧٧٨، مسلم ٢٤٣٧). قالوا: " يا رسول الله؛ قد رضينا " (البخاري ٤٣٣١، مسلم ٢٤٣٨) .. فرضي الله عن الأنصار وعن جميع أصحاب النبي ﷺ وأرضاهم، فما أبرهم وأصدق إيمانهم وأحبهم لرسول الله ﷺ .
وأما ثانيهما فحديث عائشة ﵂: أن أزواج النبي ﷺ جئنه يناشدنه العدلَ في بنت أبي قحافة (= عائشة ﵂ (البخاري ٢٥٨١، مسلم ٦٢٤٠) .. فرضي الله عن زوجات النبي ﷺ وأرضاهن.
* أقول: فإن كان المنفي عن الثاني والثالث هو الكمال؛ فلا بد أن يكون كذلك في حق الأول، وإن كان الثاني والثالث لا يكفران؛ فالأول كذلك سواء بسواء؛ لأن الوعيد الوارد في حقهم واحد.
وإنْ قارنتَ هذا بقول ابن تيمية ﵀: " وهذه الآية مما
стр. 117
يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله " (منهاج السنة ٥/ ١٣١) فقد تجلّى لك الأمر.
الصارف الثاني وفيه مبحث دقيق: أن الآية نزلت في رجل أنصاري بدري، والبدريون محفوظون من الوقوع في الكفر الأكبر، وذلك أنه جرت بين الزبير وذاك الرجل ﵄ خصومة، فقضى النبي ﷺ بقضاء أغضب الأنصاري فقال: أنْ كان ابن عمّتك؟! (أخرج القصة البخاري: ٢٣٥٩، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥، ومسلم ٦٠٦٥، وأبو داود ٣٦٣٧، والترمذي ١٣٦٣، والنسائي ٥٤٣١).
فانظر كيف غضب ذلك البدري ﵁ ولم يقع منه التسليم الكامل بقضاء النبي ﷺ في ذلك الأمر؟
قال ابن باز ﵀ تعليقاً على قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]:
" فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها [أي: الشريعة]، أو قال: (إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء)، أو: (إلى الأجداد)، أو: (إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال)، سواء كانت
стр. 118
شرقية أو غربية، فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافراً كفراً أكبر ... أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع؛ فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان وهو بذلك كافر كفراً أصغر، وظالم ظلماً أصغر، وفاسق فسقاً أصغر " (الفتاوى ٦/ ٢٤٩).
بل قال ابن تيمية ﵀: " كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه
стр. 119
الغاية؛ دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وُعِد أهله بدخول الجنة بلا عذاب " (الفتاوى ٧/ ٣٧).
وقال ﵀: " فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] " (الفتاوى ٢٢/ ٥٣٠).
فإن قيل: فما الدليل على حفظ الله لأهل بدر من الوقوع في الكفر؟
فالجواب: أن الله تعالى قد أوجب لهم الجنة، كما في قصة حاطب ﵁ إذ قال النبي ﷺ في حقهم: " لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة " (البخاري ٦٩٣٩).
* أقول: فمن لم يقل بخصوصيتهم وحفظ الله لهم من الوقوع فيما يخرج من ملة الإسلام؛ فقد أوجب تعارض الحديث مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
стр. 120
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦]، وذلك أن الكفر والشرك الأكبرين لا يغفران، وأن الله أوجب لأهل بدر الجنة.
فإن قيل: ألا يحتمل أن يقع أحد من أهل بدر في الكفر لكنه يُوفّق للتوبة من ذلك الكفر فيموت على التوبة فيدخل الجنة، فلا تتعارض النصوص؟
فالجواب من وجهين:
١. أن الله قد غفر لأهل بدر، ولم يُقيِّد ذلك الغفران بالتوبة، والواجب إعمال هذه الفضيلة في حقهم على إطلاقها وعدم تقييد ما أطلقه الله تعالى.
٢. ولو قيل بهذا لعطّلنا تلك الفضيلة! ولما كان لشهودهم بدراً مزية! وذلك أن أهل العلم متفقون على أن جميع الذنوب - حتى الكفر - تغفر بالتوبة. ولو كان ذنب أهل بدر مغفوراً لهم إذا تابوا منه! لما كان لذلك الفضل ما يميّزهم عن غيرهم.
стр. 121
وأختم هذا المبحث بقول ابن تيمية ﵀: " قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم): إن حُمِل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة: لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد عُلم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة؛ لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفَّرة باجتناب الكبائر " (الفتاوى ٧/ ٤٩٠).
فإن قيل: إن الآية تنفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الشريعة ولا يلزم من ثبوت هذا الحكم أن يكفر ذلك الصحابي لأن الحكم على المعيَّن له شروط وموانع.
فالجواب: أن هذا الصحابي المعيَّن له تميّز على غيره بأن النص قد نزل فيه ولا وجه لتفسير الآية بدون النظر فيمن نزلت، فمع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أنه لا خلاف في دخول من نزل فيه النصُّ دخولاً أوَّلياً.
قال ابن تيمية ﵀: " والآية التي لها سبب معين؛ إن كانت أمراً أو نهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضاً " (الفتاوى ١٣/ ٣٣٩).
стр. 122
وقال ابن القيم ﵀: " فلا يخرج محلُّ السبب عن الحكم، ويتعلق بغيره " (زاد المعاد ٥/ ٣١٧).
بل قد نقل الزركشي ﵀ حكاية بعضهم الإجماع على ذلك فقال: " فإن محلَّ السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد بالإجماع كما حكاه القاضي أبو بكر في مختصر التقريب؛ لأن دخول السبب قطعي " (البرهان ١/ ١١٧).
الدليل الثالث
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠].
فإن قيل: إن من تحاكم إلى غير الشريعة فقد كفر؛ لأن الله قد حكم عليه بالنفاق.
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: صحيح أن الآية جاءت في شأن المنافقين، لكن معناها محتمل لأمرين:
стр. 123
١. أن إيمانهم صار مزعوماً (= أنهم صاروا منافقين) لكونهم أرادوا الحكم بالطاغوت، وهذا ما يتمسك به المخالف.
٢. أن من صفات أهل الإيمان المزعوم (= المنافقين) أنهم يريدون التحاكم للطاغوت، ومشابهة المؤمن للمنافقين في صفة من صفاتهم - كالكذب - لا توجب الكفر، فعلى هذا؛ فإن من حكم بغير ما أنزل الله فقد شابه المنافقين في صفة من صفاتهم، وهذا لا يوجب لهم الكفر إلا بدليل آخر.
* أقول: وإذا ورد الاحتمال في أمر بين كونه مكفراً أو غير مكفر؛ لم يُكفَّر به؛ لأن التكفير لا يقوم على أمر محتمل، بل لا يبنى إلا على اليقين، فوجب الاحتياط فيه، لا سيما وأنه لم يدل دليل على أن الحكم عليهم بالنفاق إنما جاء بسبب تحاكمهم لغير الله.
الوجه الثاني: أن إرادة هؤلاء ليست إرادة مطلقة، بل هي إرادة خاصة فيها ما ينافي الكفر به، ومن لم يعتقد وجوب الكفر بالطاغوت فلا شك في كفره الكفر الأكبر.
стр. 124
قال الطبري ﵀: " ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ في خصومتهم، ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾
يعني: إلى من يعظمونه ويصدرون عن قوله ويرضون بحكمه من دون حكم الله ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء ٦٠] يقول: وقد أمرهم أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه فتركوا أمر الله واتبعوا أمر الشيطان " .. (تفسيره ٥/ ٩٦).
الدليل الرابع
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
فإن قيل: إن من أطاع غير الله فيما يخالف أمر الله فقد أشرك.
فالجواب من وجهين:
١. أن ظاهر الآية يوهم بأن كل طاعة شرك، وهذا غير مراد، بل لم يقل به أحد، فـ:
٢. الطاعة المرادة - هنا - هي الطاعة في التحليل والتحريم؛ يعني أنه يوافقهم فيعتقد حلَّ الحرام وحرمة الحلال،
стр. 125
قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: " وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ كيف حكم على أن من أطاع أولياء الشيطان في تحليل ما حرم الله أنه مشرك " .. (عيون الرسائل ١/ ٢٥١).
الدليل الخامس
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] .
فإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله مشارك لله تعالى في حكمه فهو كافر.
فالجواب: أن الآية لا تدل إلا على كفر المبدِّل، وذلك أنها كفَّرت من جمع بين وصفين:
١. التشريع .. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾.
٢. والنِّسبة للدِّين .. ﴿مِنْكَ الدِّينِ﴾.
* أقول: وهذا هو المسمى بالتبديل وتقدم أنه كفر بالإجماع (ص ٢٠).
стр. 126
الدليل السادس
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ٢٦] .
فإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله قد جعل نفسه مشاركاً لله في حكمه فهو كافر.
فالجواب من وجهين:
١. لا يُسلّم بأن الحاكم بغير ما أنزل الله مشارك لله في حكمه في كل الحالات؛ وذلك أنه إذا نسب ما جاء به للدّين (= المبدل) أو اعتقد أنه يجوز له أن يحكم بغير ما أنزل الله (= المستحل)؛ فهو مشارك لله في حكمه، أما من عداهما فلا يدخل في هذه الآية.
٢. أن من خالف في هذا وأخذ الآية على عمومها لزمه التكفير بكل صور الحكم بغير ما أنزل الله؛ على أنها مشاركة الله في حكمه، وإجماع أهل السنة على عدم كفر الجائر (ص ٢١) كاف في رد هذا الفهم.
стр. 127
الدليل السابع
قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ﴾ [الأنعام ٥٧، يوسف ٤٠، ٦٧] .
فإن قيل: إن من وضع أحكاماً من عنده فقد نازع الله في أمر خاص به فهو كافر.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
١. لا يُسلّم بأن الحاكم بغير ما أنزل الله يكون منازعاً لله تعالى في الحكم بمجرد فعله من دون أن يدّعي لنفسه الحقَّ في ذلك.
٢. من خالف هذا لزمه تكفير الجائر الذي أجمع أهل السنة على عدم كفره (ص ٢١).
٣. ومن خالف في هذا لزمه - كذلك - تكفير المصور الذي أجمع أهل السنة على عدم كفره (انظر ص ٢٩).
الدليل الثامن
قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ
стр. 128
اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١].
فإن قيل: إن أهل الكتاب لمّا أطاعوا علماءهم وعبَّادهم في حكمهم بغير ما أنزل الله وصفهم الله بأنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله؛ فهذا الاتخاذ شرك.
فالجواب: أن طاعة الأحبار والرهبان لا تخرج عن حالتين:
١. طاعتهم في اعتقاد حل ما حرم الله وحرمة ما أحل الله؛ وهذا كفر مخرج من الملة بلا خلاف.
٢. طاعتهم في معصية الله بدون اعتقاد حل ما حرم الله ولا حرمة ما أحل الله؛ وهذا ليس بكفر قطعاً؛ لأنه لا دليل على التكفير به، كما يلزم منه تكفير أهل الذنوب الذين أطاعوا أهواءهم أو من دعوهم لمقارفة الذنوب، ويلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم كفره؛ كالذي أطاع الزوجة والولد في معصية الله.
قال ابن تيمية ﵀: " وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدَّلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل؛ فيعتقدون
стр. 129
تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل؛ فهذا كفر ... والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام (١) ثابتاً؛ لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعله أهل المعاصي التي يُعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب " .. (الفتاوى ٧/ ٧٠).
الدليل التاسع
قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] .
فإن قيل: إن من تحاكم لغير الله فقد خالف ما أمر الله .
فالجواب: أن الآية تدل على وجوب التحاكم إلى الشريعة؛ وهذا ما لا اختلاف فيه، كما لا اختلاف في أن هؤلاء المحكّمين غير ما أنزل الله آثمون وواقعون في ذنب عظيم؛ لكنْ ليس في الآية دلالة على التكفير.
стр. 130
الدليل العاشر
قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] .
فإن قيل: إن الله وصف الحكم بغير الشريعة بأنه حكم الجاهلية؛ وهذا يعني أنه كفر.
فالجواب: إن إضافة الشيء إلى الجاهلية، أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية؛ لا يلزم منها الكفر.
وبرهان ذلك: أن الرسول الله ﷺ قال لأبي ذر ﵁ لمّا عيّر رجلاً: " إنك امرؤ فيك جاهلية " .. (البخاري ٣٠، مسلم ٤٢٨٩). كما وصف أموراً - اتفق أهل السنة على عدم التكفير بها - بأنها من أعمال الجاهلية، منها: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت .. (مسلم ٢١٥٧).
* أقول: فمن قال بالتلازم بين: النسبة للجاهلية والكفر؛ لزمه التكفير بما اتفق أهل السنة على عدم التكفير به؛ وهو: تعيير المسلم، والطعن في الأنساب، والنياحة.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: " ألا تسمع
стр. 131
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾
[المائدة ٥٠]؟ تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون، وهكذا قوله: (ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء) ... ليس وجوه هذه الآثار كلها - من الذنوب - أن راكبها يكون جاهلاً! ولا كافراً! ولا منافقاً! ... ولكن معناها: أنها تتبيَّن من أفعال الكفار، محرّمة منهي عنها في الكتاب والسنة " .. (الإيمان ص ٩٠).
وقال البخاري ﵀: " باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها؛ إلا الشرك، لقول النبي ﷺ : " إنك امرؤ فيك جاهلية " وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦] " .. (" صحيحه " قبل الحديث رقم ٣٠).
الدليل الحادي عشر
سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى
стр. 132
الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠]، قال الشعبي ﵀: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ ، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت الآية (الواحدي في " أسباب النزول " ص ١١٩).
فإن قيل: إن الله حكم عليهم بالنفاق لتحاكمهم إلى الكاهن.
فالجواب من وجهين:
١. أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن الشعبي ﵀ من التابعين فهو مرسل.
٢. لو صح الحديث؛ فإن الآية نزلت في شأن منافق، وتحقّق صفة من صفات المنافقين في مسلم لا يلزم منه وصفه بالنفاق الأكبر؛ إلا أن يدل دليل آخر على أن الوصف بالنفاق إنما جاء لأجل هذه الصفة (= التحاكم لغير الله).
стр. 133
الدليل الثاني عشر
سبب نزول آخر ، وهو: أن رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف، فقتله .. (الواحدي في " أسباب النزول " ص ١١٩).
والجواب: أنه من طريق الكلبي عن أبي صالح باذام عن ابن عباس به، ففيه أربع علل:
١. (محمد بن السائب الكلبي) متروك؛ تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي رحمهما الله، بل قال أبو حاتم ﵀: " الناس مجمعون على ترك حديثه " .. (انظر تهذيب الكمال ٦/ ٣١٨ - ٣١٩/ ٥٨٢٥).
٢. (باذام) ضعيف؛ ضعفه البخاري، و ابن حجر رحمهما الله. بل قال ابن عدي ﵀: " ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه " .. (انظر ميزان الإعتدال ٢/ ٣/١١٢٣، تقريب التهذيب ص ١٦٣، الكامل ٢/ ٢٥٨/٣٠٠).
стр. 134
٣. الانقطاع بين باذام وابن عباس ﵄؛ قال ابن حبان ﵀: " يحدّث عن ابن عباس ولم يسمع منه " .. (انظر تهذيب التهذيب ١/ ٢١١).
٤. مرويات الكلبي عن باذام ليست بشيء؛ قال يحيى بن معين ﵀ عن باذام: " إذا روى عنه الكلبي؛ فليس بشيء " .. (انظر تهذيب الكمال ١/ ٣٢٦/٦٢٥).
الدليل الثالث عشر
سبب نزول آخر، وهو قول ابن عباس ﵁: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، فتنافر إليه أناس من المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء ٦٠] الآية .. (الواحدي في " أسباب النزول "
ص ١١٨، الطبراني في " الكبير " ١٢٠٤٥).
قال الهيثمي ﵀: " رجاله رجال الصحيح " .. (مجمع الزوائد ٧/ ٦/١٠٩٣٤).
وقال ابن حجر ﵀: " بسند جيد " .. (الإصابة ٧/ ٣٢، عند ترجمة أبي بردة الأسلمي ﵁.
فإن قيل: إن الله تعالى نسبهم إلى النفاق لأنهم تحاكموا
стр. 135
إلى الكاهن.
فالجواب من وجهين:
١. أن سياق الآيات يدل على أنهم منافقون، فالآية تذكر صفة من صفاتهم، ولا دلالة في الآية ولا في سبب نزولها على أن تحاكمهم هو السبب في الحكم عليهم بالنفاق، فمن فعل كفعلهم كان مشابهاً لهم، ومن شابه المنافقين في صفة لم يلزم منه أن يكون منافقاً النفاق الأكبر المخرج من الملة.
٢. أن إرادة هؤلاء النفر إرادة مكفرة، وهي الإرادة المنافية للكفر بالطاغوت، وقد تقدم (ص ٦١).
الدليل الرابع عشر
قال ابن كثير ﵀ مُعلِّقاً على بعض ما في كتاب التتار (= الياسا = الياسق)
من أحكام: " وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرعَ المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر. فكيف بمن
стр. 136
تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين " .. (البداية والنهاية ١٣/ ١٢٨، حوادث سنة ٦٢٤ هـ).
فإن قيل: فهذا فيه الإجماع على كفر من ترك الشريعة وتحاكم لغيرها.
فالجواب: أن هذا الإجماع إنما هو في حق أحد رجلين:
١. من استحل الحكم بغير ما أنزل الله.
٢. من فضل حكم غير الله على حكم الله.
* أقول: ولا نزاع في كفر المستحل (ص ١١) والمفضل (ص ١٨).
وبرهان ذلك: أن ابن كثير ﵀ إنما حكى الإجماع على كفر التتار ومن فعل كفعلهم، والحالةُ التي وقعوا فيها مكفرة بلا خلاف، وبيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنهم استحلوا الحكم بغير ما أنزل الله.
قال ابن تيمية ﵀: " يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يُرجّح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يرجّح دين المسلمين " .. (الفتاوى ٢٨/ ٥٢٣).
стр. 137
الوجه الثاني: أنهم فضلوا حكم غير الله على حكم الله.
قال ابن كثير ﵀ عن كتابهم - والذي يحتوي على الأحكام التي وضعها لهم جنكيز خان -: " وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير " .. (تفسيره ٢/ ٨٨، المائدة ٥٠).
* أقول: ومن تأمل هذا وقال به؛ فقد اتفق عنده كلام ابن كثير ﵀ مع كلام أئمة السنة في نقلهم الإجماع الثابت المتقرر في المستحل والمفضل.
ثم إنه لو كان في ترك الشريعة والتحاكم لغيرها من دون استحلال أو تفضيل إجماع - كما يقول البعض - لرأيت العلماء يتناقلونه ويقررونه سواء منهم من عاصر ابن كثير ﵀ أو من تقدمه، أو حتى من جاء بعده. كيف وقد حكوا
стр. 138
الإجماع على خلافه؟! وهو: الإجماع على عدم كفر الجائر، وقد تقدم (ص ٢١).
стр. 139
الفتوى المتأخرة لابن عثيمين ﵀ في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله
والتي سُمِّيت بـ: " التحرير في مسألة التكفير "
السؤال (١):
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أما بعد؛ فهذا السؤال أقدمه عبر الهاتف، وعبر تسجيله في الهاتف أيضاً لفضيلة الوالد الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله، ومتع به، وجعل فيه وفي أمثاله العوض عن سماحة الوالد رحمة الله عليه.
وهذا السؤال حول مسألة كثر فيها النزاع بين طلبة العلم، وكثر بها - أيضاً - الاستدلال من بعض كلمات لفضيلة الوالد
стр. 140
العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى، أولاً أقول للشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وزادكم الله علماً، ورفع قدركم في الدنيا وفي الآخرة.
فضيلة الشيخ سلمكم الله: هنا كثير من طلبة العلم يدندنون حول الحاكم الذي يأتي بشريعة مخالفة لشريعة الله ، ولا شك أنه يأمر الناس بها ويلزمهم بها، وقد يعاقب المخالف عليها و يكافئ أو يجازي بالخير وبالعطاء الملتزم بها، وهذه الشريعة في كتاب الله وفي سنة نبيه ﵊ تعتبر مخالفة ومصادمة لنصوص الكتاب والسنة، هذه الشريعة إذا ألزم هذا الحاكم بها الناس ومع أنه يعترف أن حكم الله هو الحق وما دونه هو الباطل وأن الحق ما جاء في الكتاب والسنة، ولكنه لشبهة أو لشهوة جرى إلزام الناس بهذه الشريعة، كما وقع مثل ذلك كثيراً في بني أمية وفي بني العباس وفي أمراء الجور الذين ألزموا الناس بأمور لا تخفى على مثلكم بل لا تخفى على كثير من الناس عندما ألزموا
стр. 141
الناس بما لا يرضي الله كالأمور الوراثية وجعلوا الملك عاضّاً بينهم كما أخبر النبي ﷺ وقربوا شرار الناس وأبعدوا خيارهم وكان من يوافقهم على ما هم فيه من الباطل قربوه ومن يأمرهم وينهاهم ربما
حاربوه .. إلى آخره.
فلو أن الحاكم في هذا الزمان فعل مثل هذه الشريعة؛ هل يكون كافراً بهذه الشريعة إذا ألزم الناس بها؟ مع اعترافه أن هذا مخالف للكتاب والسنة، وأن الحق في الكتاب والسنة؛ هل يكون بمجرد فعله هذا كافراً؟ أم لا بد أن يُنظر إلى اعتقاده بهذه المسالة؟ كمن - مثلاً - يلزم الناس بالربا، كمن يفتح البنوك الربوية في بلاده، ويأخذ من البنك الدولي - كما يقولون - قروضاً ربوية، ويحاول أن يؤقلم اقتصادها على مثل هذا الشيء، ولو سألته قال: (الربا حرام، ولا يجوز)، لكنْ لأزمة اقتصادية، أو لغير ذلك، يعتذر مثل هذه الاعتذارات، وقد تكون الاعتذارات مقبولة، وقد لا تكون، فهل يكفر بمثل ذلك؟ أم لا؟ ..
стр. 142
ومع العلم أن كثيراً من الشباب ينقلون عن فضيلتكم أنكم تقولون أن من فعل ذلك يكون كافراً، ونحن نلاحظ في بلاد الدنيا كلها أن هذا شيء موجود؛ بين مُقلّ ومستكثر، وبين مصرح وغير مصرح، نسأل الله العفو والعافية .. نريد من فضيلتكم الجواب على ذلك عسى أن ينفع الله به طلاب العلم، وينفع الله به الدعاة إلى الله ؛ لأنه لا يخفى عليكم أن الخلاف كم يؤثر في صفوف الدعوة إلى الله .
هذا؛ وأني لأنقل لفضيلتكم محبة أبنائكم وطلابكم طلبة العلم في هذه البلاد، ورغبتهم أيضاً في سماع صوتكم، وتوجيهاتكم، ونصائحكم؛ سواء عبر الهاتف أو غير ذلك. والله المسؤول أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.
مُقدّم هذا السؤال لفضيلتكم: ابنكم وطالبكم أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني من مأرب باليمن في يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 143
الجواب:
[مُقدمة]
" الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله و أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ..
[تأريخ الفتوى]
ففي هذا اليوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرين وأربعمائة وألف؛ استمعت إلى شريط مسجل باسم أخينا أبى الحسن في مأرب، ابتدأه بالسلام عليَّ فأقول: عليك السلام ورحمة الله وبركاته.
[خطر التكفير]
وما ذكره من جهة التكفير؛ فهي مسألة كبيرة، عظيمة، ولا ينبغي إطلاق القول فيها إلا مع طالب علم يفهم ويعرف الكلمات بمعانيها، ويعرف العواقب التي تترتب على القول بالتكفير أو عدمه، أما عامة الناس؛ فإن إطلاق القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد.
стр. 144
[نصيحة قيمة]
والذي أرى أولاً ألّا يشتغل الشباب بهذه المسألة، وهل الحاكم كافر؟ أو غير كافر؟ وهل يجوز أن نخرج عليه؟ أو لا يجوز؟ .. على الشباب أن يهتموا بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم، أو ندبهم إليها، وأن يتركوا ما نهاهم الله عنه كراهة أو تحريماً، وأن يحرصوا على التآلف بينهم، والاتفاق، وأن يعلموا أن الخلاف في مسائل الدين والعلم قد جرى في عهد الصحابة ﵃ ولكنه لم يُؤدّ إلى الفرقة، وإنما القلوب واحدة، والمنهج واحد.
[التفصيل في المسألة]
أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله: فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق؛ على حسب الأسباب التي بُنيَ عليها هذا الحكم.
فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعاً لهواه مع علمه بأن الحق فيما قضى الله به: فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم.
وأما إذا كان يَشْرَع حكماً عاماً تمشي عليه الأمة، يرى أن
стр. 145
ذلك من المصلحة، وقد لُبِّس عليه فيه: فلا يكفر أيضاً؛ لأن كثيراً من الحكام عندهم جهل في علم الشريعة، ويتصل بهم من لا يعرف الحكم الشرعي، وهم يرونه عالماً كبيراً فيحصل بذلك المخالفة.
وإذا كان يعلم الشرعَ ولكنه حكم بهذا، أو شَرَع هذا، وجعله دستوراً يمشي الناس عليه؛ يَعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفِّر هذا.
وإنما نكفِّر: من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله
؛ فإن هذا كافر؛ لأنه مكذب لقول الله ﵎: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
[لا تلازم بين التكفير والخروج]
ثم هذه المسائل؛ لا يعني أننا إذا كفرنا أحداً فإنه يجب الخروج عليه؛ لأن الخروج يترتب عليه مفاسد عظيمة أكبر من السكوت، ولا نستطيع الآن أن نضرب أمثالاً فيما وقع في الأمة العربية وغير العربية.