وقد روى الإمام مسلم والنسائي هذا الحديث من طريق علي بن حجر السعدي عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات".
قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله فليرقه (١) .
يؤخذ من هذه الزيادة أن الماء الذي يلغ فيه الكلب نجس، وأن الغسل لتطهير الإناء لا لمجرد التعبد، ويؤخذ منه نجاسة لعاب الكلب، وهذه الأحكام الفقهية متوقفة على صحة تلك الزيادة.
قد صحح هذه الزيادة بعض الأئمة منهم:
الإمام الدارقطني، فإنه قال بعد أن ساق الحديث بسنده إلى أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله سبع مرات" صحيح: إسناده صحيح، رواته كلهم ثقات (٢) .
وقد أورده ان خزيمة في صحيحه وكذلك ابن حبان.
وقال العراقي ﵀ بعد أن نقل أقوال بعض الأئمة في تعليل زيادة "فليرقه": "قلت وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند العلماء والفقهاء والأصوليين والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحداً تكلم فيه، فلا يضره تفرده به" (٣) .
وقد صحح هذه الزيادة أيضاً الإمام الشوكاني في النيل (٤) .
стр. 352
وابن دقيق العيد في شرحه على عمدة الأحكام (١) .
ونلاحظ أن هؤلاء الأئمة اعتمدوا في تصحيح هذه الزيادة على ظاهر الإسناد فالراوي المتفرد بها ثقة فتقبل زيادته.
لكن هناك من الأئمة من أشار على عدم صحتها فمن هؤلاء:
- الإمام النسائي، قال: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه (٢) .
- وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة (٣) .
- وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا علي بن مسهر بهذا الإسناد (٤) .
وقال ابن عبد البر: "لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة" (٥) .
ويعتبر شعبة وسفيان وأبو معاوية من أثبت الناس في حديث الأعمش (٦) وهؤلاء لم يذكروا هذه اللفظة.
وعلي بن مسهر ثقة حافظ خلط في آخر عمره.
وقد ذكره الحافظ ابن رجب في أمثلة الثقات الذين ضعف حديثهم في بعض الأوقات دون بعض، وهم الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم.
وقال فيه:وعلي بن مسهر له مفاريد، ومنها في حديث: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه" وقد خرجه مسلم.
стр. 353
وذكر الأثرم أيضاً عن أحمد أنه أنكر حديثاً، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر، كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإذا روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد" (١) .
فهذه القرائن تدل على أن علي بن مسهر وهم في هذه الزيادة.
أما بالنسبة لمشروعية الإراقة، فلا يصح الاعتماد على هذه الزيادة، لكن (قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه ابن عدي مرفوعاً، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف وكذا ذكر الإراقة ماد، زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره) .
إذن الصواب أن الأمر بالإراقة موقوف على أبي هريرة، ويمكن أن يكون ابن مسهر قد أدخل الموقف في المرفوع.
أما بالنسبة للإمام البخاري فإنه ترك هذه الزيادة رغم إخراجه لأصل الحديث، مما يدل على أنها غير ثابتة عنده، وقد ترجم بما يدل على ذلك "باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد" ومن خلال ما أورده في هذا الباب من أحاديث وآثار يبين أنه يذهب إلى طهارة الكلب، وطهارة سؤره.
وفي نهاية هذا المبحث نلخص إلى النتيجة التالية:
إن زيادة الثقة ليست مقبولة دائماً عند الإمام البخاري، وليست مردودة دائماً، وإنما يكون القبول والرد بناء على القرائن.
والغالب على أكثر الزيادات التي تتعلق بها مسائل فقهية مهمة، ولم يخرجها الشيخان، مع تخريجهما لأصل الحديث، أن تكون شاذة أو منكرة.
стр. 354
الخاتمة
إن الإمام البخاري من المحدثين النقاد الذين تركوا لنا رصيداً علمياً كبيراً ومتنوعاً فينبغي أن يهتم بهذا الإنتاج، ويدرس دراسة علمية متخصصة، ولا يكفي لبحث واحد - مهما بذل فيه صاحب من جهد - أن يبرد جميع الجوانب النقدية عند هذا الإمام.
والنتيجة التي انتهيت إليها أن كل جزئية من هذا الموضوع تحتاج إلى بحث خاص، حتى تكون النتائج أدق وأعمق، ومع ذلك فقد حررت كثيراً من المسائل، وحللت كثيراً من الأمثلة والنماذج، وناقشت بعض المسلمات والآراء، مما يكون له أثر طيب - إن شاء الله - في تحريك همم الباحثين في مواصلة الطريق والتعمق أكثر.
وهذه أهم النتائج التي توصلت إليها:
١- عبقرية الإمام البخاري، ودقة الصناعة الحديثية عنده، خلاف ماهو شائع أن صحيح البخاري لا يشتمل على الدقائق الإسنادية، وأن مسلماً هو المتفرد بذلك، نعم هي موجودة وبكثرة، لكنها متفرقة وغامضة.
٢- إن الجامع الصحيح سلسلة من حلقة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف، والنقد والتمحيص.
٣- تنوع مجالات الثقافة عند الإمام البخاري، وغزارة عمله، ودقة فقه، ومتانة دينه، وسلامة عقيدته، ومما يؤهله لأن يكون أحد أئمة المسلمين.
стр. 355
٤- التأثير العلمي لصحيح البخاري في عصره وفيما بعده، وظهر هذا التأثير في إحداث حركة علمية نشيطة في النسج على منواله، أو انتقاده والاستدراك عليه، أو في شرحه والتعليق عليه.
٥- لم ألاحظ خلال بحثي هذا تبايناً في منهج النقد عند الأئمة، وهذا من خلال المقارنة بين موقف الإمام البخاري، ومواقف غيره من الأئمة في الحكم على الأحاديث تصحيحاً وتعليلاً، مما يدل دلالة واضحة على وحدة المنهج، أما الاختلافات فهي جزئية تتباين فيها أنظار النقاد في التطبيق والتفريع.
٦- وجود خلافات كبيرة وجوهرية بين النقاد من المحدثين وغيرهم من المتكلمين والأصوليين والفقهاء، حيث يغلب على هؤلاء البعد عن طريقة المحدثين، واطلاعهم على الواقع الحديثي، والاكتفاء بالأحكام العامة والنظريات المجردة.
٧- اعتبار شرط العدالة في صحة حديث الراوي، عند الإمام البخاري وسائر الأئمة، وتأثر شروطها عند كثير من المتأخرين بشروط الشهادة.
٨- هناك بعض الأمور لا تقدح في العدالة عند الإمام البخاري منها، إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، أو إذا كان الراوي يغشى السلطان، أو كان يأخذ الأجرة على التحديث، كل ذلك لا يقدح في عدالته إذا تبين صدقه وحفظه.
٩- إن الإمام البخاري لا يرى البدعة غير المكفرة جرحاً في الراوي، لذلك روى لكثير من المبتدعة في المتابعات وأحياناً في الأصول، والعبرة عنده صدقة اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد بشيء ليس عنده غيره.
١٠- إن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط؛ لأن الجهالة لا يتحقق معها وصف العدالة، التي هي شرط أساسي في صحة الحديث.
стр. 356
أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد على أحاديثهم، وإنما روى لهم أحاديث يسيرة لها طرق وشواهد كثيرة.
١١- ليس في صحيح البخاري حديث اصل من رواية من ليس له إلا راو واحد.
١٢- يروي الإمام البخاري عن الضعفاء في صحيحه لكنه ينتقي من أحاديثهم ما صح.
١٣- كثيراً من أحاديث الصحيح لا يمكن الحكم عليها بالصحة لخصوص أسانيدها ولكن يحكم عليها بالصحة بمجموع طرقها. فالتصحيح قائم على أساس تتبع الطرق والروايات.
١٤- تخريج الإمام البخاري الأحاديث الصيحة من طرق ضعيفة لأغراض إسنادية مثل العلو والشهرة وغيرها.
١٥- إن الطرق المعتبرة عند الإمام البخاري في التحمل والأداء هي: السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والمناولة والمكاتبة، أما باقي أنواع التحمل فهي من توسع من جاء بعد عصر الرواية إبقاء على سلسلة الإسناد في الأمة.
١٦- لقد شاع عند الكثير أن الإمام البخاري يشترط ثبوت اللقاء مع المعاصرة وأن الإمام مسلم يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، لكن ليس هناك ما يدل دلالة قاطعة على هذا الأمر.
١٧- عدم فهم منهج الإمام مسلم في السند المعنعن عند الكثير من الدارسين وتحميله ما لا يحتمل، ونصب خلاف موهوم بينه وبين الإمام البخاري وابن المديني وغيرهما من أئمة النقد.
١٨- اعتبار الإمام البخاري لشرط الاتصال في صحة الأحاديث. أما الأحاديث التي انتقدت من طرف بعض الأئمة وادعوا أنها منقطعة فالتحقيق أنها متصلة.
١٩- إن التدليس ليس بجرح عند الإمام البخاري، ويعرف صحة حديث المدلس بطرق كثيرة، وليس بمجرد تصريحه بالسماع فقط.
стр. 357
٢٠- وجود بعض الأحاديث المعلولة في صحيح البخاري، وهي قليلة لا تقلل من وفاء الإمام البخاري بشرطه. والكثير من تلك الأحاديث قد أشار البخاري نفسه إلى علتها بذكر الخلاف فيها.
٢١- إن أحاديث الجامع الصحيح جلها أحاديث مشهورة. وفيها نسبة قليلة من الغرائب التي كانت محل نقد واستنكار من قبل بعض النقاد، وللبخاري أدلة على صحتها وعذر في روايتها مما يدل على أن التفرد ليس دائماً سبباً في تعليل الأحاديث.
٢٢- اعتماد البخاري على التفرد والاستدلال به على العلة مع انضمام قرائن أخرى.
٢٣- إن الاختلاف بين الرواة من أهم دلائل العلة، لكن الحكم بين الرواة يحتاج إلى فحص كل القرائن، ولا يتخذ شكلاً ثابتاً.
٢٤- إن للاختصار، وللرواية بالمعنى، وللإدراج أثراً كبيراً في تغيير متن الحديث. مما يكون سبباً في تعليله في بعض الأحيان وهذا إذا خالف المتن الأصلي الحديث.
٢٥- أن الإمام البخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ولا يردها مطلقاً بل الأمر عنده دائر مع القرائن والمرجحات.
٢٦- أكثر الزيادات الفقهية التي وردت أصولها في الصحيحين شاذة أو منكرة. ومن هنا ينبغي اعتبار الصحيحين هما المعيار في التعرف على صحة الأحاديث وعللها.
هذا ما توصلت إليها فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان.
والله أسأل أن ينفعني به، وسائر المسلمين، وأن يهدينا إلى التمسك بسنة نبيه ﷺ ، وخدمتها والدفاع عنها، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.