فهل بلغ بابن عبد البر أن اعتبر قول مسلم قولاً شاذًّا، لا يؤثر في حصول الإجماع؟!! والحاصل أن أحدًا لم يقل ذلك، حتى ابن رجب الذي بالغ فزعم أن اشتراط العلم باللقاء رأي الجماهير، فقد نصّ على أن مسلمًا موافَقٌ من ابن حبان وغيره من المتأخرين (حسب وصف ابن رجب) .
إذن لا يمكن أن يكون هناك إجماعٌ على اشتراط العلم باللقاء، ولا يمكن أن يكون هذا مقصود ابن عبد البر.
ويزداد عدمُ قبول ذلك في فهم كلام ابن عبد البر أنه نصَّ على أنّ رأيه الذي يعرضه رأيٌ اتفق عليه المشترطون للصحّة والمصنفون في الصحيح.
ولا أحسب ابنَ عبد البر قد نسي صحيح مسلم بمقدّمته التي نقل فيها الإجماع على عدم اشتراط العلم باللقاء!! فإن نسبه، فماذا ذَكَرَ بالله عليكم؟!!
ثم لا تنسى أن من الموافقين لمسلم: ابنَ خزيمة وابنَ حبان والحاكم. وهؤلاء هم المصنّفون في الصحيح. فمن يقصد ابنُ عبد البر إن كان يقصد غير هؤلاء؟!
وعليه فإن كان هناك إجماعٌ ينقله ابن عبد البر فلا بُدَّ أن يكون إجماعًا موافقًا لرأي مسلم وغيره، بل التعبير الصحيح أن يقال: إنه لا إجماع إلا على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع.
والنتيجة: أن كلام ابن عبد البر يستحيل أن يقصد به نقل الإجماع على اشتراط العلم باللقاء.
стр. 107
وهذه النتيجة خرجنا بها بيقين لا يُساوره شك.
فإن أردنا فَْم كلام ابن عبد البر، أُذكّر أولاً بأمور:
أن ابن عبد البر ذكر شرط اللقاء قائلاً: ((لقاء بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدةً)) ، وسبق في أول المبحث بيان أن مسلمًا لا يُعارض في اشتراط اللقاء والسماع، إنما يعارض مسلم في اشتراط الوقوف على نصّ صريح دال على اللقاء أو السماع. وعليه فإن كلامَ ابن عبد البر لا يكون دالاًّ على اشتراط العلم باللقاء، بمجرّد اشتراط اللقاء، إذ لا يكون كلامُه دالاًّ على اشتراط العلم إلا إذا قال مثلاً: والعلم صراحةً أو تنصيصًا بلقاء بعضهم بعضًا. .
إذن ما هو مقصود ابن عبد البر من ذلك الشرط، فأقول: إن مقصوده به: المعاصرة مع وجودِ دلائلِ اللقاء وعدمِ وجودِ قرائنَ على عدمه، لأن هذا هو شرطُ مسلم كما تقدّم، فلا تكفي المعاصرةُ إلا مع عدم وجود ما يشهد لعدم اللقاء، وعند حصول ذلك تكون عنعنةُ ذلك الراوي محمولةً على اللقاء والسماع والمشاهدة بالإجماع.
إذن فكأن ابن عبد البر قال: إنه يقبل الحديث المعنعن بشرط ثقة رواته، وعدم قيام قرائن تغلِّبُ نَفْيَ اللقاء وتدل على عدم وقوعه، مع السلامة من التدليس.
ويؤكّد هذا المعنى قوله في كلامه السابق: ((ومن الدليل على أن (عن) محمولةٌ عند أهل العلم بالحديث على الاتّصال حتى يتبيّن الانقطاع فيها. . . (وذكر قصة الوليد بن مسلم، ثم قال) : فهذا بيان أن (عن) ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير هذا)) .
стр. 108
فهذا النصّ بيّنَ ابن عبد البر فيه متى يتوقّف عن قبول (العنعنة) ، بأنّه إذا تبيّن الانقطاع وثبت.
فهل رواية المعاصر عمن لم يذكر سماعَه منه يتبيّن فيها الانقطاع ويثبت، حتى عند مشترط العلم باللقاء؟ أم أنها متوقّفٌ في الحكم عليها بالاتصال، وأنها -ولا شك- لاتبلغ درجة بيان الانقطاع وثبوته.
إذن فابن عبد البر إنما يحترز في الإسناد المعنعن من أن تأتي دلائل تدل أو تشهد على الانقطاع، ويدل على ذلك المثال الذي ذكره. فإن لم يأت ما يدل على الانقطاع، وبالتالي وُجدت قرائن تشهد على الاتصال، فعندها يحكم بالقبول، لأن هذا الإسناد المعنعن دلّ على المشاهدة واللقاء والمجالسة.
وأخيرًا نستمرّ في استجلاب ما يبلغ بنا بَرْدَ اليقين، بالنظر في تطبيقات ابن عبد البر، الدالة على اكتفائه بالمعاصرة، وهي بالغة الكثرة.
قال في التمهيد (١٦/ ٢١٩) : ((طاوس سماعه من صفوان بن أمية ممكن، لأنه أدرك زمن عثمان)) .
وذكر ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٢٨) حديثًا من رواية عُبيدالله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد عن قراءة النبي ﷺ في العيدين، ثم قال: ((قد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع، لأن عبيد الله لم يلق عمر. وقال غيره: هو متصل مسند، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثي غير مدفوع، وقد سمع عبيد الله من جماعة من الصحابة)) .
стр. 109
وقال (٣/ ٢٥١) : ((قال قوم لم يسمع زيد بن أسلم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون سمع منه، وسماعه من جابر غير مدفوع عندي، وقد سمع من ابن عمر، وتوفي ابن عمر قبل جابر بنحو أربعة أعوام)) .
وهناك مواطن أخرى كثيرة في كلام ابن عبد البر على هذا المنوال (١) .
وسادسُ من نقل الإجماع أبو محمد ابن حزم (ت ٤٥٦هـ) :
قال ابن حزم (في الإحكام في أصول الأحكام) : ((وإذا علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول، فهو على اللقاء والسماع، لأن شرط العدل القبول، والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه، الغ أن يقوم دليل على ذلك من فعله. وسواء قال (حدثنا) أو (أنبأنا) ، أو قال (عن فلان) ، أو قال (قال فلان) = كل ذلك محمول على السماع منه. ولو علمنا أن أحدًا منهم يستجيز التلبيس بذلك كان ساقط العدالة، في حكم المدلس. وحكم العدل الذي قد ثبتت عدالته فهو على الورع والصدق، لا على الفسقِ والتهمةِ وسوءِ الظن المحرَّم بالنص، حتى يصحَّ خلافُ ذلك. ولا خلاف في هذه الجملة بين أحدٍ من المسلمين، وإنما تناقض من تناقض في تفريع المسائل)) (٢) .
стр. 110
الدليل السابع: أنّ أصحاب الكتب المتخصّصة في بيان شروط الأئمة الستة أو الخمسة لم يذكروا شرطَ العلم باللقاء عن البخاري أو غيره.
فقد أُلِّفَتْ في شروط الأئمة كتبٌ أقدمُها وأهمّها ثلاثة كتب، نحمد الله تعالى أنها أُلّفت قبل القاضي عياض ودعواه نسبة ذلك الشرط إلى البخاري وابن المديني.
فأول من ألف في شروط الأئمة: أبو عبد الله ابن منده (ت ٣٩٥هـ) .
وتلاه محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) .
وجاء آخرهم أبوبكر محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) .
ومع أن كتب هؤلاء الأئمة متخصّصةٌ في بيان شروط هؤلاء الأئمة، وخاصة الشيخين، ومعتنيةٌ خاصة بنقاط الاختلاف وبيان الفروق بينهما، ومع أهميّة مسألة العنعنة، ومع حَمْلَةِ مسلمٍ الشديدةِ على مشترط العلم باللقاء في مقدّمة صحيحه= هل يُتصوَّر أن يُغفل هؤلاء الأئمةُ ثلاثتُهم هذه المسألة تمامًا في كتبهم، لو كان المخالِفُ لمسلمٍ هو البخاريُّ وغيره من أئمة الحديث؟!!
والواقع أنهم أغفلوا هذه المسألة تمامًا. . بالفعل.
وازن بين ذلك وكتابٍ جاء بعد انتشار تلك الدعوى، كيف أن مسألة الحديث المعنعن أصبحت أكبرَ فرقٍ بالفعل بين الصحيحين. حتى في كتاب مختصر وغير متخصص في شروط الأئمة، كنزهة النظر.
كيف إذا علمت أن الأمر لم يقتصر على عدم ذكر شرط العلم
стр. 111
باللقاء بشيءٍ البتّة، بل تجاوز إلى نسبة نقيضه إلى البخاري!!! وهذا هو الدليل التالي.
الدليل الثامن: نسبةُ محمد بن طاهر المقدسي شرطَ الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم كليهما.
ولا تنسى أن ابن طاهرهو صاحب شروط الأئمة الستة.
يقول ابن طاهر في مقدّمة كتابه (الجمع بين رجال الصحيحين) : ((إن كُلَّ من أخرجا حديثه في هذين الكتابين -وإن تكلم فيه بعضُ الناس- يكون حديثُه حجةً، لروايتهما عنه في الصحيح. إذ كانا (رحمةُ الله عليهما) لم يُخرجا إلا عن ثقة عدل حافظ، يحتمل سِنُّهُ ومولدُه السماعَ مِمّن تقدّمه، على هذه الوتيرة، إلى أن يصل الإسنادُ إلى الصحابي المشهور)) (١) .
وهكذا لا يفرّق ابن طاهر بين الشيخين في شرط الحديث المعنعن، وينصّ على اكتفائهما بالمعاصرة.
ومعرفة ابن طاهر بالصحيحين عظيمة، حتى إن محمد بن عبد الواحد الدقاق لما طعن على ابن طاهر في كل شيء، لم يستطع إلا أن يعترف بمعرفته بالصحيحين وما يتعلق بهما.
стр. 112
الدليل التاسع: نصوصٌ للعلماء تدل على أنهم لا يشترطون في الحديث المعنعن العلمَ باللقاء.
أولاً: الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) .
فمع أن الحافظ قد نقل كلام الشافعي مستدلاًّ به على أنه يشترط العلم باللقاء، إلا أنّنا سنقف عند كلامه، لنرى هل فيه دلالةٌ على ذلك، أم أنّه على نقيض ما ذكر؟!
قال الشافعي في الرسالة على لسان سائل: ((فقال: فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول (عن) ، وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟
فقلت له: المسلمون العدولُ عدولٌ أصحّاءُ الأمر في أنفسهم. . . (إلى أن قال:) وقولُهم (عن) خبرُ (١) أنفسِهم، وتسميتُهم على الصحّة. حتى نستدلّ من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترسَ منهم في الموضع الذي خالف فعلُهم فيه ما يجب عليهم.
ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن من مضى ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له.
стр. 113
وكان قولُ الرجل (سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا) وقوله (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذه الطريق، قبلنا منه (حدثني فلان عن فلان) -)) (١) .
أولاً: لا شك أن الشافعي لا يقبل الحديث المعنعن من غير المتعاصرين.
فالسائل إذن يقول للشافعي: ما بالك قبلت من المتعاصرين العنعنة إذا سلموا من التدليس؟
إذن فالسؤال عن مذهب مسلم عينِه.. حرفًا بحرف، ينسبه السائلُ إلى الشافعي.
فلم يقل له الشافعي أخطأتَ في ما نسبتَه إليّ، بل أقرّ ما تضمّنه سؤاله، وأخذ يجيب عن سؤاله مبيّنًا مسوّغات وأسباب ذلك المذهب.
وهذا أوّل ما دلّنا على أن الشافعي على مذهب مسلم في الحديث المعنعن!!!
ثم أخذ الشافعي يُوضّحُ لسائله سبب قبوله للحديث المعنعن بين المتعاصرين من غير المدلسين، قائلاً له: إن المسلم العدل غير المدلّس إذا قال (عن) فلان دلّ ذلك بظاهره على صحّة تلقّيه ممن سمّاه، إلا إذا جاء ما يدل على خلاف هذا الأصل، فيحترس منه في ذلك الإسناد المستثنى.
أمّا قول الشافعي الذي احتج به من نسب إليه اشتراط العلم باللقاء: ((لا يحدث واحدٌ منهم عن من لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق)) ،
стр. 114
فإنما ورد هذا القول في سياق بيان أن (عن) من غير المدلس دالة على اللقاء، فهي دالة على نقيض ما أرادوا.
فهو يقول: [لمّا] كان قول الرجل (سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا) وقولُه (حدثني فلان عن فلان) سواءً عندهم، [بسبب أنه] لا يحدث واحدٌ منهم عن من لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه [أي سمّاه] بهذه الطريق: [لذلك] قبلنا منه حدثني فلان عن فلان [أي قبلنا عنعنته] .
ثم انظر إلى استدلال الحافظ كيف قال: ((فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعِنَ غير المدلِّس وإنما يقول (عن) فيما سمع، فأشبه ما ذهب إليه البخاري)) (١) .
فلو حذف الحافظ واو العطف بعد كلمة (غير المدلس) ، لكان كلامه موافقًا لكلام الشافعي حقًّا، لكن حينها يكون كلام الشافعي لا يشبه. . بل يناقض ما نُسب إلى البخاري!!
فتأمّلْ ذلك طويلاً!! فقد بنيتُ هذا البحثَ على الاختصار.
ثانيًا: الإمام أبوبكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت ٢١٩هـ) .
أسند الخطيب إليه في (الكفاية) أنه قال بعد بيان شروط قبول الحديث: ((وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه سمعت أو حدثنا (٢) حتى
стр. 115
ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّثِ عنه واحدٌ فأكثر، لأن ذلك عندي على السماع، لإدراك المحدِّث مَن حَدّث عنه، حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ . ولازمٌ صحيحٌ يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه)) (١) .
وقال الحميدي في موطن آخر: ((قلت: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: (سمعت) ، حتى ينتهي إلى النبي ﷺ ، فإن ظاهره كظاهر السامع المُدْرِك، حتى يتبيّنَ فيه غير ذلك)) (٢) .
فهنا يصرّح الحميدي أن الحديث الذي لم يُصرِّح رواته بالسماع، أي الحديث المعنعن، ظاهره يدل على الاتصال، وأن العمل على دلالة هذا الظاهر، حتى يأتي ما ينقض هذا الظاهر.
وبذلك نضيف الحُميديَّ شيخَ البخاري إلى مصافّ من كان على مذهب مسلم!!
ثالثًا: أبوبكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) :
للخطيب عبارةٌ استدلّ بها من نسب ذلك الشرط إلى البخاري على أن الخطيب موافقٌ للبخاري فيه!!
وقبل ذكر تلك العبارة أسوق عبارةً أخرى للخطيب، صريحةً في أن الخطيب على مذهب مسلم.
стр. 116
قال الخطيب في (الكفاية) : ((وأمّا قول المحدّث: (قال فلان) ، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه= جُعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره (حدّثنا) . وإن كان قد يروي سماعًا وغير سماع= لم يُحْتَجَّ من رواياته إلا ما بيَّنَ الخبر فيه)) (١) .
فظاهرٌ من هذه العبارة أن الخطيب لا يشترط لقبول (قال) إلا انتفاء التدليس، وهذا هو مذهب مسلم.
ويؤكد الخطيبُ معنى كلامه، وأنه لا يشترط في (قال) إلا انتفاء التدليس، وأنه إنما أراد بقوله: ((فإن كان المعروفُ من حاله. .)) عدمَ التدليس، لا أمرًا آخر= أنه قال عقب كلامه السابق: ((قلت: والحكم الذي ذكرناه إنما فيمن روى غير سماع وكان ممن يجوز عليه التدليس وأَخْذُ الأحاديث من كل جهة. .)) ، ثم أورد أخبارًا تدل على أن (قال) لها دلالة عُرفيّة (مثل: عن) ، هذه الدلالة هي الاتّصال بالسماع ونحوه.
فإذا كان هذا هو حكم (قال) عند الخطيب، وهي في دلالتها العرفيّة على الاتّصال أضعف (أو قُل: أخفى) من دلالة (عن) عليه، فماذا سيكون حكم الخطيب في (عن) ؟
بعد أن انتهى الخطيب من حُكم (قال) ، أورد بعده مباشرةً الكلام عن حكم (عن) . وأوّل ما بدأ به فيها: أن أسند إلى الرامهرمزي ما نقله في كتابه (المحدث الفاصل) عن بعض المتأخرين من الفقهاء (حسب تغبير الرامهرمزي) ، أنه لا يقبل العنعنة مطلقًا (٢) .
стр. 117
ثم بدأ الخطيبُ رَدَّه على هذا الرأي قائلاً: ((قلت: وأهل العلم بالحديث مُجْمِعون على أن قول المحدّث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيحٌ معمولٌ به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّثُ ممن يُدَلِّس. . .)) (١) .
ثم أسند الخطيب إلى الإمام الشافعي، وأورد كلامه الذي نقلناه عنه آنفًا من كتابه (الرسالة) ، والذي هو نصٌّ صريح على أن الشافعي على مذهب مسلم. أورده الخطيب على طريقة المستدِلِّ به، لا المخالِفِ له ولا المتعقِّبِ عليه.
فهل كلام الخطيب هذا يدل على أنه على مذهب البخاري؟
فأوّل ما أبدأ به الإجابةَ: هو أن أقول تَنزُّلاً: إن كُلَّ الذي يدلّ عليه كلام الخطيب: أن الحديث المعنعن بين راويين عُرف لقاؤهما وسماعهما وسَلِمَ الراوي من التدليس أنه يكون صحيحًا معمولاً به، وهذا لا شك أنّه موطنُ إجماعٍ كما قال الخطيب، لا يُخالف فيه الإمامُ مسلمٌ ولا غيره ممن هو على رأي مسلم. وليس في كلام الخطيب أنّ ما سوى ذلك مردودٌ غير ومقبول، ولا يمكن أن يقول الخطيب ذلك!!
فأمّا أنَّ كلام الخطيب ليس فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم: فهذا واضحٌ لمن تأمّل كلامه، كما أوضحناه آنفًا.
وأمّا أن الخطيب لا يمكن أن يكون كلامه السابق فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم، فلأنّ الخطيب نقل الإجماعَ على الرأي الذي ذكره، ولا
стр. 118
أحسب أحدًا سيقول: إن الخطيب نقل الإجماع على خلاف ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، إذن أين مذهب مسلمٌ (في أقل تقدير) ؟! بل أين مسلمٌ ومَنْ وافقه؟!! بل أين مسلم وكل العلماء معه؟!!!
ثم يأتي حُكمُ الخطيب في (قال) ، وموافقته لمذهب مسلم فيها، ويأتي استدلالُه بكلام الشافعي، الذي هو على مذهب مسلم= ليدلَّ ذلك على أن الخطيب لن ينقل الإجماعَ إلا عى ما نقل مسلمٌ والحاكمُ عليه الإجماع مِنْ قَبْل!!
لكن هنا ينقدحُ في الأذهان سؤال: فلمَ قال الخطيب إذن: ((إذا كان شيخُه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه. .)) ؟
فأقول: لذلك جوابان:
الأول: أن الخطيب لاحظَ في نَقْلِهِ الإجماعَ مَنْ ردّ عليه مسلمٌ، ذلك الجاهلَ الخاملَ الذكر، الذي انتحل الآثار والحديث، ولا يُعَدُّ من أهل الحديث، ولا تؤثِّرُ مخالفتُه في الإجماع الذي عليه أهل الحديث. فأراد الخطيب أن يبدأ في بيان حُكم (عن) بنقطة اتفاقٍ، يدخل في الموافقة عليها حتى ذلك الجاهل الخامل الذِّكر، وهي قبول الحديث المعنعن بشرط العلم باللقاء والسلامة من وصمة التدليس. ويُرشِّحُ هذا المعنى (ربّما) : أن الخطيب في سياق الردّ على من ردَّ العنعنةَ مطلقًا، وهو ذلك المتأخِّر من الفقهاء، كما سبق، فأراد الخطيبُ أن يقول لهذا الفقيه المتأخِّر: إن قولك بردّ العنعنة مطلقًا قولٌ لم يَسبِقْكَ إليه أحدٌ (لا عالمٌ ولا جاهلٌ خاملُ الذِّكر) . ثم إن الخطيب قد بيّن حكم (عن) عنده وفي مذهبه بما كان قد ذكره في حكم (قال) ، وبما استدلّ به من كلام الشافعي بعد ذلك.
стр. 119
الثاني (وهو عندي الأوجهُ والأقوى) : أن الخطيبَ في الحقيقة ينقل الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع سواء، وأنه لم يَقُم بذهن الخطيب اعتبارُ وُجُودِ خلافٍ في المسألةِ أصلاً. فجاء قولُه بعد ذلك ((إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه)) وصفًا كاشفًا لا قيدًا، وإنما جاء بيانًا لحال الغالب على عنعنات الرواة غير المدلِّسين.
كما لو قال قائل: ((المشركون كلُّهم في النار بإجماع، إذا سجدوا لصنم وطافوا على وثن وذبحوا لحجر أو شجر)) . فإنه لا يكون هناك غرابةٌ في هذا التعبير، ولا هناك ما يدعوا إلى وقفةٍ من هذه الأوصاف. ويكون قوله: ((إذا سجدوات. . وطافوا. . وذبحوا)) ليس قيدًا، ولا يفهمه أحدٌ أنه قيد. ولكنه خرج مخرج الغالب، ومن المقرَّر في الأصول: أنه لا يُحتجُّ بمفهوم المخالفة إذا خرج الكلام مخرج الغالب.
وبذلك نُضيفُ الخطيب إلى الناقلين الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، وإنما أخّرته هنا تلطُّفًا وتنزُّلاً، واكتفاءً ببعض الحجة عن جميعها.
فأمّا أن الخطيب على مذهب مسلم: فلا أحسب هناك من سيخالف في ذلك.
وأمّا أن الخطيب على مذهب البخاري: فليس هناك قول للخطيب يشهد له! فضلاً عن ادّعاء من ادعى أن الخطيب ينقل الإجماع على مذهب البخاري!! ليكون الخطيب -على رأي هذا المدّعي- قد ألغى مسلمًا ومن وافقه من الاعتبار!!!
стр. 120
رابعًا: أبو الحسن القابسي (ت ٤٠٣هـ) :
وقد سبق نَقْلُ عبارته، وما تضمّنتْهُ من الاكتفاء بما اكتفى به الإمامُ مسلمُ، باعتراف ابن رُشَيْد على ذلك! (١)
الدليل العاشر: صحيح البخاري نَفْسُه .
فمع أنه قد سبق أن قلنا: إن صحيح البخاري لا ينفع أن يكون دليلاً على أن البخاري يشترط العلم باللقاء، حتى لو تحقّق فيه هذا الشرط، لأن البخاري أقام كتابه على: منهج الاحتياط، والمبالغة في التحرِّي، ومُجانبةِ مواطن الخلاف كُلَّ المجانبة= إلا أن صحيح البخاري (من جهةٍ أخرى) نافعٌ لنقض دعوى نسبة ذلك الشرط إلى البخاري، فيما لو وُجد حديثٌ واحدٌ (نعم. . حديثٌ واحدٌ فقط) لم يتحقّق فيه ذلك الشرط، لأنّ هذا الحديث الواحد دلَّنا على أن البخاري مع شدّة احتياطه وتَوَقِّيه لكتابه لم يَرَ في انتفاء ذلك الشرط ما يُخالفُ الصحّةَ والشروطَ التي أقام عليها كتابَه.
وقد قرّر صحّة هذا الدليل الحافظُ ابن حجر (قبل غيره) ، وهو المنافح عن صحيح البخاري، والذي لم يكن يُساوره أدنى شك في أن البخاري يشترط العلم باللقاء. فإنه قال مُجيبًا على الإمام مسلم: ((وإنما كان يتمُّ له النّقْضُ والإلزامُ لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لُقِيّ راويه لشيخه فيه، فكان ذلك واردًا عليه)) (٢) .
стр. 121
يقرّر الحافظ صحّة هذا الدليل، ولو في حديثٍ واحدٍ فقط، ثم هو نفسه يعترف بوجود هذا الدليل الذي يتمّ لمسلمٍ به النقضُ والإلزام!!!
يقول الحافظ: ((ومسألة التعليل بالإنقطاع وعدم اللِّحاق: قلَّ أن تقع في البخاري بخصوصه، لأنه معلوم أن مذهبَهُ عدمُ الاكتفاءِ في الإسنادِ المعنعن بمجرّد إمكانِ اللقاء)) (١) .
فانتبهْ لقوله: ((قلَّ)) !!!
وسنترك الإجمال إلى البيان، بضرب أمثلةٍ تدل على اكتفاء البخاري في صحيحه بالمعاصرة:
المثال الأول: حديثا أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁، الأول حديث: ((خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)) (٢) ،
والثاني: حديث حصار عثمان، وما فيه من قصّة حفر بئر رومة وتجهيز جيش العُسْرة (٣) .
أخرجهما البخاري في صحيحه: مع نفي كُلٍّ من شعبةَ وابنِ معين سماعَ أبي عبد الرحمن السُّلمي من عثمان ﵁، ومع قول أبي حاتم الرازي: ((روى عنه ولم يذكر سماعًا)) ، ورضي الإمام أحمد عن نفي شعبة لسماعه من عثمان (٤) .
стр. 122
فيقول الحافظُ في (الفتح) مدافعًا: ((لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان= على ما وقع في رواية شعبة (١) عن سعيد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجّاج، وأنّ الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدلَّ ذلك على أنه سمعه في ذلك الزمن. وإذا سمعه في ذلك الزمن، ولم يُوصَف بالتدليس، اقتضى ذلك سماعَه ممن عَنْعَنَهُ عنه، وهو عثمان.
ولا سيّما ما اشتهر بين القُرّاء: أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره.
فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه)) (٢) .
فهُنا يعترف الحافظ أن البخاري إنما كان اعتمادُهُ في تصحيح حديثين لأبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁ على المعاصرة وحدها!!
وهذا يكفينا من أشدِّ العلماء دفاعًا عن صحيح البخاري، وأبلغهم قناعةً بنسبة شرط العلم باللقاء إليه!!
وأمّا ما ذكره الحافظ من مسألة القراءة، فالحافظ نفسُه لم يزعم أن البخاريَّ اعتمد عليها في تصحيحه لحديث السلمي عن عثمان ﵁. والظاهر أن الحافظ لم يزعم هذا الزعم، لأنه كان يعلم أن إسناد ذلك لا يثبت (٣) .
стр. 123
وهنا أُنبِّهُ إلى أن حديثَيْ أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁، وإن لم نعلم بلقائه، إلا أنه تصحيحهما بناءً على الاكتفاء بالمعاصرة هو المتوجِّه، أو له وَجْهٌ قويٌ في أقلّ تقدير.
المثال الثاني: حديث عروة بن الزبير، عن أمّ سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال لها: ((إذا أقيمت صلاة الصبح فطُوفي على بعيرك، والناسُ يُصلّون)) (١) .
ذكره الدارقطني في (التتبُّع) ، وقال: ((هذا مرسل)) ، وبيّن أنه رُوي من طريق عُروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة (٢) .
وقال الطحاوي في (بيان مشكل أحاديث رسول الله ﷺ ) : ((عروة لا نعلم له سماعًا من أم سلمة)) (٣) .
فحاول الحافظُ الدفاع عن ذلك بثلاثة أمور (٤) :
الأول: أنه قد جاء في رواية الأصيلي لصحيح البخاري ذكر زينب بنت أبي سلمة بين عروة وأم سلمة في هذا الحديث من هذا الوجه، إلا أن الحافظ بيّن أن ذكر زينب خطأٌ في رواية الأصيلي (٥) . فلا حُجّة فيها، حتى عند الحافظ.
стр. 124
الثاني: أن البخاري اعتمد روايةَ مالك عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة عن زينب عن أم سلمة (١) ، التي أخرجها البخاري قبل رواية هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة بإسقاط زينب من إسنادها، أي أن البخاري أخرجها متابعة. مع اعتراف الحافظ أنّ لفظ الروايتين مختلف، بل قد رجّح الحافظ أنهما حديثان مختلفان: أحدهما في طواف الإفاضة يوم النحر، والآخر في طواف الوداع. بل يظهر أن البخاري كان معتمدُا على رواية عروة عن أم سلمة، لأنه أورد إسناد حديث عروة عن زينب عن أم سلمة، ثم لم يذكر لفظه، وأحال على لفظ حديث عروة عن أم سلمة، وأورده بإسناده ومتنه كاملاً.
إذن فهذا الحديث داخلٌ في أصل موضوع كتاب البخاري، الذي يشترط فيه الصحّة.
الثالث: يقول الحافظ: ((مع أن سماع عروة من أمّ سلمة ليس بمستبعد)) (٢) ويقول: ((وسماع عروة من أمّ سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيّفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلدٍ واحد)) (٣) .
فعاد الحافظ إلى الاكتفاء بالمعاصرة!!!
ولذلك تعقّبه محقّقُ (التتبع) للدارقطني (وهو الشيخُ مقبل الوادعي) بقوله: ((أقول: البخاري يشترط تحقُّقَ اللقاء، فهل تحقق؟ والظاهر عدم تحقُّقه، إذ لو تحقّق لصرّح به الحافظ)) (٤) .
стр. 125
المثال الثالث: حديث قيس بن أبي حازم عن بلال بن رباح ﵁ أنه قال لأبي بكر: ((إن كنتَ إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنتَ إنما اشتريتني لله فدعني وعملَ الله)) (١) .
وقد قال علي بن المديني في (العلل) : ((روى عن بلال ولم يلقه)) (٢) .
فلمّا أزاد العلائي الدفاع عن ذلك قال: ((في هذا القول نظر، فإن قيسًا لم يكن مدلّسًا، وقد وَرَدَ المدينةَ عقب وفاة النبي ﷺ ، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روى عن أحدٍ الظاهرُ سماعُه عنه)) (٣) .
وبنحو ذلك دافع خالد الدريس عن هذا الحديث في صحيح البخاري، مضيفًا أنه حديثٌ موقوفٌ وفي باب المناقب (٤) .
وبذلك نرجع أن البخاري اكتفى في إخراجه لهذا الحديث بشرط مسلم.
المثال الرابع: حديثا عبد الله بن بريدة عن أبيه، وسبق ذكرهما، وبيان أن البخاري مع عدم وقوفه على تصريح عبد الله بالسماع من أبيه، إلا أنه أخرج له عنه حديثين في صحيحه (٥) !!
стр. 126
وهناك مجموعةٌ من الأسانيد نُفي سماعُ رواتها من بعضهم وهي في صحيح البخاري، والنفاة للسماع بعض كبار الأئمة:
منهم: أبو داود (١) ، وأبو حاتم الرازي (٢) ، والإسماعيلي (٣) ، والدارقطني (٤) ، والعقيلي (٥) ، وابن مردويه (٦) ، وأبو مسعود الدمشقي (٧) ، وابن عبد البر، والخطيب (٨) ، والحازمي (٩) .
فهؤلاء العلماء، وفيهم بعض أعرف الناس بصحيح البخاري: كالإسماعيلي، والدارقطني، وأبي مسعود الدمشقي= لو كان متقرّرًا عندهم أن البخاري يشترط العلم بالسماع، لَمَا تجرّؤا على انتقاد بعض أحاديث صحيحه بعدم السماع، لمجرّد أنّهم لم يقفوا على ما يدل على السماع مع قرائن عدم السماع التي لاحت لهم، لأنّهم (أولاً) : أعرف الناس بمكانة الإمام البخاري وعظيمِ اطّلاعه على السنة وأسانيدها وأحوال رواتها وأخبارهم، ولأنّهم (ثانيًا) : أدْرَى الناس بالأدب العلميِّ القائل: من عَلم حُجّةٌ على من لم يعلم، وأن عدمَ العلم لا يدل على العدم.
стр. 127
لذلك فإني أعود لأقول: لو كان متقرّرًا عند أولئك العلماء أن البخاري يشترط العلم باللقاء، لَمَا نازعوه عِلْمَه، لمجرّد عدم علمهم!!
ثم ألا ترى كيف اعتقد بعضُ المتأخرين (الذين تَحَلَّوا بذلك الأدب العلميّ السابق ذكره) أن أولئك العلماءَ المتقدّمين لم يتحلَّوا بذلك الأدب!!! ولذلك تجدُهم دائبين على الإجابة عن كل اعتراضٍ بنفي السماع صادرٍ من أحد أولئك المتقدّمين، بنحو قولهم: البخاري مُثْبِت، وهم نافون، والمثبت مقدَّم على النافي، لأنه معه زيادة علم، ومن علم حجة على من لم يعلم.
فهل كان أولئك العلماءُ المتقدّمون غافلين عن هذا الأدب حقًّا؟! أم أنّهم عندما نفوا السماع لم يَرَوْا في شَرْطِ البخاري ما يُناقِضُ التزامهم به؟! ولذلك أباحوا لأنفسهم الانتقادَ والاعتراضَ!!
الحقُّ أنّ أولئك العلماء الذين انتقدوا واعترضوا على البخاري هم أهلٌ للتحلِّي بكل أدب، ومحلٌّ للقُدوة في كل خير (رحمة الله عليهم) .
فكم لابن عدي من موقفٍ يعلن فيه أنه مقلِّدٌ فيه البخاري (١) !!
وكم لأبي القاسم البغوي من ترجمةٍ اتّبع فيها البخاري، دون أن يقف على الدليل فيما ادّعاه البخاري من صحبةٍ لإحدى التراجم (٢) .
كل ذلك مراعاة منهم لأدب: (من كان عنده زيادةُ علمٍ حُجّةٌ على من لم يكن لديه تلك الزيادة) . فما بالُهم عارضوا البخاري في إثبات السماع؟!
стр. 128
هذا يشهد -كما سبق- على أنهم لمّا عارضوه لم يفعلوا ذلك وهم يعتبرونه يشترط العلم بالسماع.
الدليل الحادي عشر: احتجاجُ البخاري في صحيحه بالمكاتبة، والمناولة المقترنة بالإجازة، بل واحتجاجُه بالوجادة.
وَوَجْهُ الدلالة في ذلك ما يلي:
أوّلاً: أنه على من نسب شَرْطَ العلم باللقاء إلى البخاري، أن يضيف إليه القيود السابقة، فيقول: إن البخاري يشترط العلم باللقاء، أو بالمكاتبة، أو بالإجازة، أو بالوجادة!!
وبذلك ينفرط عَقْدُ ذلك الشرط المدَّعَى، ولم يَعُد هو ذاك الشرط بكل تلك الصرامة والغُلُوّ. وأنه كان الواجبُ تقييدُه بتلك القيود، مَمّن نسبه إلى البخاري من أهل العلم المتأخرين.
ثانيًا: قبولُ البخاري للمكاتبة والإجازة والوجادة، وهي طُرُقُ تَحَمُّلٍ للسنّة لا تكون مع السماع والمشافهة= يشهد لعدم اشتراط البخاري العلمَ بالسماع، إذ ما هو معنى اشتراط العلم بالسماع، مع قَبول ما لم يتحقّق فيه السماع؟!!
فأمّا المكاتبة: فقد صَرَّح البخاري بقبولها في صحيحه، وعقد لها بابًا خاصًّا في كتاب العلم منه (١) .
стр. 129
وقد قال الدارقطني في (التتبّع) : ((واتفقا على إخراج حديث أبي عثمان: كتب إلينا عمر في الحرير إلا موضع أصبعين. وهذا لم يسمعه أبو عثمان من عمر، وهو مكاتبة، وهو حُجَّةٌ في قبول الإجازة)) (١) .
وأمّا المناولة: فقد ذكر الدارقطني في التتبع حديثين لمحمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس، ثم قال: ((وهذا لم يسمعه ثمامة من أنس، ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثمامة)) ، ثم بيَّنَ أنه كتاب (٢) .
فقال الحافظ: ((فلا يدلّ على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على صحّة الرواية بالمناولة)) (٣) .
وأمّا الوجادة: فقد قال الدارقطني في (التتبع) : ((وأخرجا جميعًا حديثَ موسى بن عقبة، عن أبي النضر مولى عمر بن عُبيدالله، قال: كتب إليه ابن أبي أوفى: أن النبي ﷺ قال: لا تَمَنَّوْا لقاء العدوّ. . (الحديث، ثم قال الدارقطني:) وهو صحيحٌ، حُجّةٌ في جواز الإجازة والمكاتبة، لأن أبا النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى، وإنما رآه في كتابه)) (٤) .
والصحيح أن هذه الرواية وجادة، لأنها من رواية سالم أبي النضر عن كتاب ابن أبي أوفى إلى عمر بن عُبيدالله. كما بيّنه الشيخ مقبل
стр. 130
الوادعي في تعليقه على (التتبع) للدارقطني (١) ، خلافًا لما توصّل إليه الحافظ (٢) !
الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة، في نصوص صريحةٍ عنه .
وهذا الدليل، مع الإجماع الذي نقله مسلم، كافيان مستغنيان عن بقيّة الأدلّة. . لو أنصف المنصفون!!
*سأل الترمذيُّ البخاريَّ في (العلل الكبير) عن حديثٍ لعطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، قائلاً: ((أَترى هذا الحديثَ محفوظًا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم)) (٣) .
فهنا يكتفي البخاري بالمعاصرة!!!
ولا يُعترض على الاستدلال بهذا النقل على اكتفاء البخاري بالمعاصرة: أن عطاء بن يسار قد وجدتُه (أنا) صَرّح بالسماع من أبي واقد (٤) ، لأنّ البخاري لم يحتجّ بذلك، إما لعدم استحضاره لذلك حينها، وإمّا أنه لا يصحّح هذا التصريح. المقصود: إن احتجاج البخاري على صحّة الحديث بإدراك عطاء لأبي واقد دليلٌ على اكتفائه
стр. 131
بالمعاصرة وعدم اشتراط العلم بالسماع، لأنه لو كان يعلم بالسماع حينها لكان أولى أن يحتجّ بذلك من اللجوء إلى المعاصرة ومحاولة إثباتها بقِدَمِ عطاء.
وقال البخاري في (الأوسط) : ((حدثني عبدة، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني، قال: سمعت يوسف بن عبد الله بن الحارث: كنت عند الأحنف بن قيس. .
(ثم قال البخاري:) وعبد الله أبو الوليد روى عن عائشة وأبي هريرة، ولا ننكر أن يكون سمع منهما، لأن بين موت عائشة والأحنف قريبٌ من اثنتي عشرة سنة)) (١) .
ومقصود البخاري من هذه الترجمة خفيٌّ جدًّا، غرضُه منها إثبات معاصرة أبي الوليد عبد الله بن الحارث والدِ يوسف لعائشة وأبي هريرة ﵄.
فأورد أوّلاً قصّةً ليوسف بن عبد الله بن الحارث تُبيِّنُ أنه دخل على الأحنف بن قيس، فإذا افترضنا أنه دخل عليه وهو بين العشرين عامًا والخمسة عشر عامًا، وأنه دخل على الأحنف في آخر عمره: بين (٦٧هـ) و (٧٢هـ) (حيث اختُلف في سنة وفاة الأحنف على هذين القولين) = فنستدلّ بذلك أن يوسف بن عبد الله بن الحارث وُلد سنة (٥٠هـ) .
فإن كان يوسف وُلد سنة (٥٠هـ) ، فلا بُدّ أن يكون لأبيه عبد الله بن الحارث عند ولادته في سنة خمسين خمسَ عشرة سنةً في أقلّ تقدير.
стр. 132
ومن كان ابن خمس عشرة سنة في سنةِ خمسين، فإن مولده سيكون في أقل الأحوال سنة (٣٥هـ) .
ومَن وُلد سنة (٣٥هـ) لا يُنكر أن يكون سمع من عائشة وأبي هريرة ﵄، اللذين توفِّيا سنة (٥٧هـ) . . كما قال الإمام البخاري.
فانظر: إلى هذا الأسلوب البديع والطريقة الذكيّة لإثبات المعاصرة، كل ذلك من أجل الحكم بالاتّصال والسماع!
فهل مَنْ كان لا يقبل إلا النصَّ الدالّ على السماع، سيقوم بمثل هذا التنبيش الدقيق، وبمثل هذا الاستنباط الخفي، لإثبات المعاصرة فقط؟! فما فائدة كل ذلك الجُهد والتفكير العميق إذن؟!
لقد صَرّح البخاري بالفائدة عندما قال: ((ولا ننكر أن يكون سمع منهما: لأن بين موت عائشة والأحنف قريبٌ من اثنتي عشرة سنة)) .
وسيأتي في الدليل الرابع عشر والخامس عشر ما يعزّزُ أن البخاري (وجميع الأئمة) لا بُدّ أن يكونوا مكتفين بالمعاصرة على مذهب الإمام مسلم، وهو المذهب الذي نقل مسلمٌ عليه الإجماع!!
فانظر ذينك الدليلين.
الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جمعٍ من الأئمة بالمعاصرة:
وأنا إذْ أحتجّ بهذا الدليل، لا أحتجّ به ابتداءً على نفي نسبة ذلك الشرط إلى البخاري، ولكني أحتج به للتأكيد على أن الاكتفاء بالمعاصرة
стр. 133
إجماعٌ كما نقله مسلم وغيره. ثم إنه إذا كان إجماعًا، صحّ الاستدلال به على نفي نسبة ذلك الشرط إلى البخاري!!!
أولاً: علي بن المديني:
ولعلي بن المديني ولرأيه من هذه المسألة أهمية خاصّة، لأنه أحدُ من زُعم أنه المقصود بالردّ في كلام مسلم، بل رجّح بعضهم أنه وحده المقصود بالرد.
* قال علي بن المديني في (العلل) : ((زياد بن عِلاقة لقي سعد بن أبي وقاص عندي، كان كبيرًا، قد لقي عدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، لقي المغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله. . .)) (١) .
مع أن أبا زرعة والإمام أحمد نفيا سماعه من سعد.
* وقال في (العلل) : ((قد لقي عطاء بن يزيد أصحاب النبي ﷺ : لقي أبا أيوب وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري وتميمًا الداري وأبا شريح الخزاعي، ولا ننكر أن يكون سمع من أبي أَسِيْد)) (٢) .
* ونقل ابن عساكر في ترجمة صفوان بن مُعَطِّل من (تاريخ دمشق) : عن علي بن المديني أنه قال: ((أبوبكر بن عبد الرحمن أحد العشرة الفقهاء، وهو قديم، لقي أصحاب النبي ﷺ ، ولا أنكر أن يكون سمع من صفوان بن معطل)) (٣) .
стр. 134
ثانيًا: الإمام أحمد:
* قال عبد الله بن الإمام أحمد في (العلل) : ((قتادة سمع من عبد الله بن سَرْجِس؟ قال: ما أَشْبَهَهُ، قد روى عنه عاصم الأحول)) (١) .
فهنا يحتج الإمام أحمد بسماع قرينٍ لقتادة من ابن سَرْجس، للدلالة على أن قتادة قد أدركه. ثم يثبت الإمام أحمد سماعه منه، كما يؤيده قوله في (العلل) وسئل: ((سمع قتادة بن عبد الله بن سَرْجِس؟ قال: نعم)) (٢) .
* وقال الإمام أحمد وسئل: ((هل سمع عَمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال: قُتل سليمان في فتنة ابن الزبير، وعَمرو رجل قديم، قد حدث شعبة عن عَمرو عن سليمان، وأراه قد سمع منه)) (٣) .
* وفي (مسائل أبي داود للإمام أحمد) : ((قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه)) (٤) .
* وفي (الإعلام بسنته ﵇ لمغلطاي: ((سئل الإمام أحمد عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ فقال: ينبغي، هو قديم، سمع من ابن عمر)) (٥) .
стр. 135
ثالثًا: يحيى بن معين:
* سأل الدوريُّ ابنَ معين في (التاريخ) : ((ابن شبرمة يروي عن ابن سيرين؟ قال: دخل ابن سيرين الكوفة في وقت لم يكن ابن شبرمة، ولكن لعله سمع منه في الموسم)) (١) .
يقول ابن معين ذلك، لأن ابن سيرين لم يكن مكثرًا من الرواية عمن عاصره ولم يلقه.
* وسأله ابن الجنيد: ((حماد بن سلمة دخل الكوفة؟ قال: لا أعلمه دخل الكوفة. قلت: فمن أين لقي هؤلاء؟ قال: قدم عليهم عاصم، وحماد بن أبي سليمان، والحجاجُ بن أرطاة. قلت: فأين لقي سماك بن حرب؟ قال: عسى لقيه في بعض المواضع، ولو كان دخل الكوفة لأجادَ عنهم)) (٢) .
رابعًا: أبو حاتم الرازي:
* قال أبو حاتم الرازي -كما في (العلل) لابنه-: ((يحتمل أن يكون أبو إدريس قد سمع عوف بن مالك الأشجعي والمغيرة بن شعبة، فإنه من قدماء تابعي الشام، وله إدراك حسن)) (٣) .
* وقال -كما في (المراسيل) لابنه-: ((كنت أرى أن أبا حمزة السُّكري أدرك بكير بن الأخنس، حتى قيل لي: إن المراوزة يُدخلون
стр. 136
بينهما: أيوبَ بنَ عائذ)) (١) .
فأبو حاتم كان يحكم بالاتصال، حتى علم بقرينةٍ تشهد لعدم السماع، وهي الواسطة. وهذا فِعْلُ من كان مكتفيًا بالمعاصرة، حتى جاءت قرينة تُشكِّكُ في اللقاء.
* وقال أبو حاتم: ((يُشبه أن يكون زيد بن أبي أُنيسة قد سمع من عبيد بن فيروز، لأنه من أهل بلده)) (٢) .
خامسًا: أبو زرعة الرازي:
* سئل أبو زرعة -كما في (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم-: ((هل سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب من عائشة؟ فقال: نرجو أن يكون سمع منها)) (٣) .
فلو كان أبو زرعة يُقوِّي احتمالَ السماع بناءً على نصّ يدل عليه لما أجاب بهذا الجواب، ولقال: نعم قد سمع منها!
سادسًا: أبوبكر البزار:
* قال البزار: ((روى الحسن عن محمد بن مسلمة، ولا أُبعد سماعَه منه)) (٤) .
стр. 137
فبيّنَ أبو حاتم الرازي سببَ تقريب البزار لسماع الحسن من محمد بن مسلمة، وقد سئل عن سماع الحسن من محمد بن مسلمة فقال: ((قد أدركه)) (١) .
هذا مع أن إبراهيم الحربي قد نفى سماعه منه (٢) .
سابعًا: ابن خزيمة:
* أخرج ابنُ خزيمة في (التوحيد) حديثًا، مُصَحِّحًا له بذلك، من طريق مسلم بن جندب عن حكيم بن حزام بالعنعنة، ثم قال: ((مسلم بن جندب قد سمع من ابن عمر، وقال: أمرني ابن عمر أن أشتري له بَدَنَة، فلستُ أنكر أن يكون قد سمع من حكيم بن حزام)) (٣) .
ولا ينافي ذلك أن ابن خزيمة قد أعلّ بعض الأحاديث بعبارات نفي العلم بالسماع (٤) ، كما لم يُنَافِ ذلك أن يفعل ذلك الأئمةُ السابقُ ذكرهم والآتُون، بل كما لم يُنَافِ ذلك أن يعلّ مسلمٌ بعضَ الأحاديث بذلك!!!
ثامنًا: ابن حبان:
لقد صَرّح ابنُ رجب بأن ابن حبان على مذهب مسلم (٥) ، فليس في إيراد الأمثلة التالية إلا التأكيد على صحّة هذه النسبة.
стр. 138
ومن هذه الأمثلة:
* قال ابن حبان في صحيحه: ((وزيد بن أسلم سمع جابر بن عبد الله، لأن جابرًا مات سنة تسع وسبعين، ومات أسلم مولى عمر في إمارة معاوية سنة بضع وخمسين، وصلّى عليه مروان بن الحكم، وكان مروان على المدينة إذ ذاك، فهذا يدلُّكَ على أنه سمع جابرًا وهو كبير. ومات زيد بن أسلم سنة ستٍّ وثلاثين ومائة، وقد عُمِّر)) (١) .
وهو يعني بذلك: أن آخر سنةٍ يمكن أن يكون وُلد بها زيدٌ هي نحو سنة (٥٥هـ) ، وجابر بن عبد الله توفي -كما ذكر ابن حبان- سنة (٧٩هـ) ، فيكون زيد قد أدرك من حياة جابر أربعًا وعشرين سنة.
* وأخرج ابن حبان في صحيحه حديثًا لعبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب الرومي ﵁، ثم قال: ((مات صهيبٌ سنة ثمانٍ وثلاثين في رجب، في خلافة علي ﵁، ووُلد عبد الرحمن بن أبي ليلى لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁) (٢) .
* وأخرج في صحيحه من حديث هاشم بن عبد الله بن الزبير عن عمر بن الخطاب ﵁ مُؤَنْأنًا، ثم قال: ((توفي عمر بن الخطاب وهاشم بن عبد الله بن الزبير ابنُ تسع سنين)) (٣) .
* وأخرج حديثًا لعبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين، ثم قال: ((هذا إسنادٌ قد توهَّمَ من لم يُحكم صناعةَ الأخبار، ولا تفقّه في صحيح
стр. 139
الآثار= أنه مُنفصلٌ غير متّصل، وليس كذلك، لأن عبد الله بن بريدة وُلد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة، هو وسليمان بن بريدة أخوه تَوْأم. فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة، خرج بريدةُ عنها بابنيه، وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين وسمرةُ ابن جندب، فسمع منهما. ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية. ثم خرج بريدة بابنيه منها إلى سجستان، فأقام بها غازيًا مُدّة، ثم خرج منها إلى مرو طريق هراة، فلما دخلها وَطَنها. ومات سليمان ابن بريدة بمرو، وهو على القضاء بها، سنة خمس ومائة.
فهذا يَدُلُّكَ على أن عبد الله بن بُريدة سمع عمران بن حصين)) (١) .
* وأخرج في صحيحه لمجاهد عن عائشة ﵂، ثم قال: ((ماتت عائشةُ سنة سبع وخمسين، ووُلد مجاهد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، فدَلَّكَ هذا على أن مَنْ زعم أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة كان واهمًا في قوله ذلك)) (٢) .
فإن قيل: لكن مجاهدًا قد ثبت عنه التصريح بالسماع من عائشة ﵂، قلنا: لكننا نحتجُّ بكلام ابن حبان واستدلاله على السماع بالمعاصرة، وهو إنما أخرج لمجاهد عن عائشة ﵂ بالعنعنة.
ومع هذه الأقوال القويّة الدالة على اكتفاء ابن حبان بالمعاصرة، ومع نسبة ابن رجب ابنَ حبان إلى مذهب مسلم، إلا أن بعض الأفاضل احتجَّ بكلامٍ لابن حبان على أنه يشترط العلم باللقاء!
стр. 140
فقد احتجّوا بما ذكره ابن حبان في ثقات أتباع أتباع التابعين، حيث ترجم لنافع بن يزيد المصري، ثم قال: ((ولست أحفظ له سماعًا عن تابعي، فلذلك أدخلناه في هذه الطبقة. فأمّا رؤيتُه للتابعين فليس بمنكر، لكنّ اعتمادنا في هذا الكتاب في تقسيم هذه الطبقات الأربع على ما صحّ عندنا من لُقِيّ بعضهم بعضًا مع السماع. فأمّا عند وجود الإمكان وعدم العلم به، فهو لا نقول به)) (١) .
وأُرْدِفُ حجتهم بنقلٍ آخر عن ابن حبان لم يذكروه، حيث قال في نفس الطبقة، وفي ترجمة مفضل بن مهلهل السعدي: ((لستُ أحفظ له عن تابعي سماعًا، فلذلك أدخلناه في هذه الطبقة، ولست أُنكر أن يكون سمع من أبي خالد والأعمش)) (٢) .
فذهب المحتجّون بذاك النقل ونحوه أن ابن حبان لا يكتفي بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وأنه يشترط العلم بالسماع.
لكن سياق كلام ابن حبان لا في الحكم بالاتّصال في حديث معيَّن أو في رواية راوٍ عن شيخ معيَّن، وإنما سياق كلامه في إدخال الراوي في طبقةٍ من الطبقات، والسياقان مختلفان تمامًا.
وبيانُ ذلك: أن إثبات كون الرجل من التابعين أو أتباعهم كإثبات كونه صحابيًّا، فكما لا يكفي في إثبات الصُّحبة مجرَّدُ المعاصرة واحتمالُ اللقاء وعدمُ استحالته (إذا لم يثبت اللقاء والسماع، كما في المخضرمين) ، فكذلك الأمر في التابعين وأتباعهم: لا يكفي في إثبات
стр. 141
كون الرجل من التابعين وأبتاعهم مجرّدُ معاصرته للصحابة واحتمالُ لقائه بهم، ولكن يشترط ثبوت السماع أو اللقاء. فإذا ثبت سماعُ الراوي من صحابي، وثبت بذلك أنه تابعي، فإن ابن حبان لا يشترط بعد ذلك العلم بالسماع في كل شيخ من شيوخه الصحابة الذين عاصرهم ولم تقم قرائنُ تُبعد احتمالَ لقائه بهم، كما فعل مع عبد الله بن بريدة في سماعه من عمران بن حصين، على ما سبق ذكره.
وتذكّر أن مذاهب العلماء في إثبات كون الراوي من التابعين مختلفةٌ، فمنهم من يكتفي بالرؤية ولا يشترط السماع، ومنهم من يشترط السماع ولا يكتفي بالرؤية، كما قد يكون هو ظاهر مذهب الحاكم (تلميذ ابن حبان) في كتابه (معرفة علوم الحديث) (١) .
تاسعًا: الدارقطني:
قال الدارقطني في (العلل) ، وسئل عن سماع ابن لهيعة من الأعرج، فقال: ((صحيح، قدم الأعرجُ مصر وابنُ لهيعة كبير)) (٢) .
* ولمّا نفى ابنُ معين سماع عطاء بن السائب من أنس (٣) ، تعقبه الدارقطني بقوله: ((هو كبير، أدركه)) (٤) .
стр. 142
ثم أضف إلى هؤلاء العلماء من نقل الإجماع أو صرّح بتبنّيه لمذهبٍ هو مذهب مسلم: كالشافعي، والحميدي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، والخطيب، وغيرهم.
ويؤكد صحة هذا الإجماع فوق ما سبق كله الدليلان التاليان:
الدليل الرابع عشر: وهو مبنيٌّ على ما كنتُ قد أَفَضْتُ في بيانه، واستدلَلْتُ له كُلّ استدلال، في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) ، من أن رواية الراوي عمّن عاصره ولم يلقه تدليسٌ، وفاعل ذلك مُدلِّس. هذا ما كان عليه جميع أهل العلم، متقدّمهم ومتأخرهم، كما ستراه في كتابي المذكور. إلى أن خالفهم في ذلك كله الحافظ ابن حجر، وعامّةُ من جاء بعده!!!
والإمام البخاري أحدُ الأئمة الذين وصفوا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بأنها تدليس. كما قال: ((لا أعرف لابن أبي عروبة سماعًا من الأعمش (١) ، وهو يدلس ويروي عنه)) (٢) .
أقول وأنقل ذلك، مع أنني لستُ مضطرًا إليه، إذ إن المسألة مسألة اتفاق (كما سبق) ، فمن لم نجد له قولاً مخالفًا (إن وُجد قولٌ مخالِفٌ) فلن يكون إلا أحدَ الموافقين للإجماع.
стр. 143
وبذلك نخرج بالمقدّمة الأولى: أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس، وعلى ذلك جميع الأئمة، ومنهم الإمام البخاري.
والمقدّمة الثانية هي: أن الوصف بالتدليس في الإسناد، لا يكون إلا إذا كان هناك إيهامٌ وتلبيس، وأن يكون في ظاهر الإسناد ما يوحي بخلاف حقيقته. وذلك مما لا يُخالف فيه أحد، لأنه لازِمُ ذلك الوصف: (التدليس) .
والمقدّمة الثالثة: أن التدليس والإيهامَ الواقعَ في رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه هو إيهامُ الاتصال ولا شك، وهذا هو وجه وصف هذه الرواية بأنها تدليس.
والنتيجة: أن رواية الراوي عمن عاصره ظاهرها يدل على الاتصال واللقاء، ولذلك نصفُ ما خالف هذا الظاهر بأنه تدليس.
وهذه النتيجة المهمّة هي المقدّمة الأولى لقضيّتنا الأساسيّة هنا:
- فإنه إذا كانت رواية الراوي عمن عاصره تدل على اللقاء في ظاهرها، وهذا هو الأصل فيها.
- إذا كان هذا هو قول جميع أهل العلم، بدليل وصفهم -جميعًا- رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بأنها تدليس.
- دلَّ ذلك على أن الأصلَ عند جميع أهل العلم في رواية الراوي عمن عاصره الاتّصال. ممّا يعني أنّهم يحكمون باتّصالها دون أي شرط آخر، إلا إذا لاحت قرينةٌ تحملهم على مخالفة الأصل، أو إذا كان الراوي مُدلّسًا (أي أنّنا علمنا من حالته الخاصّة أن روايته عمن عاصره لا تدل على الاتصال) .
стр. 144
فالخلاصة: أن إجماع العلماء على وصف رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس، يلزم منه إجماعُهم على الاكتفاء بالمعاصرة بين الراويين.
وزيادةً في الإيضاح، فإني أسأل: لو كان البخاري (وغيره من أهل العلم) لا يحكم باتصال رواية الراوي عمن عاصره حتى يعلم باللقاء من خلال نصٍّ صريح يدل عليه، فما وَجْهُ وصفه رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس؟!! وما هو الإيهام الذي جعله يصفها بذلك؟!! والحاصل أنّها -باشتراطه العلمَ باللقاء- يجب أن لا تُوهِمَهُ بشيء، لأنه لم يحكم باتصالها أصلا، فهي هي قبل أن يعلم بعدم اللقاء وبعد أن علم، غيرُ محكومٍ لها بالاتصال!!!
فلا وجه لوصف رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس، إلا أن رواية الراوي عمن عاصره تدل على الاتصال.
لنعود في آخر هذا الدليل إلى تأكيد الإجماع الذي نقله مسلم وغيره، وإلى بيان صحّته والاستدلال له، وأن البخاري لا يُمكن أن يكون مخالفًا لمسلم في اكتفائه بالمعاصرة.
الدليل الخامس عشر: بطلانُ المذهبِ المنسوب إلى البخاري، ووضوحُ سقوطه وسقوطِ حُجّته، وسُوءُ أثره على السنة النبويّة.
وَوَجْهُ الدلالةِ في ذلك على عدم صحّةِ نسبةِ ذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة: هو استحالةُ أن يقع أئمةُ السنة، الذين كانوا
стр. 145
هم أركانَ علومها وأُسُسَ فنونها، والذين كان علمهم بها كالكهانة عند الجُهّال أمثالنا= في ذلك الخطأ الفاحش، الذي ينمُّ عن جهل شديد وبُعْدٍ عن السنة وعلومها.
ولذلك حُقَّ لمسلمٍ أن يصف صاحب ذلك الشرط بتلك الأوصاف التي سبق ذكرها، من كونه جاهلاً خامل الذكر لا وزن له في العلم ولا اعتبار!!
أمّا العلماء المتأخرون الذين وقعوا في ذلك الخطأ الفاحش، فعذرهم هو أنهم تلقَّوْا تلك النسبة بالتسليم (أو قُلْ: بالتقليد) ، وجلالة البخاري (شيخ الصنعة) عندهم فوقَ الوصف، ووجدوا شُبهة دليل= فلم ينظروا في أصل المسألة، وإنما صار هَمُّهم الردَّ على مسلم، ونُصْرةَ البخاريِّ عليه.
ومن تمعّن في أحوال النفس وأهوائها يعلم صعوبةَ زحزحةِ القناعةِ الراسخةِ في النفس، وكيف أن النَّفْس حينها تُصيّر الشُّبَهَ أدلّةً والأدلّةَ شُبَهًا. وإنما يُوَفَّقُ للحق في هذه الحالة من أعانه الله تعالى ووفّقه، ثم كان صادقًا في إرادة معرفة الحق، متجرّدًا عن كل هوى.
أمّا بيان بطلان ذلك المذهب، فهو المسألة الرابعة، وهي المسألة التالية: