← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 16232

منهج الإمام البخاري

أبو بكر كافي

Полный текст (357 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رواية الوليد بن مسلم وقع فيها وهم (أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئاً عن رسول الله ﷺ (١) . وهكذا يتضح لنا كيف تكون الرواية بالمعنى سبباً لوقوع الراوي في الوهم، فيكون حديثه معلولاً، لذا نرى أن الإمام البخاري تجنب رواية هذا الحديث في صحيحه. أما بالنسبة للإمام مسلم فإنه أورد هذا الحديث من طريق شعبة أولاً، مما يدل على أنه الأصح عنده ثم أورد حديث قتادة من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي. أمثلة لما لا تكون فيه الرواية بالمعنى سبباً للتعيل: هنا أحاديث رويت بالمعنى، ولم تتطرق إليها العلة، وذلك أن الرواية بالمعنى لم تغيرها عن سياقها، وهذا النوع الذي يختلف فيه الرواة، ولا يكون فيه تغيير للمعنى، وإثبات لحكم جديد، يورده الإمام البخاري في صحيحه، وفيما يلي أمثلة لذلك: المثال الأول: حديث ابن عمر – ﵁ – أنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فأمره ﷺ أن يفي بنذره، وفي رواية اعتكاف يوم، وهذه روايات هذا الحديث ي صحيح البخاري. قال البخاري: " حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله أخبرني نافع عن ابن عمر – ﵁ – أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوف بنذرك" (٢) .

стр. 317

وقال أيضاً: "حدثنا عبد الله بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام قال: أراه قال ليلة فقال له رسول الله ﷺ أوف بنذرك" (١) . وقال البخاري أيضاً: " حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبد الله أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسو الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك" (٢) . وقال أيضاً: "حدثنا أبو النعمان حدثنا محمد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره أن يفي به. ورواه معمر عن أيوب عن ابن عمر في النذر، ولم يقل (يوم) " (٣) . وحديث معمر هذا أورده البخاري في صحيحه قال: "حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر –﵁ – قال: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفائه" (٤) .

стр. 318

فقد اختلف على نافع في هذا الحديث، فعبيد الله بن عمر يقول: اعتكاف ليلة، وأيوب يقول: اعتكاف يوم في رواية حماد بن زيد عنه. أما معمر في روايته عن أيوب مجملة لم يذكر مدة الاعتكاف وهو اختصار لا يضر بأصل الحديث وكل من أيوب، وعبيد الله بن عمر من ثقات أصحاب نافع. وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب نافع فقال: "عبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب السخيتاني" (١) . فلما كان المختلفان حافظين ساق البخاري رواية كل منهما لأنه لا تعارض في المعنى بينهما. وبين الحافظ ابن حجر كيفية الجمع بين هاتين الروايتين فقال: "والتحقيق في الجمع بين هاتين الروايتين أن عمر – ﵁ – كان عليه نذر اعتكاف يوم بليلته فسال النبي ﷺ عنه فأمره بالوفاء به، فعبر بعض الرواة بيوم وأراد بليلته، وعبر بعضهم بليلته، وأراد يومها. والتعبير بكل واحد من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير من الاستعمال، فالحمل عليه أول من جعل القصة متعددة" (٢) . وقد ذهب الإمام النووي إلى أنها واقعتان: كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويوماً بمفرده، فسأل عن هذا مرة، والآخر أخرى (٣) . وقد رد هذا على النووي كل من الحافظ العلائي وابن حجر وحملا ذلك على الرواية بالمعنى (٤) ، وهو الصواب – إن شاء الله -.

стр. 319

المثال الثاني: قال البخاري: "حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر – ﵄ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (١) . هذا أحد ألفاظ الحديث التي ساقها البخاري. وساقه بلفظ آخر ونصه كما يلي: " عن نافع أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت " (٢) . هذه ألفاظ هذا الحديث في صحيح البخاري، ويلاحظ أن فيها تغايراً في الألفاظ والعبارات كما يلاحظ اختلاف في التقديم والتأخير، حيث قدم الحج على الصوم في الرواية الأولى، بينما آخر في الرواية الثانية، وقدمت الزكاة عن الحج والصوم في الرواية الثانية، بينما أخرت على الصوم وقدمت على الحج في الرواية الثانية. وأما الإمام مسلم فقد ذكر هذا الحديث من طرق مختلفة: ١- عن أبي ملك الأشجعي عن سعيد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة: على أو يوجد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج"، فقال رجال: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .

стр. 320

٢- عن سعيد بن طارق قال حدثني: سعد بن عبيدة السلمي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". ٣- وعن عاصم (هو ابن محمد بن زيد بن عبيد الله ابن عمر) عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. ٤- ثم ساقه من رواية عكرمة بن خالد، ولفظه مثل لفظ البخاري (١) . ونلاحظ أيضاً أن فيها اختلافاً في الألفاظ، واختلافاً في التقديم والتأخير بين الحج والصيام. وقد حاول الإمام النووي كعادته أن يوفق بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أي أن ابن عمر سمع الحديث من النبي ﷺ على الوجهين (٢) . وقد استبعد الحافظ هذا الحل فقال: "ولا شك ي أن مثل هذا هنا بعيد جداً، فإنه لو سمعه على الوجهين، لم ينكر على من قال أحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسياً أن النبي ﷺ قاله على الوجه الذي أنكره والظاهر القوي أن راوي هذه الطريق قدم فيها الحج على الصيام، ورواه بالمعنى فقدم وآخر ولم يبلغه نهي ابن عمر – ﵁ – عن ذلك محافظة على كيفية ما سمعه من النبي ﷺ فهذا الحمل – وهو رواية بعض الرواة لهذه الطريق على المعنى أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر – ﵁ – أو الإنكار للفظ الذي سمعه النبي ﷺ " (٣) .

стр. 321

وقال الحافظ في الفتح في شرح لحديث ابن عمر من طري حنظلة عن عكرمة: "ووقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، بتقديم الصوم على الحج، قال: فقال رجل والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعت رسول الله ﷺ . ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى، إما أنه لما يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه، ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ﷺ على الوجهين، ونسي أحدهما عند رده على الرجل. ووجه بعده أن طرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل، فتنويعه دال على أن روى بالمعنى. ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد - والله أعلم- (١) . وفي ختام هذا المطلب نخلص إلى ما يلي: إن الرواية بالمعنى تكون سببا لتعليل الحديث إذا غيرت معناه كليا عن المعنى الأصلي ولا تكون سببا للتعليل إذا لم تخرج عن المعنى الأصلي، وذلك بتغير الألفاظ بمرادفتها، أو التعبير عن اللفظ بما يتجوز عنه به، أو بالتقديم والتأخير، ونحو ذلك.

стр. 322

المطلب الثالث: الإدراج وأثره في التعليل قبل بيان أثر الإدراج في تعليل الأحاديث، نتحدث عن تعريفه لغة واصطلاحاً، ثم دوافعه، ثم نتطرق إلى كيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه. تعريف الإدراج لغة: الإدراج: لف الشيء بالشيء، والدرج لف الشيء، يقال: درجته، وأدرجته، والرباعي أفصحها، ودرج الشيء في الشيء درجاً، وأدرجه: طواه وأدخله (١) . تعريفه اصطلاحاً: " هو أن يدخل في كلام رسول الله ﷺ شيئاً من كلام بعض الرواة فيتوهم من سمع الحديث أن هذا كلام رسول الله ﷺ " (٢) . دوافع الإدراج: الذي يحمل الرواة على الإدراج أمور كثيرة من أهمها (٣) : ١- بيان حكم شرعي. ٢- استنباط حكم شرعي. ٣- شرح لفظ غريب في الحديث. ويعرف الإدراج بأمور (٤) منها:

стр. 323

١- أن يستحيل إضافة ذلك النبي ﷺ . ٢- أن يصرح الصحابي أنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ . ٣- أن يصرح بعض الرواة بفصل المدرج عن المتن المرفوع، بإضافة اللفظ المدرج إلى قائله. فالإدراج إذن سبب لغير سياق الحديث سواء في سنده أو متنه، ويكون سبباً للاختلاف بين الرواة، فبعض الرواة يميز الحديث المرفوع عما فيه من إدراج، والبعض يتوهم أن الألفاظ المدرجة من متن الحديث فيرويه كذلك دون تمييز، فيكون لذلك حديثه معلولاً. كيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه: إن الأحاديث المدرجة نوع من أنواع الأحاديث المعلولة، وبما أن الإمام البخاري قصد من "كتابه" جمع الأحاديث الصحيحة السليمة من العلل على اختلاف أنواعها وأجناسها، فهو من هذا المنطلق يستبعد الأحاديث المعلولة، ومن ذلك الأحاديث المدرجة، ومع ذلك نجد الإمام البخاري يخرج في صحيحه الأحاديث التي وقع فيها الإدراج بكيفيات مختلفة نحصرها فيما يلي: ١- تخريج الحديث المرفوع دون ما وقع فيه من إدراج. ٢- تخريج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج. ٣- تخريج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه إذا كان خفياً. ونضرب أمثلة لكل حالة من الحالات من صحيح البخاري. تخريج الحديث المرفوع دون ما فيه من إدراج: هذا هو الأصل عند الإمام البخاري ﵀ في صحيحه هو تخريج الأحاديث الصحيحة دون ما فيها من أوهام سواء أكانت تلك الأوهام

стр. 324

في الأسانيد أم في المتون، وسواء أكان الوهم بسب الإدراج أم الاختصار، أم الرواية بالمعنى، أم غير ذلك من الأسباب، هنا بأحاديث وقع فيها إدراج، أخرج البخاري الحديث المرفوع منها فقط دون المدرج. المثال الأول: حديث أبو مسعود أن النبي ﷺ أخذ بيده يعلمه التشهد: "التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد، محمد عبده ورسوله" (١) . فهذا الحديث يرويه البخاري وبقية الستة هكذا. وأخرجه الدرامي وفي آخره " فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" (٢) . فهذه الزيادة ليست من المرفوع، بين ذلك شبابة بن سوار فيما أخرجه الدارقطني وغيره وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فيما أخرجه أبو يعلى والطبراني في الأوسط (٣) .

стр. 325

المثال الثاني: حديث عثمان – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (١) . هكذا رواه البخاري ومسلم، ورواه الخطيب وزاد في آخره (وفضل القرآن على سائر الكلام تفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه) . فالمرفوع منه إلى قوله " وعلمه " وأما قوله "وفضل القرآن إلى آخره" مدرج من كلام أبي عبد الرحمن السلمي، ميزه جماعة من الرواة منهم: ابن راهويه، وأبو مسعود، وأحمد بن الفرات الرازي، ويحيى بن أبي طالب (٢) . المثال الثالث: حديث أبي جحيفة – ﵁ – قال: "رأيت النبي ﷺ وكان الحسن يشبهه" (٣) . هكذا روى البخاري ومسلم وغيرهما هذا الحديث. ورواه الخطيب وزاد في آخره وأتى بثوب من النصاب مكتوب عليه صورة شيطان فرمى به وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقصة الثوب مدرجة لأن أبا جحيفة هو الذي أتى بالثوب، فقد رواها عنه مفردة إبراهيم بن حميد الرواسي (٤) .

стр. 326

وقد يخرج البخاري أحياناً ببعض الأحاديث التي وقع فيها الإدراج من طريق يميز فيها رواتها المرفوع من المدرج. ولذلك أمثلة نذكر منها ما يلي: المثال الأول: حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات وهو لا يشرك بالله دخل الجنة" (١) . هذا الحديث وهم فيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي (٢) والمرفوع منه الجملة الأولى فقط، والثانية موقوفة. كذا ميزه جماعة من الرواة منهم الأعمش أخرجه الشيخان والنسائي (٣) . فهذا الحديث رواه البخاري من طريق الأعمش عن ابن مسعود – ﵁ – قال رسول الله ﷺ : "من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار" وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة" (٤) . المثال الثاني: حديث ابن عباس إن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فأفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ . أخرجه الشيخان. وقوله فكانوا يأخذون بالأحدث ليس من قول ابن عباس، بل هو

стр. 327

مدرج من قول الزهري بينه معمر فيما أخرجه البخاري (١) وابن إسحاق فيما أخرجه أحمد، ورواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة فقال: لا أدري هل هو من قول ابن عباس أو من قوله عبد الله أو من قول الزهري (٢) . المثال الثالث: حديث ابن عمر: إن رسول الله نهى عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه قال الخطيب: الاستثناء بالاستئذان من قول ابن عمر لا مرفوع، بينه آدم بن أبي إياس عن شعبة أخرجه البخاري (٣) وتابع آدم على فصل الوقوف من المرفوع شبابة بن سوار عن شعبة أخرجه الخطيب وعاصم بن علي عن شعبة، أخرجه الطيب، وقد فصله أيضاً عن شعبة سعيد بن عامر الضبعي (٤) . والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا فأكثرهم رواه عنه مدرجاً، وطائفة منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشبابة فصل عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر. وقد رجح الحافظ أنه لا إدراج في هذا الحديث واستدل لذلك بأن البخاري اعتمد هذه الزيادة وترجم عليها في كتاب المظالم (٥) ، وفي الشركة، ولا يلزم من كون ابن عمر ذكر الإذن مرة غير مرفوع، أن لا يكون مستنده فيه الرفع (٦) . وقد يخرج البخاري الأحاديث التي وقع فيها الإدراج ولا يبينه إذا كان

стр. 328

واضحاً، أو يشير إليه ويصرح به إذا كان خفياً. وفيما يلي أمثلة على ذلك: المثال الأول: حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي " وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد " (١) . فتفسير التحنث ليس من قول عائشة وإنما هو مدرج من كلام الزهري (٢) ولم يصرح البخاري بذلك لوضوح الإدراج فيه. المثال الثاني: حدث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة: وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه. ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه (٣) . فتفسير المنابذة والملامسة من قول الصحابي (٤) . المثال الثالث: حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء التمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً (٥) . وتفسير المزابنة من كلام الصحابي (٦) .

стр. 329

هذه أمثلة لأحاديث كثيرة (١) وقع فيها الإدراج ورواها البخاري في صحيحه دون بيان له لوضوحه وأكثر هذه الأحاديث مما وقع فيه الإدراج لتفسير كلمات غريبة في المتن من الصحابي، أو ممن دونه وأحياناً يبين الإمام البخاري الإدراج – وهو أمر قليل جداً – فمن ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه قال: " حدثنا عبد الله بن الصباح حديثنا المعتمر، قال: سمعت عوفاً قال: حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب روؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. وما كان من النبوة، فإنه لا يكذب" قال محمد: وأنا أقول هذه. قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى الله. فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل، قال: وروى قتادة ويونس وهشام، وأبو هلال عن أبي سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأدرجه بعضهم كله في الحديث عوف أبين. وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ في القيد (٢) . فقد أشار البخاري إلى الاختلاف الواقع في هذا الحديث من أصحاب ابن سيرين. فقتادة ويونس بن عبيد وهشام بن حسان، وأبو هلال محمد بن سلم الراسبي رووا أصل الحديث ومنهم من رواه منهم من اقتصر على بعضه. وهشام في روايته عن أدرج الموقوف في المرفوع. وأما عوف الأعرابي فقد ميز في رواته الموقف عن المرفوع (٣) .

стр. 330

المبحث الرابع: زيادات الثقات وموقف البخاري منها المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة. المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري. المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند الإمام البخاري. تمهيد: إن من أهم المسائل التي لها علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث مسألة "زيادة الثقات"، وفي واقع الأمر أن هذه المسألة هي فرع عن مسألة المخالفة، لأن الراوي، إذا خالف غيره، فتارة ينقص عليهم، وتارة يزيد في السند أو في المتن. وقد اعتنى المحدثون والفقهاء بزيادات الثقات اعتناءً بالغاً، فجمعوا الطرق، وفتشوا الأسانيد والروايات. ليتمكنوا من الوقوف على تلك الزيادات لما لها من آثار مهمة في الفقه والحديث. ولأهمية المسألة أفردتها بمبحث خاص حتى أساهم في الإجابة على إشكال كبير طالما يواجهه المشتغلون بالحديث والتخريج، فكثيراً ما يجدون في الأحاديث المروية أصولها في الصحيحين زيادات من طرف رواة ثقات ويترت على هذه الزيادات مسائل فقهية مهمة. لكن يفاجؤون لعدم ورودها في الصحيحين، رغم صحة أسانيدها، وأهمية متونها. فيقعون في الحيرة والتذبذب، فمنهم من يبادر إلى

стр. 331

قبولها بناء على صحة ظاهر الإسناد، وحال الراوي الذي انفرد بتلك الزيادة مدعمين موقفهم هذا بأن الشيخين لم يقصدا استيعاب كل الأحاديث الصحية. ومنهم من يردها ويرتاب في صحتها على أساس عدم ورودها في أصول دواوين الإسلام. ومنهم من يتلون فيقبلها تارة إذا وافقت مذهبه ومشربه ويردها إذا خالفت هواه. ويجد كل واحد من هؤلاء في كتب الحديث ومصطلحه ما يدعم به موقفه من الآراء المختلفة المنقولة عن العلماء. وأصبحت القواعد المقررة في علوم الحديث لا تكفي لرفع الخلاف لأن (القواعد المقررة في مصطلح الحديث، منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقاً واضحاً. وكثيراً ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيراً، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية) (١) . فمن الصعوبة بمكان الوقوف على قواعد المحدثين في مسألة ما من هذا العلم دون النظر في كتبهم المصنفة في الصحيح والعلل، ودراسة ذلك دراسة متأنية ومتبصرة من غير مقررات مذهبية سابقة تحول دون الوصول إلى تقرير الحق. وقد أرشد إلى هذا الإمام الحاكم النيسابوري إذ يقول: " إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط. وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل العلم والمعرفة. ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم. لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته" (٢) . ففي هذه الفقرة من الفوائد العلمية ما يكشف بعض الجوانب عن منهج الأئمة النقاد ونذكر منها ما يلي:

стр. 332

١- ليس اعتماد المحدثين في تصحيح الأحاديث على ظاهر الأسانيد فقط، بل يضاف إليه النظر فيما يمكن أن يدخل الحديث من أوهام وأخطاء. ٢- إدراك العلل والأوهام في الأحاديث يحتاج إلى سعة الحفظ والاطلاع على مختلف الطرق والروايات للحديث الواحد، مع سلامة الفهم، وحسن القصد. ٣- الاهتمام البالغ بالصحيحين من قبل الأئمة، واعتبارها المعيار الذي تحاكم إليه الأحاديث الأخرى. ٤- لا يفهم من كلام الحاكم أن الأحاديث التي لم تخرج في الصحيحين كلها معلولة، وإنما المراد بذلك الطرق التي تشتمل على زيادات أو تفردات وكان ظاهر إسنادها صحيح. وهذا الفهم ضروري إذ لو كان المتبادر أن الأحاديث التي خارج الصحيحين كلها سقيمة ومعلولة، ما ساغ للحاكم نفسه أن يصنف "المستدرك على الصحيحين" ولما ساغ أيضاً لمن جاء بعده كابن حبان، وابن خزيمة، وابن السكن وغيرهم أن يسموا كتبهم بالصحيح. ومن هنا يمكن القول بأن مراده تلك الطرق والزيادات التي يتركها الشيخان، مع معرفتهما بها وحاجتهما إليها. إذ غالباً ما يتعلق بها فقه عظيم، مع صحة سندها وتخريجهما لأصل الحديث دون تلك الزيادات. فما هي مبررات هذا الترك؟ وهل دائماً الزيادة التي ينفرد بها الثقة مرفوضة؟ وما هي معايير الرفض والقبول؟ هذا ما سأحاول بمشيئة الله - توضيحيه في هذا المبحث من خلال نماذج مدروسة من صحيح البخاري. وقبل الإجابة على هذه الأسئلة يحسن بنا أن نذكر بمذاهب العلماء والطوائف حول "زيادة الثقة".

стр. 333

المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة لقد اختلفت أنظار العلماء وتباينت مواقفهم كثيراً، من زيادات الثقات. واختلطت فيها أقوال المحدثين بأقوال الأصوليين وعلماء الكلام، ونعرض في هذا المطلب لبيان تلك الآراء - على سبيل الاختصار - دون التعرض لذكر الأدلة ومناقشتها. وبما أن الزيادات قد تكون في الأسانيد كما تكون في المتون. فأقدم الحديث على زيادات الأسانيد وموقف العلماء منها ثم زيادات المتون. القسم الأول: الزيادة في السند: تتمثل في اختلاف الوصل والإرسال والرفع والوقف أو زيادة راو في الإسناد وحذفه. وقد اختلف العلماء في هذا النوع على أربعة أقوال: القول الأول: ترجيح الوصل على الإرسال، والرفع على الوقف: وإلى هذا الرأي ذهب كثير من الأئمة المتأخرين. قال الخطيب البغدادي: "وهذا القول هو الصحيح عندما لأن إرسال الحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضي على الذاكر وكذا حال راوي الخبر إذا أرسله مرة، ووصله أخرى؛ لا يضعف ذلك إيصاله لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعد فيسنده، أو يفعل الأمرين معاً عن قصد منه لغرض له فيه" (١) . وقال ابن الصلاح: "وما صححه - أي الخطيب - هو الصحيح في الفقه والأصول" (٢) .

стр. 334

وقال الإمام النووي: "الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه روي الحديث مرفوعاً وموقوفاً، أو موصولاً ومرسلاً حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد" (١) . القول الثاني: ترجيح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع: وقد حكاه الخطيب البغدادي عن أكثر أصحاب الحديث. بالنسبة لترجيح الإرسال على الوصل (٢) ، وأما ترجيح الوقف على الرفع فهو مثله فيأخذ حكمه. القول الثالث: الحكم للأكثر: فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله فالحكم للإرسال. وإن كان من وصله أكثر ممن أرسله فالحكم للوصل، وكذا الرفع والوقف. لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد، وقد حكى هذا القول الحاكم النيسابوري في "المدخل" عن أئمة الحديث (٣) . القول الرابع: إن المعتبر ما قاله الأحفظ من وصل أو إرسال. فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله، فالحكم لمن أرسله. وإن كان من وصل أحفظ، فالحكم له (٤) . وهذه الأقوال كلها نظرية فقط. وقد سبق أن نقلت في "مبحث المخالفة" أقوال بعض الحفاظ المتأخرين التي تبين أن منهج المحدثين على خلاف هذه الأقوال وبينت بالأمثلة المدروسة أن الترجيح خاضع للقرائن.

стр. 335

القسم الثاني: الزيادة في المتن: الخلاف في هذا النوع من الزيادة أكثر من النوع الأول. ولقد نقلت فيه أقوال كثيرة هذه أهمها: القول الأول: ذهب الجمهور من الفقهاء وبعض المحدثين كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين منهم الغزالي في "المستصفى" وجرى عليه النووي في مصنفاته إلى أن زيادة الثقة مقبولة مطلقاً (١) ". القول الثاني: أنها لا تقبل مطلقاً، لا ممن رواه ناقصاً ولا من غيره. حكاه الخطيب في "الكفاية" عن قوم، المحدثين (٢) ، وابن الصباغ في "العدة" (٣) . القول الثالث: قبول الزيادة إذا كان الراوي لها غير الذي روى الحديث بدونها، فأما إن كان راوي الحديث بدون الزيادة هو راويه مع الزيادة فإن هذه الزيادة لا تقبل وإلى هذا القول ذهبت فرقة من الشافعية (٤) . القول الرابع: إن غيرت الإعراب لم تقبل، وإن لم تغير الإعراب. وكان عدد من مرات ذكر الزيادة أكثر من الإمساك عنها قبلت. وإن كان العكس ردت وإن تساويا قبلت أيضاً. وقد ذهب إلى هذا فخر الدين الرازي (٥) .

стр. 336

القول الخامس: إن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها. فإن هذه الزيادة لا تقبل، سواء أبلغ الرواة للحديث بدونها حد التواتر أم لم يبلغوه، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد قبلت. وإليه ذهب ابن الصباغ (١) والآمدي (٢) وابن الحاجب (٣) والسمعاني (٤) . القول السادس: تقبل الزيادة إذا سكت الباقون ممن لم يروها عن نفيها، أما إذا صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله، فهذا يعارض قول المثبت ويوهنه. وإليه ذهب إمام الحرمين الجويني (٥) . القول السابع: إن الزيادة تقبل إذا أفادت حكما شرعياً، وإلا فلا تقبل. ذكر الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (٦) . القول الثامن: وجوب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى.

стр. 337

وهذا القول أيضاً حكاه الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (١) . القول التاسع: تقبل الزيادة في المتون في الفقهاء ولا تقبل من المحدثين الذين لا يهتمون بالفقه، وأن الزيادة في الإسناد فتقبل من المحدثين ولا تقبل من الفقهاء الذين لا يهتمون بالإسناد. وإلى هذا القول ذهب الإمام ابن حبان في مقدمة "صحيحه" (٢) . هذه أهم مذاهب العلماء من محدثين وفقهاء وأصوليين ومتكلمين في زيادة الثقة. وأكثرها شهرة واستعمالاً القول بقبول زيادة الثقة مطلقاً. وقد نسبه كثير من العلماء إلى جمهور المحدثين ولكن الواقع العلمي النقدي لأئمة الحديث يرده. وقد نبه على هذا الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فقال: "اشتهر عن جمع مع العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذلك الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة (٣) . إذن فمنهج الأئمة ليس هو قبول الزيادة من الثقة مطلقاً، أو ردها مطلقاً، وإنما الأمر يدور مع القرائن والمرجحات.

стр. 338

وفيما يلي نماذج لزيادات ثقات ردها الإمام البخاري، وأخرى قبلها موضحاً القرائن التي اعتمد في القبول أو الرد. ومشيراً إلى أثر تلك الزيادات في الأحكام الفقهية. المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري المثال الأول: قال البخاري ﵀: "حدثنا محمد (هو ابن سلام) ، قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاء فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ قال: إني امرأة أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا إنما ذلك عرق وليس بحيض. فإذا أقبلت حيضك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي". قال: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" (١) . وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ "إنما ذلك عرق ليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢) .

стр. 339

وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فأتت النبي ﷺ فقال: "ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" (١) . وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة أن فاطمة بنت حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغتسلي وصلي" (٢) . وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن يونس عن زهير، قال: حدثنا هشام بن عروة عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٣) . هذه طرق هذا الحديث في صحيح البخاري، ونلاحظ أنها متفقة في سياق المتن إلا أن في الطريق الأولى زيادة تفرد بها أبو معاوية وهي (ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) فهل هذه الزيادة محفوظة، وما موقف البخاري منها؟ وقد أدعى بعضهم بأن أبا معاوية فقد انفرد بهذه الزيادة. ولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النسائي عن طريق حماد بن زيد عن هشام، وأدعى أن حماداً تفرد بهذه الزيادة.

стр. 340

قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث "وتوضئ" غير حماد بن زيد وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه "وتوضئ" (١) . وأومأ مسلم إلى ذلك أيضاً حيث قال بعد روايته لهذا الحديث من طريق حماد بن زيد وغيره في حدث حماد زيادة حرف تركنا ذكره (٢) . والظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه يصحح هذه الزيادة وذلك الأمور التالية: ١- أبو معاوية راوي هذه الزيادة ثقة (٣) . ٢- لم ينفرد أبو معاوية بهذه الزيادة فقد تابعه عليها كل من حماد بن زيد عند مسلم والنسائي، وحماد بن سلمة عند الدرامي، ويحيى بن سليم عند السراج (٤) . ٣- وجود بعض الشواهد لهذا الحديث. منها ما رواه شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جدة عن النبي ﷺ قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام اقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي" (٥) .

стр. 341

قال أبو عيسى: هذا حديث تفرد به عن أبي اليقظان، وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده. عدي ما اسمه فلم يعرف اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين اسمه دينار فلم يعبأ به (١) . فهذا الشاهد ضعيف، لضعف شريك وتفرده به، وأبو اليقظان هو عثمان بن عميرة الكوفي لا يحتج بحديثه، ثم جهالة جد عدي بن ثابت. وقال أبو داود في سننه: " وروى عبد الملك بن ميسرة، وبيان والمغيرة، وفراس، ومجالد عن الشعبي عن قمير عن عائشة: توضئي لكل صلاة". ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة تغتسل كل يوم مرة. وروى هشام بن عروة عن أبيه، المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. وهذا الأحاديث كلها ضعيفة إلا حدث قمير وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه" (٢) . فقه الحديث: في الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره. فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه. ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة. لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: "ثم توضئي لكل صلاة" وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بالوقت فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: "ثم توضئي لكل صلاة" أي لوقت كل صلاة، ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل.

стр. 342

وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحدث آخر. وقال أحمد وإسحاق: "إن اغتسلت لكل فرض هو أحوط " (١) . وفي هذه الزيادة دليل صريح على أن المستحاضة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة. المثال الثاني: زيادة " من المسلمين " في حديث زكاة الفطر. قال البخاري: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر –﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين" (٢) . فهذا الحديث رواه مالك عن نافع وذكر فيه " من المسلمين ". ورواه أيوب عن نافع ولم يذكر فيه "من المسلمين" (٣) . ورواه عبيد الله عن نافع ولم يذكر فيه "من المسلمين" (٤) .

стр. 343

ورواه الليث عن نافع ولم يذكر فيه " من المسلمين " (١) . قال الترمذي ك "روى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع. ولم يذكر فيه من المسلمين، وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك من لا يعتمد على حفظه. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد زكاة الفطر، واحتجاً بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه" (٢) . وممن صح هذه الزيادة واحتج بها الإمام البخاري – في صحيحه – حيث ترجم بما يدل على ذلك في باب صدقة الفطرة على العبد وغيره من المسلمين. وقد اعتمد البخاري في تصحيح هذه الزيادة على: ١- ثقة مالك وحفظه وإتقانه. ٢- عدم انفراده بهذه الزيادة فقد تابعه عليها عمر بن نافع وحديثه أورده البخاري في الباب قبله (٣) ، والضحاك بن عثمان عند مسلم (٤) . ورواه عبد الله العمري عن نافع فقال: " على كل مسلم " (٥) . ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله بن عمر عن نافع

стр. 344

فقال فيه: "من المسلمين" (١) . قال الإمام أحمد في رواية عنه: "كنت أتهيب حديث مالك (من المسلمين) حتى وجدته من حديث العمريين. قيل له فمحفوظ هو عندك (من المسلمين) ؟ قال: نعم". وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحدة من الثقات، ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة (٢) . لهذه المتابعات صحح الإمام البخاري والترمذي وأحمد وغيرهم هذه الزيادة وعملوا بها. المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند البخاري المثال الأول: حديث عثمان ﵁ في صفة وضوئه ﵇. قال البخاري ﵀: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب بن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران مولى عثمان، أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاثة مرار فغسلها ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم ﷺ ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣) .

стр. 345

وقال البخاري أيضاً: " حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان ثم مسح برأسه " (١) . وقال البخاري أيضاً: " حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر قال: حدثني الزهرري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان رأيت عثمان.. ثم مسح برأسه " (٢) . هذه طرق هذا الحديث عن الإمام البخاري. وأخرجه مسلم في الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، عن أبي طاهر بن السرح وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب عن يوسف، وعن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن سلامة عن أبيه ثلاثتهم عن الزهري (٣) . ولفظه مثل لفظ البخاري. فهذه طرق حديث عثمان في صفة وضوئه ﵇ ليس في شيء منها في الصحيحين ذكر عدد مسح الرأس.

стр. 346

لكن روى أبو داود في سننه (١) بإسناد جيد في بعض طرق هذا الحديث زيادة لفظ (ثلاثاً) عند قوله ومسح رأسه، وهي تفيد تثليث مسح الرأس. فما حكم هذه الزيادة؟ وهل هي محفوظة أم لا؟ ولماذا تركها الشيخان؟ وما الحكم الفقهي المستفاد منها؟ لو نظرنا إلى ظاهر السند الذي رويت به هذه الزيادة، ما ترددنا في قبولها لكن كثيراً من الأئمة لم يصححوها ومن هؤلاء: الإمام أبو داود راوي هذه الزيادة. يقول في سننه: "أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة" (٢) . وقال ابن المنذر: "إن الثابت عن النبي ﷺ في المسح واحدة" (٣) . وقال الدارقطني في سننه: "إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة" (٤) . وقال العلامة ابن القيم: "والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحاً، ولم يصح عنه خلافه البتة" (٥) . أما الإمام البخاري ﵀ فصنيعه يشعر ويدل دلالة واضحة، أنه لا يصحح تلك الزيادة إذ أنه روى هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه، ولم يورد تلك الزيادة وترجم على الحديث في كل مرة مستنبطاً منه مسائل فقهية. - ترجم عليه أولاً بما يدل على سنة التثليث عموماً في الوضوء (باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً) بعد أن أورد ما يدل على مشروعية المرة الواحدة والمرتين (باب الوضوء مرة مرة) و (باب الوضوء مرتين مرتين) .

стр. 347

- ثم ترجم له بما يدل على مشروعية غسل الرجلين، وعدم مشروعية المسح على القدمين بقوله (باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين) . - ثم أورده في كتاب الصيام مستدلاً به على مشروعية السلواك للصائم سواء أكان رطباً أم يابساً. - ومما يدل على عدم ثبوت تلك الزيادة عنده أنه ترجم صريحاً بما يخالفها في نفس الباب الذي أورد فيه حديث عثمان الآنف الذكر، فقد روى في كتاب الوضوء (باب مسح الرأس مرة) وفي بعض ورايات الصحيح (باب مسح الرأس مسحة) . من حديث عبد الله بن زيد ﵁ الله عنه -. فهذه القرائن تدل على أن الإمام البخاري لا يرى صحة تلك الزيادة لانفرادها ومخالفتها لما هو ثابت عن عثمان ﵁ الله عنه -. أما ما يتعلق بالزيادة من الناحية الفقهية، فيتمثل في مشروعية تثليث مسرح الرأس. قد أفاض العلامة العيني في هذه المسألة، فأنقل كلامه ملخصاً، ثم نناقشه فيه، قال ﵀: "إن قوله (ثم مسح برأسه) يقتضي مرة واحدة، كذا فهمه غير واحد من العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومال وأحمد، وقال الشافعي: يستحب التثليث لغيرها من الأعضاء وهو مشهور مذهبه. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا نعلم أحداً من السلف جاء عنه استعمال الثلاث إلا إبراهيم التيمي. قلت: فيه نظر، لأن ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير وعطاء، وزاذان، وميسرة، أنهم كانوا إذا توضؤوا مسحوا رؤوسهم ثلاثاً.

стр. 348

ووردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثاً، ففي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن وردان عن حمران، وفيه (مسح رأسه ثلاثاً) . وفي سنن ابن ماجه ما يدل على أن سائر وضوئه ﵇ كان ثلاثاً، والرأس داخل فيه، وهو بسند صحيح. وفي علل الترمذي أنه سأل البخاري عن حديث سعيد بن الحارث عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فقال هو حديث حسن، وقال أبو عيسى: هو غريب من هذا الوجه. وفي مسند أحمد بن منيع عمن رأى عثمان ﵁ أنه دعا بوضوء وعنده الزبير، وسعد بن أبي وقاص فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: أنشدكما الله أتعلمان أن النبي ﷺ كان يتوضأ كما توضأت؟ قالا: نعم. وفي سنن أبي داود من حديث علي ﵁ رفعه "ومسح برأسه ثلاثاً" وسنده صحيح. وفي سنن الدارقطني بسند فيه البيلماني، عن عمر ﵁ وصف وضوء النبي ﷺ قال: "ومسح برأسه ثلاثاً". وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي رافع مرفوعاً "مسح برأسه وأذنيه وغسل رجليه ثلاثاً" وقال: لا يروي عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد، تفرد به الداروردي عن عمر بن أبي عمرو عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي رافع عنه. وروى الدارقطني في سننه عن محمد بن محمود الواسطي عن شعيب بن أيوب عن أبي يحيى الحماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي- ﵁ أنه توضأ وفيه "ومسح برأسه ثلاثاً" ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات، فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: ومسح رأسه مرة واحدة، ومع خلافهم إياهم قال: إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة.

стр. 349

قلت (القاتل العيني) : الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من أبي حنيفة، وأما قوله فقد خالف في الحكم المسح فغير صحيح لأن تكرار المسح عنده مسنون أيضاً لكل بماء واحد. وقد وردت الأحاديث في المسح مرتين: منها ما رواه ابن ماجة بسند لا بأس به عن الربيع "توضأ النبي ﷺ ومسح على رأسه مرتين". ومنها ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن زيد "ومسح برأسه مرتين" وسنده صحيح. فكل ما أورده العلامة العيني ﵀ ليستدل به على مشروعة التثليث لمسح الرأس لا ينهض للاحتجاج وذلك لأن بعض ما أورده صحيح غير صريح والبعض الآخر صريح غير صحيح. أما لصحيح غير الصريح فهي تلك الأحاديث التي تدل على مشروعية التثليث في الوضوء بصفة عامة، وهذا ليس هو محل النزاع إذ أخرج بعضها البخاري ومسلم - في صحيحيهما -. وأما ما يدل على التثليث في مسح الرأس خاصة فهو صريح غير صحيح، فما رواه أبو داود فقد صرح بأن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة. وما رواه الدارقطني في سننه (١) من حديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فغسل كفيه ثلاثاً " ثم قال ومسح برأسه ثلاثاً. فهذا لا يحتج به لحال ابن البيلماني وابيه وإن كان الأب أحسن حالاً. وأما ما رواه الطبراني في الأوسط، فقد عقبه بقوله: تفرد به الدراوردي أي أنه غريب غير مشهور. وأما حديث علي الذي رواه

стр. 350

الدارقطني أيضاً في سننه من طريق أبي حنيفة فقد نص الدارقطني على أنه شاذ إذا إن أبا حنيفة خالف جماعة من الحفاظ الثقات. وأما قول العيني "بأنه زيادة ثقة وزيادة الثقة مقبولة" فهذا الحكم ليس على إطلاقه، بل هو دائر مع القرائن والمرجحات، فإذا ثبت عندنا أن هذا الثقة قد حفظ، ولم يخالفه من هو أوثق وأحفظ وأكثر عدداً منه وغير ذلك من القرائن قبلت زيادته. وأما ما ورد في بعض الروايات من أنه ﷺ مسح رأسه مرتين (١) فيحمل على أنه رواية بالمعنى، لأنه ورد أنه كان يمسح رأسه بيديه يقبل بهما ويدبر. قال ابن القيم: "وكان يمسح رأسه كله، وتارة يقبل بيديه ويدبر، وعليه يحمل حديث من قال مسح برأسه مرتين، والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه" (٢) . مما سبق يتضح لنا عدم مشروعية التثليث لمسح الرأس وهذا ما ذهب إليه البخاري ﵀ ولم يصحح تلك الزيادة، لأنها ليست لها متابعات ولا شواهد صحيحة. ولم ينفرد الإمام البخاري بترك هذه الزيادة بل قد شاركه في ذلك مسلم ﵀ وأعلها أبو داود والدارقطني وغيرهما. المثال الثاني: زيادة "فليرقه" في حديث ولوغ الكلب. قال البخاري: "حدثني عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً" (٣) .

стр. 351

وقد روى الإمام مسلم والنسائي هذا الحديث من طريق علي بن حجر السعدي عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات". قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله فليرقه (١) . يؤخذ من هذه الزيادة أن الماء الذي يلغ فيه الكلب نجس، وأن الغسل لتطهير الإناء لا لمجرد التعبد، ويؤخذ منه نجاسة لعاب الكلب، وهذه الأحكام الفقهية متوقفة على صحة تلك الزيادة. قد صحح هذه الزيادة بعض الأئمة منهم: الإمام الدارقطني، فإنه قال بعد أن ساق الحديث بسنده إلى أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله سبع مرات" صحيح: إسناده صحيح، رواته كلهم ثقات (٢) . وقد أورده ان خزيمة في صحيحه وكذلك ابن حبان. وقال العراقي ﵀ بعد أن نقل أقوال بعض الأئمة في تعليل زيادة "فليرقه": "قلت وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند العلماء والفقهاء والأصوليين والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحداً تكلم فيه، فلا يضره تفرده به" (٣) . وقد صحح هذه الزيادة أيضاً الإمام الشوكاني في النيل (٤) .

стр. 352

وابن دقيق العيد في شرحه على عمدة الأحكام (١) . ونلاحظ أن هؤلاء الأئمة اعتمدوا في تصحيح هذه الزيادة على ظاهر الإسناد فالراوي المتفرد بها ثقة فتقبل زيادته. لكن هناك من الأئمة من أشار على عدم صحتها فمن هؤلاء: - الإمام النسائي، قال: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه (٢) . - وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة (٣) . - وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا علي بن مسهر بهذا الإسناد (٤) . وقال ابن عبد البر: "لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة" (٥) . ويعتبر شعبة وسفيان وأبو معاوية من أثبت الناس في حديث الأعمش (٦) وهؤلاء لم يذكروا هذه اللفظة. وعلي بن مسهر ثقة حافظ خلط في آخر عمره. وقد ذكره الحافظ ابن رجب في أمثلة الثقات الذين ضعف حديثهم في بعض الأوقات دون بعض، وهم الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم. وقال فيه:وعلي بن مسهر له مفاريد، ومنها في حديث: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه" وقد خرجه مسلم.

стр. 353

وذكر الأثرم أيضاً عن أحمد أنه أنكر حديثاً، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر، كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإذا روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد" (١) . فهذه القرائن تدل على أن علي بن مسهر وهم في هذه الزيادة. أما بالنسبة لمشروعية الإراقة، فلا يصح الاعتماد على هذه الزيادة، لكن (قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه ابن عدي مرفوعاً، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف وكذا ذكر الإراقة ماد، زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره) . إذن الصواب أن الأمر بالإراقة موقوف على أبي هريرة، ويمكن أن يكون ابن مسهر قد أدخل الموقف في المرفوع. أما بالنسبة للإمام البخاري فإنه ترك هذه الزيادة رغم إخراجه لأصل الحديث، مما يدل على أنها غير ثابتة عنده، وقد ترجم بما يدل على ذلك "باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد" ومن خلال ما أورده في هذا الباب من أحاديث وآثار يبين أنه يذهب إلى طهارة الكلب، وطهارة سؤره. وفي نهاية هذا المبحث نلخص إلى النتيجة التالية: إن زيادة الثقة ليست مقبولة دائماً عند الإمام البخاري، وليست مردودة دائماً، وإنما يكون القبول والرد بناء على القرائن. والغالب على أكثر الزيادات التي تتعلق بها مسائل فقهية مهمة، ولم يخرجها الشيخان، مع تخريجهما لأصل الحديث، أن تكون شاذة أو منكرة.

стр. 354

الخاتمة إن الإمام البخاري من المحدثين النقاد الذين تركوا لنا رصيداً علمياً كبيراً ومتنوعاً فينبغي أن يهتم بهذا الإنتاج، ويدرس دراسة علمية متخصصة، ولا يكفي لبحث واحد - مهما بذل فيه صاحب من جهد - أن يبرد جميع الجوانب النقدية عند هذا الإمام. والنتيجة التي انتهيت إليها أن كل جزئية من هذا الموضوع تحتاج إلى بحث خاص، حتى تكون النتائج أدق وأعمق، ومع ذلك فقد حررت كثيراً من المسائل، وحللت كثيراً من الأمثلة والنماذج، وناقشت بعض المسلمات والآراء، مما يكون له أثر طيب - إن شاء الله - في تحريك همم الباحثين في مواصلة الطريق والتعمق أكثر. وهذه أهم النتائج التي توصلت إليها: ١- عبقرية الإمام البخاري، ودقة الصناعة الحديثية عنده، خلاف ماهو شائع أن صحيح البخاري لا يشتمل على الدقائق الإسنادية، وأن مسلماً هو المتفرد بذلك، نعم هي موجودة وبكثرة، لكنها متفرقة وغامضة. ٢- إن الجامع الصحيح سلسلة من حلقة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف، والنقد والتمحيص. ٣- تنوع مجالات الثقافة عند الإمام البخاري، وغزارة عمله، ودقة فقه، ومتانة دينه، وسلامة عقيدته، ومما يؤهله لأن يكون أحد أئمة المسلمين.

стр. 355

٤- التأثير العلمي لصحيح البخاري في عصره وفيما بعده، وظهر هذا التأثير في إحداث حركة علمية نشيطة في النسج على منواله، أو انتقاده والاستدراك عليه، أو في شرحه والتعليق عليه. ٥- لم ألاحظ خلال بحثي هذا تبايناً في منهج النقد عند الأئمة، وهذا من خلال المقارنة بين موقف الإمام البخاري، ومواقف غيره من الأئمة في الحكم على الأحاديث تصحيحاً وتعليلاً، مما يدل دلالة واضحة على وحدة المنهج، أما الاختلافات فهي جزئية تتباين فيها أنظار النقاد في التطبيق والتفريع. ٦- وجود خلافات كبيرة وجوهرية بين النقاد من المحدثين وغيرهم من المتكلمين والأصوليين والفقهاء، حيث يغلب على هؤلاء البعد عن طريقة المحدثين، واطلاعهم على الواقع الحديثي، والاكتفاء بالأحكام العامة والنظريات المجردة. ٧- اعتبار شرط العدالة في صحة حديث الراوي، عند الإمام البخاري وسائر الأئمة، وتأثر شروطها عند كثير من المتأخرين بشروط الشهادة. ٨- هناك بعض الأمور لا تقدح في العدالة عند الإمام البخاري منها، إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، أو إذا كان الراوي يغشى السلطان، أو كان يأخذ الأجرة على التحديث، كل ذلك لا يقدح في عدالته إذا تبين صدقه وحفظه. ٩- إن الإمام البخاري لا يرى البدعة غير المكفرة جرحاً في الراوي، لذلك روى لكثير من المبتدعة في المتابعات وأحياناً في الأصول، والعبرة عنده صدقة اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد بشيء ليس عنده غيره. ١٠- إن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط؛ لأن الجهالة لا يتحقق معها وصف العدالة، التي هي شرط أساسي في صحة الحديث.
следующие страницы →