← Акыда

Акыда · id 160

الحكم بغير ما أنزل الله - المحياني - ط 1437

بندر المحياني العتيبي

Полный текст (151 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الحكم بغير ما أنزل الله مناقشة تأصيلية علمية هادئة

стр. 2

بندر بن نايف المحياني العتيبي الطبعة الثانية بندر نايف المحياني العتيبي، ١٤٢٧ هـ الطبعة الثانية ١٤٣٧ ه - ٢٠١٦ م حقوق الطبع والتوزيع محفوظة للمؤلف

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

تقديم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فقد قرأت جزءاً من الكتاب الذي ألّفه الشيخ /بندر بن نايف العتيبي، والموسوم بـ (مناقشة تأصيلية علمية لمسألة الحكم بغير ما أنزل الله)، وقد أجاد فيه وأفاد، وبيَّن موقف أهل السنة والجماعة ممن حكم بغير ما أنزل الله، مدعماً ما ذكره بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وأقوال وفتاوى الأئمة المعتبرين من علماء هذه الأمة. فأسأل الله العلي القدير أن يجزي المؤلف خير الجزاء وأن ينفع به وبكتابه المسلمين إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عضو هيئة كبار العلماء محمد بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ ١/ ٢ / ١٤٢٧ هـ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الكتاب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فلما كانت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من أشد المسائل إشكالاً على طلاب العلم حتى إنه لم يسلم من الخطإ فيها بعضُ الفضلاء فقد اجتهدت ما استطعت في إخراج هذا الكتاب بياناً للحق راجياً من الله ﵎ أن ينفع به. ثم إنني حرصت على الإيجاز الذي ألزمت به نفسي لا سيما وقد ضعفت همم طلاب العلم عن القراءة إلا من رحم ربي وقليل ما هم، وأختم مقدمتي هذه بـ: نُبَذ متفرقة من كلام السلف ﵏ قال عبادة بن الصامت ﵁: " إن على الحق نوراً " (اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " رقم ١١٦).

стр. 6

وقال عبد الله بن مسعود ﵁: " ألا لا يُقلِّدن أحدُكم دينَه رجلاً، إنْ آمن آمن! وإن كفر كفر! فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة " (١٣٠). وقال ابن عمر ﵁: " ما فرحت بشيء في الإسلام أشد فرحاً بأن قلبي لم يدخله شيء من هذه الأهواء " (٢٢٧). وقال حذيفة ﵁: " إياك والتلون في دين الله، فإن دين الله واحد " (١٢٠). وقال الأوزاعي ﵀: " ندور مع السنة حيث دارت " (٤٧). وقال سفيان الثوري ﵀: " استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء " (٤٩). وقال الحسن البصري ﵀: " يا أهل السنة ترفَّقوا!! فإنكم من أقل الناس " (١٩). وقال يونس بن عبيد ﵀: " ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها " (٢٣). وقال سفيان الثوري ﵀: " إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب؛ فابعث إليهما السلام وادع

стр. 7

لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة " (٥٠). وقال أيوب السختياني ﵀: " إني أُخْبَر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي " (٢٩). وقال ﵀: " إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " (٣٥). وسُئل أبو بكر بن عياش ﵀ مَن السُّنِّي؟ فقال: " الذي إذا ذُكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها " (٥٣). وقال شاذ بن يحيى ﵀: " ليس طريق أقصَد إلى الجنة مِن طريق مَن سلك الآثار " (١١٢). وقال الفضيل بن عياض ﵀: " من أتاه رجل فشاوره فدلَّه على مبتدع؛ فقد غش الإسلام " (٢٦١). وقال الأوزاعي ﵀: " ليس صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﷺ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث " (٧٣٢). وقال أبو العباس الأصم ﵀: " طاف خارجيان بالبيت فقال أحدهما لصاحبه: لا يدخل الجنة من هذا الخلق غيري وغيرك! فقال صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بنيت لي ولك؟! فقال: نعم! فقال: هي لك! وترك رأيه " (٢٣١٧).

стр. 8

هذا؛ وقد جعلت الكتاب في أربعة مباحث: المبحث الأول: قواعد لا بد من معرفتها. المبحث الثاني: التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله. المبحث الثالث: فصول متممة. المبحث الرابع: الجواب عن أهم أدلة المخالفين. فاللهم إني أسألك الهدى والسداد

стр. 9

المبحث الأول قواعد لا بد من معرفتها .. وهي ست قواعد القاعدة الأولى الحكم بما أنزل الله فرض عين على كل مسلم .. وتتضمن ستة أصول الأصل الأول: وجوب الحكم بشرع الله تعالى ، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩]. الأصل الثاني: وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى مع الرضا والتسليم لشريعته ، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى

стр. 10

يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]. الأصل الثالث: الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]. الأصل الرابع: الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣]. الأصل الخامس: حكم الله ﵎ أحسن الأحكام ، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. الأصل السادس: ما جاء من أحكام شرعية من عند الله فهو روح ونور ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].

стр. 11

القاعد الثانية وقوع المرء في شيء من المكفرات لا يلزم منه كفره وذلك أن تكفير المعيَّن مشروط بإقامة الحجة. قال ابن تيمية ﵀: " وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يَزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة " (الفتاوى ١٢/ ٤٦٦). * أقول: وإقامة الحجة؛ تعني التأكد من توفر شروط تكفير المعيَّن في ذلك المرء؛ كالعلم المنافي للجهل، والقصد المنافي للخطإ، والاختيار المنافي للإكراه، وعدم التأويل السائغ المنافي لوجود التأويل السائغ. * وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر؛ فلا يلزم منه كفر كل من وقع فيه، إذ لا بد من إقامة الحجة قبل الحكم بالكفر.

стр. 12

القاعدة الثالثة كفر الحاكم لا يلزم منه جواز الخروج عليه وذلك أن لجواز الخروج على الحاكم خمسة شروط: ١. وقوعه في الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان. ٢. إقامة الحجة عليه. ٣. القدرة على إزالته. ٤. القدرة على تنصيب مسلم مكانه. ٥. ألاّ يترتب على هذا الخروج مفسدة على المسلمين أعظم من مفسدة بقائه. قال ابن تيمية ﵀: " فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف , أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال

стр. 13

أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين , وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (الصارم المسلول ٢/ ٤١٣). وقال ابن باز ﵀: " إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة , أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا. أو كان الخروج يسبب شراً أكثر: فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة. والقاعدة الشرعية المجْمَع عليها أنه (لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه)؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه. أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين. فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً - عندها قدرة تزيله بها وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان: فلا بأس , أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم فهذا لا يجوز " (الفتاوى ٨/ ٢٠٣).

стр. 14

وقال ابن عثيمين ﵀ عن الخروج على الحاكم الكافر: " إن كنا قادرين على إزالته فحينئذ نخرج , وإذا كنا غير قادرين فلا نخرج؛ لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة. ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه. لأننا [لو] خرجنا ثم ظهرت العزة له؛ صرنا أذلة أكثر وتمادى في طغيانه وكفره أكثر " (الباب المفتوح ٣/ ١٢٦، لقاء ٥١، سؤال ١٢٢٢). * وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر، ووقع فيه الحاكم؛ فإنه لا يلزم منه جواز الخروج عليه ولو أقيمت عليه الحجة، بل لا بد من النظر في الشروط الأخرى المبيحة للخروج.

стр. 15

القاعدة الرابعة الأصل في الأعمال المخالفة للشرع؛ عدم التكفير والتكفير طارئ على هذا الأصل ناقل عنه وهذا يعني أن جميع الأعمال المخالفة للشرع غير مكفرة، إلا ما دل الدليل على التكفير به. وتتفرع من هذه القاعدة مسألتان: ١. مَن أراد نقل عمل من الأعمال المنهي عنها من أصله (= عدم الكفر) إلى خلاف أصله (= الكفر) فيلزمه الدليل، فإن لم يأت بدليل فلا عبرة بما قال. ٢. مَن أراد التحذير من التكفير بعمل من الأعمال المنهي عنها، فيكفيه الاستدلال بالأصل، وعدم وجود الدليل الذي ينقل من ذلك الأصل. قال ابن عبد البر ﵀: " ومِن جهة النظر الصحيح الذي لا مَدْفع له: أن كل مَن ثبت له عقد الإسلام في وقتٍ بإجماع

стр. 16

من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام؛ لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها " (التمهيد ١٦/ ٣١٥). * أقول: واعتبر في هذه القاعدة بما قرره أهل العلم في نواقض الوضوء على سبيل المثال؛ فلا يجرؤ أحد منهم على نقضِ وضوء صحيح إلا بدليل، ولو قال أحد في شيء من نواقض الوضوء برأيه من دون دليل؛ فإنهم لا يقبلون قوله. قال ابن المنذر ﵀: " إذا تطهر الرجل فهو على طهارته، إلا أن تدل حجة على نقضِ طهارته " (الأوسط ١/ ٢٣٠). وقال ﵀: " وليس مع من أوجب الوضوء من ذلك حجة من حيث ذكرنا، بل قد أجمع أهل العلم على أن من تطهر: طاهر، وقد اختلفوا في نقض طهارته بعد حدوث الرعاف والحجامة ... فقالت طائفة: انتقضت طهارته، وقال آخرون: لم تنقض. قال: فغير جائزٍ أن تُنقض طهارة مجْمَع عليها إلا بإجماع مثله، أو خبر عن رسول الله ﷺ لا معارِض له " (الأوسط ١/ ١٧٤).

стр. 17

* ثم أقول: فإنْ توقف علماء الإسلام عن قبول القول بنقض عبادة الوضوء إلا إن جاء قائله بدليل، فإن نقضَ الإسلام أولى بهذا التوقف؛ وذلك أن إبطالَ إسلام المرء أبلغ من إبطال وضوئه. فاحفظ هذا فإنه مهم. * وعليه: فإن الأصل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله أنها غير مكفرة؛ فمن كفر بأي صورة من صور المسألة لزمه الدليل، فإن لم يأت بالدليل فلا عبرة بما قال. القاعدة الخامسة مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختص بأحد دون أحد فلا تختص بالقاضي ولا الأمير ولا الحاكم الأعلى؛ بل تشمل كل من حكم بين اثنين. قال ابن تيمية ﵀: " وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ، سواء كان صاحب حرب، أو متولي ديوان، أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي

стр. 18

يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام " (الفتاوى ١٨/ ١٧٠). * وعليه: فالحكم في حق الأمير وغير الأمير على السواء، ومن كفر في أي صورة من صور هذه المسألة؛ لزمه أن يكفر كل من وقع في تلك الصورة؛ أميراً كان أو غير أمير. القاعدة السادسة الإجمال سبب في كثير من الإشكالات قال ابن تيمية ﵀: " وأما الألفاظ المجملة؛ فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال؛ يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال والقيل والقال " (منهاج السنة ٢/ ٢١٧). وقال ابن القيم ﵀: " إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم - التي هي في الحقيقة جهليات -، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة، تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ؛ يوجب تناولها بحق وباطل، فبما فيها من الحق: يقبل

стр. 19

من لم يحط بها علماً ما فيها من الباطل، لأجل الاشتباه والالتباس. ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء، وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها ... فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ولا سيما إذا صادفت أذهاناً مخبطة " (الصواعق المرسلة ٣/ ٩٢٥). وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: " فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة موانع الخطاب وتفاصيله؛ يحصل به شيء من اللبس والخطإ وعدم الفقه عن الله، ما يُفسد الأديان ويشتت الأذهان ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن " (عيون الرسائل ١/ ١٦٦). * وعليه: فالواجب التفصيل في أي مسألة فصّلتها الأدلة الشرعية، ولا يصح إطلاق الأحكام على الأفعال دون اعتبار التفصيل الذي اقتضاه الدليل. وانطلاقاً من هذه القاعدة؛ إليك:

стр. 20

المبحث الثاني التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله وهي تسع حالات؛ ست من الكفر الأكبر بلا خلاف تليها ثلاث نازع فيها بعض المتأخرين والحق أنها من الكفر الأصغر الحالة الأولى: الاستحلال صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بغير ما أنزل الله أمر جائز غير محرم. حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر. ودليل ذلك أمران: الأمر الأول: اتفاق أهل السنة على كفر من استحل شيئاً من المحرمات،

стр. 21

قال ابن تيمية ﵀: " من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق " (الصارم المسلول ٣/ ٩٧١). الأمر الثاني: اتفاق أهل السنة على كفر من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، قال ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه: كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى - على أحد القولين - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله " (الفتاوى ٣/ ٢٦٧). وتتعلق بهذه الحالة ستُّ مسائل المسألة الأولى: يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله.

стр. 22

المسألة الثانية: الاستحلال أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته هي: اعتقاد حل الشيء. قال ابن تيمية ﵀: " والاستحلال: اعتقاد أنها حلال له " (الصارم المسلول ٣/ ٩٧١). وقال ابن القيم ﵀: " فإن المستحل للشيء هو: الذي يفعله معتقداً حله " (إغاثة اللهفان ١/ ٣٨٢). وقال ابن عثيمين ﵀: " الاستحلال هو: أن يعتقد الإنسان حل ما حرمه الله ... وأما الاستحلال الفعلي فيُنظر: لو أن الإنسان تعامل بالربا , لا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه؛ فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحله " (الباب المفتوح ٣/ ٩٧، لقاء ٥٠، سؤال ١١٩٨). * أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (وانظر المسألة الثالثة والرابعة).

стр. 23

المسألة الثالثة: لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بالاستحلال، ودليل ذلك في قصة الرجل الذي قتل نفراً من المسلمين، ولمّا تمكن منه أسامة بن زيد ﵄ نطق بالشهادة، فقتله أسامةُ ظناً منه أنه إنما قالها تخلصاً من السيف، فأنكر عليه النبيُّ ﷺ وقال: " أقتلته بعدما قال: (لا إله إلا الله)؟! " (البخاري ٤٢٦٩، ٦٨٧٢). قال أسامةُ: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ (البخاري ٤٢٦٩، ٦٨٧٢، مسلم ٢٧٣). وفي لفظ: " أفلا شققت عن قلبه لتعلم أقالها أم لا؟! " (مسلم ٢٧٣). وفي رواية: " فكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟! " (مسلم ٢٧٥). * أقول: فلو كان الأخذ بالقرائن معتبراً في الحكم على ما في القلوب لكان اجتهاد أسامة بن زيد ﵄ أولى بهذا الاعتبار؛ فقد اجتمع في ذلك الرجل من القرائنِ التي تقوي

стр. 24

القول بعدم صدق إسلامه ما لا يكاد أن يجتمع في غيره، ومع هذا فقد ألغى النبيُّ ﷺ اجتهادَ ذلك الصحابي الجليل ولم يقبل منه أخذه بالقرائن للحكم على ما في القلوب، فاجتهادُ غير الصحابي أولى بالإلغاء. قال الخطابي ﵀: " وفي قوله (هلّا شققت عن قلبه) دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه " (معالم السنن ٢/ ٢٣٤). وقال ابن تيمية ﵀: " وكذلك الإيمان؛ له مبدأ وكمال، وظاهر وباطن؛ فإذا علقت به الأحكامُ الدنيوية؛ من الحقوق والحدود - كحقن الدم والمال والمواريث والعقوبات الدنيوية -: علقت بظاهره، ولا يمكن غير ذلك؛ إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر، وإن قُدر أحياناً؛ فهو متعسر علماً وقدرةً، فلا يُعلم ذلك علماً يثبت به في الظاهر، ولا يمكن عقوبة من لم يُعلم ذلك منه في الباطن " (الفتاوى ٧/ ٤٢٢). وقال ابن باز ﵀ عمن لا يحكم شرع الله: " لو ادعى أنه لا يستحله فنأخذ بظاهر كلامه ولا نحكم بكفره " (علقته من مجلس سماحته، شرح الباب الثالث من كتاب الإيمان من " صحيح البخاري "، بتأريخ ٢٧/ ٧/١٤١٧ هـ، بقراءة الشيخ عبد العزيز السدحان وفقه الله).

стр. 25

المسألة الرابعة: الاستحلال لا يُعرف من الفعل ولا المداومة ولا الإصرار، وبرهان ذلك من أربعة أوجه: الوجه الأول: لم يقل به أحد من أهل العلم المتقدمين، ولو كان حقاً لسبقونا إليه. الوجه الثاني: يلزم منه تعارض دليلين من الإجماع: ١. الإجماع على عدم كفر أهل الذنوب، قال ابن عبد البر ﵀: " اتفق أهل السنة والجماعة - وهم أهل الفقه والأثر - على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام " (التمهيد ١٦/ ٣١٥)، وهذا الإجماع مطلق لا قيد فيه، فيعم المذنب المداوِم والمصر. ٢. الإجماع على كفر من استحل الذنب، قال ابن تيمية ﵀: " من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق " (الصارم المسلول ٣/ ٩٧١).

стр. 26

* أقول: فإطلاقهم الإجماع على عدم كفر أهل الذنوب مع إجماعهم على كفر من استحل محرماً؛ دليل على عدم اعتبار المداومة والإصرار استحلالاً، فاحفظ هذا فإنه مهم. الوجه الثالث: يلزم منه تكفير أهل الذنوب، وذلك ما أجمع أهل السنة على خلافه، فمن قارف الذنب دهره، وداوم عليه، وأصر عليه - بفعله -: فهو كافر عند من قرر ذلك؛ لأنه يراه مستحلاً ما حرم الله، وليس بكافر بإجماع أهل السنة. الوجه الرابع: أن حقيقة الاستحلال هي اعتقاد الحل كما تقدم (ص ١١)، ولا يمكن أن يصار إلى معرفة الاعتقاد - معرفة يقينية - إلا بإفصاح صاحب ذلك الاعتقاد عما في نفسه، ولذلك فإننا نجد من العصاة اعترافاً بالذنب وتأثراً بالنصيحة وربما يعزم أحدهم على التوبة كثيراً، والاستحلال لا يتصور مع الإقرار بالذنب. المسألة الخامسة: استدل بعض من قال أن الاستحلال يُعرف بالفعل؛ بما صح في الرجل الذي تزوج امرأةَ أبيه فأمر النبي ﷺ بقتله (الترمذي ١٣٦٢، النسائي ٣٣٣١، ابن ماجة ٢٦٠٧).

стр. 27

وفي بعض ألفاظ الحديث أنه: أخذ ماله (أبو داود ٤٤٧٥، النسائي ٣٣٣٢). وجاءت زيادة أنه: خمَّس ماله (عزاها ابن حجر في " الإصابة " لـ " النسائي وابن ماجة وابن أبي خيثمة وابن السكن والباوردي وغيرهم "، وعزاها ابن القيم في " زاد المعاد " لـ " ابن أبي خيثمة في تاريخه ". ولم أجد هذه الزيادة في " مجتبى " النسائي ولا في " سنن " ابن ماجة رحم الله الجميع). والحديث بزيادة التخميس هذه؛ قال عنه ابن القيم ﵀: " قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح " (زاد المعاد ٥/ ١٥)، وقال عنه ابن حجر ﵀: " إسناده حسن " (الإصابة ١/ ٣١٤، عند ترجمة أبي قرة إياس بن هلال المزني ﵁. * أقول: وتخميس المال يدل على أنه اعتبره فيئاً، والفيء هو: " كل مال أُخذ من الكفار بغير قتال " (قاله ابن كثير ﵀ في تفسيره ٤/ ٣٩٦، الحشر: ٧). وهذا يدل على أنه قُتل مرتداً (أفاده الطحاوي ﵀ في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٥٠). * ثم أقول: وهذا الاستدلال لا يستقيم؛ لأن الحديث محمول على أن النبي ﷺ علم أن ذلك الرجل يستحل ذلك

стр. 28

الذنب في قرارة قلبه، وبرهانه من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون نكاحَ امرأة الأب، ويرونها من الإرث، فالرجل فعل ما كان أهل الجاهلية يفعلون؛ فأقدم عليه معتقداً حله. قال السندي ﵀: " (نكح امرأة أبيه): على قواعد أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، يعدون ذلك من باب الإرث، ولذلك ذكر الله تعالى النهيَ عن ذلك بخصوصه بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ﴾ [النساء ٢٢] ... فالرجل سلك مسلكهم في عد ذلك حلالاً؛ فصار مرتداً، فقُتل لذلك. وهذا تأويل الحديث عند من لا يقول بظاهره " (شرحه لسنن النسائي تحت الحديث رقم ٣٣٣٢). الوجه الثاني: أن العلماء ﵏ حملوا الحديث على أن ذلك الرجل عُلم منه الاستحلال. قال أحمد ﵀: " نرى والله أعلم أن ذلك منه على الاستحلال " (مسائل ابنه عبد الله ٣/ ١٠٨٥/١٤٩٨). وقال الطحاوي ﵀: " ذلك المتزوج فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛ فصار

стр. 29

بذلك مرتداً، فأمر رسول الله ﷺ أن يفعل به ما يفعل بالمرتد " (شرح معاني الآثار ٣/ ١٤٩). وقال الشوكاني ﵀: " لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل ... عالم بالتحريم، وفعَله مستحلاً؛ وذلك من موجبات الكفر " (نيل الأوطار ٧/ ١٣١). الوجه الثالث: عدم تكفير أهل العلم من زنا بامرأة أبيه، ولو تكرر منه ذلك الذنب! * أقول: ولو كان كفر من تزوج امرأة أبيه لمجرد وقوعه عليها من دون استحلال قلبي؛ لكفروا من زنا بامرأة أبيه. فاحفظ هذا فإنه مهم. الوجه الرابع - على سبيل التنزل -: أن هذا النص فيه اشتباه، ويجب حمله على النصوص المحكمة الأخرى التي دلت على عدم اعتبار القرائن في الكشف عما في القلب؛ كحديث أسامة ﵁ المتقدم (ص ١٢)، وإجماع أهل السنة على عدم كفر العصاة وإن عظمت ذنوبهم مع أنهم مجمعون على كفر من استحل محرماً (ص ١١). وحملُ المتشابه على المحكم؛ هو سبيل أهل السنة، خلافاً لأهل البدع،

стр. 30

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٧]. المسألة السادسة: قد يصف أهل العلم بعض العصاة بالاستحلال وذلك بالنظر المجرد لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به. الحالة الثانية: الجحود صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله جاحداً حكم الله. حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر. دليل ذلك أمران:

стр. 31

الأمر الأول: اتفاق أهل السنة على كفر من جحد شيئاً من دين الله، قال ابن باز ﵀: " وهكذا الحكم في حق من جحد شيئاً مما أوجبه الله ... فإنه كافر مرتد عن الإسلام ... بإجماع أهل العلم " (الفتاوى ٧/ ٧٨). الأمر الثاني: اتفاق أهل السنة على كفر من جحد وجوب الحكم بما أنزل الله، قال محمد بن إبراهيم ﵀ في هذه الحالة: " وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم ... فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة " (تحكيم القوانين ص ١٤). وتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل المسألة الأولى: يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يجحد حكم الله تعالى.

стр. 32

المسألة الثانية: الجحود أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن ينكر الشيءَ بظاهرِه مع الإقرار به في باطنه، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، فدلت الآية على أن الجاحد قد يعتقد في قلبه خلاف ما جحده بظاهرِه. قال الراغب الأصفهاني ﵀: " الجحود: نفيُ ما في القلب إثباته، وإثباتُ ما في القلب نفيه " (المفردات ص ٩٥، جحد). وقال الفيروزآبادي ﵀: " جحده: ... أنكره مع علمه " (القاموس المحيط ١/ ٣٨٩). * أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها). المسألة الثالثة: لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه جاحد (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).

стр. 33

المسألة الرابعة: قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بالجحود وذلك بالنظر المجرد لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به. الحالة الثالثة: التكذيب صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مكذباً حكم الله. حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر. دليل ذلك: اتفاق أهل السنة على كفر من كذَّب اللهَ ورسولَه. قال ابن تيمية ﵀: " ثم يقال لهم: إذا قلتم (هو التصديق بالقلب أو باللسان أو بهما)، فهل هو التصديق المجمل؟ أو لابد فيه من التفصيل؟ فلو صدّق أن محمداً رسول الله، ولم يعرف صفات الحق؛ هل يكون مؤمناً؟ أم لا؟ فإن جعلوه مؤمناً؛ قيل: فإذا بلغه ذلك فكذّب به؛ لم يكن مؤمناً

стр. 34

باتفاق المسلمين " (الفتاوى ٧/ ١٥٢). وقال ﵀: " فكل مكذّب لما جاءت به الرسل فهو كافر " (الفتاوى ٢/ ٧٩). وتتعلق بهذه الحالة خمس مسائل المسألة الأولى: يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام مكذباً لحكم الله تعالى. المسألة الثانية: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، فنفى الله عنهم تكذيب النبي ﷺ ، وأثبت الجحود في حقهم، مما دل على تغايرهما، ومن الفروق بينهما أن الجاحد يعتقد في قلبه خلاف ما جحد وقد تقدم (ص ١٦)، أما المكذب فلا يعتقد في قلبه إلا ما أظهره من التكذيب.

стр. 35

المسألة الثالثة: التكذيب أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يكذب الشيءَ بظاهره، ويعتقد كذبه في باطنه. قال ابن القيم ﵀: " فأما كفر التكذيب فهو اعتقاد كذب الرسل " (مدارج السالكين ١/ ٣٤٦). * أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها). المسألة الرابعة: لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه مكذب (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها). المسألة الخامسة: قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بالتكذيب وذلك بالنظر المجرد لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به

стр. 36

التكفير، فلا يحتج به. الحالة الرابعة: التفضيل صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم غير الله أفضل من حكم الله. حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر. دليل ذلك أمران: الأمر الأول: أن معتقد هذا مكذب لقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، أي: لا أحد أحسن من الله حكماً. الأمر الثاني: الإجماع، قال ابن باز ﵀: " من حكم بغير ما أنزل الله يرى ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين " (الفتاوى ٤/ ٤١٦). وتتعلق بهذه الحالة ثلاث مسائل

стр. 37

المسألة الأولى: يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد أن حكم غير الله تعالى أفضل من حكم الله تعالى. المسألة الثانية: التفضيلِ أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يعتقد أفضلية أمر على آخر. * أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها). المسألة الثالثة: لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه مفضل (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).

стр. 38

المسألة الرابعة: قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بتفضيل أو تقديم طاعة الشيطان على طاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به. الحالة الخامسة: المساواة صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً تساوي حكم غير الله مع حكم الله. حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر. دليل ذلك: أن معتقد هذا مكذب لقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، أي: لا أحد أحسن من الله حكماً. قال ابن باز ﵀ معلقاً على الناقض الرابع من نواقض الإسلام: " ويدخل في القسم الرابع: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها

стр. 39

مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها ... " (الفتاوى ١/ ١٣٢). وتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل المسألة الأولى: يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد مساواة حكم غير الله تعالى مع حكم الله تعالى. المسألة الثانية: اعتقاد المساواة أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يعتقد التساوي بين أمرين. * أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها). المسألة الثالثة: لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه يعتقد المساواة (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).

стр. 40

المسألة الرابعة: قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بمساواة طاعة الشيطان بطاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به. الحالة السادسة: التبديل صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله. حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر. دليل ذلك: الإجماع، قال ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء " (الفتاوى ٣/ ٢٦٧). وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل
следующие страницы →