← Акыда

Акыда · id 160

الحكم بغير ما أنزل الله - المحياني - ط 1437

بندر المحياني العتيبي

Полный текст (151 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

على أنه كفر أكبر، ولذلك قال ابن عبد البر ﵀: " وفي هذا الحديث أيضاً: دليل على أنهم كانوا يكذبون على توراتهم، ويضيفون كذبهم ذلك إلى ربهم وكتابهم " (التمهيد ١٤/ ٩). * وعليه: فلا يصح الاستدلال بهذه القصة على التكفير بحالة التشريع العام؛ لأن اليهود وقعوا في حالتين اتفق أهل السنة على كفر مَن تلبس بإحداهما - فضلاً عنهما معاً -، فإثباتُ أن كفرهم إنما جاء من التشريع العام يحتاج لدليل آخر. * أقول: وتعليق التكفير بأمر ظاهر - في الروايات - اتفق أهل العلم على التكفير به (= الجحود أو التبديل أو بهما مجتمعين) أولى من تعليقه بمحل النزاع (= التشريع العام) الذي لا دليل على التكفير به، ولا دليل على أن كفر اليهود علق به.

стр. 72

المسألة الرابعة: كانت لابن عثيمين ﵀ فتوى بالتكفير بهذه الحالة إلا أنه رجع عنها، وبيان ذلك على النحو الآتي: الفتوى المتقدمة قال ﵀: " ... ومِن هؤلاء: مَن يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه؛ إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه " (الفتاوى ٢/ ١٤٣). وقال ﵀: " لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام؛ إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد " (الفتاوى ٢/ ١٤٣). * أقول: وفي هذه الفتوى ثلاثة أمور لا بد من التنبه لها:

стр. 73

١. أنه استدل على كفر المشرع باللازم، وتقدم (ص ٣٣ وما بعدها) أن في هذا الاستدلال نظراً. ٢. أنه ﵀ أرجع التكفير في هذه الحالة للاعتقاد، وهو يتفق مع ما قررته في حكم هذه الحالة (ص ٣٢)، إلا أنه قد علق الكفر في هذه الحالة باللازِم الذي لا يلزم. فليتأمل هذا الذين يتمسكون بكلامه في هذه المسألة ومع ذلك يرون أن الإرجاع للاعتقاد في هذه الصورة إرجاء! ٣. أنه لم يلتزم قوله هذا ولم يستعمل التكفير باللازم في غير هذه المسألة، ولو كان التكفير باللازم حقاً لقال به ولقال به غيرُه من العلماء في جميع مسائل التكفير. الفتوى المتأخرة قال ﵀: " وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا، أو شرع هذا، وجعله دستوراً يمشي الناس عليه؛ يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا "، انظر الفتوى كاملة (ص ٦٩)

стр. 74

المسألة الخامسة: يرى البعض أن حالة التشريع العام لم تحدث إلا في الأزمان المتأخرة، ويبني على هذا أنه: لا يصح التمسك في عدم التكفير بأنه (لا يوجد دليل مكفر)، وأن (المتقدمين من أهل العلم لم يكفروا بهذه الحالة)، وفي هذا الرأي خطأ لأمرين: ١. يلزم منه ألاّ يستدل على التكفير بهذه الحالة بشيء، وهذا ما لا يقول به؛ فقد استدل بقصة التحميم، وتقدم (ص ٣٤) الجواب عن هذا الاستدلال، وأن مناط (= سبب = علة) التكفير في هذه القصة ليست التشريع العام. ٢. أن حالة التشريع العام قد وقعت قبل قرون، ولم يُفت أحد من أهل العلم بالتكفير بها، ومن أمثلة ذلك: الضرائب التي ابتليت بها كثير من بلاد المسلمين منذ عصور، ومن المعلوم أن واضعها يلزِم بها ويعاقب على تركها، مع أنها محرمة، بل من صور الحكم بغير ما أنزل الله، ولو كان هذا الفعل مكفراً؛ لقال به أهل العلم، ولقرروا أن التشريع العام كفر، ولما سكتوا عن بيانه مع معاصرتهم له.

стр. 75

المسألة السادسة: مع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعاً بين طلاب العلم، إلا أن علماء العصر الثلاثة: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين ﵏ اتفقوا على عدم التكفير بها، (انظر ص ٣٩).

стр. 76

المبحث الثالث فصول مُتمِّمة .. وهي ثمانية فصول الفصل الأول خلاصة الكلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله * أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر كفراً أكبر إلا إذا صرَّح بالاستحلال، أو الجحود أو التكذيب أو التفضيل أو المساواة أو نسب ما جاء به لدين الله (= التبديل) أو قنَّن للحكم بغير ما أنزل الله واعتقد لنفسه الأحقية في ذلك أو شرع للحكم بغير ما أنزل الله واعتقد لنفسه أحقية

стр. 77

التشريع مع الله تعالى، وهذا مما لا خلاف فيه. * أن ما عدا ذلك فهو من الكفر الأصغر (= لا يخرج من الملة = من كبائر الذنوب). * أن من قال بغير هذا؛ فلم يأت على ما قال بدليل صحيح صريح. الفصل الثاني لم يقع الاختلاف فيما قررته في الحالات التسع إلا في أربعة مواضع ١. ضبط صورة التبديل، والصواب أنه لا يكون مُبدِّلاً إلا إذا صرَّح بنسبة ما جاء به للدِّين (ص ٢٠ وما بعدها). ٢. الحكم على بعض أفراد الحالة السابعة (الاستبدال)؛ فقد خالف البعض فقال بكفر من استبدل الشريعة كلها، والصواب أنه لا دليل على تكفيره (ص ٢٣).

стр. 78

٣. الحكم على الحالة الثامنة (التقنين)؛ فقد خالف البعض وعدّها من الحالات المكفرة الكفر الأكبر، والصواب أنه لا دليل على التكفير بها (ص ٢٨). ٤. الحكم على الحالة التاسعة (التشريع العام)؛ فقد خالف البعض وعدّها من الحالات المكفرة الكفر الأكبر، والصواب أنه لا دليل على التكفير بها (ص ٣٢). الفصل الثالث موافقة ما قررته لأقوال علماء العصر الثلاثة لم تختلف فتوى علماء العصر الثلاثة: عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن صالح ابن عثيمين ﵏ عما قررته في هذا الكتاب. * فأما الألباني ﵀ فقد قرر أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً إلا بالاستحلال (انظر فتواه في مجلة " السلفية "، عدد ٦، ص ٣٤ - ٤٢). * وقد علَّق ابنُ باز على فتوى الألباني رحمهما الله وأقرها بقوله: " فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح وفقه الله أنه لا يجوز لأحد من

стр. 79

الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه " .. (الفتاوى ٩/ ١٢٤). * كما قُرئت فتوى الألباني وتعليق ابن باز على ابن عثيمين ﵏ فعلَّق عليها وأقرها إلا في حالة التشريع العام (انظر تعليقاته في كتاب " فتنة التكفير "). * ثم إنه تراجع عن المخالفة في هذه الحالة، وتقدم نقل كلامه ﵀ (ص ٣٦). * أقول: فازدان هذا الكتاب، وشرف، وقوي؛ بموافقة ما مات عليه علماء هذا العصر ﵏ في هذه المسألة، فاللهم لك الحمد في الأولى والآخرة. الفصل الرابع موافقة ما قررته لقول اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز الفتوى الأولى السؤال: متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 80

فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]؟ الجواب: ... أما قولك: (متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟): فنرى أن تبيِّن لنا الأمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك الحكم فيها. أما نوع التكفير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]: فهو كفر أكبر؛ قال القرطبي في تفسيره: (قال ابن عباس ﵁ ومجاهد ﵀: ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن وجحداً لقول الرسول ﷺ فهو كافر) انتهى. وأما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه عاص لله لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يُدفع إليه من الرشوة أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم له ونحو ذلك: فهذا لا يكون كفره أكبر؛ بل يكون عاصياً، وقد وقع في كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ١٤١) الرئيس ... نائب الرئيس ... عضو ... عضو عبد العزيز ابن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله ابن غديان ... عبد الله ابن قعود

стр. 81

الفتوى الثانية السؤال: من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم؟ أم كافر كفراً أكبر؟ و [هل] تقبل منه أعماله؟ الجواب: ... قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]. لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً: فهو كفر أكبر وظلم أكبر وفسق أكبر يخرج من الملة , أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك: فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر وظالماً ظلماً أصغر وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملة؛ كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٧٨٠) الرئيس ... نائب الرئيس ... عضو عبد العزيز ابن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله ابن غديان

стр. 82

الفصل الخامس موافقة ما قررته لقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وإقرار سليمان بن سحمان وأن عمل أهل العلم عليه ونقله عن عامة السلف قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: " وما ذكرتَه عن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومَن لم يستحل؛ فهو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم " (عيون الرسائل ٢/ ٦٠٥). وقال سليمان بن سحمان ﵀: " يعني: أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله ... فمن اعتقد هذا فهو كافر، وأما من لم يستحل هذا ويرى أن حكم الطاغوت باطل وأن حكم الله ورسوله هو الحق فهذا لا يكفر ولا يخرج من الإسلام " (عيون الرسائل ٢/ ٦٠٣).

стр. 83

وقد نسبه ابن تيمية ﵀ لـ: " ابن عباس، وأصحابه " (الفتاوى ٧/ ٣٥٠)، و " أحمد ابن حنبل " (١) (الفتاوى ٧/ ٣١٢)، و " غيره من أئمة السنة " (الفتاوى ٧/ ٣١٢)، و " غير واحد من السلف " (الفتاوى ٧/ ٥٢٢)، بل " عامة السلف " (الفتاوى ٧/ ٣٥٠) .. كما وصفه ابن القيم ﵀ بأنه قول: " ابن عباس، وعامة الصحابة " (مدارج السالكين ١/ ٣٤٥) .. كما اعتبره ابن باز ﵀ قولاً لـ: " ابن عباس "، و " مجاهد "، و " جماعة من السلف " (الفتاوى ٦/ ٢٥٠) .. وانظر (ص ٤٤).

стр. 84

الفصل السادس موافقة ما قررته لأقوال أصحاب ابن عباس (١) ثبت (٢) عن اثنين من أصحابه تفسير الكفر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] بأنه الكفر الأصغر، ولا يُعلم لهم مخالف لهم من عصرهم. قال طاووس ﵀: " ليس بكفرٍ ينقل عن الملة " أخرجه الطبري في " تفسيره " (٨/ ٤٦٥) والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٥٧٤). وقال عطاء ﵀: " كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق " أخرجه الطبري في " تفسيره " (٨/ ٤٦٤ -

стр. 85

٤٦٥) والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٥٧٥). الفصل السابع موافقة ما قررته لقول ابن عباس صحّ عنه ﵁ أنه فسّر الكفر الذي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] بأنه الكفر الأصغر الذي لا ينقل عن الملة (١)، فأخرج

стр. 86

عبد الرزاق في " تفسيره " عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: " هي به كفر "، قال ابن طاووس ﵀: " وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله " (١/ ١٨٦/٧١٣) .. وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه. وتتعلق بهذا الفصل ثلاث مسائل المسألة الأولى: فسّر البعضُ قوله: " هي به كفر "؛ بالكفر الأكبر،

стр. 87

وهذا خطأ لأربعة أمور: ١. جاء عن النبي ﷺ مثل هذا، وقد أجمع أهل السنة على أنه كفر أصغر؛ وذلك في قوله: " اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت " (مسلم ٢٢٤)، فإجماعهم على أن الكفر في الذي الحديث هو الكفر الأصغر؛ دليل على أن الكفر الذي في أثر ابن عباس كذلك، فاحفظه فإنه مهم. ٢. ثبوت تفسير الكفر الذي في الآية بالكفر الأصغر عن اثنين من أصحاب ابن عباس ﵁ (= طاووس وعطاء رحمهما الله)، وقد تقدم (ص ٤١)، ومذهب الصحابي يُعْرَف من مذهب أصحابه. ٣. تفسير ابن طاووس ﵀ الكفر بأنه الأصغر، والراوي أعلم بمَرْويِّه من غيره. ٤. لم يحك أحد من أهل العلم عن ابن عباس القول بالكفر الأكبر، بل فهموا منه أنه يريد الكفر الأصغر، فمخالفتهم شذوذ وتحريف وإتيان بفهم لا يعرفه أهل العلم.

стр. 88

المسألة الثانية: زعم البعضُ أن قول ابن طاووس ﵀: " وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله " يحتمل الكفر الأكبر، ولكنه كفر أكبر دون الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا خطأ لثلاثة أمور: ١. أن الكفر درجات، وهذا أمر معلوم بداهة، ومن اللغو أن يحمل قول ابن طاووس ﵀ على تقرير أمرٍ بدهي ليس محل خلاف. ٢. أن الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ أشد درجات الكفر ولا يكاد يكون في الوجود كفر أكبر إلا وهو دونه، فلو لم يكن مراده الكفر الأصغر لكان كلامه عبثاً؛ لأنه لا يقرر أمراً ذا أهمية. ٣. ثبوت تفسير الكفر الذي في الآية بالكفر الأصغر عن أبيه (= طاووس) وقد تقدم (ص ٤١)، فلا يبعد أن يكون تلقاه من أبيه ثم قال به.

стр. 89

المسألة الثالثة: روي أثر ابن عباس ﵄ بلفظ: " إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، كفر دون كفر "، وقد تعاقب أهل العلم على تصحيح هذه الرواية، وتأكيد نسبتها، ومنهم من احتج بها، ومنهم من أخذها رأياً له وقال بها. فصححها الحاكم، ووافقه الذهبي (" المستدرك " مع " التلخيص " ٢/ ٣١٣/٣٢١٩)، كما صححها الألباني رحم الله الجميع (السلسلة الصحيحة ٦/ ١١٣، تحت الحديث رقم ٢٥٥٢). وقال ابن تيمية ﵀: " وإذا كان مِن قول السلف: (إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق)، فكذلك في قولهم: (إنه يكون فيه إيمان وكفر) ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قالوا: كفروا كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك: أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة " (الفتاوى ٧/ ٣١٢). وقال ﵀: " وقال ابن عباس وغير واحد من السلف

стр. 90

في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٥] و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٧]: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري " (الفتاوى ٧/ ٥٢٢). وقال ﵀: " وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة - ابن عباس وغيره -: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ... كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قالوا: كفر لا ينقل عن الملَّة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم " (الفتاوى ٧/ ٣٥٠). وقال ابن القيم ﵀ عن الكفر الأصغر: " وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وكذلك قال طاووس. وقال عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق " (مدارج السالكين ١/ ٣٤٥).

стр. 91

وقال ابن باز ﵀: " يكون كافراً كفراً أصغر وظالماً ظلماً أصغر وفاسقاً فسقاً أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف " (الفتاوى ٦/ ٢٥٠). وقال ابن عثيمين ﵀: " لكنْ لمّا كان هذا لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير صاروا يقولون: (هذا الأثر غير مقبول، ولا يصح عن ابن عباس)! فيقال لهم: كيف لا يصح وقد تلقّاه مَن هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث؟ وتقولون: (لا نقبل)؟! فيكفينا أن جهابذة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما تلقّوه بالقبول ويتكلمون به وينقلونه. فالأثر صحيح " (فتنة التكفير ص ٢٤، حاشية ١). الفصل الثامن اتِّهامات وإلزامات الخصوم لمن قال بمثل ما قال به علماء العصر في المسألة يطلق البعض على من قال بمثل ما قرره علماء العصر الثلاثة ﵏ شيئاً من الاتهامات، ويحاول البعض

стр. 92

إلزام القائل بذلك ببعض اللوازم القبيحة، والجواب عن هذه الاتهامات والإلزامات جوابان؛ مجمل، ومفصّل: فأما الجواب المجمل فأولاً: الإجابة عن الاتهامات .. وذلك من ثلاثة أوجه: ١. أن الاتهام الباطل أمر لا يعجز عنه أحد، لكنه مفتقر للبرهان، كغيره من الدعاوى التي لا يعتد بها ما لم تقم على بينات صحيحة. ٢. أنه لم يسلم منه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم، فقد نالهم الكثير من الأذى والتشويه والطعن، فلم ينقص من قدرهم ولم يقدح في دعوتهم. ٣. أنه إن كان في سبيل الله تعالى فهو ممدحة ورفعة وليس مذمة وملامة. قال الشاطبي ﵀: " فتردّد الأمر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس، فلا بد من حصول نحو

стр. 93

مما حصل لمخالفي العوائد - لا سيما إذا ادّعى أهلُها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها -؛ إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل. وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح؛ فأدخل في ترجمة الضلّال عائذاً بالله من ذلك؛ إلا أني أوافق المعتاد وأُعَدّ من الموالفين لا من المخالفين. فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئاً " (الاعتصام ص ٣٤). وثانياً: الإجابة عن الإلزامات .. وذلك من ثلاثة أوجه: ١. أن لازم القول لا يلزم أن يكون قولاً، بل قد يكون المُلْزَم به قائلاً بخلافه. ٢. أن من نفى عن نفسه قولاً فنسبته إليه باللازم كذب، ولو كان لازم قوله يجعله قائلاً به. ٣. أن نسبة القول بمجرد اللازم نسبة ظنية؛ فلا يُقطع بها، فكيف إذا قابل هذا الظنَّ تصريحٌ بخلافه؟!

стр. 94

قال ابن تيمية ﵀: " ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً، بل أكثر الناس يقولون أقوالاً ولا يلتزمون لوازمها؛ فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقداً للتعطيل، بل يكون معتقداً للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم " (الفتاوى ١٦/ ٤٦١). وقال ﵀: " فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له؛ فهو قوله، و ما لا يرضاه؛ فليس قوله، وإن كان متناقضاً ... فأما إذا نفى هو اللزومَ لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال " (الفتاوى ٢٩/ ٤٢). وقال ﵀: " وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب؟ أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن [لازم] مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذباً عليه " (الفتاوى ٢٠/ ٢١٧). فإن قيل: فكيف تقرر أن لازم القول ليس قولاً وأنت ترد على مخالفيك بالإلزامات؟ فالجواب: أن قائل هذا قد خلط بين أمرين: ١. نسبة لازم القول للمخالف قبل أن يعرفه ويلتزمه؛ وهذا ما لا أقول به.

стр. 95

٢. الرد على المخالف ببيان لوازم قوله، وهذا أمر مطلوب. ولذلك فإن ابن تيمية نفسه من أكثر الناس استعمالاً لِلَّوازم في رده على المخالف؛ ففي بيان فساد القول فوائد؛ منها: إظهار تناقض الخصم، وبيان عجزه، وتوهين قوله، ولعله ينتهي عن قوله إذا عرف لوازمه. وأما الجواب المفصّل فيكون بإيراد تلك الاتهامات والإلزامات والجواب عنها .. وهي أربعة أولاً: دعوى تجويز الحكم بغير ما أنزل الله ! يريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة، وإلا فإنهم يلزمونه ويتهمونه بتجويز الحكم بغير ما أنزل الله! وهذا افتراء وجوابه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن من جوز الحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر باتفاق أهل السنة وإن لم يحكم بغير ما أنزل الله، فهل قائل هذا يكفر ابن باز والألباني وابن عثيمين رحمهم

стр. 96

الله؟! (١) الوجه الثاني: أن هؤلاء الثلاثة ﵏ صرحوا بأن من جوز (= استحل) ذلك فقد كفر. فلا وجه لإلزامهم بما صرحوا بخلافه. الوجه الثالث: أن قائل هذا قد خلط بين مسألتين: ١. التكفير، وهو محل البحث، وفيه النزاع مع المخالف. ٢. التأثيم، الذي لا خلاف فيه، وهو ما يتوهم الخصمُ أن النزاع فيه. ثانياً: دعوى إغلاق باب التكفير ! يريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة، وإلا فإنهم يلزمونه ويتهمونه بإغلاق باب التكفير وإنكار وجود الكفر! وهذا افتراء وجوابه من وجهين: الوجه الأول: أن الذين خالفوكم في هذه المسألة لهم

стр. 97

فتاوى بالتكفير ببعض الأفعال والأقوال، بل ومنهم من له فتاوى بتكفير بعض المعيَّنين. الوجه الثاني: أن قائل هذا قد خلط بين مسألتين: ١. تضييق باب التكفير وقصره على ما ورد في الأدلة. ٢. إنكار وجود الكفر! وهذا ما لا يقول به أحد من أهل السنة. ثالثاً: دعوى تعطيل وإنكار الجهاد والتخذيل عنه ! يريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة ثم يرى الخروج عليه وجهاده، وإلا فإنهم يلزمونه ويتهمونه بتعطيل الجهاد وإنكاره والتخذيل عنه! وهذا افتراء وجوابه من وجهين: الوجه الأول: أن قائل هذا قد بناه على مقدمتين غير صحيحتين: ١. ظنه أن كل من وقع في الكفر أصبح كافراً، وهذا خطأ؛ فقد يقع المرء في الكفر لكنه لا يكفر؛ لوجود ما يمنع من تكفيره. وقد تقدم (ص ٧).

стр. 98

٢. ظنه أن كفر الحاكم - وحده - يجيز الخروج عليه، وهذا خطأ. وقد تقدم (ص ٧). الوجه الثاني: أن قائل هذا قد خلط بين مسألتين: ١. ضبط عبادة الجهاد بضوابطها الشرعية. ٢. إنكار مشروعية عبادة الجهاد، وهذا ما لا يقول به أحد من أهل السنة. رابعاً: دعوى الإرجاء ! يريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة، وإلا فإنهم يلزمونه بالإرجاء وينسبونه للمرجئة الضلّال أو أن شبهة الإرجاء قد دخلت عليه ويتهمونه بذلك! وهذا افتراء، وجوابه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: عدم معرفتهم بقَدْر أهل العلم الذين خالفوهم في هذه المسألة، وكأن قائل هذا لا يدري أن خصومه في هذه المسألة هم أكابر علماء أهل السنة في هذا

стр. 99

العصر: كابن باز والألباني وابن عثيمين ﵏ .. فمن عرف لهؤلاء الثلاثة قدرهم فإنه لا يسعه إلا أن يحبهم ويدعو لهم ويترحم عليهم وينتفع بعلومهم. فأما أولهم فهو عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وحسبك به من ناصر للإسلام والمسلمين وناشر لعقيدة أهل السنة والجماعة. وأما ثانيهم فهو محمد ناصر الدين الألباني ﵀ فكم نصر الله به من حق وذب به عن سنة الحبيب ﷺ ويكفيه أن اسمه قد اقترن بأئمة الإسلام رواة السنة فإذا ذكر الحديث وأهله ذكر الألباني. وأما ثالثهم فهو محمد بن صالح ابن عثيمين ﵀ العلامة الفقيه المحقق المدقق والذي نفع الله بعلمه وفقهه وبارك في علمه وعمره. وهؤلاء الثلاثة هم أئمة الفتوى في زمانهم ولقد اتفقت كلمة أهل السنة على قبولهم والاعتداد بهم وسلّم أهل الحق بإمامتهم في الدين، فرحمهم الله ورضي عنهم وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيراً. ولا يزال العجب يتملكني ويأخذ مني كل مأخذ، لا أقول: ممن يرميهم بالإرجاء! بل أقول: ممن يحتاج أن يُعرَّف بفضلهم وقدرهم. ووالذي نفسي بيده ما ظننت أن يأتي اليوم الذي يضطر فيه مثلي أن يُسطّر لإخوانه طلاب العلم من أهل السنة دفاعاً عن هؤلاء الأئمة الأعلام، فإلى الله المشتكى. الوجه الثاني: أن قائل هذا لم يعرف الفرق بين أهل السنة والمرجئة في باب التكفير، مع أن بينهما كما بين السماء والأرض، فاعتقاد أهل السنة لا يكون إلا حقاً، واعتقاد غيرهم من أهل البدع - كالمرجئة - قد يكون حقاً

стр. 100

فيما وافقوا فيه أهلَ السنة، ولا يكون إلا باطلاً فيما خالفوا فيه أهل السنة. تنبيه: يخطئ من يظن أن موافقة بعض فرق الضلال لأهل السنة تعد عيباً على أهل السنة، وذلك أن موافقة بعض أهل البدع لأهل السنة - في غير ما ابتدعوا - أمر ظاهر، بل لا تكاد توجد فرقة مبتدعة تخالف أهل السنة والجماعة في كل شيء. قال ابن تيمية ﵀ عن الرافضة: " ليس كل ما أنكره بعضُ الناس عليهم يكون باطلاً؛ بل مِن أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعضُ أهل السنة ووافقهم بعضٌ، والصواب مع مَن وافقهم، لكنْ ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها " (منهاج السنة ١/ ٤٤). * أقول: وحقيقة هذا الفرق تتمثل في أن المرجئة تشترط الاعتقاد - كالاستحلال مثلاً - في جميع الأعمال التي تكفِّر بها، بينما يشترط أهل السنة الاستحلال في بعض الأعمال التي يكفِّرون بها، ولا يشترطونه في بعض. فإن قيل: فما ضابط العمل الذي يشترط الاعتقاد في التكفير به؟

стр. 101

فالجواب: الضابط في ذلك الدليل، فإن دل الدليل على أن هذا الأمر مكفر الكفر الأكبر؛ كفّر به أهلُ السنة ولم يشترطوا الاعتقاد للتكفير به، وأما الأمر الذي لم يدل الدليل على أنه مكفر - وهو الذنب -؛ فإن أهل السنة لا يكفرون به إلا بشرط الاعتقاد كاستحلال أو جحود. مثال ذلك الزنا؛ فلم يأت ما يدل على التكفير به، فلذلك فإن قاعدة أهل السنة فيه أن الزاني لا يكفر إلا إن استحل الزنا. الوجه الثالث: أن قائل هذا لم يعرف آراء المرجئة ولا الأمور التي تنجي من الإرجاء، فقد نص أئمة الإسلام على بعض المسائل التي مَن قالها فقد فارق المرجئةَ وبرئ من الإرجاء، وهي خمس مسائل: المسألة الأولى من قال أن الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ فقد فارق المرجئة قال البربهاري ﵀: " ومن قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص)؛ فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره " (شرح السنة ص ١٢٣، رقم ١٦١).

стр. 102

وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة: قال ابن باز ﵀ تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان): " هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ... وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة " (الفتاوى ٢/ ٨٣). وقال الألباني ﵀ مُعلِّقاً على العبارة نفسها: " هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافاً للسلف وجماهير الأمة " (الطحاوية ١/ ٥١). وقال ابن عثيمين ﵀: " الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو الإقرار بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح " (الفتاوى ١/ ٤٩). المسألة الثانية من قال أن الإيمان يزيد وينقص؛ فقد فارق المرجئة سُئل أحمد بن حنبل ﵀ عمن قال: (الإيمان يزيد

стр. 103

وينقص)؟ فقال: " هذا برئَ من الإرجاء " (" السنة " للخلال ٢/ ٥٨١/١٠٠٩، وانظر " السنة " لعبد الله ١/ ٣٠٧/٦٠٠). وقال البربهاري ﵀: " ومن قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره " (شرح السنة ص ١٢٣، رقم ١٦١). وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة: قال ابن باز ﵀ تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء): " هذا فيه نظر، بل هو باطل، فليس أهل الإيمان فيه سواء؛ بل متفاوتون تفاوتاً عظيماً ... وهو قول أهل السنة، خلافاً للمرجئة " (الفتاوى ٢/ ٨٣). وقال الألباني ﵀: " فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان لاتفقوا معهم في أن الإيمان يزيد وينقص ... ، مع تظافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك " (الطحاوية ١/ ٥١). وقال ابن عثيمين ﵀: " وقد جاء ذلك في القرآن والسنة، أعني إثبات الزيادة والنقصان؛ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا

стр. 104

عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] " (الفتاوى ١/ ٥٠). المسألة الثالثة من قال بجواز الاستثناء في الإيمان؛ فقد فارق المرجئة قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: " إذا ترك الاستثناء؛ فهو أصلُ الإرجاء " (" الشريعة " للآجري ﵀ ٢/ ٦٦٤). وقال ابن تيمية ﵀: " وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ... وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة: فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم " (الفتاوى ٧/ ٤٣٨). وقال ﵀: " فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم" (الفتاوى ٧/ ٤٢٩). * أقول: والاستثناء كأن يقول (أنا مؤمن إن شاء الله)، فأما أهل السنة فيجيزونه في حالات؛ منها: أن يقصد البعد عن تزكية النفس، أو عدم الجزم بقبول العمل .. ، لكنهم لا يجيزونه

стр. 105

إن قاله شاكَّاً في إيمانه. وأما المرجئة فلا تجيز الاستثناء مطلقاً. وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة: قال ابن باز ﵀: " أما في العبادات فلا مانع أن يقول: (إن شاء الله صلّيتُ)، (إن شاء الله صمتُ) لأنه لا يدري هل كمّلها وقُبلت منه؟ أم لا؟ وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم لأنهم لا يدرون هل أكملوا؟ أم لا؟، فيقول الواحد منهم: (صمتُ إن شاء الله) ويقول: (أنا مؤمن إن شاء الله) " (الفتاوى ٥/ ٤٠٣). وقال الألباني ﵀ مُستنكراً على الحنفية: " وبناءً على ذلك كله اشتطّوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر ... " (الطحاوية ١/ ٥٢). وقال ابن عثيمين ﵀ عن الاستثناء: " قول الإنسان: (أنا مؤمن إن شاء الله)؛ إن كان قصده بذلك التبرك، أو أنه: (إيماني وقع بمشيئة الله)؛ فهذا حق ولا إشكال فيه، جائز " (الباب المفتوح، لقاء ٢٠٨، الوجه أ، الدقيقة ١٧، إصدار تسجيلات " الاستقامة ").

стр. 106

المسألة الرابعة من قال بأن الكفر يكون بالقول، أو بالعمل؛ فقد فارق المرجئة وذلك أنهم لا يعدون الأعمال من الإيمان، فالعمل - عندهم - لا يؤثر على الإيمان قوةً ولا ضعفاً، وعليه: فلا طريق للكفر - عندهم - إلا بالاعتقاد. قال ابن تيمية ﵀ عمن يشترط الاستحلال في تكفير من سب النبيَّ ﷺ : " رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم ... فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهم الذين يقولون الإيمان هو الاعتقاد والقول " (الصارم المسلول ٣/ ٩٦٤). وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة: قال ابن باز ﵀ تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه): " هذا الحصر فيه نظر ... وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بيّنها أهل العلم في باب (حكم المرتد)، من ذلك طعنه في الإسلام أو في النبي ﷺ " (الفتاوى ٢/ ٨٣).

стр. 107

وقال الألباني - مُلخِّصاً مُقرّاً كلامَ ابن القيم - رحمهما الله: " لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد، وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمانَ وإلى ما لا يضاده؛ فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان " (السلسلة الصحيحة ٧/ ١٣٤، تحت الحديث رقم ٣٠٥٤). وقال ابن عثيمين ﵀ مُعدِّداً شروط التكفير -: " دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر " (القواعد المثلى ص ١٤٩). المسألة الخامسة من قال بوجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ولو جاروا؛ فقد فارق المرجئة وذلك أنهم لا يرون لولاة الجور سمعاً ولا طاعة، بل يرون السيف. قال عبد الله بن طاهر ﵀ عن المرجئة: " لا يرون للسلطان طاعة " (" عقيدة السلف وأصحاب الحديث "

стр. 108

للصابوني ﵀ ص ٦٨). وقال سفيان بن عيينة والأوزاعي رحمهما الله: " إن قول المرجئة يخرج إلى السيف " (" السنة " لعبد الله بن أحمد رحمهما الله ١/ ٢١٨/٣٦٨). وقال سفيان الثوري ﵀: " يرون السيفَ على أهل القبلة " (" الشريعة " للآجري ٢٠٦٢، وانظر " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي ١٨٣٤ رحمهما الله). وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة: قال ابن باز ﵀: " ويجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعصية، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكنْ لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها " (الفتاوى ٨/ ٢٠٣). وقال الألباني ﵀ مُعلِّقاً على ما في العقيدة الطحاوية (ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة): " ومِن الواضح أن ذلك خاص بحُكام المسلمين منهم، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩] " (الطحاوية ١/ ٥٨).

стр. 109

وقال ابن عثيمين ﵀: " مهما فسق ولاة الأمور: لا يجوز الخروج عليهم. لو شربوا الخمر , لو زنوا , لو ظلموا الناس: لا يجوز الخروج عليهم " (شرح رياض الصالحين ١/ ٧٠٢). * أقول: فهذه هي أصول المرجئة التي حكاها عنهم ونقضها أهلُ السنة، والتي غابت عن كثير من طلاب العلم؛ فأصبحوا يرمون بالإرجاء من خالفهم ولو لم يكن متلبِّساً بشيء من آراء المرجئة! فترى آثار السلف تبرِّئ الرجلَ من الإرجاء؛ ثم يأتي من أهل عصرنا مَن يرميه به! فمَن أعلم بالإرجاء وأصوله؟ أئمة السلف؟ أم طلاب العلم هؤلاء؟! * ثم أقول: وأشد من هذا؛ أن بعض طلاب العلم عمدوا إلى اختياراتهم الاجتهادية في بعض المسائل فجعلوها أصلاً من أصول السنة! واعتبروها من الفروق بين أهل السنة والمرجئة! فرموا مخالفهم فيها بالإرجاء! كمسألة تارك الصلاة تهاوناً، والتي - وإن كنتُ مع القول بأن تاركها كافر كفراً أكبر - إلا أنها محل خلاف بين المتقدمين من أهل السنة، ولا علاقة لها بالإرجاء لا من قريب ولا من بعيد ما دام

стр. 110

الخلاف فيها مبنيّاً على الأدلة (١). فليُتنبَّه لهذا.
следующие страницы →