ليعقوب بن شيبة السدوسي (١) .
المرحلة الثالثة: وتمثل هذه المرحلة مؤلفات ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) وقد عمد إلى تلك المؤلفات التي وصلت إليه، فهذبها وأضاف إليها، وتعتبر كتبه نقلة نوعية في تدوين العلل والجرح والتعديل، فبعد أن كانت مادة العلل متداخلة في نقد الرجال، جرّدها وجعل كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
وتتمثل تلك النقلة في اختيار العنوان أيضاً حيث سمى كتابه " الجرح والتعديل " (٢) ومن هنا حددت أغراضه الأساسية، وهي ذكر ما وصل إليه الرواة من جرح أو تعديل، وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على التاريخ الكبير للبخاري حيث ضمنه كتابه وأضاف إليه ومن ثم أصبح كتابه مصدراً مهماً في بابه. وقد جرده من مادة العلل وألف فيها كتاباً مستقلاً سماه " علل الحديث (٣) " واحتذى في هذا حذو الترمذي في تأليفه " العلل الصغير والكبير " والبزار في " مسنده العلل ".
* * *
стр. 37
المبحث الثالث: ترجمة الإمام البخاري
نسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي.
أسلم المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بخاري، وكان مجوسياً. وقد طلب والد البخاري العلم.
قال البخاري:
" سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه " (١) .
وقد اختلف في ضبط اسم جده الأعلى (بردزبه) .
فقد ضبطه الأمير بن ماكولا (٢) بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة ثم هاء، وقال ابن
стр. 38
حجر: (١) " هذا هو المشهور في ضبطه ".
وقال ابن خلكان (٢) : " وقد اختلف في اسم جده فقيل: يزدبة بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة، وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة ".
وقال الذهبي في السير (٣) : " محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، وقيل بذدزبة " وكذا ضبطه المزي في تهذيب الكمال (٤) . وبردزبة بالبخاري، ومعناه بالعربية الزرّاع (٥) .
وأما البخاري فهي نسبة إلى البلد المعروف بما وراء النهر يقال لها بخاري خرج منها جماعة من العلماء في كل فن يتجاوزون الحد، وصنف تاريخها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار الحافظ البخاري وأحسن في ذلك (٦) .
وأما الجعفي فلأن أبا جده أسلم على يد الميمان الجعفي، فنسب إليه لأنه مولاه من فوق (٧) .
ولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وقد ذهب بصره في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل فقال لها: " يا هذه قد رد الله على ابنك بصره
стр. 39
لكثرة بكائك أو دعائك " (١) .
طلبه للعلم:
طلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب ولم تتجاوز سنه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة، فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلف هو في طلب الحديث (٢) .
شيوخه:
لقد أخذ البخاري عن شيوخ كثيرين قد ذكرهم من ترجم للبخاري. فمنهم من صنفهم على حروف المعجم كالمزي في تهذيب الكمال (٣) وحاول استقصاءهم، وذكرهم الذهبي في السير على البلدان (٤) ، وذكرهم أيضاً على الطبقات (٥) ، وقد تبعه الحافظ ابن حجر في ذكرهم على الطبقات (٦) .
وهذه أسماء بعض منهم على البلدان:
سمع ببخاري قبل أن يرتحل من عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي المسندي، ومحمد بن سلام البيكندي، وجماعة.
ثم سمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وهو من عوالي شيوخه.
وسمع بمرور من عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسين شقيق، وصدقة بن الفضل وغيرهم.
стр. 40
وسمع بالري من إبراهيم بن موسى.
وسمع بنيسابور من يحي بن يحي وجماعة.
وببغداد من محمد بن عيسى الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان، ومحمد بن سابق.
وبالبصرة من أبي عاصم النبيل، والأنصاري، ومحمد بن عرعرة وغيرهم.
وبمكة من أبي عبد الرحمن المقريء، وخلاد بن يحي، والحميدي وغيرهم.
وبالمدينة من عبد العزيز الأوسي، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسماعيل بن أبي أويس.
وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأحمد بن إشكاب، وعبد العزيز بن يوسف، وأصبغ وغيرهم.
وبالشام: من أبي اليمان، ومحمد بن يوسف الفرياني، وأبي مسهر، وأمم سواهم.
وقال ﵀: " كتبت عن ألف وثمانين رجلاً ليس منهم إلا صاحب حديث. كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص " (١) .
تلاميذه:
روى عنه خلق كثير منهم: أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبد الله الخضري مطين، وإبراهيم بن معقل النسفي، وعبد الله بن ناجية، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وعمرو بن محمد بن بجير، وأبو كريب محمد بن
стр. 41
جمعة، ويحي بن محمد بن صاعد ومحمد بن يوسف الفربري " راوي الصحيح " وأبو بكر بن أبي داود، والحسين والقاسم ابنا المحاملي، وعبد الله بن محمد بن الأشقر، ومحمد بن سلمان بن فارس، ومحمد بن عنبر النسفي وأمم لا يحصون، وروى عنه الإمام مسلم في غير " صحيحه " (١) .
منزلته العلمية:
اشتهر البخاري في عصره بالحفظ والعلم والذكاء، وقد وقعت له حوادث كثيرة تدل على حفظه منها امتحانه يوم دخل بغداد وهي قصة مشهورة (٢) .
وكان ﵀ واسع العلم غزير الاطلاع، قال وراقة ابن أبي حاتم: قرأ علينا أبو عبد الله كتاب " الهبة " فقال ليس في " هبة وكيع " إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب ابن المبارك خمسة أو نحوه وفي كتابي هذا خمسمائة حديث أو أكثر (٣) .
وقال: " لا أعلم شيئاً يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب أو السنة. فقيل له: يمكن معرفة ذلك كله قال نعم " (٤) .
وقال له بعضهم، قال فلان عنك لا تحسن أن تصلي، فقال: لو قيل شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة (٥) .
стр. 42
ثناء الأئمة عليه:
أثنى عليه أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث ثناءً عاطراً واعترفوا بعلمه وفضله وخاصة في الرجال وعلل الحديث، وهذا شيء يسير من ثناء هؤلاء الأئمة عليه (١) .
قال الإمام البخاري ﵀: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه فسُروا بذلك، وصاروا إلى عمرو فأخبروه، فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وكان إسحاق بن راهوية يقول: اكتبوا عن هذا الشاب - يعني البخاري - فلو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خرسان مثل محمد بن إسماعيل.
وكان علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خرسان.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.
عبادته وورعه وصلاحه:
وكما جمع الإمام البخاري بين الفقه والحديث فقد جمع الله له بين العلم والعبادة. فقد كان كثير التلاوة والصلاة، وخاصة في رمضان فهو يختم القرآن في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة (٢) .
وكان أحياناً يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمها، فقد أبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعاً وقد تورّم من ذلك جسده فقال له
стр. 43
بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ فقال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها (١) .
كما كان ﵀ ورعاً في منطقه وكلامه فقال ﵀: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً (٢) .
وكان مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته قال بعد أن فرغ من ورده: " اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك " فما تم شهر حتى مات (٣) .
وقال ﵀: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له، فقالت له امرأة أخيه: فهل تبينت ذلك من نفسك أو جربت؟ قال نعم، دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلم أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل (٤) .
أخلاقه:
كان ﵀ كريماً سمحاً كثير الإنفاق على الفقراء والمساكين، وخاصة من تلاميذه وأصحابه، ولا بأس أن أورد هذه القصة الدالة على أخلاقه العالية.
قال عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت الدخول، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن الطريق كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال
стр. 44
لها: اذهبي فقد اعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله أغضبتك الجارية؟ قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت (١) .
محنته وصبره:
لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال محمد بن يحي الذهلي لأهلها: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه. فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه. حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحي، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه (٢) فدسّ بعض من يمتحنه في (مسألة اللفظ بالقرآن) فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فقال الرجل: يا أبا عبد الله فأعاد عليه القول، ثم قال في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فشغّب الرجل وشغّب الناس، وتفرقوا عنه، وقعد البخاري في منزله (٣) .
قال يحي بن سعيد القطان: قال (أي البخاري) : أعمال العباد كلها مخلوقة فمرقوا عليه. وقالوا له بعد ذلك ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك قال: لا أفعل إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي. قال يحي: وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته (٤) .
قال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحي والبخاري، دخلت على البخاري فقلت يا أبا عبد الله: أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحي؟ كل من يختلف إليك يطرد.
стр. 45
فقال: كم يعتري محمد بن يحي الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء، فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك.. قال: يا بني هذه مسألة مشؤومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة!
وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.
قال الذهبي: " المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة واستدل لذلك ففهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه. وأخذه بلازم قوله هو وغيره " (١) .
وقد أظهر البخاري في هذه المحنة صبراً لا مثيل له. فقد كان كثيراً من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك فيقول: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ((٢) ، ويتلو أيضاً: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ((٣) .وقال له بعضهم: كيف لا ندعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويتهمونك؟ ! فقال: قال النبي ﷺ : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " (٤) . وقال: " من دعا على ظالمه فقد انتصر " (٥) .
وقال له بعضهم: يا أبا عبد الله إن فلاناً يكفرك فقال: قال النبي ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما " (٦) . وكان في هذه المحنة هجيراه من الليل يردد قوله تعالى:
стр. 46
(إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ((١) .
قال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخرسان وخصوصاً هذه المدينة وقد لجَّ في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه. فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ((٢) اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً، ولا طلباً للرياسة، وإنما أبت عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني لله لا غير، ثم قال لي: إني خارج غداً لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره (٣) .
وقد اقترح عليه بعض أصحابه، وهو أحمد بن سيار: ألا يظهر هذا القول عند العامة فإنها لا تحتمل منه هذا وبين له أنه لا يخالفه في قوله وإنما يدعوه إلى ستره. فقال البخاري: إني أخشى النار، أسأل عن شيء أعلمه حقاً أن أقول غيره فانصرف عنه أحمد بن سيار (٤) .
ولقد كانت هذه المحنة سبباً للطعن في هذا الإمام العظيم، والقدح في عدالته عند بعض الأئمة المعاصرين له. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٥) : " قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي، وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحي أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق " قال الذهبي (٦) ﵀: " إن تركا حديثه، أو لم يتركا، البخاري ثقة مأمون يحتج به في العالم " ولم تكن محنة هذا الإمام لتنتهي
стр. 47
بخروجه من نيسابور، بل قد وقعت له في بخاري محنة أخرى هي امتداد للأولى. إذ لما قام البخاري " بخاري " استقبله أهلها استقبالاً عظيماً، وبقي أياماً على الحفاوة والتكريم. فكتب بعدها محمد بن يحي الذهلي، إلى خالد بن أحمد أمير بخاري " إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج (١) وقد ذكر المؤرخون سبباً آخر يمكن أن يكون هو السبب الحقيقي لنفرة هذا الأمير من البخاري. فقد طلب من البخاري لما قدم "بخارى" أن يحمل " الجامع " و " التاريخ " وغيرها من كتبه ليسمعها الأمير وأهل بيته، لكن البخاري اعتبر ذلك إذلالاً للعلم. وقال لرسوله: " أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلي شيء منه حاجة، فاحضر إلى مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ : " من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار (٢) " (٣) .
وفاته:
لما منع البخاري من العلم خرج إلى " خرتنك " وهي قرية على فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أياماً قليلة، ثم توفي وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً (٤) وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
стр. 48
المبحث الرابع: الآثار العلمية للإمام البخاري
لقد ترك الإمام البخاري إنتاجاً علمياً غزيراً يدل على علمه وتمكنه، وقد استفاد ممن قبله واستفاد منه من جاء بعده فاقتدوا به في مصنفاته، واحتذوا حذوه. وساروا على طريقته. ولقد حفظت لنا كتب التاريخ والتراجم أسماء كتبه ومصنفاته، لكن الكثير منها فقد منذ أمدٍ بعيد، وهذه أسماء كتبه التي ذكرها العلماء (١) وسأعرّف بالموجود منها.
١- الجامع الصحيح.
٢- الأدب المفرد.
٣- التاريخ الكبير.
٤- التاريخ الأوسط.
٥- التاريخ الصغير.
٦- خلق أفعال العباد.
٧- الرد على الجهمية.
٨- الجامع الكبير.
стр. 49
٩- المسند الكبير.
١٠- الأشربة.
١١- الهبة.
١٢- أسامي الصحابة الوحدان.
١٣- المبسوط.
١٤- المؤتلف والمختلف.
١٥- العلل.
١٦- الكني.
١٧- الفوائد.
١٨- قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.
١٩- رفع اليدين في الصلاة.
٢٠- القراءة خلف الإمام.
٢١- بر الوالدين.
٢٢- الضعفاء.
١ - الجامع الصحيح:
أ - دوافع تأليف:
من خلال ما تقدم عرضه - في المباحث السابقة - من كتب السنة والحديث التي سبقت ظهور الجامع الصحيح نلاحظ أن تلك المؤلفات لم تفرد الحديث الصحيح بالتأليف وإنما كانت تضم الصحيح والضعيف والمعلول وأحياناً الجرح والتعديل وغيرها من علوم الحديث كما تقدم بيانه سابقاً. وكان علماء الحديث يفعلون ذلك ثقة منهم أنه في إمكان أي محدث أو فقيه أن يميز هذا من ذاك، من غير تنصيص من هؤلاء المؤلفين. لكن يبدو أن هذا
стр. 50
الأمر أصبح عسيراً في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. فقد استطال السند، وكثر الرواة، وتشعبت الطرق، فأصبح من العسير جداً على غير الأئمة النقاد التمييز بين الصحيح من عشرات الأحاديث والطرق الضعيفة أو المعلولة للحديث الواحد. وأصبحت الحاجة ماسة جداً إلى وضع كتاب يضم الصحيح فقط ويتحاشى الضعيف والمعلول. وليس هذا فحسب، بل أن يكون مختصراً، إذ المؤلفات السابقة، كما مر في المباحث المتقدمة، كانت واسعة وكبيرة وخاصة الجوامع والمسانيد، وحتى لا يكون هذا لاختصار مخلاً فالإمام البخاري جعل كتابه شاملاً لأهم مقاصد تلك الكتب السابقة، ففيه ما يتعلق بالتوحيد، وفيه ما يتعلق بالفقه والأحكام، وفيه ما يتعلق بالتفسير، وما يتعلق بالسير والمغازي، والشمائل والمناقب، والطب والرؤيا، ومن ثمة كان حرياً أن يوصف بأحسن وخير كتب الإسلام كما وصفه بذلك الإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) .
وقد أعلن هذه الحاجة المحدث الكبير شيخ الإمام البخاري. الإمام إسحاق بن راهوية في مجلس من مجالسه العلمية قال: " لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ ".
قال الإمام البخاري: " فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح " (٢) .
وقد ظهر لي غرض آخر دفع البخاري إلى تأليف جامعه وهو تلك
стр. 51
الموجة من البدع التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث، كالإرجاء والاعتزال والخروج، والتجهم والنصب، والتشيع، وبدع سلوكية كالتصوف الغالي، وبدع مذهبية فروعية، كالتعصب لإمام ما والإقبال على استعمال الرأي وتكلف القياس وأطراح السنن الثابتة عن النبي ﷺ لذلك كله جرد الإمام البخاري نفسه من خلال جامعه للرد على كل هذه البدع بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ .
فكتاب " الإيمان " من " جامعه " قد ذكر فيه مذهب أهل السنة والجماعة في حقيقة الإيمان من أنه قول وعمل، يزيد وينقص وضمنه الرد على المرجئة، وهذا واضح في كثير من تراجم هذا الكتاب منها:
" دعاؤكم إيمانكم "، " أمور الإيمان "، " من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، " علامة الإيمان حب الأنصار "، " تفاضل أهل الإيمان "، " الصلاة من الإيمان "، " اتباع الجنائز من الإيمان"، " زيادة الإيمان ونقصانه "، وكذلك ضمنه الرد على غلاة الخوارج والمعتزلة الذين يجعلون الأعمال ركناً من الإيمان يزول بزوالها. فيكفرون أهل الكبائر ويحكمون بخلودهم في النار، وهذا الرد في التراجم التالية: " كفران العشير، وكفر دون كفر " و " المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك "، " ظلم دون ظلم ".
وأما كتاب " فضائل الصحابة " وكتاب " مناقب الأنصار " فقد ضمنها الرد على الشيعة الروافض والناصبة، والخوارج وغيرهم من المنحرفين عن أصحاب رسول الله كلهم أو بعضهم، فقد أورد مناقب أبي بكر وعمر وعثمان، وفضل عائشة، ومعاوية وهذا رد على الشيعة. وأورد فيه ما يدل على فضل علي والحسن والحسين، ومناقب فاطمة وهذا رد على الخوارج (١) والنواصب (٢) .
стр. 52
وأما كتاب " القدر " فقد ضمنه الرد على القدرية النفاة (١) .
وأما كتاب " الفتن " فقد ضمنه الرد على من يرى الخروج على الأئمة بالسيف من الخوارج والمعتزلة (٢) ، وأما كتاب " الأحكام " فقد ضمنه الرد على انحرافات الشيعة (٣) والخوارج فيما يتعلق بالإمامة كما ضمن كتاب " أخبار الآحاد "، وكتاب " الاعتصام بالسنة " الرد على من لا يرى قبول أخبار الآحاد من المعتزلة وغيرهم، وأما كتاب " الاعتصام بالسنة " فقد ضمنه الحث على التمسك بها، وهو رد على غلاة القياسيين، وأهل الرأي ومن تراجمه فيه: " باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس "، " باب ما كان النبي ﷺ يسأل عما لم ينزل عليه من الوحي فيقول لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ولم يعمل برأي ولا بقياس لقوله تعالى: (بما آراك الله (، " تعليم النبي ﷺ من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل".
أما " كتاب التوحيد " فهو في بعض روايات الصحيح " كتاب التوحيد والرد على الجهمية (٤) وغيرهم " وضمنه مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وفيه رد بالغ على الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم في إنكار صفات الله وأسمائه أو تأويلها على غير ما ورد به الشرع.
стр. 53
وقد أفرد في جامعه كتاباً للزهد والرقاق ضمنه ما صح عن النبي ﷺ في هذا الموضوع وفي كثير من أبوابه رد على غلو الصوفية الذين أحدثوا مناهج مبتدعة في تزكية النفوس، من هذه الأبواب: " القصد والمداومة على العمل "، " الرجاء مع الخوف ".
ب - الأغراض الفقهية للبخاري في صحيحه:
اشتمل الجامع الصحيح للإمام البخاري على (٩٧) كتاباً و (٣٤٥٠) باباً مرتبة على المسائل الفقهية والعقدية وغيرها.
وكان ﵀ يقطع الأحاديث ويختصرها ويكررها في مواضع مختلفة لتخدم الناحية الفقهية، من أجل ذلك نجد أن كتابه لم يتضمن الأحاديث الصحيحة المسندة فحسب، والتي هي أصل الكتاب. ومن أجلها صنفه، وإنما ضم إلى جانب ذلك الكثير من الآيات القرآنية التي لها صلة بموضوع الباب الذي يذكره، وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وكثيراً من الأحاديث المعلقة وكثيراً مما يستنبطه من معاني الأحاديث من الفقه والأحكام. بما تقدم ذكره، وبتراجمه التي أودعها استنباطاته العجيبة، وبرده على كثير من المخالفين لأهل الحديث.
وقد اهتم الكثير من العلماء بالجانب الفقهي من صحيح البخاري ودوّنوا فيه مصنفات كثيرة.
جـ - عناية الأمة الإسلامية وعلمائها بصحيح البخاري:
لم يحظَ كتاب بعد كتاب الله من العناية ما حظيه صحيح البخاري، وكانت هذه العناية جهوداً علمية دقيقة في خدمة هذا الكتاب، فقد انتقل إلينا صحيح البخاري من مؤلفه إلى عصرنا عبر أيد علمية أمينة: سماعاً أو إجازة، أو مناولة، وميزوا بين الروايات المختلفة والنسخ وما بينها من فروق معزوة إلى أصحابها، وهذه الاختلافات سببها اختلاف الأوقات التي يسمع فيها تلاميذ البخاري منه، أو لبعض أخطاء النساخ وأشهر هذه الروايات هي:
стр. 54
١) رواية أبي ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الحافظ (١) .
٢) رواية ابن السكن: أبو علي سعيد بن عثمان الحافظ (٢) .
٣) رواية الأصيلي: أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣) .
٤) رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي (٤) .
والروايات الثلاث الأولى كلها عن طريق الفربري (٥) أما الرواية الرابعة فهي للنسفي عن البخاري، وقد سمع بعضه، وأجاز له من أول كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب.
ولقد اهتم العلماء بضبط هذه الروايات وتحريرها، وممن قام بهذا العمل الحافظ شرف الدين علي بن محمد بن عبد الله اليونيني (٦) عندما قام
стр. 55
بضبط رواية البخاري وقابل أصله بأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، وبأصل أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وقد حضر معه في هذه المقابلة الإمام النحوي جمال الدين بن مالك (١) ، فكان إذا مر بلفظ يظهر أنه مخالف لقوانين العربية المشهورة، قال لليونيني، هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه بأنه ثابت في الرواية شرع ابن مالك في توجيهها، وجمع هذه التوجيهات في كتاب سماه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح " وهو مطبوع. ولم يقصد اليونيني أن يرجع بهذه المقابلة ما هو ثابت في الأصول، ويخرج منها صورة مختارة - في نظره - لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد، تيسيراً لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان. وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ، حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله.
والنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض النسخ، وقد أرسل هذه الأصل إلى السلطان عبد الحميد لينشر في مصر، وقد طبع في مطبقة بولاق (٢) .
وقد اهتم علماء آخرون بشرح صحيح البخاري ومن أبرز من قام بهذا العمل، الإمام أحمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٦هـ) ، ومحمد بن يوسف الكرماني (ت ٧٨٨هـ) في كتابه " الكواكب الدراري " وهو مطبوع، ومنهم
стр. 56
الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) في كتابه " فتح الباري " ومحمود بن أحمد العيني (ت ٨٥٥هـ) في كتابه " عمدة القاري "، وأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني (ت ٩٢٣هـ) في كتابه " إرشاد الساري ".
وقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه " تاريخ التراث العربي " (٥٦) شرحاً. للجامع الصحيح، بعضها مخطوط وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب السابقة (١) .
وقد انصرف بعض العلماء إلى ضبط أسماء الرواة الوارد ذكرهم في الجامع الصحيح، والكلام عليهم جرحاً وتعديلاً. وقد أثمرت هذه الجهود كتباً كثيرة في هذا المجال أذكر منها ما يلي:
١) أسامي من روى عنهم البخاري: لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني (٢) (ت ٣٦٥هـ) .
٢) الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد لأبي نصر أحمد بن محمد الكلاباذي (٣) (ت ٣٩٨هـ) .
٣) ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم. للدارقطني (٤) (ت ٣٨٥هـ) . طبع بتحقيق بوران الصناري، وكمال يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.
٤) تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم وما انفرد به كل واحد منهما،
стр. 57
لأبي عبد الله الحاكم (١) النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) ، طبع بتحقيق كمال يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.
٥) تقيد المهمل وتميز المشكل: لأبي علي الغساني الجياني (٢) (ت ٤٠٩هـ) .
٦) الجمع بين رجال الصحيحين، لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (٣) المعروف بابن القيسراني (ت ٥٠٧هـ) وقد طبع في الهند، وتولت طباعته دائرة المعارف العثمانية سنة ١٣٢٣هـ.
٧) المعلم بأسامي شيوخ البخاري ومسلم لمحمد بن إسماعيل بن خلفون (٤) (ت ٦٣٦هـ) وهو مخطوط.
٨) رجال البخاري ومسلم لأحمد بن موسى الهكاري (٥) (ت ٧٦٣هـ) .
٩) قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين لعبد الغني البحراني (٦) (ت ١١٧٤هـ) وهو مطبوع.
стр. 58
٢ - التاريخ الكبير:
صنفه البخاري في سن مبكرة وسنه إذ ذاك ثماني عشرة سنة وقد قصد منه الاختصار فقد قال ﵀: " كل اسم في التاريخ إلا وعندي قصته، إلا أنني كرهت أن يطول الكتاب " (١) . فالكتاب مخصص لرواة الحديث عامة سواء أكانوا ثقات أم ضعفاء وقد اعتمد فيه البخاري على الروايات في إثبات الأسماء والأنساب والكنى، كما اشتمل على الكثير من الجرح والتعديل إلى مادة هامة في علل الحديث. وهذه الغزارة العلمية كانت ولا تزال سبباً في غموض منهجه وصعوبة الاستفادة منه. وقد أدرك هذا الغموض الإمام البخاري قبل غيره. قال ﵀: " لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ، ولو عرفوه " (٢) ، وقال: " أخذ إسحاق بن راهوية كتاب التاريخ الذي صنفته فأدخله على عبد الله بن طاهر. فقال: أيها الأمير ألا أريك سحراً؟! قال: فنظر فيه عبد الله، فتعجب منه وقال لست أفهم تصنيفه " (٣) لذا ينبغي أن يكون الكتاب موضع اهتمام الباحثين والدارسين لتقريب الاستفادة منه*.
اشتمل التاريخ الكبير على (١٢٣١٥) ترجمة كما في النسخة المطبوعة المرقمة، ولقد رتبه البخاري ﵀ على حروف المعجم لكن بالنسبة للحرف الأول من الاسم والحرف الأول من اسم الأب لكنه بدأ الكتاب بأسماء المحمدين لشرف اسم النبي ﷺ .
стр. 59
كما أنه قدم في كل اسم أسماء الصحابة أولاً، دون النظر إلى أسماء آبائهم، ثم ذكر بعد ذلك بقية الأسماء ملاحظاً ترتيب أسماء آبائهم (١) كما أورد فيه قسماً خاصاً بالكنى، ولم يراع الترتيب في الأسماء التي لم تكثر فيها التراجم.
ويذكر البخاري ألفاظ الجرح والتعديل، لكنه يستعمل عبارات لطيفة في الجرح. فيقول مثلاً: " فيه نظر "، أو " سكتوا عنه " وأشد ما يقوله من العبارات في الجرح " منكر الحديث " وكثيراً ما يسكت عن الرجل فلا يذكر فيه توثيقاً ولا تجريحاً.
ولما كان هذا العمل جهداً بشرياً فإنه لم يسلم من الأوهام والأخطاء. لكنها أخطاء يسيرة وأوهام معدودة تكلم عليها الحفاظ وبينوها. فمن هؤلاء الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه "موضح أوهام الجمع والتفريق " فالجمع عد الاثنين فأكثر واحداً، والتفريق: عد الواحد اثنين فأكثر ساق فيه أربعة وسبعين فصلاً غالبها في التفريق، وبعضها في الجمع، يورد في كل فصل عبارة التاريخ الكبير ثم يذكر رأيه ويستدل عليه بكلام الأئمة ويسوق الأسانيد التي تشهد له. والكتاب مطبوع وهو مفيد في بابه، وليس كل ما في مسلم له.
وانتقده من قبل الإمام ابن أبي حاتم الرازي في كتابه " خطأ الإمام البخاري في تاريخه " وهو مطبوع، كما انتقده أيضاً الحافظ عبد الغني في بعض الأوهام التي وقعت له، وهي أشياء يسيرة لا تتجاوز العشرة، وقد طبعت كملحق في الجزء الثامن من التاريخ الكبير طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
٣ - التاريخ الصغير:
انتزعه البخاري من التاريخ الكبير، ولكن رتبه حسب الوفيات ويكاد ينقل عبارته في معظم الأحيان مع حرصه على الاختصار، ومع ذلك فيه
стр. 60
إضافات لا توجد في التاريخ الكبير، ويعتبر التاريخ الصغير من مصنفات البخاري المتأخرة بدليل إيراده للتراجم التي توفي أصحابها قبل وفاة البخاري بقليل، وقد طبع في مجلدين بتحقيق محمود إبراهيم زايد، بدار المعرفة بيروت سنة ١٤٠٦ - ١٩٨٦.
٤ - التاريخ الأوسط:
ذكر الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي (١) ، أن هناك نسخة ناقصة منه في بنكيبور ١٢: ٣٢ رقم ٦٨٧ وقد نقل منه الحافظ ابن حجر في التهذيب (٢) .
٥ - كتاب الكنى:
من الباحثين من يرى أنه كتاب مفرد مستقل عن التاريخ الكبير، كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في مناسبات عدة، منها في أثناء تعديد مصنفات البخاري في مقدمة الفتح (٣) فتارة يسميه كتاب الكنى، وتارة الكنى المجردة، وتارة الكنى المفردة. ويرى الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي ﵀ بأنه جزء من التاريخ الكبير أو أنه متمم له (٤) وقد طبع بنهاية التاريخ الكبير، وقد اشتمل على (٩٩٣) ترجمة' وكانت استفادة العلماء من هذا الكتاب كبيرة وخاصة ممن ألف في هذا الموضوع ممن جاء بعد البخاري كالإمام مسلم في كتابه الكنى، والحاكم الكبير أبو أحمد.
٦ - الضعفاء الكبير:
ذكره ابن النديم في الفهرست (٥) وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي
стр. 61
وذكر أنه يوجد مخطوطاً في مكتبة بتنة بالهند تحت رقم (٣٩٣٧) .
٧ - الضعفاء الصغير:
وقد أفرده للضعفاء ومن لا يحتج بحديثهم، وهو كتاب مختصر ومفيد في بابه. طبع في الهند سنة ١٣٢٥هـ، ونشر مع كتاب المنفردات والوحدان للإمام مسلم سنة ١٣٢٣. كما طبع بحلب في دار الوعي سنة ١٣٩٦هـ.
٨ - خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل:
موضوع هذا الكتاب هو الرد على المعتزلة والقدرية النفاة لقدر الله . والقائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه. وكذلك الرد على الجهمية والمعطلة النافين لصفات الله ، وقد أفاض البخاري في الرد عليهم في مسألة كلام الله وبيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد تضمن هذا الكتاب (٤٨٤) نصاً فيها الأحاديث المرفوعة، والموقوفة وآثار من كلام التابعين وأئمة السنة، وليس كل ما ورد فيه صحيح بل فيه الصحيح والحسن والضعيف، وهو كتاب مهم لأنه حفظ لنا كثيراً من نصوص السلف في مسائل الاعتقاد، كما أنه شهادة صادقة على أن الإمام البخاري ﵀ كان من أئمة أهل السنة والجماعة المتبعين لما كان عليه سلف الأمة في مسائل الاعتقاد، والرد على أهل البدع والأهواء. وقد طبع هذا الكتاب وقام بتخريج أحاديثه وتصحيح ألفاظه كل من أبي محمد سالم بن أحمد بن عبد الهادي السلفي، وأبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني الأبياني.
٩ - الأدب المفرد:
موضوع هذا الكتاب أحاديث الآداب والأخلاق وقد اشتمل على عدد ضخم من الأحاديث في هذا المجال فيها الصحيح والحسن والضعيف وسبب تسميته بالأدب المفرد هو التمييز بينه وبين كتاب الأدب في الجامع الصحيح وقد طبع عدة مرات وقام بشرحه بعض العلماء.
стр. 62
١٠ - جزء القراءة خلف الإمام:
تعرّض فيه لمسألة قراءة الفاتحة في الصلاة. فالبخاري ﵀ يرى وجوب قراءة الفاتحة في الصلوات كلها ما يجهر فيها وما يخافت، وقد ذكر في الجامع الصحيح باباً ضمن فيه بعض الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم في جميع الصلوات سواء كانت سرية أم جهرية (١) . وقد توسع في هذا الجزء في ذكر أدلة هذه المسألة، والرد على المخالفين فيها، وهو مطبوع.
١١ - جزء رفع اليدين في الصلاة:
تعرض فيه لمسألة رفع اليدين في الصلاة، فبين سنية الرفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبين الركعتين، وتكلم على الأحاديث التي يحتج بها المخالفون في هذه المسألة وبيان ضعفها وعللها. وهو كتاب مفيد على صغر حجمه. وقد طبع في مصر والهند وغيرهما، وعليه تخريجات للشيخ أبي محمد بديع الدين السندي سماها قرة العين في تخريج أحاديث رفع اليدين.
هذه هي الكتب التي ما تزال موجودة من مصنفات الإمام البخاري والكثير منها لا يعرف حتى في زمن الحفاظ المتأخرين كابن حجر وغيره. فقد ذكر الحافظ الكتب السابقة ثم قال: " وهذه الكتب موجودة مروية لنا بالسماع وبالإجازة.. " ثم ذكر الكتب الأخرى من خلال ما ورد في أقوال أو تصانيف الحفاظ المتقدمين كالبغوي وابن منده والترمذي (٢) .
стр. 63
التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري:
لقد ترك الإمام البخاري ﵀ آثاراً بارزة، في من كان في عصره من العلماء والحفاظ أو من جاء بعدهم، فاحتذروا به في مصنفاتهم، واقتفوا أثره واستفادوا من علمه، ومن هؤلاء الأعلام:
١ - الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ه ـ) :
لقد استفاد الإمام مسلم ﵀ الكثير من الإمام البخاري فقد سار على طريقة البخاري في إفراد الأحاديث الصحيحة المسندة دون غيرها وألف في ذلك كتابه العظيم " المسند الصحيح ". ولم يكن الإمام مسلم مجرد مقلد للإمام البخاري بل كان إماماً مجتهداً له آراؤه الخاصة في التصحيح والتعليل والتجريح والتعديل. فنراه في صحيحه يخرج لرواة تركهم البخاري، ويصحح أحاديث أعلها البخاري، ويعل أحاديث صححها البخاري، ويترك رواة روى لهم البخاري. كما استفاد منه في كتابه الكنى.
٢ - الإمام الترمذي (ت ٢٧٩ه ـ) :
يعد من أبرز تلاميذ البخاري، صنف كتابه " العلل الكبير " و " الجامع " وقد ملأهما بالنقل عن الإمام البخاري، وسؤاله عن علل الحديث وأحوال الرجال سؤالات مباشرة. كما استفاد من التاريخ الكبير ونقل منه في مواضع كثيرة، وقد صرح الترمذي بذلك في علله الصغير (١) .
٣ - الإمام ابن خزيمة (ت ٣١١ه ـ) :
لقد اقتدى بالبخاري فوضع كتاباً جرد فيه الصحيح.
стр. 64
٤ - الإمام ابن حبان (ت ٣٥٤ه ـ) :
لقد اقتفى أثر البخاري أيضاً ووضع كتاباً للصحيح، مع أنه ابتكر تقسيماً من عنده لم يسبق إليه.
٥ - الإمام ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧ه ـ) :
لقد استفاد هو أيضاً كثيراً من مصنفات الإمام البخاري، وبنى كتابه المهم " الجرح والتعديل " على تراجم كتاب البخاري " التاريخ الكبير "، وله فيه إضافات وزيادات كثيرة.
٦ - الإمام النسائي (ت ٣٠٣ه ـ) :
تبع الإمام البخاري في تجريد الضعفاء والمتروكين في كتاب خاص، وهذا في كتابه " الضعفاء والمتروكين "، وهو مطبوع، ثم تتابع الحفاظ على تجريد الضعفاء والمتروكين بالتصنيف، وكثرت في هذا النوع المصنفات.
٧ - الإمام البيهقي (ت ٤٥٨ه ـ) :
اقتدى بالإمام البخاري في كتابه " جزء القراءة خلف الإمام " فوضع كتاباً بنفس العنوان ضمنه كتاب البخاري وزاد عليه وهو مطبوع.
هذه أمثلة قليلة لم أقصد منها الاستيعاب وإنما قصدت منها الدلالة على أن الإمام البخاري كان صاحب السبق في كثير من المصنفات.
وفي نهاية هذا المبحث نصل إلى النتيجة التالية: عبقرية الإمام البخاري وإمامته في الحديث والعلل والتي تجلت في كتابه " الجامع الصحيح " الذي يعد سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف والنقد والتمحيص.
* * *
стр. 65
الفصل الثاني: منهج تصحيح الأحاديث عند الإمام البخاري
المبحث الأول: عدالة الرواة.
المبحث الثاني: ضبط الرواة.
المبحث الثالث: اتصال السند.
стр. 66
المبحث الأول: عدالة الرواة
المطلب الأول: تعريف العدالة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها.
المطلب الثالث: مسائل متعلقة بالعدالة وموقف البخاري منها.
المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء.
المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل.
المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم.
المطلب الأول: تعريف العدالة
أ - تعريف العدالة لغة:
العدالة مصدر عَدُل بالضم، يقال عدل عدالة وعدولة، فهو عدل، أي رضا ومقنع في الشهادة، قال كثير:
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع
ويقال رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل، ونسوة عدل، وكل
стр. 67
ذلك على معنى رجال ذو عدل ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثني ولا يجمع، ولا يؤنث فإن رأيته مثنى أو مجموعاً أو مؤنثاً فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر. وأما العدل الذي ضد الجور. فهو مصدر قولك: عدل في الأمر فهو عادل، وتعديل الشيء تقويمه، يقال عدله تعديلاً فاعتدل، أي: قومته فاستقام، وكل مثقف معتدل، وتعديل الشاهد نسبته إلى العدالة (١) .
وجاء في القاموس المحيط " عدل الحكم تعديلاً أقامه، وفلاناً زكّاه، والميزاه سواه " (٢) .
فيظهر من خلال ما تقدم أن التعديل هو نسبة الرجل إلى العدالة، التي هي الرضا والقناعة بالشخص على أنه صالح للشهادة، وتزكيته.
ب - تعريف العدالة اصطلاحاً:
عرفها العلماء بتعريفات كثيرة أذكر منها ما يلي:
١) عرفها الإمام الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) نقلاً عن القاضي أبي بكر بن الطيب (ت ٤٠٣هـ) بقوله: " العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها " (٣) .
стр. 68
٢) وعرفها الإمام أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦هـ) بقوله:
" العدالة هي التزام العدل، والعدل هو الالتزام بالفرائض، واجتناب المحارم، والضبط لما روى وأخبر به فقط " (١) .
وعرفها الغزالي (ت ٥٠٥هـ) بقوله:
" العدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه " (٢) .
وعرفها الإمام الحازمي (ت ٥٩٤هـ) بقوله: " وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحري الحق، والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى وجدت هذه الصفات كان المتحلي بها عدلاً مقبول الشهادة " (٣) .
وعرفها ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) بقوله: " أجمع جماهير أهل الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه وتفصيله أن يكون مسلماً، بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة " (٤) .
стр. 69
وعرفها الحافظ ابن حجر (ت ٨٠٢هـ) بأنها "ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة " (١) .
وتبعه على هذا التعريف الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢هـ) ﵀ (٢) .
نلاحظ أن هذه التعاريف كلها تدل على معنى واحد وهو: أن العدالة هي الاستقامة في الدين بفعل الواجبات وترك المحرمات، كما نلاحظ أن جميع التعاريف لم تدخل الضبط والحفظ كشرط في العدالة إلا في تعريف ابن حزم ﵀ ومن هنا نفرق بين نوعين من العدالة:
الأول: العدالة الدينية والمقصود بها الاستقامة في الدين.
والثاني: العدالة في الرواية والمقصود بها: حفظ الراوي وضبطه لما يرويه.
والنوع الأول هو المراد عند إطلاق المحدثين أو الفقهاء. كما نلاحظ أن هذه التعاريف قد تعرضت لذكر شروط العدالة إما على سبيل الإجمال أو على سبيل التفصيل، وهذه الشروط هي: الإسلام، البلوغ، العقل، السلام من أسباب الفسق، وخوارم المروءة، وسأتعرض فيما يلي لهذه الشروط وموقف البخاري منها في صحيحه ومدى التزامه بها.
* * *
المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها
أولاً: الإسلام:
لا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعاً. وقد
стр. 70
حكى الإجماع على ذلك الغزالي في المستصفى (١) والرازي في المحصول (٢) وغيرهما.
قال الخطيب البغدادي: " ويجب أن يكون وقت الأداء مسلماً لأن الله تعالى قال: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ((٣) وإن أعظم الفسق الكفر، فإن كان خبر الفاسق مردوداً مع صحة اعتقاده فخبر الكافر بذلك أولى (٤) فالإسلام إذا شرط عند الأداء والتبليغ وليس شرطاً عند التحمل فيصح تحمل الكافر " وقد ثبت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده " (٥) .
وأضرب أمثلة على ذلك من صحيح البخاري ﵀:
١) رواية جبير بن مطعم، والتي أخرجها البخاري في صحيحه حيث قال: " سمعت النبي ﷺ قرأ في المغرب بالطور " (٦) .
قال الحافظ ﵀: " وللمصنف في المغازي من طريق معمر في آبره قال: " وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي " واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة " (٧) .
٢) وروايته التي أخرجها الإمام البخاري أيضاً، قال ﵁: " أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه يوم عرفه فرأيت النبي ﷺ واقفاً
стр. 71
بعرفات، فقلت: هذا والله من الخمس فما شأنه ها هنا " (١) .
قال الحافظ ﵀ بعد أن أورد طرق هذا الحديث - " وفيه: أضللت حماراً لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفات مع الناس فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك. ثم قال الحافظ: أفادت هذه الرواية، أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير " (٢) .
٣) حديث أبي سفيان بقصة هرقل (٣) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع كثيرة مستنبطاً منها في كل مرة حكماً فقهياً أو فائدة جديدة.
ثانياً: البلوغ:
هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية.
ولقد تنازع العلماء والمحدثون قديماً في ذلك، فمنهم من اشترط سناً معيناً للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: " قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
стр. 72
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب " (١) .
وقد ذهب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: "باب متى يصح سماع الصغير؟ " وأورد فيه حديثين:
أولهما: حديث ابن عباس قال: " أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي " (٢) .
وثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال: " عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو " (٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل. وأشار المصنف بهذا إلى الاختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره أن يحي قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد فقال: إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد " (٤) .
стр. 73
وقال العلامة العيني: " ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل " (١) .
ومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح ﵀:
" والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب ورداً للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين " (٢) .
وقال الذهبي (ت ٧٤٨هـ) ﵀: " واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً، وما دونها حضوراً، واستأنسوا بأن محموداً عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز " (٣) .
وما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين ﵄.
فالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤) .
стр. 74
ثالثاً: العقل:
وهو من شروط العدالة المجمع عليها، حكى الإجماع على ذلك الخطيب البغدادي وغيره من العلماء (١) قال ﵀:
" وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحاً يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضاً أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلاً مميزاً، والذي يدل على وجوب كونه بالغاً عاقلاً، ما أخبرنا القاضي أبو عمر والقاسم بن جعفر قال ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، قال ثنا أبو داود قال ثنا موسى بن إسماعيل قال ثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن علي عن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل " (٢) ولأن حال الراوي إذا كان طفلاً أو مجنوناً دون حال الفاسق من المسلمين.
وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو، ويجتنب ذنوباً، ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمد له ذنب كبير، وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه لا نعرف بينها خلاف فيه " (٣) .
رابعاً: السلامة من أسباب الفسق:
الفسق هو ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة (٤) وقد أفاض
стр. 75
العلماء في تعريف الكبيرة والصغيرة، وكيفية التمييز بين الصغائر والكبائر وعددها، بل هناك من أفردها بالتصنيف (١) والذي يهمنا هنا هو ذكر مسألتين وقع فيهما النزاع ومحاولة معرفة موقف البخاري منهما.
المسألة الأولى:
ما حكم التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ ذهب أكثر العلماء والمحدثين إلى أن التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لا تقبل روايته. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك ورافع بن الأشرس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، ويحي بن معين (٢) ووجه عدم قبول روايته - وإن حسنت توبته - أن ذلك تغليظاً وجزراً بليغاً عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة. بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة (٣) وألحقوا بالكاذب المتعمد من أخطأ وصمم على خطئه بعد أن يبين له ذلك ممن يثق بعلمه لمجرد عناد (٤) .
لكن ذهب الإمام النووي ﵀ إلى قبول رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ حيث قال: " هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة - أي كانوا كفاراً فأسلموا - وأجمعوا على