← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 16232

منهج الإمام البخاري

أبو بكر كافي

Полный текст (357 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بمجرد ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح إذا لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضاً عما هذا سبيله. القسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها. فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إذا كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر. القسم الرابع: ما تفرد به بعض من ضعف من الرواة. وليس في الصحيحين من هذا القبيل غير حديثين (١) . القسم الخامس: ما حكم يه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحاً، ومنه لا يؤثر. القسم السادس: ما اختلف فيه بتغير بعض ألفاظ المتن. فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو الترجيح، على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد. ومن خلال هذه الأقسام التي ذكرها ابن حجر يتضح أن الإمام البخاري يخرج الأحاديث الصحيحة وقد يتبعها أحياناً بالأحاديث المعلولة أو يشير إليها، وإذا لم يكن الترجيح بين الرواة المختلفين باعتبار العدد أو

стр. 212

الحفظ أو غيرها من المرجحات أو القرائن فإن البخاري يخرج الوجهين وكذلك يصنع الإمام مسلم ﵀ وقد أشار الإمام الذهبي إلى هذا فقال: "وإن تساوى العدد واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما وبالأولى سوقهما لما اختلف في لفظه إذا أمكن جمع معناه" (١) . أي أن الشيخين يخرجان ما اختلف فيه الحافظ المتساوون في العدد والحفظ إذا لم يمكن الترجيح بينهما سواء أكان الخلاف في سياق المتن أم في السند.وسيأتي مزيد توجيه لهذا في "مبحث المخالفة" من هذه الرسالة. وفي ضوء هذا الواقع نستطيع أن نفهم منهج الإمام الدارقطني في كتابه "التتبع" لأن كثيراً من الناس يرى أن الدارقطني قص انتقاد الشيخين في جميع ما يذكره، وقد أوضح الإمام الدارقطني منهج كتابه وموضوعه حيث يقول في مستهله "ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو احدهما بينت عللها والصواب منها" (٢) . وهذا النص واضح جداً أن موضوع الكتاب هو ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما مع بيان عللها والصواب منها، وأنه لم يلمح فيه أن الانتقاد سوف يوجه صوب صنيع الشيخين في صحيحهما على أساس أن كلاً منهما قد أخل في شرط كتابه، لأنه قال "اشتمل عليها" ولم يوضح على أي وجه اشتمل عليها، وهو شامل لجميع أنواع الأحاديث، سواء اشتمل عليها على وجه الاحتجاج أم على وجه الاستناس والاحتياط والاستشهاد أم على وجه التبع وشرح العلل، ولم يقل ﵀ "ذكر أحاديث معلولة احتج بها الشيخان وهي مخالفة لشروطهما". والذي يبدو عند إمعان النظر في كتاب "التتبع" أن الأحاديث التي بين عللها تصنف على أنواع:

стр. 213

منها الأحاديث التي احتج بها البخاري ومسلم. ومنها ما أورده كل منهما في المتابعات. ومنها ما أورده كل منهما على سبيل الاحتياط والاستئناس. ومنها ما أورده كل منهما على سبيل التبع وبيان العلل. ومنها ما ذكره مسلم في المقدمة. أما النوع الأول فعدده قليل جداً بالنسبة إلى الأنواع الأخرى إلا النوع الأخير. والذي يصلح فيه القول أن الشيخين قد أخلا فيه بشروطهما والتزامهما بها هو النوع الأول دون سواه، فإن الأنواع الأخرى كلها خارج الأصول، ولم يذكر شيئاً منها إلا على سبيل الاعتضاد أو الاحتياط أو الاستئناس أو التتبع وشرح العلة. وغاية ما يقال بالنسبة إلى هذه الأنواع أن الإمام الدارقطني أوضح السبب الذي كان يدفع كلاً من البخاري ومسلم إلى أن يذكر الأحاديث على ذلك النحو هو وجود العلة فيها، وفي نفس الوقت فإن الغمام الدارقطني يفدنا من خلال تتبعه لأحاديث الصحيحين دقة الشيخين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ووضعها في مواضعها اللائقة بها من الصحيح، أما البخاري فكثيراً ما يرويها معلقة بينما مسلم يوردها في أواخر الباب غالباً (١) . ومن هنا نستطيع أن نقسم الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في صحيح البخاري ومسلم إلى ثلاثة أقسام هي: الأول: القسم المتفق عليه، وأعني به الأحاديث التي أعلها الدارقطني وقد أشار البخاري أو مسلم - رحمهما الله - إلى علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وفي كثير منها يذكر الدارقطني الخلاف ولا يحكم بشيء. ومن هذا القسم الأحاديث التي ذكرها الدارقطني وبين أنها مكاتبة

стр. 214

أو إجازة لأنه صرح بأن مثل هذه الأحاديث حجة في قبول الإجازة والمكاتبة وكأنه يرد على بعض ما لا يصحح العمل بالمكاتبة (*) . الثاني: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول الشيخين. الثالث: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول. ولو قيست هذه الأحاديث التي يترجح فيها قول الدارقطني بمجموع أحاديث الصحيحين فإنها لا تتجاوز نسبة ١% إذ إن مجموع الأحاديث المنتقدة في البخاري ومسلم مائتين وعشرة من أكثر من ستة عشر ألف حديث، وهذه الأحاديث المنتقدة بعضها متفق عليه والبخاري ومسلم قد أشارا إلى العلة فيه والبعض الآخر يترجح فيه موقف الشيخين، فلنفترض أن الدارقطني قد اصاب في نصفها أي في مائة حديث وهي نسبة ضئيلة جداً، وهي مما يؤكد صحة هذين الكتابين.

стр. 215

المبحث الثاني: التفرد وأثرها في التعليل المطلب الأول: مقدمات نظرية (حقيقة التفرد، أنواعه، مراتبه، حكمه) . المطالب الثاني: الأحاديث التي استنكرت في صحيح البخاري. المطالب الثالث: الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري بالتفرد. المطلب الأول: مقدمات نظرية أ- حقيقة التفرد: هو أن يروي شخص من الرواة حديثاً دون أن يشاركه الآخرون، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد "حديث غريب" أو "تفرد به فلان" أو "هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه" أو "لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان" (١) . فالحديث الذي يتفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره يسمى غريباً ويقابله المشهور.

стр. 216

قال الحافظ ابن منده، فيما نقله عنه ابن الصلاح: " الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريباً، فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمى عزيزاً، فإذا روى الجماعة عنهم حديثاً سمي مشهوراً" (١) . ويسمى بعضهم الحديث الذي ينفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره فرداً، وبعض العلماء جعلهما مترادفين وبعضهم غاير بينهما، ويرى الحافظ ابن حجر أنهما مترادفين لغة واصطلاحاً، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الغريب النسبي (٢) . ب- أنواعه: للتفرد نوعان: تفرد مطلق، وتفرد نسبي (٣) . فالفرد المطلق ما كانت الغرابة ي أصل سنده. ويمكن أن نقول أيضاً: هو ما ينفرد به واحد عن كل أحد. والفرد النسبي، وهو ما يقع فيه التفرد في أثناء سنده، وسمي النسبي لأن التفرد ليس مطلقاً، وإنما هو بالنسبة إلى جهة معينة، ومن هنا كانت له أنواع مختلفة، باعتبار جهة التفرد منها: ١- تفرد ثقة برواية حديث. ٢- تفرد راو معين عن راو معين.

стр. 217

٣- تفرد أهل بلد أو أهل جهة. ٤- تفرد أهل بلد أو جهة عن أهل بلد أو جهة. ج- مراتب التفرد: عند إمعان النظر في صنيع المحدثين يتبين لنا أن التفرد على مرتبتين: ١- تفرد في الطبقات المتقدمة. ٢- تفرد في الطبقات المتأخرة. أولاً: التفرد في الطبقات المتقدمة: إن تفرد الراوي بحديث في طبقة من شأنها عدم شهرته وعدم تعدد رواته في الغالب، فهذا النوع من التفرد مقبول ومحتج به بشرط أن يكون الراوي ثقة معروفاً. لأن التفرد في هذه الطبقات لا يثير في نفس الناقد تساؤلاً حول كيفية التفرد، ولا ريبة في مدى ضبطه لما تفرد به حيث إن تداخل الأحاديث والآثار بالنسبة إليه احتمال يكون معدوماً، ونظراً لمحدودية الأسانيد التي يتداولها هو ومعاصروه وقصرها. وأما إذا خالف ما ثبت واشتهر، أو كان متنه لا يعرف إلا من روايته، ولم يجر العمل بمقتضاه سابقاً، فإنه عندئذ يصبح شاذاً غريباً ويرفض الناقد قبوله. وأما إذا كان الراوي المتفرد به ضعيفاً فأمره بين، فلا خلاف بينهم في رد حديثه، وكذا إذا كان مجهولا، فإنه يرد عند الجمهور من النقدة (١) .

стр. 218

ثانياً: التفرد في الطبقات المتأخرة: أما التفرد برواية حديث في طبقة من شأنها أن يكون الحديث فيها مشهوراً ومتعدد الطرق، كالمدارس الحديثية المشتهرة في جهات مختلفة من الأقطار الإسلامية، والتي يشترك في نقل أحاديثها جماعة كثيرة من مختلف البلاد لبالغ حرصهم على جمعها من مخارجها الأصلية بحيث لا يفوت لهم شيء منها إلا نادراً، وقد تهيأ لهم ذلك من خلال تنقلهم الواسع بين البلدان الإسلامية. فهذا النوع من التفرد يدعو الناقد إلى ضرورة النظر إلى أسبابه، فينظر في علاقة صباحه مع المروي عنه عموماً، وكيفية تلقيه ذلك الحديث الذي تفرد به خصوصاً، كما ينظر في حال ضبطه لأحاديث شيخه بصفة عامة، ولهذا الحديث خصوصاً ن ثم يحكم عليه حسب مقتضى دراسته وبحثه. فليس هناك حكم مطرد بقبول تفرد الثقة أورد تفرد الضعيف بل تتفاوت أحكامه (١) . حكم التفرد وضابطه: لقد استقرت كتب المصطلح منذ ابن الصلاح إلى يومنا هذا على أن الحكم على التفرد يكون بحسب أحوال الرواة فإذا كان الراوي ثقة قبل حديثه، وإن كان ضعيفاً رد حديثه، وإن كان متوسطاً اعتبر حديثه حسناً (٢) ، وهذا الحكم أخذ كضابط كلي مطرد في كل تفرد. وعند تتبع كلام النقاد والنظر في صنيعهم يتجلى لنا أن ما لخصه ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - ينبغي تخصيصه فإن مقاييس القبول والرد في مجال التفرد ليست أحوال الرواة المتمثلة في الثقة والضعف فحسب، بل بتوافر القرائن الدالة على ذلك.

стр. 219

فمن أفراد الثقات، وغرائبهم ما يرد ومنها ما يقبل، ولهذا وضع في تعريف الصحيح قيداً مهماً وهو الخلو من الشذوذ والعلة في فلو كان القبول لازماً لأحاديث الثقات لأصبح ذكر هذا القيد لغواً في التعريف (١) . يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: "إنه لا يتابع عليه " ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفرد الثقات الكبار، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (٢) . الغرائب والأفراد في نظر الأئمة: يقول ابن رجب: "وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة. ومنه قول ابن المبارك: "العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا" يعني المشهور وعن علي بن الحسين: "ليس العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن". وعن مالك: "شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس". وعن الأعمش: "كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام ". وعن أبي يوسف: "من طلب غرائب الحديث كذب ". وذكر مسلم في مقدمة كتابه من طريق حماد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عمراً؟ قال: نعم إنه يجيئنا بأشياء غرائب قال يقول له أيوب: إنما نفر أو نفر من تلك الغرائب قال رجل لخالد بن الحارث: اخرج لي حديثا الأشعث لعلي أجد فيه شيئاً غريباً.

стр. 220

فقال: لو كان فيه شيء غريب لمحوته، وعن أحمد: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم، وعنه أيضاً: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء (١) . أهمية التفرد في معرفة علل الأحاديث: لقد اعتنى أئمة الحديث ونقاده بالتفرد عناية كبيرة.. إذ إن له علاقة قوية بتعليل الأحاديث فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن الأحاديث من أوهام وأخطاء في هذا يقول ابن الصلاح ﵀: " ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك" (٢) . فلا يمكن تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد. المطلب الثاني: الأحاديث التي استنكرت أو استغربت في الجامع الصحيح لقد تكلم بعض الأئمة في جملة من الأحاديث صحيح البخاري ووصفوها بالغرابة أو النكارة وهي وإن كانت قليلة، ومحدودة العدد، فليس غرض هنا إحصاؤها، وإنما القصد دراسة نماذج للوقوف على منهج البخاري ووجهة نظره في إخراج هذه الأحاديث، ومعرفة الأسس التي بنى عليها هؤلاء الأئمة نقدهم لتلك الأحاديث. وقبل الشروع في دراسة بعض النماذج لابد من الإشارة إلى حقيقة علمية مهمة وهي:

стр. 221

إن وجود الغرائب والأفراد في الصحيحين هو أمر نادر، ولم يكن من قصد الشيخين -رحمها الله- أن يكون كتاباهما مجمعاً للغرائب والأفراد كما قصد بعض الأئمة من مصنفاتهم، وإنما قصدهما ذكر الأحاديث الصحيحة المشهورة التي تداولها أهل العلم فيما بينهم كما صرح به مسلم في مقدمة صحيحه (١) . ومن هنا كانت هذه الأحاديث المستغربة أو المستنكرة من قبل الأئمة قليلة بالنسبة إلى الأحاديث الصحيحة المشهورة. ومن أدعى أن كل ما في الصحيحين مشهور وليس ليها شيء من الغرائب، فقد خالف الواقع، وخالف الحقيقة العلمية التي قررها الأئمة النقاد، وممن أدعى ذلك الإمام الحكم لنيسابوري ﵀ وقد رد عليه الحافظ حجر بقوله (٢) : "وأما قوله: إن الغرائب الأفراد ليس في الصحيحين منها شيء، فليس كذلك، بل فيها قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي (٣) في جزء مفرد" (٤) . ومعلوم أن هذا العدد في مقابل متون أحاديث الصحيحين التي لا تقل عن ثمانية آلاف حديث مقدار ضئيل جداً لا يتعدى ٢.٥%. والأمر الثاني الذي يجدر التنبه إليه هو أن الغرابة أمر نسبي، فقد يكون حديث ما غريباً عند إمام ناقد، بينما لا يوافقه غيره من الأئمة على

стр. 222

ذلك الحكم لوقوفهم على متابعات وشواهد تدفع عن الحديث وصوف الغرابة أو النكارة. فهذه جملة من الأمور تتضح تفاصيلها من الأمثلة المدروسة. المثال الأول: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه (١) ". فهذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري من دون أصحاب الكتب الستة، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فذكر الحديث بطوله وزاد في آخره: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفسي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته". قال الحافظ ابن رجب: "وهو من غرائب الصحيح تفرد به ابن كرامة عن خالد، ليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم يه أحمد وغيره، وقالوا: له مناكير وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال" (٢) .

стр. 223

ثم ذكر ﵀ تلك الطرق وتكلم عليها. وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: " وساق الذهبي في ترجمة خالد من الميزان بعد أن ذكر قول أحمد فيه: "له مناكير، وقول أبي حاتم لا يحتج به، وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من أحاديث استنكرها، هذا الحديث من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري فيه، قال: هذا حديث غريب جداً، ولولا هيبة الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، فن هذا المتن لم يرو إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد، قلت (القائل ابن حجر) : ليس هو في مسند أحمد جزماً، وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك شريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضاً، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد يه ونقص، وقدم وأخر، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها، ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أنه لا أصل" (١) ثم ساق تلك الطرق وتكلم عليها. والسبب في استنكار هذا الحديث من قبل هؤلاء الأئمة هو تفرد محمد بن عثمان بن كرامة به عن خالد بن مخلد القطواني. أما محمد بن عثمان بن كرامة فهو ثقة من شيوخ البخاري (٢) . أما خالد ن مخلد فهو أيضاً من شيوخ البخاري، يروي عنه مباشرة ويروي عنه بالواسطة كما في الحديث، وقد اختلف فيه كلام أئمة الجرح والتعديل (٣) . قال العجلي: ثقة فيه تشيع.

стр. 224

وقال ابن سعد: كان متشيعاً مفرطاً. وقال صالح جزرة: ثقة إلا أنه كان متهماً بالغلو ي التشيع. وقال أحمد بن حنبل: له مناكير. وقال أبو داود: صدوق إلا أنه يتشيع. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. قال الحافظ ﵀: " أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما ما مناكيره فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في كاملة، وليس فيها شيء مما أخرجه البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى الحديث واحد، وهو حديث أبي هريرة ﵁: "من عادى لي ولياً" وروى له الباقون سوى أبي داود" (١) . وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: "صدوق يتشيع ن وله أفراد" (٢) . (والبخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل) (٣) . فالبخاري لما ترجع عنده صدق خالد بن مخلد القطواني أخرج له، فإن قيل إنما يعرف صدقه وصحة حديثه بموافقة الثقات له، وخالد له مناكير، ومنها هذا الحديث الذي تفرد به ولم يتابعه عليه الثقات، فكيف يكون صحيحاً؟ (إن معرفة البخاري لصحة حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين: إما أن يكون الراوي ثقة ثبتاً

стр. 225

فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطرق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاص جهة معينة) (١) . وخالد بن مخلد من شيوخ البخاري فهذا يقتضي معرفة حديثه وحاله عنده. فلما علم البخاري صدق خالد بن مخلد، ورأى أن هذا المتن الذي انفرد به ليس فيه شيء يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو أصول الشريعة ووجدت له شواهد (٢) وإن كانت ضعيفة ولكنها كثيرة يصلح منها نوع قوة مما يدل على أن للحديث أصلا لهذا كله صححه الإمام البخاري هذا الحديث. ويمكن القول أيضاً: إن البخاري تساهل في رواية هذا الحديث لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال وليس في أصول التحريم والتحليل، والله أعلم. المثال الثاني: ما رواه البخاري في صحيحه قال: "حدثنا عبد القدوس بن محمد حدثني عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي، قال ولم يسأله عنه، قال وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ ، قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم في كتاب الله، قال: "أليس قد صليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال: حدك" (٣) .

стр. 226

رواه مسلم أيضاً عن الحسن بن علي الحلواني عن عمرو بن عاصم به (١) . فهذا الحديث استنكره بعض النقاد كالبرديجي (٢) ، وأبو حاتم ﵏. قال الحافظ البرديجي: "هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم" (٣) . ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: "هذا الحديث باطل بهذا الإسناد" (٤) . وقد أجاب بعض الحفاظ المتأخرين، على كلام البرديجي وأبي حاتم - رحمهما الله - ومن هؤلاء الإمام الناقد ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، والحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من الفتح، وسأنقل فيما يلي كلامهما. قال ابن رجب: "ولعل أبا حاتم والبرديجي نما أنكر الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما، في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد (٥) ". وقال الحافظ ابن حجر - بعد نقله كلام البرديجي: " لم يبين (أي البرديجي) وجه الوهم، وإما إطلاقه كونه منكراً

стр. 227

فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكراً، إذا لم يكن له متابع، ولكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة، الذي أشرت إليه، ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم " (١) . نلاحظ أن الحافظ ابن رجب علل إطلاق البرديجي وأبي حاتم النكارة على هذا الحديث بناء على حال الراوي المتفرد به، وهو عمرو بن عاصم. وعمرو ثقة أخرج حديثه الجامعة (٢) ، لكن يحتمل أن يكون ضعيفاً عند البرديجي وأبي حاتم ومن ثم يكون حديثه الذي ينفرد به منكراً، وهذا التوجيه، إنما يصح بناء على ما استقر عليه اصطلاح المتأخرين من أن الحديث المنكر هو: الفرد المخالف لما رواه. الثقات، والفرد الذي ليس في روايه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده (٣) . ومما يدل على ضعف هذا التوجيه أن الحافظ ابن رجب نفسه، فسر كلام الحافظ البرديجي في تعريفه للمنكر (المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة أو التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه فيكون منكراً) . قال ابن رجب: "ذكر هذا الكلام في سياق إذا انفرد شعبة وسعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ ، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر" (٤) .

стр. 228

فواضح أن الحافظ البرديجي يطلق المنكر على الحديث الذي ينفرد به راويه ولو كان ثقة حافظاً كشعبة وابن أبي عروبة وهشام الدستوائي ونحوهم. إذن فهذا التقرير من الحافظ ابن رجب يوهن توجيهه السابق لاستنكار البرديجي وابن أبي حاتم للحديث السابق. وأما الحافظ ابن حجر فقد وجه نقد البرديجي للحديث على أساس أنه يسمى ما ينفرد به الراوي منكراً إذا لم يكن له متابع، ومقتضى هذا أن النكارة لا تزول على الحديث إلا بمعرفته من وجه آخر، وقد صرح بهذا الحافظ ابن رجب حيث قال معلقاً على استنكار يحيى القطان لحديث "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام" (١) " وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك " (٢) . وقد حقق شيخنا حمزة المليباري هذه المسألة جيداً جمع فيها بين أقوال هؤلاء النقدة وصنيعهم من خلال ممارستهم النقدية، قال - حفظه الله -: "والحق الذي أميل إليه أن الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث لمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنما يستنكرونه إذا لم يعرف من مصادر أخرى، إما براوية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه، ومما يمكن الاستئناس به لتقرير قول الحافظ البرديجي: (إذا روى الثقة من طريق صحيح الواحد، لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفاً ولا يكون منكراً ولا معلولاً) (٣) . وقول أحمد: (شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها) (٤) .

стр. 229

أما إطلاق المنكر على كل ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنه وقع ذلك في كلامهم، وإن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنه ينبغي حمله على أن ذلك على حدود معرفتهم لتفادي التناقض بين التصريح والعمل" (١) . ثم ذكر حديث عمرو بن عاصم السابق، وكلام البرديجي وأبي حاتم فيه، وتوجيه ابن رجب له ثم قال: "والذي أميل إليه أن ذلك الاستنكار إنما هو على حدود اطلاعهما، لأنه إذا كان الحديث معروفاً من جهة أخرى فليس بمنكر حسب تصريحي الحافظ البرديجي حتى ولو كان الراوي المتفرد من الشيوخ الذين هم دون مرتبة الثقات يقول البرديجي: (فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن غير طريقهم عن النبي ﷺ ، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، ولم يدفع. وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي ﷺ إلا من طريق عن أنس (*) إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكراً) (٢) . وحديث عمرو بن عاصم الذي أنكره البرديجي وأبو حاتم كان مروياً معناه من طري أخرى كما سبق" (٣) . أما الرواية التي تشهد لحديث أنس فقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه عقيب حديث أنس مباشرة لتكون شاهداً له، قال ﵀: " حدثنانصر بن علي الجهضمي، وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد، حدثنا أبو أمامة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه، إذا جاء رجل فقال:

стр. 230

يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلا أنصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله حين انصرف، واتبعنا رسول الله ﷺ . انظر ما يريد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله ﷺ : أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء، قال بلى يا رسول الله، قال: ثم شهدت الصلاة معنا، فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : فإن الله قد غفر لك حدك - أو قال - ذنبك" (١) . مما سبق نلخص إلى أن هذا الحديث صحيح وإطلاق النكارة عليه من قبل بعض الأئمة كان في حدود اطلاعهم، والله أعلم. المثال الثالث: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وهبته" (٢) . فهذا الحديث تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم اشتهر عنه، حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث. وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه شعبة وسفيان ومالك.

стр. 231

قال الحافظ ﵀: "وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار فأورده عن خمسة وثلاثين نفساً ممن حدث به عن عبد الله بن دينار" (١) . فهذا الإسناد (أي عبد الله بن دينار عن ابن عمر) مشهور تروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد. ومن رواه من طريق أخرى غير هذه الطريق فقد وهم وغلط ن ومن هذه الروايات الخاطئة: رواية يحيى بن سلمي عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته" (٢) . قال أبو عيسى: "والصحيح: عن عبد الله بن دينار، وعبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه" (٣) . وقال الترمذي في جامعة بعد روايته لهذا الحديث: " هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن بن عمر، والعمل على هذا عند أهل العلم. وقد روى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الولاء وهبته، وهو وهم وهم فيه يحيى بن سليم وقد روى عبد الوهاب الثقفي، وعبد الله بن نمير، وغير واحد عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا أصح من حديث يحيى بن سليم" (٤) . ووجه الوهم هنا ينحصر في تغير لفظ نافع إلى لفظ عبد الله بن دينار، وإن كان المتن واحداً في الروايتين لان هذا الحديث لا يعرف من رواية نافع

стр. 232

عن ابن عمر، ودليل خطئه مخالفته لأصحاب عبيد الله بن عمر، فكلهم يجعله من رواية بن دينار عن ابن عمر قال ابن رجب ﵀ وهو يتكلم على حديث عبد الله بن دينار " وهو معدود من غرائب الصحيح، فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا تكلم فيه الإمام أحمد وقال: لم يتابع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الولاء لمن أعتق" (١) لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. قلت: وروى نافع عن ابن عمر من قوله: النهي عن بيع الولاء عن هبته غير مرفوع وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار والله أعلم" (٢) . فالإمام أحمد استند في تعليله لهذا الحديث على جملة من الأمور: أولاً: تفرد عبد الله بن دينار عن ابن عمر بهذا الحديث دون سائر أصحاب ابن عمر كنافع وسالم وغيرهما. ثانياً: بعض أصحاب ابن عمر كنافع يروى في هذا الموضوع متناً مغايراً لما يرويه ابن دينار وهو قول النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" ولم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. ثالثاً: روى نافع عن ابن عمر "النهي عن بيع الولاء وهبته" لكن جعله موقوفاً على ابن عمر ولم يرفعه للنبي ﷺ ومعلوم أن نافعاً أحفظ أصحاب ابن عمر وقد ميز الموقوف من المرفوع، يكون حديثه أصح، هذه أهم الأمور التي استند عليها الإمام أحمد في تعليل حديث ابن دينار. ويفهم من كلام أحمد أن عبد الله بن دينار روى هذا الحديث بالمعنى ولم يلتزم باللفظ، وبهذا صرح أبو بكر بن العربي ﵀ حيث قال في عارضة الأحوذي: "تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار، وهو من الدرجة الثانية من الخبر، لأنه لم يذكر لفظ النبي ﷺ وكأنه نقل معنى قول

стр. 233

النبي ﷺ لمن اعتق" (١) . هذه هي الأسس والقرائن التي اعتمد عليها الإمام أحمد في استنكار هذا الحديث وتعليله. إذن ما هي الأسس التي اعتمد عليها البخاري ومن تبعه كمسلم والترمذي وغيرهم في تصحيح هذا الحديث؟ هذه الأسس والقرائن التي اعتمد عليها هؤلاء الأئمة في تصحيح الحديث يمكن حصرها فيما يلي: ١- إن هذا المتن الذي انفرد به عبد الله بن دينار لا يعارض غيره من الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع سواء عن ابن عمر نفسه أو غيره كعائشة وما ورد في هذا الباب هو قول النبي ﷺ : "إنما الولاء (*) لمن أعتق" وهو يفيد حصر الولاء في العتق، دون غيره من أسباب التمليك كالبيع والهبة. وقد أشار البخاري ﵀ إلى تداخل الحديثين واتفاقهما في المعنى، حيث ترجم في كتاب العتق، "باب بيع الولاء وهبته"، فأورد فيه حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم أورد فيه حديث عائشة، قال اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أعتقيها: فإن الولاء لمن أعطى الورق". قال الحافظ: ووجه دخوله في الترجمة من قوله في أصل الحديث: "فإن الولاء لمن أعتق" وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللفظ، فكأنه أشار إليه كعادته، ووجه الدلالة منه حصره في المعتق فلا يكون لغيره معه منه شيء" (٢) . ٢- إن مضمون هذا الحديث قد عمل به أهل العلم من فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة ﵃ وهذا يعتبر شاهداً لصحته. وإلى هذا أشار الإمام الترمذي في جامعه، فإن قال بعد روايته لهذا

стр. 234

الحديث: "هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم" (١) . وقال ابن عبد البر: اتفق الجامعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روي عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان يسار لابن عباس وروى عبد الرزاق ابن جريج عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء (٢) . وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة، وجاء عن ميمون جواز هبته الولاء وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث (٣) . ٣- ومما يدل أيضاً على صحة حديث عبد الله بن دينار في النهي عن بيع الولاء وهبته أنه ورد من طريق شعبة ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وحديث عبد الله بن دينار إذا ورد من طريق هؤلاء فهو صحيح. قال أبو جعفر العقيلي (٤) : " روى شعبة والثوري ومالك وابن عيينة عن عبد الله بن دينار أحاديث متقاربة عند شعبة نحو عشرين، وعند الثوري نحو الثلاثين، وعند مالك نحوها، وعند ابن عيينة بضعة عشر حديثاً، فأما رواية المشايخ عنه فيها اضطراب" (٥) . وقال البريديجي:

стр. 235

"أحاديث عبد الله بن دينار صحاح من حديث شعبة ومالك، وسفيان الثوري" (١) . ويمكن أن يقال أن الإمام أحمد تقيد بحرفية الحديث، وأما الآخرون فنظروا إلى معنى الحديث فوجوده خالياً من التغاير عن مضمون الحديث الذي رواه نافع فصححوه. وهنا نجد ما يتفاضل به نافع عن عبد الله بن دينار من جهة التقيد بحرفية الحديث الذي يحدث به ابن عمر. المثال الرابع: حديث عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الإيمان ضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان" (٢) . أخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن أبي عامر العقدي عن سليمان بن بلال به. وأخرجه مسلم عن عبد الله بن سعد، وعبد بن حميد عن العقيد به. ورواه أيضاً زهير عن جرير بن حازم عن سهيل بن عبد الله عن ابن دينار به. رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سهيل به. رواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن سيان عن سهيل به، وقال حسن صحيح.

стр. 236

ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله المحرمي عن أبي عامر العقدي به. وعن أحمد بن سليمان عن أبي داود الحفري وأبي نعيم كلاهما عن سفيان به. وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث عن ابن عجلان ببعضه "الحياء من الإيمان". ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به، وعن عمرو بن نافع بن جرير به. وعن أبي بكر بن شيبة عن أبي جمالا الأحمر عن ابن عجلان نحوه. وهذا الحديث معدود من غرائب الصحيح، فإنه تفرد به عبد الله بن دينار، عن أبي صالح ولم يتابعه عليه أحد، ثم اشتهر عن عبد الله بن دينار، ورواه عن جماعة من أصحابه كسهيل بن ابي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، وهؤلاء كلهم رواياتهم في الكتاب الستة، كما سبق بيانه. وذكر ابن رجب عن العقيلي - وهو يتكلم عن أصحاب عبد الله بن دينار -: " وأما رواية المشايخ عنه ففيها اضطراب، ثم ذكر منهم: يحيى بن سعيد، وعبد العزيز بن الماجستون، وسهيلاً بن عجلان (*) ويزيد بن الهاد، وهؤلاء الثلاثة رووا عن عبد الله بن دينار عن ابي صالح عن أبي هريرة، حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة قال: ولم يتابعهم أحد ممن سمينا من الأثبات ولم تابع عبد الله بن دينار عن أبي صالح عليه أحد" (١) . وقد فسر الحافظ ابن رجب المراد من كلام العقيلي فقال:

стр. 237

" وقوله العقيلي: لم يتابع عليه ن يشبه كلام القطان، وأحمد والبرديجي في أن الحديث إذا لم يتابع روايه عليه فإنه يتوقف فيه أو يكون منكراً" (١) . فالحافظ العقيلي يستنكر هذا الحديث، وهذا الاستنكار مبني على جملة من الأمور هي: ١- تفرد عبد الله بن دينار بالحديث، إذ لم يتابعه عليه أحد. ٢- إن هذا الحديث إنما يرويه الشيوخ (*) من أصحاب عبد الله بن دينار، ولم يتابعهم عليه الحافظ. ٣- وجود الاختلاف والاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ، عن عبد الله بن دينار. أما بالنسبة لتفرد عبد الله بن دينار الحديث فلا يضر إذ يضر إذ إن التفرد كان في الطبقات المتقدمة، والتفرد في هذه الطبقات لا يضر إذ من شأن الحديث ألا ينشر كثيراً ولا تتعدد مخرجه، وقد تقدم تفصيل هذا في المطلب الأول من هذا المبحث. أما بالنسبة للنقطة الثانية: وهي تفرد الشيوخ بهذا الحديث. نعم لم يرو الحافظ من أصحاب عبد الله بن دينار هذا الحديث، كشعبة ومالك وسفيان وإنما رواه الشيوخ من أصحابه وهم: سهيل بن عبد الله، وسيهل بن ابي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، ويزيد بن الهاد. فأما سهيل بن عبد الله فهو ضعيف، روى عنه الجماعة (٢) . وسهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري

стр. 238

مقروناً، وتعليقاً، وروى له بقية الجماعة (١) . ومحمد بن عجلان: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة (٢) . وسليمان بن بلال: ثقة روى عنه الجماعة (٣) . ويزيد بن عبد الله بن الهاد: ثقة مكثر، روى عنه الجماعة (٤) . فهؤلاء الشيوخ فيهم الضعيف والصدوق والثقة، حتى ولو سلمنا بأن هؤلاء جميعاً في مرتبة الشيوخ بالنسبة إلى ابن دينار، فقد رووا جميعاً هذا الحديث عن عبد الله بن دينار عن أبي هريرة، فيدل ذلك على أنهم قد حفظوا هذا الحديث. وأما بالنسبة للنقطة الثالثة: وهي وجود الاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ فما وجه هذا الاضطراب؟ وهل يقدح في صحة هذا الحديث أم لا؟ قد ذكر العلامة العيني اختلاف الروايات في هذا الحديث، وحاصله ما يلي: - اختلاف في العدد: فبعض الرواة قال بضع وستون، أو بضع وسبعون على الشك، وبعضهم قال: بضع وسبعون، وقال آخر: بعض وستون. - اختلاف في بعض الألفاظ: بعضهم قال: بضع وسبعون باباً، وفي بعضها شعبة، وورد في بعض الروايات: أرفعها وورد في روايات أخرى أفضلها (٥) .

стр. 239

فهذا الاضطراب لا يقدح في صحة أصل الحديث وإن كان يقدح في ثبوت العدد، ولهذا نظائر وأمثلة في صحيح البخاري منها: حديث الواهبة نفسها. الذي يرويه أبو حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله: إني قد وهبت لك نفسي فقال رجل زوجنيها قال: زوجناكها بما معك من القرآن" (١) . فقد اختلف الرواة على أبي حازم فقال مالك وجماعة: فقد زوجناكها، وقال ابن عيينة: أنكحتكها، وقال ابن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن: ملكتكها، وقال الثوري: أملكتكها، وقال أبو غسان: أمكناكها. قال الحافظ: "المقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي ﷺ قال لفظاً وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى والله أعلم " (٢) . فهذا الاختلاف لم يضر في ثبوت الحديث. فكذلك الاختلاف الواقع في حديث "الإيمان بضع وسبعون " لا يقدح في صحته. وإن كان الإمام البخاري ﵀ قد اختار ورجح رواية "بضع وستون " فما هو الأساس الذي اعتمده في ترجيح هذه الرواية؟ قد أشار إليه الحافظ بقوله: "ورجع البيهقي رواية البخاري لان سليمان لم يشك، وترجيح رواية بضع وسبعون شعبة لكونها زيادة ثقة. كما ذكره الحليمي ثم عياض - لا يستقيم إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري وقد رجح ابن الصلاح رواية الأقل لكونه المتيقن" (٣) .

стр. 240

والذي يظهر لي إضافة إلى ما قاله الحافظ، هو أن سليمان بن بلال أوثق ممن خالفه، فهذه القرائن كلها مجتمعة ترجح رواية البخاري ﵀. ومما يدل على صحة هذا الحديث في الجملة، أنه لا يعارض القرآن ولا السنة، بل يوافقهما لذا نجد الإمام البخاري ذكر قبل هذا الحديث آيتين في نفس معناه، وهما قول تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وأتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأمناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ (٢) . قال الحافظ: "وكأن المؤلف (أي البخاري) أشار على إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما" (٣) . وأما الأحاديث في هذا المعنى فهي كثيرة جداً قد أوردها الأئمة في مصنفاتهم في أبواب الإيمان والسنة. مما سبق نستخلص أن البخاري لا يرى أن كل حديث تفرد هـ رواية منكراً، بل يراه صحيحاً مقبولاً إذا توفرت فيه الشروط التالية كلها أو بعضها: ١- أن يكون الراوي المتفرد بالحدي ثقة حافظ. ٢- أن يكون التفرد في الطبقات المتقدمة ثم يشتهر في الطبقات المتأخرة.

стр. 241

٣- أن لا يعارض الحديث الثابت المشهور عن النبي ﷺ . ٤- أن تكون له شواهد من القرآن الكريم أو الأحاديث المرفوعة. ٥- أن يكون ما تضمنه الحديث معمولاً به عند أهل العلم ولا يكون مجهوراً غير مستعمل. وحسب وضوح هذه القرائن وكثرتها يكون الحكم على الحديث بالنكارة أو بالشهرة. وهنا تختلف أحكام الأئمة النقاد حسب اجتهادهم واطلاعهم، ومن خلال هذه الأمثلة المدروسة نطمئن إلى الأحاديث الواردة في صحيح البخاري، ونعلم أنها منتقاة بدقة كبيرة. قال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبد الله بن أبي بردة، ويزيد بن أنسية، وإبراهيم التيمي. قال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وزيد من أنسية، وإبراهيم التيمي. " وأما تصرف الشيخين والأكثرين فيدل على خلاف هذا، وان ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، وقد خرجا في الصحيحين حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وحديث محمد بن إبراهيم التيمي وحديث زيد بن أبي أنسية (١) . ثم نقل عن الإمام مسلم قوله في مقدمة صحيحه: "حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم، في قول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رواه، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئاً، ليس عند أصحابه، قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحافظ المتقنين لحديث وحديث غيره أو كمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل اعلم مبسوط مشترك وقد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم، في الكثرة، فيروي عنهما أو عن

стр. 242

أحدهما العدد من الحديث ممن لا يعرف أحد من أصحابهما، وليس قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم" (١) . المطلب الثالث: نماذج لأحاديث أعلها الإمام البخاري بالتفرد رأينا في النماذج السابقة أن التفرد من دلائل العلة، ولكن قد يكون الحديث صحيحاً لقرائن أخرى تنضم إليه، كما سبق تفصيله. وفي هذا المطلب اذكر نماذج أخرى لما يتفرد به الراوي، وتنضم إليه قرائن أخرى يكون الحديث معلولاً عند الإمام البخاري ﵀. المثال الأول: حديث النبي ﷺ " الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد" (٢) . فمتن هذا الحديث معروف عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وقد خرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر عن النبي ﷺ بطرق مختلفة. لكن هذا الحديث رواه كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال:"الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد" (٣) .

стр. 243

وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكر أن أبا كريب تفرد به منهم البخاري وأبو زرعة، وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضاً (١) . إذا علمنا أن أبا كريب (٢) المتفرد بالحديث ثقة حافظ روى له الجماعة فهل يتسنى لنا الاستدراك على هؤلاء الأئمة ونقول: إنه ثقة حافظ فلا يضر تفرده أم نبحث عن القرائن التي انضمت إلى هذا التفرد، فجعلتهم يحكمون على الحديث بالغرابة ويستنكرونه. وهذه القرائن هي: ١- تفرد أبي كريب به عن أبي أسامة. ٢- تفرد أبي أسامة به عن بريد ز ٣- رواية أبي كريب هذا الحديث عن أبي أسامة حال المذاكرة. وقد أشار البخاري ﵀ إلى هذا القرائن فيما نقله عنه الترمذي، حيث قال بعد رواية هذا الحديث من طريق أبي كريب: " وسألت محمداً بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا فجعل يتعجب ويقول: ما علمت أن أحداً حدث بهذا غير أبي كريب، قال محمد: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة" (٣) . والذين رووا هذا الحديث عن أبي أسامة غير أبي كريب هم: أبو هشام الرفاعي وأبو السائب والحسين الأسود.

стр. 244

فلماذا لم يعتد النقاد بهؤلاء ويعتبروا حديثهم متابعة لأبي كريب تدفع عنه وصف التفرد بهذا الحديث؟ لم يعتد النقاد بهذه الطرق، لأنهم علموا عدم صحة سماع هؤلاء لهذا الحديث من أبي أسامة مباشرة، وإنما سمعوه من أبي كريب وأضافوه إلى أبو أسامة. قال الحافظ ابن رجب: " وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي غير أبي كريب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود (١) ، كان يهتم بسرقة الحديث، وأبو هشام (٢) فيه ضعف" (٣) . وكذلك تعجب الإمام البخاري لما قال له الترمذي حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا وقال: ما علمت أحداً حدث بهذا غير أبي كريب. وأما القرينة الأخرى، وهي أخذ أبي كريب لهذا الحديث حال المذاكرة فقد وضحها الحافظ ابن رجب يقول: "وما حكاه الترمذي عن البخاري هاهنا أنه قال: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة، فهو تعليل للحديث، فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، والمذاكرة يحصل فيها تسامح بخلاف حال السماع والإملاء" (٤) .

стр. 245

المثال الثاني: حديث النهي عن الانتباذ في الدباء والمزقت (١) . هو حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ مشهور من رواية جماعة من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن سعيد وأنس وأبي هريرة. ولكن ورد من رؤية شبابة عن شعبة عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر أن النبي ﷺ نهى عن الدباء ولمزقت (٢) . (فهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جداً وقد أنكره على شبابه طوائف من الأئمة منهم -أحمد والبخاري وأبوحاتم وبن عدي) (٣) والترمذي أيضاً (٤) . وقد بين الترمذي بعض الجوانب التي من أجلها أعل النقاد فقال: بعد روايته له من طري شبابة. "هذا حديث غريب من قبل إسناد ولا يعلم أحد حدث به عن شعبة غير شبابه، وقد روى عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه نهى أن ينتبذ في الدباء والمزقت، وحديث شبابه إنما يستغرب لأنه تفرد هـ عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج عرفة" فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد" (٥) وتمثل هذه القرائن يما يلي:

стр. 246

١- تفرد شبابة بهذا الحديث دون سائر أصحاب شعبة. ٢- شهرة هذا الحديث بغير هذا الإسناد. ٣- وجود حديث آخر عن شعبة روي بهذا الإسناد الذي تفرد به شبابه. وفيما يلي تفصيل هذه النقاط: إن تفرد شبابه عن شعبة بهذا الحديث بهذا الإسناد دون سائر أصحاب شعبة الحافظ الإثبات يثير ريبة في نفس الناقد، نعم إن شبابه بن سوار ثقة (١) . لكنه ليس من أثبت أصحاب شعبة، كيحيى القطان وابن مهدي ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث وغندر (محمد بن جعفر) (٢) . هؤلاء كلهم لم يرووه من هذا الطري الذي رواه به شبابه. ولو نظرنا في الصحيحين نجد أن الثقات من أصحاب شعبة رووه من طرق عدة، ليس فيهما طريق شبابة. فأما البخاري فإنه يروي هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه من طريق شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك: علي بن الجعد (٣) ، وغندر (٤) ، والنضر بن شميل (٥) . وأما الإمام مسلم فإنه توسع في ذكر طرق هذا الحديث عن شعبة (٦) . فقد أورده ن طريق شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيميي عن الحارث بن سويد عن علي حدث بذلك عن شعبة محمد بن جعفر.

стр. 247

وأورده من طريق شعبة عن نصور وسليمان وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة حدث عن شعبة ذلك يحيى القطان. وأورده أيضاً من طريق شعبة عن يحيى العمراني عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر. وأورده من طريق شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر. وأورده من طري شعبة عن عمر بن مرة عن زاذان عن ابن عمر حدث بذلك أبو داود ومعاذ بن معاذ. فهذه اشهر الطرق لهذا الحديث عن شعبة التي تداولها الثقات من أصحابه، أما طريقة شبابة عن شعبة فلم يشتهر فيتداوله الثقات. أما بالنسبة للنقطة الثالثة وهي وجود حديث آخر عن شعبة بهذا الإسناد وهو "الحج عرفة" (١) فهذا المتن هو الذي يعرف عن شعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أي أن الحديث السابق انقلب إسناده على شبابة بن سوار فجعل إسناد هذا الحديث للحديث السابق. فهذه القرائن مجتمعة جعلت النقاد يحكمون على هذا الحديث بالنكارة وليس لمجرد التفرد. والنتائج التي نستخلصها مما سبق تتمثل فيما يلي: ١- يعد التفرد من الدلائل القوية لعرفة علل الأحاديث.

стр. 248

٢- لا يكتفي النقاد بمجرد التفرد للحكم على الحديث بالنكارة أو الشذوذ، بل لابد من وجود القرائن. ٣- إن هذه القرائن تختلف باختلاف الأحاديث، وليس منحصرة. ٤- ليس للنقاد عمل مطرد في تفرد الراوي، فلا يقبلونه مطلقاً، ولا يردونه مطلقاً، فهنالك بعض تفردات الرواة صححها البخاري وغيره وهذا النوع يسمى بغرائب الصحيح، كما سبق بيانه في المطلب السابق وهناك تفردات حكم عليها البخاري بالنكارة كما بينته في هذا المطلب. ٥- قد تختلف أحكام النقاد على الأحاديث التي وقع فيها التفرد، وهذا بناء على مدى إطلاعهم على طرق الحديث والقرائن المرجحة، وليس اختلافاً في المنهج.

стр. 249

المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل مدخل: مقدمات نظرية (تعريف المخالفة، أسبابها، ضابطها، وصورها، أحكامها، أثرها) . القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد. المطلب الأول: الاختلاف في الوصول والإرسال. المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقوف. المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي. المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه. القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن. المطلب الأول: الاختصار. المطالب الثاني: الرواية بالمعنى. المطلب الثالث: الإدراج.

стр. 250

مقدمات نظرية: تعريف المخالفة وذكر أسبابها: لم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحدي ولعلي، فأقول: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير (١) في سياق إسناده أو متنه". وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثيرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قل أصحابه وتلاميذه قل الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضابط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها. ضابطها: حتى يكون الاختلاف معتبراً يعين فيه أن يكون المخرج واحداً ز قال ابن الصلاح ﵀: "وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحداً وإلا فتعد الوجوه المختلفة طرقاً مستقلة" (٢) . قال الحافظ: "وقد فسر ابن العربي الحديث بأن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة في البصريين وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين وعطاء في المكيين، وأمثالهم، فإن حديث البصريين مثلاً إذا
следующие страницы →