التكفير، فلا يحتج به.
الحالة الرابعة: التفضيل
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم غير الله أفضل من حكم الله.
حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.
دليل ذلك أمران:
الأمر الأول: أن معتقد هذا مكذب لقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، أي: لا أحد أحسن من الله حكماً.
الأمر الثاني: الإجماع، قال ابن باز ﵀: " من حكم بغير ما أنزل الله يرى ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين " (الفتاوى ٤/ ٤١٦).
وتتعلق بهذه الحالة ثلاث مسائل
стр. 37
المسألة الأولى:
يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد أن حكم غير الله تعالى أفضل من حكم الله تعالى.
المسألة الثانية:
التفضيلِ أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يعتقد أفضلية أمر على آخر.
* أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها).
المسألة الثالثة:
لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه مفضل (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).
стр. 38
المسألة الرابعة:
قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بتفضيل أو تقديم طاعة الشيطان على طاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.
الحالة الخامسة: المساواة
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً تساوي حكم غير الله مع حكم الله.
حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.
دليل ذلك: أن معتقد هذا مكذب لقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، أي: لا أحد أحسن من الله حكماً.
قال ابن باز ﵀ معلقاً على الناقض الرابع من نواقض الإسلام: " ويدخل في القسم الرابع: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها
стр. 39
مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها ... " (الفتاوى ١/ ١٣٢).
وتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل
المسألة الأولى:
يكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد مساواة حكم غير الله تعالى مع حكم الله تعالى.
المسألة الثانية:
اعتقاد المساواة أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يعتقد التساوي بين أمرين.
* أقول: وما كان أمراً قلبياً فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها).
المسألة الثالثة:
لا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه يعتقد المساواة (راجع ما قيل
في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).
стр. 40
المسألة الرابعة:
قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بمساواة طاعة الشيطان بطاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.
الحالة السادسة: التبديل
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله.
حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.
دليل ذلك: الإجماع، قال ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء " (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).
وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل
стр. 41
المسألة الأولى:
الكفر في هذه الحالة له تعلق بحالة الجحود؛ فإن نسبته حكمَه إلى حكم الله تعالى تتضمن جحده حكم الله تعالى الذي تركه.
المسألة الثانية:
يكون الحاكم كافراً في هذه الحالة ولو بدل في مسألة واحدة، أو مرة واحدة، فلا عبرة بالعدد؛ لأن الإجماع لم يُقيَّد بذلك، ولا يصح تقييد الدليل بلا دليل.
المسألة الثالثة:
يخطئ من يظن أن التبديل لا يلزم فيه نسبة الحكم الجديد للدِّين، وبيان ذلك من أربعة أوجه:
الوجه الأول: قال ابن العربي - ونقله الشنقيطي عن القرطبي مُقرّاً له -: " إنْ حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر " (أحكام القرآن ٢/ ٦٢٥)، (أضواء البيان ١/ ٤٠٧).
стр. 42
الوجه الثاني: قال ابن تيمية ﵀: " الشرعُ المبدَّل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البيِّن، فمن قال: (إن هذا من شرع الله) فقد كفر بلا نزاع " (الفتاوى ٣/ ٢٦٨).
* أقول: فقد فسر المبدل بأنه الحكم المزعوم بأنه من عند الله، وسماه كذباً على الله ورسوله، ونص على قول الزاعم: (هذا من شرع الله).
الوجه الثالث: لو كان التغيير المجرد هو التبديل للَزِم من هذا تعارض إجماعين:
١. الإجماع على كفر المبدل، وهو إجماع مطلق لا قيد فيه، قال ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء " (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).
٢. الإجماع على عدم كفر من جار في الحكم، قال ابن عبد البر ﵀: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد ١٦/ ٣٥٨).
стр. 43
* أقول: فوجب القطع بأن صورة التبديل ليست استبدالاً مجرداً، لإطلاقهم الإجماع على التكفير بالتبديل، مع إجماعهم على عدم التكفير بالجور الذي هو استبدال مجرد من نسبة الحكم الجديد للدين. فاحفظ هذا فإنه مهم.
الوجه الرابع وله تعلق بما قبله: لو لم يكن التبديل غير الاستبدال، للزِم من هذا تكفير أصحاب الذنوب، كحالق اللحية ومسبل الإزار خيلاء؛ لأن كل واحد منهم قد قام بالاستبدال؛ حيث أبدل حكم الله بحكم هواه.
قال ابن حزم ﵀: " فإن الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله " (الفصل ٣/ ٢٧٨).
стр. 44
المسألة الرابعة:
اعترض بعضُ الفضلاء على تقرير صورة التبديل على النحو الذي تقدم بأنه لا وجود للتبديل بهذه الصورة، وهذا الاعتراض مردودٌ لأمرين:
١. أما القول بعدم وجوده الآن فقد يكون له حظ من الصواب، وأما القول بعدم وجوده مطلقاً فلا يستقيم؛ وذلك أنه وقع من اليهود تحميم الزاني (= تسويْد وجهه بالفحم) مع ترك إقامة الحد عليه، فقد سألهم النبي ﷺ : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " قالوا: نفضحهم، ويجلدون (البخاري ٣٦٣٥)، وفي لفظ: " لا تجدون في التوراة الرجم؟ " قالوا: لا نجد فيها شيئاً (البخاري ٤٥٥٦)، ولما قرأ قارؤهم من التوراة وضع يده على آية الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها (البخاري ٤٥٥٦)، فقد جحدوا حكم الله تعالى، وأتوا بحكم آخر مكانه، وزعموا أن ما جاؤوا به هو حكم الله تعالى.
стр. 45
٢. ليست الغاية أن تنزل صورة التبديل على الحكام المعاصرين ولو بتغيير صورة المسألة! بل المراد ضبط الصورة التي قصدها أهل العلم المتقدمون وحكوا الإجماع على التكفير بها ولو كانت قليلة الوقوع أو نادرة أو حتى معدومة.
المسألة الخامسة:
استشهد بعضُ من يخالف في تقرير صورة التبديل بقول البخاري ﵀: " فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله ﷺ في الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين " (" صحيحه " قبل الحديث رقم ٧٣٦٩).
والحق أن هذا الاستشهاد لا يستقيم؛ لأن البخاري أراد قوماً وقعوا في التبديل بالمعنى الذي قررته؛ حيث زعموا أن ترك الزكاة من الدين، واستدلوا على أن الزكاة لا تُؤدَّى إلا للرسول ﷺ بقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣].
وبرهان ذلك فيما قال ابن حجر ﵀: " قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة أصناف ... وصنف ثالث
стр. 46
استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي ﷺ ، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب " (فتح الباري ١٢/ ٢٨٨، قبل الحديث رقم ٦٩٢٤).
الحالة السابعة: الاستبدال
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مجرداً عما تقدم.
بمعنى أنه يُبْدِل حكم الله تعالى بحكم غيره، ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً،
ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
حكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).
دليل ذلك أمران:
١. إجماعهم على عدم تكفير الجائر، قال ابن عبد البر ﵀: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد ١٦/ ٣٥٨)، والجائر هو المستبدل، فلا فرق بينهما؛ حيث إنه
стр. 47
ما أصبح جائراً إلا بعدما استبدل حكمَ الله بحكم غيره.
٢. عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر، بحيث نرد به الإجماع المتقدم ونخرج به هذا المسلم من إسلامه الذي دخله بيقين.
وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل
المسألة الأولى:
هناك فرق بين التبديل والاستبدال، وقد تقدم (ص ٢٠ وما بعدها)، ويمكن إجمال الفرق في وجهين:
الأول وهو في صورة المسألة: أن المبدل يزعم أن ما جاء به هو حكم الله تعالى، أما المستبدل فلا يزعم ذلك.
والثاني وهو في حكم المسألة: أن المبدل كافر بإجماع أهل العلم، أما المستبدل فلا دليل على تكفيره.
المسألة الثانية:
من كفر بالاستبدال لزمه التكفير بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله، لأنه لا يتصور
أن يكون المرء حاكماً وتاركاً
стр. 48
لحكم الله ، ثم يجلس بين قومه دون أن يحكم بشيء! فأصبح حكم الاستبدال كحكم الترك - تماماً - بلا فرق.
* أقول: والتكفير بالترك المجرد لم يقل به أحد من أهل السنة، بل يتعارض مع أثر عبد الله بن شقيق ﵀: " كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (الترمذي ٢٦٢٢، الحاكم ١/ ٧/١٢، المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ٩٤٨، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كما صححه الألباني في صحيح الترغيب ٥٦٤).
فإن قيل: أليس التكفير بالترك هو ظاهر قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]؟
فالجواب: بلى، هو ظاهر الآية، ولكن أهل السنة والجماعة أجمعوا على عدم الأخذ بهذا الظاهر، بل نسبوا أخذ الآية على ظاهرها إلى الخوارج والمعتزلة.
قال الآجري ﵀: " ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 49
الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ويقرؤون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر! ومن كفر فقد عدل بربه! فهؤلاء الأئمة مشركون! فيخرجون فيفعلون ما رأيتَ، لأنهم يتأولون هذه الآية " (الشريعة ٤٤).
وقال ابن عبد البر ﵀: " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآياتٍ ليست على ظاهرها مثل قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] " (التمهيد ١٦/ ٣١٢).
وقال القرطبي ﵀: " ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]: يحتج بظاهره من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حُجَّة لهم فيه " (المفهم ٥/ ١١٧).
وقال أبو حيان الأندلسي ﵀: " واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، وكل من
стр. 50
أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله؛ فوجب أن يكون كافراً " (البحر المحيط ٣/ ٤٩٣).
وقال محمد رشيد رضا ﵀: " أما ظاهر الآية لم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد (١) " (تفسير المنار ٦/ ٣٣٦).
المسألة الثالثة:
من كفر بالاستبدال لزمه التكفير بكل صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا ما أجمع أهل السنة على خلافه، وبرهان ذلك من جهتين:
١. أنهم اتفقوا على أن من صور الحكم بغير ما أنزل الله ما لا يكون كفراً أكبر، قال ابن عبد البر ﵀: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد
стр. 51
١٦/ ٣٥٨).
٢. أن كل من حكم بغير ما أنزل الله لا بد أن يكون مستبدلاً حكم الله بحكم غيره، ولا يتخلف عنه وصف الاستبدال بحال.
المسألة الرابعة:
من كفر بالاستبدال لزمه تكفير من أجمع أهل السنة على عدم كفرهم؛ وهم أصحاب الذنوب؛ لأن العاصي قد استبدل حكم الله بحكم غيره (= الهوى والشيطان).
قال ابن حزم ﵀: " فإن الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله " (الفصل ٣/ ٢٧٨).
стр. 52
المسألة الخامسة:
يرى بعض الفضلاء أن الحاكم المستبدل يكون كافراً الكفر الأكبر إذا استبدل كل الشريعة، وهذا مردود؛ لأن الأدلة الشرعية لم تقل بوجود فرق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، ولا يجوز أن يعلق الكفر بشيء لا دليل عليه .. صحيح أن من استبدل الشريعة كلها فقد يكون أكثر جرماً من الذي استبدل أقل من ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد جرماً.
ولذلك فإنه يقال: إنْ كان مستبدل الشريعة كلها كافراً، فما حكم من استبدل
ربعها؟ .. نصفها؟ .. ثلثيها؟ .. وهكذا .. ، إلى أن نصير إلى السؤال الذي يكشف عدم وجود الدليل، وهو: ما حكم من استبدل الشريعة كلها إلا حكماً واحداً؟ .. فإن كفره فقد خالف ما قرره من أن مناط (= سبب = علة) التكفير هو: استبدال الكل! وإن لم يكفره فقد أتى بما لا يتوافق مع العقل الصحيح!
стр. 53
* أقول: فإذا تبيَّن أن الاستبدال الكلي لا يمكن ضبطه؛ فاعلم أنه لا يمكن التكفير به عند من يراه كفراً أكبر! وذلك أن بلدان المسلمين - التي لا تحكم بالشريعة - لا تخلو من الحكم بدين الله تعالى ولو في جزء يسيرٍ، قل أو كثر، فانتفت علة التكفير التي قال بها وهي (ترك الكل).
المسألة السادسة:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بعقيدة التلازم بين الظاهر والباطن التي قررها أهل السنة، وهذا الاستدلال لا يستقيم لأمرين:
١. لأنه استدلال بما لا دلالة فيه على المراد.
٢. ولأنه استدلال بمحل النزاع.
وبيان ذلك أن يقال: إن اعتقاد أهل السنة في هذه المسألة يقتضي أن يكون عند المرء من الصلاح أو الفساد في الظاهر بقدر ما عنده من الصلاح أو الفساد في الباطن.
قال ابن تيمية ﵀: " ثم القلب هو الأصل؛ فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولا يمكن أن
стр. 54
يتخلف عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب) ... فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الأعمال علماً وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد " (الفتاوى ٧/ ١٨٧).
وتطبيقاً لهذا الأصل فإنه يقال: لا شك أن من استبدل الشريعة كلها فإن لديه من الفساد في الباطن قدر كبير يساوي ذلك القدر الذي في ظهر منه وهو: استبدال شريعة الله كلها.
لكن محل البحث هو أن يُنظر لهذا الفساد الذي في الظاهر - والذي نتج عن فساد مثله في الباطن - هل بلغ بصاحبه حد الكفر الأكبر ليحكم عليه بالكفر الأكبر؟ أم لا؟ ..
إن الجواب على هذا السؤال يدعو للنظر في الأدلة الشرعية
стр. 55
الأخرى التي حكمت على هذا الظاهر، ولا علاقة له من قريب ولا من بعيد بقاعدة التلازم بين الظاهر والباطن.
ثم إن المخالف قد يقول: ذلك القدر الذي في الظاهر حكمه الكفر الأكبر.
فيقال له: فما الدليل على أن ذلك القدر أوصل صاحبه للكفر الأكبر؟ .. فإن استدل بعقيدة التلازم؛ فقد استدل بمحل النزاع، وبما لا دلالة فيه على المقصود، فلزمه أن يستدل بدليل آخر، وهذا هو المراد.
ويزداد شرح عقيدة التلازم بهذا التطبيق: لو نظرنا إلى لص قاطع طريق لوجدنا أنه لم يقدم على تلك المعصية إلا لخلل في إيمانه، ويزداد ذلك الخلل اتساعاً بقدر ما ازداد من هذا الذنب، ولكن للحكم على ذلك الخلل بالإخراج عن ملة الإسلام أو عدمه فنحن محتاجون للنظر في الأدلة الشرعية التي حكمت على ذلك الذنب الذي ظهر لنا (= قطع الطريق)، فنظرنا فوجدنا أن الأدلة تحكم عليه بنقص الإيمان لا بزواله فلم نكفره.
ثم يزداد الأمر وضوحاً بهذا التطبيق الآخر: لا يختلف أهل
стр. 56
السنة في عدم تكفير الزاني ولو زنا ألف مرة! .. فأنت ترى أن ازدياده في الذنب (= الزنا) قد حكم بزيادة فساده في الباطن، ولكن إيصال هذا الفساد لحد الكفر المخرج من الملة لا تعلق له بعقيدة التلازم، بل يؤخذ من الأدلة الشرعية الأخرى التي بينت حكم هذا الظاهر.
وأختم هذا المبحث بما علق به الألباني ﵀ على قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]: " من آمن بشريعة الله ﵎، وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان، ولكنه لا يحكم - فعلاً - بها؛ إما كلاً وإما بعضاً أو جزءاً، فله نصيب من هذه الآية! له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج من دائرة الإسلام " (سلسلة الهدى والنور، الشريط ٢١٨، الدقيقة ٢٩).
стр. 57
الحالة الثامنة: التقنين
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله بحكم هوَ أتى به من عنده.
بمعنى أنه هو الذي اخترع ذلك الحكم أو القانون، ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً، ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
حكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).
دليل ذلك: عدم وجود دليل يوجب تكفيره، فالشريعة لم تعلق الكفر الأكبر على مصدر الحكم، كما أن الأدلة لم تفرق بين من حكم بحكم غيره ومن حكم بحكم نفسه.
* أقول: ولو كان هذا التفريق حقاً لما أغفلته الشريعة، ولورد في الأدلة الشرعية ما يعضده.
وتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل
стр. 58
المسألة الأولى:
أن الحاكم المخترِع للأحكام المخالفة للشريعة قد يكون أشد جرماً من الحاكم الذي لم يفعل ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد أو الأخف جرماً.
المسألة الثانية:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن اختراعه لذلك القانون يُعد منازعة لله تعالى في شيء من خصائصه وهو: التشريع.
* أقول: والحق أن يُفصَّل في حاله، وذلك لأن المقنِّن لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يقوم بالعمل ويدعي لنفسه حق التشريع بالتصريح لا بمجرد الفعل؛ فهذا كافر الكفر الأكبر بلا شك؛ لأنه مستحل لأمر حرمه الله تعالى.
الحالة الثانية: أن يقوم بالعمل ولا يدعي لنفسه ذلك؛ فهذا لا يكفر لثلاثة أمور:
стр. 59
١. لا دليل على كفره.
٢. عدم تكفير أهل السنة لصديق السوء الذي يقنن للذنب ويزينه ويدعو له .. فهو كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.
٣. عدم تكفير أهل السنة للمصورين الذين لا يستحلون التصوير المحرم، فقد قال الله عنهم في الحديث القدسي: " من أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي؟ " (البخاري ٥٩٥٣، مسلم ٥٥٠٩). وقال عنهم الرسول ﷺ : " أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " (البخاري ٥٩٥٤، مسلم ٥٤٩٤). ولا فرق بينهما؛ إذ المصور جعل نفسه خالقاً مع الله، والمشرع جعل نفسه مشرعاً مع الله، فمن كفر المشرع مع الله فليكفر الخالق! سواء بسواء .. فالمصور كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.
* أقول: واتفاق أهل السنة على عدم كفر صديق السوء والمصور دليل قاطع على ما قررته آنفاً. فاحفظه فإنه مهم.
стр. 60
المسألة الثالثة:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن المقنن أصبح طاغوتاً يتحاكم إليه من دون الله، وهذا الاستدلال غير صحيح وبيان خطإه من وجهين:
الوجه الأول: أنه مبني على مقدمة غير صحيحة، وهي القول بأن الطاغوت لا يكون إلا كافراً! وبرهان خطإ هذه المقدمة من ثلاث جهات:
١. أن الطاغوت يطلق على: (كل رأس في الضلالة) , وذلك أنه مشتق من الطغيان الذي هو: مجاوزة الحد.
قال القرطبي ﵀: " أي: اتركوا كل معبود دون الله؛ كالشيطان , والكاهن , والصنم , وكل من دعا إلى الضلال " (تفسيره ٥/ ٧٥، تحت قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦]).
وقال الفيروز آبادي ﵀: " والطاغوت: ... وكل رأس ضلال , والأصنام، وما عبد من دون الله , ومردة أهل الكتاب " (القاموس المحيط ٤/ ٤٠٠، طغا).
стр. 61
* أقول: فالطغيان - إذاً - قد يكون مكفراً وقد لا يصل لحد الكفر، ولذلك قال ابن باز ﵀: " فحدّك أن تكون عبداً مطيعاً لله، فإذا جاوزتَ ذلك فقد تعدّيتَ وكنتَ طاغوتاً بهذا الشيء الذي فعلته .. فقد يكون كافراً وقد يكون دون ذلك " (شرح ثلاثة الأصول، الشريط ٢، الوجه ب، إصدار تسجيلات " البردين " بالرياض).
٢. أن مِن أهل العلم مَن وصف أحداً بأنه طاغوت بمجرد أن يُتَجَاوَز به الحد , بدون النظر للموصوف نفسه:
(أ). لأنهم عرّفوا الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع " قاله ابن القيم ﵀ (أعلام الموقعين ١/ ٥٠).
وعلق عليه ابن عثيمين ﵀ بقوله: " ومراده: من كان راضياً. أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده وتابعه ومطيعه؛ لأنه تجاوز به حدّه حيث نزّله فوق منزلته التي جعلها الله له , فتكون عبادته لهذا المعبود واتباعه لمتبوعه وطاعته لمطاعه: طغياناً؛ لمجاوزته الحد بذلك " (القول المفيد ١/ ٣٠).
стр. 62
* أقول: فلا يلزم من الوصف بالطاغوتية أن يكون الموصوفُ كافراً؛ لاحتمال أن يكون طاغوتاً باعتبار من اتخذوه لا بالنظر له هو.
(ب). كما أنهم وصفوا الجمادات المعبودة من دون الله بأنها طواغيت، ومن المعلوم بداهة أن الجمادات لا توصف بالإسلام الذي هو نقيضُ الكفر.
قال ابن الجوزي ﵀: " وقال ابن قتيبة: كل معبود؛ من حجر أو صورة أو شيطان: فهو جبت وطاغوت. وكذلك حكى الزجاج عن أهل اللغة " (نزهة الأعين النواظر ص ٤١٠، باب الطاغوت).
وقال ابن تيمية ﵀: " وهو اسم جنس يدخل فيه: الشيطان والوثن والكهان والدرهم والدينار وغير ذلك " (الفتاوى ١٦/ ٥٦٥).
* أقول: فلو كان كل طاغوت كافراً لما ساغ وصف الجمادات به.
٣. إطلاق أهل العلم وصف الطاغوت على أهل الذنوب غير المكفرة.
стр. 63
قال الراغب الأصفهاني ﵀: " الطاغوت عبارة عن: كل متعدٍّ وكل معبود من دون الله ... ولما تقدم: سُمّي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير: طاغوتاً " (المفردات ص ١٠٨، طغى).
وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀: " والطواغيت كثيرة , والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم الشيطان وحاكم الجور وآكل الرشوة ومن عُبد فرضي والعامل بغير علم " (الدرر السنية ١/ ١٣٧).
وقال ابن عثيمين ﵀: " وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر أو يدعون إلى البدع أو إلى تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله: طواغيت " (شرح ثلاثة الأصول ص ١٥١).
* أقول: فلو كان كل طاغوت كافراً لما جاز لهم هذا الإطلاق، أو للزم منه
أن يكونوا مكفرين بالذنوب.
الوجه الثاني: يلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو من قنن للذنب؛ إذ لا فرق - في التقنين - بين من قنن الذنب وبين من قنن الحكم بغير ما أنزل الله، إذ الكل
стр. 64
واقع في تقنين أمرٍ محرم.
مثاله: عصابة نذرت نفسها لقطع الطريق وجعلت عليها رئيساً ورسمت لنفسها
نظاماً، فكان هذا الرئيس هو الذي يدعوهم وينظم لهم الاعتداء وقطع السبيل وإخافة المسلمين فيمتثلون، وهو الذي يأمرهم فيأتمرون وينهاهم فينتهون؛ فهذا الرجل أصبح مقنناً للذنب، مع أنه ليس بكافر.
* أقول: ولو كان الأصل الذي بُني عليه التكفير بالتقنين صحيحاً لوجب تكفير مثل هذا، مع أنه من أصحاب الذنوب الذين اتفق أهل السنة على عدم تكفيرهم.
المسألة الرابعة:
مع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعاً بين طلاب العلم، إلا أن علماء العصر
الثلاثة: ابن باز والألباني وابن عثيمين ﵏ اتفقوا على عدم التكفير بها.
قال ابن باز ﵀: " فإذا سن قانوناً يتضمن أنه لا حد على الزاني، أو لا حد على السارق ... : فهذا قانون باطل، وإذا استحله الوالي كفر " (الفتاوى ٧/ ١٢٤).
стр. 65
وانظر كلام الألباني ﵀ بعدم تكفير من شرع القانون إلا إن استحله، في " سلسلة الهدى والنور " (الشريط ٨٤٩، الدقيقة ٧٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: " الحكم بغير ما أنزل الله ليس بكفر مخرج عن الملة، لكنه كفر عملي [= أصغر]؛ لأن الحاكم بذلك خرج عن الطريق الصحيح. ولا يفرّق في ذلك بين الرجل الذي يأخذ قانوناً وضعياً من قبَل غيره ويحكمه في دولته وبين من ينشيء قانوناً ويضع هذا القانون الوضعي؛ إذ المهم هو هل هذا القانون يخالف القانون السماوي؟ أم لا؟ (١) " (فتنة التكفير ص ٢٥، حاشية ١).
الحالة التاسعة: التشريع العام
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله ويجعل هذا الحكم عاماً على كل من تحته.
стр. 66
بمعنى أنه يستبدل حكم الله بحكم غيره، ويلزم كل من تحت سلطانه بهذا الحكم،
ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً، ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
حكمها: الكفر الأصغر.
دليل ذلك: عدم وجود دليلٍ يوجب تكفيره، فالشريعة لم تعلق الكفر الأكبر على تعميم الحكم أو على الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرق بين الحاكم الذي يعمم أو الذي لا يعمم، ولا بين الحاكم الذي يلزم من تحته أو الذي لا يلزم.
* أقول: ولو كان هذا التفريق حقاً لما أغفلته الشريعة، ولورد في الأدلة الشرعية ما يعضده.
وتتعلق بهذه الحالة ستُّ مسائل
المسألة الأولى:
صحيح أن من حكم حكماً عاماً أو ألزم من تحته قد يُعد أكثر جرماً من الذي لم يحكم الحكم العام أو لم يلزم به، ولكن محل البحث هو: الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد جرماً.
стр. 67
المسألة الثانية:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة باللازم؛ فرأى أنه لم يستبدل حكم الله بحكم نفسه ثم يجعل ما جاء به حكماً عاماً على من تحته إلا وهو يعتقد أنه أنفع وأصلح من حكم الله، وهذا الاستدلال مردود من أربعة أوجه:
الوجه الأول: ما قرره أهل العلم من أن لازم المذهب لا يكون مذهباً إلا إذا عرفه والتزمه. وأن المرء قد يعتقد خلاف ما يلزم من قوله، ولو كان التلازم قوياً بحيث يُنسب القائل للتناقض لو لم يلتزم ذلك اللازم.
قال ابن تيمية ﵀: " ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً، بل أكثر الناس يقولون أقوالاً ولا يلتزمون لوازمها؛ فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقداً للتعطيل، بل يكون معتقداً للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم " (الفتاوى ١٦/ ٤٦١).
وقال ﵀: " فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له؛ فهو قوله، و ما لا يرضاه؛ فليس قوله، وإن كان
стр. 68
متناقضاً ... فأما إذا نفى - هوَ - اللزوم لم يَجُز أن يضاف إليه اللازم بحال " (الفتاوى ٢٩/ ٤٢).
وقال ﵀: " وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب؟ أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن [لازم] مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذباً عليه " (الفتاوى ٢٠/ ٢١٧).
الوجه الثاني: أن هذا اللازم قد يتخلف؛ إذ قد يوجد من يفعل ذلك وهو يعتقد
أن الشريعة أنفع من حكمه، وتقدم تمثيل ابن تيمية ﵀ بالأقوال الموهمة للتعطيل وأنه لا يلزم منها أن يكون قائلوها من أهل التعطيل.
* أقول: وتخلف اللازم برهان على عدم انضباطه؛ فلا يصح التمسك به، لا سيما في مسائل التكفير التي لا يعتبر فيها إلا اليقين.
الوجه الثالث: أن أهل السنة لا يكفرون إلا بأمر لا احتمال فيه، وذلك أن الحدود تُدرأ بالشبهات، والتكفير أولى أن يدرأ.
قال ابن تيمية ﵀: " من ثبت إسلامه بيقين لم يَزُل ذلك
стр. 69
عنه بالشك " (الفتاوى ١٢/ ٤٦٦).
وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀: " ولا نكفر إلا [بـ] ما أجمع عليه العلماء كلهم " (الدرر السنية ١/ ١٠٢).
الوجه الرابع: يلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو المشرع للذنب - الذي دون الشرك -؛ فلو أن أباً شرع الذنب في أهله، وألزمهم به، وخالف من ينكر عليه، ولم يستمع لمن يناصحه؛ فلا يكفر عند أهل السنة، بينما يكفر عند من التزَم القول بهذه المقالة.
المسألة الثالثة:
استدل بعضهم على التكفير بهذه الحالة بحديث تحميم اليهود (راجع ص ٢٢)، فأنزل الله تعالى فيهم (كما في صحيح مسلم ٤٤١٥): ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة ٤١]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
стр. 70
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[المائدة ٤٧]، فيرى أنه لم يحكم بكفرهم إلا لكونهم جعلوا التحميم شرعاً عاماً، وهذا الاستدلال مردود؛ لأن اليهود - الذين يراد الاستدلال على كفرهم بالتشريع العام - قد كفروا بغير التشريع المزعوم، وبيان ذلك من وجهين:
١. أنهم أنكروا حكم الله في الزاني المحصن، وهو ما صرحت به روايات الحديث، فلما سألهم النبي ﷺ : " لا تجدون في التوراة الرجم؟ " قالوا: " لا نجد فيها شيئاً! " (البخاري ٤٥٥٦)، ولمّا قرأ قارؤهم من التوراة وضع يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها! (البخاري ٤٥٥٦)، وهذا الإنكار هو الجحود الذي تقدم (ص ١٥) تقرير الاتفاق على أنه كفر أكبر.
٢. أنهم بدلوا حكم الله في الزاني المحصن، فلما سألهم ﷺ : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " قالوا: " نفضحهم ويجلدون " (البخاري ٣٦٣٥)، فقد غيروا حكم الله ثم نسبوا ما جاؤوا به من عند أنفسهم إلى دين الله، وهذا هو التبديل الذي تقدم (ص ٢٠) تقرير الاتفاق
стр. 71
على أنه كفر أكبر، ولذلك قال ابن عبد البر ﵀: " وفي هذا الحديث أيضاً: دليل على أنهم كانوا يكذبون على توراتهم، ويضيفون كذبهم ذلك إلى ربهم وكتابهم " (التمهيد ١٤/ ٩).
* وعليه: فلا يصح الاستدلال بهذه القصة على التكفير بحالة التشريع العام؛ لأن اليهود وقعوا في حالتين اتفق أهل السنة على كفر مَن تلبس بإحداهما - فضلاً عنهما معاً -، فإثباتُ أن كفرهم إنما جاء من التشريع العام يحتاج لدليل آخر.
* أقول: وتعليق التكفير بأمر ظاهر - في الروايات - اتفق أهل العلم على التكفير به (= الجحود أو التبديل أو بهما مجتمعين) أولى من تعليقه بمحل النزاع (= التشريع العام) الذي لا دليل على التكفير به، ولا دليل على أن كفر اليهود علق به.
стр. 72
المسألة الرابعة:
كانت لابن عثيمين ﵀ فتوى بالتكفير بهذه الحالة إلا أنه رجع عنها، وبيان ذلك على النحو الآتي:
الفتوى المتقدمة
قال ﵀: " ... ومِن هؤلاء: مَن يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه؛ إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه " (الفتاوى ٢/ ١٤٣).
وقال ﵀: " لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام؛ إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد " (الفتاوى ٢/ ١٤٣).
* أقول: وفي هذه الفتوى ثلاثة أمور لا بد من التنبه لها:
стр. 73
١. أنه استدل على كفر المشرع باللازم، وتقدم (ص ٣٣ وما بعدها) أن في هذا الاستدلال نظراً.
٢. أنه ﵀ أرجع التكفير في هذه الحالة للاعتقاد، وهو يتفق مع ما قررته في حكم هذه الحالة (ص ٣٢)، إلا أنه قد علق الكفر في هذه الحالة باللازِم الذي لا يلزم. فليتأمل هذا الذين يتمسكون بكلامه في هذه المسألة ومع ذلك يرون أن الإرجاع للاعتقاد في هذه الصورة إرجاء!
٣. أنه لم يلتزم قوله هذا ولم يستعمل التكفير باللازم في غير هذه المسألة، ولو كان التكفير باللازم حقاً لقال به ولقال به غيرُه من العلماء في جميع مسائل التكفير.
الفتوى المتأخرة
قال ﵀: " وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا، أو شرع هذا، وجعله دستوراً يمشي الناس عليه؛ يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا "، انظر الفتوى كاملة (ص ٦٩)
стр. 74
المسألة الخامسة:
يرى البعض أن حالة التشريع العام لم تحدث إلا في الأزمان المتأخرة، ويبني على هذا أنه: لا يصح التمسك في عدم التكفير بأنه (لا يوجد دليل مكفر)، وأن (المتقدمين من أهل العلم لم يكفروا بهذه الحالة)، وفي هذا الرأي خطأ لأمرين:
١. يلزم منه ألاّ يستدل على التكفير بهذه الحالة بشيء، وهذا ما لا يقول به؛ فقد استدل بقصة التحميم، وتقدم (ص ٣٤) الجواب عن هذا الاستدلال، وأن مناط (= سبب = علة) التكفير في هذه القصة ليست التشريع العام.
٢. أن حالة التشريع العام قد وقعت قبل قرون، ولم يُفت أحد من أهل العلم بالتكفير بها، ومن أمثلة ذلك: الضرائب التي ابتليت بها كثير من بلاد المسلمين منذ عصور، ومن المعلوم أن واضعها يلزِم بها ويعاقب على تركها، مع أنها محرمة، بل من صور الحكم بغير ما أنزل الله، ولو كان هذا الفعل مكفراً؛ لقال به أهل العلم، ولقرروا أن التشريع العام كفر، ولما سكتوا عن بيانه مع معاصرتهم له.
стр. 75
المسألة السادسة:
مع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعاً بين طلاب العلم، إلا أن علماء العصر الثلاثة: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين ﵏ اتفقوا على عدم التكفير بها، (انظر ص ٣٩).