← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 16232

منهج الإمام البخاري

أبو بكر كافي

Полный текст (357 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بعرفات، فقلت: هذا والله من الخمس فما شأنه ها هنا " (١) . قال الحافظ ﵀ بعد أن أورد طرق هذا الحديث - " وفيه: أضللت حماراً لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفات مع الناس فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك. ثم قال الحافظ: أفادت هذه الرواية، أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير " (٢) . ٣) حديث أبي سفيان بقصة هرقل (٣) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع كثيرة مستنبطاً منها في كل مرة حكماً فقهياً أو فائدة جديدة. ثانياً: البلوغ: هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية. ولقد تنازع العلماء والمحدثون قديماً في ذلك، فمنهم من اشترط سناً معيناً للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: " قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.

стр. 72

وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب " (١) . وقد ذهب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: "باب متى يصح سماع الصغير؟ " وأورد فيه حديثين: أولهما: حديث ابن عباس قال: " أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي " (٢) . وثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال: " عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو " (٣) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل. وأشار المصنف بهذا إلى الاختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره أن يحي قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد فقال: إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد " (٤) .

стр. 73

وقال العلامة العيني: " ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل " (١) . ومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح ﵀: " والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب ورداً للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين " (٢) . وقال الذهبي (ت ٧٤٨هـ) ﵀: " واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً، وما دونها حضوراً، واستأنسوا بأن محموداً عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز " (٣) . وما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين ﵄. فالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤) .

стр. 74

ثالثاً: العقل: وهو من شروط العدالة المجمع عليها، حكى الإجماع على ذلك الخطيب البغدادي وغيره من العلماء (١) قال ﵀: " وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحاً يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضاً أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلاً مميزاً، والذي يدل على وجوب كونه بالغاً عاقلاً، ما أخبرنا القاضي أبو عمر والقاسم بن جعفر قال ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، قال ثنا أبو داود قال ثنا موسى بن إسماعيل قال ثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن علي عن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل " (٢) ولأن حال الراوي إذا كان طفلاً أو مجنوناً دون حال الفاسق من المسلمين. وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو، ويجتنب ذنوباً، ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمد له ذنب كبير، وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه لا نعرف بينها خلاف فيه " (٣) . رابعاً: السلامة من أسباب الفسق: الفسق هو ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة (٤) وقد أفاض

стр. 75

العلماء في تعريف الكبيرة والصغيرة، وكيفية التمييز بين الصغائر والكبائر وعددها، بل هناك من أفردها بالتصنيف (١) والذي يهمنا هنا هو ذكر مسألتين وقع فيهما النزاع ومحاولة معرفة موقف البخاري منهما. المسألة الأولى: ما حكم التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ ذهب أكثر العلماء والمحدثين إلى أن التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لا تقبل روايته. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك ورافع بن الأشرس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، ويحي بن معين (٢) ووجه عدم قبول روايته - وإن حسنت توبته - أن ذلك تغليظاً وجزراً بليغاً عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة. بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة (٣) وألحقوا بالكاذب المتعمد من أخطأ وصمم على خطئه بعد أن يبين له ذلك ممن يثق بعلمه لمجرد عناد (٤) . لكن ذهب الإمام النووي ﵀ إلى قبول رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ حيث قال: " هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة - أي كانوا كفاراً فأسلموا - وأجمعوا على

стр. 76

قبول شهادتهم، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم " (١) . أما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري فليس هناك ما يمكن أن نستنتج منه حكماً أو رأياً ننسبه إليه. إلا أن صاحب كتاب " أسباب اختلاف المحدثين " يرى بأن احتجاج الشيخين بإسماعيل بن أبي أويس، وهو ممن اتهم بالكذب يشهد لما ذهب إليه النووي (٢) ثم أورد أقوال بعض أئمة الجرح والتعديل فيه منها: قول يحي بن معين فيه " مخلط يكذب ليس بشيء ". وقول النضر بن سلمة المروزي " ابن أبي أويس كذاب ". وما نقله ابن حزم في " المحلى " عن أبي الفتح الأزدي قال حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث. وقال سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل ابن أبي أويس يقول: " ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم ". وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن نقل الأقوال السابقة: " ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات. وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري والله أعلم " (٣) . هذه جملة ما ارتكز عليه الأستاذ الفاضل ليرجح ما ذهب إليه النووي، وعليه ملاحظات: الأولى: ينبغي التفريق بين ممن اتهم بالكذب وبين من اتصف فعلاً بالكذب، وإن كان كلاً من الوصفين من أوصاف الجرح. لكن لا يخفى أن

стр. 77

الكذاب قد تحقق فيه الوصف فعلاً أما المتهم بالكذب فلم يتحقق فيه هذا الوصف، فهل إسماعيل بن أبي أويس تحقق فيه الكذب أم لا؟ الثانية: ذكر الأستاذ أقوال الجارحين فقط لإسماعيل ولم يذكر أقوال المعدلين أو على الأقل بعض أقوالهم، مما يوهم أن التهمة بالكذب قوية ومتحققة، وليس الأمر كذلك فقد عدله جماعة من الأئمة النقاد وإليك أقوالهم (١) : قال أبو حاتم: " محله الصدق، وكان مغفلاً ". وقال الحاكم: " عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معاً، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن سلمة، فإنه قال: كذاب ". وأما يحي بن معين فقد اختلفت أقواله فيه: فمرة قال: " هو ووالده ضعيفان "، وقال مرة: " يسرقان الحديث "، وقال مرة: " إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذلك "، وقال مرة: "مختلط يكذب ليس بشيء "، وقال مرة أخرى: " لا بأس به ". وقال أحمد أيضاً: " لا بأس به ". وقال أبو القاسم اللالكائي: " بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه ". فأنت ترى أن الأئمة لم يتفقوا على اتهامه، بل الظاهر من أمره أنه صدوق لا يتعمد الكذب، ولكن ضعيف الحفظ وكان يعتمد على حفظه في رواية الأحاديث فيقع في الأوهام وينفرد عن سائر أصحابه بأشياء ليست عندهم. فمن نظر إلى صدقه في نفسه، واعتبر حديثه بحديث غيره، وتأكد من صحة أصوله، قوي من أمره، وروى له، واحتج به، كالبخاري ومسلم،

стр. 78

والدارمي وغيرهم من الحفاظ، بل روى مسلم عن رجل عنه، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. ومن نظر إلى ضعف حفظه وكثرة غرائبه وهن من أمره فالدارقطني قال فيه: " لا أختاره في الصحيح " ومنهم من ضعف عنده جانب الصدق، واستكثر تلك الغرائب واستنكرها رماه بالكذب كالنسائي وغيره. وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: " صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه " (١) . الثالثة: إذا لم يثبت أن إسماعيل كان يكذب ويضع الحديث، فكيف يتسنى لنا أن نقول أنه تاب؟!، ومن ثم نبني على ذلك حكماً فنقول: تقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ فليس في الأمر إلا ما ذكره الحافظ ﵀ وهو في معرض الدفاع عن صدق إسماعيل وعدالته " لعل ذلك كان في شبيبته ثم انصلح "فأنت تلاحظ أن الحافظ استبعد اتهامه بالكذب، وحاول الدفاع ونفي التهمة، ولم يجزم بذلك بل ذكره متردداً في معرض الدفاع لا غير. ومن هنا لا يصح أن نبني عليه حكماً، حتى ولو غضضنا الطرف عن أقوال معدليه، وبنينا حكماً على ما ذكره الحافظ ابن حجر لما جاز لنا أن ننسب هذا الحكم للبخاري أو مسلم أبداً، لعدم ثبوت كذبه عندهما. فقد انتقيا من أحاديثه ما يتابعه عليه الثقات من أصحاب مالك. ثم إن إسماعيل هذا من شيوخ البخاري أي ممن جالسهم وعرفهم وسبر أحاديثهم وقد روى من أصوله كما ذكر ذلك الحافظ في هدي الساري (٢) . الرابعة: لو سلمنا بهذا المثال، ولم نعترض عليه بما تقدم - لما جاز لنا من الناحية العلمية أن نبني عليه حكماً، لأن الأحكام إنما تأخذ عن

стр. 79

طريق التتبع والاستقراء، وإن لم يكن هذا الاستقراء تاماً فعلى الأقل أن يكون تلخيصياً مبنياً على أكثر من مثال. وأنت ترى أن هذا مثالاً واحداً، وهو غير سالم من الاعتراضات. الخامسة: ما ذكره الإمام النووي ﵀ مبنياً على القواعد الأصولية حيث استعمل القياس لإثبات هذا الحكم، وهو قياس التائب من الكذب على رسول الله ﷺ على الكافر إذا أسلم، ومثل له بقبول الأئمة لرواية الصحابة، وقد كانوا كفاراً ثم أسلموا. لكن هذا القياس معترض، بأن الصحابة قد عدلهم القرآن الكريم وشهد بصدق إيمانهم وإسلامهم. وأما التائب من الكذب في حديث رسول الله. فأنى لنا أن نعرف صدق توبته، حتى نحكم بعدالته ونقبل روايته، كما أنه مبني على انعدام الفارق بين الرواية والشهادة، والفارق موجود هنا. وقد سبق إلى انتقاد النووي في هذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد قال - بعد أن ساق كلام النووي السابق -: " كنت أميل إليه، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله الأئمة لما مر، ويؤيده قول أئمتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصناً، ولا يحد قاذفه، وأما إجماعهم على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، فلنص القرآن على غفران ما سلف. والفرق بين الرواية والشهادة أن الرواية الكذب فيها أغلظ منه في الشهادة لأن متعلقها لازم لكل المكلفين، وفي كل الأعصار كما مر، مع خبر (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد) (١) " (٢) . وأخيراً لا يمكن أن ننسب للإمام البخاري ﵀ أنه يقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لعدم قيام الأدلة الكافية على

стр. 80

ذلك، والأقرب أن يكون مع جمهور المحدثين في عدم قبولها - والله تعالى أعلم -. المسألة الثانية: التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق. هذا الصنف من الرواة قبل المحدثون رواياتهم إلا خلافاً لبعض الأصوليين كالسمعاني والصيرفي (١) . ولا عبرة بهذا الخلاف لأن المعتبر هو إجماع أهل الفن وهم هنا المحدثون ولم ينقل عنهم خلاف في ذلك. وأما ما قاله الحافظ البلقيني: " وما نقل عن الصيرفي يقرب منه ما قال ابن حزم: من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبداً، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبداً، وكذا ما قاله بن حبان في آخرين ". في الواقع أن ما ذهب إليه ابن حزم لا علاقة له البتة بما يراه الصيرفي فابن حزم ذكر هذا بصدد الرد على من يقبل روايات الضعفاء في الرقاق والفضائل ويتجنبها في الأحكام والحلال والحرام، كما هو مذهب كثير من أئمة الحديث، فهو يرى أن الراوي إما أن يكون من العدالة والضبط بحيث تقبل أحاديثه جملة، أو ينزل عن درجة القبول فترد أحاديثه جملة. خامساً: السلامة من خوارم المروءة: عرفت المروءة بتعاريف كثيرة، جلها يرجع إلى العادات الجارية بين الناس. فقال بعضهم: "المروءة كمال المرء كما أن الرجولة كمال الرجل ". وقال بعضهم: " المروءة هي قوة للنفس تصدر عنها الأفعال الجميلة المستحقة للمدح شرعاً وعقلاً وعرفاً ". وقال آخرون: " المروءة صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند الناس " وقيل: "سيرة المرء بسيرة أمثاله في زمانه ".

стр. 81

ومن أحسن تعاريفها " هي آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات " (١) . واشتراط العلماء للمروءة سببه: أن الإخلال بها إما يكون لخبل في العقل، أو لنقصان في الدين، أو لقلة حياء وكل ذلك رافع للثقة بقوله (٢) . وقد جرى نزاع كبير واعتراض على من أدخل المروءة في شروط العدالة المتفق عليها (٣) . ومما يجدر التنبيه إليه هنا - وهو أن اشتراط المروءة والقدح في الراوي الذي يتصف بما هو من خوارمها، إنما هو موكول للعالم الناقد مع إضافة أسباب أخرى قد فصلها الإمام الخطيب البغدادي حيث قال: " وقد قال الكثير من الناس: يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتنبين لكثير من المباحات نحو التبذل والجلوس للتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع الطرقات، والبول قائماً، والانبساط إلى الخلق (*) في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يسقط العدالة ويوجب رد الشهادة. والذي عندنا في هذا الباب رد خبر فاعلي المباحات إلى العالم والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك، والتساهل به، مع كونه

стр. 82

ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته، بل يرى إعظام ذلك وتحريمه، والتنزه عنه قبل خبره، وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالم واتهمه عندها، وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته " (١) . فالأمر إذن موكول إلى الناقد، فإن أكثر الشخص من الأفعال المخلة بالمروءة وتكرر منه ذلك وأعلن به في الناس كان ذلك دليلاً على السفه وخفة العقل ورقة الدين، وهذا مما يسقط العدالة ويوجب رد الرواية. وقد ساق الخطيب البغدادي نصوصاً عن الأئمة المتقدمين تدل على هذا منها قول الإمام مالك ﵀: " لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذ جرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث " (٢) . ومما يؤيد ما ذهب إليه الخطيب البغدادي ﵀ من رد خبر فاعلي المباحات إلى العلم - صنيع الأئمة النقاد ومنهم الإمام البخاري ﵀. فهذا المنهال بن عمرو تركه شعبة، لما سمع في داره صوت الطنبور (٣) ، وفي رواية أخرى أنه سمع قراءة لحان، فكره السماع منه (٤) . قال ابن القطان: " هذا ليس بجرحه إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم، ولم يصح ذلك عنه " (٥) .

стр. 83

وقال السخاوي: " وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما كالنسائي وابن حبان، وقال الدارقطني: إنه صدوق " (١) . لذا نجد الإمام البخاري قد احتج به في صحيحه. روى له حديثين أحدهما: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تعويذ الحسن والحسين (٢) ، وثانيهما في تفسير سورة فصلت (٣) . وروى له تعليقاً من طريق شعبه نفسه (٤) وفيه دليل على أن شعبة لم يترك الرواية عنه وذلك إما بما لعله سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع منه عنده. ومن ذلك أيضاً ما رواه الخطيب عن شعبة قال: " لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق فرأيته يلعب بالشطرنج فتركته فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه ". قال الخطيب: " ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية، وسلامته من الكبائر، فكتب عنه نازلاً " (٥) . وفي ختام هذا المطلب نلاحظ أن شروط العدالة لقبول الروايات قد أخذت من شروط الشهادة، وقد أشار إلى هذا بعض أئمة الحديث المتقدمين

стр. 84

كأبي نعيم الفضل بن دكين فإنه كان يقول: " إنما هي شهادات، وهذا الذي نحن فيه - يعني الحديث - من أعظم الشهادات " (١) وبهز بن أسد (٢) " كان إذا ذكر له الإسناد الصحيح قال هذه شهادات الرجال العدول بعضهم على بعض، وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: هذا فيه عهدة، ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحده لم يستطيع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول" (٣) . وقد أشار الإمام مسلم إلى ذلك أيضاً في مقدمة صحيحه (٤) . * * * المطلب الثالث: مسائل تتعلق بالعدالة وموقف البخاري منها هناك مسائل لها علاقة بشروط العدالة. ومرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً، وقد جرى إدراكها في كتب علوم الحديث، ويلاحظ أن آراء الأصوليين هي الغالبة في تلك المباحث. كما يغلب عليها طابع التنظير دون التمثيل بواقع المحدثين وسأختار فيما يلي بعض تلك المسائل، وأحاول دراستها وربطها بالواقع العملي عند الإمام البخاري خاصة. وهذه المسائل هي: ١) إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، فهل يقدح في عدالته؟ ٢) إذا كان المحدث يغشى السلطان، هل يقدح في عدالته؟ ٣) إذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، فهل يقدح في عدالته؟

стр. 85

المسألة الأولى: إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر ذلك النفي في عدالته الفرع الراوي عنه أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على خمسة أقوال نوجزها فيما يلي (١) : ١) إذا كان النافي جازماً، وجب رد حديث الفرع. ٢) عكس الأول تماماً، وهو عدم رد المروي، ولا يكون واحد منهما مجروحاً، لاحتمال النسيان. ٣) نفس القول السابق، إلا أنه يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل. ٤) أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما على الآخر. هذه الأقوال الأربعة إذا كان الأصل جازماً بالرد. ٥) أما إذا قال الأصل - إذا روجه - " لا أعرفه " أو " لا أذكره " مما يقتضي جواز أن يكون نسبه، فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه. والظاهر قبول رواية الفرع، وأن ذلك لا يقدح في عدالته، ولا عدالة الأصل. وقد أورد الإمام البخاري ﵀ في " صحيحه " حديث ابن عباس ﵁: " ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير " (٢) . فهذا الحديث مما أنكره الأصل على الفرع، فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه أيضاً عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال:

стр. 86

" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمر: قد أخبرتنيه قبل ذلك " (١) . وهذا يدل على أن البخاري ومسلماً يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلاً، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع الراوي عنه. المسألة الثانية: إذا المحدث يغشى السلطان، أو يتولى شيئاً من أعمله، فهل ذلك يقدح في عدالته أم لا؟ قد قدح كثير من الورعين في بعض الرواة بسبب علاقتهم بالسلطان، وخاصة إذا كان سلطان جور. ولكن ذلك في واقع الأمر لا يقدح في العدالة، ولا يوجب رد الرواية. ما كان الراوي متصفاً بالصدق مجانباً للكذب، وقدح من قدح فيهم، إنما كان على سبيل الهجر والتأديب الشرعي كي يكفوا عن إعانة الظلمة - لا غير - قال الحافظ ابن حجر ﵀: " أعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به. وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط. والله الموفق " (٢) . وهذا الذي قرره الحافظ هو الحق - إن شاء الله - ويشهد له صنيع الإمام البخاري ﵀ فقد روى في " صحيحه " عن رجال كثيرين ضعفوا بسبب من هذه الأسباب، ولم ير ذلك قادحاً في عدالتهم وموجباً لرد رواياتهم. ومن هؤلاء:

стр. 87

١ - أحمد بن واقد الحراني: قال ابن نمير: تركت حديثه لقول أهل بلده. قال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال: أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعه له. فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح، وقد قال أبو حاتم: كان من أهل الصدق والإتقان. وقد روى عنه الإمام البخاري، في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن زيد، كما روى عنه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجة (١) . ٢ - حميد بن أبي حميد الطويل: مشهور من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقال يحي بن يعلي المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. قال الحافظ: " إنما تركه زائدة لدخوله في شيء من أمر الخلفاء " (٢) . فلم يعتبر الأئمة ذلك قادحاً في عدالته، فقد روى له البخاري وسائر الجماعة. ٣ - حميد بن هلال العدوي: قال الحافظ فيه: " من كبار التابعين وثقة ابن معين، والعجلي والنسائي وآخرون وقال يحي القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قلت: بين أبو حاتم الرازي: أن ذلك بسبب أنه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به الجماعة " (٣) . ٤ - خالد بن مهران الحذاء: أحد الأثبات، وثقة أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وتكلم فيه شعبة وابن علية. إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو كما قال

стр. 88

حماد بن زيد، قدم خالد قدمة من الشام، فكأنما أنكرنا حفظه " (١) . فلم يعتبر ذلك البخاري ولا غيره قادحاً فيه، فقد روى له هو وسائر الجماعة. ٥ - عاصم بن سليمان الأحول: ثقة، حافظ. وثقة أحمد وابن معين، والعجلي وابن المديني وغيرهم، وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته. قال الحافظ: " كان يلي الحسبة بالكوفة قال ابن سعد " (٢) ونجد الإمام البخاري قد وثقه وروى له في صحيحه ولم يلتفت إلى ما قيل فيه. ٦ - عبد الله بن ذكوان: أبو الزناد المدني: أحد الأئمة الأثبات الفقهاء، ويقال إن مالكاً كرهه لأنه كان يعمل للسلطان (٣) لكن نجد البخاري قد وثقه وروى له، وكذا سائر الجماعة. ٧ - مروان ابن الحكم: تكلم فيه من أجل الولاية، لكن لم ير الأئمة ذلك قادحاً في عدالته، فقد روى له البخاري أحاديثه التي رواها عنه سهل بن سعد الساعدي، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقد اعتمد مالك رأيه وحديثه وكذا بقية الجماعة سوى مسلم (٤) . المسألة الثالثة: أخذ الأجرة على التحديث. في هذه المسألة قولان للعلماء: قول بالمنع، وآخر بالجواز.

стр. 89

القول الأول: من أخذ على التحديث أجراً فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن حرب وغيرهم (١) . القول الثاني: قبول رواية من أخذ على التحديث أجراً، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو نعيم الفضل ابن دكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبد العزيز المكي البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢) . والظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن أن يجر إليه خذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض كأن يكون فقيراً، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي ﵀ حيث قال: " قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا،

стр. 90

وإطلاقهما كما مضى أولاً، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين " (١) . وواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم: ١) أبو نعيم الفضل بن دكين (٢) . ٢) عفان بن مسلم (٣) . ٣) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي (٤) : الحافظ المتقن صاحب المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحي بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٥) "، وقال عقبة: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار (٦) ، ومع ذلك روى له البخاري والجماعة.

стр. 91

٤) هشام بن عمار (١) : قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئاً فأعطوه فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار. إن هشاماً كان يأخذ على كل ورقتين درهمين ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زماناً أن أمسك عن حديث هشام. ل أنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد (٢) : إنه كان لا يحدث ما لم يأخذ (٣) . ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك قادحاً في عدالته فقد روى له في "صحيحه ". وكذا روى له أصحاب السنن. * * * المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء من المسائل التي لها تعلق بشرط العدالة. وهي شرط أساسي في صحة الحديث - الرواة الذين طعن في عدالتهم بسبب البدع والأهواء، وذلك لأن القدح في الراوي يكون بعشرة أشياء. خمسة تتعلق بالعدالة وخمسة تتعلق بالضبط، فقد بينها الحافظ فقال: " ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحس غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه،

стр. 92

أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه " (١) وهذه العشرة اختصها الحافظ بنفسه في خمسة فقال: "أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند " (٢) . وقبل تحديد موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ينبغي التعريف بالبدعة لغة واصطلاحاً، وبيان أقسامها، ثم تحديد موقف الأئمة من روايات المبتدعة. ثم أعرج على موقف الإمام البخاري في ذلك مقروناً بالأمثلة التطبيقية من خلال الجامع الصحيح. تعريف البدعة: لغة: أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله بديع السموات والأرض أي (مبدعهما) (البديع) المُبتدع، وشيء (بدع) بالكسر أي مُبتدع ومنه قوله تعالى: (قل ما كنت بدعاً من الرسل ((٣) والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، وبدعة تبديعاً: نسبة إلى البدعة (٤) . أما في الاصطلاح: فقد اختلفت أنظار العلماء، وتنوعت تعاريفهم، فمنهم من توسع في مدلولها، ومنهم من ضيق. ومن هنا يمكن حصر التعاريف الاصطلاحية للبدعة في اتجاهين (٥) . ١ - الاتجاه الأول: وهو التوسع في مدلول البدعة لتشمل كل أمر لم

стр. 93

يكن في عهده ﷺ ، ولم يأت شيء في القرآن والسنة يدل عليه، سواء أكان دينياً أم دنيوياً، محموداً كان أم مذموماً، وهو مطابق تماماً للتعريف اللغوي ويمثل هذا الاتجاه جماعة من الأئمة منهم: الإمام الشافعي، وابن حزم، والعز بن عبد السلام، والقرافي وغيرهم. ٢ - الاتجاه الثاني: وهو التضيق في مدلول البدعة لتنحصر في الجديد (المحدث) المخالف للسنة، ومنهم من ضيق أكثر فقال: البدعة كل محدث مخالف للسنة ينسب إلى الدين ويتعبد به ويمثل هذا الاتجاه جماعة من العلماء منهم: ابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، والزركشي وغيرهم، وأما من اعتبر قيد المخالفة للسنة والتدين بهذا المحدث، فعلى رأس هؤلاء الإمام الشاطبي. وقد ناقش في كتابه " الاعتصام " أصحاب الرأي الأول مناقشة علمية، وأبطل تقسيمهم للبدع إلى محمود ومذموم، وعرف البدعة بقوله: " البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية. يقصد بالسلوك عليها، المبالغة في التعبد لله تعالى " (١) . وعلى الرغم من تباين هذين الاتجاهين من حيث التوسع والتضييق في مفهوم البدعة إلا أن الواقع العملي في إطلاق البدعة عند علماء الجرح والتعديل المقصود به دائماً ما هو مذموم من الآراء والاعتقادات والأعمال، مما يكون سبيله التأويل الفاسد المستند إلى الشبهات. قال السخاوي ﵀: " البدعة هي ما أحدث على غير مثال متقدم، فيشمل المحمود والمذموم لكن خصت شرعاً بالمذموم، مما هو خلاف المعروف عن النبي ﷺ فالمبتدع من اعتقد ذلك لا بمعاندة، بل بنوع شبهة " (٢) . أقسام البدعة: قسم العلماء البدعة إلى قسمين هما: البدعة المكفرة، والبدعة

стр. 94

المفسقة (١) . ١ - البدعة المكفرة: ما يخرج صاحبها عن دائرة الإيمان وهي نوعان: أ - ما اتفق على تكفير أصحابها: كمنكري العلم بالمعدوم القائلين: ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو منكري العلم بالجزئيات، أو الإيمان برجوع سيدنا علي إلى الدنيا، أو حلول الإلهية في علي أو غيره. ب - ما اختلف في تكفير أصحابها: كالقائلين بخلق القرآن، والنافين لرؤية الله تعالى يوم القيامة. ٢ - البدعة المفسقة: وهي التي لا تخرج صاحبها عن دائرة الإيمان: مثل بدع الخوارج، والروافض الذين لا يغلون ذاك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافاً ظاهراً لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ. مناقشة التقسيم السابق: هذا التقسيم - الذي ذكره العلماء للبدع - يترتب عليه إشكال كبير وذلك أننا اشترطنا في حد العدالة " السلامة من أسباب الفسق " ثم مثلوا للبدع المفسقة ببدع الخوارج وغيرها من الفرق المخالفين لأصول السنة، ومقتضى ذلك الحكم عليهم بالفسق ورد رواياتهم، والصواب - فيما أرى- أن هذا التقسيم نظري فحسب وذلك أن الحكم بالكفر أو الفسق أو البدعة، إنما يكون بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، فمن وقع في شيء من البدع فلا نجرؤ على تبديعه أو تفسيقه أو تكفيره، فإذا كان متأولاً أو جاهلاً، فهو معذور بجهله أو تأويله، لكن من بلغته الحجة، وكشفت له الشبهة، فأصرّ على قوله المخالف لأصول السنة، فهو معاند، ولا شك في فسق هذا النوع، لأنه مخالف لأوامر الله وأحكامه، والفسق هو الخروج عن

стр. 95

طاعة الله، ولا فرق في ذلك بين العمليات والأخبار، وإلى هذا المعنى أشار الإمام مسلم في " مقدمة صحيحه " فقال ﵀: " أعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع " (١) . والإمام مسلم - صحيحه - ملآن بأحاديث المبتدعة ممن تصنف بدعهم في البدع المفسقة، وليس هناك تناقض بين قوله وفعله، إذا تأملنا القيد السابق، لأن هؤلاء المبتدعة كانت بجعهم عن تأويل وشبهة لا بعناد. مذاهب العلماء في الرواية عن أهل البدع والأهواء: اختلف العلماء من أئمة الحديث ونقاده في حكم الرواية عن أهل البدع والأهواء، اختلافاً كثيراً وخاصة عند المتأخرين منهم. وقد تباينت أنظارهم تبايناً واضحاً، فمنهم من ذهب إلى رد رواية المبتدع رداً كاملاً ولم يقبلها سواء أكان هؤلاء من الغالين أم من غير الغالين، من الدعاة أغيرهم، ومنهم من قبلها حتى من الغالين، والدعاة منهم، وسأذكر تفصيل ذلك حسب نوعي البدعة. أما بالنسبة للمبتدعة الذين بدعتهم مكفرة. فللعلماء في رواياتهم ثلاثة مذاهب: الأول: القبول مطلقاً وإن كانوا كفاراً أو فساقاً بالتأويل، إليه ذهب جماعة من أهل النقل والمتكلمين (٢) . الثاني: يقبل خبرهم إذا كانوا يعتقدون حرمة الكذب، وقد ذهب إليه جماعة من الأصوليين، كأبي الحسن البصري المعتزلي (٣) وفخر الدين

стр. 96

الرازي (١) ، والبيضاوي (٢) . الثالث: الرد مطلقاً، وقد حكى النووي الاتفاق على أن المكفرين ببدعهم لا يحتج بهم ولا تقبل روايتهم (٣) وما سبق ينقض قوله. وقد حقق الحافظ ﵀ هذه المسألة وأتى فيها بقول فصل موافق لما عليه أئمة الحديث ونقاده فقال ﵀: " والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد: أن الذي ترد روايته: من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله " (٤) . وأما بالنسبة للمبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم. فللعلماء في رواياتهم خمسة مذاهب: الأول: الرد مطلقاً: وممن ذهب إليه مالك بن أنس، وابن غُيينة، والحميدي، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وقد وجه الحافظ ابن رجب هذا المذهب بقوله: " والمانعون من الرواية، لهم مأخذان: أحدهما تكفير أهل الأهواء وتفسيقهم، وفيه خلاف مشهور. والثاني: الإهانة لهم، والهجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفرهم أو فسقهم. ولهذا مأخذ ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب ولا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي " (٥) .

стр. 97

الثاني: يحتج بهم إن لم يكونوا يستحلون الكذب في نصرة مذهبهم، سواء أكانوا دعاة أم لا، وممن قال به الشافعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وحكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث (١) . الثالث: تقبل رواية المبتدع إذا كان مرويه مما يشتمل على ما ترد به بدعته، وذلك لبعده حينئذ عن تهمة الكذب (٢) . الرابع: تقبل روايته إذا كانت بدعته صغرى، وإذا كانت كبرى فلا تقبل (٣) فالبدعة الصغرى كالتشيع بلا غلو ولا تحرق، والكبرى كالتشيع مع الغلو والطعن وسب الصحابة. الخامس: تقبل أخبار غير الدعاة إلى بدعهم، وترد أخبار الدعاة منهم، وقد صرح الخطيب وغيره بأنه مذهب الكثير من العلماء (٤) . بعد أن سردت أقوال الأئمة ومذاهبهم في الرواية عن أهل البدع والأهواء، فقد تبين أن مذاهبهم متباينة جداً. امتزجت فيها أقوال المحدثين بآراء علماء الكلام والأصول. فلا بد من استجلاء الموقف العملي للمحدثين من خلال مصنفاتهم، ومن هؤلاء الإمام البخاري ﵀ فكيف تعامل مع روايات أهل البدع في صحيحه؟ إذا تأملنا رجال البخاري ﵀ نجد جملة كبيرة منهم قد رموا ببدع اعتقاية مختلفة وقد أورد الحافظ في " هدي الساري " (٥) من رمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (٦٩) راوياً، ومن خلال التتبع لهؤلاء الرواة يمكن أن نستخلص المعايير التي اعتمدها البخاري في الرواية

стр. 98

عن أهل البدع ويمكن أن نجملها في النقاط التالية: - ليس فيهم من بدعتهم مكفرة. - أكثرهم لم يكن داعية إلى بدعته، أو كان داعية ثم تاب (١) . - أكثر ما يروي لهم في المتابعات والشواهد. - أحياناً يروى لهم في الأصول لكن بمتابعة غيرهم لهم. - كثير منهم لم يصح ما رموا به. إذن فالعبرة إنما هي صدق اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد المبتدع بشيء ليس عند غيره. وما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، ومن هؤلاء تلميذه وخريجه الإمام مسلم، فقد روى في صحيحه عن أهل البدع والأهواء المعروفين بالصدق والإتقان، وخاصة إذا انضم إلى ذلك الورع والتقوى، وما ذهب إليه الشيخان هو رأي أكثر الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما توقف من توقف منهم في الرواية عن أهل البدع إما لأنه لم يتبين لهم صدقهم، أو أرادوا محاصرة البدعة وإخمادها حتى لا تفشوا، ولكن شاء الله تعالى أن تكثر البدع وتفشو، وتبناها كثير من العلماء والفقهاء والعباد فلم يكن من المصلحة ترك رواياتهم، لأن في تركها، اندراساً للعلم، تضييعاً للسنن. فكانت المصلحة الشرعية تقتضي قبولها ما داموا ملتزمين بالصدق والأمانة. قال الخطيب البغدادي - بعد أن ذكر أسماء كثير من الرواة احتج بهم وهم منسوبون إلى بدع اعتقادية مختلفة: ". دون أهل العلم قديماً وحديثاً رواياتهم واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب " (٢) .

стр. 99

وقال علي بن المديني: " لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي خربت الكتب " (١) . * * * المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل قبل الخوض في بيان موقف الإمام البخاري من الرواة المجاهيل لابد من تعريف الجهالة لغة واصطلاحاً وبيان أسبابها. تعريف الجهالة لغة: المجهول في لغة العرب (٢) هو: ١) كل شيء غير معلوم الحقيقة. ٢) أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة. ٣) أو في معرفته تردد أو تشكك. تعريف الجهالة اصطلاحاً: عرف الخطيب المجهول بقوله: " هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد " (٣) .

стр. 100

أسباب الجهالة: للجهالة سببان بينهما الحافظ ابن حجر بقوله: " أحدهما: أن الراوي: قد تكثر نعوته، من اسم أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفة، أو نسب فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض فيظن أنه آخر فيحصل الجهل بحاله. والأمر الثاني: أن الراوي قد يكون مقلاً من الحديث، فلا يكثر الأخذ عنه، وقد صنفوا فيه الوحدان، وهو من لم يرو عنه إلا واحد، ولو سمي " (١) . والتعريف الذي أورده الخطيب البغدادي للمجهول، قد اعترض عليه غير واحد ممن كتب في المصطلح كابن الصلاح، والنووي، والعراقي (٢) . كما أن الواقع التطبيقي عند الأئمة النقاد يخالفه، فكم من راو حكموا عليه بالجهالة وقد روى عنه جماعة، وفيهم من حكموا عليه بالوثاقة وليس له إلا راو واحد، وكثير ممن ليس له إلا راو واحد اختلفوا في الحكم عليه بين موثق ومضعف ومجهل (٣) ، وعليه نستطيع القول أن الجهالة غير مرتبطة بعدد الرواة بقدر ما هي مرتبطة بالشهرة، ورواية الحفاظ. وقد سبق إلى هذا الإمام ابن رجب ﵀ فقال: " وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة، ورواية الحفاظ " (٤) . فمقدار مرويات الرجل لها دور بارز في الحكم عليه، فكلما كثرت مرويات الرجل وكانت مستقيمة حكم عليه بالوثاقة، وكلما قلّت وكانت مخالفة لروايات الثقات فحكم عليه بالضعف، وإن قلّت رواياته، ولم يتداولها العلماء، فلا يمكن الحكم عليه، وبقي في حيز الجهالة.

стр. 101

وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن رجب ﵀ يخالف إطلاق محمد بن يحي الذهلي - الذي حكاه عنه الخطيب في الكفاية - وتبعه عليه المتأخرون من أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعداً عنه (١) ، وإن كان الخطيب ﵀ قد صرح باعتبار شهرة الراوي بالطلب، وكذلك صرح بأن أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم كذلك (٢) . ومع ذلك نجد أن كثيراً من المتأخرين لم يعتبروا الشهرة بالطلب في الراوي، لكي يرتفع عنه وصف الجهالة، وهذا النوع من الرواة الذين اشتهروا بطلب العلم وعرفوا به بين العلماء يزول عنهم وصف الجهالة ويثبت لهم بذلك وصف العدالة. وقد نبّه على هذا الحاكم النيسابوري فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر حيث قال: " زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راوية مشهوراً وهذه الشهرة قدر زائد عن الشهرة التي تخرجه عن الجهالة. وقد استدل الحاكم على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده عن عبد الله بن عون " لا يؤخذ العلم إلا ممن شهد له عندنا بالطلب " والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك، إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك " (٣) . نفهم من كلام الحاكم ﵀ أن هناك نوعين من الشهرة: شهرة شخص الراوي وهذه تنفي عنه جهالة العين، وشهرته بالطلب وهذه تتنفي عنه جهالة الحال. وقد أشار الحاكم إلى أن راوي الصحيح لابد أن يكون معروفاً بطلب العلم وقد استظهر الحافظ ذلك من صنيع الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما. فكل رواة الصحيحين مشهورون بطلب العلم، وقد تداول أحاديثهم الحفاظ، وحيث يكون الراوي مقلاً ولم

стр. 102

يتداول الحفاظ حديثه، يكون ذلك الحديث الذي يرويه عنه أصحاب الصحيح قد تعددت طرقه وانتشرت فيكون ذلك قائماً مقام الشهادة بثقته وضبطه. ومع هذا نجد بعض رواة البخاري قد وصفوا بالجهالة من طرف بعض أئمة الجرح والتعديل، فما مدى تحقق هذا الوصف في هؤلاء الرواة؟ قال الحافظ ﵀: " أما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون راوية معروفاً بالعدالة، فمن زعم أن أحداً منهم مجهول، فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه غير معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته، لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا نجد في رجال الصحيح أحداً ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلاً " (١) . وفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة: ١ - أحمد بن عاصم البلخي: معروف بالزهد والعبادة، له ترجمة في حلية الأولياء، وقد ذكره ابن حبان: فقال: روى عنه أهل بلده. وقال أبو حاتم الرازي: مجهول. روى عنه البخاري حديثاً واحداً في كتاب الرقاق، وهو في رواية المستملي وحده (٢) . ٢ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني: قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حاله (٣) . وفي ما قاله نظر فإن إبراهيم هذا قد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وروى عنه أيضاً ولده

стр. 103

إسماعيل والزهري (١) وليس له في صحيح البخاري إلا حديثاً واحداً في كتاب الأطعمة في دعائه ﷺ في تمر جابر بالبركة حتى أوفى دينه (٢) وهو حديث مشهور له طرق كثيرة عن جابر منها (٣) : عامر الشعبي عن جابر من طريق زكريا بن زائدة. أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. ومن طريق مغيرة عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب البيوع. ومن طريق فراس عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب الوصايا. ويرويه عن جابر أيضاً، وهب بن كيسان، أخرجه البخاري في كتاب الصلح. ويرويه عن جابر أيضاً، ابن كعب بن مالك، أخرجه البخاري في الاستقراض والهبة. ويرويه عن جابر نبيح العنزي، أخرجه الإمام أحمد. ومما سبق يتبين أن جهالة إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي - على التسليم بها - لا تضر في صحة هذا الحديث لكثرة طرقه، واشتهار مخرجه، وهذا يؤيد ما نقلته عن الحافظ من أن كثرة الطرق يستغنى بها عن شهرة الراوي بالطلب عند الشيخين. ٣ - أسامة بن حفص المدني: قال الحافظ: ضعفه الأزدي، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول. له في الصحيح حديث واحد في الذبائح (٤) بمتابعة أبي خالد الأحمر

стр. 104

والطفاوي. وقرأت بخط الذهبي في ميزانه، ليس بمجهول فقد روى عنه أربعة " (١) والظاهر من حال أسامة بن حفص أنه غير مشهور بالراوية. وذلك أن الإمام البخاري لما ذكره في تاريخه لم يزد على ما في هذا الإسناد حيث قال: " أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة، سمع منه محمد بن عبيد الله (٢) " ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل ". ويظهر من صنيع الإمام البخاري أنه لم يحتج به لأنه قد أخرج هذا الحديث من رواية الطفاوي وغيره (٣) ويؤخذ من صنيعه أيضاً أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون رواية من أهل الضبط والإتقان. أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك وصح الحديث على شرطه (٤) . ٤ - أسباب أبو اليسع: قال أبو حاتم فيه: مجهول. روى له البخاري حديثاً واحداً في البيوع من روايته عن هشام الدستوائي مقروناً (٥) . ٥ - بيان بن عمرو البخاري العابد: شيخ البخاري اثنى عليه ابن المديني ووثقه ابن حبان وابن عدي. وقال أبو حاتم: مجهول. قال الحافظ: ليس بمجهول من روى عنه البخاري وأبو زرعة، وعبد الله بن واصل ووثقه من ذكرنا (٦) . فمثل هذا لا يصح أن يطلق عليه لفظ " مجهول " لأن من عرفه وعلم

стр. 105

حاله حجة على من لم يعرفه ويخبر حاله. ٦ - الحسين بن الحسن بن يسار: صاحب ابن عون، قال أبو حاتم: مجهول. وقال أحمد بن حنبل: كان من الثقات، احتج به مسلم والنسائي، وروى له البخاري حديثاً واحداً في الاستسقاء توبع عليه (١) . ٧ - الحكم بن عبد الله: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: " ليس بمجهول من روى عنه أربعة ثقات ووثقه الذهلي. ومع ذلك ليس له في البخاري سوى حديث واحد في الزكاة (٢) أخرجه عن أبي قدامة عنه عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي مسعود في نزول قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ((٣) ، وأخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة " (٤) . ٨ - عباس بن الحسين القنطري: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: " ليس بمجهول إن أراد العين فقد روى عنه البخاري وموسى بن هارون الحمال. والحسن بن علي المعمري وغيرهم. وإن أراد الحال فقد وثقه عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال: سألت أبي عنه فذكره بخير، وله في الصحيح حديثان قرنه في أحدهما وتوبع في الآخر " (٥) .

стр. 106

٩ - محمد بن الحسن المروزي: من شيوخ البخاري لم يعرفه أبو حاتم فقال: إنه مجهول. قال الحافظ: " قد عرفه البخاري وروى عنه في صحيحه في موضعين. وعرفه ابن حبان فذكره في الطبقة الرابعة من الثقات " (١) . ١٠ - خالد بن سعد الكوفي: مولى أبي مسعود الأنصاري، وثقة ابن معين. وقال ابن أبي عاصم: مجهول. أخرج له البخاري حديثاً واحداً في الطب (٢) من روايته عن أبي عتيق عن عائشة في الحبة السوداء، وله عنده شواهد (٣) . مما سبق يتضح لنا أن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط. وذلك لأن جهالة الراوي لا يمكن معها تحقيق عدالته، التي هي شرط في صحة الحديث، أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد على أحاديثهم، وما يرويه لهم أحاديث يسيرة جداً لها طرق وشواهد كثيرة. المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم سأتناول في هذه المطلب مسألة الوحدان، وموقف الإمام البخاري من رواياتهم. وهي مسألة لها تعلق كبير بمسألة الجهالة. أي هل هؤلاء الرواة يعدون في المجاهيل أم لا؟ تعريف الوحدان: وحدان لغة جمع واحد، ويجمع على أحدان، كشاب وشبان، وراعٍ

стр. 107

ورعيان (١) . واصطلاحاً: هو من لم يرو عنه إلا واحد ولو سُمي (٢) . وقد اهتم العلماء بهذا النوع من الرواة وصنفوا فيه كالإمام مسلم والحسن بن سفيان وغيرهما (٣) ومنهم من ذكره في أنواع علوم الحديث (٤) كالحاكم في معرفة علوم الحديث، وابن الصلاح في كتابه (٥) . قد اختلفت أنظار العالم حول موقف البخاري من روايات الوحدان، فمنهم من نفى تخريج البخاري لرواياتهم في صحيحه، ومنهم من أثبت وجودها ومنهم من توسط في الأمر وذهب إلى أن البخاري لم يخرج لهم إلا شيئاً يسيراً لملابسات خاصة وإليك التفصيل. ذهب الإمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) إلى أن الإمام البخاري لم يرو عن الوحدان في صحيحه، وهذا في معرض كلامه على الحديث الصحيح في كتابه " المدخل في أصول الحديث " فقد قسم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام: خمسة متفق عليها من أحاديث الصحيحين يقول ﵀: " فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو

стр. 108

مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من الصحيح " (١) . ويلاحظ هنا أن الحاكم عدَّ الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد ليس مشهوراً. ومن هنا لا يصل حديثه إلى الدرجة العالية من الثقة التي تجعل البخاري ومسلم يأخذان بحديثه وقد عد الحاكم حديث مثل هذا النوع في الدرجة الثانية من درجات الصحيح المتفق عليه ومثل له بحديث عروة بن مضرس الطائي أنه قال: " أتيت رسول الله ﷺ وهو بالمزدلفة: فقلت يا رسول الله أتيتك من جبل طيء، أتعبت نفسي، وأكلت مطيتي، ووالله ما تركت من جبل إلا وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : " من صلى معنا هذه الصلاة وقد أتى عرفة قبل ذلك بيوم أو ليلة فقد تم حجه، وقضى تفثه " (٢) . ثم عدد الحاكم كثيراً من الصحابة الذين رووا أحاديث عن رسول الله ﷺ ولم يكن لكل واحد منهم إلا راو واحد ثم قال: " والشواهد كما ذكرنا كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح " (٣) . وقد عارض أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) الحاكم في هذا، وقرر أن البخاري ومسلماً لم يكن عندهما هذا الشرط ولا نقل على واحد منهما أنه قال بذلك وأن الحاكم لم يقدر هذا التقدير عن استقراء

стр. 109

يصل به إلى نتيجة صحيحة، أو يقين، وإنما قاله على الظن، لأن ما في الصحيحين على خلاف ذلك. ثم ساق الأمثلة التي تنقض ما ذهب إليه الحاكم. فقد أخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: يذهب الصالحون أسلافاً، ويقبض الصالحون أسلافاً، الأول، فالأول، حتى تبقى حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يباهي الله بهم شيئاً " (١) وليس لمرداس راو غير قيس. وأخرج هو ومسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب (٢) قال: " إن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: أي عمي قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب "، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: " على ملة عبد المطلب " فقال النبي ﷺ : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنه " فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ((٣) ونزلت (إنك لا تهدي من أحببت ((٤) " ولم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد بن المسيب. وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب عن

стр. 110

النبي ﷺ : " إني لأعطي الرجل، والذي أدع أحب إلي الحديث " (١) ولم يرو عن عمرو غير الحسن البصري. كما يقرر أبو الفضل المقدسي أن هناك أمثلة في البخاري غير هذه، كما يشير إلى أن الحاكم ليس أول من ذهب إلى هذا، ولكن أبا عبد الله بن محمد بن إسحاق بن منده (ت ٣٩٥هـ) ذهب إلى ذلك، وهما متعاصران. فقد قال: " من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهوراً مثل الشعبي، وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفاً تبين أمرها " (٢) . ويرى المقدسي أن شرط البخاري ومسلم هو أنهما يخرجان " الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات والأثبات، ويكون إسنادة متصلاً غير مقطوع فإن كان للصحابي روايان فصاعداً فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه " (٣) . وجاء بعد أبي الفضل المقدسي، الحافظ أبو بكر موسى بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) ففصل القول في رد دعوى الحاكم وأتى بأمثلة أكثر مما أتى به الأول (٤) . ويرى ابن الأثير أن الحاكم لا يقصد ما فهمه المقدسي والحازمي وإنما يقصد أن يكون للصحابي راويان وإن كان الحديث الذي يحتج به في
следующие страницы →