كون الرجل من التابعين وأبتاعهم مجرّدُ معاصرته للصحابة واحتمالُ لقائه بهم، ولكن يشترط ثبوت السماع أو اللقاء. فإذا ثبت سماعُ الراوي من صحابي، وثبت بذلك أنه تابعي، فإن ابن حبان لا يشترط بعد ذلك العلم بالسماع في كل شيخ من شيوخه الصحابة الذين عاصرهم ولم تقم قرائنُ تُبعد احتمالَ لقائه بهم، كما فعل مع عبد الله بن بريدة في سماعه من عمران بن حصين، على ما سبق ذكره.
وتذكّر أن مذاهب العلماء في إثبات كون الراوي من التابعين مختلفةٌ، فمنهم من يكتفي بالرؤية ولا يشترط السماع، ومنهم من يشترط السماع ولا يكتفي بالرؤية، كما قد يكون هو ظاهر مذهب الحاكم (تلميذ ابن حبان) في كتابه (معرفة علوم الحديث) (١) .
تاسعًا: الدارقطني:
قال الدارقطني في (العلل) ، وسئل عن سماع ابن لهيعة من الأعرج، فقال: ((صحيح، قدم الأعرجُ مصر وابنُ لهيعة كبير)) (٢) .
* ولمّا نفى ابنُ معين سماع عطاء بن السائب من أنس (٣) ، تعقبه الدارقطني بقوله: ((هو كبير، أدركه)) (٤) .
стр. 142
ثم أضف إلى هؤلاء العلماء من نقل الإجماع أو صرّح بتبنّيه لمذهبٍ هو مذهب مسلم: كالشافعي، والحميدي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، والخطيب، وغيرهم.
ويؤكد صحة هذا الإجماع فوق ما سبق كله الدليلان التاليان:
الدليل الرابع عشر: وهو مبنيٌّ على ما كنتُ قد أَفَضْتُ في بيانه، واستدلَلْتُ له كُلّ استدلال، في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) ، من أن رواية الراوي عمّن عاصره ولم يلقه تدليسٌ، وفاعل ذلك مُدلِّس. هذا ما كان عليه جميع أهل العلم، متقدّمهم ومتأخرهم، كما ستراه في كتابي المذكور. إلى أن خالفهم في ذلك كله الحافظ ابن حجر، وعامّةُ من جاء بعده!!!
والإمام البخاري أحدُ الأئمة الذين وصفوا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بأنها تدليس. كما قال: ((لا أعرف لابن أبي عروبة سماعًا من الأعمش (١) ، وهو يدلس ويروي عنه)) (٢) .
أقول وأنقل ذلك، مع أنني لستُ مضطرًا إليه، إذ إن المسألة مسألة اتفاق (كما سبق) ، فمن لم نجد له قولاً مخالفًا (إن وُجد قولٌ مخالِفٌ) فلن يكون إلا أحدَ الموافقين للإجماع.
стр. 143
وبذلك نخرج بالمقدّمة الأولى: أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس، وعلى ذلك جميع الأئمة، ومنهم الإمام البخاري.
والمقدّمة الثانية هي: أن الوصف بالتدليس في الإسناد، لا يكون إلا إذا كان هناك إيهامٌ وتلبيس، وأن يكون في ظاهر الإسناد ما يوحي بخلاف حقيقته. وذلك مما لا يُخالف فيه أحد، لأنه لازِمُ ذلك الوصف: (التدليس) .
والمقدّمة الثالثة: أن التدليس والإيهامَ الواقعَ في رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه هو إيهامُ الاتصال ولا شك، وهذا هو وجه وصف هذه الرواية بأنها تدليس.
والنتيجة: أن رواية الراوي عمن عاصره ظاهرها يدل على الاتصال واللقاء، ولذلك نصفُ ما خالف هذا الظاهر بأنه تدليس.
وهذه النتيجة المهمّة هي المقدّمة الأولى لقضيّتنا الأساسيّة هنا:
- فإنه إذا كانت رواية الراوي عمن عاصره تدل على اللقاء في ظاهرها، وهذا هو الأصل فيها.
- إذا كان هذا هو قول جميع أهل العلم، بدليل وصفهم -جميعًا- رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بأنها تدليس.
- دلَّ ذلك على أن الأصلَ عند جميع أهل العلم في رواية الراوي عمن عاصره الاتّصال. ممّا يعني أنّهم يحكمون باتّصالها دون أي شرط آخر، إلا إذا لاحت قرينةٌ تحملهم على مخالفة الأصل، أو إذا كان الراوي مُدلّسًا (أي أنّنا علمنا من حالته الخاصّة أن روايته عمن عاصره لا تدل على الاتصال) .
стр. 144
فالخلاصة: أن إجماع العلماء على وصف رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس، يلزم منه إجماعُهم على الاكتفاء بالمعاصرة بين الراويين.
وزيادةً في الإيضاح، فإني أسأل: لو كان البخاري (وغيره من أهل العلم) لا يحكم باتصال رواية الراوي عمن عاصره حتى يعلم باللقاء من خلال نصٍّ صريح يدل عليه، فما وَجْهُ وصفه رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس؟!! وما هو الإيهام الذي جعله يصفها بذلك؟!! والحاصل أنّها -باشتراطه العلمَ باللقاء- يجب أن لا تُوهِمَهُ بشيء، لأنه لم يحكم باتصالها أصلا، فهي هي قبل أن يعلم بعدم اللقاء وبعد أن علم، غيرُ محكومٍ لها بالاتصال!!!
فلا وجه لوصف رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس، إلا أن رواية الراوي عمن عاصره تدل على الاتصال.
لنعود في آخر هذا الدليل إلى تأكيد الإجماع الذي نقله مسلم وغيره، وإلى بيان صحّته والاستدلال له، وأن البخاري لا يُمكن أن يكون مخالفًا لمسلم في اكتفائه بالمعاصرة.
الدليل الخامس عشر: بطلانُ المذهبِ المنسوب إلى البخاري، ووضوحُ سقوطه وسقوطِ حُجّته، وسُوءُ أثره على السنة النبويّة.
وَوَجْهُ الدلالةِ في ذلك على عدم صحّةِ نسبةِ ذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة: هو استحالةُ أن يقع أئمةُ السنة، الذين كانوا
стр. 145
هم أركانَ علومها وأُسُسَ فنونها، والذين كان علمهم بها كالكهانة عند الجُهّال أمثالنا= في ذلك الخطأ الفاحش، الذي ينمُّ عن جهل شديد وبُعْدٍ عن السنة وعلومها.
ولذلك حُقَّ لمسلمٍ أن يصف صاحب ذلك الشرط بتلك الأوصاف التي سبق ذكرها، من كونه جاهلاً خامل الذكر لا وزن له في العلم ولا اعتبار!!
أمّا العلماء المتأخرون الذين وقعوا في ذلك الخطأ الفاحش، فعذرهم هو أنهم تلقَّوْا تلك النسبة بالتسليم (أو قُلْ: بالتقليد) ، وجلالة البخاري (شيخ الصنعة) عندهم فوقَ الوصف، ووجدوا شُبهة دليل= فلم ينظروا في أصل المسألة، وإنما صار هَمُّهم الردَّ على مسلم، ونُصْرةَ البخاريِّ عليه.
ومن تمعّن في أحوال النفس وأهوائها يعلم صعوبةَ زحزحةِ القناعةِ الراسخةِ في النفس، وكيف أن النَّفْس حينها تُصيّر الشُّبَهَ أدلّةً والأدلّةَ شُبَهًا. وإنما يُوَفَّقُ للحق في هذه الحالة من أعانه الله تعالى ووفّقه، ثم كان صادقًا في إرادة معرفة الحق، متجرّدًا عن كل هوى.
أمّا بيان بطلان ذلك المذهب، فهو المسألة الرابعة، وهي المسألة التالية:
стр. 146
المسألة الرابعة: بيَانُ صَوَابِ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ وقُوّةِ حُجّتِهِ فيه
لقد كان الإمامُ مسلمٌ موفَّقًا في حِجَاجِه لذلك الخصم الجاهل الخامل الذكر، فقد خَصَمه وردّ عليه مذهبه من خلال دليلٍ نقليٍّ ودليلٍ تأصيليّ:
أمّا الدليل النقلي: فهو الإجماعُ المتضمّنُ إطباقَ أئمة الحديث على عدم اشتراط الوقوف على نصٍّ صريح على السماع بين كل متعاصِرَين.
وهو إجماعٌ وافقه على نقله جَمْعٌ من الأئمة، كما تقدّم.
وأمّا الدليل التأصيليّ، فينبني على أصلين:
الأصل الأول: أن (عن) في عُرْف المحدّثين دالّةٌ على الاتّصال، ومن نازع في ذلك، فلم يكن للعنعنة عنده دلالةٌ على الاتّصال= يلزمه أن لا يقبل العنعنة مطلقًا، سواءً ثبت السماع المطلق بين الراويين أو لم يثبت.
وأمّا الأدلّة على أن (عن) تدل على الاتّصال عُرْفًا، فأكثر من أن تُجْمَعَ في مختصرنا هذا، لكني أقول: لو لم تكن (عن) تدل على الاتّصال: لمَ إذن استثنى العلماءُ قِلّةً من الرواة وعددًا يسيرًا من ألوف النَّقلة (وهم من غلب عليهم التدليس) من أن تكون (عن) منهم دالّةً على الاتّصال؟ بل ولمَ عابوا على المدلسين فعلَهم هذا؟ أو ليس سبب ذلك
стр. 147
أنهم أوهموا السماع؟ وهل يحصل الإيهام إلا باستخدام ما كان يدل على السماع غالبًا؟!!
وأقوال العلماء في أن (عن) تدل على الاتصلا كثيرةٌ، سبق بعضها في هذا البحث.
ويكفي أن نقول لمن نازع في الدلالة العرفيّة لـ (عن) على الاتصال، نصْرةً للمذهب المنسوب إلى البخاري: على ماذا اعتمدت إذن في حَمْل (عن) على الاتصال بالشرط الذي ادّعيته؟ على الدلالة اللغويّة؟ أم العرفيّة؟ فإنه لا مناص له من أحد هذين الجوابين، وكل واحدٍ منهما كافٍ في الردّ عليه. وإن كان الجواب الأخير: وهو أن (عن) تدل عرفًا على الاتصال= هو الصواب، كما لا يخفى على من درس المسألة أدنى دراسة.
وهذا الأصلُ أصلٌ عظيمٌ في مسألة الحديث المعنعن، وهي كافيةٌ في دحض دعوى مشترط العلم باللقاء.
وبذلك ألزمَ مسلمٌ خَصْمه، لأنّ الخَصْمَ إما أن يعترف بالدلالة العرفيّة لـ (عن) ، وهي الدلالة على الاتصال، وحينها يلزمه إجراءُ هذه الدلالة بين كل راويين لم يقم دليلٌ أو قرينةٌ على عدم سماعهما، وهذا يتحقق في كُلِّ راويين متعاصرين لا يستحيل ولا يُستبعد لقاؤهما.
وهذه قاعدةٌ معروفة في كل لفظٍ له دلالةٌ عرفيةٌ، أن الأصلَ استخدامُهُ بالدلالة العرفيّة، ولا نخرجه عن ذلك إلى الدلالة اللغويّة إلا بدليل أو قرينة.
وعليه: فإما أن يعترف الخصم بهذه الدلالة العرفيّة لـ (عن) ، وحينها يلزمه أن يقول بقول مسلم، وإمّا أن ينفي دلالة (عن) على الاتصال،
стр. 148
وحينها يلزمه عدمُ قبولِ العنعنةِ مطلقًا، ليكون بذلك مُظْهِرًا بُطلانَ قولِهِ لنفسه، داعيًا لها للرجوع عن مذهبه، أو يكونَ فاضحًا سوءَ نيّته، مُعْلنًا خُبْثَ طويّته على السنة النبويّة.
أمّا أن يقول مَنْ ينسب شرط اللقاء إلى البخاري وينصره: إن (عن) تدل على الاتصال بذلك الشرط، ولا تدل عليه بغيره= فهذا تناقضٌ، وتحكُّمٌ لا وَجْه له، على ما شرحناه آنفًا.
وقد وَقَعَ ابنُ رُشيد في هذا التناقض!!
فانظر إليه وهو يستدلّ لمذهب من ردَّ العنعنة مطلقًا، فيقول: ((وحُجّتُه أن (عن) لا تقتضي اتّصالاً، لا لغةً ولا عُرفًا، (ثم بيَّنَ عدم اقتضائها الاتصال لغةً، وقال عن العُرْف:) وليس فيها دليلٌ على اتّصال الراوي بالمرويّ عنه، وما عُلم أنّهم يأتون بـ (عن) في موضع الإرسال والانقطاع يَخْرُمُ ادّعاءَ العُرْف)) (١) .
وقال في ردّه على مذهب مسلم: ((ولا شكَّ أنه مذهبٌ مُتَسَاهَلٌ فيه. نعم. . لو علمنا من كل واحدٍ من رواة الحديث أنه لا يُطلق (عن) إلا في موضع الاتّصال، ولا يُجيز غير ذلك، أو صحَّ فيه إجماعٌ من الرواة كُلِّهم، وعُرْفٌ لا ينخرم ضبطه، ولكن ذلك لم يَثْبُت. نعم. . قد يُسلِّمُ المنصف أنه كثير، ولا يلزم من كثرته الحكمُ به مطلقًا، لوجود الاحتمال)) (٢) .
стр. 149
وقبل أن أُثبت لك تناقضَ ابن رُشيد، قِفْ مع كلامه الأخير هذا متأمّلاً، كيف أنه اعترف بأن (عن) مُسْتَخْدَمَةٌ بكثرة في الدلالة على الاتّصال، ولكنّه اشْتَرَط لحملها على الاتّصال في العُرْف إجماعًا على ذلك وعُرْفًا لا ينخرم، وهذا الشرط لا يصحُّ، إذ تكفي غلبة الاستعمال بمعنى معيَّنٍ ليكون ذلك الاستعمالُ عرفًا لا يُخْرَجُ عنه إلا بقرينة.
ثم انظر كيف اختلف موقفه كل الاختلاف، عندما جاء لتقرير صحّة المذهب الذي تبنّاه، والذي كان يعتقد أنه مذهب البخاري وعلي بن المديني= حيث قال في تقريره: ((وأمّا من حيثُ النظر: فكان الأصل (كما قدّمنا) أن لا نقبل إلا ما عُلِم فيه السماعُ حديثًا حديثًا، عند من لا يقول بالمرسل، لاحتمال الانفصال. إلا أن علماءَ الحديث رَأَوْا أن تَتَبُّعَ طلبِ لفظٍ صريح في الاتّصال يعزُّ وجودُه، وأنه إذا ثبت اللقاء ظُنَّ معه السماع غالبًا، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فمن بعدهم استغنوا كثيرًا بلفظ (عن) في موضع (سمعت) و (حدثنا) وغيرهما من الألفاظ الصريحة في الاتّصال اختصارًا، ولما عُرِفَ من عُرْفِهم الغالب في ذلك، وأنه لا يضعُها في محلّ الانقطاع عَمَّن عُلِمَ سماعُهُ منه لغير ذلك الحديث بقَصْد الإيهام إلا مُدَلِّسٌ يُوهم أنه سمع ما لم يسمع. .)) (١) .
فانظر كيف اضطُّرَّ أن يرجع فيقول: ((ولما عُرِفَ من عُرفهم الغالب في ذلك)) !!!
فإن قيل: ألا يخرم هذا العُرْفَ روايةُ الراوي عَمّن عاصره ولم يلقه؟
فالجواب هو الأصل الثاني.
стр. 150
والأصل الثاني هو: أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالصيغة الموهمة تدليسٌ، وفاعلُ ذلك مكثرًا من فعله مدلِّسٌ.
وهذا ما كنتُ قرّرتُه بوضوح، وبرهنتُ عليه بجلاء، في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) . ومن آثار ذلك التقرير العظيمة، ومن نتائجه المهمّة= ما نبحثه الآن، من بيان صحّة مذهب مسلم في الحديث المعنعن، وبيان بطلان المذهب المخالِفِ له.
وذاك الذي كنتُ قررته وبرهنت عليه، من أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليسٌ، هو ما قرّره عمومُ أئمة الحديث: من أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري، إلى ابن عدي وابن حبان، إلى الحاكم والخطيب، إلى ابن الصلاح والنووي والبلقيني وابن الملقن، بل إلى السيوطي. . . وغيرهم من أهل طبقاتهم ومَنْ سواهم. . كُلُّهم على أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس. حتى جاء ابنُ رُشيد، مُشيرًا إلى عدم اعتبارها تدليسًا. ثم تلاه الحافظ ابن حجر، ليصرّح بذلك، مؤصِّلاً للمسألة، مُسْتَدِلاًّ لها، مفرّقًا بين رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه (حاصرًا لمُسمَّى التدليس في هذه الصورة من الرواية) وبين رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه (مطلقًا عليها اسمَ الإرسال الخفي، مُخرِجًا لها بذلك عن أن تكون تدليسًا) . وكنتُ قد بيّنتُ خطأ رأي ابن رشيد والحافظ ابن حجر في كتابي المشار إليه، ومخالفتهما لعامّة الأئمة متقدِّمهم ومتأخِّرهم، كل ذلك بالأدلّة الواضحات والحُجَج الباهرات.
فما دامت (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه) : تدليسًا، وما دامَ أن مذهب مسلم قد تضمَّن صراحةً اشتراطَ أن لا يكون الراوي المعنعِنُ
стр. 151
مدلِّسًا، فلا يصحُّ إيراد احتمال أن يكون هذا الراوي غير المدلِّس عندما عنعن عمّن عاصره قد روى عنه مع عدم اللقاء، لأن روايته كذلك تدليسٌ، والأصلُ فيه عدمُ فعل ذلك، لكونه ليس مدلِّسًا.
أعدِ النظر في هذه الحُجَّة مَرّات، وقَلِّبْها ما شئت، فلن تخرج منها إلا باليقين المطمئن على صحّة نتيجتها، وأنّها دافعةٌ لأقوى شبهةٍ وقعت في ذهن المخالِف للإمام مسلم.
فمشكلة بعض العلماء الذين نصروا المذهب المنسوب إلى البخاري، كالحافظ ابن حجر ومن تبعه، أنهم أخرجوا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه من مُسَمَّى التدليس، فلم يصحّ عندهم بناءً على ذلك إلزام مسلم خَصْمَه بردّ العنعنة مطلقًا، اطّرادًا مع مذهبهم في التدليس وتعريفه (كما سبق) .
فانظر إلى الحافظ ماذا يقول في (النزهة) عن الإمام مسلم: ((وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مَرّة، لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه، لأنه يلزم من جَرَيَانه أن يكون مدلّسًا، والمسألةُ مفروضةٌ في غير المدلِّس)) (١) .
فنقول للحافظ: إنما لا يلزم إلزامُ مسلم على تفريقك أنت بين الإرسال الخفي والتدليس، وإخراجِك المخالِفِ لجمهور المحدّثين روايةَ الراوي عمن عاصره ولم يلقه من مُسَمَّى التدليس.
إذ للإمام مسلم أن يردَّ على الحافظ قولَه بقوله: كما أنه لا يجري في رواية من يثبت له اللقاء احتمالُ أن لا يكون سمع منه، لأنه غير
стр. 152
مدلِّس. فكذلك لا يجري في رواية الراوي عمن عاصره احتمالُ أن لا يكون سمع منه، لأنه غير مدلِّس أيضًا، لشُمول اسم التدليس (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه) و (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه) . فباشتراط انتفاء التدليس، انتفى الاحتمالان كلاهما.
بل لقد أبلغ مسلم في الحُجّة وأَعْذَرَ في البيان عندما ضربَ لخصمه مثالاً من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وهشام بن عروة مشهور السماع من أبيه، بل هو أشهر من روى عن أبيه. فذكر مسلمٌ حديثًا من رواية هشام بن عروة عن أبيه، دلّسه هشامٌ، إذ لم يكن قد سمعه من أبيه، وإنما سمعه من رجل عن أبيه. فيحتجُّ مسلمٌ بهذا الحديث وأمثاله، أنّه مع وقوع مثل ذلك من هشام بن عروة في روايته عن أبيه، إلا أن العلماء لم يتردّدوا في قبول رواية هشام عن أبيه بالعنعنة، بل عُدّت هذه النسخة من أصحّ الأسانيد. ذلك أن وقوعَ ذلك من هشام بن عروة قليلٌ جدًّا، وهو إن كان تدليسًا (بالإجماع: حتى عند الحافظ ابن حجر) ، إلا أنّه لم يستحقّ هشام بن عروة بوقوعه فيه في مَرّاتٍ نادرةٍ أن يكون مردودَ العنعنة، لأنّ الحكم للغالب، والغالب من عنعنات هشام أنها وقعت منه مع السماع والاتّصال.
فإن كان هذا هو حُكمُ من روى عمن سمع منه ما لم يسمعه قليلاً، وأنه لم يستحق بذلك أن يوصف بأنه مدلِّس، بمعنى أنه مردود العنعنة= فكذلك ليكن حكم من روى عمن عاصره ولم يلقه قليلاً، أن لا يوصف بردّ العنعنة بناءً على أنه دلّس.
وإن كان هذا هو حُكْمُ مَنْ دَلَّسَ قليلاً في جنب ما روى، سواء أكان قد دلَّس بروايته عمن سمع منه ما لم يسمعه أو بروايته عمن
стр. 153
عاصره ولم يلقه= فماذا سيكون حُكْمُ من روى عمن عاصره ولم يثبت قط أنه روى عَمّن عاصره ولم يلقه؟!!
وَوَجْهُ ردّ مسلم على خصمه بهذا المثال: هو أن خَصْم مسلم رأى أن شرط انتفاءِ كون الراوي مدلّسًا شرطٌ لا يكفي للقول بالاتّصال، لأن راوية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس، وقد وَجَدَ خَصْمُ مسلم أن هذا النوع من الرواية قد وقع من جماعةٍ من الرواة، ولم تُردَّ عنعنةُ بعضهم بالتدليس، فيبقى في رواية هؤلاء احتمال أن يكون الراوي قد روى عمن عاصره ولم يلقه.
فأجابه مسلم بمثال هشام بن عروة، أنه أيضًا قد وقع من جماعةٍ من الرواة أنهم رَوَوْا عمن سمعوا منه ما لم يسمعوه، ولم تُردَّ عنعنتهم بذلك أيضًا. فيلزم الخصم حينها ردّ العنعنة مطلقًا، حتى ممن عُلِم سماعه.
ذلك أن أئمة الحديث لا يردّون عنعنة كل من وقعت منه صورة التدليس، مع أنّهم قد يصفونه تجوُّزًا بأنه مُدَلِّس. إذ المدلِّس حقيقةً من غلبَ التدليسُ على معنعناته، وهذا هو الذي يستحق ردّ العنعنة. أمّا من كان تدليسه قليلاً أو نادرًا فلا تُردُّ عنعنته، وإن وُصف بأنه مدلّس. وأمّا المدلِّس الذي اشتُرِطَ عدمُ وجوده في الإسناد لقبول العنعنة فهو المدلِّس على الحقيقة، وهو مَن غلب عليه التدليس.
ولهذا فسواءٌ أكان الراوي المعنعِنُ ممن قد وقعت منه قليلاً روايةٌ عمّن سمع ما لم يسمعه، أو روايةٌ عمن عاصره ولم يلقه، فلا أثر لذلك في باقي عنعناته، لأن الحكم للغالب، والنادر لاحكم له. ولا يستحق لذلك أن يُوصف بأنه مدلس على الحقيقة، بمعنى أنه مدلِّسٌ مردودُ العنعنة.
стр. 154
فالنتيجة: أن اشتراط انتفاء التدليس في الحديث المعنعن بين المتعاصرين اشتراطٌ كافٍ للحكم بالاتّصال، واستبعادِ احتمالِ الانقطاع فيه، لأنه تضمّن احترازًا من قبول عنعنة من يستحق أن تُرَدَّ عنعنته، دون من لا يستحقّ ذلك من عامّة الرواة، الذين لم يثبت عنهم التدليس مطلقًا، أو ثبت لكنه قليلٌ في جنب ما رَوَوْهُ.
وبذلك جميعه، وبعد بيان الأصلين اللذين بنى مسلمٌ ردَّه عليهما: تَتّضح حقيقةً قوّةُ مذهب مسلم (بل مذهب جميع أئمة الحديث، بمن فيهم البخاري) ، ويظهر وَهَاءُ وهَلْهَلَةُ مذهب خصمِه، وبُطلانُ قوله، وسقوطِ حُجّته، ممّا يُنَزَّه معه البخاري وعلي بن المديني من أن يقعا فيه، وأن يُنسب إليهما مثلُ هذا المذهب المتهافت بحُجّته الواهية، وهُمَا مَنْ هُمَا في قِمّة علم الحديث. . بل على يديهما بلغ هذا العلم غايةَ مبلغه، ومنهما تفجّرت فنونُه أنهارًا وبحارًا.
لله درُّ مسلم!! لقد أجاب فأسكت خَصْمَه، وحاجَّ فأفحم، وبيَّنَ فأفهم، وردَّ فألزمَ.
وعفا الله عن مسلم، لقد تردّد في الردّ على ذلك الجاهل الخامل الذكر، خوفًا من أن يُشهر قوله أو أن يُرفع ذكره، وكان قد رأى أن عدم الرد عليه أخمل لذكره وأحرى بإماتة القول وقائله. وليته فعل، فإنه لمّا ردَّ على ذلك الجاهل الخامل الذكر، نُسب ذلك القول المردودُ عليه إلى البخاري وعلي بن المديني!! ثم المحققين!! ثم إلى الجماهير. .!!
لكن عُذْر مسلم أنه أبانَ الحقّ، وردّ على الباطل. . فأبلغ في العذر بذلك. وليته لمَّا ردَّ على ذلك الجاهل سمّاه وعيّنه، ليدفع عن أعراض العلماء المحققين والجماهير!!!
стр. 155
لكن عذره أنه نقل إجماع أهل العلم، وصرّح أن المخالف لا وزن له في العلم ولا اعتبار، فأنّى يَرِدُ في ذهن مسلم -بعد ذلك- أن يُنسب ذلك القول المبتدع إلى شيخه الأجلِّ لديه، العزيز عليه، ألا وهو الإمام البخاري، الذي ليس في الدنيا مثلُه (كما كان مسلمٌ يعتقد ذلك فيه) !!!
رحمَ الله البخاريَّ ومسلمًا وجميعَ أئمة المسلمين، المتقدّمين منهم والمتأخرين!!
стр. 156
المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنة النبوية
لقد أوردت هذه المسألة، وحرصتُ على توضيح بعض أثر تحريرنا السابق، لسببين:
الأول: بيانًا لثمرة هذا التحرير العلميّة والعمليّة في السنة النبويّة.
والثاني: أن يُعلم أنها من أمهات المسائل الحديثيّة، وليست ترفًا علميًّا.
فمن آثار تحريرنا السابق في شرط الحديث المعنعن:
أولاً: بيان حكم الحديث المعنعن الذي مَلأَ خزائن السنّة وغطَّى صحائفَ الرواية.
فإن من نسب إلى البخاري شرطَ العلمِ باللقاء من أهل العلم المتأخّرين، رجّحوا (في الغالب) مذهب البخاري على مذهب مسلم. وبناءً على ذلك يلزمهم أن يبحثوا في رواية كل متعاصرَين، فإن ثبت السماع مَرّة قُبل حديثه عنه، وإلا رُدّ حديثه.
أمّا بعد ردِّنا لتلك النّسبة، وبعد بيان أن كل أهل العلم (قبل القاضي عياض) على مذهب واحد، هو مذهب مسلم. فلن أتوقّف عن
стр. 157
قبول حديث المتعاصرين حتى يثبت السماع، بل سأحكم بالاتّصال بالشروط التي وضعها مسلم.
فأيُّ أثرٍ أعظم من أثرٍ يُحَكَّم في جُلّ السنة وغالب الروايات؟!!
ثانيًا: الدفاعُ عن السنّة النبويّة عمومًا، وعن ثاني أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى خصوصًا، ألا وهو صحيح الإمام مسلم.
فإنه إن كان اشتراطُ العلم باللقاء خطأً لم يقل به أحدٌ من أهل النقد والتعليل من أئمة الحديث، فلن يكون في الحُكم على السنة باعتباره إلا إخراجٌ لجزءٍ عظيم من ثابت السنة وصحيح الأثر من السنة والأثر، وإبطالٌ للاحتجاج والعمل بما تلزم حجته ويجب العمل بمقتضاه.
وماذا يريد علماء السنة من علم السنة إلا الدفاع عنها من أن يُلحَقَ بها ما ليس منها، أو يُنفى عنها ما هو منها؟!!
أمّا صحيح مسلم، ومسلمٌ نفسه، فقد كان جَرّاء نسبة ذلك الشرط إلى البخاري أن وقع عليهما ظُلمٌ عظيم، واستُخِفّ بهما استخفافًا ما كان حقُّهما علينا أن نواجههما به!!!
فانظر مثلاً إلى إمامٍ كالعلائي، كيف قاده اعتقادُ صحّة نسبة شرط العلم إلى البخاري، واستحضارُ جلالةِ البخاري وأنه لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء= إلى أن لا يقسم بالسويّة، ولا يعدل في المسألة العلميّة!! فإذا جاء حديثٌ في صحيح مسلم نُفي أو شُكِّكَ في سماع راويه ممن روى عنه، قال: ((هذا على قاعدة مسلم في الاكتفاء
стр. 158
بالمعاصرة)) (١) . وإذا جاء حديثٌ مثله في صحيح البخاري أجاب: بأن مجرّد إخراج البخاري يُثبت الاتصال، لما عُلِم من شرطه في ذلك (٢) .
ثم أي ظلم أعظم من أن يُخطَّا المصيب، وأن يُجَهَّل العالم، وأن يُتّهم في ورعه إمامٌ من أئمة الورع والدين؟!!
لقد خُطِّىءَ مسلمٌ وهو مُحقّ!
وجُهِّل لمّا زُعم أن الإجماعَ الذي نقله عن شيوخه وأهل العلم في عصره ومن قبلهم منخرمٌ. . بل باطلٌ بإجماعٍ على ضِدِّه!!! أو بمخالفة المحققين والجماهير في أقل تقدير!!!
واتُّهم في ورعه لمّا ادُّعيَ أنه قصد بحَمْلته الشديدة تلك، وبتشنيعه على من كان يردّ قوله= الإمامَ البخاريَّ، أو عليَّ بنَ المديني، أو غيرهما من أئمة المحدثين.
ومع كُلّ هذا الظلم الذي نالَ مسلمًا، فإن الأشنعَ منه والأخطر الظلمُ الذي نال صحيحَه!!
فإن مسلمًا قد نزل في أول منازل الآخرة، وسيلقى ربَّه ، وسيجازيه تعالى بما هو له أهلٌ بعفوه ورحمته وجوده سبحانه، و (هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ) .
أمّا صحيح مسلم فهو الباقي بين أيدينا، وهو المصدر العظيم من مصادر السنة، الذي يستحقُّ أن نبذل في سبيل الدفاع عنه دُنيانا كلَّها.
стр. 159
ولن أُطيل في بيان الظلم الذي نال صحيح مسلم، ولن أُفَصِّل وُجُوهَ هذا الظلم، فيكفيك منها الوجه المؤلم التالي ذكره:
فبعد أن رجّح ابنُ رجب الشرط المنسوب إلى البخاري، قال: ((فإن قال قائل: هذا يلزمُ منه طَرْحُ أكثر الأحاديث وتركُ الاحتجاج بها؟! قيل: من هاهُنا عَظُمَ ذلك على مسلم ﵀ . والصواب: أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يُحكم باتّصاله، ويُحتجُّ به مع إمكان اللُّقِيّ، كما يُحتجّ بمرسل أكابر التابعين، كما نصَّ عليه الإمامُ أحمد، وقد سبق ذكر ذلك في المرسل)) (١) .
فاللهمّ أسألك عفوَك!! خرجنا بأن صحيح مسلم (ثاني أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى) حكمُه حكم المراسيل!!! والحاصل أن مسلمًا أقرّ قاعدةً في مقدّمة صحيحه تقول: والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجّة!!!
أبمثل هذا ندافع عن صحيح مسلم؟!! فعن السنة النبويّة كُلِّها؟!!!
رحم الله ابنَ رجب!! فهو معذورٌ مأجورٌ (إن شاء الله تعالى) ، فقد قال ما أدّى إليه اجتهادُهُ. لكنّي ملومٌ مأزورٌ إن سكتُّ عن بيان خطئه فيما قال!!
ثم يأتي بحثنا هذا، بنتيجته تلك، ليدفع عن مسلم وصحيحِه ذلك الظلمَ جميعَه، منافحًا عن السنة النبويّة المشرّفة كلِّها في مضامينه.
ثم إن للبحث بعد ذلك من النتائج الأخرى الفرعيّة والجانبيّة ما لن يُحرمَها مَنْ تمعّن فيه، وأجال فكره في معانيه.
стр. 160
المسألة السادسة: الردُّ على آخر شُبْهَتَيْنِ
الشُّبْهَةُ الأُولى: أن العلماء الذين نسبوا شَرْطَ العلم بالسماع إلى البخاري إنما نسبوه إليه بناءً على استقراء تصرُّفاته في (الصحيح) وخارجه، فكيف تخالفُهم بغير استقراء؟!
والجواب عن ذلك:
أولاً: أثبتْ -يارعاك الله- أنهم نسبوا الذي نسبوه إلى البخاري بناءً على الاستقراء، هل زعموه هُمْ؟ أم أنتَ زعمته لهم؟!! أم أنّك تظنّ أن كل قولٍ لأهل العلم لا بُدَّ أن يكون مَبْنيًّا على استقراء؟! وأنّه لا دليل إلاّ الاستقراء؟! ثمّ ألا يمكن أن يُخطىء صاحبُ الاستقراء فيه؟ بلى، ولذلك نصُّوا على أن دلالته ظنيّة لا قطعيّة (١) ، ولذلك قد نخالف الاستقراء بدليلٍ أقوى منه، كالإجماع الذي نقله مسلم والحاكم وغيرهما.
أعود فأقول: ما دليلُك أنهم قاموا باستقراءٍ أَوْصَلَهُم إلى تلك النتيجة؟ اللهمّ إلا إن كان دليلك: أنهم لا يقولون قولاً إلا بناءً على استقراء!!! فقولُهم قولاً هو دليلُ استقرائهم الذي أخذوا من نتيجته ذلك القول!!! فيلزم من ذلك الدَّوْر، وهو باطل!!
стр. 161
ثانيًا: بيّنّا آنفًا -في هذا البحث- أن (صحيح البخاري) لا ينفع أن يكون دليلاً على اشتراطه العلم بالسماع، فلا حاجةَ لإعادة ما ذكرناه (١) .
وبيّنّا أيضًا أن أقوال البخاري خارج صحيحه بنفي العلم بالسماع لا تدلّ -ولا من وجه- على اشتراط العلم به (٢) .
فأيُّ استقراءٍ -بعد هذا- قام به العلماء فأوصلهم إلى تلك النتيجة؟!
ثالثًا: صورة الاستقراء التي يظن صاحبُ هذه الشبهة أن العلماء قد قاموا بها، والتي يطالبني بالقيام بها حتّى يصحّ لي الردّ عليهم (في رَأْيِه) = هي الصورة التالية:
أن آتي إلى كل إسنادٍ في صحيح البخاري، وإلى كل راويين في كل إسنادٍ فيه، روى أحدهما عن الآخر بالعنعنة، لأبحثَ حينها في جميع روايات ذلك الراوي عمّن روى عنه، لا في صحيح البخاري وحده، ولا في الكتب الستة، ولا الستين. . بل في جميع كتب السنّة، لأنظر: هل صَرّح بالسماع أو اللقاء مَرّةً عنه بإسنادٍ مقبول سالمٍ من العلل، أم لم يُصرِّح.
وهكذا أعمل مع الراوي الثاني في روايته عن الثالث، ومع الثالث في روايته عن الرابع.
ثم أنتقل إلى جميع أسانيد البخاري على هذا المنوال، إسنادًا إسنادًا، وراويًا راويًا فيه.
стр. 162
فالذي يزعمه ذلك الزاعم: أن العلماء قد قاموا بذلك، ووجدوا أن البخاريَّ لم يُخرج قطُّ لراويين إلا وقد ثبت عند ذلك العالم الذي قام بالاستقراء أنه قد صرّح الراوي بالسماع في بعض حديثه عمّن روى عنه، وأن ذلك لم يتخلّف -باستقرائه- في أحدٍ من الرواة.
فهذا الاستقراء. . هل قام به أحدٌ فعلاً؟!!!
ولو قام به أحدٌ، وأمكنه القيام به، هل سيسكت عن الإفصاح والافتخار بأنه قد قام بهذا الاستقراء المعجِز (أي المستحيل) ؟!!!
أمّا الاستقراء الذي يُطالبني به صاحبُ هذه الشبهة، فهو نفس الاستقراء السابق. لكن يجب أن آتي له بعددٍ كبيرٍ من الرواة (١) لم أقف على تصريحٍ بسماع أحدهم من الآخر في شيءٍ من كتب السنّة!!
فوالله لو فعلتُ ذلك، فقمتُ بهذا الاستقراء، وأفنيتُ فيه عمرًا مديدًا، لجاء صاحبُ هذه الشبهة، وقال -بكل سهولة-: لعلّه قد فاتك ما يدل على سماع أولئك الرواة بعضهم من بعض، واطلاعُ البخاري أعظم من اطلاعك، ومن علم حُجّةٌ على من لم يعلم!!!
لكني أعود فأختم الردّ على هذه الشبهة بأن أقول: مَنْ قال إنّ الحجّة في الاستقراء وحده، ولا حجّة في غير الاستقراء؟! حتى تُلزمني به!!
أين ذهب الإجماع الذي توارد على نقله جمعٌ من أهل العلم؟!
стр. 163
أين ذهبت أقوال البخاري وتصرّفاته الدالة على نقض تلك الدعوى؟!
أين ذهبت أقوال وتصرّفات بقيّة العلماء الدالة على نَقْضِها أيضًا؟!
أين ذَهَبَ وَهاءُ المذهب نفسه وعدمُ تصوُّرِ صُدُورِهِ من إمامٍ من أئمة الحديث؟!
وأخيرًا: أين ذَهَبَ عَدَمُ صحّةِ تلك الدعوى، وأنه لا دليل لها أصلاً؟!
هذه كلّها لا تدلّ!!! إلا الاستقراء الذي ليس لصاحب هذه الشُّبهة من جُهْدٍ في المطالبة به إلا جُهْد النُّطْق بحروفه الثمانية!! متغافلاً عن استقراءٍ مُثْمِر، قمتُ به خلال زيادة عن عشر سنوات، خرجتُ بعد جُهْدِهِ بهاتيك الأدلّة الصحيحة!!!
أمّا الشُّبْهَةُ الثانية والأخيرة: فتتلخّصُ في سؤال يقول: مَنْ سبقك إلى هذا القول؟!
والسائل يقصد بذلك: أنني ما دُمْتُ غير مسبوق إليه فهو قول مبتدعٌ باطل.
والجواب الأول عن هذه الشبهة: أني مسبوق من الإمام مسلم والحاكم وابن عبد البر والبيهقي والخطيب وغيرهم، ومن ابن طاهر المقدسي الذي نص على نسبة الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم كليهما.
نعم. . الذي أعتزُّ به، ولا أتنازل عن الاعتزاز به، وأحمد الله تعالى عليه: أن هذه النتيجة التي توصّلتُ إليها لم يسبقني إليها أحدٌ من زمن القاضي عياض (٥٤٤هـ) إلى حين أن توصّلتُ إليها في سنة (١٤١١هـ) ، بل إلى هذه الساعة، حسب علمي.
стр. 164
والجواب الثاني: أنه ليس كل قول لا سلف له مردودًا، ولا كل رأي يجب أن يكون المرْءُ مسبوقًا إليه، إذ هذا هو القول الذي لا سلف له حقًّا!!
فالأقوال والآراء التي يصحّ أن تُردّ لمجرّد أنها مستحدثة، ويجب إنكارُها إذا لم يكن أصحابها مسبوقين إليها من سلف الأمّة= هي الأقوال المخالفة لثوابت الشرع من الاعتقادات والأحكام الشرعيّة، التي يلزم من مخالفة سلف الأمّة فيها تضليلُهم واعتقادُ أن الأمّة كلّها كانت جاهلةً بدين الله تعالى.
أمّا ما سوى ذلك:
- من فَهْمٍ يُؤتَاهُ رجلٌ في كتاب الله تعالى، تحتمله الآية، ولا يقتضي إبطال فَهْمِ سلف الأمّة.
- ومن استنباطٍ لفوائد من النصوص الشرعيّة لم يُسبق إليها صاحبُها.
- ومن استلالٍ جديد يصل إليه مُتَدبِّر.
- ومن تأصيلٍ وتنظير في علوم الآلات قائمٍ على منهجٍ قويمٍ من الاستقراء والدراسة.
= فهذا ونحوه هو مضمار التسابق الكبير بين قرائح الأفهام، وبه تميّزَ العلماءُ عن سائر الأنام، بل تميّز الأنام عن الأنعام!!!
وإلا فماذا يرجو ذووا الهِمَم العليّة والعقول الذكيّة والنفوس الزكيّة من تعلُّمِ العلوم، إذا كان دأبَهم اجترارُ ما قيل فقط؟!!
إن الردّ على كل قول لا سلف له بأنه لا سلف له، فوق أنه هو نفسه لا سلف له أيضًا= فهو طاعونُ العقول، وأغلال الأفكار، وصليبُ الابتكار. إذْ كان مِنَ الممكنِ أن يُوَاجَهَ عباقرةُ الأمّة وأئمّة الإسلام وصُنّاعُ
стр. 165
حضارته، ممّن ابتدعوا العلوم، وفجّروا المعارف، وأسّسوا وقعّدوا وبَنوا وتمّموا= بأنه لا سلف لكم في ذلك كُلّه. . وانتهى الأمر!!!
فمن سلف الشافعي في وضعه لأصول الفقه؟!
ومن سلف الخليل بن أحمد في اكتشافه لأوزان الشعر؟!
ومن سلف سيبويه في تأليفه النحو؟!
ومن سلف البخاري في تجريده الصحيح وفي جمعه التاريخ على حروف المعجم؟!
لقد قبلت الأُمّةُ منهم ذلك، وشكرت لهم فِعْلَهم هذا. . مع أنه لا سلف لهم فيه!!
لكن تأبى أمراضُ القلوب إلا أن تنضح بما فيها!!
واللهُ المستعان، عليه التكلان، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
وكتب
الشريف حاتم بن عارف العوني
تم تبييضه بمدينة الطائف
في ٢٧/٤/١٤٢١هـ
стр. 166
فهرس المصادر والمراجع
١-أحاديث الشيوخ الثقات: لأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. تحقيق: الشريف حاتم بن عارف العوني. (رسالة دكتوراه) .
٢- الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان: لابن بلبان الفارسي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ- ١٤١٢هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
٣- الإحكام في أصول الأحكام: لأبي محمد علي بن سعيد= ابن حزم الأندلسي.
طبعة مقابلة على عدّة نسخ خطية، وعلى النسخة التي حققها الشيخ أحمد محمد شاكر. قدّم لها الدكتور إحسان عباس. الطبعة الأولى (١٤٠٠هـ) ، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.
٤- اختصار علوم الحديث (مع شرحه: الباعث الحثيث) : لابن كثير. تحقيق علي حسن عبد الحميد. النشرة الأولى (١٤١٥هـ) . دار العاصمة: الرياض.
٥- الإرشاد (منتخبه) : تحقيق الدكتور محمد سعيد بن عمر إدريس. الطبعة الأولى (١٤٠٩هـ) . مكتبة الرشد: الرياض.
٦- أسد الغابة في معرفة الصحابة: لعز الدين ابن الأثير. تحقيق: محمد إبراهيم البنا، ومحمد أحمد عاشور. الطبعة الأولى. دار الشعب: القاهرة.
٧- الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر. تحقيق: علي محمد البجاوي. الطبعة الأولى. تصوير نهضة مصر: القاهرة.
٨- الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: للحازمي. تحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي. الطبعة الثانية (١٤١٠هـ) . منشورات جامعة الدراسات الإسلامية: باكستان.
٩- الاعلام بسنّته ﵇ (شرح سنن ابن ماجه) : لمُغُلْطاي بن قُلَيْج. مخطوط بدار الكتب المصرية.
١٠- إكمال المعلم بفوائد مسلم: للقاضي عياض. (المقدّمة) . تحقيق الدكتور الحسين محمد شوّاط. الطبعة الأولى (١٤١٤هـ) . دار ابن عفان: الخبر.
١١- الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث: لأبي عبيدة مشهور حسن آل سلمان. الطبعة الأولى (١٤١٧هـ) . دار الصميعي: الرياض) .
стр. 167
١٢- الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه: للدكتور محمد عبد الرحمن طوالبة. الطبعة الأولى (١٤١٨هـ) . دار البيارق، ودار عمار: الأردن.
١٣- الأوسط: لابن المنذر. تحقيق: صغير أحمد بن محمد حنيف. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) . دار طيبة: الرياض.
١٤- البحر المحيط في أصول الفقه: للزركشي. تحقيق: عبد القادر عبد الله العاني، وعمر سليمان الأشقر، وعبد الستار أو غدة. الطبعة الثانية (١٤١٣هـ) . دار الصفوة: الغردقة.
١٥- بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام: لابن القطان الفاسي. تحقيق: د. الحسين آيت سعيد. الطبعة الأولى (١٤١٨هـ) . دار طيبة: الرياض.
١٦- التاريخ الأوسط: للبخاري. تحقيق محمد بن إبراهيم اللحيدان. الطبعة الأولى (١٤١٨هـ) . دار الصميعي: الرياض.
١٧- تاريخ بغداد: لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي. الطبعة الأولى (١٩٣١م) . مكتبة الخانجي: القاهرة.
١٨- تاريخ دمشق لابن عساكر:
أ- المخطوط: تصوير دار البشير.
ب- المطبوعة: تحقيق جماعة، وطبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
١٩- تاريخ أبي زرعة الدمشقي: تحقيق شكر الله نعمة الله القوجاني. مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.
٢٠- التاريخ: ليحيى بن معين (برواية الدوري) . تحقيق د. أحمد محمد نور سيف. الطبعة الأولى (١٣٩٩هـ) . جامعة الملك عبد العزيز، كلية الشريعة: مكة المكرمة.
٢١- التتبع: للدارقطني. تحقيق مقبل بن هادي الوادعي. الطبعة الثانية (١٤٠٥هـ) . دار الكتب العلمية: بيروت.
٢٢- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: لأبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزّي. تحقيق عبد الصمد شرف الدين. الطبعة الثانية (١٤٠٣هـ) . المكتب الإسلامي، بيروت، والدر القيمة، الهند.
٢٣- تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل: لأبي زرعة العراقي. تحقيق: د. رفعت فوزي عبد المطلب، ود. نافذ حسين حماد، ود. علي عبد الباسط مزير.
стр. 168
الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ) . مكتبة الرشد: الرياض.
٢٤- تدريب الراوي: للسيوطي. تحقيق: نظر محمد الفاريابي. الطبعة الثالثة (١٤١٧هـ) . مكتبة الكوثر: الرياض.
٢٥- تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم (وهو جزء من كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم) : للحاكم. تحقيق: كمال يوسف الحوت. الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ) . مؤسسة الكتب الثقافية: بيروت.
٢٦- التقريب: للنووي (مع شرحه: تدريب الراوي: للسيوطي) .
٢٧- تقييد المهمل وتمييز المشكل: لأبي علي الغساني. تحقيق: علي بن محمد العمران، وعزير محمد شمس. الطبعة الأولى (١٤٢١هـ) . دار عالم الفوائد: مكة المكرمة.
٢٨- التمهيد: لابن عبد البر. تحقيق هيئة من العلماء بوزارة الأوقاف المغربية.
٢٩- التمييز: للإمام بن الحجاج. تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. الطبعة الثانية (١٤٠٢هـ) . شركة الطباعة العربية السعودية: الرياض.
٣٠- تهذيب التهذيب: لابن حجر. الطبعة الأولى (١٣٢٥هـ) . مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية: الهند.
٣١- تهذيب الكمال: للمزّي. تحقيق بشار عواد معروف. الطبعة الثانية (١٤٠٣هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
٣٢- التوحيد وإثبات صفات الرب : لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. تحقيق الدكتور عبد العزيز إبراهيم الشهوان. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ) . دار الرشد: الرياض.
٣٣- الثقات: لابن حبان. تحت مراقبة د. محمد عبد المعين خان. الطبعة الأولى (١٣٩٣هـ- ١٤٠٣هـ) . مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية: الهند.
٣٤- جامع الأصول في أحاديث الرسول: مجد الدين ابن الأثير. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط. الطبعة الأولى (١٣٨٩هـ) . مكتبة الحلواني، ومطبعة الملاح، ومكتبة دار البيان: دمشق.
٣٥- جامع التحصيل في أحكام المراسيل: للعلائي. تحقيق: حمدي السلفي. الطبعة الثانية (١٤٠٧هـ) . عالم الكتب، ومكتبة النهضة الحديثة: بيروت.
стр. 169
٣٦- جامع الترمذي: تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة. تصوير دار إحياء التراث العربي: بيروت.
٣٧- الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم. الطبعة الأولى (١٣٧١هـ) . مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية: الهند. تصوير دار الكتب العلمية: بيروت.
٣٨- الجمع بين رجال الصحيحين: لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي. الطبعة الأولى (١٣٢٣هـ) . تصوير دار الكتب العلمية: بيروت.
٣٩- ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحّت روايته من الثقات عند البخاري ومسلم: للدارقطني. تحقيق: بوران الضناوي، وكمال يوسف الحوت. الطبعة الأولى (١٤٠٦هـ) . مؤسسة الكتب الثقافية: بيروت.
٤٠- الرسالة: للشافعي. تحقيق: أحمد محمد شاكر. الطبعة الثانية (١٣٩٩هـ) . دار التراث: القاهرة.
٤١- السنن الأبينُ والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن: لابن رُشَيْد الفِهْرِي السبتي. تحقيق صلاح سالم المصراتي. الطبعة الأولى (١٤١٧هـ) . مكتبة الغرباء الأثرية: المدينة المنورة.
٤٢- السنن الصغرى (المجتبى) : لأحمد بن شعيب بن علي النسائي. ترقيم عبد الفتاح أبو غدة. تصوير مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
٤٣- السنن: لأبي داود السجستاني. تحقيق: محمد عوامة. الطبعة الأولى (١٤١٩هـ) . دار القبلة: جدّة.
٤٤- السنن: للدارقطني. تصحيح وترقيم السيد عبد الله هاشم يماني المدني. دار المحاسن للطباعة: القاهرة.
٤٥- السنن: للدارمي (وهو المسند) . تحقيق حسين سليم أسد الداراني. الطبعة الأولى (١٤٢١هـ) . دار المغني: الرياض.
٤٦- سؤالات الآجري: لأبي داود. تحقيق: د. عبد العليم البستوي. الطبعة الأولى (١٤١٨هـ) . مكتبة دار الاستقامة: مكة المكرمة.
٤٧- سؤالات ابن الجنيد (لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخُتَلي) : لأبي زكريا يحيى بن معين. تحقيق الدكتور أحمد محمد نور سيف. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ) .
стр. 170
مكتبة الدار: المدينة المنورة.
٤٨- سؤالات البرذعي: لأبي زرعة الرازي (ضمن كتاب: أبو زرعة الرازي، وجهوده في السنة النبوية) . تحقيق أد. سعدي الهاشمي. الطبعة الثانية (١٤٠٩هـ) . دار الوفاء: المنصورة. ومكتبة ابن القيم: المدينة المنورة.
٤٩- سؤالات البرقاني: للدارقطني. تحقيق: د. عبد الرحيم القشقري. الطبعة الأولى (١٤٠٤هـ) . كتب خانة جميلي: باكستان.
٥٠- سير أعلام النبلاء: للذهبي. تحقيق حسين الأسدي، وشعيب الأرناؤوط، وبشار عواد، وجماعة. الطبعة الثانية (١٤٠٢هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
٥١- شرح علل الترمذي: لابن رجب. تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد. الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ) ، مكتبة المنار: الأردن.
٥٢- شرح مشكل الآثار: للطحاوي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. الطبعة الأولى (١٤١٥هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
٥٣- صحيح البخاري: تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
٥٤- صحيح مسلم: تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
٥٥- الطبقات: لابن سعد. تحقيق د. إحسان عباس. دار صادر: بيروت.
٥٦- الطبقات: لمسلم بن الحجاج. تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن بن محمود ابن سلمان. الطبعة الأولى (١٤١١هـ) . دار الهجرة: الثقبة.
٥٧- العقود الدُّرّيّة من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: محمد بن أحمد بن الهادي. تقديم: علي صبح المدني. مطبعة المدني: القاهرة.
٥٨- العلل الكبير للترمذي: ترتيب أبي طالب القاضي. تحقيق: حمزة ديب مصطفى. الطبعة الأولى (١٤٠٦هـ) . مكتبة الأقصى: عمان.
٥٩- العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد. (برواية عبد الله بن الإمام أحمد) . تحقيق د. وصي الله محمد عباس. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ) . المكتب الإسلامي: بيروت، ودار الخاني: الرياض.
٦٠- العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد بن حنبل، (برواية المرّوذي وغيره) . تحقيق: وصي الله بن محمد عباس. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ) . الدار السلفية: الهند.
стр. 171
٦١- العلل: لابن المديني. تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. الطبعة الثانية (١٤٠٠هـ) . المكتب الإسلامي: بيروت.
٦٢- العلل: لابن أبي حاتم. (المطبوعة) . تحقيق محب الدين الخطيب. تصوير دار المعرفة: بيروت.
٦٣- العلل: للدارقطني.
أ- المخطوط: نسخة دار الكتب المصريّو ٣٩٤/ حديث.
ب- المطبوعة: تحقيق محفوظ الرحمن زين الله. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ- ١٤١٦هـ) . دار طيبة: المدينة.
٦٤- علوم الحديث: لأبي عَمرو عثمان بن عبد الرحمن= ابن الصلاح الشهرزوري. تحقيق نور الدين عتر. الطبعة الثالثة (١٤٠٤هـ) . دار الفكر: دمشق.
٦٥- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق محب الدين الخطيب، وراجعه قصي محب الدين الخطيب. الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ) . دار الريّان للتراث: القاهرة.
٦٦- فتح الباري: لابن رجب. تحقيق جماعة منهم: محمود بن شعبان بن عبد المقصود، ومجدي عبد الخالق الشافعي. الطبعة الأولى (١٤١٧هـ) . مكتبة الغرباء: المدينة المنورة.
٦٧- فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي: لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي. تحقيق علي حسين علي. الطبعة الثانية (١٤١٢هـ) . تصوير دار الإمام الطبري.
٦٨- القراءة خلف الإمام: للبخاري. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) . دار الكتب العلمية: بيروت.
٦٩- قواطع الأدلّة في أصول الفقه: لأبي المظفّر السمعاني. تحقيق: د. عبد الله بن حافظ الحكمي، ود. علي بن عباس الحكمي. الطبعة الأولى (١٤١٩هـ) . مكتبة التوبة: الرياض.
٧٠- الكامل في معرفة ضعفاء المحدّثين وعلل الحديث: لابن عدي (المطبوع باسم: الكامل في ضعفاء الرجال) . تحقيق: د. سهيل زكار. الطبعة الثالثة (١٤٠٩هـ) دار الفكر: بيروت.
стр. 172
٧١- الكفاية في علم الرواية: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي. تحقيق أحمد عمر هاشم. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) . دار الكتاب العربي: بيروت.
٧٢- لسان الميزان: لابن حجر. الطبعة الأولى (١٣٢٩هـ) . مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية: الهند. تصوير مؤسسة الأعلمي: بيروت.
٧٣- محاسن الاصطلاح: للبُلْقِيني. تحقيق الدكتورة عائشة بنت عبد الرحمن. الطبعة الثانية (١٤١١هـ) . دار المعارف: القاهرة.
٧٤- المحدث الفاصل بين الراوي والواعي: للرامهرمزي. تحقيق د. محمد عجاج الخطيب. الطبعة الثالثة (١٤٠٤هـ) . دار الفكر: بيروت.
٧٥- المراسيل: لعبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي= ابن أبي حاتم. تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني. الطبعة الثانية (١٤٠٢هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
٧٦- المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس، دراسة نظرية وتطبيقية على مرويات الحسن البصري: للشريف حاتم بن عارف العوني. الطبعة الأولى (١٤١٨هـ) . دار الهجرة: الثقبة.
٧٧- مسائل الإمام أحمد: تأليف أبي داود السجستاني. تحقيق: محمد رشيد رضا. تصوير دار المعرفة: بيروت.
٧٨- مسائل صالح: للإمام أحمد. تحقيق: الدكتور فضل الرحمن دين محمد. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ) . الدار العلمية: الهند.
٧٩- المستدرك: للحاكم. الطبعة الأولى (١٣٣٤هـ) . دائرة المعارف العثمانية: الهند. تصوير دار المعرفة: بيروت.
٨٠- مسند الإمام أحمد: تحقيق: جماعة، بإشراف شعيب الأرناؤوط. الطبعة الثانية (١٤٢٠هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
٨١- معجم الصحابة: لأبي القاسم البغوي. تحقيق محمد الأمين بن محمد محمود أحمد الجكني. الطبعة الأولى (١٤٢١هـ) . مكتبة دار البيان: الكويت.
٨٢- معرفة السنن والآثار: للبيهقي. تحقيق د. عبد المعطي قلعجي. الطبعة الأولى (١٤١١هـ) . جامعة الدراسات الإسلامية: باكستان، ودار قتيبة: دمشق، ودار الوعي: حلب، ودار الوفاء: القاهرة.
стр. 173
٨٣- معرفة علوم الحديث: للحاكم. تحقيق السيد معظم حسين. الطبعة الثانية (١٣٩٧هـ) . تصوير المكتبة العلمية: المدينة المنورة.
٨٤- مناقب الشافعي: للبيهقي. تحقيق: السيد أحمد صقر. تصوير دار التراث: القاهرة.
٨٥- الموطَّأ: برواية ابن القاسم وتلخيص القابسي (وهو: الملخِّص لمسند موطأ مالك: برواية ابن القاسم) . تحقيق المالكي. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) . دار الشروق: جدّة.
٨٦- الموضح لأوهام الجمع والتفريق: للخطيب البغدادي. تحقيق المعلمي. الطبعة الثانية (١٤٠٥هـ) . تصوير دار الفكر الإسلامي.
٨٧- الموقظة: للذهبي. تحقيق عبد الفتاح أبو غُدّة. الطبعة الثانية (١٤١٢هـ) . دار البشائر الإسلامية: بيروت.
٨٨- موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين: لخالد منصور عبد الله الدريس. الطبعة الأولى (١٤١٧هـ) . مكتبة الرشد: الرياض.
٨٩- نزهة النظر بتوضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: ابن حجر العسقلاني. تحقيق نور الدين عتر. الطبعة الثانية (١٤١٤هـ) . دار الخير: بيروت.
٩٠- نصب الراية: للزيلعي. تحقيق أعضاء المجلس العلمي بدابهيل، الهند. الطبعة الأولى (١٣٥٧هـ) . دار المأمون: القاهرة.
٩١- النصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئاتٍ من الأحاديث الصحيحة: لمحمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ) . دار ابن عفان: القاهرة.
٩٢- نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإيهام: تحقيق: د. فاروق حمادة. الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ) . دار الثقافة: الدار البيضاء.
٩٣- النكت على كتاب ابن الصلاح: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق الدكتور ربيع هادي عمير. الطبعة الأولى (١٤٠٤هـ) . طبع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
٩٤- هدى الساري: لابن حجر. طبعة دار الريان بالقاهرة. الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ) .
стр. 174
دليل الموضوعات
المقدمة
المسألة الأولى:
تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري
تحرير شرط مسلم
تحرير شرط أبي المظفّر السمعاني
المسألة الثانية: نسبةُ القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري:
(تاريخُها، ودليلُها، ومناقشةُ الدليل)
وفي المناقشة:
- أن نفي العلم بالسماع هو ترجيحٌ أو قطع بعدم السماع
- ذكر بعض القرائن التي تشهد لعدم السماع
- من معاني نفي العلم بالسماع: ما لا يُعارض أن يكون الراوي قد تحمَّل الرواية عَرْضًا أو مناولة أو مكاتبة ونحوها
- من معاني نفي العلم بالسماع: الخبرُ المجرّد بذلك، دون إعلالٍ للرواية، بل مع الحكم باتّصالها
- أن مسلمًا أعلّ أحاديث بعدم العلم بالسماع
المسألة الثالثة: الأدلّة على بُطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء
الدليل الأول: سقوطُ حُجّة تلك النسبة
الدليل الثاني: الإجماعُ الذي نقله الإمام مسلم
الدليل الثالث: وَصْفُ مسلم لخصمه بأنه جاهل خامل الذكر
الدليل الرابع: الصمتُ التامّ بعد مسلم وقبل القاضي عياض عن التعرّض لهذه المسألة في كتب السنة
стр. 175
الدليل الخامس: أن في الأسانيد التي ضربَ مسلمٌ بها المثل، ولا يُعلم سماعُ بعض رواتها من بعض، ويُصحّحها مسلم، ويضعّفها خصمه= أسانيدَ صحّحَها البخاري
الدليل السادس: أن جماعة من أهل العلم نقلوا الإجماعَ على مذهب مسلم:
١- أبو الوليد الطيالسي
٢- الحاكم النيسابوري
٣- أبو عَمرو الداني
٤- البيهقي
٥- ابن عبد البر
٦- ابن حزم
الدليل السابع: أن كتب شروط الأئمة لم تنصّ على هذا الشرط أبدًا
الدليل الثامن: نسبةُ ابنِ طاهر شرطَ الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم
الدليل التاسع: النصوص الدالة على أن أهل العلم لا يشترطون العلم بالسماع:
١- الإمام الشافعي
٢- أبوبكر الحُميدي
٣- الخطيب البغدادي
٤- أبو الحسن القابسي
الدليل العاشر: صحيح البخاري نفسه
الدليل الحادي عشر: احتجاج البخاري في صحيحه بالمكاتبة، والمناولة، والوجادة
الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة في نصوصٍ صريحةٍ عنه
الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جَمْعٍ من الأئمة بالمعاصرة:
١- علي بن المديني
٢- أحمد بن حنبل
٣- يحيى بن معين
стр. 176
٤- أبو حاتم الرازي
٥- أبو زرعة الرازي
٦- أبوبكر البزّار
٧- ابن خزيمة
٨- ابن حبان
٩- الدارقطني
الدليل الرابع عشر: أن إجماع العلماء على اعتبار رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليسًا يقتضي الإجماعَ منهم على الاكتفاء بالمعاصرة (أي على مذهب مسلم)
الدليل الخامس عشر: بُطلان المذهب المنسوب إلى البخاري، ووُضوحُ سقوطه، وسوءُ أثره على السنة
المسألة الرابعة: بيانُ صوابِ مذهبِ مسلم وقُوّة حُجّته فيه
المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنّة
المسألة السادسة: الردُّ على آخر شُبهتين
فهرس المصادر والمراجع
دليل الموضوعات