ـ[منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها (من خلال الجامع الصحيح) ]ـ
المؤلف: أبو بكر كافي
الناشر: دار ابن حزم
الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
الإهداء
إلى من أمرني الله ببرهما وطاعتهما والإحسان إليهما، إلى والديَّ الكريمين..
إلى كل مسلم يحب سنة رسول الله ﷺ ويدافع عنها، ويعمل بها..
أهدي هذا العمل المتواضع.
أبو بكر
стр. 3
شكر وتقدير
أصل هذا الكتاب رسالة علمية، نال بها صاحبها شهادة الماجستير في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر بتقدير مشرف جداً، وذلك في ١٩ شوال ١٤١٨هـ، الموافق لـ ١٦/ ٢/ ١٩٩٨م.
ولا يسعني في هذا المقام، إلا أن أتقدم بجميل الشكر إلى كل من ساعدني في إنجاز هذا البحث من أساتذة وطلبة.
وأخص بالذكر فضيلة الأستاذ " حمزة عبد الله المليباري "، فقد بذل جهده ووقته في متابعة هذا البحث من أوله إلى آخره، ولم يبخل علي بملاحظاته وتوجيهاته القيمة، مما كان له حافزاً قوياً على إتمام هذا البحث، والصبر على مشقته.
كما أتقدم بالشكر إلى أصحاب الفضيلة الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة:
د. محمد عبد رب النبي.
د. محمد خالد اسطنبولي.
د. نصر سليمان.
كما أتقدم بشكري الجزيل لإدارة معهد أصول الدين خصوصاً والقائمين على الجامعة عموماً.
وفي الأخير أتوجه بالشكر إلى إخوتي الكرام:سليم، ياسين، ومروان
стр. 4
الذين بذلوا معي جهداً كبيراً، وصبراً جميلاً في كتابة هذه الرسالة وتصحيحها وإخراجها على هذه الصورة الجيدة.
стр. 5
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد..
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . [آل عمران: ١٠٢] .
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: ١] .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) . [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .
стр. 6
من المتفق عليه بين المسلمين أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ولهذه المنزلة العظيمة التي تتبوؤها السنة كانت ولا تزال محل عناية كبيرة من علماء المسلمين عموماً والمحدثين على وجه الخصوص، فإنهم لم يدخروا وسعاً ولم يألوا جهداً في سبيل المحافظة عليها، وإبقائها سليمة من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، فوضعوا لذلك منهجاً علمياً متميزاً وفريداً كان هو المعيار الذي توزن به الأخبار، وكان هذا المنهج نتاجاً لجهود عظيمة بذلها أئمة الحديث وحفّاظه من لدن الصحابة إلى أن استقرت قواعده، ورست أركانه، واتضحت معالمه، وأينعت ثماره في القرن الثالث الهجري.
وكان من الأئمة الذين أسهموا في تشييد دعائم هذا المنهج الإمام الكبير أمير المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله تعالى) ولم تكن إسهامات هذا الإمام واضحة، لأنها لم تكن قواعد نظرية مجموعة في كتاب، وإنما كانت أعمالاً وتطبيقاً لتلك القواعد في ثنايا كتبه الكثيرة، ولعل أبرز كتب هذا الإمام بل أبرز كتب الحديث على الإطلاق - الجامع الصحيح - ففي هذا الكتاب ظهرت عبقرية هذا الإمام، فهو تطبيق عملي ودقيق لقواعد هذا المنهج، فكان بحق أصح كتاب بعد كتاب الله، فجاء هذا البحث ليستخرج ويستنبط أسس المنهجية التي يستعملها البخاري ﵀ في تصحيح الأحاديث وتعليلها. وهذه القواعد جاءت مطبقة في كتابه ولم يصرح بها وإنما يستعان على كشفها بأقوال العلماء ممن اهتموا بالجامع الصحيح شرحاً وتعليقاً واستدراكاً وانتقاداً.
وهذا البحث محاولة للكشف عن منهج الأئمة النقاد في موضوع " النقد الحديثي " على اعتبار أن الإمام البخاري من أبرز هؤلاء الأئمة، والمسلّم له بالتقدم والمتمكن في هذه الصنعة.
والمنهج الذي سلكته في هذا البحث هو المنهج التحليلي المقارن، وذلك باستقراء صحيح البخاري وأخذ الشواهد والأمثلة وتحليلها لاستخراج ما يكمن فيها من قواعد، ثم مقارنة هذه النتائج بمواقف أئمة معاصرين للبخاري
стр. 7
كالإمام مسلم والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة، أو من جاء بعده كالدارقطني والبيهقي وغيرهما. حتى يتسنى لنا معرفة مدى توافق هذا المنهج أو اختلافه من إمام إلى آخر، ثم مقارنة هذه النتائج كلها بما استقرت عليه كتب المصطلح لمعرفة مدى التباين والتوافق بين الجانب التطبيقي عند الأئمة النقاد والجانب النظري عند كثير من المتأخرين من أئمة الكلام والفقه والأصول.
أما الأسباب التي جعلتني أختار هذا الموضوع المتعلق أساساً بالنقد الحديثي فهي:
١) الغموض الذي ما يزال يكتنف هذا الموضوع بين الدارسين للعلوم الشرعية عموماً والمهتمين بعلوم الحديث على وجه الخصوص، وبسبب هذا الغموض انتشرت كثير من النظريات الخاطئة، والمناهج المضطربة في " نقد السنة " وأصبحت ظاهرة تصحيح الأحاديث وتعليلها في ظل غياب منهج واضح موحد تنتشر يوماً بعد يوم مسببة آثاراً سيئة في فكر المسلمين، وعقائدهم وواقعهم.
٢) حبي الشديد لسنة النبي ﷺ وشغفي بكتب الحديث وخاصة صحيح البخاري، وإعجابي بعبقرية هذا الإمام ودقة منهجه.
٣) المساهمة في تقريب الاستفادة من كتب السنة، وذلك بتوضيح مناهجها ومقاصد مؤلفيها.
٤) المساهمة في تقريب الاستفادة من كتب علل الحديث، فهي على كثرتها وتنوعها صعبة التناول والاستفادة، وذلك للاختصار في بعضها كعلل ابن أبي حاتم، أو التطويل بذكر وجوه الخلاف كعلل الدارقطني، أو باختلاط مباحثها بمباحث الجرح والتعديل في كثير منها. والملاحظة العامة حول هذه الكتب أنها لا تصرح بذكر الحكم على الحديث، وفي كثير من الأحيان تشير إلى الحكم بعبارة أو عبارتين دون بيان أسس هذا الحكم، أي ما يعرف في هذا العلم بـ "قرائن الترجيح ".
وقد حرصت في هذا البحث وخاصة في القسم الثاني منه " منهج
стр. 8
التعليل " على توضيح قرائن الترجيح عند الإمام البخاري أو غيره من الأئمة، وهذا مما يعين على فهم كلامهم والاستفادة من كتبهم.
٥) قلة الدراسات الأكاديمية حول هذا الموضوع بخصوصه، فالدراسات السابقة في هذا الموضوع - في حدود علمي - تكاد تكون منعدمة إذ كانت جل الدراسات التي تناولت الإمام البخاري محدثاً أو فقيهاً إنما تناولته على سبيل السرد التاريخي المنقبي أو التتبع الفقهي الفروعي وليس هناك دراسات اهتمت بتوضيح منهج الإمام البخاري في علوم الحديث.
ولعل أهم دراسة علمية في هذا المجال هي " الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين" رسالة دكتوراه لنور الدين عتر، وواضح من خلال العنوان أنها تناولت الإمام الترمذي أصالة والبخاري ومسلماً على سبيل التبع والمقارنة، أضف إلى ذلك أنها كانت منصبة على النواحي الفقهية دون الغوص في القواعد والأسس، ولا أدعي أن هذه الدراسة التي أقدمها قد وصلت إلى الأهداف التي كنت أرومها، ولكن حسبي أن أقترب منها، فقد حاولت غاية جهدي أن أفصل في كثير من المباحث والقضايا التي تناولتها مجانباً للهوى متحرياً الحقَّ والصواب، وأحياناً أتوقف في بعض المسائل لعدم قيام الأدلة الكافية للجزم فيها بحكم معين.
ولعل أهم شيء تقدمه هذه الدراسة، أنها جمعت فوائد كثيرة كانت متفرقة في ثنايا كتب علوم الحديث والشروح وكتب العلل مما يتعلق بمنهج البخاري في صحيحه. ونسقت بينها في وحدة موضوعية مما يقرب (إن شاء الله) الاستفادة منها، وأرى من الواجب علي أن أعترف بأن كل ما في هذا البحث هو ثمرة علمائنا، وجهود سلفنا ليس لي فيه إلا الجمع والترتيب وبعض التوضيحات التي تبين مقاصد كلامهم، وتربط بين أقوالهم.
وعلى رأس هؤلاء العلماء الذين استفدت منهم استفادة عظيمة، الإمام الحافظ ابن حجر ﵀ الذي عكفت على مطالعة شرحه العظيم لصحيح البخاري " فتح الباري " واستخرجت من ثناياه كنوزاً ودرراً، وكذلك
стр. 9
استفدت كثيراً من كتابه " النكت على مقدمة ابن الصلاح " وغيرها من كتبه.
كما كان لكتب العلل كـ " العلل الكبير " للترمذي، و " العلل الصغير وشرحه " لابن رجب و " الإلزامات والتتبع " و " علل ابن أبي حاتم " و " علل الدارقطني " و " علل ابن المديني " إسهام كبير في بناء هذا البحث.
واستعنت بكتب الجرح والتعديل منها " التاريخ الكبير " و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم الرازي و " تهذيب الكمال " للمزي و " تهذيب التهذيب " و " التقريب " للحافظ ابن حجر وغيرها، كما استفدت من كتب المصطلح في المقارنة وشرح ما يغمض من كلام الأئمة ومن أهمها "مقدمة ابن الصلاح " و " التقييد والإيضاح " للعراقي و " فتح المغيث " للسخاوي وشرح النخبة وغيرها.
كما لم أهمل الاستفادة من كتابات بعض المعاصرين وتحقيقاتهم وتخريجاتهم كتحقيق الشيخ مقبل بن هادي لكتاب الإلزامات والتتبع، وتحقيقات السامرائي وتخريجات الأرناؤوط والشيخ الألباني ودراسات أحمد نور سيف والدكتور حمزة عبد الله المليباري وغيرهم.
وقد اعترضتني صعوبات كثيرة في إنجاز هذا البحث منها:
١) صعوبة هذا الموضوع في حد ذاته، والتي لم يخفها علي فضيلة الأستاذ المشرف وبعض من استشرتهم من الأساتذة. فمن المعلوم أن البخاري لم يصرح بآرائه ومنهجه في كتبه فكان دوري هو استنباط هذا المنهج من ثنايا النصوص، وهذا اقتضى مني المراجعة الطويلة للكتب التي اهتمت بشرح الجامع الصحيح أو انتقاده والتعقيب عليه لعلي أظفر بشيء، وفي كثير من الأحيان أتوقف عن معرفة مقصد البخاري في إخراج طريق ما، أو ذكر اختلاف في حديث، أو غير ذلك من صنيعه. فأذكر ما أصل إليه وأفهمه على سبيل الاحتمال وأعضد موقفي بنصوص من أقوال الأئمة. ولو كانت هناك أقوال صريحة لحسمت الأمر، وحلت النزاع، ووفرت الوقت والجهد.
٢) بعد مقر إقامتي على الجامعة مما جعلني أجد صعوبة كبيرة في
стр. 10
الاستفادة من المكتبة وخاصة المراجع الداخلية منها، وكذلك مشقة السفر للاتصال بالمشرف.
هذا وأتمنى أن أكون قد وفقت من خلال هذا البحث من جعل المشكلة في ضوء البحث العلمي الهادئ والهادف من خلال الرجوع المباشر إلى أئمة العلم وكتبه الأولى، ومصنفاته الأصلية.
ومن هنا أرجو أن يضيف هذا البحث طريقة علمية منهجية في فهم مناهج كتب السنة وأساليب النقدية. ويحرك همم الباحثين لاستكمال النقائص وسد الثغرات، وبمتابعة الجهود في تمحيص كتب السنة ودراستها دراسة علمية مقارنة لاستخراج مناهجها النقدية يمكن - بإذن الله - أن تتبلور نظرية متكاملة واضحة في نقد السنة عند المحدثين، ومن خلال هذه النظرية نستطيع أن نستمر في خدمة السنة تحقيقاً وتخريجاً علمياً أصيلاً، ومن خلالها أيضاً نستطيع أن نقوّم تلك الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل الحفاظ على المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.
وقد جاء البحث في ثلاثة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: وهو عبارة عن فصل تمهيدي خصصته للكلام عن الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري، وقد اشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: تحدثت فيه عن كتب السنة قبل الجامع الصحيح كالسنن والمسانيد وكتب السير والمغازي والتفسير والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، والغرض منه توضيح مدى استفادة الإمام البخاري ممن سبقه، وبيان أن الجامع الصحيح لم يأتِ من فراغ، وإنما هو حلقه من سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التصنيف والتأليف.
والمبحث الثاني: خصصته للكلام - بشيء من الإيجاز - عن حركة التدوين في علوم الحديث والنقد إلى عصر الإمام البخاري وكيف بدأت قواعد التصحيح والتعليل تستقر عند كثير من أئمة الحديث ونقاده.
стр. 11
والمبحث الثالث: ترجمت فيه للإمام البخاري بترجمة شاملة وموجزة ركزت فيها على مختلف جوانب شخصيته العلمية.
والمبحث الرابع: سردت فيه الآثار العلمية للإمام البخاري، وعرفت بالموجود منها سواء أكان مطبوعاً أم مخطوطاً، ثم ختمت هذا المبحث بذكر التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري فيمن عاصره أو من جاء بعده.
أما الفصل الثاني فقد خصصته للحديث عن منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خصصته للكلام عن عدالة الرواة، وقد قسمته إلى ستة مطالب تناولت فيها تعريف العدالة لغة واصطلاحاً، ثم شروط العدالة وموقف البخاري منها، ثم أدرجت بعض المسائل المتعلقة بالعدالة وبينت موقف البخاري منها وهي: إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، وإذا كان المحدث يغشى السلطان، وإذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، هل يقدح كل ذلك في عدالته أم لا؟ مع ذكر موقف البخاري معضداً بالأمثلة والشواهد، ثم تناولت موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ثم موقفه من الرواة والمجاهيل وكيفية تخريجه لرواياتهم، وختمت المبحث بطلب في الحديث عن الرواة الوحدان، وموقف البخاري من رواياتهم وكيفية تخريج أحاديثهم في صحيحه.
المبحث الثاني: خصصته للحديث عن ضبط الرواة وقد قسمته إلى أربعة مطالب:
الأول: عرفت فيه بالضبط لغة واصطلاحاً، ثم تعرضت في المطلب الثاني لأهميته وآثار اختلاله وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط، ثم تناولت في المطلب الثالث مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط، وبينت فيه أن رجال الصحيحين ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من حيث الضبط، بل فيهم الحافظ الضابط، ومن هو دون ذلك.
ثم درست في المطلب الأخير نماذج من روايات الضعفاء، وبينت منهج البخاري في تصحيحها.
стр. 12
المبحث الثالث: تحدثت فيه عن اتصال السند، وقد قسمته إلى خمسة مطالب:
عرفت في الأول منها السند لغة واصطلاحاً، وأهميته، ثم تعرضت في المطلب الثاني لطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري وبينت ما هي الطرق المعتبرة عنده، والطرق غير المعتبرة، ثم تناولت في المطلب الثالث مسألة العنعنة، وحاولت توضيح منهج البخاري فيها والموازنة بينه وبين الإمام مسلم في ذلك والجواب عما أورده كثير من العلماء في الرد على الإمام مسلم.
أما المطلب الرابع فقد خصصته لدراسة نماذج من أحاديث الجامع الصحيح أعلت بالانقطاع في سندها، فذكرت أجوبة العلماء عليها، وبينت أن دعوى الانقطاع لا تصح في كثير منها.
ثم ختمت المبحث بمطلب في الحديث عن التدليس - باعتباره نوعاً من الانقطاع في السند - وبينت منهج البخاري في تخريج أحاديث المدلسين.
أما الفصل الثالث فقد أفردته لمنهج الإمام البخاري في تعليل الأحاديث، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعرضت فيه للأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح وقد جاء في مطلبين:
الأول: في تعريف العلة لغة واصطلاحاً، وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها.
والثاني: في الكلام عن الأحاديث المنتقدة في الجامع الصحيح وتصنيفها وبيان منهج المنتقدين كالدارقطني، وتقويم انتقاده إجمالاً.
المبحث الثاني: تحدثت فيه عن التفرد وأثره في تعليل الأحاديث، وقد اشتمل على ثلاثة مطالب:
الأول منها عبارة عن مقدمات نظرية تحدثت فيها عن حقيقة التفرد وأنواعه ومراتبه وحكمه.
стр. 13
والثاني تحدثت فيه عن نماذج من الأحاديث التي استغربت أو استنكرت في الجامع الصحيح، وبينت منهج البخاري ووجهة نظره في إخراجها، كما وضحت المنطلقات والقرائن التي بنى عليها المنتقدون أحكامهم.
والمطلب الثالث درست فيه نماذج من الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري اعتماداًٍ على التفرد مع انضمام قرائن أخرى.
المبحث الثالث: تكلمت فيه عن المخالفة وأثرها في التعليل، وقد افتتحته بمطلب ضمنته بعض المقدمات النظرية في تعريف المخالفة، وصورها، وأسبابها، وضابطها، وأحكامها، وأثرها؛ ليكون مدخلاً ييسر الولوج إلى هذا الموضوع.
وقد قسمت الحديث في هذا الموضوع إلى قسمين هما:
المخالفة المغيرة لسياق الإسناد كالاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع، والاختلاف في تسمية شيخ الراوي، والاختلاف في زيادة راو في الإسناد أو حذفه.
والمخالفة المغيرة لسياق المتن كالاختصار، والرواية بالمعنى، والإدراج، وأثرها في تصحيح الأحاديث، أو تعليلها.
كل ذلك مقرون بالأمثلة والشواهد من صنيع الإمام البخاري في صحيحه.
المبحث الرابع: خصصته لزيادات الثقات، وهي صورة من صور المخالفة، لكنني أفردتها لأهميتها وغموضها، وركزت فيه على الحديث عن بعض زيادات المتون وأحكامها النقدية وآثارها الفقهية، مدعماً ذلك بالأمثلة من صحيح الإمام البخاري. وقد جاء هذا المبحث في ثلاثة مطالب:
الأول: في تعريف زيادات الثقات وحكمها عند الأئمة والطوائف.
الثاني: في دراسة نماذج من الزيادات المقبولة عند الإمام البخاري واستخلاص معايير القبول.
стр. 14
الثالث: في دراسة نماذج من زيادات الثقات المردودة عند الإمام البخاري واستخلاص معايير الرد.
وقد أنهيت البحث بخاتمة ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة.
وفي الأخير أسأل الله أن يجعل عملي هذا لوجهه خالصاً، وأن يعصمني من الزلل والخطأ، وأن يغفر لي ويتجاوز عني بفضله وكرمه، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
стр. 15
الفصل الأول: الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري
المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح.
المبحث الثاني: علوم الحديث إلى عصر البخاري.
المبحث الثالث: ترجمة موجزة للإمام البخاري.
المبحث الرابع: التعريف بالإنتاج العلمي للإمام البخاري.
стр. 16
المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح
إن الجامع الصحيح للإمام البخاري لم يأت من فراغ وإنما هو حلقة من سلسلة ممتدة من لدن العهد الأول لتدوين الحديث إلى عصر هذا الإمام، هذه الحلقة جاءت مكمّلة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية. فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمن مقاصدها في كتابه حسب الشرط الذي وضعه له.
ولقد بين الإمام الدهلوي طريقة التصنيف في الحديث قبل الإمام البخاري فقال (١) :
" أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدوناً في أربعة فنون:
في السنة أعني الذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك، وجامع سفيان، وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج، وفن السير مثل كتاب محمد بن إسحاق، وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري ﵀ أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب ويجرده لما حكم له العلماء
стр. 17
بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند وما فيه من الآثار وغيرها، إنما جاء تبعاً لا أصالة ولهذا سمي كتابه الجامع الصحيح المسند ".
فحركة التأليف والتصنيف في السنة في القرنين الثاني والثالث كانت جد نشيطة، وقد أثمرت هذه الحركة العشرات بل المئات من كتب السنة، وهذه الكتب على كثرتها يمكن حصرها في المجموعات التالية:
كتب السنن، والمصنفات، والجوامع، والمسانيد، وكتب التفسير، وكتب المغازي والسير، والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، وفيما يلي تعريف موجز بأهم هذه المصنفات ومناهجها ومادتها لنقف على مدى استفادة الإمام البخاري من هذه الكتب في صحيحه.
أ - كتب السنن:
وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثاً (١) ، وهذا تعريف بأهم وأشهر كتب السنن إلى عصر البخاري:
١) سنن أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي (ت ١٥١) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة، ولا تفيدنا المصادر عنها شيء.
стр. 18
٢) سنن سعيد بن منصور (ت ٢٢٧هـ) (١) .
طبعت بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ولكن النسخة غير كاملة، والمقدار الموجود منها يشتمل على (٢٩٧٨) حديثاً تبدأ بكتاب الفرائض ثم النكاح وما يتعلق به، ثم الطلاق ثم الجهاد، طبعت في مجلدين.
٣) سنن محمد بن الصباح (ت ٢٢٧هـ) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة (٣) ولا تفيدنا المصادر عنها بشيء.
٤) سنن الدارمي (ت ٢٥٥هـ) (٤) أسانيده عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري. وهو من شيوخ البخاري، وقد روى عنه في غير الجامع، ومنهم من يطلق عليها المسند لكون أحاديثها مسندة مطبوع عدة طبعات في مجلدين، وكان الحافظ العلائي يقول: (ينبغي أن يكون كتاب الدارمي سادساً للخمسة بدلاً من سنن ابن ماجة، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة الشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه) (٥) .
стр. 19
وقال الحافظ: (لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة فهو أمثل منه بكثير) (١) .
ب - المصنفات والجوامع:
هي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها (٢) وهي كثيرة نعرّف بأهمها وأشهرها.
١) جامع أبي عروة معمر بن راشد الأزدي (٣) (١٥٣هـ أو ١٥٤ هـ) .
٢) جامع سفيان الثوري (٤) (١٦١ هـ) .
٣) مصنف حماد بن سلمة (٥) (ت ١٦٧ هـ) .
٤) كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩هـ) .
وهو عبارة عن أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة في مسائل الفقه، طبع في مجلدين بتعليق الأستاذ أبو الوفا الأفغاني، ويشتمل على (٢٦٨) أثراً وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءاً لطيفاً في تراجم رواته
стр. 20
سماه الإيثار لمعرفة رواة الآثار، وهو مطبوع.
٥) مصنف وكيع بن الجراح (١٩٧ هـ) .
٦) جامع سفيان بن عيينة (١) (ت ١٩٨هـ) .
٧) مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) .
طبع في أحد عشر مجلداً بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل على (٢١٠٣٣) أثراً ويعتبر من أغنى المصادر بآثار السلف وفقه التابعين. وقد استمد منه البخاري كثيراً في الآثار التي يوردها كما يعلم من خلال " فتح الباري " و " تغليق التعليق " في وصل تلك الآثار.
٨) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) وقد طُبع كتابه في خمسة عشر جزءاً تشتمل على (١٩٧٨٩) أثراً، وقد استفاد منه البخاري كثيراً في الآثار التي يوردها في صحيحه.
جـ - المسانيد:
وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدى صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً مرتبين على حروف المعجم وأسماء الصحابة كما فعله غير واحد، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك. وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد كمسند أبي بكر أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة، أو العشرة، أو طائفة مخصوصة منهم جميعاً وصف واحد كمسند المقلين ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك.
والمسانيد كثيرة جداً (٢) فقلّ إمام إلا وله مسند وفيما يلي تعريف
стр. 21
لأهمها وأشهرها إلى عصر الإمام البخاري:
١) مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) وهو أعلى المسانيد، وهو المراد عند الإطلاق وإن أريد غيره قيد، وقد طبع مراراً وقد أفاض العلامة أحمد شاكر في التعريف به في مقدمة تحقيقه.
٢) المسند لأبي داود الطيالسي الحافظ (١) (ت ٢٠٣ أو ٢٠٤هـ) ومسنده مطبوع في مجلد واحد وليس هو الجامع له بل جمعه بعض حفاظ خراسان: جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة (٢) .
٣) مسند أبي محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي (٣) (ت ٢١٣هـ) .
٤) مسند أبي إسحاق بن نصر بن إبراهيم المطوعي (٤) (ت ٢١٣هـ) .
٥) مسند أسد بن موسى الأموي المعروف بأسد السنة (٥) (ت ٢١٢هـ) .
٦) مسند مسدد بن مسرهد الأسدي البصري (٦) (ت ٢٢١هـ) .
стр. 22
٧) مسند إسحاق بن إبراهيم بن راهوية (١) (ت ٢٣٨هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري.
٨) - ٩) مسند أبي بكر (٢) ومسند عثمان (٣) ابني محمد بن أبي شيبة وهما من كبار شيوخ البخاري.
٩) مسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (٤) (ت ٢١٩هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري.
وحتى الإمام البخاري فإنه صنف مسنداً يسمى بالمسند الكبير، وكذلك الإمام مسلم بن الحجاج له أيضاً مسند كبير على الرجال.
стр. 23
ر - كتب المغازي والسير:
وهي الكتب التي تهتم بذكر سيرة النبي ﷺ من مولده إلى وفاته وذكر مبعثه وما قام به من غزوات ضد أعدائه وتفصيل ذلك، وسأذكر أهم الكتب في هذا المجال إلى عصر الإمام البخاري. ويمكن ترتيبها تاريخياً على أربعة طبقات:
الطبقة الأولى: ومن أبرز من اهتم بالسير والمغازي في العهد الأول: عروة بن الزبير (ت ٩٤هـ) وأبان بن عثمان (١٠٥هـ) وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (١) ما يفيد أن أبان بن عثمان كان له تدوين في السير، ففي ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن قال: " إنه ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله ﷺ أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيراً ما تقرأ عليه ويأمر بتعلمها " ولم يصلنا منها شيء.
الطبقة الثانية: ومن أبرز رجالها عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري (٢) (ت ١٣٥هـ) ، اهتم بأخبار الوفود التي قدمت إلى النبي ﷺ وأخبار ردة القبائل بعد وفاة النبي ﷺ . كما جمع غزوات النبي ﷺ ، ورتبها تاريخياً. ومن رجال هذه الطبقة أيضاً عاصم بن عمر بن قتادة (٣) (ت ١٢٠هـ) وهو شيخ ابن إسحاق، ولمعرفته الوثيقة بالمغازي اختاره الخليفة عمر بن عبد العزيز ليحدث الناس بمسجد دمشق عن المغازي ومناقب الصحابة. وممن اهتم بالمغازي والسير في هذه الطبقة أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (٤) (ت ١٢٤هـ) .
стр. 24
الطبقة الثالثة: ومن أبرز رجالها موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني (١) التابعي الصغير (ت ١٤١هـ) ومغازيه أصح المغازي كما قاله تلميذه مالك بن أنس، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتابه مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره.
وقال أحمد: (عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة) (٢) .
وقد نقل الإمام البخاري عن مغازي موسى بن عقبة في مواضع من كتاب المغازي من جامعه منها: باب غزوة الخندق (٣) وباب غزوة بني المصطلق (٤) ، باب غزوة الطائف (٥) ومن رجال هذه الطبقة محمد بن إسحاق (٦) بن يسار المطلبي (ت ١٥١هـ) ، تتلمذ على يد الزهري واستفاد منه، ويقال أنه صنف كتابه " السيرة النبوية " بناء على طلب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لابنه المهدي، وقد رواه عنه تلميذه زياد البكائي وعن البكائي أخذه ابن هشام، وقد ظل كتاب ابن إسحاق هذا موسوماً بالضياع إلى عهد قريب حيث عثر أحد الباحثين الأوربيين على عدة أوراق منه مكتوبة على أوراق البردي المصرية، ثم عُثر على جزء كبير منه بالمغرب
стр. 25
ونشره معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بفاس سنة ١٩٨٩م وحققه الأستاذ محمد حميد الله.
وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه عن ابن إسحاق في مواضيع مختفة (١) . ومن أبرز رجال هذه الطبقة أيضاً ابن هشام (٢) فقد نشأ بمدينة البصرة بالعراق ورحل إلى مصر حيث التقى بعلمائها منهم الإمام الشافعي. وفي مصر كتب " السيرة النبوية " وقد أخذ كتاب ابن إسحاق فهذبه وحذف منه كثيراً مما لا تعلق له بالسيرة أو شك في صحته ككثير من الأشعار والأنساب، أو أضاف إليه أشياء كثيرة.
ومخطوطات هذا الكتاب كثيرة، وأقدم نسخة منها يرجع تاريخها إلى القرن السادس الهجري (٥٥٦هـ) .
وكان المستشرق الألماني " وستنفلد " من أوائل المهتمين بطبع هذا الكتاب، فأخرجه سنة (١٨٦٠هـ) في مجلدين مضبوطاً بالشكل وألحق به مجلداً يحتوي على تعاليق، وملاحظات وفهارس، ثم طبع هذا الكتاب اعتماداً على نسخة الإمام السهيلي، وهي المخطوطة التي أخذها عن شيخه ابن العربي، وتوالت طبعاته، ومن أفضل طبعاته، وأكثرها دقة الطبعة التي حققها الأستاذ مصطفى السقا ومن معه.
الطبقة الرابعة: وهم المصنفون في السير والمغازي ممن عاصروا الإمام البخاري ﵀ ومن أبرزهم:
стр. 26
ابن سعد (١) (ت ٢٣٠هـ) ولم يفرد المسيرة بمصنف وإنما أفرد أول كتاب الطبقات لسيرة النبي ومغازيه في مجلدين تقريباً، وبقية الطبقات لتراجم الصحابة والتابعين والعلماء إلى عصره، وهو مطبوع.
ومن رجال هذه الطبقة أيضاً ابن أبي خيثمة (٢) (ت ٢٧٩هـ) وكتابه مرتب على الطبقات ذكر فيه تراجم الرواة إلى عصره ومزجه بالتاريخ والسير مع النقد وعلل الحديث ومنهجه مثل منهج ابن سعد في طبقاته، وكتابه غير مطبوع.
ومن رجال هذه الطبقة أيضاً خليفة بن خياط العصفري (٣) (ت ٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ وهو مرتب على السنوات، وكتاب الطبقات، كلاهما مطبوع، وخليفة بن خياط من شيوخ الإمام البخاري وقد روى عنه في الجامع الصحيح.
هـ - كتب التفسير:
وهي الكتب التي اهتمت بتفسير القرآن بالأثر وقد كانت هناك كتب كثيرة في القرنين الثاني والثالث في تفسير القرآن (٤) ومن أهمها:
١) تفسير مجاهد (٥) (ت ١٠١هـ) .
стр. 27
٢) تفسير سفيان الثوري (ت ١٦١هـ) : لم يفسر فيه الثوري جميع الآيات بل يفسر الآيات التي وصله شيء من تفسيرها عن السلف، وما عثر عليه من هذا التفسير يشتمل على ٤٩ سورة من القرآن الكريم آخرها سورة الطور، وقد حققه الأستاذ امتياز علي العرشي وطبعه في رامبور الهند، ثم طبعته دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٣هـ.
٣) تفسير عبد الرزاق الصنعاني (١) (ت ٢١١هـ) .
٤) تفسير إسحاق بن راهوية (ت ٢٢٨هـ) .
٥) تفسير عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٣٩هـ) .
٦) تفسير أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) .
٧) تفسير ابن ماجه القزويني (ت ٢٧٥هـ) .
و الأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة:
وهي كثيرة جداً نذكر منها (٢) :
١) الإيمان للإمام أحمد.
٢) الإيمان لأبي بكر بن أبي شيبة.
٣) الطهور لأبي عُبيد القاسم بن لام البغدادي اللغوي الحافظ (ت ٢٢٢هـ أو ٢٢٣هـ أو ٢٢٤هـ) .
٤) الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي التميمي (ت ١١٨هـ أو
стр. 28
١١٩هـ) من شيوخ الإمام البخاري.
٥) قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي.
٦) الزكاة لأبي محمد يوسف بن يعقوب القاضي.
٧) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
٨) الإيمان والنذور، والنكاح، له أيضاً.
٩) الجهاد لعبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) وهو أول من صنف فيه.
١٠) الاستئذان والبر والصلة له أيضاً.
١١) الزهد للإمام أحمد، وهو من أحسن ما صنف في هذا الموضوع، لكنه مرتب على الأسماء.
١٢) الزهد لعبد الله بن المبارك، وهو مرتب على الأبواب، وفيه أحاديث واهية.
١٣) الزهد لهناد بن السري بن مصعب التميمي الحافظ (ت ٢٤٣هـ) .
١٤) الذكر والدعاء لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (ت ١٨٢هـ) .
١٥) الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
١٦) العلم لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي البغدادي الحافظ (ت ٢٣٤هـ) روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، وجزؤه هذا مطبوع بتحقيق الشيخ الألباني.
١٧) فضائل القرآن للشافعي.
١٨) ثواب القرآن لابن أبي شيبة.
وغير ذلك مما لا يحصى من الأجزاء في مختلف الموضوعات، وقد أفاد منها الإمام البخاري سواء في جامعه أم في غيره من مصنفاته التي سيأتي التعريف بها في آخر مبحث من هذا الفصل.
من خلال هذا العرض السريع لأهم المصنفات الحديثية إلى عصر الإمام البخاري تتجلى لنا الحقائق العلمية التالية:
стр. 29
• إن الإمام البخاري لم ينطلق في تصنيف جامعه من فراغ، بل يعتبر صحيحه حلقة من سلسلة ممتدة إلى المصنفين الأوائل كمالك وابن جريح والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم.
إن الإضافة الجديدة التي أضافها الإمام البخاري تتمثل في:
• جعل كتابه جامعاً لأنواع علوم الإسلام من عقيدة وفقه وتفسير ومغازي وسير وزهد ورقاق وفضائل وآداب، بينما كان من سبقه يركز على علم من العلوم فالسنن والجوامع والموطآت كانت تهتم بما يتعلق بالأحكام الفقهية دون غيرها من العلوم. وكذلك كتب السير والمغازي. خاصة بهذا الفن ولا تتعرض لغيره. وكذلك كتب التفسير فهي موضوعة لهذا الجانب ولا تتعرض لغيره كالفقه والسير والمغازي. وأما الأجزاء الحديثية فكل جزء منها خاص بباب معين من أبواب العلم، بنما نجد الجامع الصحيح قد اشتمل على كل تلك العلوم وهذا السبب في تسميته بالجامع.
• كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأخبار ولا يلتزم الصحة. فيذكر الصحيح والحسن والضعيف وقد يكون فيها الموضوع أحياناً، ولكن الإمام البخاري اقتصر في جامعه على الصحيح فقط لذا سماه الجامع الصحيح.
• كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، والمتصل والمنقطع على حد سواء، لكن البخاري خصّص كتابه لما ورد عن رسول الله ﷺ بالأسانيد المتصلة، وإن كان يذكر فيه الآثار والموقوفات على سبيل التبع للاستشهاد، وقد حوى جملة كثيرة من الموقوفات والآثار وعادة يرويها معلّقة، فهي ليست مقصودة أصالة وإنما بالتبع والاستطراد، لذا سمى البخاري كتابه الجامع الصحيح المسند.
• كان المصنفون يهتمون بمزج الحديث بالفقه كما فعل مالك في موطئه، ويذكرون آراء العلماء وفقهاء التابعين والأمصار، والإمام
стр. 30
البخاري لم يهمل هذه الناحية، ولم يتوسع في ذكر فقه الحديث وإنما سلك طريقة مختصرة وهي أنه يضمن فقه الحديث في الترجمة حتى شاع على ألسنة العلماء أن فقه الإمام البخاري في تراجمه، ويعضد ما يذهب إليه بالآيات والآثار ثم يذكر أهم ما ورد في الباب من الأحاديث المرفوعة المسندة. لهذه السمات والخصائص كان صحيح البخاري أهم كتب الحديث. وهذه جملة من ثناء العلماء على صحيحه.
قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل " (١) .
وقال أبو جعفر العقيلي: " لما صنّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحي بن معين، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث ". قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري وهي صحيحه ".
وقال الحاكم أبو أحمد: " رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه الذي ألف الأصول وبين للناس وكل من عمل من بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم، فرق كتابه في كتابه وتجلد فيه حق الجلادة حيث لم ينسبه إليه " (٢) .
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: " لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء " وقال أيضاً: "إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل فيه مستخرجاً وزاد فيه أحاديث " (٣) .
وما قاله الحاكم أبو أحمد والحافظ والدارقطني فيه إجحاف للإمام مسلم
стр. 31
- ﵀ وإن كان قد استفاد من كتاب البخاري ومن علمه لكنه أضاف إليه مما ليس فيه وركز فيه على الأسانيد واختلاف الروايات ومتون الأحاديث وغيرها مما يتعلق بالصنعة الحديثية (١) ، مما لم يركز عليه الإمام البخاري في صحيحه.
стр. 32
المبحث الثاني: النقد وعلوم الحديث إلى عصر الإمام البخاري
لقد مر بنا في المبحث السابق أن علماء الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجري قد بذلوا جهوداً عظيمة في تدوين السنة والحفاظ عليها بأنواع شتى من المصنفات، وطرق مناهج مختلفة في التأليف، والسؤال الذي يطرح هل كان إلى جانب هذا الجهد العظيم في الجمع والتصنيف، جهداً موازياً في النقد والتمحيص؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال، نحدد المراد بالنقد لغة واصطلاحاً ثم ما هي عوامل ظهوره ثم نعرض بشيء من الاختصار إلى جهود المحدثين ومصنفاتهم في النقد الحديثي إلى عصر الإمام البخاري.
تعريف النقد:
فالنقد لغة: هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، وكذا تميز غيرها ومثل هذا المصدر في مدلوله، التنقاد والتنقد من انتقد وتنقد الدراهم: أي ميز جيدها من رديئها (١) .
стр. 33
وناقده: ناقشة في الأمر (١) .
النقد اصطلاحاً: هو دراسة الرواة والمرويات لتمييز جيدها من رديئها، وعلوم الحديث كلها تعتبر نتاجاً لهذه المهمة التي اضطلع بها المحدثون والحفاظ، ومن أبرز هذه العلوم علمي الجرح والتعديل وعلل الحديث.
دوافع النقد وعوامل ظهوره:
اختلفت عوامل ظهور النقد باختلاف المراحل التي مر بها، ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين:
أ - المرحلة الأولى: وهي تتمثل في المرحلة التي سبقت ظهور الفتن والبدع ويقف وراء ظهور النقد في هذه الفترة عامل واحد وهو ما جبل عليه الإنسان من الوهم والخطأ والنسيان.
ب - المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي ظهرت فيها البدع والفتن، ويقف إلى جانب العامل الأول عامل آخر كان وراء تطور حركة النقد ونشاطها، وهو الكذب (٢) ، ولقد هيأ الله لهذه المهمة رجالاً قاموا بها أحسن قيام فقد وجد في كل عصر، وفي كل مصر من الجهابذة والحفاظ من يقوم بهذه الوظيفة من عهد الصحابة والتابعين إلى أتباعهم، يأخذ كل واحد منهم ما عند شيخه، ويضيف إليه ما توصل إليه بخبرته فتجمعت مادة علمية غزيرة في الكلام على الرواة والأحاديث إلى أن وصل الأمر إلى الأئمة الذين دوّنوا المصنفات المستقلة مثل: يحي ابن معين، والبخاري، وابن أبي حاتم وغيرهم.
والذي أريد التركيز عليه هو حركة التدوين في النقد وعلوم الحديث
стр. 34
ويمكن تقسيمها إلى المراحل التالية (١) :
المرحلة التمهيدية: وهو الشكل المبدئي والأولي للتدوين، إذ كان عبارة عن ملاحظات واستدراكات وتصويبات تدوّن بهوامش المرويات يستفيدها التلاميذ من شيوخهم، وتعتبر هذه التدوينات النواة الأولى لما عرف فيما بعد بالمسانيد المعللة.
المرحلة الثانية: وتتمثل في المسانيد المعللة، وتعتبر هذه المسانيد أول علوم الحديث ظهوراً ونشأة، لأنها تضم خليطاً من المعارف الحديثة: توثيق الرواة، أو تضعيفهم، أو بيان وفاة، أو ضبط غريب، أو بيان شكل، أو توضيح كنية، أو نسبة، أو موطن، أو غير ذلك. ثم نمت بعض الشيء وبدأت تنفصل عن كتب الحديث لتأخذ تسميات خاصة كسؤالات فلان في الرجال، وكان طابع التدوين في هذه الفترة هو أن يقوم به التلاميذ عن الشيوخ ويحتفظون به، وهي في الحقيقة إنتاج الشيوخ ومؤلفاتهم، أو ما جمعوه عن شيوخهم في علوم الحديث.
وكما قام هؤلاء التلاميذ بجمع ما عند شيوخهم من علوم الحديث، قام هؤلاء الشيوخ أنفسهم بهذه المهمة، فدوّنوا عن شيوخهم كثيراً من المعلومات وأضافوا إليها، وهكذا كل طبقة عن التي تليها.
المرحلة الثانية: وتمثلها كتب هؤلاء النقاد أو الروايات عنهم، وهي وإن اختلفت مسمياتها فكلها تدور في فلك واحد، وهو نقد الرجال وعلل الحديث وما يتصل بهما من علوم الحديث. ويلاحظ هنا طابع التلازم بين نقد الرجال وعلل الحديث وهو سمة بارزة في مؤلفات ابن المديني ويحي بن معين والإمام أحمد - رحمهم الله تعالى -.
فالروايات عن يحي أخذت مسميات عدة هي: (التاريخ، معرفة الرجال، السؤالات) وأما عن أحمد بن حنبل: (العلل، العلل ومعرفة الرجال، التاريخ) وأما عن ابن المديني: (العلل، المسند بعلله، التاريخ) .
стр. 35
وعلى الرغم من ذلك فقد ظهرت كتب مخصصة في هذه الفترة تناولت عدة فنون منها: الأسماء والكنى، الضعفاء والمدلسون، وأجزاء مستقلة لعلل أحاديث شيوخ معينين، وفي الوهم، وتفسير الغريب، والإخوة والأخوات، ومن عرف باللقب أو الاسم وهذه الكتب ذكرتها المصادر في مؤلفات ابن المديني.
ومن أحسن ما ألف في هذه المرحلة من حيث التنظيم والترتيب (طبقات ابن سعد) ، وتعتبر من المصادر الأولى في علم الجرح والتعديل وعلم الرجال، وقد طبع في تسع مجلدات، وتغلب عليها الصبغة التاريخية، فمدلول كلمة تاريخ كان يشمل علم الرجال والنقد، إضافة إلى السير والمغازي، ثم اقتصر مدلوله بعد ذلك على الأحداث التاريخية، فقد سمى كل من الدوري والدارمي روايتيهما عن يحي بن معين باسم التاريخ، وكذلك أبو بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ) (*) سمى كتابه في الرجال والجرح والتعديل باسم التاريخ، وكذلك الإمام الحافظ خليفة بن خياط العصفري (٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ والطبقات، وكذلك نجد الإمام البخاري سمى كتابه في علم الرجال والجرح والتعديل والعلل بالتاريخ الكبير وله التاريخ الأوسط والتاريخ الصغير (**) .
وقد اتخذ التدوين في العلل والرجاء في هذه المرحلة اتجاهين:
• ذكر الجرح والتعديل وأحوال الرواة مضموماً إلى ذلك العلل في مناسبات تتصل بتراجمهم، والكتب السابقة تمثل هذا الاتجاه.
• والاتجاه الثاني: يتمثل في عرض الأحاديث التي تطرقت إليها العلل، ثم يتبع ذلك بيان حال الرواة، وجرحهم وتعديلهم والتوسع في ذلك، مع التطرق إلى ذكر أوطانهم أحياناً، ويمثل هذا الاتجاه المسند المعلل
стр. 36
ليعقوب بن شيبة السدوسي (١) .
المرحلة الثالثة: وتمثل هذه المرحلة مؤلفات ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) وقد عمد إلى تلك المؤلفات التي وصلت إليه، فهذبها وأضاف إليها، وتعتبر كتبه نقلة نوعية في تدوين العلل والجرح والتعديل، فبعد أن كانت مادة العلل متداخلة في نقد الرجال، جرّدها وجعل كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
وتتمثل تلك النقلة في اختيار العنوان أيضاً حيث سمى كتابه " الجرح والتعديل " (٢) ومن هنا حددت أغراضه الأساسية، وهي ذكر ما وصل إليه الرواة من جرح أو تعديل، وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على التاريخ الكبير للبخاري حيث ضمنه كتابه وأضاف إليه ومن ثم أصبح كتابه مصدراً مهماً في بابه. وقد جرده من مادة العلل وألف فيها كتاباً مستقلاً سماه " علل الحديث (٣) " واحتذى في هذا حذو الترمذي في تأليفه " العلل الصغير والكبير " والبزار في " مسنده العلل ".
* * *
стр. 37
المبحث الثالث: ترجمة الإمام البخاري
نسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي.
أسلم المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بخاري، وكان مجوسياً. وقد طلب والد البخاري العلم.
قال البخاري:
" سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه " (١) .
وقد اختلف في ضبط اسم جده الأعلى (بردزبه) .
فقد ضبطه الأمير بن ماكولا (٢) بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة ثم هاء، وقال ابن
стр. 38
حجر: (١) " هذا هو المشهور في ضبطه ".
وقال ابن خلكان (٢) : " وقد اختلف في اسم جده فقيل: يزدبة بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة، وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة ".
وقال الذهبي في السير (٣) : " محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، وقيل بذدزبة " وكذا ضبطه المزي في تهذيب الكمال (٤) . وبردزبة بالبخاري، ومعناه بالعربية الزرّاع (٥) .
وأما البخاري فهي نسبة إلى البلد المعروف بما وراء النهر يقال لها بخاري خرج منها جماعة من العلماء في كل فن يتجاوزون الحد، وصنف تاريخها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار الحافظ البخاري وأحسن في ذلك (٦) .
وأما الجعفي فلأن أبا جده أسلم على يد الميمان الجعفي، فنسب إليه لأنه مولاه من فوق (٧) .
ولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وقد ذهب بصره في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل فقال لها: " يا هذه قد رد الله على ابنك بصره
стр. 39
لكثرة بكائك أو دعائك " (١) .
طلبه للعلم:
طلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب ولم تتجاوز سنه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة، فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلف هو في طلب الحديث (٢) .
شيوخه:
لقد أخذ البخاري عن شيوخ كثيرين قد ذكرهم من ترجم للبخاري. فمنهم من صنفهم على حروف المعجم كالمزي في تهذيب الكمال (٣) وحاول استقصاءهم، وذكرهم الذهبي في السير على البلدان (٤) ، وذكرهم أيضاً على الطبقات (٥) ، وقد تبعه الحافظ ابن حجر في ذكرهم على الطبقات (٦) .
وهذه أسماء بعض منهم على البلدان:
سمع ببخاري قبل أن يرتحل من عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي المسندي، ومحمد بن سلام البيكندي، وجماعة.
ثم سمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وهو من عوالي شيوخه.
وسمع بمرور من عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسين شقيق، وصدقة بن الفضل وغيرهم.
стр. 40
وسمع بالري من إبراهيم بن موسى.
وسمع بنيسابور من يحي بن يحي وجماعة.
وببغداد من محمد بن عيسى الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان، ومحمد بن سابق.
وبالبصرة من أبي عاصم النبيل، والأنصاري، ومحمد بن عرعرة وغيرهم.
وبمكة من أبي عبد الرحمن المقريء، وخلاد بن يحي، والحميدي وغيرهم.
وبالمدينة من عبد العزيز الأوسي، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسماعيل بن أبي أويس.
وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأحمد بن إشكاب، وعبد العزيز بن يوسف، وأصبغ وغيرهم.
وبالشام: من أبي اليمان، ومحمد بن يوسف الفرياني، وأبي مسهر، وأمم سواهم.
وقال ﵀: " كتبت عن ألف وثمانين رجلاً ليس منهم إلا صاحب حديث. كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص " (١) .
تلاميذه:
روى عنه خلق كثير منهم: أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبد الله الخضري مطين، وإبراهيم بن معقل النسفي، وعبد الله بن ناجية، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وعمرو بن محمد بن بجير، وأبو كريب محمد بن