← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 16232

منهج الإمام البخاري

أبو بكر كافي

Полный текст (357 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١- تفرد شبابة بهذا الحديث دون سائر أصحاب شعبة. ٢- شهرة هذا الحديث بغير هذا الإسناد. ٣- وجود حديث آخر عن شعبة روي بهذا الإسناد الذي تفرد به شبابه. وفيما يلي تفصيل هذه النقاط: إن تفرد شبابه عن شعبة بهذا الحديث بهذا الإسناد دون سائر أصحاب شعبة الحافظ الإثبات يثير ريبة في نفس الناقد، نعم إن شبابه بن سوار ثقة (١) . لكنه ليس من أثبت أصحاب شعبة، كيحيى القطان وابن مهدي ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث وغندر (محمد بن جعفر) (٢) . هؤلاء كلهم لم يرووه من هذا الطري الذي رواه به شبابه. ولو نظرنا في الصحيحين نجد أن الثقات من أصحاب شعبة رووه من طرق عدة، ليس فيهما طريق شبابة. فأما البخاري فإنه يروي هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه من طريق شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك: علي بن الجعد (٣) ، وغندر (٤) ، والنضر بن شميل (٥) . وأما الإمام مسلم فإنه توسع في ذكر طرق هذا الحديث عن شعبة (٦) . فقد أورده ن طريق شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيميي عن الحارث بن سويد عن علي حدث بذلك عن شعبة محمد بن جعفر.

стр. 247

وأورده من طريق شعبة عن نصور وسليمان وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة حدث عن شعبة ذلك يحيى القطان. وأورده أيضاً من طريق شعبة عن يحيى العمراني عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر. وأورده من طريق شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر. وأورده من طري شعبة عن عمر بن مرة عن زاذان عن ابن عمر حدث بذلك أبو داود ومعاذ بن معاذ. فهذه اشهر الطرق لهذا الحديث عن شعبة التي تداولها الثقات من أصحابه، أما طريقة شبابة عن شعبة فلم يشتهر فيتداوله الثقات. أما بالنسبة للنقطة الثالثة وهي وجود حديث آخر عن شعبة بهذا الإسناد وهو "الحج عرفة" (١) فهذا المتن هو الذي يعرف عن شعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أي أن الحديث السابق انقلب إسناده على شبابة بن سوار فجعل إسناد هذا الحديث للحديث السابق. فهذه القرائن مجتمعة جعلت النقاد يحكمون على هذا الحديث بالنكارة وليس لمجرد التفرد. والنتائج التي نستخلصها مما سبق تتمثل فيما يلي: ١- يعد التفرد من الدلائل القوية لعرفة علل الأحاديث.

стр. 248

٢- لا يكتفي النقاد بمجرد التفرد للحكم على الحديث بالنكارة أو الشذوذ، بل لابد من وجود القرائن. ٣- إن هذه القرائن تختلف باختلاف الأحاديث، وليس منحصرة. ٤- ليس للنقاد عمل مطرد في تفرد الراوي، فلا يقبلونه مطلقاً، ولا يردونه مطلقاً، فهنالك بعض تفردات الرواة صححها البخاري وغيره وهذا النوع يسمى بغرائب الصحيح، كما سبق بيانه في المطلب السابق وهناك تفردات حكم عليها البخاري بالنكارة كما بينته في هذا المطلب. ٥- قد تختلف أحكام النقاد على الأحاديث التي وقع فيها التفرد، وهذا بناء على مدى إطلاعهم على طرق الحديث والقرائن المرجحة، وليس اختلافاً في المنهج.

стр. 249

المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل مدخل: مقدمات نظرية (تعريف المخالفة، أسبابها، ضابطها، وصورها، أحكامها، أثرها) . القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد. المطلب الأول: الاختلاف في الوصول والإرسال. المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقوف. المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي. المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه. القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن. المطلب الأول: الاختصار. المطالب الثاني: الرواية بالمعنى. المطلب الثالث: الإدراج.

стр. 250

مقدمات نظرية: تعريف المخالفة وذكر أسبابها: لم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحدي ولعلي، فأقول: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير (١) في سياق إسناده أو متنه". وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثيرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قل أصحابه وتلاميذه قل الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضابط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها. ضابطها: حتى يكون الاختلاف معتبراً يعين فيه أن يكون المخرج واحداً ز قال ابن الصلاح ﵀: "وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحداً وإلا فتعد الوجوه المختلفة طرقاً مستقلة" (٢) . قال الحافظ: "وقد فسر ابن العربي الحديث بأن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة في البصريين وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين وعطاء في المكيين، وأمثالهم، فإن حديث البصريين مثلاً إذا

стр. 251

جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفاً، وإذا جاء عن غير قتادة نحوه كان شاذاً والله أعلم" (١) . صور المخالفة: يقع الاختلاف بين الرواة في أمور كثيرة غير محصورة فيها ما يؤثر في القبول وفيها ما لا يؤثر فيه، كاختلافهم في العبارات والألفاظ بحيث لا يغير المعنى المقصود وكذا في التقديم والتأخير، وصيغ التلقي مثل حدثنا وأخبرنا ونحوهما. وجدير بالذكر أن الاختلاف في صيغ التلقي يؤثر أحياناً في الصحة والقبول، كالاختلاف في التصريح بالسماع بالنسبة إلى رواية من وصف بالتدليس أو الإرسال (٢) . وأما الاختلاف المؤثر فتارة يكون في السند وتارة يكون في المتن، فالذي في السند يتنوع أنواعاً: تعارض الوصول والإرسال، وتعارض الوقف مع الرفع، وتعارض الاتصال والانقطاع، وتعرض في شيخ الراوي، مثلاً: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي نفسه، وتعارض في زيادة رجل في أحد الإسنادين، وتعارض في اسم الراوي ونسبة إن كان متردداً بين ثقة وضعيف، وتعارض في الجمع والإفراد في الرواية، مثلاً: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن فلان وفلان ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل من فلان منفرداً. وأما الاختلاف في المتن فيتنوع أنواعاً: منها تعارض الإطلاق والتقييد، وتعارض العموم والخصوص، وتعارض الزيادة والنقص (٣) .

стр. 252

أحكامها: لقد اعتبر كثير من المتأخرين - عند وقوع الاختلاف بين الرواة في الوصول والإرسال والرفع والوقوف - أن الحكم للزائد إذا كان ثقة فيرجع الرفع على الوقف، والوصل على الإرسال باعتبار أن كلاً من الرفع والوصل زيادة. وقد ذكر ابن الصلاح ﵀ الخلاف في هذه المسألة، وحاصله ما يلي: إذا تعارض الوصل والإرسال فالحكم للمرسل وقيل الحكم للأكثر، وقيل الحكم للأحفظ، سواء أكان المخالف واحداً أم جماعة وصحح الخطيب البغدادي القول الأخير (١) . ونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملاكاني أنه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف بأن الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وليس الرفع زيادة في المتن فتكون علة (٢) . وهذه الأحكام العامة بالقبول أو الرد غير مسلمة في منهج المحدثين النقاد، فإن مذهبهم ليس القبول مطلقاً أو الرد مطلقاً، بل بحسب القرائن. قال الحافظ ﵀: "إن تعليلهم الموصول بالمرسل أو المنقطع، والمرفوع بالموقف أو المقطوع، ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر على غلبة الظن بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه" (٣) . وقال ابن دقيق العيد: " من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند أو رافع وواقف أو ناقص أو زائد أن الحكم للزائد فلم يصب في

стр. 253

هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول" (١) . وقد جزم الحافظ العلائي فقال: " كلام الأئمة المقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث" (٢) . ويقول الحافظ السخاوي: " إنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين، بل إن كان من أرسل أو أوقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس" (٣) . أثر المخالفة في التعليل: تعدّ المخالفة من الدلائل القوية التي تدرك بها العلة وقد سبق أن نقلت كلام ابن الصلاح في ذلك، وأكرره هنا لأهميته، قال ﵀: "ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك" (٤) . ولا يمكن الوصول إلى العلة والكشف عنها إلا بجمع طرق الحديث المختلفة في سياق واحد، والنظر في كل راو من طبقات الإسناد هل تفرد أم خالف، قال الخطيب ﵀: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في

стр. 254

اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم في الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط" (١) . والناظر في كتب العلل يلاحظ اشتمالها على ذكر طرق الحديث المختلفة، والمقارنة بينها وذكر اختلاف الرواة فيما بينهم. وقد اهتم الأئمة النقاد بهذه المسألة وأصبحت من أهم معايير نقد الحديث والحكم على الرجال عندهم، قال الإمام مسلم ﵀: " وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله، ولا مستعمله" (٢) . وقال أيضاً: "فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضداد هم من الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباههم من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ" (٣) . لهذا يحرص علماء الحديث ونقاده على استيعاب طرق الحديث ورواياته من أجل الوقوف على الأخطاء التي فيها والأوهام. قال ابن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه" (٤) . وقال أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً" (٥) .

стр. 255

وقال ابن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (١) . ولأهمية هذه المسألة جعلتها المحور الثاني لهذا الفصل، وسأحرص على أخذ أحكامهم من خلال الواقع النقدي عند الإمام البخاري ﵀ وقد قسمت هذا المبحث إلى قسمين: القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد، ويشمل المطالب التالية: الاختلاف في الوصل والإرسال، الاختلاف في الرفع والوقف، الاختلاف في تسمية شيخ الراوي، الاختلاف في زيادة راو واحد وحذفه. القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن: ويشمل المطالب التالية: الاختصار، الرواية بالمعنى، الإدراج.

стр. 256

القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد المطلب الأول: الاختلاف في الوصل والإرسال المثال الأول: قال البخاري ﵀: "حدثنا محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي حدثنا محمد بن حرب حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي أخبرنا الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن سلمة عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة". وقال عقيل عن الزهري: أخبرني عروة عن النبي ﷺ ، تابعه عبد الله بن سالم عن الزبيدي" (١) . ورواه مسلم أيضاً قال: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا محمد بن حرب قال محمد بن الوليد به سنداً ومتناً (٢) .

стр. 257

وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الاختلاف في سنده وصلاً وإرسالاً ولم يحكم فيه بشيء (١) . والاختلاف في الوصل والإرسال دائر بين محمد بن الوليد الزبيدي (٢) فقد وصل الحديث وعقيل (٣) فقد رواه مرسلاً، والإمام البخاري هنا قد رجح الموصول وأشار المرسل وكذلك الإمام مسلم. فما هي القرائن التي اعتمد عليها الشيخان في ترجيح الطريق الموصولة على المرسلة؟ . لقد أشار الحافظ ﵀ إلى هذه القرائن في شرحه لهذا الحديث فقال: "واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير عقيل (٤) فيه، وقد روى الترمذي من طريق الوليد مسلم أنه سمع الأوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب الزهري، يعني في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كيراً حضراً وسفراً ن وقد تمسك بهذا من رغم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين على تصحيح الموصول هنا، والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله" (٥) .

стр. 258

وتتمثل هذه القرائن فيما يلي: ١- سلامة رواية الزبيدي من الاضطراب وذلك لأنها وردت من طريق محمد بن حرب وهو حافظ، وتابعه عليها عبد الله بن سالم الحمصي، وهو حافظ أيضاً. ٢- إضافة إلى ذلك يعدّ الزبيدي من أثبت أصحاب الزهري ﵀ وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب الزهري قال: "مالك، وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة، ويونس بن يزيد وعقيل والزبيدي" (١) ، وإنما عد الزبيدي من اثبتهم لأنه كان طويل الملازمة للزهري سنداً وحفظاً. ٣- إن تقصير عقيل في إسناد هذا الحديث يمكن أن يكون سببه الوهم والنسيان، ويمكن أن يكون سببه الشك وهذا الأخير أرجح وذلك أن الحفاظ المتقنين إذا شكوا قصورا في الأسانيد. المثال الثاني: قال البخاري ﵀: "حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله ﷺ وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: لما قلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ ن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفاته. وقال بعضهم: حماد عن أيوب نافع عن ابن عمر. ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ " (٢) .

стр. 259

وقد ذكر الدارقطني – ﵀ – هذا الحديث في كتابه التتبع وذكر الاختلاف فيه، ولم يحكم فيه بشيء قال ﵀: "وأخرجه البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذراً مرسلاً ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب. ووصله عبد الله عن نافع" (١) . فهذا الحديث فيه اختلاف بين أصحاب أيوب فقد أرسله حماد بن زيد، ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر. والبخاري – ﵀: "إنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن رواية مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فوصلوه، بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه موصولاً كما أشار إليه البخاري هنا " (٢) . والقرائن التي اعتمد عليها البخاري في ترجيح الرواية المتصلة على المرسلة تتمثل فيما يلي: ١- وجود الاضطراب في رواية حماد بن زيد فقد رواه عنه أبو النعمان، مرسلاً كما هو عند البخاري، وكذا أورده الإسماعيلي من طريق سليمان بن حرب، وأبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر كان عليه اعتكاف في الجاهلية (٣) . ويرويه بعض أصحاب حماد بن زيد موصلاً، وهو أحمد بن عبيد الضبي، كما هو في رواية الإسماعيلي وعند مسلم – ولم يسق لفظه (٤) – وعند ابن خزيمة (٥) .

стр. 260

فأصحاب حماد بعضهم يرويه مرسلاً وبعضهم يرويه موصولاً، وهذا مما يوهن رواية حماد بن زيد. ٢- إذا سلمنا أن هذه الطريق إنما وردت عن حماد بن زيد مرسلة لكثرة من رواها كذلك فهي معارضة برواية غيره ممن رواه عن أيوب مسنداً وهم أكثر عدداً ممن رواه موصولاً، وهذه الروايات المعارضة لرواية حماد بن زيد هي: ١- رواية جرير بن حازم أشار إليها البخاري وقد وصلها مسلم وغيره من رواية ابن وهب عن جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعاً حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمراً سأل رسول الله ﷺ ٢- رواية حماد بن سلمة وقد أشار إليه البخاري أيضاً ووصله مسلم من طريق حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب مقرونة برواية محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر (١) . ٣- رواية معمر وقد وصلها البخاري ومسلم (٢) . ٤- رواية سفيان الثوري وقد وصلها النسائي (٣) . فتكون رواية هؤلاء الجماعة أرجح، لا لكونهم جماعة ولكن بانضمام القرائن، وهي في رواية حماد بن زيد والقرينة الثالثة. ٣- إن حماد صاحب حفظ وليس صاحب كتاب، ومن عادته أنه ينقص من الحديث إذا طرأ له شك. ٤- القرينة الرابعة التي ترجح الطريق الموصولة على المرسلة هي كون الحديث محفوظاً عن نافع موصولاً وقد تابع أيوب على وصله عبيد بن

стр. 261

عمر وقد اخرج روايته البخاري وغيره (١) . المثال الثالث: حديث " لا نكاح إلا بولي " الذي يرويه أبو إسحاق السبيعي (٢) . هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فقد رواه إسرائيل بن يونس (٣) في آخرين: عن جدة أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن الرسول ﷺ مسنداً متصلاً. ورواه سفيان الثوري (٤) وشعبة (٥) عن أبي إسحاق عن بردة عن النبي ﷺ مرسلاً وسئل البخاري – ﵀ – عن هذا الحديث، فحكم لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة (٦) .

стр. 262

وقد احتج الخطب البغدادي بهذا على أنه إذا ورد الحديث مرسلاً ومتصلاً فالحكم لمن أوصله إذا كان ثقة وتبعه على ذلك ابن الصلاح في مقدمته، محتجاً بصنيع الإمام البخاري في ترجيح الموصول على المرسل هنا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية (١) . فهل يصح أن نأخذ من هذا حكماً كلياً ننسبه إلى الإمام البخاري ونعده منهجاً له كما فعل الخطيب ﵀ وتبعه على ذلك ابن الصلاح وكثير من المتأخرين؟ لقد تعقب الحفاظ ابن رجب الخطيب في هذه المسألة وتبين أنها لا تأخذ كحكم كلي مطرد وهذا من خلال الاستقراء لصنيع الإمام البخاري في كتابه التاريخي الكبير فقال: "وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري، تبين له قطعاً أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة" (٢) . وبين ابن رجب أن هذا ليس منهجاً للبخاري فحسب بل هو منهج غيره من الأئمة النقاد فقال: "وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في اكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد فدل على أن مرادهم زيادة في تلك المواضع الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ" (٣) . فالحافظ رد على الخطيب ومن تبعه رداً مجملاً مبيناً أن قبول زيادة الوصل إنما هو لقرائن خاصة في مواضع خاصة ولم يفصل في ذكر تلك القرائن في هذا الحديث. وقد رد أيضاً على الخطيب ومن تبعه كابن الصلاح، الحافظ ابن حجر –﵀ فقال:

стр. 263

"لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم عليه بالاتصال لمعان أخرى رجحت عناه حكم الوصل" (١) . ثم ذكر هذه القرائن فقال: "منها: أن يونس ابن أبي إسحاق (٢) وابنيه إسرائيل (٣) وعيسى (٤) رووه عن ابن إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره. ووافقهم على ذلك أبو عوانة (٥) وشريك النخعي (٦) وزهير بن

стр. 264

معاوية (١) وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، فقد رواه الترمذي فقال: حديث محمود بن غيلان، ثنا أبو داود ثنا شعبة قال: سمعت سفيان يسأل أبا إسحاق سمعت أبا بردة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" فقال: نعم (٢) . فشعبة وسفيان إنما أخذاه معاً في مجلس واحد، كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجلس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً في مجلس واحد. هذا إذا قلنا حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي ﵁ يقال: "العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد". فبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل لما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه للإرسال في مواضع أخرى (٣) . ثم ذكر حديثاً قال فيه البخاري: الصواب قول مالك مع إرساله، ثم قال عقبه: "فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوب المتصل هناك لقرينة ظهرت له فيه، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك والله أعلم" (٤) . وممن صحح الوصل ي هذا الحديث الترمذي – ﵀ – في جامعه وعلله، وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم.

стр. 265

وأسند الحاكم من طريق علي ابن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل (١) وقال الحافظ، بعد أن ذكر كلام الترمذي على هذا الحديث: "ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كوه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل على غيره" (٢) . سبق أن ذكرت أن الإمام الترمذي قد صحح وسل هذا الحديث في جامعة وعلله الكبير معتمداً على القرائن السابقة التي فصلها الحافظ – ﵀ – لكن محقق العلل الكبير تحامل على الترمذي ومن وافقه من الأئمة في تصحيح الطريق الموصولة على المرسلة ورماهم بالتعصب المذهبي واتباع الهوى قال: "قد حاول كثيرون تصحيح هذا الحديث ووصله وسلكوا في ذلك كل مسلك لحاجة في أنفسهم أساسها التعصب المذهبي والعياذ بالله" (٣) . وقال أيضاً: "ما صحح هذا الحديث أحد إلا لهوى في نفسه والعياذ بالله" (٤) . وما حجته في ذلك إلا مجرد أن هؤلاء الذين خالفوا شعبة وسفيان فيهم بعض الضعف واللين، وأما الثقات منهم فقد رووا عن أبي إسحاق لما تغير، وأن إسرائيل ومن تابعه على وصل الحديث ولو كان معهم أمثالهم لا يقفون بجانب شعبة وحده، فكيف ومعه سفيان الثوري. هذه هي حجته، ويا ليته كف لسانه عن الخوض في أعراض هؤلاء الأئمة والطعن في نياتهم، ورواءه الطعن في علمهم ومنهجهم.

стр. 266

أقول: إن الترمذي ومن معه من الأئمة الأعلام كالبخاري والحاكم وابن المديني والذهلي وغيرهم ممن صحح وصل هذا الحديث قد علموا أن شعبة والثوري أحفظ من هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، وهذا قد صرح به الترمذي نفسه في جامعه (١) لكن شريك وإسرائيل هما من اثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري (٢) . فهؤلاء الحفاظ النقاد الذين لا شك في صدقهم وأمانتهم على الدين، لما صحوا هذا الحديث لم يكن بناء على ظاهر الإسناد وأحوال الرواة لأن الثقة قد يخطئ كما أن الضعيف قد يصيب فكيف لو كانوا عشرة أو أكثر فيهم الثقات والضعفاء وسمعوا في مجالس متعددة وأوقات مختلفة. نعم منهم من روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاط والتغير ولكن اتفاقهم على وصل هذا الحديث مع كثرة عددهم وأخذهم في أوقات ومجالس متعددة مما يدل على أن أبا إسحاق كان يروي هذا الحديث موصولاً، ويمكن أن يكون أرسله أحياناً فسمعه منه شعبة وسفيان فروياه كما سمعاه، فيكون الحكم لمن أوصله، وهو العلم والعدل، وليس هو التعصب والهوى. ثم قال: "وقد أراح البخاري ومسلم نفسيهما وأراحا الناس بعدم ذكر مثل هذا الحديث في كتابيهما" (٣) . نعم لم يذكر البخاري هذا الحديث في كتابه مسنداً ولكن ترجم لما يدل عليه صراحة فقال في كتاب النكاح: "باب من قال لا نكاح إلا بولي" وذكر فيه آيات وأحاديث تدل على اشتراط الولي في النكاح، قال الحافظ – ﵀ – في شرحه لهذه الترجمة: "استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة ليس على شرطه" (٤) .

стр. 267

والظاهر أن المعلق لم يدرك أن النقاد إذا حكموا بترجيح الموصول على المرسل أو العكس، فإن ذلك لا يقتضي صحة الحديث في نفس الأمر، وإنما هو حكم بما هو الصواب المطابق للواقع، أي كيف حدث هذا الراوي المختلف عليه في الحديث، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك قوة أو ضعفاً متوقف على النظر في كل شروط الصحة الأخرى. ولعل البخاري لم يخرج هذا الحديث مسنداً، لضعف بعض رواته، أو لوجوه الاختلاف فيه، وإخراج ما هو مجمع على صحته أولى، إذا كان في نفس معناه، كما هو الحال في هذه المسالة فقد أورد فيها الإمام البخاري ثلاث آيات وأربعة أحاديث صحيحة. وعلى العموم حديث " لا نكاح إلا بولي " أقل أحواله أن يكون حسناً مرفوعاً إلى النبي ﷺ لكثرة شواهده وقد أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس" (١) والجمهور على العمل به ومنهم سفيان الثوري ﵀ ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة – ﵀. أمثلة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الإرسال على الوصل: ذكرت في الأمثلة السابقة أحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوصل على الإرسال وقد نقلت من أقوال الحافظ المتأخرين ما يدل على أن هذا ليس عملاً مطرداً للإمام البخاري، وادعم تلك النقول بهذين المثالين مما رجح فيه البخاري الإرسال على الوصل بالرغم من أن الواصل ثقة. المثال الأول: ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن

стр. 268

أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة ﵂ قالت: أن النبي ﷺ قال: "إن شئت سبعت لك" (١) . ورواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أبيه، أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: "ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت" فقالت: ثلث (٢) . فالخلاف بين مالك والثوري، فالثوري أوصله، ومالك أرسله، والثوري ثقة إمام حافظ ومع ذلك قال الإمام البخاري في تاريخه: "الصواب قول مالك مع إرساله" (٣) . ويظهر أن الثوري سلك فيه الجادة، والله أعلم. المثال الثاني: حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ : "قضى باليمين مع الشاهد" فهذا الحديث اختلف فيه على جعفر بن محمد. قال عبد الوهاب الثقفي: عن جعفر عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ : "قضى باليمين مع الشاهد" (٤) وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٥) .

стр. 269

وقال يحيى بن سليم وعبد العزيز بن سلمة، رواية شبابة بن سوار عنه، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ "قضى باليمين والشاهد" (١) . قال الترمذي – ﵀: " سألت محمداً عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: أصحه حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ ومرسلاً" (٢) . وقد تبع الإمام الترمذي البخاري في هذا الحكم، فقد قال في جامعه بعد روايته هذا الحديث وذكر الاختلاف فيه "حدثنا علي بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد الواحد، قال: وقضى بها على فيكم، وهذا أصح، وهكذا روى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً" (٣) . وقد وافقهم على ترجيح الإرسال في هذا الحديث الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان –رحمهما الله تعالى- قال ابن أبي حاتم: "وسألتهما عن حديث رواه عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين، فقالا: أخطأ عبد الوهاب في هذا الحديث، إنما هو عن جعفر عن أبيه، أن النبي ﷺ : مرسلاً" (٤) . فلماذا رجح البخاري وغيره من الأئمة الإرسال في هذا الحديث بالرغم من أن الذي وصله ثقة فإن عبد الوهاب الثقفي الذي وصله ثقة روى له البخاري وسائر الجماعة (٥) .

стр. 270

وقد تابعه على الوصل جماعة هم: السري بن عبد الله السلمي، وعبد النور بن عبد الله بن سنان، وحميد بن الأسود، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم (١) . وقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث عن عبد الوهاب الثقفي، وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٢) ولم يصح هنا أن تقبل زيادة عبد الوهاب الثقفي ومن تابعه في وصل هذا الحديث، لأنهم خالفوا من هو أوثق وأثبت منهم في هذا. وهم: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، والدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، فكل هؤلاء رووه مرسلاً (٣) . تنبيه: لقد خالف بعض الأئمة النقاد في هذا الحكم ورجحوا الرواية المتصلة على المرسلة فمن هؤلاء الدارقطني – ﵀ – فقد قال بعد روايته طريق الثقفي ومن تابعه: "والحكم يوجب أن يكون القول قولهم، لأنهم زادوا وهم ثقات وزيادة الثقة مقبولة" (٤) . وقال الشافعي والبيهقي: "عبد الوهاب وصله وهو ثقة" (٥) . ولقد صحح حديث جابر الموصول أبو عوانة وابن خزيمة أيضاً (٦) . وليس المقام هنا مقام مناقشة هؤلاء الأئمة فيها ذهبوا إليه، وإنما القصد بيان أنه ليس لإمام البخاري طريقة مطردة في ترجيح الوصل على الإرسال أو العكس، وإنما الأمر تابع للقرائن دون مجرد الاكتفاء بالنظر في ظاهر الإسناد وأحوال الرجال.

стр. 271

وإن كنت أميل إلى ما رجحه البخاري والترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة بتصويب الحكم بالإرسال ي هذا الحديث على الوصل، للقرائن السابقة والكل مأجور على اجتهاده، والله أعلم. المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقف قد يختلف الرواة فيما بينهم فيرفع أحدهم حديثاً ويقفه الآخر أو العكس. وقد سبق في كلام الأئمة ما يفيد أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي مطرد من تقديم الرفع على الوقف على اعتبار أن الرفع زيادة من الثقة فتقبل كما ذهب إليه كثير من المتأخرين، وإنما الأمر دائر مع القرائن والمرجحات فتارة يرجع الوقف وتارة يرجح الرفع، وهذه أمثلة من صنيع الإمام البخاري توضح هذا الأمر. أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الرفع على الوقف: المثال الأول: قال الإمام البخاري "حدثنا أحمد بن يونس حديثنا ابن أبي ذنب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وتكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة". وقال محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حمران حدثنا عبد الحميد بن جعفر بن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة قوله" (١) . وقد ذكر الإمام الدارقطني ﵀ هذا الحديث في كتابه "التتبع" فقال:

стр. 272

"وأخرج البخاري حديث ابن أبي ذنب عن سعيد عن أبي هريرة: "سترحصون على الإمارة وتكون خزي وندامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة". وقد رواه عبد الحميد بن جعفر بن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفاً غير مرفوع" (١) . فالدارقطني – ﵀ – ذكر الخلاف الذي ذكره البخاري ولم يحكم بشيء. والخلاف هنا بين ابن أبي ذنب (٢) وعبد الحميد بن جعفر (٣) فقد اختلفا عن شيخهما سعيد المقبري قابن أبي ذنب يرفع الحديث إلى النبي ﷺ وعبد الحميد زاد فيه رجلاً ووقفه على أبي هريرة. والإمام البخاري رجح هنا رواية ابن أبي ذنب على رواية عبد الحميد بن جعفر لأنه روى الأولى مسندة تامة، ثم عقبها بالرواية الثانية. قال الحافظ – ﵀: "وابن أبي ذئب أتقن من عبد الحميد وأعرف بحديث المقبري منه، فروايته هي المعتمدة، وعقبه البخاري بطريق عبد الحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين" (٤) . فالترجيح هنا رواية ابن أبي ذنب باعتبار أنه أتقن واثبت وأعرف بحديث المقبري من عبد الحميد بن جعفر.

стр. 273

قال ابن معين: "أثبت الناس في سعيد ابن أبي ذئب" (١) . وقال ابن المديني: "الليث وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري" (٢) . وقد مال الحافظ إلى أن البخاري يشير إلى إمكان تصحيح الروايتين معاً، وذكر لذلك أوجهاً كلها مبنية على مجرد الاحتمال والتجويز العقلي. قال – ﵀: "فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفاً، على ما رواه عبد الحميد، وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعاً، إذ وجدت عند كل من الروايتين عن سعيد زيادة، ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لأن الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف" (٣) . إن احتمال وجود هذا الحديث عن سعيد مرفوعاً وموقوفاً احتمال ضعيف، لأن مبنى هذا الاحتمال على رواية هذا عبد الحميد وهي مخالفة لرواية من هو أثبت وأتقن وأعرف منه بحديث سعيد، فتكون روايته خاطئة وشاذة، ومما يقوي الخطأ في روايته أنه زاد فيها رجلاً لم يذكره ابن أبي ذنب. وقول الحافظ " إذا وحدت عند كل من الروايتين زيادة" لا يبرر قبول زيادة عبد الحميد في الإسناد رجلاً، والواقع أن ابن أبي ذئب حدث كما سمع ولم يزد شيئاً وإنما عبد الحميد هو الذي زاد ونقص. وعلى التسليم بقبول زيادة ابن أبي ذنب الرفع في هذا الحديث، لا يبرر قبول زيادة عبد الحميد رجلاً في الإسناد، لأنه ليس عنده من الوثاقة والحفظ ما يرشحه لقبول زيادته، وخاصة وقد خالف فيها من هو أثبت منه وأحفظ.

стр. 274

وقول الحافظ: "ورواية الرفع لا تعارض رواية الوقف". كلا بل الوقف يعارض الرفع، لأن الوقف معناه أن الحديث من قول الصحابي، والرفع معناه من قول النبي ﷺ فكيف يكون الحديث الواحد بالإسناد الواحد قولاً للصحابي وقولاً للرسول ﷺ في آن واحد. ثم قال الحافظ: "لأن الراوي قد ينشط فيسند، وقد لا ينشط فيقف". ليس هذا فحسب بل هناك أسباب أخرى منها: - أن الراوي قد يخطئ ويهم، فيرفع ما يقفه غيره، أو يقف ما يرفعه غيره. - ومنها أن الراوي قد يشك فيقف الحديث وهذا دأب كثير من الثقات فإنهم إذا شكوا في الحديث وقفوا أو أرسلوه، والظاهر هنا في هذا الحديث أن عبد الحميد أخطأ في وقفه، والله تعالى أعلم. المثال الثاني: قال البخاري – ﵀: " حدثنا مطر بن الفضل حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بريدة واصطحب هو يزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بريدة: سمعت أبا موسى مراراً يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذ مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" (١) . وقد ذكر الحافظ الدارقطني هذا الحديث في "التتبع" وبين الاختلاف في رفعه ووقفه فقال: "وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بريدة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "إذا

стр. 275

مرض العبد أو سافر كتب له مثل يعمل صحيحاً مقيماً" لم يسنده غير العوام، وخالفه مسعر: رواه عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ﷺ (١) . وقد أجاب الحافظ عن انتقاد الدارقطني وبين القرائن التي من أجلها رجح البخاري رواية العوام المسندة المرفوعة على رواية مسعر الموقوفة فقال: "مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلا أن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإن فيه اصطحب يزيد بن أبي كبشة، وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: أفطر فإني سمعت أبا موسى مراراً فذكره. وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دل على أن رواية حفظه، والله أعلم" (٢) . فالقرائن المعتمدة في ترجيح الرفع هي ما يلي: ١- إن هذا الحديث ليس من بل الرأي فيعطي حكم الرفع ز ٢- في الحديث قصة تدل على أن العوام حفظ الرفع في هذا الحديث. فالترجيح لم يكن لمجرد أحوال الرجال لأن مسعراً (٣) أحفظ من العوام (٤) فلو كان الترجيح لمجرد حال الإسناد لكان الحكم لرواية مسعر لكن لوجود هذه القرائن رجحت رواية العوام وإن كان دون مسعر في الحفظ.

стр. 276

أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الوقف على الرفع: هناك أمثلة كثيرة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوقف على الرفع، لقرائن معتبرة منها الأحفظية أو كثرة العدد أو غيرها، وفيما يلي مثالين على ذلك: المثال الأول: ما رواه أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" (١) . قال الترمذي في علله الكبير: " سألت محمد عن هذا الحديث فقال: رواه إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً" (٢) . وقال الترمذي في جامعة: " وحديث أبي حصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ غريب" (٣) . فهذا الحديث اختلف فيه أبو بكر بن عياش (٤) مع إسرائيل (٥) فالأول رفعه إلى النبي ﷺ والثاني وقفه على أبي هريرة.

стр. 277

وقد رجح البخاري – ﵀ – رواية إسرائيل الموقوفة، على رواية أبي بكر بن عياش المرفوعة مما يخشى أن يكون أبو بكر بن عياش وهم فيه لأنه لما كبر ساء حفظه. المثال الثاني: ما رواه إبراهيم بن سعيد، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم (١) . قال الترمذي – ﵀: " سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: حديث إسحاق الأزرق، عن سفيان هو خطأ" (٢) . وهذا يبين أنا الإمام الترمذي حكم على الرواية المرفوعة بالوهم. ثم قال الترمذي: "وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفاً أصح، هكذا روى قتادة وغير واحد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله. حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا ابن علية، عن حميد (وهو الطويل) عن أبي المتوكل عن أبي سعيد مثله ولم يرفعه" (٣) . وقال البزار: لا نعلم أحداً رفعه إلا إسحاق (٤) عن الثوري.

стр. 278

وقال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد الخدري لا عن النبي ﷺ فهذا الحديث قد رواه قتادة (١) وحميد الطويل (٢) وغيرهما من الثقات عن أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفاً عليه. فالإمام البخاري حكم على الرواية المرفوعة بالخطأ لأنها مخالفة لرواية جامعة من الحفاظ. ولم يتفرد الإمام البخاري بهذا الحكم فقد تبعه عليه كل من الإمام الترمذي –﵀ والبزار وابن خزيمة وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين. قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه معتمر ابن سليمان عن حميد الطويل عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ كان يرخص في الحجامة والمباشرة للصائم. فقال (أبو حاتم، وأبو زراعة) : هذا خطأ إنما هو عن أبي سعيد قوله، رواه قتادة وجماعة من الحفاظ عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله. قلت: إن إسحاق الأرزق، رواه عن الثوري عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد عن النبي ﷺ . قالا: وهم إسحاق في الحديث. قلت: قد تابعة معتمر. قالا: وهم فيه أيضاً معتمر" (٣) . في الأمثلة السابقة أمكن ترجيح الرفع على الوقف أو العكس حسب القرائن والمرجحات، لكن هناك أحاديث تختلف في الرفع والوقف، فيرجح

стр. 279

بعض النقاد الوقف، بعضهم يرجع الرفع ويرجح آخرون صحة الطرفين معاً. وأضرب لذلك مثلاً من صنيع الإمام البخاري – ﵀. حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "من باع عبداً " فهذا الحديث اختلف فيه على ابن عمر. فسالم يرويه هكذا: "من باع عبداً، وله مال، فماله للمبتاع، ومن باع نخلاً مؤبراً فتمره للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (١) . بينما نافع يقول عن ابن عمر قال: "من باع عبداً، وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المباع " (٢) فقد اتفقنا – ﵄ – على رفع ما جاء في النخل أما ما جاء في العبد فقد اختلفا في رفعه ووقفه فرفعه سالم، ووقفه نافع. وقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: "سألت محمداً عن هذا الحديث وقلت له: حديث الزهري عن سالم عن أبيه، عن النبي ﷺ : "من باع عبدا " وقال نافع ابن عمر عن عمر، أيهما اصح. فقال: إن نافع يخالف سالماً في أحاديث، وهذا من تلك الأحاديث. وروى سالم عن أبيه عن النبي ﷺ وقال نافع عن ابن عمر عن عمر كأنه رأى الحديثين صحيحين، أنه يحتمل عنهما جميعاً" (٣) . فهذا النص من الإمام الترمذي يفيد إمكان صحة الحديثين جمعياً عند الإمام البخاري، لكن ذكر الترمذي في جامعه عند رواية هذا الحديث.

стр. 280

" وقال محمد بن إسماعيل البخاري، حديث الزهري، عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أصح" (١) . فهذا النص يفيد أن البخاري يرجح رواية سلالم وهو معارض للنص الأول الذي يفيد صحة الروايتين معاً. والذي يظهر لي أن الإمام البخاري كان يرى صحة طريق سالم كما يراه بعض الأئمة كما سيأتي ثم تراجع عن ذلك ورأي صحة الطريقين معاً، ومما يزيد هذا الاحتمال أن النص الذي يفيد صحة الطريقين، جاء في "العلل الكبير" ومعلوم أن الترمذي ألفه بعد جامعه، بل جرده وأفرده منه حتى إن كثيراً من العلماء يسميه بـ "العلل المفردة". أما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري في صحيحه فلا يستبعد منه أيضاً أنه يرى صحة الطريقين معاً، إذا إنه ذكر رواية سالم مسنده مرفوعة في كتاب الشرب والمساقاة (٢) ثم ذكر عقبه: وعن مالك عن نافع عن ابن عمر في العبد. وأما رواية نافع عن ابن عمر فقد أخرجها في كتاب البيوع، باب إذا باع نخلاً قد أبرت (٣) وباب بيع النخل بأصله (٤) في كتاب الشروط باب إذا باع نخلاً قد أبرت (٥) . فهذا الحديث قد اختلف فيه نظر النقاد فمنهم من رجح رواية سالم، ومنهم من رجح رواية نافع، ومنه من يرى صحة الطرفين معاً. وهو أحد الأحاديث الأربعة التي اختلفت فيها نافع مع سالم، وقفها

стр. 281

نافع ورفعها سالم (١) فمن الأئمة من رجح أحدهما على الآخر فيها ومنهم من لم يرجح أحدهما على الآخر ومن هؤلاء الإمام أحمد فقد سئل – فيما نقله عنه المروزي – إذا اختلف فلأيهما تقضي؟ قال: كلاهما ثبت، ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر (٢) ونقل عثمان الدرامي عن ابن معين نحوه (٣) . أما بالنسبة لخصوص هذا الحديث فقد رجح جماعة من العلماء رواية نافع منهم مسلم والنسائي (٤) . والإمام أحمد رجح في هذا الحديث قول نافع فيما نقله عنه المروزي (٥) . وكذلك رجح الدارقطني رواية نافع، قال – ﵀ – بعد أن ساق رواية سالم وقال نافع: " قال النسائي: سالم أجل في القلب والقول قول نافع" (٦) . ومقتضى هذا أن رواية سالم في رفع العبد وهم عندهم. وأما القرائن التي رجح بها هؤلاء النقاد رواية نافع وحكموا على سالم بالوهم، فتمثل فيما يلي: ١- إن نافعاً ميز بين المرفوع والموقوف مما يدل على حفظه. ٢- إن سالماً سلك فيه الجادة. قال الحافظ السخاوي – ﵀: "وكان سبب حكمهم عليه بذلك (أي بالوهم) كون سالم أو من دونه سلك الجادة، فإن العادة في الغالب أن

стр. 282

الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي قيل بعده عن رسول الله ﷺ فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله كان ظناً غالباً على أن ضبطه هكذا أتقن ضبطاً" (١) . وهناك من النقاد من رجح رواية سالم من هؤلاء: ابن المديني فيما حكاه الترمذي في جامعه وابن عبد البر (٢) . وكذلك صححها بعض المتأخرين كالنووي والداودي وغيرهما. قال النووي: "لم تقع هذه الزيادة في حديث نافع عن ابن عمر، ولذلك لا يضر فإن سالماً ثقة، بل هو أجل من نافع فزيادته مقبولة" (٣) . ونقل ابن التين عن الداودي: "هو وهم من نافع والصحيح ما رواه سالم مرفوعاً في العبد والثمرة" (٤) . قال ابن التين معقباً على قول الداودي: "لا أدري من أين أدخل الوهم على نافع، مع إمكان عمر أن يكون قال ذلك على جهة الفتوى مستنداً إلى ما قاله النبي ﷺ وقد سبق نقل الترمذي عن البخاري تصحيح الطريقين معاً (٥) . وعلى كل ليس القصد الخروج بحكم فاصل في هذا الحديث – وإن كنت أميل إلى إمكان تصحيح الروايتين معاً – ولكن القصد بيان أن نقاد الحديث قد تختلف أنظارهم واجتهاداتهم في ترجيح الوقف على الرفع أو العكس أو تصحيح الطريقين معاً.

стр. 283

بل قد يحصل أن الناقد الواحد يختلف اجتهاده من حين إلى آخر، كما وقع للبخاري في هذا الحديث. والنتيجة التي نستخلصها في هذا المطلب أنه ليس للإمام البخاري حكم مطرد في مسالة اختلاف الرفع والوقف فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وتارة يصحح الطرفين معاً، بحسب القرائن ظهوراً وخفاءً والله أعلم. المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي قد يختلف الرواة فيما بينهم في تسمية من روى عنه شيخهم، أو من فوقه فيكون الترجيح بينهم خاضعاً للقرائن بغض النظر عن أحوالهم. مثال ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه قال: "حدثنا عياش بن الوليد أخبرنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: "القتل القتل". وقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهري، عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة" (١) . وقد ذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في كتابه "التتبع" وأشار إلى ترجيح رواية من خالف معمراً فقال: "أخرج البخاري حديث عبد الأعلى عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يتقارب الزمان، ويلقى الشح،

стр. 284

وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" وقد تابع حماد بن زيد عبد الأعلى، وقد خالفهما عبد الرزاق فلم يذكر أبا هريرة وأرسله. ويقال إن معمراً حدث به بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا جميعاً حديث حميد أيضا" (١) . وقال الحافظ ابن حجر مبيناً قول البخاري: (وقال شعيب، ويونس والليث وابن أخي الزهري عن حميد عن أبي هريرة) . " يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمراً في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميداً لا سعيداً، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس، ومن تابعة أرجح. وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته" (٢) . فواضح مما سبق ذكره من كلام الدارقطني: أن معمراً يروي هذا الحديث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وهذا الطريق محفوظ عنه إذ رواه اثنان من أصحابه هما: حماد بن زيد، وعبد الأعلى. ويعتبر طريق عبد الرزاق المرسل وهم منه، إذ إنه خالف فيه من هم أكثر وأحفظ. أي أن معمراً كان يروي هذا الحديث مسنداً غير مرسل، والإرسال وهم يلزق بعبد الرزاق. إذن لم يكن معمر يسنده تارة ويرسله تارة، كما فهم ذلك الشيخ مقبل

стр. 285

–حفظه الله- في تعليقه على التتبع (١) وجعل هذا قرينة لتعليل رواية معمر، أي أنه اضطرب فيه فتارة كان رسله وتارة يسنده. ومن القرائن التي اعتمد عليها أيضاً لتعليل رواية معمر، وهو أن معمراً كان تارة يحدث به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وتارة يحدث به عن همام عن أبي هريرة (٢) . وهذه القرينة – فيما أرى – غير صحيحة، وذلك لأن الحديث الذي يرويه معمر عن همام عن أبي هريرة، هو حديث آخر مخالف لهذا الحديث في نصه. وهذا نصه كما في صحيح مسلم: "حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، وتكون مقتلة عظيمة دعواهما واحدة" (٣) . فهذا كما ترى حديث آخر مختلف عن الأول في متنه وسنده، فلا يصح أن نقول إن معمراً كان يرويه تارة عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة يرويه عن همام عن أبي هريرة، إذن فما هي القرائن التي تفيد ترجيح رواية شعيب ومن معه على رواية معمر؟ هذه القرائن أشار إليها الدارقطني – ﵀ – وهي: ١- إن معمراً حدث بهذا الحديث بالبصرة، وكان قد وهم في بعض أحاديثه التي حدث بها هناك، لأنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه. ٢- ومما يقوي أن الوهم من معمر أنه خالف هذا العدد من الرواة، وكلهم من الثقات وهم: شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي
следующие страницы →